
بطاقة تعريف الكاتب: مراد بوكرزازة
الجزائر

ليسانس في الحقوق
والعلوم الإدارية جامعة قسنطينة عام 1989
يكتب القصة القصيرة منذ 1983
نشر في عدة صحف وطنية منها: الشعب، أضواء، الشروق العربي، النهار، المساء
كما نشر في عدة جرائد ومجلات عربية بتونس ولبنان والأردن والكويت والسعودية
والمغرب
من إصداراته
- شرفات
الكلام رواية منشورات الفارابي 2001
- الربيع يخجل من العصافير مجموعة قصصية 2004
- publibook…paris france 2007 :مجموعة قصصية
بالفرنسية دار
له مخطوطان واحد في القصة والآخر في الرواية
 


نماذج
من أعماله

الطــريــــــق...!
وأنت تسقط
مديدا إلى الأرض...كنتُ أسرع الخطى لأتلقَّفك... كنتَ المشروع الوحيد الذي
كان يمكن أن يتلقَّفني لحظة السقوط الكبير... لكنك كنت مستعجلا جدا...
!!
تراك كنت تركض
لأفق تبدَّى لك فضاءً للأمان... أم أنك اكتشفت أخيرا النافذة التي طالما
انتظرت انفتاحها... أم تراك ككل الموتى... !! الذين سبقوك... حملت سرَّك
العظيم ومضيت... كم تحدث الناس عن موتك...
كنت تحتاج
التفاتة بسيطة منهم... حين كنت حيا... لماذا لم تحاول الموت قبل اليوم...
أكاد أجزم أنك كنت سترتاح قليلا...
حدث كل هذا في
لحظة خاطفة واحدة... كنت تخرج علبة الثقاب... وتحضّر سيجارة لاحتراق آخر...
لم تقل شيئا ذاك المساء...وصمتك الجبار القاهر الذي لن أنساه كان مكابرا
كما العادة، هل كان ذنبي أن أنصت إليك بهذا الشكل...؟! هل كان ذنبك أن صمتك
ثرثار لهذا الحد...؟!
من منا... كان
المذنب... أيها الموت الذي اختطفت أحدنا... وتركت آخرنا للأسئلة...؟!!
في
الليالي التي كانت المدينة تنام فيها ملء الجفون... وتحلم بصباح عاهر...
كنت تقف عند مفترق الطرق... مشرعا صدرك للطلقات الغادرة... مسرجا قلبك
للخناجر التي قد تخرج من جوف العتمة... رغم ذلك... كم كنتَ تحب الليل...
وكم كنتُ أعشقه...!!
طفلين كنا...
نركض بكل الصدق، بكل الانبهار الأول...مع أن صوت الصراصير، ونقيق الضفادع
كان يزرع في النفس فراشا حائرا لخريف مباغت...
في اللحظات
التي كنا نسقط فيها إلى عمق القرارات السحيقة، كنا نحتمي بالأماني...
خيباتي لا تنتهي، كلما قلت هنا سأحط الرحال، هنا سأرتاح، يطلق القطار
صفيره، كي أبدأ رحلة همجية جديدة، قلت لي ذات ليلة شتوية ماطرة... أحيانا
يخيل إليَّ... أن الألم خلقه الله لبعض النماذج وكفى... أجبتك، كم مرة
فاجأنا المطر... كم مرة أدركنا الصباح ونحن نستسلم للتبغ الرديء، والحكايا
التي لم تكن تنتهي...
دونما شعور
أجدُني أحيانا عند عتبة البدايات... يوم تعارفنا، يوم التقينا للمرة
الأولى... أحسست وكأنا سقطنا من سنة قديمة معتقة...
"كنتُ
أحبها جدا... وما زلت... على مقاعد الدراسة علموني... كيف أغني لها...
لعيونها: تورطت فيها، صرت أنبض لأجلها، وفي المحطات العسيرة... كنت أقول في
نفسي... يكفيني حضورها الكبير كي أستمر"
قلت لي... ولم
أكن أختلف عنك كثيرا، كانت أجملهم على الإطلاق وفي الصيف العظيم الذي كانت
ستروي فيه للبحر حكاية الرمل والبحارة... الذين عادوا محملين بسيرة الأسفار
البعيدة... تعثرتْ... سقطتْ الجرة من على كتفها... كم كان موجعا ذاك
المساء... لم تبكِ...! لكنها حين وحدها مع وحدها بكت طويلا، كما لو أنها
تودع عزيزا...!!
كنت أعتقد أنها
مع أول الخريف... تبيح للطيبين فاكهة الأرض... لكنها الطعنات كانت تجيء من
كل نافذة... هل جربت يا صديقي طعنة النوافذ.
يبدأ الموت
هناك... بإغراء ماكر... وينتهي بمفترق طرق تقود كل الجهات فيه إلى
الجحيم...! أرأيت كم توجع مفترقات الطرق...؟!
هل رحلت
حقا...؟!
هل صرت من سكان
العالم الآخر...؟!
يؤلمني
الأمر جدا... حين أذكرك... أذكر الأشياء التي لم أقل لك أم أنك ككل
المفاجآت الجميلة...تجيء متأخرا وترحل على عجل...! ألم يكن ممكنا أن تمنحني
بعضا من وقتك كي أصل إلى منتصف الحكاية... ثم أجرؤ على الاعتذار
للراوي...لأن النهار أدرك تدفق التفاصيل...! أكاد أجزم أن الراحل يقدم
توطئة وداعه الكبير قبل أن يمضي...
ما معنى أن تحب
الموسيقى بكل هذا الهوس... والرقص، لـمَ كنت تمارسه طقسا محببا إليك...
في ليالي
الراحة... كنت تسرع لأول شريط راقص...تشعل الدنيا بالغناء والصخب... لتقول
أن الكرنفال في القلب بدأ... وأن طبول البدايات تقرع الآن كما لو أن كل
الكون يحتفل....
كنت ترقص حتى
يهدك التعب...
وحين تتهالك
على سريرك... تغرق في تأمل موخز...
وحدها لفافة
التبغ – كانت تعرف: أينه الرماد الآن...كي أسأله عن رجل كان يقف على
الرصيف... يشير للعابرين بدهشته فلا يعود إليه غير صدى حيرة ذاهلة...!!
في المساءات
التي أعقبت سفرك إلى سماء بعيدة... بعيدة... كنت تكتب كثيرا من الرسائل...
تذكرت القريبين جميعا... كتبت إليهم واحدا، واحدا... وكنت تقرأ لي بعض
المقاطع... يظل الشاعر شاعرا...!
قلت لي وأنت
تصف لي، لها... لهم... ما فعلته المحطات بمسافر اقتطع تذكرة للنسيان... وقف
في مهب الريح... البرد... والانتظار... أ رأيت كم هو قاس الانتظار، مع أنه
الخيط الوحيد الذي يربط بعض الناس بالكون...!!
كنت تختبئ خلف
شجرة علَّك تنقذ آخر عود ثقاب... وحين اشتعال سيجارتك... جذبت نفسا
عميقا... ألقيته في الهواء زفرة احتجاج ولحظة النفس الثاني... كان الرصاص
يجتاح المكان... لم أختف كنت أبحث عنك.. وفجأة تراءى شبحك المترنح... "يدك
اليسرى التي لن أنساها" كانت تتحسس قلبك...واليمنى رأيتها مشلولة... كنت
تسرع الخطى إلى صدري (الميت...!!) غرقت في حضني، كان الدم ينزف منك...حارا
متدفقا... لم أقوَ على حملك... تهالكتُ على الأرض... حملتُ رأسك بين يدي...
وبكيتُ في (سري)،...
-
لا تخف إنه جرح
بسيط...!!
قلت لك لكنك
ابتسمت بحرارة (بيتم...!!)
-
إني ذاهب إلى هناك...!
قلتَ...! إلى
ذلك النور... هل تراه... هناك... نعم... هناك...!
ثم صمتَّ... لم
تغلق عينيك كانت نظرتك إليَّ...
وفي لحظة
وجدتني وحيدا... معزولا...!!
كان صوتك يملأ
الأرجاء... "تراها تذكرني... نعم أحبها... الحلم... الربيع... الشمس...
الأصدقاء... ذاهب... النور..."
!.
1995
   
قصـــة للتسلية...!
حاولت أن أنام...
أن أنسى لساعة
أو ربما أقلّ، أن الجثة ما عادت تحتمل أكثر... أن أكذب على الأغنية
الأخيرة... أتموه لهذا الذي يترصد الخطى... لكن الصوت الذي انبعث من مكان
ما... قال حكمته ومضى...
الليل مازال
طويلا تماما كالأماني التي نرهق العمر في الركض خلفها...
والصباح حكاية
قرأتها –ليتني لم أفعل- في كتاب مدرسي لم أعد أعثر له على أثر...!!
* * *
-
إلى أين الآن...؟!
صار السؤال
سخيفا مبتذلا...!
جف الحلق من
فرط الغناء أو البكاء...
وأتى الحريق
على حريقه...
أ مازلت في
الرماد جذوة تشهد بالحقيقة...
هل ستكون الريح
رحيمة على دمي الذي أودعته سر الفناء الكبير...!!
* * *
يا امّه... في
زمن الكذب الفادح...
تعب الجواد...
تعب الصهيل...
تأوهت الصحراء...
-
العطش...!!
قد يكون... آخر
ما وصل من أنين القتيل...!!
* * *
أحتاج مدينة...
ربما يريحني أن
تشبه قسنطينة...!!
أحتاج زقاقا
يقود إلى وجه ما...!!
أحتاج كفا...
تتقن الاحتضان...
منذ أكثر من
موت وأنا أعبر من فجيعة... إلى ما يأخذ شكل قبر... أليس من حقي شبرٌ والأرض
عامرة بالحفر...!!!
* * *
بودي
تقول الروح
أن أغفو ليلة
هناك...
ثم تشير
بحيرتها لآخر نجمة في سماء بعيدة...
أعيد للفوضى
ترتيبها...
أعيد لليل
عتمته الحميمة...
فيطل قمر من
ورق سميك:
ليس من حق
الشعراء الإقامة في الفرح أكثر من قصيدة...
أرضى بالوهم...
أسميه الدرب الذي يقود يوما ما إليَّ...
وعند نهاية
النص أوقع...
أوقع كي أكتشف
أني ذاهب في الليلة الموالية إلى سراب جديد...
تنتهي
الحياة... يمضي العمر ويظل السراب...!!!
* * *
-
قل...!
-
أعيدوا لي طفولتي...!
-
قل...!
-
إني أرى الأحبة
يغادرون تباعا...
-
قل...!
-
إني عيان... عيان
بزاف...!!
* * *
ماذا يحدث لو
أني ما غادرت قلبي لحفلتكم...
لا رغبة لي في
الرقص أو الموسيقى...
لا رغبة لي في
لقاء أحد...
ماذا يحدث لو
أني احتضنت حزمة أوراق.. وقلت... سأكتب ليتمي رواية أحرقها حين ينهيني
الرماد...!
ماذا يحدث لو
اعتكفت بزاوية وظل حجمي يتقلص...
كي أتوسد صمت
عنكبوت... قد يكون اختياري الجديد...!!
منذ أمنية وأنا
أطرق باب شارع يحمل إسم شهيد...
يغني خرابي
لامرأة ما قرأتِ الشعر يوما...
منذ دمعة وأنا
أجتهد في استعداد الذي يفلت من بين أصابعي...
-
سيدي الرئيس هل
يرضيك موت مواطن...؟!
منذ...!
منذ الطفولات
الأولى وأنا أبكي بالسنوات الست:
ما جدوى أن
نمتلك الآن ما أرقنا عند البدء...!!
كنت أحب العنب
تطاولت على سور
فيلا...
في المرة
الأولى سرقت عنقودا...
وفي المرة
الثانية
سرقتني غرفة
طفل –ربما كان في سني-
فيها سرير...
صغير... وفيها دراجة مهملة... وكثير من اللعب...!!
في عيد... بعيد...
لبست بدلة
جديدة وحذاءً لماعا...
كانت هدية غني
صدمني بسيارته
تمنيت يومها أن
تصدمني سيارة أخرى عند عتبة عيد جديد...
كي أرتدي بذلة
– ربما كانت أجمل من الأولى...!!
* * *
أعترف أني كلما
خرجت لصباح آخر أني أخرج لحتفي...
أني شربت
البحر... لكن القارب ضاق بروحي...
أن رأسي يعج
بالعصافير لكن الجسد قفص صغير...
-
أني عييت... عييت
خلاص.
كثيرة هي
أمنياتي...
كثيرة هي
ميتاتي...
سأقول لقسنطينة:
متى أصحو على
جسر يقود بيني وبيني...!
1996
صــــابـــــر...!!!
أنا... لا أذكر
أني حملت إسما أو لقبا... في يوما ما...
شهادة ميلادي
تقسم على أني لم أتعدَّ الثلاثين من عمري...
وجثتي تؤكد أني
تجاوزت التاريخ بتعب وأغنية مقهورة...
كل صباح...
أكتشفُني في قلب الورطة... أحاول -أنا المنهمك- أن أبتسم –كما يفعل السعداء
للناس... ليس من حقي أن أدخل مواقيتهم بذقن غير حليق أو سروال منكمش... ليس
من حقي أن أحدثهم عن الكوابيس التي توقع لحظة لقاء الرمش بالرمش في مناورة
فاشلة للنوم.
ملني كل أهل
الحي... ومع ذلك مازلت أصر على احتجاز وَهْمٍ لـمـا تبقى من حضور الروح
المذبوحة.
-
خويا، الله يسترك
حق قهيوة برك...!
أقول مستعطفا...!!!
يناديني
المعارف - صابر-
فلا يستدير
يأسي كي يصدق دمعة أخيرة...
حقيقتي حمامة
تبكي منذ بدء النواح...
ينام أهل الحي
في غرفة ضيقة أو شقة فاخرة...
وأحمل -أنا
اللامعني الآن- شبحا نحيفا، جوعا للقمة دافئة...
وغصة بحجم
الشمس للطابق الأخير... أفترش صورة أمي التي ماتت قبل الأوان... وملامح أبي
الذي لم أر يوما...ثم أمازح "الكرتون" والحصيرة القديمة:
-
الصابر على مشقة
الدنيا... آو حاب يرقد...!!
كثيرا ما أفكر
في كتابة مذكراتي... في أن أقول مثلا... إني أتنكر للموت منذ عشرين سنة...
–
عند الرحيل توجع
الناس الدنيا... عند رحيلي توجعني أنت...
قالت أمي...
حين غادرتْ إلى سفر... أعرف أنها لن تعود منه...!
هكذا...!
كما يحدث في
الحياة... وفي الكتب التي لا تموت...
وجدتُني أغادر
جدارا وسقفا لم أعد قادرا على دفع إيجاره...
كل محطات
المسافرين... تعرفني... بالقرب من كل كرسي ثمة حكاية تنام...
الآن... أنا
الذي لم ينم يتمي رغم إرهاقه الكبير... كل مشردي المدينة أعرفهم واحدا
واحدا... أعرف المعتوهين... المثقفين... أعرف الساقطين... ونساء الليل...
وأعرف كل تجار
الحبوب والمخدرات...!
أنا أعرف
المدينة كلها... والحياة تدعي أنها ما رأتني يوما...!!
منذ عشرين سنة
وأنا أنتقل من بناية لأخرى...
في سطوحها سيرة
لعصفور وحيد... حط على كتف مساء... فاشتعلتِ العزلةُ فيه بالغناء...
كلما قلت:
-
ربما... هنا...
يجيء القرار:
-
نحن لا نثق في
الغرباء...!
كلما قلت:
-
هنا... ربما...
يجيء الليل
حاسما عنيفا
-
تحتاج القطط
المشردة والكلاب الجائعة لأنيس...
صابر – turbo-
صار إسمي مؤخرا...
ربما لأني أتقن
صناعة السجائر السحرية الخاصة...
كلما اختليت
بخراباتي في زاوية... أدفن مدن الطفولات المسلوبة في قطعة كِيف...
يصير السطح
–سطح البناية- بيتا حميما أعلق فيه صورة مكبّرة لأمي... وكل الشهادات التي
تثبت موتي في كل المرات:
-
الدنيا بنت الكلب...!
يتراجع خوفي...
لا أفكر في شيء يسمى الأمس... أو معجزة تدعى:
غدا...!
ثم أنام...!
وصباحا... أقوم
برأس ثقيل... وأعقاب سجائر... تقول حجم الأوهام التي أقمت فيها...:
-
اشحال سوفريت يا
الزوالي...!
مازالت الشمس
تشرق وتغيب...
ومازالت الفصول
المتعاقبة تتداول...
ومازال حزني
يكبر يوما بعد آخر...
أشد ما أكره
العيد... في صباحاته الهمجية يخرج الأطفال... ببذل جديدة وبالونات ملونة،
ويطل يتمي على الفرح:
-
لِـمَ كل هذا
العداء...؟!
أشد ما أكره
الشتاء... في مساءاته الثقيلة... يذهب الناس... لدفء... لسهرة... لعشاء
ساخن... ويذهب بردي لبرده:
-
ما معنى
الجليد...؟!
أشد ما أكره
رمضان... يتكئ الصيام... على شربة... على رائحة... عبقة... وكسرة خميرة...
ويعود الريق إلى مراراته الأولى:
-
اللهم إني صمت
لك... وعلى خوائي... وبؤسي أفطرت...!!
لا رغبة لي
بالنوم هذه الليلة...
بي حاجة ماسة
لأن أركض في شوارع المدينة... لم يعد بوسعي أن أحتمل الأبواب التي تنغلق
ليلا... أصوات الملاعق والصحون التي ترتطم...!
لم يعد بوسعي
أن أسمع أمًّا تنادي واحدا من أبنائها... فيرد مبتهجا:
-
آني جاي...!!
لم يعد بوسعي
أن أصدق سيجارة معطوبة أو كأسا مهشمة...
سأصرخ اللحظة
والوجع يسبق الصدى...
ليس من حقي
الحياة...
صابر كره...
صابر عيا...
صابر ما يشبهش
لإسمه خلاص...!!!
1998
   
الكراسي الفارغة...!!!
أيتها الكراسي
الفارغة... معذرة إن جرحت صمت القاعة فيك... أعرف أنهم يحبونك... بصخبهم،
بفوضاهم، ينتظرون، يهللون، يصفقون، وكثيرا ما يرقصون... ثم ينصرفون...
أجيء أنا...
الليلة من ضجيج الداخل ووجع الذي يحدث... لا أحتاج ضوءا أو ديكورا... لا
أريد لونا أو موسيقى...
أجيء كما
أنا... بكل التعب الممكن... بملابسي القديمة... وهذي الغصة التي تكبر الركح
بقليل... أقول كلاما... أو لغوا... أتفجر في حضرتك دفعة واحدة قبل أن أقول
للموت:
-
بإمكانك أن
تدخل...؟!
أيتها
الكراسي... الفارغة... لا تتعجلي... الأمر لا يتعلق بدور درامي...
"ببروفة"... لا... أقسم لك بيأسي الجبار وكل الذل والضعف الذي أشعر به
اللحظة...!
إنسان أنا...
لا أشبه كل الناس...
حلمت منذ
الطفولة الباكرة بحبة حلوى وبذلة تليق بالجسد الصغير... حلمت بعصفور يغرد
من أجلي...
حلمت ببيت فيه
أم وفيه أب...
لكني كبرت
بعدها بألف دمعة... كل حلم كنتُ أدفنه في صمت...
لهذا كبرت
هكذا... عامرا بالعقد... بالخوف... والبرد...
أيتها الكراسي
الفارغة... ربما كانت هذه فرصتي الأخيرة... كي أقول، من يدري...؟!
مر التاريخ...
على جثتي... ظلت الأماني تودعني واحدة بعد أخرى حتى ألتقيها... غفوت في
عينيها عمرا... ثم تخلت عني حشرة صغيرة عافني رمشها...
لم أستوعب
الحكاية...
كانت الأسئلة...
كانت المرارة...
ثم كان البكاء...
عند البدء...
كتبتها حرقة مكابرة لكنها انتشرت في دمي... تكاثرت... صارت الليل...المدن
التي أزور والتي لم أر...!
صارت المطر...
الطريق... كل الدروب...!
والغاية
التي....... لن ... أدرك...!!
بعدها أخذت
شكلا مميتا مغايرا...
صارت الكأس...
الغياب الذي يحيل لحضور قاتل...
وصارت الذي
صارت...!!
أيتها الكراسي
الفارغة... لم أكن يوما مولعا بالعشق... وقصص الوجد...لكني أقول... الذي
أشعر به...!
آلاف تعاقبوا
على الركح...
قالوا...
الفرح... الحزن... الموت... الحياة...!!
لي الحق في أن
أصرخ الآن بكل الألم فيّ: آ.......ه...!!
أيتها الكراسي
الفارغة... هذه ليلتي من يدري، قد أموت بعدها... لأن الشارع في مدينتي أمسى
لأخبار الدم والخراب:
"مئة
قتيل... في مجزرة وحشية...
عشرات الأطفال
يذبحون...
انفجار أكثر من
عشر قنابل...عدد الضحايا في تزايد مستمر...!!
لا يمكن أن
أطيل السهر خارج البيت... لا يمكن أن أثق في أقرب الأصدقاء... لا يمكن...!
أيتها الكراسي
الفارغة... أصر على أني لا أتحدث عن فيلم خيالي أو نص يكسر روتين النصوص
المتداولة... لكني أنقل لك وشوشة الرصيف... سر انحناء الأشجار... وإضراب
العصافير عن الغناء أو بناء الأعشاش...
أيتها الكراسي
الفارغة... يوم غادرت الجامعة... كنت عامرا بالحلم... والحياة... قلت...
سأصير محاميا أدافع عن المظلومين والمقهورين... سأحارب الظلم... الرشوة...
والقهر... لكني انتهيت إلى الصحافة... فتحت قلبي وصفحاتي لأنات الناس...
كنت محاميا على طريقتي... لكنهم كسروا الناي...
قطعوا جناح
البلبل الذي كنت أخبئ للشتاء الأخير...
وأحرقوا رسائل
الأطفال وصورهم...
عندها... حملت
دمعة أمي وبعض الصور القديمة وغادرت...!!
رفضتني كل
المطارات... كل المحطات...!!
أرصفة بلاد
الآخرين صرخت في وجهي:
-
ليس من عادة
تربتنا أن تحتضن نبتة للجراح والعويل...!!
فعدت...!
عدت سنبلة
مقهورة... لا تجرؤ على أن تحيِّي النسيم...!!
أ رأيت –أيتها
الكراسي الفارغة- كم أنا مهزوم... مكسور... ووحيد...!!
|