|
قصص من الحياة بنكهة دمشقية شعبية
واقعية جريئة واحتجاج مأساوي
ثورة على التقاليد دون المساس بالقيم
تساؤلات هامة تطرح نفسها حين تقرأ الأديبة الفة الادلبي، تغري
بالبحث والمقارنة والدخول في خصوصيات لم تعد من الأسرار الشخصية منذ أن بدأت
الكاتبة تجربتها الأولى مع القصة، وكان لها مع الأدب قصتها التي تستحق أن تروى،
وأن تكتب لصلتها الوثيقة بحال المرأة العربية السورية المعاصرة، التي واكبت
الأحداث وكسرت قيود العزلة وأطر التقاليد دون المساس بالقيم ومضمونها الأخلاقي.
ولعل أول ما يلاحظ في السيرة غير المكتوبة للسيدة ألفة الادلبي،
والتي يمكن تلمس بعض محطاتها الهامة من خلال أحاديثها الصحفية، أنها جاءت إلى
الأدب من جذوره الاجتماعية، ومن كونها امرأة تسعى لاحتلال مكانها الطبيعي في
المجتمع وأداء دورها فيه. فهي من المؤسسات "للندوة النسائية السورية"، دخلت
معترك الأدب، كما تقول في حديث صحفي لها، على أجنحة القصة، وعن طريق مجلة لم تر
طريقها إلى النور. فقد تداعت الندوة النسائية السورية لإصدار مجلة، وقامت
بتهيئة العدد الأول منها تمهيداً لطلب الرخصة، إلا أن المجلة لم تصدر بسبب نشوب
الحرب العالمية الثانية.
ويبدو أن الفتاة ألفة، التي بدأت تتكون قاصة من نوع خاص، وقفت
على أرض غير صلبة من التحصيل غير الرسمي في مكتبة الأسرة، وقررت أن تطرح نفسها
بثقة وجرأة من خلال التعبير عن همومها الذاتية النابعة أصلاً من هموم بنات
جنسها، وكان (قرارها الأخير) اقتحام ذلك العالم المليء بالأمل والأحلام،
ولاسيما بعد أن فازت قصتها (القرار الأخير) بالمرتبة الثانية في إحدى مسابقات
القصة، وكان هذا الفوز بداية للحديث مع الكبار بلغتهم الإبداعية الناضجة. فما
أن تجمّع لديها عدد من القصص حتى أرسلتها إلى الأستاذ محمود تيمور رائد القصة
العربية، مرفقة برسالة جاء فيها:
"أرجو أن تقرأ هذه القصص فإذا وجدتها أهلاً للنشر، أرجو أن تكتب
لي مقدمة لها أو تقول لي أن أتوقف عن كتابة القصة..". فكانت النتيجة أن كتب لها
مقدمة رائعة قال فيها: "هذه القصص طراز خاص وشخصية مستقلة". هذه الشهادة
أوردتها الكاتبة الفة الادلبي في أكثر من حديث صحفي كشهادة تعتز بها، مقترنة
بشهادة ثانية لا تقلّ أهمية كتبها الأديب الكبير مارون عبود، قال فيها: "أنا
أؤمن بالذاتية، وقد وجدت الفة الادلبي ذات ذات، وعلى هذا الاساس بنيت تقديري
لها". وتعلق الادلبي على ذلك بقولها: "هذان الرأيان لأكبر ناقد وكاتب دفعاني
للاستمرار في الكتابة وخصوصاً القصة القصيرة".
لم يكن مصير الفة كمصير معظم فتيات زمنها، على الرغم من زواجها
المبكر في سن السابعة عشرة. فقد أثر في ذلك كونها من أسرة مثقفة محبة للأدب،
وكون زوجها الدكتور حمدي الادلبي، الذي درس في المانيا، إنساناً متنوراً، رعى
موهبتها وشجعها على الكتابة، فأخذت تحظى باعتراف كبار النقاد، وفتحت مجلات
مرموقة كمجلة (الرسالة) صفحاتها لقصصها، التي تحمل خصوصية كاتبة شامية، لها
أسلوبها البسيط المميز، ومشروعها القصصي الواعد. ففي قصصها المتخيلة بأحداثها
والواقعية في مواضيعها وشخوصها، كتبت ألفة الادلبي حكاية عشق مزمن لدمشق التي
أصبحت عنواناً لمعظم كتبها ومنها: قصص شامية ـ وداعاً يا دمشق ـ دمشق يا بسمة
الحزن ـ المنوليا في دمشق وأحاديث أخرى ـ نفحات دمشقية ـ عادات وتقاليد الحارات
الدمشقية القديمة..
لم تبدأ الكاتبة طريقها الإبداعي مقلدة رغم التأثير الواضح
لقراءاتها في تكوين أفكارها ورؤيتها للعالم، إلا أن هذا التأثير لم يُملِ عليها
محاكاة الأساتذة الذين تتلمذت على مؤلفاتهم. تقول الأديبة الفة الادلبي في حديث
لـ(تشرين) (نشر في 27/6/1987): "لقد قرأت أعمال أنطون تشيخوف، وأعمال الكاتب
الانكليزي سومرست موم، وأيضاً أعمال الكاتب الشهير موباسان، وقد تركوا في نفسي
وأسلوبي الكثير من التأثير والإعجاب. وكما نعلم، فإن الكاتب يختزن في عقله
الباطن الكثير من الأفكار والمعلومات والآراء، وعملية التمثل واردة لدى الجميع،
وأنا لاشك قد استفدت من قراءاتي لأعمال الآخرين، ولابد أن يكون ذلك قد ظهر بشكل
أو بآخر في بعض أعمالي".
من عالم القصة التي ضاقت على شخوصها ومواضيعها، انتقلت الأديبة
الفة الادلبي إلى عالم الرواية، وحققت فيه حضوراً ملفتاً من خلال روايتها
المعروفة (دمشق يا بسمة الحزن)، التي تعتبر رواية الاحتجاج على الواقع المعاش
في ظروف القهر والمعاناة، التي تعيشها المرأة، والتي تجسد الكاتبة مصيرها في
شخصية بطلة الرواية (صبرية)، بكل ما يحمله هذا الاسم من دلالات لغوية ومضامين
اجتماعية. والرواية أيضاً محاولة لتقديم بانوراما للحياة الاجتماعية إبان
الثورة السورية. إنها رواية عن المكان الدمشقي، الذي تتحكم فيه عقلية أبوية تحد
من حرية المرأة في حركتها وتفكيرها وعواطفها وحتى في حلمها الذي يتحول إلى
كابوس وبالتالي إلى مأساة.
تتساءل صبرية التي لم تطق صبراً على معاناتها، وفي تساؤلها كل
معاني الاحتجاج والرفض: .. أيطالب أهل بلادي بالحرية، ويعجزون عن منحها لبعضهم
بعضاً؟! نصف الأمة يرسف في قيود خلفتموها أنتم أيها الرجال. هنا يكمن الغلط
الذي نأبى أن نعترف به. حين أمزق هذا الحجاب الذي يكاد يخنقني أستمتع بالضياء
والهواء..". في هذا القول يمتزج السياسي بالاجتماعي في رواية وطنية ـ اجتماعية،
حققت فيها الكاتبة تطوراً هاماً في مسيرتها الإبداعية، وحظيت باهتمام النقد
الذي أشار إلى إيجابيات الرواية وسلبياتها، مع اعترافه بأن الرواية تنقل صورة
واقعية لحياة بلدنا في مرحلة من مراحل تطوره.
وفي عودة إلى الجذور، تكرر الأديبة الفة الادلبي تجربتها
الروائية، ولكن بطريقة أخرى وتوجهات مختلفة عن روايتها الأولى. ففي (حكاية
جدي)، وهي رواية موجهة للفتيان، شيء من السيرة الذاتية. نسجت الروائية موضوعها
من ذكريات الأسرة الداغستانية الجذور والعربية الحضور والانتماء، وأغنتها
بمشاهداتها بعد زيارة قامت بها لتلك البلاد البعيدة القريبة، وقد ترجمت هذه
الرواية إلى الروسية كما ترجمت بعض أعمال الكاتبة إلى سبع عشرة لغة، ودخلت
مؤلفاتها القصصية دنيا الإذاعة والتلفزيون، وأخرجت رواية (دمشق يا بسمة الحزن)
مسلسلاً من 15 حلقة.
النشرة اليومية لأسبوع دار الفكر الثقافي - د. عبد الكريم عبد
الصمد - العدد: 3 - بتاريخ: 23/04/2002 - الصفحة: 4
------------------------------
* خاص القصة السورية حرر في
07/11/2004 (
للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول
أدب المرأة )
   
كيفية
المشاركة
 |