
نماذج من قصص الأنبياء في القرآن3

قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لأوي بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم عليهم السلام.
قال تعالى:
{واذكر في الكتاب موسى، إنه كان مخلصا وكان رسولاً نبياً * وناديناه
من جانب الطور الأيمن وقربناه ونجيا * ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون
نبيا} (سورة مريم:51ـ53)
(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً) أي: تجبر وعتا وطغى وبغى،
وآثر الحياة الدنيا، وأعرض عن طاعة الرب الأعلى، (وجعل أهلها شيعاً) أي:
قسم رعيته إلي أقسام، وفرق وأنواع، يستضعف طائفة منهم، وهم شعب إسرائيل
الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب ابن نبي الله ابن خليل الله، وكانوا إذ
ذاك خيار أهل الأرض، وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر،
ويستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وأردئها وأدناها، ومع هذا (يذبح
أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين).
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بني إسرائيل كانوا
يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه سيخرج من
ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه. وذلك ـ والله أعلم ـ حين كان جرى
على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من إرادته إياها على السوء وعصمة الله
لها. وكانت هذه البشارة مشهورة في بني إسرائيل، فتحدث بها القبط فيما
بينهم، ووصلت إلي فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده،
فأمر عند ذلك بقتل أبناء بني إسرائيل، حذراً من وجود هذا الغلام، ولن يغني
حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبي صالح وأبي مالك، عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن
مسعود، وعن أناس من الصحابة: أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً قد أقبلت من
نحو بيت القدس، فأحرقت دور مصر وجميع القبط، ولم تضر بني إسرائيل، فلما
استيقظ هاله ذلك، فجمع الكهنة والحذقة والسحرة، وسألهم عن ذلك، فقالوا: هذا
غلام يولد من هؤلاء، يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه، فلهذا أمر بقتل
الغلمان وترك النسون.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز ألا يوجد موسى، حتى جعل رجالاً
وقوابل يدورون على الحبالى، ويعلمون مقيمات وضعهن، فلا تلد امرأة ذكراً إلا
ذبحه أولئك الذباحون من ساعته. وعند أهل الكتاب: أنه إنما كان يأمر بقتل
الغلمان، لتضعف شوكة بني إسرائيل، فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم.
وهذا فيه نظر، بل هو باطل، وإنما هذا الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى،
كما قال تعالى:
{فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه
واستحيوا نساءهم} (سورة غافر:25)
ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى:
{أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} (سورة الأعراف:129)
فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولاً، حذراً من وجود موسى.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين: أن القبط شكوا إلي فرعون قلة بني
إسرائيل، بسبب قتل ولدانهم الذكور، وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار،
فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون، فأمر فرعون بقتل
الأبناء عاماً وأن يتركوا عاماً، فذكروا أن هارون عليه السلام ولد في عام
المسامحة عن قتل الأبناء، وأن موسى عليه السلام ولد في عام قتلهم، فضاقت
أمه ذرعاً واحترزت من أول ما حبلت، ولم يكن يظهر عليها مخايل الحبل، فلما
وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتاً، فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل
فكانت ترضعه، فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت، فأرسلته في البحر،
وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا ذهبوا استرجعته إليها به.
قال تعالى:
{وأوحينا إلي أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا
تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون
ليكون لهم عدواً وحزنا، إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت
امرأة فرعون قرت عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً وهم
لا يشعرون} (سورة القصص:7ـ9)
قال السهيلي: واسم أم موسى "أيارخا" وقيل: "أياذخت"، والمقصود أنها
أرشدت إلي هذا الذي ذكرناه، وألقى في خلدها وروعها ألا تخافي ولا تحزني
فإنه إن ذهب فإن الله سيرده إليك، وإن الله سيجعله نبياً مرسلا، يعلي كلمته
في الدنيا والآخرة، فكانت تصنع ما أمرت به، فأرسلته ذات يوم وذهلت أن تربط
طرف الحبل عندها فذهب في النيل، فمر على دار فرعون (فالتقطه آل فرعون)، قال
الله تعالى: (ليكون لهم عدواً وحزناً) قال بعضهم: هذه لأم العاقبة، وهو
ظاهر إن كان متعلقا بقوله: (فالتقطه). وأما إن جعل متعلقاً بمضمون الكلام،
وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدواً وحزناً، وصارت اللام معللة
كغيرها، والله أعلم. ويقوي هذا التقدير الثاني قوله: (إن فرعون وهامان
وجنودهما كانوا خاطئين) أي: هم أهل لهذا التقييض، ليكون أبلغ في إهانتهم
وأقوى في حسرتهم، أن يربوا عدوهم في دارهم، ولهذا قال: (ليكون لهم عدواً
وحزناً).
وذكر المفسرون: أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه،
فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون "آسية" بنت مزاحم بن
عبيد بن الريان ابن الوليد الذي كان فرعون مصر في زمن يوسف. وقيل: إنها
كانت من بني إسرائيل من سبط موسى. وقيل: بل كانت عمته، حكاه السهيلي، فالله
أعلم. فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية
والجلالة الموسوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديداً جداً، فلما
جاء فرعون قال: ما هذا؟ وأمر بذبحه، فاستوهبته منه ودفعت عنه، وقالت: (قرة
عين لي ولك) فقال لها فرعون: أما لك فنعم وأما لي فلا أي لا حاجة لي به.
و"البلاء موكل بالمنطق"!.
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة
الضحاك وغيرهم (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً) أي: من كل شيء من أمور الدنيا
إلا من موسى (إن كادت لتبدي به) أي: لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة (لولا أن
ربطنا على قلبها) أي: صبرناها وثبتناها (لتكون من المؤمنين) وقالت لأخته،
وهي ابنتها الكبيرة (قصيه) أي: اتبعي أثره، واطلبي لي خبره (فبصرت به عن
جنب) قال مجاهد: عن بعد. وقال قتادة: جعلت تنظر إليه وكأنها لا تريده،
ولهذا قال: (وهم لا يشعرون) وذلك لأن موسى عليه السلام لما استقر بدار
فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثدياً ولا أخذ طعاماً، فحاروا في
أمره، واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل؛ كما قال تعالى: (وحرمنا عليه
المراضع من قبل) فأرسلوه مع القوابل والنساء إلي السوق؛ لعلهم يجدون من
يوافق رضاعته، فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته، فلم
تظهر أنها تعرفه بل قالت: (هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له
ناصحون) قال ابن عباس: لما قالت ذلك، قالوا لها: ما يدريك بنصحهم وشفقتهم
عليه؟ فقالت: رغبة في سرور الملك ورجاء منفعته.
فأطلقوها وذهبوا معها إلي منزلهم، فأخذته أمه، فلما أرضعته التقم
ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وذهب البشير إلي
"آسية" يعلمها بذلك، فاستدعتها إلي منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها، وأن
تحسن إليها، فأبت عليها، وقالت: إن لي بعلاً وأولاداً، ولست أقدر على هذا
إلا أن ترسليه معي، فأرسلته معها، ورتبت لها رواتب، وأجرت عليها النفقات
والكساوي والهبات، فرجعت به تحوزه إلي رحلها، وقد جمع الله شمله بشملها.
قال الله تعالى: (فرددناه إلي أمة كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن
وعد الله حق) كما وعدناها برده ورسالته، فهذا رده، وهو دليل على صدق
البشارة برسالته (ولكن أكثرهم لا يعلمون). لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه
برده لها وإحسانه بذلك، وامتنانه عليها، شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده
واستوى، وهو احتكام الخلق والخلق، وهو سن الأربعين في قول الأكثرين، آتاه
الله حكماً وعلماً، وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال:
(إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين).
ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر، وذهابه إلي أرض مدين، وإقامته
هنالك حتى كمل الأجل وانقضى الأمد، وكان ما كان من كلام الله له، وإكرامه
بما أكرمه به، كما سيأتي. فقال تعالى: (ودخل المدينة على حين غفلة من
أهلها) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي: وذلك نصف النهار،
وعن ابن عباس: بين العشاءين. (فوجد فيها رجلين يقتتلان) أي: يتضاربان
ويتهارشان (هذا من شيعته) أي: إسرائيلي. (وهذا من عدوه) أي: قبطي، قاله ابن
عباس وقتادة والسدي ومحمد ابن إسحاق.
(فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) وذلك أن موسى عليه
السلام، كانت له بديار مصر صولة، بسبب نسبته إلي تبني فرعون له وتربيته في
بيته، وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة، وارتفعت رءوسهم بسبب
أنهم أرضعوه، وهم أخواله أي من الرضاعة، فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى
عليه السلام على ذلك القبطي أقبل إليه موسى (فوكزه) قال مجاهد: أي طعنه
بجميع كفه، وقال قتادة: بعصاً كانت معه (فقضى عليه) أي: فمات منها.
وقد كان ذلك القبطي كافراً مشركاً بالله العظيم، ولم يرد موسى قتله
بالكلية، وإنما أراد زجره وردعه، ومع هذا (قال) موسى: (هذا من عمل الشيطان
إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور
الرحيم * قال رب بما أنعمت علي) أي: من العز والجاه (فلن أكون ظهيراً
للمجرمين).
يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفاً ـ أي: من فرعون وملئه ـ
أن يعلموا أن هذا القتيل الذي رفع إليه أمره، إنما قتله موسى في نصرة رجل
من بني إسرائيل، فتقوى ظنونهم أن موسى منهم، وترتب على ذلك أمر عظيم. فصار
يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم (خائفاً يترقب) أي: يتلفت، فبينما هو
كذلك، إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس يستصرخه، أي: يصرخ به
ويستغيثه على آخر قد قاتله، فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته، قال
له: (إنك لغوي مبين) ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي، الذي هو عدو لموسى
وللإسرائيلي، فيردعه عنه ويخلصه منه، فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي
(قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس أن تريد إلا أن تكون
جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين).
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل
في طلبه، وسبقهم رجل ناصح من طريق أقرب (وجاء رجل من أقصى المدينة) ساعياً
إليه، مشفقاً عليه، فقال (يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج) أي:
من هذه البلدة، (إني لك من الناصحين) أي: فيما أقوله لك. قال الله تعالى:
(فخرج منها خائفاً يترقب)، أي: فخرج من مدينة نصر من فوره على وجهه لا
يهتدي إلي طريق ولا يعرفه، قائلاً:
{رب نجني من القوم الظالمين * ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن
يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد
من دونهم امرأتين تذودان، قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء
وأبونا شيخ كبير * فسقى لهما ثم تولى إلي الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي
من خير فقير} (سورة القصص:21ـ24)
يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفاً يترقب، أي:
يتلفت، خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون، وهو لا يدري أين يتوجه، ولا إلي
أين يذهب، وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها. (ولما توجه تلقاء مدين) أي:
اتخذ له طريقاً يذهب فيه: (قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل) أي: عسى أن
تكون هذه الطريقة موصلة إلي المقصود، وكذا وقع، فقد أوصلته إلي المقصود وأي
مقصود. (ولما ورد ماء مدين) وكانت بئراً يستقون منها، ومدين هي المدينة
التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة، وهم قوم شعيب عليه السلام، وقد كان
هلاكهم قبل زمن موسى عليه السلام في أحد قولي العلماء.
ولما ورد الماء (وجد عليه أمة من الناس يسقون * ووجد من دونهم
امرأتين تذودان) أي: تكفكفان عنهما غنمهما أن تختلط بغنم الناس. وعند أهل
الكتاب أنهن كن سبع بنات، وهذا أيضاً من الغلط، ولعلهن كن سبعاً ولكن إنما
كان تسقى اثنتان منهن، وهذا الجمع ممكن إن كان ذاك محفوظاً، وإلا فالظاهر
أنه لم يكن له سوى بنتين.
(قال ما خطبكما، قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير)
أي: لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا، وسبب مباشرتنا هذه
الرعية ضعف أبينا وكبره، قال الله تعالى: (فسقى لهما). قال المفسرون: وذلك
أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم، وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجئ
هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس، فلما كان ذلك اليوم جاء
موسى فرفع تلك الصخرة وحده، ثم استقى لهما وسقى غنمهما، ثم رد الحجر كما
كان، قال أمير المؤمنين عمر: وكان لا يرفعه إلا عشرة، وإنما استقى ذنوباً
واحداً فكفاهما.
ثم تولى إلي الظل، قالوا: وكان ظل شجرة من السمر، وروي ابن جرير عن
ابن مسعود: أنه رآها خضراء ترف (فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير).
سمعته المرأتان فيما قيل، فذهبتا إلي أبيهما، فيقال إنه استنكر سرعة
رجوعهما، فأخبرتاه بما كان من أمر موسى عليه السلام، فأمر إحداهما أن تذهب
إليه فتدعوه (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء) أي: مشي الحرائر، (قالت إن
أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا) صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة،
وهذا من تمام حيائها وصيانتها (فلما جاءه وقص عليه القصص) وأخبره خبره، وما
كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فراراً من فرعون، (قال) له ذلك الشيخ (لا
تخف نجوت من القوم الظالمين) أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم. وقد
اختلفوا في هذا الشيخ من هو؟ فقيل: هو شعيب عليه السلام، وهذا هو المشهور
عند الكثيرين، وممن نص عليه الحسن البصري، ومالك بن أنس، وجاء مصرحاً به في
حديث، ولكن في إسناده نظر.
والمقصود: أنه لما أضافه وأكرم مثواه، وقص عليه ما كان من أمره بشره
بأنه قد نجا، فعند ذلك قالت: إحدى البنتين لأبيها: (يا أبت استأجره) أي:
لرعي غنمك، ثم مدحته بأنه قوي أمين. قال عمر وابن عباس وشريح القاضي وأبو
مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد لما قالت ذلك، قال لها أبوها: وما
علمك بهذا؟ فقالت: إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة. وإنه لما جئت معه
تقدمت أمامه، فقال: كوني من ورائي، فإذا اختلف الطريق فاحذفي لي بحصاه أعلم
بها كيف الطريق.
(قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج،
فإذا أتممت عشراً فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من
الصالحين). ثم قال تعالى: (ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي
والله على ما نقول وكيل)، يقول: إن موسى قال لصهره: الأمر على ما قلت،
فأيهما قضيت فلا عدوان على والله على مقالتنا سامع وشاهد، ووكيل علي وعليك،
ومع هذا فلم يقض إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما
يعيشون به، فأعطاها ما ولدت غنمه، من ما له لون من ولد ذلك العام، وكانت
غنمه سوداء حساناً، فانطلق موسى عليه السلام إلي عصا قسمها من طرفها ثم
وضعها في أدنى الحوض، ثم أوردها فسقاها. قالوا: واتفق ذلك في ليلة مظلمة
باردة، وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا إلي السلوك في الدرب المألوف، وجعل
يوري زناده فلا يوري شيئاً، واشتد الظلام والبرد.
فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد ناراً تأجج في جانب الطور ـ وهو
الجبل الغربي منه عن يمينه ـ (فقال لأهله امكثوا إني آنست ناراً) وكأنه،
والله أعلم، رآها دونهم؛ لأن هذه النار هي نور الحقيقة، ولا يصلح رؤيتها
لكل أحد، (لعلى آتيكم منها بخير) أي: لعلى استعلم من عندها عن الطريق (أو
جذوة من النار لعلكم تصطلون) فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في
ليلة باردة ومظلمة. لقوله: في الآية الأخرى:
{وهل أتاك حديث موسى * إذا رأى ناراً فقال لأهله امكثوا إني آنست
ناراً لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى} (سورة طه:9ـ10)
فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق، وجمع الكل في قوله في
النمل:
{إذ قال موسى لأهله إني آنست ناراً سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب
قبس لعلكم تصطلون} (سورة النمل:7)
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر، ووجد عندها هدى وأي هدى، واقتبس منها
نوراً وأي نور؟!. قال الله تعالى:
{فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من
الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين}
أي: أنا رب العالمين الذي لا إله إلا هو، الذي لا تصلح العبادة
وإقامة الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار، وإنما الدار
الباقية يوم القيامة، التي لابد من كونها ووجودها (لتجزي كل نفس بما تسعى)
أي: من خير وشر، وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى
مولاه واتبع هواه، ثم قال مخاطباً ومؤانساً ومبيناً له أنه القادر على كل
شيء، الذي يقول للشيء كن فيكون:
{وما تلك بيمينك يا موسى} (سورة طه:17)
أي: أما هذه عصاك التي تعرفها منذ صحبتها
{قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى}
(سورة طه:18)
أي: بلى هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها،
{قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى} (سورة طه:19ـ20)
فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها (قال خذها ولا تخف سنعيدها
سيرتها الأولى) فيقال: إنه هابطها شديداً، فوضع يده في كم مدرعته، ثم وضع
يده في وسط فمها. وعند أهل الكتاب: أمسك بذنبها، فلما استمكن منها إذا هي
قد عادت كما كانت عصاً ذات شعبتين، فسبحان القدير العظيم، رب المشرقين
والمغربين!. ثم أمره تعالى بإدخال يده في جيبه، ثم أمره بنزعها فإذا هي
تتلألأ كالقمر بياضاً من غير سوء، أي: من غير برص ولا بهق، ولهذا قال:
{اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم يدك إلي جناحك من
الرهب} (سورة القصص:32)
قيل معناه: إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. والمقصود أن الله
سبحانه وتعالى لما أمر موسى عليه السلام بالذهاب إلي فرعون
{قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح
مني لساناً فأرسله معي ردءاً يصدقني، إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك
بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما
الغالبون} (سورة القصص:33ـ35)
قال الله تعالى مجيباً إلي سؤاله: (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما
سلطاناً) أي: برهاناً (فلا يصلون إليكما) أي: فلا ينالون منكما مكروهاً
بسبب قيامكما بآياتنا، وقيل ببركة آياتنا (أنتما ومن اتبعكما الغالبون).
وقال في سورة طه:
{اذهب إلي فرعون إنه طغى * قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري *
وأحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي} (سورة طه:24ـ28)
قيل: إنه أصابه في لسانه لثغة، بسبب تلك الجمرة التي وضعها على
لسانه، والتي كان فرعون أراد اختبار عقله، حين أخذ بلحيته وهو صغير، فهم
بقتله، فخافت عليه آسية، وقالت: إنه طفل، فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه
فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده إلي الجمرة، فأخذها فوضعها على لسانه
فأصابه لثغة بسببها؛ فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله: ولم يسأل
زوالها بالكلية.
فأتياه فقالا له ذلك، وبلغاه ما أرسلا به من دعوته إلي عباد الله
تعالى وحده لا شريك لك، وأنه يفك أسارى بني إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته،
ويتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا، ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه.
فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى، ونظر إلي موسى بعين الازدراء والتنقص
قائلاً له: (ألم نربك فينا وليداً ولبثت فينا من عمرك سنين؟) أي: أما أنت
الذي ربيناه في منزلنا، وأحسنا إليه، وأنعمنا عليه مدة من الدهر؟.
وقوله:
{وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} (سورة الشعراء:19)
أي: وقتلت الرجل القبطي، وفررت منا، وجحدت نعمتنا.
{قال فعلتها إذا وأنا من الضالين} (سورة الشعراء:20)
أي: قبل أن يوحي إلي وينزل على
{فقررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين} (سورة
الشعراء:21)
ثم قال مجيباً لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان إليه:
{وتلك النعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل} (سورة الشعراء:22)
أي: وهذه النعمة التي ذكرت؛ من أنك أحسنت إلي وأنا رجل واحد من بني
إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله، واستعبدتهم في أعمالك
وخدمتك وأشغالك.
{قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما بينهما،
إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين
* قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما
بينهما، إن كنتم تعقلون} (سورة القصص:21ـ24)
فلما قامت الحجج على فرعون، وانقطعت شبهه، ولم يبق له قول سوى
العناد، عدل إلي استعمال سلطانه وجاهه وسطوته.
{قال لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أو لو جئتك
بشيء مبين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء
للناظرين} (سورة الشعراء:29ـ33)
وهذان هما الرهانان اللذان أيده الله بهما، وهما العصا واليد، وذلك
مقام أظهر فيه الخارق العظيم، الذي بهر العقول والأبصار، حين ألقى عصاه،
فإذا هي ثعبان مبين، أي: عظيم الشكل، بديع في الضخامة والهول، والمنظر
العظيم الفظيع الباهر، حتى قيل: إن فرعون لما شاهد ذلك وعاينه، أخذه رعب
شديد وخوف عظيم، بحيث إنه حصل له إسهال عظيم أكثر من أربعين مرة في يوم،
وكان قبل ذلك لا يتبرز في كل أربعين يوماً إلا مرة واحدة، فانعكس عليه
الحال.
وهكذا لما أدخل موسى عليه السلام يده في جيبه واستخرجها، أخرجها وهي
كفلقة القمر تتلألأ نوراً يبهر الأبصار، فإذا أعادها إلي جيبه واستخرجها
رجعت إلي صفتها الأولى. ومع هذا كله لم ينتفع فرعون ـ لعنة الله عليه ـ
بشيء من ذلك، بل استمر على ما هو عليه، وأظهر أن هذا كله سحر، وأراد
معارضته بالسحرة، فأرسل يجمعهم من سائر مملكته، ومن هم في رعيته وتحت قهره
ودولته، ثم حضوا بعضكم بعضاً على التقدم في هذا المقام؛ لأن فرعون قد وعدهم
ومناهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً.
{قالوا يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى * قال بل
ألقوا، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه
خيفة موسى * قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا،
إنما صنعوا كي ساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى} (سورة طه:65ـ69)
لما اصطف السحرة، ووقف موسى وهارون عليهما السلام تجاههم، قالوا له:
إما أن تلقي قبلنا، وإما أن نلقي قبلك (قال بل ألقوا) أنتم، وكانوا قد
عمدوا إلي حبال وعصى فأودعوها الزئبق وغيره من الآلات التي تضطرب بسببها
تلك الحبال والعصي اضطراباً يخيل للرائي أنها تسعى باختيارها، وإنما تتحرك
بسبب ذلك، فعند ذلك سحروا أعين الناس واسترهبوهم، وألقوا حبالهم وعصيهم،
وهم يقولون:
{بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} (سورة الشعراء:44)
وذلك أن موسى عليه السلام لما ألقاها، صارت حية عظيمة ذات قوائم،
فيما ذكره غير واحد من علماء السلف، وعنق عظيم وشكل هائل مزعج، بحيث إن
الناس انحازوا منها وهربوا سراعاً، وتأخروا عن مكانها وأقبلت هي على ما
ألقوه من الحبال والعصي، فجعلت تلقفه واحداً واحداً في أسرع ما يكون من
الحركة، والناس ينظرون إليها ويتعجبون منها، وأما السحرة فإنهم رأوا ما
هالهم وحيرهم في أمرهم واطلعوا على أمر لم يكن في خلدهم ولا بالهم ولا يدخل
تحت صناعتهم وأشغالهم، فعند ذلك وهنالك تحققوا بما عندهم من العلم أن هذا
ليس بسحر ولا شعوذة، ولا محال ولا خيال، ولا زور ولا بهتان ولا ضلال؛ بل حق
لا يقدر عليه إلا الحق؛ الذي ابتعث هذا المؤيد به بالحق، وكشف الله عن
قلوبهم غشاوة الغفلة، وأنارها بما خلق فيها من الهدى، وأزاح عنها القساوة،
وأنابوا إلي ربهم وخروا له ساجدين، وقالوا جهرة للحاضرين، ولم يخشوا عقوبة
ولا بلوى: (آمنا برب هارون وموسى).
قال سعيد بن جبير وعكرمة والقاسم بن أبي بردة والأوزاعي وغيرهم: لما
سجد السحرة رأوا منازلهم وقصورهم في الجنة تهيأ لهم، وتزخرف لقدومهم، ولهذا
لم يلتفتوا إلي تهويل فرعون وتهديده ووعيده.
وذلك لأن فرعون لما رأى هؤلاء السحرة قد أسلموا وأشهروا ذكر موسى
وهارون في الناس على هذه الصفة الجميلة، أفزعه ذلك، ورأى أمراً بهره، وأعمى
بصيرته وبصره، وكان فيه كيد ومكر وخداع، وصنعة بليغة في الصد عن سبيل الله،
فقال مخاطباً للسحرة بحضرة الناس: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) أي: هلا
شاورتموني فيما صنعتم من الأمر الفظيع بحضرة رعيتي؟! ثم تهدد وتوعد وأبرق
وأرعد، وكذب فأبعد قائلاً: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر). والمقصود أن
فرعون كذب وافترى وكفر غاية الكفر في قوله: (إنه لكبيركم الذي علمكم السحر)
وأتى ببهتان يعلمه العالمون بل العالمون في قوله:
{إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون}
(سورة الأعراف:123)
وقوله: (لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) يعني: يقطع اليد اليمنى
والرجل اليسرى وعكسه،
{ولأصلبنكم أجمعين} (سورة الأعراف:124)
أي: ليجعلهم مثلة ونكالاً لئلا يقتدي بهم أحد من رعيته، وأهل ملته،
ولهذا قال: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي: على جذوع النخل، لأنها أعلى
وأشهر
{ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى} (سورة طه:71)
يعني: في الدنيا.
{قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} (سورة طه:72)
أي: لن نطيعك ونترك ما وقر في قلوبنا من البينات والدلائل القاطعات
(والذي فطرنا) قيل: معطوف، وقيل قسم (فاقض ما أنت قاض) أي: فافعل ما قدرت
عليه (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) أي: إنما حكمك علينا في هذه الحياة
الدنيا، فإذا انتقلنا منها إلي الدار الآخرة صرنا إلي حكم الذي أسلمنا له
واتبعنا رسله،
{إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله
خير وأبقى} (سورة طه:73)
أي: وثوابه خير مما وعدتنا به من التقريب والترغيب، (وأبقى) أي:
وأدوم من هذه الدار الفانية، وفي الآية الأخرى:
{قالوا لا ضير إنا إلي ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا
خطايانا} (سورة الشعراء:50ـ51)
أي: ما اجترمناه من المآثم والمحارم
{أن كنا أول المؤمنين} (سورة الشعراء: 51)
أي: من القبط، بموسى وهارون عليهما السلام.
والظاهر من هذه السياقات أن فرعون ـ لعنه الله ـ صلبهم وعذبهم رضي
الله عنهم قال عبد الله بن عباس وعبيد بن عمير: كانوا من أول النهار سحرة،
فصاروا من آخره شهداء بررة!. ويؤيد هذا قولهم:
{ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين} (سورة الأعراف:126)
قال المفسرون وغيرهم من أهل الكتاب: استأذن بنو إسرائيل فرعون في
الخروج إلي عيد لهم، فأذن لهم وهو كاره، ولكنهم تجهزوا للخروج وتأهبوا له،
وإنما كان في نفس الأمر مكيدة بفرعون وجنوده، ليتخلصوا منهم ويخرجوا عنهم.
وأمرهم الله تعالى ـ فيما ذكره أهل الكتاب ـ أن يستعيروا حلياً منهم،
فأعاروهم شيئاً كثيراً، فخرجوا بليل فساروا مستمرين ذاهبين من فورهم،
طالبين بلاد الشام، فلما علم بذهابهم فرعون حنق عليهم كل الحنق، واشتد غضبه
عليهم، وشرع في استحثاث جيشه وجمع جنوده ليلحقهم ويمحقهم.
قال الله تعالى:
{وأوحينا إلي موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون * فأرسل فرعون في
المدائن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنا لجميع
حاذرون فأخرجناهم * من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم * كذلك وأوروثناها
بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا
لمدركون * قال كلا، إن معي ربي سيهدين * فأوحينا إلي موسى أن أضرب بعصاك
البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ثم الآخرين * وأنجينا
موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآية، وما كان أكثرهم
مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} (سورة الشعراء:52ـ68)
قال علماء التفسير: لما ركب فرعون في جنوده، طالباً بني إسرائيل
يقفو أثرهم، كان في جيش كثيف عرمرم ، حتى قيل: كان في خيوله مائة ألف فحل
أدهم، وكانت عدة جنوده تزيد على ألف ألف وستمائة ألف. فالله أعلم. والمقصود
أن فرعون لحقهم بالجنود، فأدركهم عند شروق الشمس، وتراءى الجمعان ولم يبق
ثم ريب ولا لبس، وعاين كل من الفريقين صاحبه وتحققه ورآه، ولم يبق إلا
المقاتلة والمجادلة والمحاماة، فعندها قال أصحاب موسى وهم خائفون: (إنا
لمدركون) وذلك لأنهم اضطروا في طريقهم إلي البحر فليس لهم طريق ولا محيد
إلا سلوكه وخوضه، وهذا ما لا يستطيعه أحد ولا يقدر عليه، والجبال عن يسرتهم
وعن أيمانهم وهي شاهقة منيفة، وفرعون قد غالقهم وواجههم، وعاينوه في جنوده
وديوشه وعدده وعدته، وهم منه في غاية الخوف والذعر، لما قاسوا في سلطانه من
الإهانة والمكر.
فلما تفاقم الأمر، وضاق الحال، واشتد الأمر، واقترب فرعون وجنوده في
جدهم وحدهم وحديدهم، وغضبهم وحنقهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر،
فعند ذلك أوحى الحليم العظيم القدير، رب العرش الكريم، إلي موسى الكليم:
(أن اضرب بعصاك البحر)، فلما ضربه يقال إنه قال له: انفلق بإذن الله،
ويقال: إنه كناه بأبي خالد، فالله أعلم.
قال الله تعالى: (فأوحينا إلي موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان
كل فريق كالطود العظيم)، ويقال: إنه انفلق اثنتي عشرة طريقاً، لكل سبط طريق
يسيرون فيه، حتى قيل: إنه طار فيه أيضاً شبابيك ليرى بعضهم بعضاً! وفي هذا
نظر؛ لأن الماء جرم شفاف إذا كان من ورائه ضياء حكاه.
فأراد موسى عليه السلام أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه،
لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القدير ذو الجلال
أن يترك البحر على هذه الحال، كما قال وهو الصادق في المقال:
{ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد
الله، إني لكم رسول أمين * وأن لا تعلوا على الله، إني آتيكم بسلطان مبين *
وإني عذت بربي وربكم أن ترجعون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون * فدعا ربه أن
هؤلاء قوم مجرمون * فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون * واترك البحر رهواً،
إنهم جند مغرقون * كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة
كانوا فيها فاكهين * كذلك، وأورثناها قوماً آخرين * فما بكت عليهم السماء
والأرض وما كانوا منظرين * ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من
فرعون، إنه كان عالياً من المسرفين * ولقد اخترناهم على علم على العالمين *
وآتيناهم من الآيات ما فيه بلاء مبين} (سورة الدخان:17ـ33)
فقوله تعالى: (واترك البحر رهواً) أي: ساكناً على هيئته، لا تغيره
عن هذه الصفة، قاله عبد الله بن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع والضحاك وقتادة
وكعب الأحبار وسماك بن حرب وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فلما تركه
على هيئته وحالته وانتهى فرعون، فرأى ما رأى وعاين ما عاين، هاله هذا
المنظر العظيم، وتحقق ما كان يتحققه قبل ذلك من أن هذا من فعل رب العرش
الكريم، فأحجم ولم يتقدم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم والحالة هذه حيث
لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلداً وعاملهم معاملة العداء، وحملته
النفس الكافرة والسجية الفاجرة، على أن قال لمن استخفهم فأطاعوه، وعلى
باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحر لأدرك عبيدي الآبقين من يدي،
الخارجين عن طاعتي وبلدي؟ وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم، ويرجو أن ينجو
هيهات، ويقدم تارة ولكنه يحجم تارات!.
فذكروا أن جيريل عليه السلام تبدى في صورة فارس راكب على رمكة حائل،
فمر بين يدي فحل فرعون لعنه الله، فحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل
بين يديه فاقتحم البحر، واستبق الجواد وقد أجاد، فبادر مسرعاً، هذا فرعون
لا يملك من نفسه شيئاً، ولا لنفسه ضراً ولا نفعاً، فلما رأته الجنود قد سلك
البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا البحر أجمعين أكتعين أبصعين. حتى هم
أولهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمه فيما أوحاه إليه أن يضرب
بعصاه البحر، فضربه فارتطم عليهم البحر كما كان، فلم ينج منهم إنسان.
قال الله تعالى:
{وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك
لآية، وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم} (سورة
الشعراء:65ـ68)
أي: في إنجائه أولياءه فلم يغرق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص
منهم أحد، آية عظيمة وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة، وصدق رسوله فيما
جاء به من ربه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة.
   
قصة حزقيل
قال الله تعالى:
{ألم تر إلي الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم
الله موتوا ثم أحياهم، إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا
يشكرون} (سورة البقرة:243)
قال محمد بن إسحاق، عن وهب بن منبه: إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله
إليه بعد يوشع خلف في بني إسرائيل حزقيل بن بوذي، وهو ابن العجوز، وهو الذي
دعا القوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا. (ألم تر إلي الذين خرجوا
من ديارهم وهم ألوف حذر الموت)
قال ابن إسحاق: فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض، فقال لهم
الله: موتوا، فماتوا جميعاً، فحظروا عليهم حظيرة دون السباع، فمضت عليهم
دهور طويلة، فمر بهم حزقيل عليه السلام فوقف عليهم متفكراً، فقيل له: أتحب
أن يبعثهم الله وأنت تنظر؟ فقال: نعم، فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي
لحماً، وأن يتصل العصب بعضه ببعض، فناداهم عن أمر الله له بذلك، فقام القوم
أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد.
وقد أسباط، عن السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن
مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من الصحابة في قوله: (ألم تر إلي الذين خرجوا
من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قالوا: كانت
قرية يقال لها دراوردان قبل واسط، وقع بها الطاعون، فهرب عامة أهلها فنزلوا
ناحية منها، فهلك من بقى في القرية، وسلم الآخرين فلم يمت منهم كثير، فلما
ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم
منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم، فوقع
في قابل، فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفاً حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد
أفيح. فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه، فماتوا، حتى إذا هلكوا
وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل، فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر
فيهم ويلوي شدقيه وأصابعه، فأوحى الله إليه، تريد أن أريك كيف أحييهم؟ قال:
نعم، وإنما كان تفكيره أنه تعجب من قدرة الله عليهم، فقيل له: ناد، فنادى:
يا أيتها العظام إن الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلي بعض،
حتى إذا كانت أجساداً من عظام، ثم أوحى الله إليه، أن ناد: يا أيتها العظام
إن الله يأمرك أن تكتسي لحماً، فاكتست لحماً، فاكتست لحماً ودماً وثيابها
التي ماتت فيها، ثم قيل له: ناد، فنادى: أيتها الأجساد إن الله يأمرك أن
تقومي فقاموا.
قال أسباط: فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك اللهم
وبحمدك لا إله إلا أنت، فرجعوا إلي قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى،
سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوباً إلا عاد كفناً وسخاً، حتى ماتوا
لآجالهم التي كتبت لهم. وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف، وعنه ثمانية
آلاف، وعن أبي صالح تسعة آلاف، وعن ابن عباس أيضاً: كانوا أربعين ألفاً.
وعن سعيد بن عبد العزيز: كانوا أهل أذرعات. وقال ابن جريج عن عطاء: هذا
مثل، يعني أنه سيق مثلاً مبيناً أنه لن يغني حذر من قدر!. وقول الجمهور
أقوى أن هذا وقع.
وقد روي الإمام احمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري، عن عبد الحميد
بن عبد الحرمن بن زيد بن الخطاب، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد
الله بن عباس، أن عمر بن الخطاب خرج إلي الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء
الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه؛ فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام،
فذكر الحديث. يعني في مشاورته المهاجرين والأنصار فاختلفوا عليه، فجاءه عبد
الرحمن بن عوف، وكان متغيباً ببعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علماً، سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا
فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه". فحمد الله عمر، ثم انصرف
وقال الإمام: حدثنا حجاج ويزيد المفتي، قالا: حدثنا ابن أبي ذؤيب،
عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة؛ أن عبد الرحمن بن عوف
أخبر عمر وهو في الشام عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا السقم عذب به
الأمم قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض أنتم بها فلا
تخرجوا فراراً منه. قال: فرجع عمر من الشام وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري
بنحوه.
قال محمد بن إسحاق: ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بني إسرائيل، ثم
إن الله قبضه إليه، فلما قبض نسى بنو إسرائيل عهد الله إليهم، وعظمت فيهم
الأحداث وعبدوا الأوثان، وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له
بعل، فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن
عمران.
قلت: وقد قدمنا قصة إلياس تبعاً لقصة الخضر، لأنهما يقرنان في الذكر
غالباً، ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات، فتعجلنا قصته لذلك،
والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب بن منبه قال: ثم تنبأ
فيهم بعد إلياس وصيه اليسع بن أخطوب عليه السلام.
   
قصة اليسع
وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله:
{وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً، وكلاً فصلنا على العالمين} (سورة
الأنعام:86)
وقال تعالى في سورة ص:
{واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل، وكل من الأخيار} (سورة ص:48)
قال ابن إسحاق: حدثنا بشر أبو حذيفة: أنبأنا سعيد، عن قتادة، عن
الحسن، قال: كان بعد إلياس اليسع ـ عليها السلام ـ فمكث ما شاء الله أن
يمكث يدعوهم إلي الله مستمسكاً بمنهاج إلياس وشريعته حتى قبضه الله عز وجل
إليه، ثم خلف فيهم الخلوف، وعظمت فيهم الأحداث والخطايا، وكثرت الجبابرة،
وقتلوا الأنبياء، وكان فيهم ملك عنيد طاغ، ويقال إنه الذي تكفل له ذو الكفل
إن هو تاب وراجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل. قال محمد بن إسحاق: وهو اليسع بن
أخطوب.
وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه: اليسع هو
الأسباط ابن عدي بن شوتلم بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
الخليل. ويقال: هو ابن عم إلياس النبي عليهما السلام. ويقال: كان مستخفياً
معه بجبل قاسيون من ملك بعلبك، ثم ذهب معه إليها، فلما رفع إلياس خلفه
اليسع في قومه، ونبأه الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه، عن
وهب بن منبه، قال: وقال غيره: وكان الأسباط ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر
قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف والتشديد، ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي
من الأنبياء. قلت: قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب عليه السلام، لأنه
قد قيل إنه ابن أيوب، فالله تعالى أعلم.
قال ابن جرير وغيره: ثم مرج أمر بني إسرائيل وعظمت منهم الخطوب
والخطايا، وقتلوا من قتلوا من الأنبياء، وسلط الله عليهم بدل الأنبياء
ملوكاً جبارين يظلمونهم، ويسفكون دماءهم، وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم
أيضاً، وكانوا إذا قاتلوا أحداً من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الذي
كان في قبة الزمان، كما تقدم ذكره، فكانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله
فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.
فلما كان في بعض حروبهم من أهل غزة وعسقلان غلبوهم عليه وقهروهم على
أخذه فانتزعوه من أيديهم، فلما علم بذلك ملك بني إسرائيل في ذلك الزمان
مالت عنقه فمات كمداً. وبقى بنو إسرائيل كالغنم بلا راع؛ حتى بعث الله فيهم
نبياً من الأنبياء يقال له شمويل، فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكاً ليقاتلوا
معه الأعداء، فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه.
قال ابن جرير: فكان من وفاة يوشع بن نون إلي أن بعث الله عز وجل
شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة. ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك ملكوا
عليهم، وسماهم واحداً واحداُ وتركنا ذكرهم قصداً.
   
قصة شمويل عليه السلام
هو شمويل، ويقال: له أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن
تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا. قال مقاتل: وهو من ورثة
هارون، وقال مجاهد: هو أشمويل بن هلفاقا، ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا،
فالله أعلم. حكى السدي بإسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة
والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بني إسرائيل
وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، وسبوا من أبنائهم جمعاً كثيراً، وانقطعت النبوة
من سبط لاوي ولم يبق إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله عز وجل أن يرزقها
ولداً ذكراً، فولدت غلاماً فسمته أشمويل، ومعناه بالعبرانية إسماعيل، أي:
سمع الله دعائي.
فلما ترعرع بعشته إلي المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده
ليتعلم من خيره وعبادته، وكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم
إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد، فانتبه مذعوراً، فظنه الشيخ يدعوه فسأله:
أدعوتني؟ فكره أن يفزعه فقال: نعم نم، فنام. ثم ناداه الثانية فكذلك ثم
الثالثة فإذا جبريل يدعوه، فجاءه فقال: إن ربك قد بعثك إلي قومك. فكان من
أمره معهم ما قص الله في كتابه.
{ألم تر إلي الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم
ابعث لنا ملكاً تقاتل في سبيل الله، قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا
تقاتلوا، قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا
وأبنائنا، فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم
بالظالمين * وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً، قالوا أتي
يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال، قال إن
الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء
والله واسع عليم * وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة
من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية
لكم إن كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن
شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده، فشربوا
منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا
اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة
غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده
قالوا ربنا افرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين *
فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما
يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على
العالمين} (سورة البقرة:246ـ251)
قال أكثر المفسرين: كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو
شمويل وقيل: شمعون، وقيل: هما واحد. وقيل: يوشع، وهذا بعيد لما ذكره الإمام
أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثه شمويل أربعمائة سنة
وستين سنة، فالله أعلم.
والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب، وقهرهم الأعداء، سألوا
نبي الله في ذلك الزمان، وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكاً يكونون تحت طاعته
ليقاتلوا من ورائه ومعه ومن بين يديه الأعداء، فقال لهم:
(هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل
في سبيل الله) أي: وأي شيء يمنعنا من القتال (وقد أخرجنا من ديارنا
وأبنائنا) يقولون: نحن محروبون موتورون فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا
المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم.
قال الله تعالى:
{فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم، والله عليم} (سورة
البقرة:246)
كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل،
والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال. وقال لهم نبيهم:
{إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً} (سورة البقرة:246ـ251)
قال الثعلبي: وهو طالوت بن قيش بن أنيال بن صرار بن لحوب بن أفيح بن
أريش ابن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. قال عكرمة والسدي:
كان سقاءً، وقال وهب بن منبه: كان دباغاً، وقيل غير ذلك، فالله أعلم. ولهذا
(قالوا أتي يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من
المال)
ولقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوي، وأن الملك كان في سبط
يهوذا، فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه، وطعنوا في إمارته عليهم،
وقالوا: نحن أحق بالملك منه، وقد ذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه، فكيف
يكون مثل هذا ملكاً؟. (قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم
والجسم)
قيل: كان الله قد أوحي إلي شمويل أن أي بني إسرائيل كان طوله على
طول هذه العصا، وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الذي فيه من دهن القدس فهو
ملكهم، فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا، فلم يكن أحد منهم على
طولها سوى طالوت، ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه للملك
عليهم، وقال لهم (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم) قيل: الطول،
وقيل: الجمال، والظاهر في السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم عليه
السلام (والله يؤتي ملكه من يشاء) فله الحم وله الخلق والأمر (والله واسع
عليم).
(وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم
وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن
كنتم مؤمنين)
وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد
الله عليهم التابوت الذي كان سلب منهم وقهرهم الأعداء عليه، وقد كانوا
ينصرون على أعدائهم بسببه (فيه سكينة من ربكم) قيل: طست من ذهب كان يغسل
فيه صدور الأنبياء. وقيل: السكينة مثل الريخ الخجوح. وقيل: صوتها مثل الهرة
إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر (وبقية مما ترك آل موسى وآل
هارون) قيل: كان فيه رضاض الألوح وشيء من المن الذي كان نزل عليهم بالتيه
(تحمله الملائكة) أي: باهرة على صدق ما أقوله لكم، وعلى صحة ولاية هذا
الملك الصالح عليكم، ولهذا قال: (إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين).
وقيل: إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من
السكينة والبقية المباركة، وقيل: كان فيه التوراة أيضاً، فلما استقر في
أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم، فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم
فوضعوه تحته"، فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم، فلما تكرر هذا
علموا أن هذا الأمر من الله تعالى، فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من
قراهم، فأخذهم داء في رقابهم، فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في
بقرتين وأرسلوهما، فيقال: إن الملائكة ساقتها حتى جاءوا بها ملأ بني
إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك، فالله أعلم على أي صفة جاءت به
الملائكة، والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم من
الآية، والله أعلم. وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم.
(فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس
مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده)
قال ابن عباس وكثير من المفسرين: هذا النهر هو نهر الأردن، وهو
المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله
له عن أمر الله له اختباراً وامتحاناً: أن من شرب من هذا النهر اليوم فلا
يصحبني في هذه الغزوة، ولا يصحبني إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال
الله تعالى: (فشربوا منه إلا قليلاً منهم).
قال السدي: كان الجيش ثمانين ألفاً، فشرب منه ستة وسبعون ألفاً،
فبقى معه أربعة آلاف كذا قال. وقد روي البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل
وزهير والثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب، قال: كنا أصحاب محمد صلى
الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا
معه النهر، ولم يجاوز معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة
مؤمن.
وقول السدي: إن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفاً فيه نظر؛ لأن أرض بيت
المقدس لا تحتمل أنه يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفاً، والله
أعلم قال الله تعالى: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا
اليوم بجالوت وجنوده) أي: استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم
بالنسبة إلي قلتهم وكثرة عدد عدوهم.
(قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة
بإذن الله والله مع الصابرين)
يعني: ثبتهم الشجعان منهم، والفرسان أهل الإيمان والإيقان، الصابرون
على الجلاد والجدال والطعان. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا افرغ
علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) وطلبوا من الله أن
يفرغ عليهم الصبر، أي: يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق، وأن
يثبت أقدامهم في مجال الحرب، ومعترك الأبطال، وحومة الوغي، والدعاء إلي
النزال، فسألوا التثبيت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم
وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه، فأجابهم العظيم القدير السميع
البصير الحكيم الخبير إلي ما سألوا، وأنالهم ما إليه فيه رغبوا. ولهذا قال:
(فهزموهم بإذن الله).
أي: يحول الله وقوته لا بحولهم، وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم،
مع كثرة أعداءهم وكمال عددهم، كما قال تعالى:
{ولقد نصركم الله ببدرٍ وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون} (سورة
آل عمران:123)
وقوله تعالى:
{وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء}
فيه دلالة على شجاعة داود عليه السلام، وأنه قتله قتلاً أذل به جنده
وكسر جيشه، ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال
الجزيلة، ويأسر الأبطال الشجعان والأقران، وتعلو كلمة الإيمان على الأوثان،
ويدال لأولياء الله على أعدائه، ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه.
وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود عليه السلام كان أصغر أولاد أبيه،
وكانوا ثلاثة عشر ذكراً، كان سمع طالوت ملك بني إسرائيل وهو يحرض بني
إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول: من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته
في ملكي، وكان داود عليه السلام يرمي بالقذافة وهو المقلاع رمياً عظيماً،
فبينما وهو سائر مع بني إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فإن بي تقتل جالوت؛
فأخذه، ثم حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك، فأخذ الثلاثة في مخلاته، فلما تواجه
الصفان برز جالوت ودعا إلي نفسه، فتقدم إليه داود فقال له: ارجع فإني اكره
قتلك، فقال: لكني احب قتلك.
وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة، ثم أدارها فصارت
الثلاثة حجراً واحداً، ثم رمى بها جالوت فلق رأسه وفر جيشه منهزماً، فوفى
له طالوت بما وعده فزوجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظم داود عليه السلام
عند بني إسرائيل وأحبوه، ومالوا إليه أكثر من طالوت. فذكروا أن طالوت حسده
وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه، وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل
داود، فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل، ثم حصل له توبة وندم
وأقلع عما سلف منه، وجعل يكثر من البكاء، ويخرج إلي الجبانة فيبكي حتى يبل
الثرى بدموعه، فنودي ذات يوم من الجبانة: أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء
وآذيتنا ونحن أموت؛ فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله، ثم جعل يسأل عن
عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالما؟! حتى ذلك
على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلي قبر يوشع عليه السلام، قالوا:
فدعت الله، فقام يوشع من قبره فقال: أقامت القيامة؟ فقالت: لا، ولكن هذا
طالوت يسألك: هل له من توبة؟ فقال: نعم: ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في
سبيل الله حتى يقتل. ثم عاد ميتاً.
فترك الملك لداود عليه السلام، وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده
فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا، قالوا: فذلك قوله: (وآتاه الله الملك
والحكمة وعلمه مما يشاء). هكذا رواه ابن جرير في تاريخه من طريق السدي
بإسناده، وفي بعض هذا نظر، ونكارة والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: النبي
الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضاً.
وذكر الثعلبي أنها أتت به إلي قبر شويل فعاتبه على ما صنع بعده من
الأمور، وهذا أنسب، ولعله إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حياً، فإن
هذا إنما يكون معجزة لنبي، وتلك امرأة لم تكن نبية، واله أعلم. قال ابن
جرير: وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت إلي أن قتل مع أولاده أربعون سنة،
فالله أعلم.
   
قصة داود عليه السلام
هو داود بن إيشا بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عوينادب بن
إرم بن حصرون بن فارض بن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد
الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس. قال محمد بن إسحاق عن بعض أهل
العلم، عن وهب بن منبه: كان داود عليه السلام قصيراً أزرق العينين، قليل
الشعر، طاهر القلب، نقيه.
تقدم إنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم
حكيم بقرب مرج الصفر، فأحبته بنو إسرائيل ومالوا إليه وإلي ملكه عليهم،
فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك إلي داود عليه السلام، وجمع الله له
بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة، وكان الملك يكون في سبط والنبوة
في آخر، فاجتمع في داود هذا. وهذا كما قال تعالى:
{وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء، ولولا
دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين}
(سورة البقرة:251)
أي: لولا إقامة الملوك حكاماً على الناس لأكل قوي الناس ضعيفهم؛
ولهذا جاء في بعض الآثار: "السلطان ظل الله في أرضه". وقال أمير المؤمنين
عثمان بن عفان: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. وقد ذكر ابن جرير
في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له: اخرج إلي وأخرج إليك، فندب
طالوت الناس، فانتدب داود فقتل جالوت.
قال وهب بن منبه: فمال الناس إلي داود حتى لم يكن لطالوت ذكر،
وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود، وقيل: إن ذلك عن أمر شمويل، حتى قال بعضهم:
إنه ولاه قبل الوقعة. قال ابن جرير: والذي عليه الجمهور إنه إنما ولي ذلك
بعد قتل جالوت، والله أعلم، وروي ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أن قتله
جالوت كان عند قصر أم حكيم وأن النهر الذي كان هو المذكور في الآية. فالله
أعلم.
وقال تعالى:
{ولقد ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنا له
الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد، واعملوا صالحاً، إني بما تعملون
بصير} (سورة سبأ:10ـ11)
وقال تعالى:
{وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير، وكنا فاعلين * وعلمناه صنعة
لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون} (سورة الأنبياء:79ـ80)
أعانه الله على عمل الدروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء،
وأرشده إلي صنعتها وكيفيتها: (وقدر في السرد) أي: لا تدق المسمار فيفلق ولا
تغلظه فيفصم، قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة. قال الحسصن البصري وقتادة
والأعمش: كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج إلي نار
ولا مطرقة، قال قتادة: فكان أول من عمل الدروع من زرد، وإنما كانت قبل ذلك
من صفائح، قال ابن شوذب: كان يعمل كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم. وقد
ثبت في الحديث: "أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وأن نبي الله داود كان يأكل
من كسب يده".
|