الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

إلى صفحة الكاتب

      

 جميل حتمل، كتاب من قصصه في ذكراه بالقاهرة           

 

محمود قرني(مصر)  

 

عن سلسلة آفاق عربية صدرت المختارات القصصية للقاص السوري الراحل جميل حتمل الذي رحل بعلة في قلبه في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1994 في مستشفي كوشان الباريسي حيث كان يعالج ويقيم. وقد دققت الكاتبة سلوى بكر اختياراتها وتقديمها حيث نشرت ضمن المختارات العدد الأكبر من القصص التي كتبها حتمل قبل رحيله مباشرة، وهي كتابة تتجاوز نوعياً طرائق الوعي التي سادت قصص حتمل في النصف الأول من السبعينيات كما تؤكد المختارات نفسها.

وجميل حتمل كما تشير سلوى بكر ودع الدنيا شاباً وان كان قد استطاع بالفعل أن يقدم منجزاً مرموقاً ومتميزاً تمثل في خمس مجموعات قصصية أصدر أربع منها في حياته والخامسة صدرت بعد وفاته. وتقول بكر ان حتمل لم يكن كاتباً بالصدفة بل كان كاتباً بالضرورة لأن الحياة القصيرة العميقة التي عاشها كانت لابد أن تدفعه دفعاً للكتابة ففضاؤها القاهر الضاغط جعل منه كانسان ومن كتابته ثبتاً دامغاً ودليلاً علي حيوات أوطان لأناس عاشوا يوماً في هذا العالم.

 

وتشير سلوى الي الحياة المفعمة بالحزن لجميل حتمل والتي بدأت بفقده لأمه في سن مبكر لم تكن حياة قصيرة أو قاصرة عن أن توغل في حزنها الأبدي، هذا الحزن الذي رفده فيما بعد غضب أكبر في هذه الحياة، وتعتبر سلوى أن قصص جميل حتمل تعد من هذه الناحية وثائق أدبية صادقة تتردد فيها ثيمة القهر وثيمة الحزن والغضب وهو ما تسميه بكر الثالوث المشكل لحياة الإنسان العربي الراهنة، معتبرة أن علة قلب جميل حتمل تحولت في قصصه من علة مشخصنة الي علة يبدو فيها الوطن العنصر الأكثر بروزاً لا سيما وأن جميل واحد من الذين ذاقوا مرارة الاعتقال ضمن آلاف من الرجال والنساء الذين حلموا ذات مرة بوطن أفضل وراهنوا علي تغيير الحياة الرزية للمواطن لتكوين حياة انسانية حقة تحت لواء العدل والإخاء والكرامة التي تشمل الجميع ورغم أن جميل حتمل خرج من السجن لأسباب صحية الا انه عندما سافر الي باريس حيث حمل وطنه معه ليحتويه قلبه العليل وليظل يكتب عنه كل ما كتب .

 

وتري سلوى بكر أن براعة جميل حتمل الأدبية تتجلي في قدرته الواضحة علي تتبع مسارات القهر السياسي في تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الانسانية في المجتمع علي مستويات مختلفة تصل الي حدود العميق والحميم منها، وتضيف بكر: ان المباعدة بين الأحبة وتحطيم الروابط الأسرية بكل ما فيها من أبعاد إنسانية وعنفها ضد بداهات الفطرة الانسانية المولدة لتلك العلاقات هو ما تؤكد عليه قصص حتمل دائماً .

وبشكل عام فان ما ذهبت اليه الكاتبة سلوى بكر يصدق علي الغالبية من أعمال جميل حتمل، فمن اللحظة الأولي لسطور قصصه يعيد جميل الي الكتابة مفهومها الملتزم الذي صاحب الدولة القومية المعنية بشكل كبير بنشدان العدالة والحرية، فهو ابن الموقف الأيديولوجي المنحاز للإنسان والهادف الي الارتقاء بالملمح الإنساني بعامة من خلال تخليص هذا الإنسان من القمع والفقر والجهل، وهو لا يتواني في هذا السبيل عن أن يقدم الدولة ورجالاتها بصورة أشد بشاعة كما يبدو من قصص المختارات، وتبدو هذه الصورة القاتمة في صناعة السخرية المرة في قصة الشرطي، وهي تتناول حياة شاب صغير يكتب الشعر ويكره المناهج التعليمية يطرده أبوه من المنزل لعدم قدرته على الإنفاق عليه وعندما يفشل الفتي في الاشتغال كعامل بناء ينتهز فرصة إعلان عن مسابقة لاختيار رجال شرطة جدد، فيتقدم للمسابقة ويعمل كمنظم مرور وعندما يعترض واحد من وجهاء المدينة ذات يوم يفاجئ برئيسه في العمل (العقيد) يستدعيه متهماً إياه بالرشوة، رغم أن الشائعات تحوم حول العقيد نفسه وعلاقاته بمهربين وتجار مخدرات الا أن الأمر ينتهي بإيداعه (الشرطي) في السجن وإصابته بانهيار عصبي حاد ويصف الراوي حال السجين الذي لم يقترف شيـــئاً فنكتشف أن تعذيبه يفوق كل الصور التي تبدو أليفة وإنسانية جداً في سجوننا العربية التي تفاخـرت ـ في هذا المجال فقط ـ بأنها صاحبة انجازات عالمية تدفع الولايات المتحدة ـ مثلاً ـ لأن تبعث بمعتقلي غوانتنامو الي القاهرة وعمان للحصول علي اعترافاتهم التي لم يفلح الأمريكيون في انتزاعها منهم، لأنهم ببساطة لا يعرفون كيف يدفعون العصي في مؤخرات سجنائهم ولا يعرفون كيف يغتصبون نساءهم أمام أعينهم.

 

كل ما يتبقي لهذا الشرطي المسكين هو الإفراج عنه ولكن بعد أن أصابه الجنون وتنتهي القصة بحوار بين العقيد وزوجته:

 

ـ هل أخبرتك أن سامي قد خرج من السجن؟

ـ نعم ولكن لماذا سجن؟

أخفض الشرطي صوته:

 

ـ لقد أتت برقية من مدير الأمن تطالب بمعاقبة شرطي عطل عمل رجل أمن، يعمل في بلد مجاور. وأنه أخذ أوراقه ليمنعه سراً من إتمام مهمته وشتمه وشم الحكومة أيضاً.

 

جحظت عينا المرأة دهشة:

ـ أتعرفين ماذا حصل له.. لقد..

 

و لم تستمع المرأة، ضمت زوجها بخوف وشبق وأغمضت عينيها متأوهة.

هذا الخوف طبعاً يختلف عن الخوف الذي تعبر عنه رجفة الفقر التي انتابت الفتي ابن السابعة عشـــــرة وهو في حضن غانية فقيرة بينمــا يدفع ثلاث ليرات هي كل ما يملك مع صديقه أحمد في قصة برد الأيـــام الماضية، برد الأيام الآتية وكأن الفتــــي يلقي سؤالاً مجازياً الي كون فسيح قائلاً لحبيبته ـ ليلي لماذا لا يتركنا الحزن؟ ـ ولا ينسى حتمل أن يشير الي ملابس الفتي المهترأة عندما يحاول مداراة ثقوب ملابسه الداخليـــة عن الغانية الملقـاة ككتلة من اللحم علي السرير، هذا هو الفتي الذي رحل والده مبكراً وبشكل مفاجئ وتزوجت جارته التي كان يحبها من مختار القرية لتهرب منه. وربما هذا هو مصدر الحزن الدفين الذي يستمر مع الفتي حتى بعد مضاجعة حبيبته في غرفتها في مشهد شديد الثراء يصفه حتمل بلغة قذرة وفريدة غير أن مشهد التواصل العميق بين الجسدين ينتهي بقول الكاتب:

 

وبدأ الهدوء الحذر يطل برأسه، أحست ليلي بدمعة ساخنة تسقط منه علي وجها الأحمر المتوهج. وكان رأسه الأسمر الذي ضمته بقوة الي صدرها اللاهث، يتحول حينها الي جبل صغير من النشيج الهادئ، الحزين، الحزين كليالي القرية البعيدة وبرد الأيام الآتية .

 

وتتراوح تجربة جميل حتمل بين مستويات من النضج والوعي الذي يُتوجه الموقف الأيديولوجي الملتبس بما هو إنساني في قصصه المكتوبة في نهاية السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات فضلاً عن الواقعية الفائضة في قصص حتمل تبدو اللغة الحادة المدببة كبطل رئيسي وهي لغة تعتمد كثيراً أفعال الماضي، لأن الماضي أصبح، بشكل مؤكد، قدراً واقعاً يجب التعامل مع وجوده، وغالباً ما يكون هذا الماضي ابناً للبيئة الفقيرة والمقموعة التي ينحاز لها ولأبطالها حالماً معهم بتجاوز مأزقها الإنساني عبر أحلام متكسرة علي الأغلب.

 

أما في القصص التي كتبها حتمل في نهاية حياته لا سيما في الفترة الأولي من التسعينيات وقبل وفاته، فقد انتقلت الي مستويات أكثر همساً وأقل صخباً وحدة من حيث توجاهاتها المعرفية ومواقفها ومرجعياتها وتحول الأبطال في معظم هذه القصص الي فاعلين سلبيين، وذلك عبر المنولوغات الداخلية التي جذبت النص الي مناطق الغناء الحميم، ففي قصة سأقول له التي يهديها المؤلف الي ألفريد ابنه، هذا الفتي المعذب بين والده، تبدو السرود محدودة ومقصورة علي بطل واحد يتحدث مع نفسه علي مدار القصة، وعبر تداعيات مختلفة يستعيد فيها حواراته مع ابنه عندما كان صغيراً، يتمركز المشهد القصصي حول مفردة الغياب وهو غياب في القصة له طعم خاص وقسوة، خاصة حين يكون الغائب معلوم المكان والابن كذلك الا أن الخلفية المسكوت عنها طيلة القصة والأسباب التي تمنع لقاء الابن بأبيه، وهي أسباب سياسية بالطبع، فالرجل محكوم في بلده وينتظر الجلاد عند أول طاقة جمركية. لذلك تظل الصورة المتأرجحة والجارحة في نفس الوقت هي للطفل الذي يتخيل أباه، والصورة التي يحاول الأب أن يتصور ابنه يفكر فيها، وهكذا تتحول الصورة المأمولة والمتخيلة ضائعة وهلامية بين الاثنين وتنتهي القصة بسؤال الولد لأبيه: هل سترجع يا أبي حقاً؟ هل سترجع.. أنا سأقول.. لهم.

يعود جميل حتمل لذات الهم بشكل آخر يكشف جانباً مختلفاً من فساد الروح وفساد الضمير العام عبر موقف يتبدي في قصته المكثفة كاسيت حيث تتناول القصة فتي صغيرا يفكر في أن يبعث بشريط كاسيت لوالده حتى يحكي له عن حياته وتفاصيلها ويطلب منه أيضاً لعبة جديدة كي يحضرها الأب معه وهو قادم، وبعد العناء الذي صادف الأسرة والولد في شراء الكاسيت، وجلسة المحبين للإعداد والتسجيل ثم ترتيبات وضع الكاسيت وطريقة إرساله وبعد كل ذلك يقوم رجل الفرز في مصلحة البريد بسرقة الكاسيت لعدة أسباب أولها أن إرسال أشرطة الكاسيت ممنوع دون موافقة الرقابة وثانياً لأن الرجل نفسه كان ينوي شراء شريط كاسيت لتسجيل شريط استعاره من أحد أصدقائه، قد قام بحل مشكلته بالاستيلاء علي الشريط الذي سجله الفتي الصغير لأبيه يناشده فيه شراء لعبة جديدة له قبل قدومه.

 

وينهي جميل حتمل القصة بقوله: شريط صغير كان أبناء العمة أنشدوا عليه. شريط صغير جعل الطفل يتخيل اللعب الكثيرة التي سيرسلها والده له. شريط غني والده له فيه ـ ربما لأول مرة ـ غني بصوت مبحوح وحزين. شريط أبكي الأم والعمة. شريط ربما من النوع الرديء كان. شريط لن يصل الرجل البعيد.

 

هذا الفساد الروحي والإنساني الذي لا تتخلي عنه قصص جميل يبدو أكثر عنفاً ووضوحاً في قصته حدث منذ 12 عاما التي يهديها الي صديقيه خليل بريز و يلماز عوني وتدور وقائع القصة في مستشفي السجن الذي استضاف الراوي المحكوم بقضية رأي الي جانب عتاة المجرمين من قتلة ولصوص وتجار أثار ومســـــؤولين ومحكــومين في قضايا فساد، وعبر نمــــاذج سجناء يكشف الراوي واقعاً متردياً داخل السجن وخارجه ويظل أبرز هذه النماذج، نموذج الثري الذي يقضي فترة عقوبة لا يعرف أحد موضوعها، وهو رجل لا يأتي الي السجن الا في أوقات الفراغ، ويتعامل مع الفترات التي يقضيها من عقوبته داخل السجن كفترات نقاهة واستجمام، وهي صورة تعرفها السجون العربية التي انحدر من صلبها جميل حتمل، الذي لم يحمل قلبه مهاناتها وانحطاطها.

 

ويظل جميل حتمل بمختاراته ومجموعاته الخمس صوتاً صارخاً في برية لا تقيم وزناً لإنسانها، لذلك ظل الإنسان في مجمل أعماله قيمة عليا يجب الدفاع عنها في الحياة الكريمة داخل أوطان كريمة، ولن يتأتي ذلك إلا في ظل مجتمعات العدل والرفاه التي ظل حتمل دائماً وأبداً باحثاً عنها.

يتبقي القول ان المختارات الصادرة لجميل حتمل عن سلسلة أفاق عربية الصادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة تقع في 216 صفحة من القطع الصغير ويرأس تحرير السلسلة الناقد شاكر عبد الحميد.

 ------------------------------------------------

القدس العربي2004/11/01 /* خاص القصة السورية حرر في 18/11/2004

 

 كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (رواية - مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية