الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

القصص

 

 بين الموت والحياة

 

 

 

 

    الإرهاب لا دين له

 من اجل لقمة العيش

 حضور عيد مولدي

 عندما يسقط فارس الأحلام

 عسل بلادات الناس

 

بطاقة تعريف الكاتبة: سمية يومه المغرب

 

 

 تاريخ ومكان الازدياد

6-2-1977 بمدينة طنجة شمال المغرب:

الشواهد التعليمية المحصلة عليه

إجازة في اللغة العربية +شواهد تدريبية مخصصة في مجال عملي كمربية أطفال ومدرسة.

التجارب المهنية

أستاذة لغة عربية لتلقين اللغة العربية للأجانب, والفرنسية للعرب.

بالإضافة للعمل كمربية مدة سبع سنوات.

اللغات عربية, فرنسية, انجليزية, واسبانية.

أحب أن أشارك بهذه القصص في هذا الموقع وأتمنى أن تنال إعجابكم

أحيطكم علما انه لم يسبق لي إن شاركت بها سوى في منتدى القصص القصيرة

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعمالها

 

بين الموت والحياة

 

بين الحياة والموت خيط رفيع ,رحلة لا تدوم أكثر من دقائق, فالرحيل سهل والعودة تفتح الكثير من علامات الاستفهام.

يدخل الطبيب إلى غرفتها, خلف نظارته الطبية قرأت لوما اختلط بالعتاب, مظهره الجدي لا يبين سنه الحقيقي ,وان كان لم يتجاوز الأربعين. يضع أصبعه على عينيها ,يفتحهما بإصبعيه وهو يردد بصرامة : حمدا لله على سلامتك .كادت تقول له : لما أنقدتني؟ لكنها فضلت الصمت.تدخل أمها إلى الغرفة, عيناها غارقتان بالدموع, مازالت تحتفظ ببعض الجمال رغم سنواتها الستين, تقبلها تتساقط دموع أمها على وجهها ,تمسحها بظاهر كفها ,تجمدت لم تستطع القيام بأي رد فعل ,رددت أمها : لما فعلت ذلك ؟الم تفكري في وفي ابنتيك؟ .

تدخل ابنتاها الغرفة ترتميا في حضنها, تبللا بدموعهما خصلات شعرها البني الذي تساقطت صبغته. تاخد أمها الطفلتين من بين حضنها ,وهي تقول لهما :اجلسا هنا دعا أمكما ترتاح.تبتعدان إلى ركن الغرفة, تقول الطفلة الكبرى وهي تتبع جدتها أكملي لي قصة السند ريلا يا جدتي .

تعود بذاكرتها إلى الوراء, إلى حيث كانت كطفلتها تجلس بين أحضان جدتها التي تبدأ دائما سرد حكايتها بقول كان يا مكان في قديم الزمان .....حتى تغرق في النوم ,غالبا ما كانت تنام قبل وصول جدتها إلى نهاية القصة, فتصحو صباحا على قبلة الأمير الذي حولته من وحش رهيب إلى رجل وسيم, حين قبلت الزواج به ....وليلا تصحو مفزوعة من كابوس على يد الساحرة الشريرة التي تريد الانتقام منها ....بين الماضي والحاضر خيط رفيع ,حكايات الجدة و دمى   أهدتها لها أمها ....كانت أول دمية اشترتها لها عندما كانت بسن الرابعة, وكانت أمها كلما انشغلت عنها أو أرادت الحديث بحرية مع نساء الحي   تطلب منها ان تذهب لتلعب بدميتها في غرفتها...أسمتها سارة على اسم ابنة جيرانها التي كلما مرت بها داعبت شعرها وقدمت لها الحلوى .كانت تحملها في خضنها تحكي لها الحكايات التي تحكيها لها جدتها ...تشتري بسكوت لها ولدميتها, ترغمها على الأكل فإذا لم ترد نهرتها وأخبرتها أنها ستعطي قطعة البسكويت إلى ابنة الجيران لأنها فتاة مطيعة ....تحاول معها مرة أخرى ثم تضربها كما تفعل معها أمها مرارا, وتأكلها هي في النهاية.كانت تلبسها كل الملابس التي لم تعد في مقاسها وتنهرها حين توسخ ملابسها, تضرب يديها ثم ترفع سبابتها بوجهها وهي تردد : أنها أخر مرة توسخين فيها ملابسك أو سأخبر صديقاتك ليضحكن عليك كما تفعل أمها دائما ....ثم تاخدها بين ذراعيها وهي تردد : هيا كفى ابنتي الصغيرة انظري إلى أميرتي ليس هناك من هو أجمل منها ,هيا لأغير لك سنذهب إلى بيت خالتك سوسن. تطرق باب جيرانها تفتح لها فتاة في سنها ,تدخل إلى الداخل وهي تردد : هيا لنلعب .تحضر صديقاتها الألعاب, أدوات المطبخ ودماها ,يقتسمن  ركن في غرفة المنزل وهي تردد : هذا منزلي وذاك منزلك .

في كل عاشوراء كانت أمها تهديها دمية جديدة ,فتقول لدميتها انظري لقد جلبت لك جدتك أخت جديدة ,حين بلغت التاسعة أخبرتها أمها أنها لن تشتري لها دمية لأنها لا تملك مالا كافيا ,بكيت فقالت لها أمها :ان لك دمى كثيرة انظري. قالت : أنا أريد دمية أخرى جديدة .ردت أمها بصرامة :لقد كبرت عن ذلك, انظري إلى نفسك لقد  أصبحت طفلة كبيرة, ستسخر منك صديقاتك .وكانت أخر سنة تقدم لها فيها دمية ,تلتها سنتان حين عادت يوما من المدرسة ,اخدت أمها مريلتها المتسخة وهي تقول : لن تحتاجي إلى هذه بعد الآن .وقدمت لها مريلة المطبخ وهي تردد : عليك ان تساعديني لقد كبرت وما عدت قادرة على القيام بأعمال البيت وحدي. فاخدت أمها كل دماها ووزعتها على الطفلات الأصغر منها وهي تقول : لقد كبرت لم تبقي طفلة الآن.

أصبحت تستعد ان تكون امرأة في الثانية عشر من العمر ,كانت تذهب لزيارة ابنة جيرانها سارة التي تكبرها بسنوات, تراقبها تتابع حركاتها تقف بجانبها ,تكحل عينيها وتضع احمر شفاه على شفتيها ,عندما تعود إلى منزلها تنهرها أمها تضع سبابتها أمام وجهها وهي تردد : اذهبي واغسلي وجهك عندما تذهبين إلى بيت زوجك افعلي ذلك .......منذ ذلك الحين أصبحت تحلم بذلك البيت الذي ستحقق فيه أحلامها التي لم تحققها في بيت أهلها .في الرابعة عشر تقدم لخطبتها رجل, لكنه لم يعد إلى بيت أهلها لأسباب تجهلها,منذ ذاك الحين وأمها تخاف عليها ان تكبر ولا يتقدم لخطبتها احد.

أخذت أمها يديها ذات صباح وقفت بها على باب معمل صغير, أخبرتها ان والدها عاجز عن العمل وان عليها مساعدة الأسرة ...لم تعد تحس بطعم الأيام لأنها لم تكن تستمتع فيها إلا بنهاية الشهر لتاخد راتبها وتعطيه لامها, اختصرت أيامها في ذاك اليوم الذي تلته سنوات وجدت نفسها في الثامنة عشر, تقدم لخطبتها رجل يعمل معها ,عملت سنتان أخرى من اجل ليلة واحدة أقيمت فيها الأفراح .......ولبست فيها ردائها الأبيض ورحلت إلى بيت زوجها  , خيطا رفيعا يفصل بين الطفلة والمرأة.

وخيطا رفيعا بين الزوجة والأم

وخيطا رفيعا بين الزوجة والأرملة

لم تكن أرملة بالمعنى الصحيح ,بل زوجة هجرها زوجها ورحل إلى بلد آخر من اجل مستقبل أفضل.وعادت إلى بيت أهلها وانتظرته سنوات حتى يعود, تلته سنوات ترك الطفلة الكبرى في الرابعة وأصبحت في الحادية عشر ولم يعد بعد.

بين الأمس واليوم خيط رفيع ,  حكايات أصبحت واقع فارس أصبح زوج و دمى أصبحت أطفال .

قامت من غفوتها كانت أمها تضم الطفلتين وهي تردد :نسيت السند ريلا حذاءها عند باب القصر ....تطلعت طفلتها إلى عيون جدتها وهي تردد : ومن وجده جدتي.

ابتسمت بألم وهي تقول بمرارة : لا احد اخبريهما ان الأمير ليس سوى في القصص, اخبريهما ان لا وجود لسندريلا أو لأمير. اخبريهما......

تختنق كلماتها داخل حنجرتها, تحس بيد طفلتها على جسدها ,تفتح عينيها ببطء تردد :لقد كان كابوسا أين جدتك؟ تدخل أمها مسرعة وهي تقول :لقد غفوت فلم ارد إزعاجك .تتطلع بعينيها البنيتين اللتان ضاقتا بسبب دموعها وتقول باستغراب : متى عدت من المستشفى ؟ترد أمها : أي مستشفى؟ رددت : لقد تناولت البارحة مهدئات.....اخدت علبة الأقراص بين يديها, وجدت انه لم ينقص منها سوى واحدة ,فرددت :ظننت .....قاطعتها أمها : هل كنت تفكرين في الانتحار ؟

ردت : اجل ...اقصد لا......

قاطعتها أمها مجددا : رايتك تبكين فخرجت من الغرفة ,عدت وجدتك قد غفوت, لو كنت اعرف انك تفكرين في الانتحار ما تركتك وحدك. أخفضت رأسها, فجلست أمها على حافة السرير وهي تكمل : فكري في وفي ابنتاك لمن ستتركنا بعدك؟.تدخل ابنتها الكبرى تجر أختها وهي تقول بمرح :ماما أكملي لنا قصة البارحة ردت :أين توقفنا ؟ردت الطفلة حين نسيت سندريلا الحذاء .قاطعتها الطفلة الأخرى :ماما من الذي وجده؟ رددت :ابن السلطان فكلف حارسه في الغد بالبحث عن صاحبة الحذاء.

التقت نظراتها بنظرات أمها التي قالت :لطالما منعتني من ان احكي لهما حكاية السند ريلا ,كنت تصرين ان لا وجود لابن السلطان ,ردت : لن احرم ابنتاي من الحلم, هذا ما يظل لنا بعد ان نفقد كل شئ .

بين الحقيقة والحلم خيط رفيع ,فارس على ورق ,وسندريلا تنتظر أميرا يطرق بابها وفي يديه حذاءا تركته على باب قصره في إحدى الليالي.

  

 

الإرهاب لا دين له

 

قبل أيام تفرجت لفيلم seven   أو الخطايا السبع, لمورغان فريمان و براد بيت, هذه ليست دعوة مجانية مني لكم لمشاهدة الفيلم, ولكن فكرة الفيلم كانت استثنائية عما روجته هوليود والثقافة الأمريكية ,من ان الإرهاب الديني يتعلق فقط بأصحاب اللحى والجلابيب البيضاء, الذين ينسبونهم لديننا الحنيف. فنلاحظ الفيلم الذي عالج الخطايا السبع المذكورة في الإنجيل , من خلال نظرة متشدد ديني, الذي فهم الدين فهما خاطئا فاعتقد انه بإمكانه تطهير الأرض من الخطايا السبع المذكورة في الإنجيل, وهي الشره الجشع الكسل الغرور الشهوة الحسد الغضب .وانه مكلف من الله لتطهير البشرية من شرورها ,وهكذا أخد يقتص من ضحاياه بطريقة عشوائية حتى ينفذ مخططه الإرهابي .لاعتقاده انه من أولي الأمر المكلف بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف, مثله مثل الكثيرين في مدينتي وبلدي وبقاع أخرى من العالم.الذين يأمرون الناس ويطهرون شرورهم, ويسطرون على أخطاءهم, ويقتصون منهم دون رقيب ,ودون ان يقول لهم احد "اللهم هذا منكر" ودون ان يسال احد نفسه سؤال بسيط ,وهو هل هذا الشخص الذي يقتص من هؤلاء جدير بذلك ؟هل هو ملاك لم يرتكب خطيئة في حياته؟ .

مثلما كان يفعل شخص ملتحي يمر بمنطقة بمدينتي ملاحقا بعصاه الغليظة رؤوس الفتيات, يطيح بها كما يطيح بدوي التين من فوق الشجر . ولا احد ينطق بكلمة أو يسأله ممن هو مكلف بالنهي عن المنكر  وهل يستحق هذا التكليف؟ فلا تسمع سوى نساء ورجال صغار وكبار يرددون " عطي نباباها" زيدها" عبارتي عليها "" الله يقوي الرجال " وكأن" الرجلة فتصرفيق والعصا" .وأتلفت حولي فلا أجد سوى نساء مرتديات جلابيبهن ,ومراهقات ان تجرأن على إبراز شيء ,فجزأ صغير من أجسادهن, ومن تجرأ على فعل ذلك ببني مكادة. فقبل ان تصلها عصى الشيخ تكون رجمت "بماطشة خامجة "أو "بطاطا قاع الصندوق "هكذا هم اغلب الشيوخ, نسوا كيف مر شبابهم في اللهو وملاحقة هؤلاء الفتيات التي يضربونهن ألان ويتمنون موتهن ,وكأنهم بذلك يحرموهن من الشباب الذي حرموا منه هم, ولو كان الموت نتيجة ذلك . وان حدثته بمعروف وقلت له :بأي حق تحرم إنسان من الحياة وتزهق روحه؟ ومن كلفك بفعل ذلك يتهمك بالزندقة وإتباع زمرة الشيطان .أعود وأفكر من يستحق العصي, هؤلاء الفتيات الصغيرات أم أولئك الذين يجلسون على الطرقات وأبواب المنازل, أو المقاهي المتناثرة بالشوارع  يرمون كلمات احتقار  هناك وإعجاب هنا. أولئك الذين يقفون بسياراتهم على جنبات الطرق يتتبعون مؤخرات الفتيات .أم ذلك الذي يتبع فتاة  لتعطيه رقم هاتفها وإذا رفضت يعقبها بوبيل من السباب والكلام الفاحش ويصفها بالقحب والعهر.

لن يمسح من ذاكرتي ما حييت مشهدا رايته بأم عيني عندما كنت في السوق يوما مع والدتي ,وكان طفل أمام باب بيته رمى شابة بحجارة, واختبأ ثم أعاد الكرة ,وعندما كلمته الفتاة خرجت أمه فقالت :انه مازال صغير. فما كان من الصغير إلا ان حمل حجرة أخرى رماها عليها وهو يردد : "العروبية العاهرة ".ما كان من الأم إلا ان أمسكت صغيرها الذي لم يتجاوز أربع سنوات, قبلته وهي تطلب منه ان يكرر ما قال, المصيبة ان معظم من يظلم النساء في بلدي هم أيضا من النساء .الإرهاب يتربى معنا منذ الصغر, انه تربية دون ان ندرك نربي أبناءنا على الإرهاب على العنصرية وعلى الأحقاد .مثل هذا الطفل ومثل مراهقين يرجمونك بالحجارة غير مبالين ان تقتلك أو تحدث فيك عاهة, تحت باب تغيير المنكر. وقذف المحصنات أليس منكر ؟ان تتهم فتاة شريفة بالعهر أليس منكر ؟هذه الكلمة التي أصبح سماعها اعتياديا وفي كل مكان, تستعمل للتقليل من قيمة الفتيات في مدينتي, في حين ان العاهرات الحقيقيات يخرجن في وضح النهار, يمتطين سيارات فاخرة ويقمن في شقق فاخرة ولا احد يقول لهن "اللهم هذا منكر" في حين ان فتاة شريفة في طريقها," باش تلقط الطرف دالخبز" يتهمونها بالفجر والفسق "واش هذا ماشي منكر".

الإرهاب لا يخص دين بعينه ,أو جيل بعينه أو فئة عمرية معينة, لمنعه يجب البدء من الجذور, يكون الأساس هو التربية الحسنة أساسها المساواة والاحترام ,احترام النساء على قدر ما نحترم الرجال في مدينتي, الرجل الذي يعطي فتوى ويقتص وفي يده قطعة حشيش,  يقتص وفي يده قنينة خمر,  يقتص ويغتصب,  يقتص ويتاجر في المحرمات, يقتص ويكذب ,يقتص ويخون...لا يمكن حجب الشمس بغربال ,وقبل النظر إلى أخطاء الآخرين والتسطير عليها بقلم احمر, فلنبدأ بذواتنا ولنقبل بانتقاد الآخرين كما ننتقدهم نحن.

 

 

لقد اختطف هرقل طنجة قبل قرون, عاشت معه عروسا لمدة طويلة ولم تشخ, رغم انه أصبح لها أحفاد وأحفاد, انشغل هرقل بعروسه ونسي أبناءه وأحفاده ,وانشغلنا نحن بأسطورة هرقل- الذي باعد بقدميه بين اسبانيا وطنجة حتى يحمي محبو بته – ونسينا  مشاكل أبناءهم, أخدنا بريق  طنجة فانبهرنا بانوثثها ,بثوبها الأبيض الذي لم تخلعه منذ تزوجت , ولم ننتبه للدم الذي ينزف بداخلها ويلوث بياض ثوبها.

  

 

من اجل لقمة العيش

 

وقف للمرة العشرة أمام باب المعمل الذي كان يرده خائبا دائما، ويطلب منه ان يسجل اسمه حتى يفتح المعمل أبوابه ،فيطلبون منه العودة بعد أسبوع وتحول الأسبوع إلى شهر وشهور، حتى ذهب يوما فأخبره  المسؤول عن العمال انه نزولا عند رغبة صاحب المعمل، فقد قرر تشغيل الفتيات فقط، فما كان من الشاب المسكين إلا ان اخذ سكينه وقام بقطع رجولته....لا احد كان يصدق تصرفه ولا الأسباب التي دفعته لفعل ذلك، ولكنه ربما هو نفس المنطق الذي يفكر به الجميع عمال وأصحاب العمل، تشييء المرأة والنظر إليها نظرة مشترِ من خلف الزجاج، وكأن لا رصيد لديها سوى نهود وشفاه وقد, ربما لو كان هذا الرجل  فكر بمنطق آخر وهو المنطق الذي يفكر به أرباب العمل الذين يشغلون النساء فقط، لو سأل نفسه ولم النساء؟ لو سأل نفسه هذا السؤال  لوجد انه كان حريا به ان يتخلى عن كرامته، عن طموحه، ان يرضى بالقليل ولا يطالب بحقه، ويعمل كثور طاحونة دون توقف، فهذا هو العامل المثالي عند رب العمل، بغض النظر عن كون العامل رجلا أو أنثى، فنساء عدة عندما يخرجن عن هذه القاعدة لا يجدن العمل . ولو عرف هذا الرجل ما تعانيه النساء في هذه المدينة الغالية، لو رأى كيف ينظر الشاب إلى بنات المعامل التي لا يرى فيها سوى فضلات رئيس العمال والمدراء وأرباب العمل وباقي العمال، ومن المستحيل ان يربط حياته بها  وحتى ان فعل تظل نظرة ذويه إليها ناقصة. ما كان أقدم على قطع ذكورته وحرم نفسه من نعم أخرى وهبها الخالق إليه.

ذكرني الحادث بأول عمل لي ،  كنت في الحادية والعشرين و ما أزال بسنتي   الأولى  بالكلية،   كان  في معمل برتغالي يعنى بقطع غيار السيارات، حط رحيله بمدينتي تلك السنة وكنت من الدفعة الأولى التي عملت به، لا أنسى ذاك اليوم حين استقبلتنا مديرة المعمل وهي مغربية الجنسية وصاحب المعمل البرتغالي في فندق سولا زور المطل على البحر الأبيض المتوسط ...كان يتطلع إلى الرجال والنساء بعين متفحصة وكأننا عارضو أزياء مرشحون للمرور فوق البساط الأحمر امام الكاميرات والعدسات،  وليس للعمل خلف الماكينات،  وكان يجاهد في ايجاد العبارات المناسبة باللغة الفرنسية للتعليق على كل مرشح، وعندما حان دوري قال لي بفرنسية ركيكة: "اعلم ان العمل بهذا المعمل لا يتطلب شهادات جامعية ولكن ستبدؤون كعمال وان أعجبنا عملكم ستترقون وتصبحون ذوي شأن " وأعادت هي الترجمة بالعامية فرسمت ابتسامة على شفتي، شكرتهم وخرجت .

مرت شهور وشهور من العمل المضني، وقد نلت رضا المديرين خلال هذه الفترة وأنا أتطلع إلى ما وعدني به صاحب العمل، مركز أفضل في الشركة .وترقت زميلات وزميلات لم أعرف كفاءتهن حتى رأيت أيادي المدراء تتنزه بحرية فوق تنانيرهن القصيرة ...ثم الدعوات إلى العشاء والغذاء من طرف العمال للمدراء بمنازلهم  العائلية  ليصرفوا أجرتهم في تحضير ما لذ وطاب من الطعام وجلب هدايا لهم أو صرفها في المطاعم الفاخرة والمراقص . ولم أكن استوعب كيف ان عاملات عدة كنا نتقاضى نفس المرتب، تجدني أنا والعديدات ما يكاد الشهر ينقضي حتى نبدأ في طلب القرض، في حين ان شرائح أخرى تسهر .. تسافر .. ترسل الأموال وكل وسائل الراحة   الى ذويهن..  تلبس  الملابس الفاخرة  وتدفع  فواتير الإيجار و الكهرباء واشتراك الهاتف، ولهن رصيد في البنك أيضا من نفس الأجر الذي نتقاضاه جميعا، فتجد أمهات عدة تقارن بناتها بهؤلاء الفتيات المحظوظات وعندما توضح لهن ما يفعلنه هؤلاء لنيل ذلك، يصفنهن   بالغباء وتضييع أموالهن فيما لا نفع فيه.

 

لم يكن هذا أسلوبي في الحياة بطبيعتي،- حتى لو لم تكن أسرتي محافظة،- لا احب السهر والاختلاط، وليس من مبدئي ان أضع جسدي ضمن كفاءاتي في العمل،  فكان علي التغير حتى أحظى بالسفر إلى المعمل الأم بالبرتغال والعودة بعدها  إلى وطني  للعمل بمركز اكبر داخل الشركة.

 

ولكني فضلت تغيير مجال العمل بصفة نهائية، وابتعدت عن العمل بالشركات إلى مجال أخر، فاخترت التعليم ،لأنه على الأقل براءة الأطفال لا تتطلب منك سوى الصرامة والجدية التي حاولت لعب دورها سبع سنوات من حياتي ولم استطع، فانا بطبعي مرحة ولا أريد لعمل كيف ما كان ان يؤثر على طبيعة شخصيتي .

بكل مجال تجد رب العمل يحدد السمات التي يريدها في عماله، وكأن العمال صفقة يستلمها بالجملة ، جسد.. روح.. فكر.. إنسانية.. شخصية.. تجد رب العمل أحيانا يتدخل حتى في طريقة لباسك، فطالما انتقدت في مجال التعليم للبس الجينز، وهناك مدارس كانت لا توظف سوى المحجبات، وهناك من لا تكتفي بالحجاب وتطلب جلبابا غير زاهي الألوان مع رداء كبير يغطي الرأس ، وهناك من يطلبون  مراهقات ودون خبرة حتى يدفعون لهن الأجر الذي يريدونه دون الرجوع إلى بنود قانون الشغل، ودون ان يخافوا منهن من تقديم شكاية لدى متفشية الشغل،إذا هم أخلو ببند من البنود وهناك وكالات أسفار ومكاتب وشركات اتصالات و....و....من ضمن شروط العمل لديهم عدم تشغيل المحجبات وإلزام إبراز النهدين  والكتفين والرجلين والماكياج  وتصفيف الشعر. 

ماذا يضيف إبراز جزء من الجسد أو تغطيته لنجاح عمل معين ؟ لقد تعلقنا بالقشور وأهملنا الجوهر ، وبدأنا نتنازل ونتنازل من اجل لقمة العيش، من اجل دفع الإيجار وفاتورة الكهرباء والماء والهاتف والانترنيت و....و....كماليات أخرى. تنازلنا عن كرامتنا.. عن إنسانيتنا.. عن مبادئنا  لنيل رضا المدراء وأرباب العمل، فهذا يتخلى عن ذكورته، وهذه تتخلى عن شرفها، وذاك يتخلى عن إنسانيته، وهذا عن مبادئه، وهذه عن شخصيتها ،

والانكى من ذلك ان الأغلبية الساحقة يفعلون  ذلك من اجل الجيران،الناس ،الآخرين،  من اجل ان يقولوا ابن فلان ناجح في حياته، فتجده يسرق، يأخذ الرشوة،يستصغر لرب العمل يجعل من نفسه أضحوكة بين يديه يفعل أي شيء ولو على حساب إنسانيته وكرامته وشخصيته، حتى لو وقف كل صباح أمام المرآة وبصق في هذا الوجه المسخ الذي ما عاد يطيق النظر إليه .

أما رب العمل فهو لا يبالي مهما خسر العامل حتى لو تلاشى وأصبح ذرة غبار في الفضاء ، مازلت اذكر حينما كنت ما أزال اعمل في الشركة ،كيف فقدت عاملة  إحدى أصابعها خلف الآلة، وأقنعها المدير بعدم التبليغ عن الحادث، ووفر لها كل تكاليف العلاج ،ثم طلب منها ان تأخذ الوقت الكافي للنقاهة .أما  المسكينة فعادت إلى العمل قبل أن يندمل جرحها، فوجدت مكانها وقد ملأته أخرى  هكذا في الشركات لا تصير سوى رقما، إذا رحلت يستبدلونك برقم آخر،  فالعمال ليسوا  أفضل من هذه الآلات التي يعملون عليها. عندما يتعبون  وتصيبهم الشيخوخة و يهرمون، يستبدلونهم  بمن هم أصبى منهم، 

ولا أنسى أيضا كيف شكر مدير معهد للغات كنت اعمل به أستاذة بعد 10 سنوات من العمل  كان يزيد أجرتها كل سنة وعندما لم يعد  قادرا على دفع راتبها المستحق لها أحضر أخرى مبتدئة وأصبح ما سيدفعه لأستاذة واحدة بإمكانه أن يوفر باجرتها سلسلة متنوعة من الأساتذة فعندما دخلت الأستاذة المبتدئة وبعد أول درس توجه التلاميذ إلى الإدارة وطالبوا بعودة أستاذتهم فما كان منه إلا ان وجه الكلام لهم  أستاذتكم أصبحت عصبية سأستبدلها بشخص اهدأ ..وكأننا جوارب ممزقة   أو أحذية قديمة انتهت مدة صلاحيتها  وعندما رفض التلاميذ منطقه قال لهم إنها مؤسستي واشغل فيها من أشياء ....وخسر تلك المجموعة من التلاميذ عوضها بتلاميذ آخرون .

مهما اختلفت مجالات العمل وتنوعت سواء تحت سقف الشركات أو المؤسسات التربوية لا تجد سوى  قانون العرض والطلب تشيء الإنسان حسب متطلبات السوق ./زوق تبيع/ السوق يطلب الأشياء الطرية الجميلة الزاهية لذلك على الإنسان ان يكون كالآلة يخضع لمنطق رب العمل ولمنطق الزبائن أما شخصيته وإنسانيته فليطويها مع الأشياء الجميلة في حياته التي يطويها دائما  دون شعور.     

  

 

دعوة للجميع لحضور عيد مولدي

 

 

تسكن بداخلي طفلة ...طفلة دفنت فيها طفولتي ماضي ذكرياتي أسراري الكبيرة والصغيرة ... طفلة رافقتني حتى سن الثلاثين ...هكذا أنا طفلة بجسد امرأة ...طفلة تعودت منذ ان وعت على تضميد جراحها بنفسها, تعودت على حل مشاكلها بنفسها, ولعق آلامها بنفسها, لم تشارك احد أفراحها ولا أتراحها, كان حلمها دوما ان يأتي احد ويربت على كتفها يضع قبلة على جبينها ,يمسح دموعها ويضمها إلى صدره ...لم يفعل هذا احد من قبل.والدتها والدها إخوانها تحبهم كثيرا لدرجة أنها لم تكن تخبرهم شيئا حتى تجنبهم  الألم ,فما لدى كل واحد منهم يكفيه, حتى عندما يداهمها المرض أو الألم تخبرهم بسبب أخر غير الذي يؤلمها, وتمسح دموعها وتستقبل يومها بابتسامة حتى لا تشغل بال احد عليها .

 

هكذا كبرت أنا وظلت الطفلة طفلة في داخلي, ما عادت تجلس في الركن كما السابق, كلما فتحت غرفتي جاءت تجري لترتمي بأحضاني,  فاجلس على حافة سريري واضع مخدتي على ركبتي, وانزل راسي على كتفي ثم أداعب شعري, وأهدهد نفسي يمنة ويسرة  كما كانت تلك الطفلة تتمنى ان يحدث لها عندما كانت صغيرة .ثم أبدا في سرد لها ما فعلت في يومي ,من صادفت وعما تكلمت ,إذا أعجبها شئ ابتسمت والتصقت أكثر بصدري وإذا لم يعجبها أرى العتاب في عينيها .وساعات إذا اشتدت إحزاني أحس بدموعها دافئة تتدحرج على خدي فتختلط دموعنا ....وطالما عاتبتني إذا اقترب مني احد تحس انه سيسبب لي الألم, فادخل إلى غرفتي اجر أذيال الخيبة فترمقني بغضب وتقول 'لقد حذرتك سومة 'فارد 'ما حدث قد حدث 'فيزداد غضبها وتضرب كتفي بيديها الصغيرتين ,و تردد 'دائما تقولين هذا وتفعلين ذلك مجددا '.تنصرف إلى ركن الغرفة فادعها وشانها حتى إذا حل الليل ادخل غرفتي لأصالحها, وترفض ذلك وألح 'سوسو غاليتي لن اسبب لك الألم مجددا' ...فترد 'لا أثق بوعودك 'وعندما تنحدر دموعي على خدي تجري إلى حضني ,فأضمها إلى صدري أداعب شعرها وادعها تنام على صدري بسلام.

 

هذه هي طفلتي سوسو الصغيرة التي تسكن بداخلي, لطالما رفضت ان يناديني احد بهذا اللقب وهو الحروف الأولى من اسمي ,لأنه لقب يخصها لقد أحطتها بكل العناية والدلال منحتها كل ما حرمت منه وهي صغيرة. اشتري لها لعب الأطفال بل أفضل هدية تمنح إلي حتى ألان هي الدببة القطنية, لأنها تعود لها بالنهاية.واحتفظ بها جنبا إلى جنب في خزانتي ,مع شرائط وقصص الأطفال التي مازلت اقرأها لها كل مساء قبل ان تنام .حتى بداية ولوجي إلى ميدان العمل بدأت بعملي كمربية أطفال, حبي لهذا العمل كان نابع من حبي لإشباع كل ما حرمت منه هذه الطفلة, ولطالما اعتبرني مدير المدرسة ومفتشي النيابة طفلة تدرس أطفالا, اركض خلفهم ألاعبهم واضحك معهم والعق الحلويات المنوعة الأشكال والأنواع  مثلهم,  فيبقى أثارها احمر على لساني حتى إذا نبهني احد أقول بدعابة 'أنها حلوى قدمها لي احد تلاميذي فلم ارفض '...حتى شعري أقصه كلما تجاوز طوله رقبتي, لان والدتي كانت تمنعني من قصه وأنا صغيرة...حتى ألان لم احتفل يوما بعيد مولدي لان هذه الطفلة سكنت بداخلي منذ الخامسة, قررت ان احتفل بعيد مولدها كل سنة ,ولكنها وقفت عند عتبة الخامسة ولم تتجاوزها.

 

واليوم دخلت إلى غرفتي فلم أجد الطفلة لقد تلاشت اندثرت اختفت ,تمددت على سريري, انتظرت ان تخرج من خزانة ثيابي كما تعودت ان افعل وأنا صغيرة .انتظرت ساعات وساعات ولم تخرج .غفوت أحسست بيد تمتد إلى شعري تداعبه ,فتحت عيني لم يكن احد ولكني أحسست به ...بعيونه السوداء تتفحص وجهي ,بهمساته في أذني'  سوسو أنت بأمان معي 'نظرت حولي فوجدت الطفلة قد التحمت بي لم تعد تسكن بداخلي بل  أصبحت الطفلة أنا.

ابتسمت بيني وبين نفسي وأغمضت عيني وأنا اردد 'سأحتفل بعيد مولدي القادم'.

 

  

 

 

عندما يسقط فارس الأحلام من فوق صهوة حصانه

 

 

 

 

 

كنت انتظر زيارة ابنة عمتي -كل نهاية أسبوع على أحر من الجمر- لوالدتها،التي تسكن مجاورة لنا, تأتي السبت صباحا وتغادر الأحد مساءا. وما إن تسلم على والدتها حتى تدخل بيتنا لتسلم على والدي.كانت تطوانية, حملت من مدينة الحمامة البيضاء أناقة إناثها وغنجهن .

كان دخولها إلى حينا المحافظ -مستغربا -بالتنا نير القصيرة ,التي تضيف لها  دائما منديلا حريريا, تربطه على عنقها تغيره تبعا للون بدلاتها وكعبها العالي . أما شعرها البراق الأسود فكانت تسدله على كتفها .والى كل هذا كانت تولي عناية فائقة بوجهها ,الذي تختار له بعناية الألوان المتناسقة, حتى تبدو بالنهاية كتلك السيدات الباريسيات من المجتمع المخملي

 .كانت تكبرني بعشر سنوات ,وكلما جاءت إلى بيتنا كنت اجلس القرفصاء في ركن المنزل ,وأتطلع إليها وكلي اهتمام بأحاديثها,  التي كانت تنقلني إلى عالم أنثوي وردي, عن مساحيق التجميل, والكريمات الليلية والنهارية, وكريمات ضد أشعة الشمس, والأصباغ التابعة للشعر والأظافر, وأخر صيحات الموضة وخطوطها. ثم تنتقل للحديث عن صاحب العمل الذي تعمل في فيلته -كمربية- فهو سفير فرنسي مقيم في طنجة . تبدأ الحديث عن أسفاره ,ورحلاته, واهتماماته, لتنتهي بالحديث عن بروتوكولات الأكل, والحديث, والجلوس إلى المائدة , كانت تملك كل حواسي بأحاديثها. فأحس بنشوة تملئ قلبي,  فقد كانت على الأقل تكسر روتين الأحاديث الدائرة بين والدتي ووالدتها. عن غلاء المعيشة, وارتفاع الأسعار ,والزيادة في الدقيق, والزيت, والحليب, وانقضاء عيد الفطر, واقتراب عيد الأضحى ولا اخفي ان كان لها فضل كبير في التأثير على انوثثي واهتمامي بمظهري لدي.

وأكثر ما كان يعجبني عندما تأتي لزيارتنا , أنها كانت تحضر معها سلسلات عبير الرومانسية ,والمجلات  المصورة, كل أسبوع قصة جديدة, أبطال جدد, وأحداث جديدة .كانت تاخدني دون تأشيرة إلى عوالم عجائبية ,فانتقل في رمشة عين من منزلنا البالي -الذي ورثناه عن جدي ولم نغير فيه شئ منذ موته ,حفاظا على رغبة والدي- إلى القصور الويلزية والجزر اليونانية, إلى حيث يملك الأبطال  سيارات البرش ,والكاديلاك, ويرتدون بدلات السموكنغ, والأحذية اللامعة ,إلى حيث العشاء على ضوء الشموع, وعلى ظهر اليخت ,إلى حيث يعود الحبيب ليصالح حبيبته بباقات زهور ,والبطاقات المختارة العبارات

.كنت حينها في ربيعي الثالث عشر ,وعند أول قصة عبير قرأتها, وضعت جانبا قصص الأطفال التي كنت أتابعها بشغف, بداية بقصة السند ريلا ,انتقالا إلى قصة بياض الثلج ,والأمير المسحور, و...و..و كانت قصصا تجعلني  اسكن عالما خياليا تحيط بي الجنيات, والساحرات, وفارس يتحول من وحش إلى أمير عندما تقبل فتاة جميلة بالزواج به, دون الاهتمام بشكله .وأميرة تستيقظ بعد مئة سنة من نومها ,على قبلة ابن السلطان. لينتصر الخير على الشر ,ولتعيش البطلة والبطل ,في تبات ونبات وينجبوا صبيان وبنات ...كانت إحدى هذه القصص من مقررات القسم الخامس الابتدائي, وكان معلم العربية يخبرنا دائما إنها لاتمت للواقع بصلة. وكنت واثقة من ذلك. أما القصص التي تحضرها ابنة عمتي فعلى الأقل وان كان أبطالها زائفون, من خيال الكاتبات الأمريكيات, فان ألاماكن الساحرة موجودة, و لها وجود في مكان ما من هذا العالم الشاسع تلك

 

ألاماكن التي ظلت تسكن خيالي حتى الآن

.. كانت ابنة عمتي مفتونة بابن جيراننا, ولمحاسن الصدف إن اسمها كان يشبه اسمه, فكان هذا يعطيها تأشيرا على أن القدر قد خط على صفحاته المصيرية علاقتهما الرائعة. كان منزله مقابلا لمنزلنا, كانت قبل تعرفها إليه تأتي إلى منزلنا, وتطول أحاديثنا, وتطول, إلى منتصف الليل, فتبيت عندنا, أو تذهب لتبيت مع والدتها. ولكن منذ ان رأته أول مرة, حتى ابتدأت علاقتهما لم تكن تنزل من سطح منزلنا ,إلا لتأكل, أو أذا نادها شخص ما , كانت تضع خدها على وجهها ,وتنظر إليه بشوق, وكانت عيناها  تشرقان من السعادة, وكان هو يرسل لها قبلاته في الهواء, ويرسم لها قلوبا بأصابعه على جدار منزله.لم أكن أطيقه قبل معرفته بابنة عمتي ,فلقد كانت سمعته سيئة بين بنات الحي ,وكان زير نساء من النوع التقليدي,ذاك الذي يريد ان يوقع كل فتاة تقع عليها عينيه في شباكه.كانت ابنة خاله صديقة مقربة إلي ,وجارتي أيضا تسكن بحي أخر لكنه ليس بعيدا عن حيي, وكنا على علم بعلاقته مع إحدى فتيات الحي التي طالما شاهدناهما معا, تحت أجنحة الظلام, تحت شجرة أو تحت سقف بيت احد الجيران.وكانت ابنة عمتي على علم بمغامراته وكان ذلك  يزيد من إشعال نار حبها له.

غاب  لأيام عن حينا ,فطلبت مني ابنة عمتي ان اسأل ابنة خاله عنه ,فعرفت من صديقتي انه  مريض, لا يغادر المنزل, دعونا الله إنا وابنة خاله ان يزيد مرضه جزاءا لما يفعله.أما هي فقد بكت بحرقة, كتبت ورقة طوتها, وطلبت من ابنة خاله ان تعطيها له ,رفضت صديقتي في البداية, ولكن فيما بعد رددت : سأفعل ذلك من أجلك فقط .فقبلتها ,وقدمت لنا الحلوى. أخدنا الرسالة ,وذهبنا أمام منزله انتظرنا طويلا حتى ظهر خلف الباب, فلكزتني صديقتي على جانب خاصرتي, وهي تردد: لا استطيع ان أعطيها له. قلت: ولكنك وعدتها, قالت: لا استطيع اشعر بالإحراج .وربما سيانبني  لأني اخدت الرسالة من ابنة عمتك. ثم وضعت الرسالة في يدي ودفعتني, لم اعرف كيف ترجلت من مكاني ,ووضعت الورقة بين يديه, دون  ان انبت ببنت شفة ...امسكها وهو يحني رأسه حياء,وما هي إلا لحظات حتى عاد إلينا ,كنا مازلنا نلعب أنا وابنة خاله فوضع الرسالة بين أصابعي, داعب وجنة ابنة خاله, وعاد إلى الداخل.

. نظرت إلي صديقتي اخدت الرسالة من بين يدي . وابتعدت بعيدا عن منزله. فتحت الورقة,   كانت مقطعة من دفتر صغير الحجم, مازالت تحتفظ بحواشيها.وقد رشت بعطر رجولي ,ظهر خطه السيئ كخربشات مليء بالتشطيب. فبدت الورقة غير منظمة وغير أنيقة .كنا نقرا ونضحك, فتقول ابنة خاله شفتيك الورديتين وتغرق بالضحك, ثم تكمل : عينيك في لون المحيط , وتضحك مجددا وهي تكمل: لو لم تلاحظ ابنة عمتك هذا الخطأ, ستكون غبية أي محيط؟؟؟كان جديرا به ان يكتب لون, وضحكت وهي تردد:  في لون الليل فقلت: عيناها بنيتان. رفعت رأسها فوق رأسنا,  إلى حيث ظللتنا شجرة التين. وقالت: في لون التينة .وضحكت بدوري فقالت :لو طلب منا ان نكتب له رسالة لكتبناها أفضل من هذه هيا نبحث عن القلم  لنصحح هذه الأخطاء. فانتشلت الورقة من يديها وانأ أقول: لو عرفت ابنة عمتي أننا قرأنا الرسالة ستقتلنا. رددت ابنة خاله :ابنة عمتك غبية لأنها تصدقه ظاهر ان الرسالة منقولة من كتاب رسائل

لم تمر إلا أيام, وفوجئت به يتبعني إلى المدرسة, أوقفني وهو يردد: هذه لك .لم اعرف كيف مرت علي الساعات ذاك اليوم .حتى خرجت ,وذهبت إلى بيت صديقتي مباشرة. وضعت الورقة بين يديها كانت مثل الرسالة التي سبقتها, يفوح منها نفس رائحة العطر,  نفس العبارات, ونفس الأخطاء. لم يتغير سوى التاريخ, وتغيير اسم ابنة عمتي باسمي. وحتى لم يكلف نفسه  إزالة حواشي الورقة. نظرت صديقتي إلي, وقالت: أريني شفتيك الورديتين ,وعينيك اللواتي بلون المحيط ,انه مغفل.سابقا ظننت انه بفعل المرض, تخيل عيون ابنة عمتك بلون المحيط, بغبائه يسئ إلى سمعة عائلتي.  نزعت الرسالة من يدها, كدت أمزقها, فانتشلتها من يدي وهي تردد :سأعطيها لابنة عمتك. فقلت: ستفتحين على  بابا لن استطيع قفله, كما إنها لن تصدق. فقالت: لما لم تواجهيه؟ فقلت: لا اعرف كنت قريبة من المدرسة, و اخدت الورقة حتى يرحل ,ولا يراه احد معي .قالت: اكتبي له إذن ما كنت تريدين قوله له ,ضعيه عند حده .فقلت :لا استطيع قالت: إذن دعي الرسالة عندي فربما نحتاجها .

في مساء ذاك اليوم طلب مني الرد, ومرت أيام دون ان أرد عليه ,وكان يلح, ولم أرد ,فبات يتبعني إلى المدرسة إلى أي مكان اذهب إليه... حتى كان يوما عندما جاءت أخت زوجة أخيه لزيارة أختها التي تقيم بمنزلهم  ...كنا نلعب أنا وابنة خاله في غرفتي ,فرأيناه واقفا بمواجهة أخت زوجة أخيه, يداعب شعرها, فقالت صديقتي :دعينا نخبر ابنة عمتك .لم استطع منعها, فركضت إلى بيت عمتي , وقفنا معا إمام الباب,  كانت ابنة عمتي جالسة تشرب الشاي. وتقضم الحلوى, وتقرا إحدى روايات عبير. وكانت عمتي ممدة إلى جانبها , دعتنا ابنة عمتي لشرب الشاي, فجلست بجانبها , اقتربت منها صديقتي , همست في أذنها ,فجرت ابنة عمتي إلى الخارج .

, وبعد ساعات معدودة كادت القيامة تقوم في بيتنا

فقد جاء هو ووالدته وزوجة أخوه ليشتكوني لامي, وكانت أمي  تعض  يديها, وتهدد وتسب, وأنا اختبأ خلف صديقتي التي قالت : اجل لقد رأيناهما هذه هي الحقيقة. أراد ان يضرب ابنة خاله, فهربت إلى الداخل وهي ترد: أنت تحسب نفسك دون جوان وبنات الناس لعبة. فقال:سأقول ما فعلت لخالي وهو يقرر ما يفعل بك . ثم نظر إلي وهو يقول: هي كنت أتوقع منها ذلك. أما أنت فلطالما اعتبرتك كأختي الصغرى. أخرجت ابنة خاله الرسالة من بين ثيابها وهي تردد: وهل هناك احد يكتب لأخته رسالة مثل هذه .اخدتها ابنة عمتي قرأتها, ورحلت إلى بيتها والدموع تغطي وجهها. أما صديقتي فرمت قنبلتها وهربت إلى منزلها وجريت أنا إلى غرفتي, وقد تبعني نعل أمي البلاستيكي ليستقر على ظهري. سمعت زوجة أخيه تقول لامي: لقد تحدث إلى أخوه, قال انه لولا ما حدث بينه وبين ابنة عمتها , لكان تقدم لخطبة ابنتك, قالت أمي: أنها ما تزال صغيرة كما ترى. فرددت: كلنا تزوجنا صغارا . من يومها حيرني سؤال طرحته على نفسي, ومازال يحيرني حتى ألان لما أنا ؟ولم ليست ابنة عمتي ؟الآني لم أرد على رسالته أهذا هو الحب في مدينتي. رسالة واحدة تبعث إلى أكثر من واحدة .ومن تتجاهلها تكون صاحبة النصيب .فربما لم أرد  لأنه الشخص الغير المناسب , وربما لأني لم أحس اتجاهه بشيء, وربما لأني  كنت صغيرة ,وربما لأنه كان حبيب ابنة عمتي, وليس بالضرورة ان أعجب ابنة عمتي سيعجبني أنا  . وربما...ربما...و ربما  ...فهكذا هي الحياة من نرد على رسائله لا يأبه لنا, ومن نتجاهله يحبنا....عفوا يرغب في امتلاكنا .

  هل كنت أذكى من ابنة عمتي ,وعرفت طبيعة الرجل في مدينتي, الرجل الذي يتخذ الحب تسلية ولعبة. ومن لا تجاريه في لعبته يختارها, الرجل الذي  يبقى رجلا مهما فعل, حتى وان تلاعب بمشاعر فتاة ,ووضع سمعتها في الأرض, وتسبب في تدميرها.

 

يومها تفتق ذكائي اتجاه الجنس الآخر, بقيت انظر إلى رسائل الحب وكلمات الإعجاب من الطرف الأخر, باستهتار وسخرية, كلما صارحني احد بمشاعره اغرق في الضحك....واردد اسطوانة سيدة الطرب العربي* حب إيه لانت جاي تقول عليه أنت عارف قبل معنى الحب إيه*.ولم ائبه ان كانت بين هذه الرسائل رسالة قد تكون صادقة, فقد بقي الحب لدي ضعفا لا يخلف إلا الدمار...

 

 وتوالت الأحداث  فبعد أيام تزوج هو بفتاة منقبة, لا يظهر منها شيء إلا عينيها, ولم يعد يظهر منها حتى عينيها عندما جاء بها إلى بيت والديه, حتى الملابس عندما تريد نشرها ينشرها هو على أسلاك سطح منزله.أما ابنة عمتي فأصبحت علاقتنا باردة بسبب ما حصل, وتزوجت بعد زواجه مباشرة بأيام , استفادت من الدرس جيدا.وتزوجت دون حب دون مشاعر ,  كمصير اغلب الزيجات في مدينتي الغالية. فكما تقول صديقتي, خلاصة ما حصل بين ابن خالها وابنة عمتي.*كم من فتاة تظل سنين مع رجل لتتزوج رجلا لا تعرفه,  وكم من رجل  يترك حبيبته التي بقيت معه سنين, ليكمل مشواره مع غيرها, التي بقيت مع غيره سنين, لتمثل عليه دور انه الرجل الأول. في حياتها ويصدق هو الكذبة*.

 

 أنها معادلة صعبة في قانون تشريع ما هو غير شرعي في مدينتي التي لا تعترف بالحب والمشاعر والأحاسيس الإنسانية , لا تعترف بالحب إلا مزيفا اصطناعيا , حب من طرف واحد, وعلاقة أحادية الأطراف,

 

.يكتب الرجل بدايتها ونهايتها ويسير إحداثها.

 

أصبحت ابنة عمتي بزواجها  لا تفوت مناسبة دينية ,دون ان تأتي لزيارتنا, رفقة ابنتها وابنها, كانت السنون قد تركت أثرها على جسمها ووجهها ,أصبحت عيونها خابية. لا يحلق في سماءها فرح ولا حتى حلم زائف. .

 

مرة ذهبت لزيارتها كانت قصص عبير ممزقة في الرواق, وقد استعملها أبناءها كصواريخ ورقية, يرمونها على بعضهم البعض...

 

هكذا هي أحلامنا مثل تلك الأوراق. تتطور, تنمو تزدهر, لترمى جانبا. تنتظر ان تدفن, أو ترمى في قمامة الذكريات.

 

وهكذا هم فرسان أحلام الفتيات, مثل حبيب ابنة عمتي, فرسان لا يجيدون امتطاء الخيول, لذلك يسقطون من على صهوة جوادهم بسرعة.أما نحن الفتيات فلغبائنا ,لا نرى الكسور والجروح العالقة باجسدهم .يظلون في عيوننا فرسانا رغم إنهم لا يجيدون امتطاء الأحصنة.

 

 

 

عسل بلادات الناس ولا قطران بلادي

 

في كل مرة يطل وجهه الصبياني من  بين أوراق ذاكرتي, ابتسم لوجهه الطفو لي فيبادلني الابتسام, فانا من النوع الذي لا أنسى من يدخل إلى حياتي, سواء

 

كان مروره عابرا , أو عمر طويلا فيها. وحتى ان أساء إلي ,فانا احتفظ بذكراه في ركن من ذاكرتي ولا اطرده.

 

وكان هو  من الأشخاص القلائل الذي دخل إلى حياتي, وترك فيها أثرا طيبا. كان عاملا في مخدع هاتف, والى جانب المخدع الهاتفي وجدت صيدلية, كانت تعمل بها صديقتي,  جمعنا في البداية الطريق المرعب, الذي يفصل بين الصيدلية وبيتنا.فتعودت كلما عدت من عملي ان انتظرها, أو تنتظرني لناخد الطريق معا .وإذا صادف ولم أجدها كان هو يقفل المخدع الهاتفي ليرافقني في الطريق ,بداية بدأت أحاديثه خجولة وبروتوكوليه, وفيما بعد أصبح يحدثني عن كل شيء .حتى أحيانا كان يتخيل إلي أنني أعيش في منزله, اعرف كل ركن  وكل زاوية ,اعرف الأثاث الذي يضعونه في كل مكان, اعرف شكل والدته وأخواته وأصدقائه وحبيبته ,رغم عدم معرفتي بهم...ولا أنسى أبدا  ذات يوم قبل ان أصل إلى محل عمله , حين قفز شاب من حي جانبي وحاول أخد حقيبة يدي ,وكان قريب لي يسبقني, فقفزت مذعورة إلى داخل محل عمله ولم الجأ إلى قريبي, كان يجلس مع صديق له وخرجا معا, و أعطوا للص درسا- لا اجزم -ولكنني اعتقد أنني لو كنت في مكانه لتبت عن السرقة, أما قريبي فانصرف إلى حال سبيله ولم يلتفت خلفه...وقتها أصبح له مكان خاص في ذاكرتي ,ولا أخفيكم ان الأبطال الذين يتربعون على عرش حياتي هم أشخاص عاديون, جمعتني بهم ظروف الحياة, ربما قد يرى شخص أخر هذا الرجل إنسان عادي, ولكن بالنسبة لي يكون هذا هو البطل الحقيقي بحياتي, لذلك قررت الكتابة عنه اليوم.

 

لقد نزل علينا الخبر أنا وصديقتي كالصاعقة ,حين اخبرنا انه سيهاجر إلى اسبانيا ,سألته : هل ستعود؟ قال لي عزيزتي ا أنت مجنونة؟ وهل هناك من وصل إلى هناك وعاد إلى الوطن ....قلت ساخرة : تحسسني انك اخدت تأشيرة إلى الجنة.

 

فردد :  بل تأشيرة لتحقيق كل الأحلام قالت صديقتي* : قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس* . ردد : بالنسبة لك أما بالنسبة لي *فعسل بلادات الناس ولا قطران بلادي .*

 

ورحل سمير وأصبح ذاك المخدع كئيبا موحشا, ليس بالنسبة لي فقط بل بالنسبة لكل الذين عرفوه في تلك المنطقة ,وبعد أيام ربما خمسة لمحته من بعيد لا اعرف كيف مشيت كل تلك المسافة بلمحة البصر, لم أحس بنفسي إلا وأنا إلى جانبه, فقلت : ظننت أني لن أراك إلا بعد سنوات .  فنظر إلى صديقتي وقال : كما قالت قطران بلادي ولا عسل بلادات الناس, تصوري أحسست بالقنوط منذ أول يوم وصلت فيه إلى هناك, أحسست أني جسد ترك روحه هنا....لم أتذكر صوت والدتي التي تدخل إلى غرفتي مبكرا لتحسسني أني فاشل *لاوجه السعاية ولا ذراع الخدمة* ,نسيت صوت أبي الذي لا يضيع فرصة لمقارنتي بشباب الحي الأصغر مني الذين لا يقف في طريقهم حتى الموت لتحقيق ما تريد أسرهم  ,نسيت أجرتي التي لا ااخدها إلا بعد انقضاء الشهر ونصفه, نسيت حبيبتي التي تتمنى ذهابي وان كان الموت هو مصيري.

 

.نسيت ونسيت.....

 

مرت أيام و كان المرور أمام المخدع الهاتفي, دون رؤية سمير منكبا على كتيب صغير يسجل فيه, أمر غريب.وحملني الفضول يوما لأساله فقال لي : لقد قررت ان أعيد الكرة. فقلت : هل ستهاجر؟ قال : نعم ولكن هذه المرة أسجل كل شيء سيء يمر بي  حتى لا أنسى .و اخدت منه الكتيب, وغرقت في الضحك, لقد خصص فصلا عني أيضا. فذات يوم كان واقف مع أصدقائه ,ومررت بجانبه دون إلقاء التحية عليه, لان صديقتي كانت توقف سيارتها بمكان غير مناسب ,وكانت تخشى رجال المرور الذين ينتظرون مثل هذه الفرصة على طبق من ذهب.فأردت ان ابرر فقال أرجوك لا افعلي أكثر دعيني اذهب دون عودة ....فقالت صديقتي : اذهب إلى الإدارات العمومية , والغير العمومية, اكتب عن الموظفين, اكتب عن قاعات الانتظار ,اكتب عن ورقة إدارية قيمة طابعها درهمان ستكلفك 50 درهما, اكتب عن مقدم الحي الذي أصبح له قيمة أفضل مني ومنك ,لأنه بإمكانه ان يضيع مستقبلك بحرف كتبه زائد أو ناقص سيجعلك تسكن الإدارة لشهور, قد تفقدك مهنتك  ...اكتب عن أرباب العمل ...عن أصحاب هؤلاء السيارات الفارهة الذين مازالوا يرتدون الجلابيب ,ويحملون الأوراق النقدية في البلاستيك الأسود, هؤلاء الذين جعلتهم نباتات طفيلية من أصحاب النفوذ في مدينتي .اكتب واكتب...

 

كتب هو وكتبت أنا , بمداد من دم ودموع وحرقة وألم ,عنه عن أخي الأصغر الذي طالما رافقته دعوات أمي ودموعها, يقول لها : إذا لم اعد الليلة فاعلمي أني رحلت ارضي علي سواء وصلت أو جاء لك احدهم بنبأ سيء عني...لسنوات عدة كلما جلس أخي بجانبي- قبل رحيله- كنت أتمعن النظر إليه فا تأمله وكأني أراه لأخر مرة بحياتي ,لسنوات و انأ أخاله جثة لا حياة فيها يوما ما ستتحلل. تساوت عنده الحياة بلا حياة, فكرهت أمي اسبانيا الغول الذي اختطف منها شابين ,ربما حققا ما طمحا إليه هناك ولكنها ظلت تتحسر على عدم إكمال أخي الأصغر تعليمه ,وترك أخي الأكبر لمهنته كمحاسب في إحدى الفنادق الكبرى بمدينة طنجة رغم الأجر الضئيل الذي كان يتقاضاه....

 

ورحل سمير....كما رحل أخي .وأخي الأكبر منه....و....و...منهم من يصل ومنهم من يستقر تحت عجلات الشاحنات ناقلة السلع, أو يستقر في بطون الأسماك .

 

وظل شقيقي يأتي كل صيف يحل علينا والدموع تملا عينيه, ويرحل والدموع تملا عينيه,  فالحياة أصبحت بالنسبة له سفر ورحيل,رحيل إلى غير عودة أو عودة تمنحنا الفرح ثم تنتزعه منا. يحس بالغربة والوحدة خارج الوطن ,و أحس بالغربة و أنا مع أسرتي وفي أحضانها, رحل أخي وعرف ان حلمه لم يكن على قدر تضحيته أصبح حلمه ان يعود إلى الوطن ...ولكنه عندما يأت لا يستقر به المقام إلا أيام وينهار, أمام ما قيده سمير في مذكرته وقيده هو في ذاكرته ...

 

رحلوا هم وبت أخاف رحيل والدي ذو الثمانين سنة, استيقظ كل ليلة قلقة لاستمع إلى أنفاسه حتى إذا أطمئنت إلى انه يغرق في النوم أعود لأكمل نومي متقطعا قلقا, لاستيقظ بعد لحظات أخرى لأطمئن عليه مجددا.أخاف رحيله كما يصعب علي تقبل رحيل أختي الصغرى بعد زواجها للانتقال إلى بيت زوجها, رغم انه بزواجها قد أضافت نبضا أخر ودما جديدا وفرحة غابت لسنوات عن سماء أسرتي الصغيرة .وملا زوجها في قلبي فراغا تركه رحيل شقيقاي..

 

لقد أصبحت بعد كل هذا انظر إلى الحياة بمنظور أخر, لقد أصبحت الحياة بالنسبة إلي عبارة عن رحلات منها الطويلة الأمد ومنها القصيرة ومنها رحلة دون عودة.

 

لقد أصبح مخدع الهاتف منذ رحيل سمير عبارة عن محطة يأتيه عاملون لمدة ويرحلون ليعوضه آخرون .ورغم ما جاء إليه من أشخاص فقد بقي موحشا مقفرا ,وزاد من وحشته مغادرة صديقتي الصيدلية, بعد زواجها وانتقالها إلى بيت زوجها ,ورحيل زميلتها في العمل للعمل بمكان أخر .فأصبح المكان برحيلهم عبارة عن أطلال أمر بجانبه فابتسم لكل من عرفتهم ...وأكمل طريقي في ذاك الطريق, الذي كنت فيما مضى أخاف فيه حتى من خشخشة أوراق الأشجار تحت كعب حذائي, أما ألان فلم اعد اخف أحس دائما بهم إلى جانبي وكثيرا ما تفلت ضحكتي رغما عني  إذا تذكرت شيء قالاه لي حتى إذا رأيت أحدا قادم احك بسبابتي طرف انفي محاولة إخفاء ضحكتي.

 

لم يعد سمير للعمل بالمخدع ولكنه عاد إلى الوطن ,رايته يوما يجر عربة طفل صغير تتأبط زوجته ذراعه, ابتسم لي من بعيد وتأكدت مما قاله شكسبير : فما أقوى  الحب فهو يجعل من الوحش أنسانا وأحيانا يجعل من الإنسان وحشا .ورفعت قبعتي لهذا البطل احتراما, هذا البطل الذي رمى ذلك الكتاب رغم ما حمله من قروح وصديد, رغم رائحة العفن الخارجة منه .رماه وعاد للعيش مع من أحب ,مثله مثل كثيرون الذين يحبون هذا الوطن ويحنون إليه, لا لغاية ولكن لأنه رغم ما نقول عنه وما نعيشه فيه يظل أحلى وطن بالوجود

----------------------------------------------------------------------

أضيفت في23/04/2008/ خاص القصة السورية  / المصدر: الكاتبة

 

  كيفية المشاركة  

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي )... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية