الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

قال: هيا اركبي

المصعد

همسات عاشق

أول يوم في ثلاجة الموتى

 

بطاقة تعريف الكاتب: سمير مرتضى السعودية

 

•من مواليد دمشق عام 1380 هـ- 1960م .

•يحمل درجة البكالوريوس في الإعلام – صحافة من جامعة أم القرى بمكة المكرمة .

•عمل في الصحافة كمحرر غير متفرغ منذ عام 1403 هـ  - 1983م و تنقل بين الصحف المحلية :

 الندوة ، عكاظ ، المدينة ، البلاد ثم عمل بعد تخرجه من الجامعة محررا متفرغا في صحيفة عكاظ لمدة ثلاث سنوات

 كما عمل كمراسل صحفي في المملكة لعدد من المطبوعات العربية .

•يكتب القصة القصيرة منذ عام 1400 هـ

•نشر إنتاجه القصصي في عدد من الصحف والمجلات السعودية والعربية منها :

الندوة ، عكاظ ، الرياض ، المدينة ، اليوم ، الوطن ، المجلة العربية ، مجلة الإعلام والاتصال .

 صحيفة 26 سبتمبر اليمنية ، مجلة صباح الخير المصرية.

أصدر ثلاث مجموعات قصصية هي 

  " الغروب الأخير " 2002 و" أحلام في الظلام "

2003 و " حكايات من القلب " 2005

•له اهتمام بالتوثيق الإعلامي وقد نشر عدة بحوث إعلامية حول الصحافة السعودية

في المجلات :

" الحرس الوطني " و " المجلة العربية " و"الإعلام والاتصال "

•له تحت الطبع كتاب بعنوان " أوراق من تاريخ الصحافة السعودية ".

•يعمل منذ عام 1412 في الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام بجدة

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

  نماذج من أعماله 

 

قال : هيا اركبي .. قالت : كم ستدفع ؟؟

 

 

قال: هيا اركبي ..

قالت : كم ستدفع ؟

قال : بعض نقائي ..

قالت : ماذا ؟!

قال : بعض صفائي ..

قالت : أنت تهذي ..

قال : بعض كرامتي ..

قالت :أنت مجنون ..

قال : تعالي معي إذن ..

قالت : ماذا لديك ..

قال : جرح عميق ..

قالت : جروحي أكثر ..

قال : وقلب كسير ..

قالت : كياني محطم

قال : وأمنيات ذابلة ..

قالت : أمنيتي أن أستر لحمي .. ولكن .. ..

قال : هيا معي ..؟

قالت : إلى أين ؟

قال : إلى النور

قالت : الظلمة عالمي ..

قال : إلى الفضيلة ..

قالت : لا أعرفها ..

قال : إلى السكينة ..

قالت : صخب الرجال مهنتي ..

قال : اصعدي ..

قالت : أين بيتك ؟

قال : هناك .. حيث الشمس ..

قالت : إنها تحرقني ..

قال : حيث الطهارة ..

قالت : أنت تشتمني ..

قال : حيث البراءة ..

قالت : أرجوك .. لا تجرحني ..

قال : الغد ينتظرك ..

قالت : أنت تتوهم ..

قال : اخلعي رداء الليل ..

قالت : سأموت جوعا ..

قال : طعم الشرف سيملأ روحك ..

قالت : أخطائي وذنوبي ستتبعني ..

قال : نور الإيمان سيمحوها ..

قالت : أرجوك .. خذني معك ..

قال : إلى أين ؟

قالت : إلى عالم بلا رذيلة .. 

-------------------------------

أضيفت في 05/11/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

المصعد

 

 

أموت ألف مرة رعبا كلما هممت بركوب مصعد ، ولكن لا مناص أمامي من هذا طالما أنني مضطر إلى الوصول إلى طوابق مرتفعة جدا .. وهذا ما حدث في آخر رحلة قمت بها خارج الوطن حيث قمت بزيارة  لصديق في فندق تكاد طوابقه تعانق السحاب ، وعندما انتهيت من زيارته لم يكن من وسيلة للهبوط سوى المصعد خاصة وأنني في الطابق الـ 31 في الفندق  ..

وما أن وصل المصعد مزدحما بالناس حتى قذفت بنفسي داخله وأنا أقول : يارب ..

وما هي إلا بضع لحظات حتى توقف فجأة كل شيء وساد المكان ظلام دامس وبدا أن التيار الكهربائي فعل فعلته بنا فأوقف المصعد ..

للحظات ظننت أنني أسمع أصوات قرع على الباب ولكن تنبهت أخيرا إلى أنها أصوات قلوب الناس داخل المصعد التي بدأت تعلو وتخفق بفزع و رعب ..

قلت همسا : ماذا نفعل ؟

لم يجبني أحد .. صمت وذهول وترقب للآتي .. طرقت باب المصعد بهدوء محاولا أن أبدو بأعصاب باردة .. ولكن لا أحد يجيب .. سمعت صوتا يقول : " أكاد أختنق .. لا أحب الأماكن المغلقة ولا المظلمة .. " صوت آخر يرد عليه : كيف بالقبر يا صاحبي ؟ "

ارتعدت فرائصي فجأة فأخذت أضرب باب المصعد بشدة وأصرخ : " يا ناس .. يا عالم .. أنجدونا " ولكن .. لا جواب ..

كانت تقف بجواري فتاة لم تفتح فمها بكلمة ولم تظهر أي شعور بالفزع في حين كنت أسمع نحيبا مكتوما من شخص ما داخل المصعد .. وفجأة أشعل أحدهم قداحة غاز .. فصرخ به آخر قائلا له :

" يا هذا ماذا تفعل ؟ هل ستدخّن ونحن بين الحياة والموت ؟

فأجابه : " طبعا لا .. ولكن أحببت أن يرى بعضنا بعضا ثم نبحث عن جرس الطوارئ " .

قلت : يرى بعضنا بعضا ؟ أنظر .. إنها وجوه يعلوها اليأس والرعب وتنتظر عزرائيل على أحر من الجمر .."

ضحكت الفتاة التي بجواري وقلت بهمس :

" يا لطيف .. لماذا هذا التشاؤم ؟ "

قلت بجدية : " أي تشاؤم ..؟ ألا ترين أننا بمعزل عن العالم وأننا في جوف قبر كبير لا ينقصه سوى الحساب " .

فوجئت بالفتاة تلقي يدها على كتفي وتقول بنبرة حزينة :

" لو حاولت أن أحاسب نفسي في هذه اللحظة عن كل ما فعلته في حياتي فإني سأقتل نفسي بيدي .. ماضيّ يعذبني وقلبي يذبحني وضميري يؤنبني .." وأخذت الفتاة تتكلم كثيرا .. لم أفهم شيئا مما قالت .. عقلي تائه مع يدها المعلقة على كتفي والمصعد المعلق في الهواء ..

وأخيرا صمتت الفتاة .. ولكن بقيت يدها غافية على كتفي وأنا في حالة فزع وشلل ذهني .. ماذا نفعل الآن ؟ أحدهم جلس على أرض المصعد وبدأ شخيره يعلو .. لقد نام الرجل تعبا أو رعبا أو لا مبالاة .. نعم .. حتى في أحلك المواقف والظروف تجد بعض الناس في برودة قالب الثلج ..

قال لي أحدهم : ما رأيك أن تحاول أن تفتح الباب ؟

قلت : ولماذا لا تفعل أنت ذلك ؟

قال : وافرض أن الباب فتح فجأة ؟ هل تريدني أن أموت ؟

قلت : يا سلام !! وهل أموت أنا لتعيش أنت ؟

قال : أنا عندي بيت وأولاد ..!

قلت بحدة : وأنا عندي قلب وأحلام ..!!

قال : بيتي وأولادي واقع يستحق أن أعيش من أجله ..

قلت مستغربا : تريد أن تدوس على قلوب وأحلام الناس لتعيش أنت وأولادك ؟!!

فوجئت بالفتاة تقترب مني أكثر فأكثر لتهمس في أذني قائلة : " أتركه .. إنه مجنون "

قلت لها وأنا أشعر بثقل ذراعها على كتفي : " إنه أعقل مني ومنك .. المجنون من ينتظر أن يموت هنا ببطء "

قالت : ما الحل في رأيك ؟

قلت : سأحاول أن أفتح الباب ..

قالت بدلال فاضح : وقلبك ؟ وأحلامك ؟

قلت : قلبي وأحلامي لن يخرجا للنور إلا إذا فتح هذا الباب ..

قالت وهي تطوق جيدي بذراعها : هل أنت متزوج ؟

أذهلتني هذه الفتاة .. نواجه الموت وهي تدير ظهرها له .. قلت لها :

" إذا نجوت من هنا بالتأكيد لن أنجو من الزواج .. "

أطلقت الصبية ضحكة عالية ظننت أنها ستنبه الآخرين بورطتنا في المصعد ..

قالت : هل تخيفك المرأة إلى هذا الحد ؟

قلت : لا .. ولكن يخيفني هذا الظلام الآن .. وهذا الموقف العجيب ..

قالت برومانسية مصطنعة : القلب خلق لينبض بحب الطرف الآخر ..

قلت : أرجو أن يكون في الطرف الآخر من يستطيع أن ينتشلنا من هذا المأزق ..

وفجأة .. هدر محرك المصعد من جديد .. وأضاء النور المكان والقلب ، فارتفعت الأكف بالحمد والشكر لله عز وجل أن أنقذنا من الموت .. وفتح باب المصعد على ردهة الفندق فتدافعنا للخروج .. وللغرابة لم نجد أحدا ينتظرنا .. يبدو أن الكارثة لم يشعر بها أحد ..

قلت لرجل الذي كان بجواري : حمدا لله على سلامتك .. انطلق الآن إلى بيتك وأولادك ..

فقال لي بابتسامة باهتة : وأنت .. أركض إلى الحياة وابحث عن قلبك وأحلامك قبل أن يخذلك كل شيء ..

قلت له مستسمحا : أرجو ألا تكون قد غضبت مني ..

قال : لا .. كل منا يخاف على نفسه .. وكل منا يحرص على حياته .. وكل منا يرى أن عالمه أهم وأغلى من عوالم الآخرين ..

قلت له : شكرا لك ولنصيحتك .. من المؤكد أن تجربة المصعد ستغير الكثير من قناعاتي ..

ودعته على أمل أن نتقابل مرة أخرى في فرصة أفضل .. التفت يمينا وشمالا أبحث عن الفتاة .. لا أثر لها .. يبدو أنها انطلقت إلى عالمها هي الأخرى .. مشيت بخطى متعبة أحاول الوصول إلى سيارتي .. أدس يدي في جيبي .. عجبا .. لا أثر لمفاتيح سيارتي .. لا أثر لمحفظتي .. لا أثر لأي ورقة كانت تعج وتضج بها جيوبي .. نعم .. لقد فعلتها تلك الصبية ..

-------------------------------

أضيفت في 15/10/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

 

همسات عاشق في غرفة العمليات

 

 

اأضواء باهرة تصطدم بعيني .. وجوه تركض هنا و هنا .. أين المشرط .. أين المخدّر ؟؟ أين الكمّامة ؟ أين الأوكسجين .. أطباء و ممرضات يتدافعون هنا و هناك و بعضهم يتحلق حولي أنا المسجّى في غرفة العمليات .. ممرضة تهمس لي بصوت يتصنع الثبات : لا تخف .. إنها عملية بسيطة جدا .. لا تفكر فيما حولك .. حاول أن تتذكر أحلى أيام عمرك ..

قلت لها بهدوء : ماذا ستفعلون ؟؟

قالت: سيقومون بتغيير عدة صمامات في قلبك ..!!

قلت: هل سيفتحون قلبي ؟

قالت بدهشة : طبعا ..

قلت : و أين أخبئها الآن ؟؟ أين أبعدها عن العيون ؟؟

قالت : من هي ؟؟

قلت : أين الطبيب .؟

نادت عليه فيما هو يرتدي القفازات الطبية .. قال وهو يتصنع ابتسامة غطتها سحب القلق : خيراً عزيزي .. ؟؟

قلت : أنت ستفتح قلبي .. ستتجول بين أروقته .. ستطأ أرضه و تقتحم جدرانه و غرفه .. أدخل بصمت أيها الطبيب .. لا تفزعها بمشارطك و أسلحتك .. لا تزعجها بطنين أدواتك .. لا تؤلمها بوخز سيوفك و عتادك .. ستجدها هناك .. وحيدة .. يتيمة ..

سامحها أيها الطبيب .. لقد عبثت هذه الصبية بقلبي .. أحالته إلى ساحة معركة ..

إلى أشلاء ممزقة .. أتظن أنك ستجد قلباً ؟؟ لا .. لا يا طبيبي .. بل ستجد بقايا قلب .. ستجد بقايا عمر .. ستجد بقايا إنسان .. لقد مَارَسَتْ شتى صنوف العنف و العدوان على هذا الخافق الضعيف بين الحنايا ..ولكن .. لم أنهرها .. لم أعاتبها

.. سبحان الله .. أيعاتب المرء ذاك الهواء الذي يتنفسه ؟ أيعاتب الإنسان ذاك الليل الذي يغفو على نافذته كلما داهمته الهموم ؟؟ أتركها يا طبيبي بين أن أنقاض قلبي .. دعها تعبث كما تريد ..دعها ترسم خريطة حياتها هنا .. قل لها أن النقش على القلب أحلى و أجمل من الكتابة على الأوراق أو صفحات الماء ..و قل لها أن تلك الصمامات التي دمرتها هي أحلى ذكرى لاعتلائها هذه القلب العليل .. طبيبي .. لا تزدحم أنت و ممرضاتك على باب قلبي فتفزعوها ..أنقر الأبواب قبل اقتحامها .. و استأذنها قبل أن تمد يدك بمشرط أو خيط .. قل لها لقد آن أوان هذا القلب أن يُرمّم و يُعاد بعثه للحياة .. قل لها إن تلك الصمامات هوت أخيرا بعد أن عجزت عن استيعاب هذا حب الذي يقوم على زرع القنابل و الألغام بين الحنايا والضلوع

قال الطبيب : أنت تهذي ..

ابتسمت له وقلت : إنها أجمل هذيان و أحلى وهم ..

قال: سنضطر إلى أخذ شريان من جسدك لنزرعه في قلبك ..

قلت: لن تجد الشريان الذي تنشده ..أبحث عن شريان لم تمزقه اللوعة و لم ينسفه الحزن و لم يبليه الهوى ..لن تجد سوى شرايين تنزف من كل اتجاه .. تنزف شكوى وألما و بكاء ..يا سيدي لا أملك لك أي شرايين ولا أحمل في داخلي أي نبض .. أنت تضيع وقتك مع عاشق متهدم كذاك الجبل الذي زرعوا بين جوانبه على حين غفلة قنابل ومفرقعات فتهاوى فجأة في لمح البصر ..خذ يدي .. هل تجد نبضاً ؟ خذ بصري هل تجد نوراً ؟ خذ عمري هل تجد أملا ؟ أنظر إلى سمائي هل تجد شمساً ساطعة ؟ أنظر في بحري هل تجد مرافئ آمنة ؟؟ أنظر في أرضي هل تجد سوى القبور و الأشلاء ؟؟ يا طبيبي .. اتركني و شأني .. خذ أسلحتك و أدواتك و أجمع ممرضاتك و اتركني وحيداً ..فأنت لن تزيد دقيقة واحدة من عمري ..اتركني معها .. لقد غدرت بصمامات قلبي ..

و غدرت بابتسامات عمري .. ولم يبق على

النهاية الكثير .. فهذه الدقات المتهالكة التي يضج بها كياني تقول بأن الدرب على آخره و أن القمر إلى محاق و أن الشمس إلى كسوف و أن النور إلى زوال و أن الغد إلى انقضاء و أن العمر إلى فناء و أن القبر أصبح أقرب من ذي قبل ..

-------------------------------

أضيفت في 08/06/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

 

أول يوم في ثلاجة الموتى

 

 

تخرجت من كلية الطب منذ عدة سنوات وجلست بعدها في البيت أنتظر التعيين أو النصيب .. !! وذات يوم دق جرس الهاتف لأجـد شخصا يقول لي :

" تم تعيينك في مستشفى المواساة .. يجب أن تباشري غدا وإلا …!!"

قلت له :

" لا .. لا داعي لـ " وإلا " هذه .. سأكون أول من يدخل باب المستشفى صباح الغد بمشيئة الله ..

لم أنم ليلتها جيدا .. ألف صورة تعبر مخيلتي وألف شعور يغمرني وألف " وإلا "

قفزت أمام عيني .. ولذلك لم أذق طعم النوم ..

جاء الصباح وجاء يوم العمل الأول .. عندي " بالطو " أبيض أحتفظت به من أيام الجامعة .. حاولت أن أرتديه .. جيد .. لا زلت أحتفظ برشاقتي .. أتأمل نفسي في المرآة .. لا .. يبدو أن زمن الرشاقة قد ولّى .. !! رميت البالطو جانبا لألحق بالعمل الجديد ..

عندما وصلت المستشفى كنت حقا أول من وصل من الموظفين و الممرضات و العمال .. لم أبالي .. يجب أن أثبت جدي و اجتهادي من أول يوم ..

بحثت عن المكان الذي سأمارس فيه عملي .. سأكون صيدلية بإذن الله .. هكذا كنت أحلم طوال عمري .. واليوم سيتحقق الحلم ..

سألت : أين سأعمل ؟؟

لا أحد يعرف ..

بدأ الموظف المختص يقلّب الأوراق و الدفاتر و المعاملات .. ثم نظر إليّ بعد حيرة طويلة وقال :

" انه هنا .. هذا اسمك .. ستعملين تحت .. في البدروم .. في الدور الأرضي "

قلت :

" هل هناك صيدلية في البدروم ؟"

تأملني كاتما ضحكة أوشكت أن تفلت منه وقال :

" عفوا .. الصيدلية هنا .. خلف مكتبنا .. ولكن أنت ستعملين في البدروم .. في ثلاجة الموتى .."

انتفضت أطرافي وتلعثم لساني وأوشكت قدماي أن تهويا بي .. تماسكت ولملمت مشاعري المبعثرة لأقول له :

" ثلاجة موتى .. ولكن .. أنا صيدلانية .. والموتى حسب معلوماتي يحتاجون للدعاء والترحم ولا يحتاجون إلى صيدلانية مثلي "

قال :

هذا صحيح .. ولكن .. لست أنا من وضعك في هذا العمل .. وان أردت نصيحتي باشري عملك بضعة أيام ثم حاولي أن تطلبي نقلك إلى مكان آخر بالتفاهم مع مديرك "

قلت :

" عفوا .. ولكنني لا أصلح في هذا المكان "

قال بعد أن ألقى بظهره على الكرسي ووضع رجلا على رجل:

" وهل أنا أصلح هنا .. وذاك هل يصلح هناك .. قولي لي يا سيدتي هل هناك شخص مناسب في مكان مناسب في هذا الزمان ؟! إنها مسألة أكل عيش .. وعلينا أن نعمل في أي مكان وإلا " ..!!

أطلقت تنهيدة من أعماق قلبي وقلت له :

" ما حكاية " وإلا " هذه ..؟ لا بأس ..أمري إلى الله .. "

أنهيت إجراءات مباشرة العمل ثم نزلت إلى المكان الذي سيضم خطواتي القادمة ..

مكان كئيب .. إضاءة خافتة تبعث الرعب في النفس .. دخلت الغرفة التي تحتضن الثلاجة وأنا أجر قدمي جرا..  وجدت زميلة تنتظرني .. أفهمتني أن عملي سهل جدا ..

" سيأتي أهل المتوفى بورقة يفترض أن تطابقيها ببيانات موجودة على باب الثلاجة التي تضم جثمان متوفاهم .. وإن تطابقت البيانات  فعليهم عند ذلك أن يأخذوا ميتهم من هنا "

أطلقت زميلتي ضحكة عالية و هي تحاول أن تزرع الشجاعة في قلبي لتضيف قائلة :

" لن تلمسي أمواتا و لن تحملي جثثا .. فقط ستتعاملين مع بيانات .."

قالت كلمتها وهي تتوجه نحو الباب .. أطبقت على يدها بفزع و قلت :

" إلى أين ؟"

قالت :

" المعذرة .. لدي مشوار تم تأجيله أربع مرات لحين مباشرتك العمل .. لا تقلقي ..

سأعود خلال ساعة و ربما أقل .. إلى اللقاء "

وتبخّرت من أمام عيني في لحظة وتركتني زائغة العينين أشم رائحة الموت من كل اتجاه ..

هربت من الغرفة .. سحبت كرسيا و جلست في الممر ..وبقيت أضرب أخماساً في أسداس .. بل في أرقام كثيرة بلا نهاية .. ما هذه الورطة ..؟ هل سأقول لأمي و أبي و اخوتي أني أعمل حارسة على بوابة ثلاجة الموتى ..؟ هل الموتى بحاجة إلى من يحرسهم ؟ وهل أفنيت عمري و سهرت الليالي لأكون في هذا المكان ..؟ وأين أذهب بعلم الصيدلة والأدوية والكيمياء وكل ما تعلمته ؟ هل أذيبه في كوب ماء وأشربه ..؟ انتبهت إلى واقعي .. صمت عميق يكاد يحاصر المكان لولا أصوات بعيدة تتسلل إلى أذني .. بدأت الوساوس تنبت في محيطي ..

كأني سمعت طرقا من داخل الغرفة ..!!

هل هناك من يهمس باسمي ..؟!

كأني رأيت شيئا يتحرك كالبرق أمامي ليختفي .. !!

يا إلهي .. هواجس وظنون وأوهام خلقتها بنفسي لأداري إحباطي تطوقني وتخنقني ..

وفيما أنا أسيرة هذه الهواجس إذا بصوت عال محتد يصرخ بي :

" السلام عليكم "

قفزت من الكرسي وأنا أردد " وعليكم السلام " ووجهي يدور في كل مكان أبحث عن هذا المخلوق الذي بدد وحدتي ..

رأيت نفسي فجأة أمام رجل ضخم يحمل ورقة صغيرة جدا يقدمها إليّ ويقول:

" تفضلي  "

شعرت وكأن قلبي قفز بين يدي .. هل هذا حلم أم واقع ..؟ لم أقرأ الورقة .. سألته فقط ..

" ما هذه "

قال :

" انه جدي .. اختفى منذ شهر ونحن نبحث عنه وربما يكون هنا في هذا المكان "

قلت وقد بدأت أشعر بأنفاسي تعلو وتملأ المكان :

" والمطلوب ؟ "

قال بغضب ظاهر :

" سلامة فهمك .. المطلوب أن تفتحي جميع أدراج ثلاجتكم العامرة وتبحثين عنه "

قلت و أنا أظن أني أرد له غضبه بما يستحق :

" المعذرة .. سلامة فهمك .. أنا لا أعرف جدك ولا شكله "

أدخل يده بسرعة في جيبه ليخرج صورة وضعها أمام بؤبؤ عيني وقال :

" هاهو .. "

قلت بارتباك ظاهر :

" تعال إذن وابحث عنه بنفسك "

قال وقد فطن إلى حقيقة الأمر :

" عفوا .. أنت هنا لهذا العمل .. وقد تحوي ثلاجتكم العامرة نساء لا يصح أن أنظر إليهن .. ولهذا سأعود إليك بعد قليل لآخذ الإفادة .."

وهرب من أمامي قبل أن أنطق بحرف ..

تأملت صورة جدّه ، ثم أطلقت نظري في أرجاء الثلاجة التي تحوى أكثر من عشرين درجاً ، تراني هل أتجرأ و أفعلها ؟ ويح قلبي .. أنا التي يهلع قلبي لذكر الموت أجد نفسي فجأة أمامه وفي أكثر من صورة ؟ هل أنسحب ..؟ نعم .. سأنسحب .. هذا أفضل ..

أفضل ..؟ لمن ..؟

تخطر في ذاكرتي كلمة ( وإلا ) التي ترددت على مسمعي أكثر من مرة بسبب هذا العمل .. ألم يقل ذاك الموظف أن المسألة " أكل عيش " ؟ أطل في الصورة مجدداً .. أجد قدماي تقوداني إلى داخل غرفة الثلاجة .. أقترب من أول درج .. أقرأ كلمة ( مجهول .. حادث سيارة (  مكتوبة على ورقة معلقة بإهمال على مقبض الدرج ..

المطلوب مني أن أفتح الدرج وأفتح عيني جيداً وأتأمل الموت .. ألاحق تفاصيله ..

أستكشف بصمته .. مطلوب مني أن أقارن الموت بصورة .. والمجهول بعلامة استفهام ..

يا الله .. ماذا أفعل ..؟ قلبي يكاد يتوقف .. أمد يدي إلى الدرج أحاول سحبه ..

إنه يترنح في الهواء .. أتراه فارغ ؟ أسحبه بهدوء .. !!

يا الله .. زلزال يضرب كياني .. إنها جثة طفل صغير .. أتأمله بخشوع .. كل كياني يبكي .. أي جبار عات دهس طفولتك وبراءتك أيها الصغير ؟ أي أرعن أخرق قطف بسمتك وداس فرحة أبويك وقذف بك إلى أحضان الموت .. ؟ أحاول أن أمد يدي إلى جبهته .. لم أتردد .. لأول مرة في حياتي ألمس ميتا وأنا التي كنت أتحاشى الاقتراب من مريض .. لمست جبينه البارد .. عبثت يدي بشعره ..

قوة غامضة دفعتني إلى تقبيل خده .. شعرت أني أقبّل عصفورا صغيرا ..

صوت يخترق أذني فجأة .. " عفوا ..مكانك ليس هنا " .. نظرت خلفي فإذا به ذاك الموظف الذي قذف بي صباحا إلى هذه الثلاجة ..

قلت وأنا أمسح دموعي وألملم مشاعري : " ألم تقل لي صباحا أن مكاني هنا وأن كشوفاتك تؤكد ذلك " ..

قال مرتبكا : " أرجو أن تعذرنيي .. يبدو أني لم أغسل وجهي جيدا هذا الصباح ولكن عندما سألوا في الصيدلية عن الموظفة الجديدة اكتشفت خطأي .. السماح منك مرة أخرى " ..

لم أفرح بالنبأ .. لم أفرح بالصيدلية .. نظرت إلى جثمان الطفل من جديد .. قلبي مذبوح وكياني مشروخ ويدي لا تريد أن تفارق وجه الطفل .. قلت للموظف :

" ما حكاية هذا الطفل ؟ "

قال : لا توجد حكاية .. طفل مشرد كان يتسول عند إشارة مرور دهسته سيارة طائشة .. لا أحد يعرف شيئا عن هذا الطفل ومنذ سنة والجثة هنا والشرطة ترفض دفنها قبل التعرف على ذويه ، وحتى من ارتكب الحادث لازال حرا طليقا .. على أي حال ..

أرجوك .. يجب أن تذهبي إلى الصيدلية فورا قبل أن تحدث لي مشكلة .. "

قال كلماته تلك واختفى من أمامي .. وبقيت أنا وهذا المشرد الصغير .. يا لوعتي عليك أيها الملاك .. عشت مشردا وتموت مشردا .. عشت فقيرا وتموت مكسورا لتغفو وحيدا في ثلاجة من الصقيع .. قتلك الظلم وهرب .. دهستك القسوة واختفت ..

ماذا أفعل الآن ..؟

أنا الآن صيدلانية فعلا .. ومكاني ليس هنا .. ولكن .. كيف أترك المكان وفؤادي هنا .. وكياني هنا .. وإنسانيتي هنا .. كيف أغادر وعصفور يبحث عن الراحة ميتا ولا يريدونها له قبل أن يستكملوا أوراقهم .. هل يتصورن أن ضمير القاتل سيستيقظ بعد سنة ليقول : أنا من دهسه .. خذوني فغلّوني ..؟ لن أترك يا صغيري تموت مرتين .. سأسعى إلى إخراجك من هذا القبر البارد ..

انحنيت عليه وقبلته من جديد .. ودموعي تغسل وجهه .. وهمست في أذنه : " أقسم لك يا صغيري أني لن أتركك هنا " وأغلقت درج الثلاجه وكأني أغلق قبرا على روحي ..

-------------------------------

أضيفت في 06/05/2005 / خاص القصة السورية

 

 

 

  كيفية المشاركة  

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (رواية - مسرح - سيناريو -