الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 18/04/2008

 إلى صفحة الكاتبة 

 

غادة السمّان في أحدث إصداراتها

رعشة الحرية

 كتابها الرابع في أدب الرحلات

 جان السكان

 

 

 

 

ثلاثة كتب أصدرتها الأدبية غادة السمان في العام المنصرم، أولها رواية بعنوان (حفلة تنكرية للموتى)، والثاني بعنوان (الرقص مع البوم) وهو مجموعة مقالات وخواطر. والثالث الذي صدر مع انصرام العام ودخول العام الجديد بعنوان (رعشة الحرية)، وهو كتابها الرابع في أدب الرحلات بعد (الجسد حقيبة سفر) و(شهوة الأجنحة) و(القلب نورس وحيد).‏

في هذا الكتاب الأخير، وهو أحدث إصداراتها عن (منشورات غادة السمان) تطوف المؤلفة بالقارئ في نيويورك وواشنطن وشواطئ كاليفورينا وكوبنهاغن، وستوكهولم، وجنيف، وبروكسل، ولوزانا، وروشيه دي ناي، وانسبروك، وسالزبورغ، والتيرول، وبافاريا، وكولونيا، وبرن، وامستردام، وبرشلونة.‏ ويختلف الرصد الأدبي الراقي الذي تقوم به الكاتبة عن كثير من الكتابات الحديثة فيما يسمى (أدب الرحلات) والذي يأتي على شكل خواطر صحفية أو سياحية.‏

هل فقدنا الدهشة‏

تنطلق الكاتبة وهي تبحر أو توغل أو تحلق بين هذه المدن الحضارية العجيبة في القارتين الأمريكية والأوروبية من سؤال يقول: هل فقدنا الدهشة، خاصة إذا كان المرء سائحاً بين هذه المدن للمرة الرابعة أو الخامسة، فلم يعد يندهش بناطحات السحاب الشاهقة، ومرآب السيارات ذي الطبقات العشر، فيتحول الحلم‏ إلى كابوس.‏

وتروح تصف مشاهداتها ذات التفاصيل الدقيقة وهي تنتقل في ساحات وشوارع نيويورك وكما قال عنها أحمد زين الدين: "المرآة التي تنظر الكاتبة من خلالها ليست مرآة فردية إلا بقدر ما تتمتع به غادة السمان من فرادة الموهبة وسعة المخيلة، وعمق الثقافة، والخصوصية التعبيرية، والأسلوبية وأخفاها وأصعبها، كما تكشف هذه المرآة الأديبة المتوحدة عن بطانة ثقافية وفنية عميقة، لدى الكاتبة.. هذا السفر الذاتي السري في ضمير العالم، كما في محطات الدهشة الحضارية والبشرية، لم يمنع الكاتبة من أن تحتفظ بجلدها الشرقي، وصوتها العربي، بهويتها وجذورها، وهي إذ تقارب الأمكنة والناس، فمن خلال

مرجع حضاري".‏

الثقافة المسموعة‏ تقول الكاتبة وهي تتحدث عن إحدى جولاتها في نيويورك:‏

"توقفت أمام واجهة مكتبة وقد عاودني الانتعاش إنها أول مرة أرى فيها مكتبة كاملة، لا كتاب واحداً فيها.. إنها مكتبة من نمط جديد تدعى (أوديو مكتبة) والكتب كلها من نوع (أوديو بوك) أي كتب سماعية مسجلة على اسطوانات أو أشرطة، وأهمها كتاب اسمه (تعلم الاستماع إلى الكتب بالإنكليزية) إنها مكتبة آتية لما بعد سنة 2000 (المقال منشور بتاريخ 14ـ 7ـ 1995) يوم تحال الكتب والمكتبات كلها إلى المتاحف، ويأتي عصر الإعلام المسموع ليحل محل المقروء، وكما تحمل اليوم هاتفك إلى المقهى، قد تحمل معك قريباً شريطاً مسجلاً هو جريدتك اليومية أو مجلتك المفضلة في حلتها الجديدة (المسموعة) هذا بانتظار المجلات المرئية المحكية على شاشة كومبيوتر للصور"..‏

وتتابع رحلتها في نيويورك حيث تعلن فجيعتها بما رأته في متحف الفن الحديث، في مانهاتن للفنان الأمريكي (الكبير) بروس نيومان، إذا كان المتحف عبارة عن منشآت خشبية، كمخلفات معمل نجارة، ومؤثرات صوتية ونيونية وتلفزيونية، معادن ولوحات وحبال وتماثيل معلقة أو تدور على خطافات حديدية بأصوات صدئة..‏

وتقول: "تغادر المتحف فترى على الطريق متسولاً يستعطي المارة، وآخر ينبش في برميل القمامة بحثاُ عن لقمة يومه، وتشعر بالخجل وتتساءل: هل يحق لكوكبنا هدر ملايين الدولارات على هراء (مكيف الهواء) كهذا في المتاحف باسم (الحداثة) بدلاً من إطعام الجياع على أبوابها"...‏

 

حدوة الحصان

‏ ومن نيويورك إلى شلالات نياغارا‏

تقول غادة: إن انهمار الماء في الشلالات يعادل قوة خمسة ملايين حصان أو 3.75 مليون كيلو واط بلغة العلم.‏ ولكن الأرقام لا تعني شيئاً حقاً أمام ذلك البهاء الخارق لشلال لا شبيه له.. وحين تستقل "عروس الضباب"، وهو اسم المركب الذي يقترب بك من هوة الشلال قدر الإمكان، يغمرك شعور بالخشوع أمام عظمة الخالق، وجبروت الطبيعة، وعجز الإنسان وضعفه وغطرسته في آن.‏ وهذا الشعور بالخشوع والحاجة إلى التأمل في عظمة الخالق، وبالتواضع الكوني، لا ترعاه المؤسسات السياحية الإسمنتية التي تنبت كالفطر في الشطرين الأمريكي والكندي من الشلال.‏ ولعل أطرف ما كتبته غادة السمان في هذا الكتاب ما كتبته عن كاليفورنيا..

اقرأوا معي:‏

"حين تقرر أنك تعبت من كاليفورنيا وتريد الذهاب إلى المكسيك، ستودعك بلدة سان دييغو في أقصى الجنوب بمهرجان للألعاب البهلوانية تقدمه الطائرات الثملة التي تتدحرج في الهواء مثل تمساح في الحر. إنها كاليفورنيا التي جاءت طفلتها هوليوود على صورتها ومثالها، حيث لا تدري أين تبدأ الحياة وينتهي الوهم.. وأين الخط الفاصل بين الحقيقة والخرافة.. في كاليفورنيا تكتشف أن كلمات كندة مترادفة، وحين تتجول بين مدن تحمل أسماء القديسين أمثال: سانتا كروز، وسانتا اينيس، وسانتا ماريا، وسانتا بربارا، وسانتا مونيكا، وسان فرانسيسكو وسان جوان وسان دييغو يدهشك كم من الشياطين ترتفع في شواطئ القديسين".

بين مطارين

‏ ومن أمريكا إلى أوربا.. بين مطارين.. "مطار عاصمة سويسرا الريفي الذي يستقبلك بالخراف والأبقار والأحصنة البرية.. عنوان صادق عما سينتظرك، وإذا كنت مثلي قد غادرت أحد مطارات نيويورك الشاسعة الجهنمية، كمعمل للجنون في الأمسيات المعفرّة برائحة الهباب والدخان والكآبة وشحم هامبرغر (الدراغ ستور) وإذا كان سائق (التاكسي الأصفر) قد نفخ في وجهك أبخرة (الماريوانا) الذي كان يواصل تدخينها عبر أسنان مسوسة وهو يمضي بك في زحام الجنون والسيارات إلى مطار كينيدي، ستعرف معنى أن تهبط بعد ذلك في مطار جنيف الهادئ، لتستقل منه طائرة ورقية ملونة إلى (برن) حيث الغيوم أكثر انخفاضاً من ذرى الأشجار فوق التلال التي تزنر عاصمة سويسرا معلنة تربعها على عرش النظافة واللطف المهذب وبورصة الهواء النقي..

‏ يقول البرتو مورانيا (الرحيل يلهيني ويحزرني ويغنيني) وبوسعك أن تقول الشيء ذاته عن سويسرا كلها، وتضيف إليه عبارة ((ويمدني بالأوكسجين بالمعاني كلها))‏

 

الأدباء في جنيف‏

وتقول عن جنيف أن عدداً كبيراً من الأدباء والفنانين أحبو سكينتها:‏

دوستويفسكي عاش فيها عام 1868، وإذا مررت بتقاطع شارع (مون بلان) و(ليفرييه)، ورفعت رأسك عن الواجهة الفاخرة لبائع التذكارات، فستقرأ لوحة حجرية كُتب عليها "دوستويفسكي عاش وكتب في هذا البيت عام 1868" ستحاول أن تتخيل كيف كانت جنيف ذلك العام؛ كيف كان المشهد يبدو من نافذة دوستويفسكي..‏

وإذا رافقتني إلى منطقة "دليس"، حيث حضور فولتير الطاغي، سنزور معاً مؤسسة ومتحف فولتير وقد كتبوا على اللوحة الحجرية "دليس فولتير 1755 ـ 1765"، وثمة شارع رئيس يحمل اسمه ومدرسة ثانوية، وهذا الفندق الكبير أسموه فندق فولتير".. ومع هذا فقد سخر فولتير مرة من الحجم الصغير لهذه المدينة قائلاً:

"إذا نفضت باروكتي.. غطت بودرتها المنطقة كلها"‏

وإذا كان فولتير قد أحب هذه المدينة بطريقته الخاصة الدافئة، فإن (لامارتين) تدفق نحوها نهراً من الإعجاب غير المتحفظ، فعلى شاطئ (كي ويلسون) وعلى لوحة حجرية، كتبت هذه الأبيات التي كتبها لامارتين عام 1841 في (تأملات شعرية)

حيث يقول:‏ جنيف...

تبسط مرفأها الحر

‏ لتحتوينا حرية الضعيف... ليس مجد القوي‏

جنيف تَدْمُر أوروبية‏

تصب الأفكار عند أسوارها‏

وتتعانق الحريات‏

ويتبادل الإسبان والألمان المعارف فيها‏

وكلٌّ يبسط يده للآخر.. وقلبه

‏ وفي نهاية كورنيش (كي ويلسون) نصب حجر كتب عليه بالبرونز: "إلى شاتو بريان الذي أحب جنيف كمدينة حرة.. أقام فيها أعوام 1805 ـ 1831 ـ 1832.‏

فيكتور هوغو أحب جنيف أيضاً، وغازل سويسرا في بعض نصوصه..

وكان ذلك كله قبل أن يكتشفها أوناسيس وسواه من أصحاب الملايين ويقررون تحويلها إلى مصحّ، وعن سويسرا وساعات سويسرا تقول غادة السمان:‏

"الزائر العربي سيشعر بالغصة في متحف الساعات، حين يتذكر أن ساعة هارون الرشيد التي أهداها ذات يوم لشارلمان أذهلته ونبلاء بلاطه بدقتها وجمالها، واليوم، ونحن نستورد ساعاتنا من أحفاد شارلمان، لعل ذلك الخاطر يلخص مأساتنا مع ماضينا وحاضرنا في آن، والمستقبل قطار يمضي مع تكات عقرب الثواني، وإذا لم تصعد إليه فهو لن يتوقف، وإذا لم نحرك زمننا، فلن تتوقف ساعات العالم إكراماً لنومنا"‏

 

الفندق والمتحف‏

ومن سويسرا تنتقل بنا إلى بلجيكا.. إلى بروكسل، لتحدثنا عن فندق رائع وغريب.. كان فندقاً عادياً، فجاء صاحبه بفناني بلجيكا الكبار، وأعطى كلاً منهم غرفة ليرسم سقفها وجدرانها كما يشاء، كما لو كانوا في مباراة إبداعية، وهكذا قام مائة فنان برسم الغرف العادية، محوّلين الفندق إلى متحف استثنائي بعدما أنفق صاحبه أكثر من مليون دولار على ذلك"‏ وقد اختارت الكاتبة الغرف رقم 108 لأن فنانها روجر رافيل رسم على جدرانها وسقفها خرفاناً راكضة قررت النزيلة أن تكافح الأرق بإحصائها بدلاً من ابتلاع أقراصها المنومة، والطريف أن "فاليوم" هو الاسم الذي أطلقه الفنان على عمله الفني.‏

أحبك يا وطني

‏ وتستمر رحلة غادة السمان في بلاد الله الواسعة، ولكنها تحن في النهاية إلى الوطن:‏

"ارغب في الكتابة عن رحلتين إلى قاع روحي العربية، بينما أنا أرحل من جزيرة إلى أخرى،ومن شاطئ إلى آخر في بلاد الفايكينغ والبرد الدافئ، وكيف وقفت أمام الأسوار المائية لاسكاندنافيا، وصرخت طويلاً عبر حنجرتي المقطوعة، وكان الدم يقطر مني أخضر اللون كدم الأشجار الخرافية..‏

آه أيها الوطن العربي.. الذي تهب منه عصافير شهوة التبديل، وتغلي في بعض أركانه عقارب الخيانة..

أحبك‏

آه أيها الوطن العربي الذي صوته التاريخ الآتي، وغضبه زوابع الصحاري والواحات، تسكنني، وتستوطن روحي مثل حفيد قتيل لم يثأروا له بعد.. وتمعن في ارتداء عباءة الأسرار والتناقض، فأحسك بعيداً كالذكرى وقريباً كسواد بؤبؤ العين.‏ احترف حبك، والحزن رايتي، والشوق مهنتي.. والغيرة من الشعوب المستقرة الآمنة قهوتي الصباحية.‏

------------------------------------------------------

منقول/ * القصة السورية حرر في 07/11/2004 ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

 

إلى صفحة الكاتبة

 

 فعاليات اليوم الرابع غادة السمان الأديبة القادمة من أريج دمشق وحاراتها    

شغلت الناس بإبداعها وسيرتها الغنية الأكثر فرادة في الأدب العربي المعاصر 

 

لم أكتب عن المرأة بمنظور أنثوي بل إنساني

الأدب كالحب لا ندري كيف يأتي

الجرأة في الإبداع والحياة معاً

هاجسها الانتماء بأبعاده العميقة

 

 

حين أخذتني دهشة النوايا بالكتابة عن غادة السمان، قلت سأجد ضالتي، في جانب ما، من جوانب حياتها أو إبداعها، ولكن حين ألقيت نظرة على رف المكتبة المزين بمؤلفاتها الكثيرة، قلت ان مهمتي عسيرة وشاقة، لسبب بسيط هو أنني لا أبغي كتابة دراسة عن أدب غادة السمان الرحب والواسع بعوالمه المتلاطمة، ولا عن حياتها المشبعة بالإبداع والجرأة، إذ كان علي أن أجد الكثير في القليل، وأن أقول ما لم يسبق أن قيل في غادة السمان، الأديبة السورية الدمشقية، القادمة من حارة، معطرة بأريج زهر البرتقال والورد الجوري، والسيدة الأديبة، التي أرادت أن تضيف الكثير من الألوان في البصمات الأدبية، لنساء وكاتبات سوريات، فكان لها ما أرادت، فشغلت الناس بإبداعها أولاً، ولم تتشاغل عن فنها، بسيرة الحياة الغنية، والمثيرة أحياناً، في شرق يعشق الحكايا حول النساء، فكيف به حين يسمع عن امرأة ليست عادية، شقت حجب الذكورية في احتكار الإبداع والحياة معاً، لإثبات قضية بسيطة، هي أن المرأة العربية، هي أولاً إنسان، والإنسان عالم مترامي الأطراف، بنسائه ورجاله، وان الحدود في أمور الحياة والإبداع، بين الرجل والمرأة، حدود متحركة، فلا وجود لجزر منعزلة نسميها نساء، ولا جزر أخرى نسميها رجالاً.

 

عاشت غادة السمان جنون الإبداع، وواقعيته، فكسرت بذلك صقيع الجليد، وزرعت في بستانها المؤلفات الآتية: زمن الحب الآخر، الجسد حقيبة سفر، السباحة في بحر الشيطان، ختم الذاكرة بالشمع الأحمر، اعتقال لحظة هاربة، مواطنة متلبسة بالقراءة، الرغيف ينبض كالقلب، ع غ تتفرس، صفارة إنذار داخل رأسي، كتابات غير ملتزمة، الحب من الوريد إلى الوريد، القبيلة تستجوب القتيلة، البحر يحاكم سمكة، تسكع داخل جرح، عيناك قدري، لا بحر في بيروت، ليل الغرباء، رحيل المرافىء القديمة، القمر المربع، بيروت 75، كوابيس بيروت، ليلة المليار، الرواية المستحيلة، فسيفساء دمشقية، حب، أعلنت عليك الحب، غربة تحت الصفر، الأعماق المحتلة، أشهد عكس الريح، عاشقة في محبرة، شهوة الأجنحة، رسائل الحنين إلى الياسمين.. هذه رحلة قصيرة وعابرة في بستان غادة السمان، لكن رحلة الأديبة لا تلخصها عناوين الكتب، فالأديبة رحالة واعية ذات موقف وطني وقومي، تروي قصص الرحيل عبر اغتراب الإنسان، إلى جذور الانتماء المشبع بالوعي والهوية، حين تضاء بأنوار العقل وإشراق القلب.

 

يقول بول شاؤول: "انتماء غادة السمان يجب ألا يفهم فهماً سياسياً أو أيديولوجياً ضيقاً بقدر ما يجب أن يتحدد كارتباط بهوية اجتماعية وإنسانية وقومية، غادة هي أولاً وأخيراً روائية تكتب يومياتها التسجيلية، لهذا فإن المناخ القصصي يلفها في سياق روائي واحد". وفي شهادة أخرى حول الانتماء في أدب غادة السمان، يقول ابراهيم الريس: "أكثر كتب غادة السمان فائدة ومتعة.. والمؤلفة في ترحالها، لا تتخلى عن كونها عربية ترى الأشياء بعينين عربيتين. وفي إحساسها بهذا الانتماء تبدو ـ على عكس الكثيرين ـ خالية من عقد النقص ولا تعلن انبهارها بأي شيء. إنها تغزو المدن والحضارات غير وجلة".

 

في روايتها "الرواية المستحيلة ـ فسيفساء دمشقية ـ تدخل الأديبة عالم مدينتها الأثيرة دمشق، من أبواب مشرعة على الأحاسيس بالألوان والروائح: "كان بوسعي أن أستنشق عبر البحار والمسافات روائح بيتي: الياسمين، الفل، الريحان، الورد الجوري، النرجس، النارنج، هال قهوة أمي بماء الزهر وضوء الفجر، بل كان بوسعي أن أسمع أصوات تلك الروائح الملونة اللا منسية. الأصوات البرتقالية والسماوية والبنية والخضراء والليلكية والرمادية والبيضاء ممتزجة بصوت آذان الصبح من الجامع الأموي القريب". من المرات النادرة التي قرأت فيها، هذا الإحساس، بالألوان، فللون تأثير بصري ونفسي، وموجاته تترك انطباعات ورؤى، وليس أصواتاً، هامسة بكل هذا الحنين الدفين، الذي قد لا تستطيع التعبير عنه، سوى المرأة الأنثى حين تكون بقامة غادة السمان.

 

لقد ترجمت الكثير من أعمال غادة السمان، إلى اللغات الأخرى، الاسبانية والألمانية، والروسية، والانكليزية والإيطالية، والفرنسية، والصينية، والفارسية والبلغارية، ويقدم هذا بحد ذاته شهادة، لواحدة من ألمع الأديبات العربيات.

 

ليس لدى غادة السمان ما نسمعه أو نشهده لدى البعض من الأدباء أو الأديبات، من ذاتية مفرطة، تصل في بعض الأحيان إلى حدود إنكار وجود آخرين في ساحة الإبداع. تقول السمان: "ان فرحتي بالجيل الآتي لا تقتصر على الأقلام النسائية وحدها، بل والشبابية كلها لأدباء من الرجال والنساء معاً. فمع الأدب، أي العطاء الإنساني، لا فرق حقاً بين ذكر كاتب وأنثى كاتبة لأن الإبداع يتجاوز الجنس". وترفض الأديبة مفاهيم الأدب النسوي، لكنها تقر بأن مساحة الحرية أمام الأديبة الأنثى لا توازي مثيلتها لدى الأديب الرجل. وتحرص بشكل خاص في الأدب الذي تكتبه نساء على عدم استيراد أمراض الذكورة التاريخية. تقول السمان: "أنا أتمنى أن تكون لتسمية (الأدب النسائي) المرفوضة صفة واحدة، هي عدم استيراد الأمراض الذكورية، وعلى رأسها عقدة الزعيم الأوحد. ثمة مكان لجميع الكاتبات وما من واحدة تلغي الأخرى، وليتنا نتعامل فيما بيننا بمحبة ونتعلم من الذكور خبراتهم دون أن نستورد أمراضهم".

 

في حياة غادة السمان كإنسانة وأديبة، جرأة كبيرة، على قول ما لا تحرص بعض النساء أو الرجال على إخفائه. لقد نشرت رسائل غسان كنفاني الغرامية الموجهة لها، وأقرت بحرص شديد، أنها تلقت رسائل عشق كثيرة من أدباء كبار ومن سياسيين، وأعلنت أنها سوف تنشر هذه الرسائل، ولا يستطيع أحد الوصول إليها أو إحراقها. ولا تخفي غادة السمان أنها لا تستطيع التخلي عن عطورها الأنثوية ولا قوارير المحبة التي جمعتها، مع غسان كنفاني، الذي "سيظل شبحه يكتب لي رسائل الحب إلى الأبد". على حد قولها. الجرأة التي تميزت بها الأديبة، هي الوجه الآخر، للصراحة والشفافية، ففي جميع أحاديثها الإعلامية والمقابلات التي أجريت معها، لا تخفي السمان شيئاً، إلا ما لا تريد البوح به، لأسباب شخصية حميمية. أما آراؤها في الأدب، فلا تحاط بأسوار الغموض. ورغم شهرتها العالمية فإنها لم تسع لنيل جائزة، وتقول إن جائزتها الكبرى في الأدب والحياة هي الجسور الممتدة بينها، وبين القراء الذين يتابعون ما تنشر.

 

لقد جمعت السمان، بين الإبداع، والإخلاص الإنساني لعلاقاتها، إذ تتحدث بمحبة هائلة عن صداقتها مع سفيرة العرب إلى النجوم الفنانة فيروز، وعن علاقات مع رجال ونساء أحبتهم بعمق. وبقدر ما أحبت الأصدقاء، كانت دمشق وبيروت من المدن الساحرة والأثيرة لديها، ورغم إقامتها في باريس لفترة طويلة، كان حنينها إلى مسقط رأسها وإلى بيروت، قد انعكس في أغلب ما كتبت من روايات وقصص.

 

لم تكتب غادة السمان عن مشاكل المرأة من منظور أنثوي بل من زوايا إنسانية. ووجدت في ازدواجية الرجل أو المرأة في الشرق، عيباً وقصوراً في الشخصية. والكتابة لديها كالحب لا يؤمن جانبها، ولا أحد يدري من أين تأتي تلك الينابيع التي تتفجر في دواخل الأديب، وتجعله يعيش عواصف الكتابة، التي تهز العروق وتؤجج النيران وتفيض كالضياء في صحو الصباحات.

------------------------------

*خاص القصة السورية حرر في 07/11/2004 ( للتعليق والمشاركة بالندوة الخاصة حول أدب المرأة )

 كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (رواية - مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية