|

بطاقة تعريف
الكاتب:
فتحي فطوم

إجازة في الشريعة // عضو اتحاد الكتاب العرب //
جمعية القصة والرواية
*صدرت له :
( 1 ) ـ رحلة الأيام السبعة : قصص قصيرة 1991 ــ
( 2 ) ـ الجســـــر : قصص قصيرة 1994 ــ
( 3 ) ـ البيت الأبيض : قصص 1996ـ
( 4 ) ـ من أوراق موظف (جزء 6 من : أحوال ) : يوميات 1996ــ
( 5 ) ـ عضة موظف : قصص قصيرة 2000 ـ
( 6 ) ـ سبعة ، الرقم المقدس : رحلة بحث 2003 ـ
( 7 ) ـ عنف : مجموعة قصصية ـ
( 8 ) ـ في التراث واللغة : دراسات ومقالات.
* مخطوطات نالت الموافقة على الطباعة :
1 ـ حالة انزلاق : مســــــرحيـة ـ موافقة وزارة الإعلام رقم 995
تاريخ 2 / 1 / 1998
2 ـ بيت التعب ( جزء أول من : أحوال ) ـ موافقة اتحاد الكتاب العرب رقم 234
تاريخ 25 / 3 / 2002
3 ـ بيت الكلام ( جزء ثاني من : أحوال ) ـ موافقة اتحاد الكتاب العرب رقم 234
تاريخ 25 / 3 / 2002
* مخطوطات أخرى ما
زالت مسـودات :
أجزاء ( أحوال ) : الثالث ، والرابع ، والخامس ،
والسابع
 


نماذج من أعماله

أهداف ناعمة *
في تَخَيُّل هذه القصص ( أهداف ناعمة ) اعتمدت على المواد التالية :
1
ـ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي : تاريخ الخلفاء ـ ط2 ـ دار الجيل
ـ بيروت 1994
2
ـ محمد الخضري : محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ( الدولة الأموية ) ـ المكتبة
التجارية الكبرى ـ مصر 1969
3
ـ ابن أبي حديد : شرح نهج البلاغة ج 1 ـ طبعة لم يذكر عليها اسم دار النشر أو
التاريخ
4
ـ صحف ومجلات مختلفة .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* الهدف الناعم : لا يعني شيئاً بعينه ، قد يعني مكاناً غير
محصن ، أو لا تتوافر له الحماية الكافية ، أو ربما يكون شخصاً ضعيفاً لا يقوى
على المقاومة ... فهو في الحالات كلها هدف يسهل الوصول إليه
عالم أبيض
كان جده الأعلى غليظ القلب ، علجاً ، مغامراً يجوب الآفاق . هذا ما
روته الكتب التي تناولت سيرته ، لكن أحفاده كان لهم رأي مخالف ؛ فهم ينظرون
إليه نظرة إعجاب ، يبجلون أفعاله ، ويتباهون بروح المغامرة لديه .
ذات يوم مخر عباب الماء على رأس عصبة من الجوالين ، لم تثنَ له
عزيمة ، أو تلن له قناة .... كان الوصول إلى الطرف الآخر هدفه ، وجني الغنائم
غايته( نبيلة أو غير نبيلة ، الأمر لا يعنيه البتة ) .
بعد عَنَتٍ وتعب وطأت قدماه أرضاً مجهولة ، غير التي كانت في مخيلته
ساعة الرحيل ، فقـد وجد عالماً جديداً ، كل شيء فيه موشوماً باللون الأحمر :
التراب ، والأجساد العارية ، حتى الأحلام والحكايات كانت مصبوغة باللون نفسه .
كانت فرصة نادرة أتيحت له ليشبع هوايته ؛ فأعمل سيفه في رقاب من
رحَبَّ بمقدمه ، وأَمَّنَه على حياته .... امتزجت حمرة التراب بحمرة الدم على
يديه .
بعد مدة من الزمن أراد أن يمحو من ذاكرته لون الدماء التي سالت ،
وأن يظهر بمظهر الرجل المسالم ؛ فأصدر أمراً ـ وجد قبولاً لدى أتباعه ـ بإزالة
كل ما يمت بصلة إلى ذلك اللون ، ومنع ذكره في المجالس والأروقة .. وهكذا كان ،
بعدئذٍ ارتفع شأن اللون الأبيض. لم يختلف الحفيد عن جده كثيراً ، إذا كان
الأول استخدم السيف في عصره ، فالحفيد كانت لديه القدرة على تصنيع أسلحة أشد
فتكاً ، لكن الغريب في الأمر هو نجاحه في تكوين رأي عام لصالحه ، وإيمان لدى
الناس بضرورة استخدام تلك الأسلحة ؛ من أجل إحلال الهدوء والمسرة في الأصقاع
قاطبة !
تكريماً لجده الأعلى عشق اللون الأبيض ؛ فرفع منزلته ، وأمر أن يسود
كل ما يحيط به من أثاث ، أو يمكن للعين أن تقع عليه من مسكن ، وملبس ، وطرقات
... ولو كان بمقدوره تبييض إهاب الأرض وصفحة السماء لفعل ذلك بسرور بالغ ، خاصة
عندما قال له مستشاره إن اللون الأبيض هو اللون الوحيد الذي يتمتع بميزة
الاحتواء ، فهو يضم سبعة ألوان ، وفيه إشارات إلى سبع حضارات سابقة ، وفي ذلك
دلالة كافية للناس كافة .
عندما تناهى إلى سمعه أنْ ثَمَّ أناس ـ في مكان قصي من الأرض ـ
يتغنون بمختلف الألوان ضاق صدره ، واغتم كثيراً ! تساءل : (( كيف يُسمح لهم
القول بأن صنائعهم بيض ، وقائعهم سود ، مرابعهم خضر ، مواضيهم حمر ؟ )) ، ثم
أعلن على الملأ : (( هذا اعتداء سافر على مجتمعنا ، وخطر داهم على حلمنا الناعم
. الآن حانت ساعة الفصل ؛ من ليس معنا فهو ضدنا ، لا خيار أمامنا سوى التحدي ،
لكن علينا أن نفهمه ، نحيط به ، ندرسه ، ثم نطبقه بنعومة ... )) .
البياض يُدخل إلى نفسه السكينة والهدوء ، ويُذَكِّره بالنصر المؤزر
الذي حققه جده الأعلى في ماضي الأيام ، و( العدالة البيضاء ) التي طبقها على
أعدائه أتت أكلها ؛ اجتث رؤوسهم ، وترك أجسادهم في العراء ، تنهشها طيور السماء
، فلم يبقَ منها إلا العظام بلونها الأبيض .
كان ما كان ، شرع بتطبيق شعار العدالة البيضاء ، و .....
الحسكة : أيار 2003
   
ثغر ناعم
من يستطيع ـ مهما كان شأنه ومنزلته في عرض الدولة وطولها ـ أن يرفض
له طلباً ، أو يتلكأ عن المثول بين يديه ؟ لا أحد .
هذا الشأن ليس غائباً عن بال ( نائلة ) ، فهي تدرك أن ذلك ( الحلم
) الذي اتصف به ، والدراهم التي كان ينثرها على الموالين ، ويبعث بها إلى غير
الموالين لكسب ودهم ، قادته إلى العرش الذي يتربع فوقه ، وهو في سبيل الحفاظ
عليه يسلك طرقاً مختلفة ، وقد وصفه أحدهم بعد أن صحبه زمناً : (( فما رأيت
رجلاً أثقل منه حلماً ، ولا أبطأ جهلاً ، ولا أبعد منه أناة )) .
كانت زوج رجل رفيع المنزلة ، قضى نحبه عندما دخل عليه رجلان ؛ فوجآه
حتى قتلاه ، وخرجا هاربين من حيث دخلا ... لم يكن أمامها غير الصراخ ... صرخت ،
فلم يُسْمَع صراخها لما كان في الدار من الجلبة .
هاهي السنوات تمر ، وهي أرملة ليس لها من الدنيا غير الذكريات ،
واليوم ماذا يجري ؟
جاءها رسول منه ، وأخبرها بكلمات مقتضبة أن سيده قد خطبها لنفسه ؛
فطلبت إلى الرسول إعلام سيده أنها تود رؤيته لأمر هام .
مثلت بين يده ، رأته رجلاً طويلاً ، أبيض ، جميلاً ، مهيباً . سألته
بهدوء :
ـ أنت أرسلت من يخبرني أنك خطبتني لنفسك ؟
ـ نعم .
ـ من يخطب يكن له هدف وغاية ... ما الذي يعجبك مني ؟
ـ ثغرك الناعم .
ـ أمهلني ليوم غد ، فآتيك بالجواب .
ـ لكِ ذلك .
خرجت ... عيناها حمراوان ، ويدها اليمنى تقبض على فيها بعنف !
في اليوم التالي طلبت إلى خادمها أن تقف بالباب ريثما تأتيها
بالجواب ، لتذهب به إليه حالاً . لم يطل غيابها ، عادت ويدها على فمها الذي
يسيل منه الدم ، ناولت الخادم صندوقاً صغيراً ، وأشارت لها باليد الأخرى أن
تنصرف بسرعة .
استأذنت الخادم بالدخول ؛ فأذنوا لها .... تقدمت منه وجلة ، ناولته
الصندوق قائلة :
ـ هذا جواب سيدتي .
فتحه بهدوء ، نشر الصرة ؛ وقع نظره على بقايا أسنان ملوثة بالدم .
لم يتفوه بكلمة ، ظل وجهه هادئاً ، أبيض .... أشار بطرف سباته نحو
الخادم أن تنصرف .
الحسكة : أيار 2003
   
حمامة المسجد
( 1 )
لم يَغِب عن باله أن جده الحكم ( الأبتر ) ، وأباه مروان ( خيط
باطل ) ( 1 ) كانا طريدين ، ملعونين بقولٍ من صادق أمين .
بلغت عداوة ( الأبتر ) لـ ( صاحب الحضرة الشريفة ) مبلغاً كبيراً ،
لم يكن ذلك سراً ؛ لقد أظهرها علانية في كل نادٍ ودار . كان لا يدع مناسبة تمر
دون أن يرفع راية سخريته منه ، وبغضه له ، فيشرع (( يحكيه في مشيه ، ويغمز
عليه عينه ، ويدلع له لسانه ، ويتهكم به ، ويتهافت عليه . هذا وهو في قبضته (
الحضرة الشريفة )، وتحت يده ، وفي دار دعوته بالمدينة ، وهو (اللعين الأبتر )
يعلم أنه قادر على قتله أي وقت شاء ، من ليل أو نهار ، فهل يكون هذا إلا من
شافٍ ، شديد البغضة ، ومستحكم العداوة حتى أفضى أمره إلى الطرد ؟ )) .
وروي أنه (( كان يتحيل ، ويستخفي ، ويسمع ما يسره ( صاحب
الحضرة الشريفة ) إلى أكابر أصحابه )) في سائر أعدائه ، ويفشي ذلك عنه .
وروي أنه (( كان يتجسس عليه وهو عند نسائه ، ويسترق السمع ، ويصغي
إلى ما يجري هناك مما لا يجوز الاطلاع عليه ، ثم يحدث به الأعداء على طريق
الاستهزاء )) .
وهو في أرذل العمر نفاه ( صاحب الحضرة الشريفة ) إلى مكان قصي مع
ابنه الذي كان طفلاً لا يعقِل ؛ لذلك لم يُقيض الله للولد الفرصة البهية
مطلقاً ؛ لمشاهدة ( صاحب الحضرة الشريفة )، وهو مؤمن بها وبرسالة الخير التي
يحملها ؛ وهذا ما أفقده صفاء الصحبة إلى الأبد ... فكانا ( الجد والأب ) طريدين
، ملعونين ... وروي أن ( صاحب الحضرة الشريفة) عندما لعن ( الأبتر ) كان (خيط
باطل ) لا يزال في صلبه .
الظروف تغيرت ، الأحوال تبدلت : بعد التحاق (صاحب الحضرة الشريفة )
بالرفيق الأعلى بمدة وجيزة ، جاء مَنْ رحب بعودة والده ( خيط باطل ) ، بل
قَرَّبه من مجلسه ، ورفع من شأنه ؛ فغدا صاحب كلمة مسموعة ، وفعل مؤثر .
نعم ، ذلك هو أبوه الذي أمتلك تجربة وخبرة ، ودراية بأسرار الخداع ؛
فأحسن استغلالها بعد موت الخليفة الثالث الذي رفض طلب ( أم خالد ) أن يجعل
الخلافة من بعده لأخيه خالد قائلاً : (( لا يكون لي مُرها ، ولكم حُلوها )) ؛
ومات ، ولم يعش في الخلافة سوى أربعين يوماً .
-------------------
حاشية :
خليفة لا يحب أن يلقى بتبعات قومه :
كان سميَّ جده الذي خاض غمار حرب ضروس في سبيل الوصول إلى كرسي
الخلافة ، ثم جعلها ملكاً عضوضاً أما هو فكان على النقيض تماماً ، فعندما آلت
الخلافة إليه بعد موت والده استشار ( عمرو المقصوص ) ، وكان يكن له الاحترام
والتقدير ؛ فقال عمرو :
ـ إما أن تعدل ، وإما أن تعتزل .
ـ أنت ترى ما أرى ... العدل ... العدل أن تُعيد الحق إلى أهله .
ـ نعم .
ـ لا أحد من قومي يساعدني ، بل سيقفون في وجهي إذا فكرت بهذا
الأمر .
ـ اعتزل .
ـ إننا قد بُلينا بكم ، وابتليتم بنا ، وإن جدي نازع الأمر من
كان أولى منه ، ثم تقلده أبي ، فكان غير خليق به .. ولا أحب أن ألقى الله
بتبعاتكم ، فشأنكم وأمركم ، ولوه من شئتم.
ومات الخليفة المعتزل ...
جده الذي أمر بدس السم في طعام حفيد صاحب الحضرة الشريفة قال
فرحاً : (( إنَّ لله جنوداً من عسل )) ، فهل حلَّ حفيده ضيفاً على أولئك الجنود
، وأكل من عسلهم ؟ تتعدد الروايات .
( 2 )
مات الخليفة مسموماً أو غير مسموم ، المهم في الأمر أنه غادر الحياة
الدنيا ؛ فكانت الفرصة مواتية لـ ( خيط باطل ) ، فوثب على الخلافة ، وأنشد :
إني أرى فتنةً تغلي مراجلُها
والملكُ بعد أبي ليلى لمن غلبا
بعد الوثبة تلك جاءت الخطوة الثانية وهي الحيلة ، فاتبع طريقها في
إقناع الجمهور ، وإيهامه أن الأكثرية معه ؛ وتغلب على أعدائه في معركة ( مرج
راهط ) بعد عشرين ليلة ، وقتل منهم (( مقتلة عظيمة ، لم يقتل مثلها في وطن قط
)) .
(( فلما استوثق له الأمر أحب أن يبايع لعبد الملك وعبد العزيز ،
ابنيه ، فاستشار في ذلك ؛ فأشير عليه أن يتزوج أم خالد بن يزيد ( خليفة سابق ،
أرعن ) ؛ ليُصَغِّر شأنه ، فلا يُرشح للخلافة ، فتزوجها )) .
فلما بُويع له بالخلافة قال أخوه عبد الرحمن ـ وكان لا يرى رأيه ـ
شعراً :
فوالله ما أدري وإني لســائل
حليلةَ مضروبِ القفا كيف يصنع
لحا الله قوماً أمروا خيط باطل
على الناس يعطي ما يشاء ويمنع ( 2 )
بعد أقل من تسعة أشهر قمرية جاءه هادم اللذات ، ومُفَرِّق الجماعات
بتدبير من ( أم خالد ) زوجه ؛ فمات خنقاً تحت وطأة الوسائد والبراذع ... نعم
الوسائد والبراذع . هي أداة قتل بسيطة ، والسبب عبارة بسيطة تفوه بها في ساعة
انشراح ، والمجلس غاص بأهله . كلماتها قليلة ، هي بالتمام والكمال ثلاث :
ـ اسكت يا ابن الرطبة !
ولم يكن المخاطب سوى الغلام خالد ( ابن أم خالد ) ؛ فقال له :
ـ أنت لعمري مؤتمن وخبير !
وقام باكياً من مجلسه ، فدخل على أمه ، وأخبرها ، فقالت له:
ـ لا يعرفنَّ ذلك فيك ، واسكت ، وأنا أكفيك أمره .
فلما دخل عليها مروان قال لها :
ـ ما قال لك خالد ؟
ـ وما عساه يقول !
ـ ألم يشكني إليك ؟
ـ إن خالداً أشد إعظاماً لك من أن يشتكيك .
صدقها . أما هي فمكثت أياماً تترقب ... وجاء اليوم الموعود ، فنام
عندها ، (( وكانت قد واعدت جواريها ، فقمن إليه ، فجعلن الوسائد والبراذع عليه
، وجلسن عليه حتى خنقنه )) .
( 3 )
كان قد مضى من عمره أربعون سنة عندما مات والده (خيط باطل ) خنقاً ،
لكن كيف كانت بداية حياته ، وهو ابن الطريدين ؟
(( لما شب كان عاقلاً ، حازماً ، أديباً ، لبيباً ، وكان معدوداً
من فقهاء المدينة )) . ومما يروى أنه (( ولد لستة أشهر ، أبخر الفم .... كان
عابداً ، زاهداً ، ناسكاً بالمدينة قبل الخلافة )) .
لقبه الناس بـ ( حمامة المسجد ) ؛ فكان ـ قبل أن تؤول إليه أمور
السلطة والرعية ـ أهلاً لهذا اللقب .
عندما نزل جيش يزيد الذي جهزه إلى أهل الحجاز كان هو في مسجد
المدينة كعادته ، فجاءه ( الغساني ) ، وقعد إلى جنبه .
سأل الغساني : أمَنْ هذا الجيش أنت ؟
أجاب الغساني : نعم .
قال غاضباً : ثكلتك أمك ! أتدري إلى من تسير ؟ إلى أول مولود ولد في
الإسلام ، وإلى ابن حَوَاري النبي عليه الصلاة والسلام ، وإلى ابن ذات
النِّطاقين ، وإلى مَنْ حَنَّكه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، أما
والله إن جئته نهاراً وجدته صائماً ، ولئن جئته ليلاً لَتَجِدَنَّه قائماً ،
فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكَبَّهم الله جميعاً في النار .
كان ذلك قبل موت والده ...
( 4 )
مات والده ( خيط باطل ) حنقاً ؛ فأفضى الأمر إليه .
هكذا أتته الخلافة من حيث لا يحتسب ، أو يفكر بهذه المسألة ؛ فقد
كان منصرفاً إلى العبادة ، والزهد ، وملازمة المسجد حتى لُقِّبَ بـ ( حمامة
المسجد ) ، وَعُدَّ أحد الفقهاء الأربعة ....
إذا كان والده قد خاض صراعاً في العلن والخفاء من أجل الوصول إلى
كرسي الخلافة ، والمحافظة عليه ، فلم يدر بخلده أن يريق نقطة دم واحدة من أجل
متاع الدنيا الفانية ، فالآخرة
خير له وأبقى .
الآن ماذا يفعل ؟ هذه هي الدنيا تتمثل أمام ناظريه بكرسي الخلافة ،
بكل ما يملك من هيبة ، وسلطة ، ونفوذ ، وما يترتب على بقائها قوية من استعمال
بطش ، وحيلة ، وتصرف ببيت مال المسلمين لكسب ود كبار القوم ، فإن لم ينفع المال
فالسيف أشد مضاء ، و ...... وتلك هي الدار الآخرة التي وعد الله بها المتقين ،
الصالحين من عباده ، وقد هيأ لها نفسه ، وأعدَّ لها ما استطاع لها من إيمان
وتقوى .
منذ أن تفتح وعيه على هذه الدنيا ، وهو مواظب على التقرب إلى الله
عبادة وعملاً ، وها قد مضى من عمره أربعون سنة .
الآن ماذا يفعل ؟
كان المصحف في حجره ، وهو يقلب الأمر في رأسه . لاشك أن الاختيار
بين الأمرين صعب ، ويحتاج إلى عزيمة وتصميم ، ثَمَّ فرق شاسع بين أن تكون من
أهل اللعب بأمور الحكم ، أو أن تكون من أهل الزهد والعبادة ! الآخرة تحف
بالمشقة والعنت ، والدنيا تحف بالشهوات والمغريات . صوت في داخله يعلو : ها هي
الدنيا ملك يديك ، فإن رفضت كرسي الخلافة ، فغيرك يسعى إليها بالمال والدم
و.....
أخيراً استقر رأيه ، وهدأت نفسه ، خلع عباءة العبادة والزهد ، أطلق
تلك الحمامة البيضاء الوديعة من صدره ، وشَمَّرَ عن ساعد الجِدِّ لمجابهة
الدنيا . هذا نصيبه منها ، ولن يتخلى عنه أو ينساه ، فما كان منه إلا أن أطبق
المصحف ، وقال : (( هذا آخر العهد بك )) .
وكان ذلك اليوم آخر العهد بينهما .
( 5 )
منذ الأيام الأولى لتربعه على الكرسي سلَّ سيف الغدر من غمده ،
وأوغله في دم كل من وقف ضده علانية ، أو أثار الشك حول بيعته ، أو دعا إلى
التمرد عليه ، ورفض الانضواء تحت سلطته .
في غمرة الصراع طال سيفه عنق ابني ذات النطاقين : مصعب ثم عبدالله ،
وعمرو بن سعيد ..... وكرت السبحة ..... لم يعفُ عن صاحب فضل سابق ، أو يرحم
قريباً ... أمران لا فكاك منهما : إما البيعة أو السيف !
بعد مقتل مصعب ، ابن ذات النطاقين ، خطب بالمدينة عام الحج ، فقال
بعد حمد الله والثناء عليه : (( أما بعد ، فلست بالخليفة المستضعف ، ولا
الخليفة المداهن ، ولا الخليفة المأفون . ألا وإن من كان قبلي من الخلفاء كانوا
يأكلون ويطعمون من هذه الأموال ، ألا وإني لا أداوي أدواء هذه الأمة إلا بالسيف
حتى تستقيم لي قَناتُكم ، تكلفوننا أعمال المهاجرين ، ولا تعملون مثل أعمالهم ؟
فلن تزدادوا إلا عقوبة حتى يحكم السيف بيننا وبينكم ، هذا عمرو بن سعيد قرابتُه
قرابتُه ، وموضعه موضعه ، قال برأسه هكذا ، فقلنا بأسيافنا هكذا ، ألا وإنَّا
نحمل لكم كل شيء إلا وثوباً على أمير ، أو نصب راية ، ألا وإن الجامعة ( القيد
والغل ) التي جعلتها في عنق عمرو بن سعيد عندي ، والله ! لا يفعل أحد فعله إلا
جعلتها في عنقه ، والله ! لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت
عُنُقَه )) .
وكان كما وصف نفسه ، تحقق له ما أراد ، جمع بين القول والفعل ؛ تغلب
على الخوارج في أرض الرافدين ، دك الكعبة بالمنجنيق على رأس عبدالله ابن ذات
النطاقين . لم يذكر أنه قال يوماً يصفه بأول مولود في الإسلام ، وبالصوم
والصلاة ، و (( لو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبَّهم الله جميعاً في
النار )) . دانت له أرض المشرق ، اتجه إلى إفريقيا ( المغرب) ، وأشعلها حرباً
لا هوادة فيها ، قضى على كاهنة الجبل البربرية .....
عرف كيف يجمع بين العطاء بسخاء وسل السيف من غمده ، حين يخفق الأول
في تحقيق ما يصبو إليه ، كان يلجأ إلى الثاني بتدبير محكم ؛ لأنه ـ في نظره ـ
هو الحل الأمثل لتثبيت أركان الدولة ... رفع صرة الدنانير بيده اليسرى ، والسيف
بيده اليمنى . عاب على ابن الزبير الذي حنكه الرسول شحه وبخله ، وقف على النقيض
منه ؛ فامتد بجناحيه صوب المشرق والمغرب ؛ واطمأن إلى استقرار الحكم له
ولأولاده من بعده ، و ...................
حاشية :
أمير المؤمنين يشرب الطلاء والدم .
كان كثيراً ما يجلس إلى أم الدرداء ، فقالت له مرة : بلغني يا
أمير المؤمنين ! أنك شربت
الطِّلاء (3) بعد النسك والعبادة .
قال : إي والله ! والدماء قد شربتها .
وقال : ولدت في رمضان ، وفطمت في رمضان ، وختمت القرآن في رمضان
، وبلغت الحلم في رمضان ، ووليت في رمضان ،
وأتتني الخلافة في رمضان ، وأخشى أن أموت في رمضان ، فلما
دخل شوَّال وأمنَ مات .
وثمة أشياء .... لم يقلها ....
الحسكة : أيار 2003
ــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ـ هكذا كان يدعى ؛ لأنه كان طويلاً مضطرباً
( 2 ) ـ لحا : في المثل : من لاحاك فقد عاداك ، و( تلاحوا )
تنازعوا ، وقولهم : ( لحاه ) الله ، أي قبحه ولعنه.( مختار الصحاح ـ مادة لحى )
( 3 ) ـ الطِّلاء : ما طبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه .
   
المغني عارياً
كانت القاعة تغص بالمدعوين ، وصوت المغني ينساب هادئاً ، ناعماً
كنسمة طرية ، وبين أطيافه تنهض بحة حزينة ، تشف عنها نغمات مقام شهير في عالم
الألحان ! هذا ليس بالغريب على أناس وشمت ذاكرتهم ضروب من الألم والمعاناة ،
وسالت على أرضهم دماء غزيرة عبر مسارات التاريخ !
وعلى الرغم من تلك الكلمات المرسومة بألوان حزن قديم ، والإيقاع
المتناغم مع أصداء ماء أرض السواد وأشجاره ، فإن تشكيل حلقة (الدبكة ) أمر
تستدعيه الذاكرة ؛ فيجتمع النقيضان : الحزن في الأغاني ، والفرح في الدبكة .
كل من دخل القاعة كان على علم تام أن أصغر جزء من أرض السواد تحت
مراقبة شديدة ، صارمة ، وكان من الطبيعي أن يُكلم أحدهم نفسه ، أو يهمس ـ في
ساعة ضيق ـ بأذن زوجه قائلاً : (( كأننا في غرفة العناية المركزة )) .
ويعرفون أن الليل إذا عَسْعَس سيخرج ( الابن المدلل ) محوطاً
بالعَسَس من قصره إلى أحد ملاهي البلد ؛ فيتصدر المكان ، بينما عصابته تترصد
الهمسات والإشارات ، وتمارس غوايتها كما تريد وتشتهي ، لا أحد يتجرأ على
الاحتجاج . إن من يفعل ذلك يرتكب إحدى الموبقات ، ومآله ( أبو غريب ) ، وبئس
المصير .
مَنْ يذكر اسمه دون تبجيل ، من يتحدث عن هيئته بغير إجلال وتقدير ،
من يومئ إلى طول ( سيجاره ) دون إعجاب بذوقه الرفيع ... من ... من ... الويل
له !
أبوه القائد الفذ ، الضرورة ، الملهم ، المنصور بالله ..... ، أما
هو فلا يحتاج إلى تلك السلسلة من الألقاب ، اكتفى باسمه ، اسمه كافٍ لزرع الرعب
في النفوس !
كل هذا هم على دراية به ، لكن أياً منهم لم يدر بخَلَده أن يحط
عليهم بغتة كـ ( القضاء المستعجل ) ؛ فالمكان لا يليق بصاحب المقام الرفيع ،
والكلمة النافذة ، والضحكة المجلجلة كالرعد ، والنظرات الوحشية من عينين
جاحظتين ......
خابت توقعات الحاضرين ... فإذ به يدخل البوابة المزدانة بألوان
المصابيح وسط جَلَبة المرافقين ! فيتحول المغني وأعضاء الفرقة الموسيقية إلى
تماثيل من الشمع ، يسود الصمت في القاعة ، تجحظ العيون ، تتحنط أجساد المدعوين
على الكراسي ......
يفر من كان يقعد إلى طاولة قريبة بإشارة من أحد المرافقين ، يرخي
جسده على الكرسي ، يبعد ( سيجاره ) الطويل عن فمه ، يتصاعد الدخان متموجاً ،
تنفرج شفتاه الغليظتان عن ابتسامة عريضة ، يومئ مزهواً إلى المغني أَنْ : تابع
.
يصدح صوت الموسيقى ، يزدرد المغني ريقه ، يحاول رسم ابتسامة تجاري
ابتسامة ( ابن القائد ) ، لكن وجهه يأخذ بالانكماش ، والضمور .... يرفع عقيرته
، يبذل أقصى جهده كي يدخل البهجة والسرور إلى قلب ذلك الماثل أمامه تحت سحائب
دخان ( سيجاره ) ، فلا يسعفه الحظ ، يخرج صوته متحشرجاً ....
ينظر ( ابن القائد ) إلى مرافقه الذي يقف خلفه نظرة عائمة ؛ جعلته
ينحي ذليلاً ، ويصغي إلى كلمات سيده المتقطعة الأوصال ، وهو يهز رأسه مع كل حرف
يتفوه به ... عندما أشار إليه أن ينفذ ما أمره ؛ فإذ به يقف منتصب القامة ، ثم
يندفع نحو المغني وكف يده اليمنى تمسح فمه بعصبية ؛ فصمت المغني فوراً ، وقد
حسب أن الأمر انتهى عند هذا الحد ، لكن المرافق همس بأذنه يأمره أن يخفف من
ثيابه ، ويغني ، لأن الثياب تثقل كاهله ، تعيق في صوته ؛ فتمنعه عن الانطلاق
على سجيته . امتثل المغني للأمر ، فخلع سترته ، لكن إشارة من ( ابن القائد )
جعلته يرمي قميصه الخارجي ، ثم توالت الإشارات حتى لم يبق عليه سوى سرواله
الداخلي الصغير . لم تطُل وقفته على تلك الحالة ، فقد جاءته الإشارة الأخيرة
.... أصبح المغني عارياً تماماً ؛ فابتسم ( ابن القائد ) على هذا الإنجاز
الرفيع ، وابتسم المرافقون ، ثم المدعوين كافة .
ظل المغني يغني عارياً حتى ساعة متأخرة من الليل ، و..... تلك كانت
آخر مرة يغني فيها ، فقد فرَّ من أرض السواد مرتدياً ثياباً أخرى جديدة .
الحسكة : تشرين الأول 2003
-------------------------------
أضيفت في
23/03/2005/ * خاص القصة السورية
   
حنان أبي
كان يتكلم بحماسة ، يُزَوِّر ( 1 ) حديثه بحركات تترى ، رشيقة ، مُعَبِّرة .
أكثر من مرَّة جذبته زوجه من كُم قميصه ، أومأت برأسها ، طَرَفَت نحو ساعة
الحائط أَنْ : انهض إلى البيت ، فالوقت قد تجاوز منتصف الليل ، والصغار وحدهم .
يلتفت صوبها قائلاً : (( طولي بالك يا عيني ! أبو كريم جارنا ، نحن أهل ، وأخوه
ضيفنا قبل أن يكون ضيفه ... ثم إن الرجل مبسوط ، انظري إليه )) .
كنت ـ كما قال ـ سعيداً بحديثه . هذه أول مرة ألتقي به ،لم يسبق لي أن رأيته ،
أو سمعت باسمه من قبل ، غِبُّ دخوله بيت أخي تعارفنا ؛ تهلل وجهه ، وقال ضاحكاً
: (( ما جئت وأم رضا ـ في هذه الساعة ـ إلا للترحيب بضيفنا )) ؛ فشكرته 0 هكذا
كانت البداية ، لكنه ما كاد يسرد طرفاً من ذكرياته في قريته حتى خُيِّل إليَّ
أنني أعرفه منذ زمن بعيد . كان جُلُّ كلامه يدور حول محور واحد ، هو طريقة
والده في الحياة .
أخيراً أذعن لإلحاحها ؛ نهض ضاحكاً ، لوح بيده قائل : (( تصبحون على خير )) .
عند باب الغرفة فتل ـ فجأة ـ على عقبيه ، رمقني هنيهة قبل أن يصرخ :
ـ تذكرت ... إليك واحدة أخرى .
ـ هات ، حكاياتك شائقة ، لا يُمَلُّ الإنسان منها .
ظل في وقفته عند الباب ، رفض أن يعود إلى مقعده . التزمت زوجه الصمت مضطرة .
قال :
ـ فعلاً كان أبي في منتهى الحنان ، يحمل في صدره قلباً رقيقاً . صحيح أن من
يراه يضربنا جميعاً ، من الكبير إلى الصغير ، يحسبه قاسي القلب ، عنيفاً . نحن
الصغار كنا نظنه كذلك . الشخص الوحيد الذي كان يواسينا ، ويخفف عنا العذاب ، هو
أخي الأكبر ( الله يرحمه) . قبل ثلاثة أعوام استشهد ، وهو في عِزِّ رجولته .
كان يعرف طبع والدي ، وشغل الأرض وهمَّ الأرض ، يراه يكد من طلوع الفجر إلى
مغيب الشمس ، يبق الدم حتى يؤمن كسرة الخبز لنا . لم نكن نُصَّدِقُهُ عندما
يكلمنا عن نوع العلاقة التي تنشأ بين الفلاح والأرض ، وعن تأثير تلك العلاقة
على البيت ، وامتدادها إلى الناس والحياة 0 للأسف ! أدركت هذه الحقيقة بعد
سنوات من العيش المرير .
صمت بعض الوقت وهو يحدق في الأرض ، كأنه يستعيد بذاكرته مشاهد من تلك الأيام .
كنت مستعداً لسماع حديثه حتى مطلع الفجر ؛ ويبدو أنه لاحظ ما أنا عليه ، فلم
ينتظر مني كلمة أو إشارة . اقترب على مهلٍ ، وقال : (( انظر إلى رأسي ... أمعن
النظر ... ماذا ترى ؟ )) .
بينما كانت أصابع يديه تعبث برأسه ؛ رحت أحدق في شعره المتناثر. رأيت ثَمَّ
خطوطاً متداخلة ، تلمع خالية من الشعر . قلت :
ـ آثار جروح ، أو ... ضرب ...
انتصب واقفاً كالعصا ، صاح :
ـ هي تلك .... آثار ضرب ، وهي مصدر فخر لي ، لا تتعجب ! والله لولا هذه الأوسمة
في رأسي لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن .
لم أفهم نوع العلاقة ، أو الرابطة بين والده وتلك الأوسمة ( على حَدِّ تعبيره )
. غريب أمر هذا الرجل ! آثار الجروح هذه مصدر فخره ! كأنه توقع ما يدور بخلدي ،
فقال :
ـ لا تتعجب يا صاحبي ! قلت لك إن والدي كان يضربنا ضرباً .. يعني ( قفا دست ) ،
عند قيام أحدنا بعمل لا يرضيه ؛ ينتفض كأن ملاك الضرب ينـزل عليه في تلك اللحظة
، فكل من يقع في طريقه ينال نصيبه ، لا يستثني أحداً ... العقوبة عنده جماعية .
ـ اسمح لي ... لم أفهم حتى الآن ! مرة تقول إنه كان يضربكم عند أوهى سبب ، ومرة
تقول إنه حنون .... كيف يجتمع الحنان مع الضرب ؟
ـ صبرك عليَّ .... هو لا يمارس تلك الهواية إلا عندما يبدر منا تصرفاً لا يطابق
تفكيره ، أما إذا جاء أي شيء يوافق ( طَرْطابه ) ( 2 ) انقلبت صورته تماماً ،
يا رجل ! قل إنه الحنان ذاته ، يُعطي من قلب ورب0 كم تمنيت أن يظل على تلك
الحالة ! أما إذا وقع ما يُعَكِّر صفوه ، فإنه يعود إلى سيرته الأولى ، وهات يا
ضرب ! من كل صنف ولون .
أذكر أني كنت في العاشرة ، أو الحادية عشرة من العمر ، عندما خرجت للصيد ذات
يوم ؛ حملت الفخاخ وتوابعها ، وخرجت قُبيل شروق الشمس ، اخترت عدة أماكن في
محيط بستان أحد الجيران ، نصبت فيها الفخاخ ، رحت أتجول باحثاً عن بعض الطيور
.... يعني : بَيُّوضَة ، قرقفان ... أنت تعرف أن هذه الطيور تحتاج إلى حيلة
لتدريجها صوب الفخ ... طال انتظاري ؛ يا رجل ! كدت ( أطق ) من حنقي ! أخيراً
صممت على مطاردة أي طائر أصادفه في طريقي ، حتى لو كان (أبو الحن ) لن يسلم مني
، لكنه كان يوم نحس ... حملت عدة الصيد ، وقصدت شجرة توت ضخمة ، قعدت في ظلها
منهكاً ، لم أمكث سوى دقائق معدودات ؛ فإذا بي أسمع زقزقة عصفور ؛ رفعت رأسي
على مهلٍ ، نقبت عنه بنظرات ثاقبة . كان يتأرجح على غصن في أعلى الشجرة ؛ فأسرع
أخوك بِمدِّ يده إلى جيبه ، وسحب ( المطيطة ) ، نهضت حابس الأنفاس ، اخترت
المكان المناسب ، أطلقت ـ بكل عزم وقوة ـ تلك الحصاة الصغيرة ؛ فأصابت هدفها
بدقة ، انتظرت أن يسقط العصفور ، لكن شيئاً من هذا لم يحدث ....
قاطعته زوجه ، وهي ترسم على شفتيها ابتسامة غامضة : ـ يعني قل المفيد ، وخلصنا
، والله ! تعبت من الوقفة . ( وهي تنظر إلينا ) يا جماعة ! كل الحكاية أنه تسلق
الشجرة ، زلت قدمه ؛ سقط مغطى بالدم ، وجاء عمي ـ الذي لم يكن قد أصبح عمي ـ
فكَمَّل عليه بالشتم والضرب .
ردَّ عليها بنـزق : يا عيني ! هنا التفاصيل مهمة .
قالت مستسلمة : ما دمت مصراً على الدخول بالتفاصيل سأقعد ، وأمري لله .
عادت إلى حيث كانت ، هبط جسدها بسرعة ، بينما تابع حديثه من حيث توقف : تسلقت
الشجرة ، من غصن إلى غصن ، وصلت القمة ، هناك رأيته محمولاً فوق مجموعة من
الأغصان المتشابكة ؛ زحفت نحوه بحذر ، لكن الحذر لم ينفع هنا ، فجأة فتل جسمي ،
وسقطت ... الغصن الضعيف كان ينكسر تحتي ، والقوي يقذفني بعيداً عنه ، عدت إلى
حيث كنت في ظل الشجرة على آخر نفس ، شبه محطم ، لم يبق في جسدي موضع شبر إلا
وفيه طعنة قضيب ، أو ضربة غصن . لا أعرف من حملني إلى البيت .... هناك جاءني
البلاء الأحمر . السقوط من أعلى الشجرة كان أهون .... دخل عليَّ أبي كالقضاء
المستعجل ، عينك لا تشوف ! فكانت مصيبة فوق مصيبة ! هذه بعض آثارها 0 أتعجب ـ
الآن ـ كيف تحمل جسدي كل ذلك الضرب ! يا أخي ! فعلاً الجسد جبار إذا بقيت فيه
روح الحياة ، يقاوم بطريقة عجيبة ، تفوق التصور !
بعد يومين أو ثلاثة رأيت أخي ( الله يرحمه ) على غير عادته ، قعد قريباً مني
صامتاً ، كأنه كان يفكر بعمل شيء ما . بعد قليل دخل أخوتي ، واحداً بعد الآخر .
يبدو أن مجيئهم كان بطلب منه ، هذا ما تبين لي . قال بهدوء : (( اسمعوا ، أنا
أكبركم سناً ، لي من العمر ست عشرة سنة ، جسمي أقوى من أجسامكم ، انظروا إلى
هذه العضلات )) . حتى تلك اللحظة لم يفهم أي منا ماذا يقصد من مقدمته الطويلة ،
لكننا لم نسأله . فعلاً هو أكبرنا ،قوي البنية . تابع بالهدوء نفسه : (( عندي
حل لمشكلتنا ، كل ما تعرفونه عن أبيكم هو يده والضرب ، لا تنـزعجوا منه ... أنا
أعرفه أكثر منكم ، سأتحمل كل ما يقع عليكم )) . في هذه اللحظة ـ على ما أذكر ـ
دخل أبي الغرفة ، ويبدو أنه سمع طرفاً من الكلام ؛ فخاطب أخي باستهزاء : ((
حضرتك عامل حالك رجَّال ؟ شو تتحمل ، ما تتحمل ؟ )) ؛ فوقف أخي ، اتخذ هيئة
الاستعداد ، ثم مَزَّقَ قميصه عن صدره بعنف ، وخاطب أبي بكلمات غريبة ، أول مرة
أسمعه يتفوه بها ، قال له : (( أبي ! بصراحة أنت مصاب بمرض اسمه الضرب ، وأخوتي
صغار لا يتحملون العذاب ، كلما عَنَّ على بالك الضرب أنا جاهز ، اضربني بدلاً
عنهم ، اضرب قدر استطاعتك ، لن ترهبني ، بس اتركهم )) .
توقعت من أبي أن ( يَلُوحَه ) بكف على وجهه ، لكنه لم يفعل ، كأنه صُدِم بشيء
حاد ، لم يحسب له حساباً ! انسحب من الغرفة صامتاً . نظرنا إلى أخي نظرة إكبار
، كدنا نقفز من الفرح . فجأة انقلبت سحنته ، أشار بيده أن نلتزم الصمت ، وخرج .
عرفنا ـ فيما بعد ـ أن موقف أبي أصابه بألم شديد ، وهو أمر لم يكن يتصوره .
فيما بعد غدا حزن أخي أكبر ، تجلى ذلك في كثير من تصرفاته ؛ عندما سألته عن
السبب ، أجاب إنه تجاوز الحد ، وظلم والده ، وكان الأجدر به أن يعرف الظروف
التي تجعل الإنسان يخرج عن طوره في بعض الأحيان ، قد يكون بعضها بسبب الخوف من
المستقبل 0
كلمات أخي تلك كشفت لي الأيام معناها .... بعد نجاحي ( شحط ) إلى الصف السابع
نويت ترك المدرسة . عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام ، أتخيل نفسي (مثل
الشيطان المُصَوَّر ) ، كما كانت أمي تصفني تماماً . كرهت الكتب والمعلمين ،
وأشياء أخرى ، لا داعي لذكرها .
حينما علم أبي بالأمر جَنَّ جنونه ، كان ترك المدرسة يعني له ـ وهو الأمي ـ
الموت . لم تكن أمي أقل منه غضباً ، احترت ! ربما تعود إليه هواية الضرب ! لم
يقف أحد إلى جانبي ، حتى أخي وقف بصف أبي . إذاً لا مفر من الدراسة ... وربك
فرجها ، جاءني من علم الغيب مدَرِّس جديد ، أخذ يُشجعني ، يُسهل الدرب أمامي ،
يُردد على مسامعي كلمات أكبر من أن أفهما ، كأن يقول: (( لدى الإنسان جانب خفي
، لا يُقَدَّر بثمن ، يحتاج إلى من يزيل عنه الغبار )) . كان لطيفاً ، الله
يُذكِره بالخير .
أمسيت حائراً بين ضربات أبي المتقنة وكلمات المدَرِّس المشجعة ؛ اتخذت قراري ،
تخليت عن بعض ( الشيطنة ) ، وانتبهت إلى دروسي ، وفي نهاية العام كنت من بين
الخمسة الأوائل ، يا سبحان الله !
نأتي إلى أهم شيء من كل هذا الحكي ... في الصف التاسع بذلت أقصى ما أستطيع
بمساعدة المدَرِّس ، تقدمت إلى الامتحان والخوف يركب كل ذرة في جسدي ... ثم جاء
ذلك اليوم الموعود ، ظهرت نتيجة الامتحان ، وكنت الأول ؛ فَجَنَّ جنون أبي ،
لكن من الفرح هذه المرة ... يا حزركم ! ماذا فعل ؟ تصوروا ! أسرع إلى الفدان (
3 ) ، رأس ماله الوحيد ، الحيلة والفتيلة ، فكه من المحراث ، ذبحه بيده ،
وفَرَّق لحمه على أهل القرية 0 ألم أقل لكم إن أبي حنون ؟ هذا الأمر دفعني إلى
متابعة الدراسة ، وها أنا كما ترون .
التفت إلى زوجه ، تنفس بعمق ، خاطبها بصوت أقرب للهمس : ـ الآن شرفي إلى البيت
.
اقترب مني ، أمال رأسه نوحي قائلاً : هل أزعجتك ؟
أجبت : أبداً .
--------------------------------------
( 1 ) التزوير :
التزيين ، وزَوَّر الشيء تزويراً حسنه وقومه .
( 2 ) الطُّرْطُبُّ : الثدي الطويل ، وفي العامية يُقال : ( جاء على طرطابه ) ،
أي حسب ما يرغب ويشتهي .
( 3 ) الفدان : آلة الثورين للحرث ، وهي البقر التي تحرث ، والمقصود في القصة
هو الثور .
   
في المحطة
ظل القطار يخترق السهل الأصهب ، أسير إيقاع ثابت لم يتخلف عنه ،
أو يفارقه قيد أنملة .
منذ أن ودَّع خلفه آخر محطة مَرَّ بها لم يرَ الركاب إلا الهَبُوبة(1) ، وبعض البيوت الطينية الخفيضة ، المتناثرة عشوائياً .
بات من المألوف ، والمعروف أن يقف القطار دقائق معدودات في
المحطات كافة ؛ إما لصعود ركاب ونزول آخرين ، أو لأخذ الموافقة على متابعة
السير
عندما وصل محطة ( السلام عليكم ) ، لم يخالج الركاب أدنى شك أن
هذه الوقفة مثل غيرها ، لكن وقتاً أطول من المعتاد مَرَّ دون أن تصدح صفَّارة
القطار ، أو تتحرك عجلاته ؛ فنهض كثير منهم متسائلاً ، نظروا من النوافذ يمنة
ويسرة ، لم يروا غير بناء صغير ، برزت في مقدمته لوحة متطاولة ، كُتب عليها بخط
أبيض فوق أرضية زرقاء :( محطة السلام عليكم ) ، وعلى جانبي البناء امتدت أرض
منبسطة كراحة اليد ، جرداء ، لا يوجد فيها ( صافر نار ) .
منهم مَنْ أصابه الملل ، فتراجع متأففاً ، وارتمى فوق مقعده ،
ومنهم مَنْ ظل واقفاً يحدق في الأفق الرحب حيناً ، ويبادل جاره النظارات حيناً
آخر . أما مَنْ ركبه القلق والملل ، وضاقت به ( الحظيرة ) ، فقد تحرك من مكانه،
وأسرع بالهبوط . كانت تلك الحركة فاتحة كتاب الخروج ، حيث اندفع بقية الركاب في
الممرات الطويلة باتجاه الأبواب الخارجية ... غدت العربات فارغة إلا من الأمتعة
.
اتجه رهط من الركاب إلى البناء ، صعدوا بضع درجات . ظهورهم
تُشرف على القطار المستسلم لقدره ، وعيونهم تحدق في الجانب الآخر ، تبحث عن أي
عامل من المقيمين في البناء المعزول . تناهى إلى أسماعهم قول أحدهم : ( عطل
طارئ ) ؛ فانتشر الركاب بين العربات والبناء ... وطالت مدة العطل الطارئ .
اقتربت الشمس من المغيب ... حلَّ المساء ، ثم سادت الظلمة . أصبح المسافرون
يتحركون كالأشباح ، تفرق عدد منهم في الجوار ، ثم عادوا وبيد كل منهم حزمة من
العيدان ، وضعوها على هيئة كومة ، وأضرموا فيها النار . شكل نفر من الشباب حلقة
مفتوحة ، تشابكت أصابعهم ، تبادلوا النظرات ، ابتسموا ، ارتفع صوت أحدهم : ((
يللا ع الدبكة )) . عندما سمع الواقفون بعيداً ذلك الصوت حسبوا أن الأمر مجرد
دعابة ! اقتربوا من موضع النار ، وقع نظرهم على ( راعي الأول ) وهو يضرب الأرض
بقدميه ، يقفز ، يدور حول نفسه منتشياً ؛ تعجبوا ! اكتفى بعضهم بهزة رأس ،
وأدار ظهره ، بينما ظل عدد منهم يراقب المشهد ضاحكاً .
انقضى أكثر من ساعتين .. العطل لم يعد طارئاً كما كان يُخَيَّل
! أصبح دائماُ ؛ تضافر القلق والانزعاج في خلق حالة من الجيشان ! ارتفع الصخب
والضجيج .. أرتال من الركاب تهجم على المحطة ، بعضهم يدعو إلى تحطيم الزجاج ،
والأثاث ( إن كان ثمة أثاث ) ، آخرون يرفضون القيام بأي عمل تخريبي ، ويسعون
إلى تهدئة النفوس الثائرة ، لأن السكة ، والقطار، والمحطة ... ملك الناس كافة ،
يجب عدم المساس بها ، أو إلحاق الضرر بأي جزء منها . المسؤولية تقع على المؤسسة
، ويجب أن تعالج الوضع بسرعة ، فبين الركاب نساء ، وأطفال .... والماء في
الخزان الوحيد لا يمكن أن يكفي هذا الخلق ...
من جانب آخر ارتفعت أصوات تدعو ناظر المحطة إلى إيجاد حل مناسب
، وإلا ستقع الطامة على أم رأسه ، ورأس الذي عينه !
هذا الصخب كله لم يجدِ فتيلاً ، ولولا تصدي نفر من العقلاء
للشباب الهائج ؛ لغدت المحطة نهباً للخراب والدمار . ومما هدأ من روع هذا الحشد
تنطع رجل وهو يدلي برأيه حول إيجاد حَلٍ للخروج من المأزق بسلامة ، بعد أن تبين
عجز ناظر المحطة ، حيث لم يتلق أية استجابة من رؤسائه في المؤسسة .... المهم
نقل الركاب من هذا المكان القفر إلى أقرب مدينة ، وهذا يتطلب الاتصال مع
المحافظ أو قائد الشرطة ، لتأمين وسائط النقل اللازمة ..... نال موقفه الرضا .
يدخل الرجل بوقار مكتب الناظر ، يقول بصوت أقرب للهمس :(( سأتصل
مع السيد المحافظ )) ، ينظر في دفتر صغير ، يتناول سماعة الهاتف ، يركب الأرقام
، ينتظر ، يتناهى إلى سمعه صوت ضعيف للجرس قادم من الطرف الآخر ... لا أحد يجيب
؛ يغلق الهاتف بغضب ، ينظر في الدفتر ، يركب أرقاماً جديدة ، يصيخ السمع ...
يرمي السماعة ، يهز رأسه وهو يقول : (( اللعنة ! قائد الشرطة غير موجود أيضاً
)) ؛ يجر أذيال الخيبة .
يشعر الركاب بالإحباط ! ينضب الماء من الخزان كما كان متوقعاً ؛
يعلو صراخ الأطفال . ضؤ المحطة الباهت يشير إلى أشباح تتحرك في أكثر من جهة ،
يرتفع الصخب من جديد ....
* * *
أحد الواقفين قرب الباب يلتفت إلى جاره ، ويخاطبه :
ـ انظر إلى تلك الثلة ... أحسبهم جماعة من المشاغبين ! نحن في
محطة ( السلام عليكم ) ، لكني أتوقع أن حركتهم لن تمر بسلام ... هدفهم تخريب
المحطة من باب الاحتجاج ، أنت ما رأيك ؟ .
ـ لن ندعهم يفعلون .
ـ كيف نواجههم ؟
ـ نادِ الشباب إلى هنا بسرعة .
حضر كل من وصله النداء من المعارف والأصحاب ، وآخرين من غيرهم
الذين لفت نظرهم تلك الحركة الغريبة . كان بين الحضور رجل معتل القامة ، بطين ،
حركاته توحي للرائي بقدر كبير من السخرية . عندما وقع نظره على الرجل الواقف
جانب الباب ، أسرع نحوه وهو يهز وسطه ... وقف قبالته ، افتر له ضاحكاً ، فبادله
الرجل بضحكة من مثلها ، ثم أشار بسباته ناحية تلك الثلة ؛ فالتفت البطين بسرعة
، حملق .. صرخ :
ـ لن نسمح لهم ... يخسون .
ـ النفوس ثائرة بسبب الوضع ! علينا تهدئتهم ، ومنعهم من العبث .
ـ هذا رأي رجل عاقل ، لكن ماذا ينفع العقل إذا ركب الجنون
رؤوسهم ؟
|