الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/09/2008

القصص

رسالة إلى مقبرة 

طفل كان يحتضر 

 

 

 نامي مدينتي

 غربة

 التغريببة الفلسطينية

 إلى اللقاء حارتي

سوريا حبي الأول 

 سبعون يوماً

 غيبوبة ق - ق

 ناس مروا في حياتي

 

بطاقة تعريف الكاتبة: سهى هشام الصوفي 

 

من مدينة ما تزال جدائلها تطوقني رغم البعاد..

وتحجزني في عنق زجاجة العشق الصوفي

حتى النخاع.

من حارة صغيرة في حي القلعة.. في اللاذقية

من بيت عتيق عتق أسماءنا..

من ذاكرة حبلى ترفض إجهاض حارتنا..

من حديقة زرعها الشيخ عارف الصوفي فل وزنبق وياسمين

و"آضاليا" و"غاردينيا" و"اسامي الله"، و"قرطاسيا".. أتيت..

امرأة تحط بحقيبة حنين على عتبة مدينة يخالها كل من يعرفني في الغربة أنها وطن لا مدينة..

مساكين أولئك الناس، لا يعرفون كم هي جميلة مدينتنا،

وكم هي مغرية حد العجز عن فك سحرها.

ترى أين البيت العتيق؟ أين الجيران؟أين أرجوحة رفيف؟

أرواح الحارة تطل بأثوابها البيضاء:

هدم البيت، وهاجر الجيران، وقطعت حبال الأرجوحة، فمن تريدين؟

"كان لي في الحارة بيت عتيق، نوافذ تطل على الجامع الجديد..

حديقة فيها بركة ماء، وكراسي بيضاء حديد. 

كان لي في الحارة ريم وعمر ورندا ورفيف وشذا ورولا ورنا وصفا وكمولة

وولد صغير أعطاني رسالة وعد قبل الرحيل..

فهل أجد هؤلاء هنا، أم أنهم مثلي يحملون حقائب الترحال

 ويقفون على أطلال الحنين إلى حارة ما تزال في الرحم كالجنين..

 

لها في الموقع:

نصوص أدبية 1

نصوص أدبية 2

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

 

 نماذج من أعمالها

 

 

طفل كان يحتضر ولا زال حياً

 

 

 

أيها الموجود بين خطي الحياة والموت

تراك إلى متى ستبقى معنا .. طفل قد لايعود إلى سريره ولا إلى العابه ولا إلى أخوته ..طفل قد لا يبقى منه إلا صور وملابس تحمل توقيع رائحته..

أتراك تتألم كما نتألم .. في رأسك وجع وفي أملنا وجع أكبر يا حبيبي ..أأطلب منك الصبر وأنت أصغر من أن تتحمله ؟ أأحلفك بالله أن تتمسك بالحياة حباً بأمك .. ببعض الفرح الذي قد يعثر عليك في حياة تنتظرك إن بقيت ؟حباً بأخيك .. بتوأمك الذي ستبقى صورتك في غرفته تذكره كل لحظة أنه كان له أخاً رحل وبقي هو أصبر قليلاً من أجل كل من سيتذكرك إن رحلت وسيبكي كلما سقط اسمك حزناً على شفتيه.. أبقى حبيبي حتى لا يصبح طعم البقاء مر وأنت لست معنا.. فما أصعب البقاء حين يتركنا من نحب..

أيعود للبقاء معنى ونحن نمشي في جنازة من نحب كل صباح نعيشه بدونهم؟

أيعود للبقاء حلم وأحلى أحلامنا غابت على مرآى من عجزنا عن إبقائها حية بيننا!

 

حبيبي .. حبيبيها .. حبيبه.. أصبر على الألم .. رأسك يوجعك حبيبي .. يا ليت وجعنا يقف عند حدود الرأس أيها الحلم المستعصي على البقاء سالماً وكأن شراً ما أصابه.. يا ليت وجعنا يذهب بأنبوب يسرب بعضاً من ألمنا حتى نرتاح من ثقل الألم الذي يضغط علينا فنزداد ألماً يا صغيري الموجوع..

أصبر حبيبي..

حتى نبقى نناديك حبيبي بيننا ولا تصبح صورة معلقة في إطار أسود على سقف ذاكرتنا الحزينة.. 

 

 

 

رسالة إلى مقبرة القلعة

 

 

أبي

أيها الحي أبداً في ذاكرتي

أأعتذر نيابة عن رسول الموت لأنه نفخ سم المرض في جسدك بين ليلة وضحاها فسجنك بسريرك الرمادي محاصراً بدموعنا وصلواتنا واحتجاجنا ووجعنا فحكم على ذاكرتنا بعاهة مستديمة لن تداويها السنون ..

أأعتذر نيابة عن رسول الموت لأنه زحف كاللصوص ليلاً وانسل على روؤس أصابعه إلى غرفتك الشاحبة فهمس في أذنك مهدداً واعداً أن تكون ليلة الثلاثاء هي ليلتك الأخيرة وساعاتك الأخيرة وأنفاسك الأخيرة ..

أأعتذر نيابة عن رسول الموت لأنه لم يستجب لصلوات أولادك الأربعة فلم يرحم دموعنا ولم يقبل عرضنا حين تنازل كل منا عن نصف عمره كي تبقى أنت .. كي نظل نسمع نفسك الذي كنا نتنفس به.. كي نظل نسمعك تتباهى بأنك أكثر رجال الأرض ثراء لأنك رفضت أن تبيع ضميرك في سوق الرجال ..

كي تظل توصينا بأن نرفع رؤوسنا عالياً لأننا أحفاد زمن لن يمت مهما شاخ أو هرم ولن ينساه البشر مهما عاش في الظل ، فلطالما أجبتني حين أسألك عن سر عزلتنا :

"الأشياء الخفيفة وحدها يا ابنتي هي التي تطفو على السطح أما الحجر الثمين فدائماً في الأعماق".

أأعتذر لك نيابة عن رسول الموت لأنه سخر من ابنك الصغير صباح الثلاثاء حين راح يضغط على صدرك بسذاجة من احترق شراع قاربه ومع ذلك استمر في التجديف أمام عاصفة الموت التي حملت جسدك من أمام عينيه التي ما زالت تبكيك وتشتاق إليك ..

اخبرني عماد أنك في لحظتك الأخيرة ابتسمت وتنفست بنشوة ضائع وصل أخيراً دياره بسلام ..

اخبرني عماد أنه أغلق عينيك وقبل وجهك ويديك وارتمى فوق صدرك يبكي رحيلك ويتمه بعد أن أدرك أن القارب غرق ومن غرق لا يعود أبداً ..

أأعتذر نيابة عن رسول الموت لأنه أبقى على حياة جدتي حتى رأتك بالكفن ..

لأنه حكم على أمي بالعيش وحيدة مع طيفك وصدى صوتك بعد أن هشم فراقك قلبها الذي لن يخلع الحداد .

 

لأنه جعل زياد وعماد يحملان التابوت ويخرجاك من بيتك ومعك ماضينا ومستقبلنا المرهون بمصادفة ..

لأنه زاد غربة فاطمة التي ما زالت تكتب في رسائلها: أمي .. اخوتي.. بابا (بين قوسين).

أأعتذر لك يا أبي باسم الموت أم المقابر.. باسم التربة ام أكاليل الزهر أم الجنائز ..

أأعتذر لك باسم البحر الذي ما عدنا نمشي قربه .. أم باسم القمر الذي كنت تقبلني كلما رأيته .. أم باسم الحياة التي لم تمت بعد أن رحلت ..

فاخبرني يا أبي ألا يتسع لي قربك مكاناً حتى ارتاح من وجع الذاكرة .. حتى لا اشتاق إليك ولاأبكي عليك ولا أبحث عنك فلا أجد لك أثراً إلا على ورقة صفراء ممزقة مازالت بقاياها معلقة بإحدى شوارع المدينة ..

فآه كم اشتقت إليك يا بابا ..آه كم اشتهي أن أقف على قمة جبل وأظل اصرخ بابا .. بابا حتى أفقد صوتي ووعيي فلا أفيق إلا وأنت قربي فأقول لك بابا ، فتجبني كعادتك : نعم يا روح البابا ......

اللاذقية 18 أيلول 2000 

-------------------------------------------

أضيفت في25 /06/2008 /  خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

 

 

إلى اللقاء حارتي في حي القلعة

 

 

لم فتحت لي الباب يا لاذقيتي وأنا أهم بالخروج؟

لم لم تخفي حقيبة الغربة وجواز السفر؟

لم لم تشعلي في ذاكرتي حريقاً وأنا أبرم لك ظهري؟

لم لم ترغميني على البقاء رغماً عن أنف الغربة وشوارع الضياع في أزقتها؟

لم لم تشدي وثاقي وأنا أجر حقيبة الرحيل؟

ألهذا الحد هنت عليك يا مدينتي الجميلة؟

أتخيلك الآن تنتظريني في حارتي القديمة في حي القلعة..تفتحين نافذة من نوافذ بيوت الحارة المتبقية على ذمة الذكرى تترقبين عودتي،تسترقين السمع لخطواتي العجولة المشتاقة..توشوشين أطياف أبناء الجيران: أين تلك الفتاة الصغيرة ألن تأتي اليوم للعب معكم..

لا تنتظرونني بعد اليوم أبناء حارتي،لقد حزمت أمتعة الغربة واعتليت غيوم الترحال ومضيت..لا تنتظرونني اليوم،فلن آتي،العبوا بمفردكم،تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تقفز من سور حديقة جدها وجيه لن تعد اليوم،تركته يسقي زهور حديقته ولحقت ظل الغياب.

حارتي الجميلة كم أحبك..

كم كنت أتبع أثار اقدام الغيّاب في حجرك المنحوت في وجداننا..رأيتهم جميعاً معلقون على شجر حدائقك المهجورة.. أرواح ترتدي أثواب الجنة وتتأملني وأنا أعبء من هواءك أكسجين حياة..رأيتهم جميعاً يا حارتي الجميلة..مصطفون على زهر الغاردينيا يناشدونني العودة وإشعال قنديل الحارة القديمة...

رأيتهم يصعدون سلم بيتنا القديم على رؤؤس أصابع الشوق يتفقدون أطفال الحارة بعد أن طوت السنون فصول الحياة في وجوههم..يفتحون غرف النوم فلا يجدون غير ملابس نومنا القديمة مرمية على حافات الأسرة الخشبية..

أرواح أهل الحارة مستمرة في الطوفان حول أسرة ابنائها..تلملم شعرة سقطت من روؤسنا بالصدفة..خاتم وقع من اصابعنا ونحن نلعب معاً لعبة بيت الجيران..شريطة بيضاء كانت أختي فاطمة تعقد بها شعرها..رواية لألكسندر دوما كان ابن الجيران يقرأها قبل النوم وهو يتخيل مدينة أحلامه التي أصبحت اليوم واقعه المغلق..أشياء وأشياء تلتقطها ارواح أهل الحارة وهي تبكي أبنائها المتناثرون في أصقاع العالم الباردة..أراها تلملم بقايانا وتضعها في صندوق مغلق وتنزل الدرج من جديد لتعود إلى مقبرة القلعة قبل أن يغلق حارسها الباب وينام..

الأرواح تخرج من الحارة كما خرجت اليوم بنفس الهدوء ونفس الحزن ونفس العجز عن العودة حية إلى بيت الشيخ عارف الصوفي.. الحارة كلها تموت اليوم على إيقاع أنفاس الرحيل،تستنشق أنفاسها الأخيرة..تقرأ الشهادة وتغمض عيناها وتلحق أرواح اهلها وهم يبكون غربتنا وسفننا التي رست في مرافء بعيدة وأوطان غريبة وأوجاع دفعنا ثمنها يوم اشترينا بطاقة سفر وغيرنا وجهة الآتي. إلى ما بعد حدود الحارة وحدود أنفسنا..

 

 

 

التغريبة الفلسطينية

 

هل كان علينا أن ننتظر مسلسلاً يتحدث عن فلسطين لنخجل من علاقتنا الغريبة بمشاهد الموت المتراص على ارصفتها وفي شاشاتنا؟

هل كان علينا أن نرى مسلسلاً ينفض الغبار عن حكاية وطن أسمه فلسطين،لنتذكر أن لنا أختاً اغتصبوها وفضوا بكارتها أمام أعيننا دون أن نشعر بذلك الخزي الذي شعرته وأنا أرى دماء الفضيحة العربية تسيل من تحت ساقي تلك المسكينة؟

أنا.. نحن.. كلنا: جيل أفاق على مسلسل إخباري يومي يردد العبارات ذاتها:استشهد اليوم عشرة من الأطفال الفلسطينين.. شيعت اليوم فلسطين خمسة عشر شهيداً إثر تعرضهم لرصاص العدو.. وأخبار أخرى لا جديد فيها.. مخبز يومي للموتى الفلسطينين الذين استطعموا الموت فاستطعمنا قتلهم ونحن نتفرج على جثث مرمية أو محمولة على أكتاف مهددة أو بلا رأس وبلا حق بتابوت يليق بحرمة الشهادة..

كم موجع أن نرى وعلى مرآى من اللاحس العربي والإنساني كيف تحول الوطن إلى حلم وطن، وكيف فقد الحق حقه في سرير نظيف نهديه لأطفال أهداهم حظهم الخيمة كبديل عن وطن لا يبعد عنهم إلا مسافة المستحيل والحلم المحكوم بزنزانة إنفرادية ما دمنا عرباً..

حين دخل الزائر الجديد بيت شعب بقوة الخيانة..لم يخطر على بال فلسطيني أن جدران بيته المشبعة برائحته ورائحة ذكرياته سترسل له في موكب تشييع لم تتكرر في تاريخ الذل العربي حتى اليوم..

كم آلمني مشهد المرأة "أم صالح" وهي تقفل باب بيتها حتى لا يدخله الزائر الجديد.. مسكينة تلك الفلسطينية .. بيتها ليس بحاجة إلى مفتاح حتى يصبح بيته .. بيتهم.. أولئك الزوار الجدد الذين صدقوا بطاقة الدعوة ودخلوا وطنهم الجديد..

سنعود" هكذا قالوا.. هكذا ضحكوا على أنفسهم وهم يسيرون في آخر صباح لهم في وطن ما رأووا صباحاته بعد ذلك اليوم..

وراءهم كان الوطن يولول .. يصيح "لا تتركونني ،إلى اين من تتركوني؟

ولكنهم مضوا خوفاً من الموت دون ان يتكهنوا أن الموت ينتظرهم في مخيمات الخجل التي أهديت إليهم كرسالة اعتذار عن الفضيحة التي كانت فلسطين بطلتها وضحيتها..

فعذراً فلسطين لم فعلوه بك..

وشكراً حاتم علي،ووليد سيف لأنك حركتم ما تبقى عندنا من ذرات ضمير 

 

 

غربة

تتسلل سنوات الغياب من نافذة الانتظار، كحزمة من شمس تسقي زهور النهارات الذابلة، بدمع فاض على مفارق الطرقات، ومقاهي اللقاءات وأعمدة النور، تتسلل سنوات الغياب من صفحات الكتب العتيقة، تفتحها السماء على آخر ورقة كتبناها... في آخر ليل وآخر لقاء وآخر عناق تفوح من تلك الصفحة، رائحة ليلتنا الأخيرة... تنعي موت الحكاية فيفوح في الكون عطر الحلم على محطة الوداع... تنتظر عودتتا، تسلل سنوات الغياب من أوراق الشعر التي كتبتها لك... تتدلى من عيون الكون المترقب مجيئك... فتفتح ذراعيها لاحتضاننا.

أنا وأنت معاً لمرة أخرى... لساعة أخرى... لتحدي آخر معاً تحت السماء التي لم تعطي فصول السنوات إجازة حين رحلت... تركتها تسير تأتي وتغيب جارة وراءها عربة اسمها الذاكرة، أيها الغائب الموجود.

 

 

نامي مدينتي واتركيني أثرثر

 

صباح الخير مدينتي من وراء فجرك الجميل

أعرف انك زلت نائمة، غافية على وسادة خاطتها جدتك قبل الرحيل..

النهار في مدينة غربتي أفاق منذ ساعات، وأنا ما زلت أعد كم ساعة بقيت لتفيق مدينتي وتحتسي القهوة، كم ساعة لتفتح أمي نافذة الغرفة وترن لي رنة واحدة على الهاتف:لقد صحوت يا ابنتي،فلا تقلقي علي..

إيه مدينتي كم أنت عالقة في البال؟

ما زلت تضخين في يومي كل يوم دمك، هل تتبرعين بدمك إلى كل مغترب؟ هل تحملينه دم العشق؟ هل ترسمين على وجهه ملامحك؟ هل تعلقين في عنقه اسمك لتكوني هويته إن ضاع في وديان الغربة المظلمة؟

سأتركك مدينتي نائمة، لن أثرثر فوق رأسك، نامي حبيبتي وحين تستيقظين مدي لي يدك، داعبي شعري، أطبعي على جبهتي قبلة أبي، تسع سنوات ولم يطبع أحد على جبهتي قبلة، نامي حبيبتي، وحين تستيقظين رددي اسمي، أرجوك ردديه، أريد أن أعرف أني على بالك، رددي اسمي بأعلى صوتك لأعرف أني ما زلت حقيقة، لا امرأة بلا بصمات ولا آثار خطوات، رددي اسمي حبيبتي لأعرف أنه ما زال لي اسم وكنية ومدينة ووطن لي في مقابره تاريخ، وفي شرفاته مواعيد، وفي لياليه حكايات انتظار، وفي نهاراته فنجان قهوة، وفي حاراته بيت عتيق وحديقة وذاكرة.. رددي اسمي مدينتي حين تستيقظين، اليوم احتاج لأعرف أنه لي في العالم وطن، وفي الوطن مدينة، وفي المدينة بيت، وفي البيت أم تصلي لي لأعود ذات يوم وأسقي قبر أبي وأقص له حكاية من حكاياتي الطويلة، سأتركك مدينتي تنامين الآن، نامي حبيتي، سأنتعل الغياب وأعاود نهار غربة جديد..

 

 

 

سورية.. حبي الأول 

 

أيها الوطن الجميل المدعو سوريا كم أحبك

كم أحن إليك وأنا أعيش مخاض اشتياق طال في رحم الغربة المر..

من أين أتيت بكل هذا السحر يا سوريتي،

يا وطناً يتفقت جماله على أرصفة الغربة حين نبحث عن طيف واحد

لامرء واحد ينادينا باسمنا فترتفع رؤوسنا أن نحن هنا،

نحن ما زلنا تلك الأسماء وتلك الهويات وتلك الحقيقة الغارقة في زقاق معتم اسمه البعاد.

أي سر تحمله سماءك يا سوريا؟

أي شعوذة مارستيها علي طفلة لم تزل حارتها في حي القلعة تئن شوقاً لحضور لن يلد إلا مناحة وندباً على ما كان..

ما الذي فعلته بك يا وطني لأحبك إلى هذا الحد من الوجع؟

ألم يخبرك من سبقني إلى عشقك أن الحب من على بعد الغياب موجع؟

وأن رائحة الوطن في الغربة تنفذ إلى مساماتنا كعطر يتعربش على صدورنا مع كل تنهيدة تلفظ اسمك يا سوريا؟

يا أحلى الأسماء و آخر الأوطان.. يا مشتهاتي الوحيدة التي أغوص في شبقها ليلاً نهاراً

 كأني ما عشت مدناً أخرى ولا أوطاناً أخرى..

أيا دمشق،أيا عاصمتي المشتهاة من كل الباحثين عن تاريخ.. قاومي حبيبتي ..

قاومي لأجل ياسمين الشام وقاسيونها، قاومي لأجل سنوات عمرك الصامدة رغم آلاف السنين،

قاومي لأجل كل كلمة حب زرعها عشاقك في حدائق التاريخ،

قاومي لأجل حسنك الذي مارس معه أبنائك فعل الحب حلالاً في عز الضوء،

قاومي لأجل أبجدية العرب التي لم تدجن حتى اللحظة.. قاومي حتى تبقى رؤوسنا عالية وهم يقولون:

أولئك سوريون،فلا تقربوا عزتهم..

قاومي حبيتي.. ما زلت الحب الأول، ومن منا ينسى أول حب داعب خياله وجسده وحلمه

 

 

 

سبعون يوماً

 

 

مرة واحدة من كل عام، ندخل أوطاننا من باب الاشتياق الكبير فنجده جاهزاً لضمنا:

هيا اعبروا جسر الحنين ..

هيا ارموا أجسادكم اللاهثة على حضن الأرض الندية التي لا تجف في فصول القحط

ولا فصول الشوق ولا فصول الهجر التي تعيشوها بعيداً عن دموعنا..

نركض إلى الوطن من بيوت الغربة البلاستيكية، من جدرانها الصماء التي لا تسمع صوتاً غير أصواتنا،

جدران بنت مع الصمت علاقة غريبة، فهو الكائن الوحيد الذي يزورها،

يشرب القهوة معها،يسمع نشيد الوطن نردده كل صباح في حناجرنا..

هيا.. ضعوا رأسكم المعبأ بأطياف الوطن على حضنه،شموه،

قبلوه، تأكدوا أنه حقيقة..

كم حلوة رائحتك وطني، أشم بها رائحة البيت والمدرسة

 والحارة والعطر الذي كان يتعربش على عنقي..

أشم به أصوات الضحكات،وأصوات الموتى الأحياء،

وأصوات الليل الذي يردد كلمات أحمد رامي في شرفة البيت المطل على الجنة..

أشم به نكهة الأحاديث التي تجمعنا حول طاولة المطبخ المستديرة،

صوت جدتي يخشخش مع أساورها الذهبية الثلاثة،وصوت أبي يحيي أموات العائلة بذكريات وحكايا،

وصوت أمي المستعجل نهوضنا لتقوم بغسل الصحون وإنهاء واجبها الليلي تجاه البيت..

أصوات تتسلل من نوافذ اللقاء،تنشر في غرف الغربة رائحة الماضي الجميل بعصا سحرية ..

يرن الهاتف..

صوت من مكتب السفريات يزف لي خبر الرحيل

“طائرتك يوم الثلاثاء،كوني في مطار دمشق الساعة الثامنة صباحاً”.

يا ليتني عرفت يومها أني أحزم حقيبة الوداع المر لا السفر السعيد..

كيف ننسى أو كيف نسينا ونحن نلملم أغراضنا وملابسنا أننا بالغربة نقطع تذكرة شنق على حبال الذاكرة؟

نسلمها أعناقنا ومخيلاتنا وقلوبنا التي تبقى مخلصة للحب الأول..

للصوت الأول الذي حقنونا به في دائرة النفوس،

فنبقى منتمين إلى جذور العشق الحقيقي الذي يعيش في الشرايين حتى النهاية..

 

يرن الهاتف..

صوت أمي اللاهث دائماً:”متى موعد إجازتك؟”.

آه أمي.. آه أبي.. آه بيتنا الذي تفوح منه رائحة الكتب العتيقة

واللوحات الزيتية التي سمرت صور جدي على الحائط.. بقي لي سبعون يوماً لأعبر بوابة المطار

وأشم اللاذقية تفوح من الشجر والسماء والبحر..

سبعون يوماً وأزورك أبي في مقبرة القلعة،

عندي مئة حكاية لأقصها عليك،أعرف انك تنتظرني لأقرأ سورة ياسين والفاتحة على روحك

 وأنا المس رخام القبر بقلبي.. فانتظرني أبي..

سبعون يوماً وأضع رأسي على قبرك لأسمعك تشكر الله أني معك،

ولو من وراء الحجارة والشاهدة والرياحين، المهم أني معك، كل يوم معك..

أقسم أني ما تركتك ليلة إلا وخبرتك بما حدث معي كما كنت أفعل أيام كنا أنا وأنت على قيد الحياة..

 

 

 

قصص قصيرة

 

 

غيبوبة

 

    1 \ قرط ألماس

 

في باريس..

مر مع ابنته أمام محل ألماس،

وقعت عيناه على قرط في الواجهة،

رجاها أن تشتريه...

فوعدته أن تفعل لاحقاً.

 

عاد إلى اللاذقية...

لم يعرف أنه لن يستعمل

بعد اليوم جواز السفر.

 

وراء الباب كانت مفاجأة غير سارة.

 

***

 

2 \ بالانتظار

 

طريح سرير رمادي...

ابنته جاءت من باريس لتودعه... الطقس كان ممطراً

وصلت البيت... لم تدخل مباشرة

تلصصت من باب غرفته...

كان ينتظرها ويتلو آية الكرسي.

 

بخطوات بطئية تقدمت نحو السرير،

أمسكت يده... بكت..

بكى مبتسماً:

“هل اشتريت القرط؟”.

 

 

مشوار

 

الطقس مشمس...

سألني بخجل:

“أتمشي معي قرب البحر؟”

في الشارع.

 

خلص يده من أصابعي..

لماذا؟

“لا أريد أن يقول الناس عن أبيك مريض”

مشينا عند الكورنيش الجنوبي

“لست مريضاً غداً سأشفى”

إنشاء الله.

 

“حضري أوراقك لتسافري معي”

إنشاء الله.

 

“غداً كل شيء سيعود كما كان”

إنشاء الله

“أعدكِ”

 

 

غيبوبة

 

“هل أنت راضية عني؟”

طبعاً يا بابا

 

الحمد لله...

وغرق في غيبوبة.

 

 

صحوة الموت

 

1 \

 

بعد غيبوبة طويلة... أفاق

اخبروني أنها صحوة الموت

قال: ”سوسو، فيفي”

اتصلوا بي حتى اكلمه...

بابا

“يا روح البابا”

بكيت...

بكى...

“والله سأربي ابنتي كما ربيتني”

لم أسمع سوى صوت تنهداته..

أخذ عماد السماعة