الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

القائمة

عبد الباسط الصوفي وسطوة الانتحار

عبد الباسط الصوفي والتجربة الوجودية

بطاقة تعريف الكاتب

مكادي     يقولون

بين رومانسية مفترضة والتزام حر

بواكير عبد الباسط الصوفي

امرأة من بور سعيد

طريق     إلى حبيبته

أنا أبن الأرض

 

بطاقة تعريف الكاتب الكبير: عبد الباسط الصوفي

 

ولد عبد الباسط بن محمد أبي الخير الصوفي سنة 1931م في مدينة حمص

 في دار أسرته بجانب جامع آل الصوفي بمحلة ظهر المغارة،

ولما بلغ سن الطفولة أدخل المدرسة الابتدائية الخيرية الأميرية

 (وهي مدرسة المأمون حالياً) وبعد إن فاز بالشهادة الابتدائية سنة 1943م

 التحق بالمدرسة التجهيزية بحمص فنال الشهادة المتوسطة سنة 1946م والشهادة الثانوية سنة 1950م

ثم عين معلماً في مدرسة قرية عز الدين، ثم مدرساً للغة العربية في متوسطة قرية "فيروزة" وفي سنة 1952م

انتسب إلى المعهد العالي للمعلمين ونال شهادة الليسانس في الآداب سنة 1956م

 ثم واصل مهنته التدريسية في مختلف الثانويات في دير الزور وحمص حتى شهر شباط 1960م

حين أوفدته وزارة التربية والتعليم في بعثة إلى غينيا لتدريس العربية فتوفى في "كوناكري" في 20 تموز سنة 1960م،

 مات منتحراً في المستشفى الذي نقل إليها أثر إصابته بانهيار عصبي شديد سبقه عدة محاولات انتحارية مؤثرة،

وقد نقل جثمانه بحراً ودفن في مسقط رأسه حمص بعد شهرين من وفاته.

وهكذا نرى إن حياة هذا الشاب في خطوطها الكبرى حياة عادية لا تخرج عن حد المألوف،

 ولكن بقدر ما تحتوي هذه الحياة من رتابة ونمطية في الظاهر فهي غنية،

 جياشة، صاخبة في الداخل،

وقد يعجب المرء عندما يطلع على الآثار التي خلفها هذا الأديب

من خصب هذه الحياة - على قصرها - ومن عنفها وحيويتها..

صدر له ديوان (أبيات ريفية 1961م) عن دار الآداب بيروت.

انظر موقع آل الصوفي

 

 

عبد الباسط الصوفي والتجربة الوجودية

 

بقلم الكاتب: سلمان حرفوش

 

للتجربة الوجودية في الشعر السوري الحديث علمان مجلّيان، أولهما من سوريا الداخل، "سنجق أجيال الجوري والجرذان والمرجان"، وثانيهما من سوريا الساحل، "الوجهها جبل رجيم، والإسفنجها صولجان جريمة جهّارة الأجراس"، -ليسمح لنا فايز خضور باستعارة هذين "التعريفين الجغرافيين" من [جيميته] في ديوان: "حصار الجهات العشر"-. الأول من حمص: عبد الباسط الصوفي، والثاني من بيروت: خليل حاوي. وكلاهما عاش التجربة الوجودية حتى.. الموت انتحاراً، بأركان تلك التجربة: القلق، والضجر، والتمرد. وكلاهما أعطى لتمرده بعداً حضارياً، قد نبيح لأنفسنا أن نقول إنه واحد لدى الاثنين: انبعاث الوطن، ونهضة الأمة، وإن كان لكل منهما انتماؤه السياسي الخاص: فالأول بعثي، والثاني قومي سوري. وما همّ، متى ما تحققت النهضة الوطنية المرجوة، أن تكون تلك النهضة إحياء للحضارة السورية القديمة، أو للحضارة العربية اللاحقة؟! شاعران مجددان محلّقان، تماهياً مع تجربتهما الوجودية المريرة، إبداعاً مراوغاً –وإن كان على أعلى القمم البرناسية- وحلماً وطنياً مقهوراً؛ ووصلا في التماهي مع عبث الوجود إلى.. الانتحار، فأعطيا للموت وجهه الإنساني المشرق، كما قدما في المسرح الثقافي العربي، مشهداً مأساوياً جليلاً و.. عجيباً. وهل ما هو أعجب في عالمنا العربي المنخور بالنفاق والتهافت، أن يتحدّ مثقف عربي مبدع مع قضيته إلى حد الانتحار احتجاجاً و.. تحدياً!! على أننا في هذه الدراسة، نريد تخصيصاً التوقف عند تجربة شاعر سوريا الداخل، عبد الباسط الصوفي، ولنا من بعدها –إن شاء الله- رجعة إلى شاعر سوريا الساحل، عفواً شاعر لبنان، حتى لا يزعل بعضهم!‏

 

وقد أقامت جمعية الشعر، إحدى جمعيات اتحاد الكتاب في سوريا، ندوة بتاريخ 10/10/2001 عن الشاعر عبد الباسط الصوفي، وذلك في مبنى الاتحاد بدمشق. وكان دارس من بين الدارسين قد جعل منطلق بحثه مقولة جاءت في الأحاديث "المأثورة" عن الدكتور شاكر فحام، وتحوَّلت إلى نصّ مقدس، مفادها: (موهبة الصوفي أكبر من جناحيه). فمن هذا النص المأثور المقدس، والذي قدسيته مقتله الحقيقي، سوف نبدأ دراستنا هذه للشاعر عبد الباسط الصوفي، الذي جاء مجدداً بكل صدق وزخم، فأي عجب إذا لم ترتفع أجنحة الذائقة الكلاسيكية إلى مستوى قامته الشعرية الباسقة!! نعم، كان شاعرنا جسر العبور إلى التجديد الحقيقي والنهائي في الشعر السوري الحديث. ولننظر إلى أعلام الكلاسيكية- المتجددة الذين عايشهم: بدوي الجبل، عمر أبو ريشة، نديم محمد، ولننظر إليه مليَّاً فندرك مدى المسافة التي تفصله عنهم، وسوف نحاول ملاحقة هذا التباين على مهل:‏

 

1)فأول تجديد لديه إنزال اللغة عن عرش الأبهة والفخامة، وإجبارها على خلع تاج الديباجة المطنطنة. فتلك عوامل "التطريب" الشعري المباشر التي لم يحسن أحد قبله التنبه إلى خطورتها في عالم التجديد المرغوب. فالطرب الشعري يمكن أن يكون –وخير له أن يكون- نفسانياً، جمالياً، نشوة هادئة عميقة تدوم وتدوم لتستقر في أعماق وجدان المتلقي، بعيداً عن تطريب الإيقاعات الظاهرة، والكلمات الفائقة الأناقة و "الشياكة"، والتي لا يمكن لها، مهما واكبت الصدق النفسي، التهرب من الشكلانية والتكلف هنا وهناك.‏

2) وثاني تجديد لديه "الحلول" في القصيدة، فلا تعود القصيدة قولاً وإنما هي فعل؛ وليست خطاباً بل نجوى، وما هي شرح وإنما هي رؤيا، وأكثر.. إنها نبوءة وديانة، والشاعر يغدو معها النبي الجديد، سوى أنه نبي وحيه مستمد من الأرض، وليس من السماء، والخلاص الذي يبشّر به لن يتحقق، إذا تحقق، إلا بالتطهّر الجمالي- الأخلاقي- النفسي. إنه خلاص أرضية مباشر، وليس الخلاص الأخير الموعود: فالخلاص الشعري هو لحظة الشعر لا غير!‏

3) والتجديد الثالث معايشة الإبداع الشعري على أنه لعنة الشاعر، الواقع في أسر الرؤى، الكلمات، والمحكوم حكماً مؤبداً بالقصيدة، فهي تتفجر منه تفجر الماء قسراً من الصخر الجامد في ينابيع ما كان للصخر أن ينجزها، ولا كان لها أن تظل كامنة في مساربها الخفية في الأعماق –لو أرادت ذلك!- وفي هذا المجال، لا يعود الشعر منبر شهرة وألمعية، ومضمار سباق ومبارزات، أو مثار نفخة كاذبة: إنه معاناة مريرة يرزح الشاعر تحت وطأتها، فهو عالق في فخ الكلمات، ومعانق للوعي المنفتح على فراغ اللا نهاية، وعلى هشاشة –حتى لا نقول: عبثية-الوجود الإنساني العابر على مسرح الكون. وأي عجب في مثل هذه المرارة الفاجعة إذا ما تقطعت بالشاعر الحق سبل القداسة، وضاعت من قدميه دروب السماء الفاغرة مثل هاوية!‏

4) والتجديد الرابع والأخير، ترابطاً منطقياً محكماً مع كل ما سبق، معاناة العزلة أمام بياض الورق، بعد هيمنة زمن الكتابة وانتصاره الكاسح على زمن المشافهة، في عالم الإبداع الشعري. كلا، لم يخرج الصوفي على بحور الخليل، ولكن تحطمت لديه وحدة الشطر والبيت، وتوزع بناؤه الشعري رافعاً، بالإضافة إلى الأصوات المهموسة في رسوم الألفاظ الاصطلاحية، تشكيلات عمرانية مرسومة على المساحات البيضاء الصامتة، في انسجام وتناغم مع الأصوات التي لا يمكن للكلمة، مكتوبة أو محكية، أن تنطلق من عقالها: وهل الكلمة في نشأتها، وإلى أبد الآبدين، إلا اجتماع أصوات؟!‏

 

خطوات حاسمة مشاها "الصوفي"، بصمات تجديدية لا لبس فيها ولا رجوع عنها وسم بها الشعر السوري، فكان جسر العبور لجميع من لحقوا، مطوّرين أدواتهم الشعرية: كلمات، وصوراً، وعمرانية، مواضيع. ولكن بقي للصوفي بين شعرائنا جميعاً تفرّد تجربته الوجودية، فهو وسيزيف و.. كامو- الذي نلمح خياله في مقدمة "الغَرَب" النثرية – حال واحدة، تشفُّ في قصيدة "مكادي" من ديوان "أبيات ريفية":‏

مكادي! أنا بعض "سيزيف"، بعض الذي كابده‏

فرغتُ على الزرقة الأبدية،‏

قلباً هشيماً، وروحاً خرابْ‏

تسلّقتها: لجة وعرةً، وارتميتُ عليها،‏

عصيّ الرّغابْ‏

مكادي! أنا بعض "سيزيف"، بعض الذي جالده‏

يطاردني اليأس، دامي السياط، كما طارده‏

مكادي! هما: الصخر والعقم، في لجتي الصاعدة‏

هما: الصخر والعلم، لعنة آلهة، حاقده‏

وللبحر آلهة، هز حقدها الزبدي‏

فثارت غضاب‏

ولا بدّ للمتأمّل من معاينة فشل المشروع الإنساني في تجاور الكلمات المتناقضة، التي يقف بعضها بالمرصاد لبعضها الآخر. فالشاعر –والمشروع الإنساني على الأرض- هو: القلب، لكن بدلاً من أن ينبض بقوة فليس سوى: هشيم؛ وهو الروح، لكنها من خراب وإلى خراب؛ وهو اللجّة المغامرة، ولكنها وعورة مستحيلة، سراب في سراب، فلا منفذ منها إلا الارتماء إعياءً وإحباطاً؛ وهو الرغاب، لكنها مستعصية متمنعة؛ وهو العلم، ولكنه علم عقيم، وليس سوى حقد الآلهة المزبدة في البحار –بل تحديداً البحر المتوسط، بحر الصوفي، وسيزيف، وكامو معاً-. ومن يستطيع التصدي للآلهة؟ حسبه التحدي والتمرد، ولكن وراء صخرة العبث والموت!! وقد يبدي هذا أو ذاك استغرابه من "بعثية" الصوفي و "عبثيته" الوجودية في الوقت نفسه. ولكن تفسير ذلك قد نجده في الصراع الدامي بين البعثيين والشيوعيين في احتدام الخمسينيات، بعد الإطاحة بالشيشكلي، وحسن استثمار مقتل المالكي باتجاه ملاحقة وتحجيم القوميين السوريين، بالإضافة إلى ضعف الإخوان المسلمين، في أجواء تعدد الأحزاب، وتصارع الحريات والأفكار الوطنية. كان لدى الشيوعيين فلسفة جاهزة، مكتملة: الماركسية- اللينينية، التي يرفضها بعثيو تلك الفترة، وهي خصمهم اللدود فكرياً وسياسياً. فكان المنقذ الأول الدكتور سهيل إدريس، ومنبره البيروتي، مجلة "الآداب"، ودار النشر لديه. لقد تولّى إدريس ترجمة وترويج كامو وسارتر، أدبياً وفكرياً، وأصبح "الغريب"، مع "أسطورة سيزيف"، طوق النجاة. ثم كانت أعمال سارتر المتلاحقة، وهو الذي بدأ تحت عباءة الشيوعية الفرنسية، لينفصل عنها، ويتصدى بها في مسرحيته الأشهر: "الأيدي القذرة".‏

 

ذلك المناخ من الفكر الوجودي –الفرنسي تحديداً- هو السائد في تلك الحقبة، وقد اعتمده البعثيون حينذاك مرتكزاً، جاهزاً هو الآخر، في وجه ماركسية الشيوعيين. في ذلك الجو المفعم بالمؤثرات، المتوتر إلى الحدود القصوى، كانت ولادة رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، و "المهزومون" لهاني الراهب، و "أبيات ريفية"، الديوان اليتيم –والفريد في بابه- لعبد الباسط الصوفي.‏

 

ولسنا نروّج، بالتأكيد، للادعاء بهجنة المناخ الوجودي، ذاك، وأنه مستورد ومقحم على الواقع السوري. نعم، لم يعش ذلك الواقع الحرب العالمية الثانية بزخمها، وما خلفته من فراغ وخيبات على امتداد المجتمع الفرنسي، ولكن المجتمع السوري أفرز في الخمسينيات جيلاً متمرداً، قطع جذوره مع ماض مرفوض أورثه إياه بكل خيباته وأحزانه الجيل السابق، فأصبح وجذوره تبحث عن التربة التي تشرّش فيها، بكل ما في ذلك البحث القلق من مشاعر الضياع، ثم مشاعر الغربة المريرة ثانياً وهو يعاني خيباته وأحزانه هو أيضاً، فالجذور المقتلعة شبه معلّقة في الفراغ، أو تجهد للتغلغل في تربة طينية رخوة" تماماً مثل "غَرَب" الفرات. ولننظر بادئ الأمر في قصيدة "تثاؤب" مقطعها الختامي لنفهم كيف يتعانق القلق والسأم رغم كل التوتر النفسي:‏

سدىً، يا اندفاع الحياة الغبيّْ‏

تُمدّ حنيني، بشلال نارْ‏

وتحملني للعميق القصيّْ‏

وتقذفني قلقاً، وانتظارْ‏

سدىً، يا تدفُّعَ موجِ الزمانْ‏

تثير، على صخرتي، عنفوانْ‏

صداك القويّْ‏

بأبوابيَ الخرسِ، كلُّ السأمْ‏

وها هي صخرة سيزيف التي تحطم كل عنفوان بشري بالرتابة، والرجوع الكئيب الممل إلى نقطة الصفر، كلما تهاوى وهم الوصول إلى الذروة. وها هي الحياة محض اندفاع مغامر، لحمته القلق الممزّق للوعي الإنساني المدرك لعزلته وضياع مشروعه، وسَداته الانتظار الممض للموت الرابض عند الأفق القريب. ألا، فما أغبى وأضل نار الحماس، وليس فيه سوى الحنين المرير. فما يكون الزمن؟ أصداء ذات طنين لأصوات مجهولة، بل للا أصوات! فكيف تكون استجابة المشروع الإنساني؟ أبواب خرساء مغلقة يتراكم أمام صمتها المضني السأم، من المهد إلى اللحد، تدافع أمواج متلاشية على رمل الفراغ واللا جدوى! ونلمح في هذا المقطع الصغير معالم الصورة الشعرية لدى "الصوفي": لوحة ملتقطة في تشكيل متكامل بحاستي النظر والسمع، ومشحونة بتوتر الوعي بمشاعر القلق والسأم عند خط النهاية، بعد تدافع الحماس والحنين عند خط البداية. وبالإضافة إلى غياب حواس الشم واللمس والتذوق غياباً شبه كامل عن اللوحة الشعرية "الصوفية" نلاحظ على الدوام طغيان التمثل الذهبي-الشعوري للعالم، فلوحته منبعها معاناة داخلية، فهي لوحة- استبطان، لا لوحة-معاينة حسية، مثلما هي في النهاية لوحة مشحونة الكلمات إلى الحد الأقصى بالتمزق، والقلق، والسأم، حتى لتبدو أحياناً من بعض إبداعات الرسام فان غوخ، ولعل خير مثال على ذلك، هذا المشهد من "الشمعة الحائرة". إنه المقطع الأخير، وسوف نطلق عليه من عندياتنا "لوحة صامتة".. إنما بريشة غوخ –عبد الباسط؛ وهو يمثل اللحظة الأخيرة من لقاء.. حب-!!-:‏

وحملق فينا الجدار الكئيب‏

يسمّر ألحاظه الجامدهْ‏

فظلٌّ، على جبهةٍ أطرقت‏

ولحنٌ على شفةٍ باردهْ‏

وصوتٌ بعيدٌ، يهزّ الستارْ‏

يؤرّق ذاكرةً، خامدهْ‏

ها هنا، تتلوّى الكلمات بألم تلويّ خطوط فان غوخ، وهو الأسلوب الذي اشتهر به، حيث الألم يعتصر كل شيء.. حتى الشجر والحجر.. ونكتشف متممات اللوحة الشعرية، وسماتها العميقة في هذا المنظر الغرامي -!-‏

كما تتمثل دائماً بريشة عبد الباسط الصوفي. إنها لوحة تأخذ الخطوط العريضة. ولا تتوقف عند جميع التفاصيل.‏

وهي رسم دلالي-رمزي يكتفي بالسمة البارزة، في إيجاز وتكثيف لا مثيل له عند أحد سواه. فنحن مع: جدار، وألحاظ، وجبهة، وشفة، ولحن، وصوت، وستار، وذاكرة. وإذا تركنا المسميات إلى النعوت، وجدنا أنفسنا أمام أصداء متجاوبة: كئيب، جامدة، باردة، خامدة. وحتى الأفعال تترك الانطباع نفسه، انطباع: الضياع، والفراغ، والهجر، واللا تواصل، والبعد. فالحملقة وتسمير الألفاظ الفاغرة، ليسا سوى الوسيلة الوحيدة للنظر إلى الجبهة المطرقة وللاستماع –مع النظر- إلى الشفة الباردة. وماذا عن الصوت البعيد، واهتزاز الستار، وتأريق الذاكرة.. التي هي أساساً خامدة؟! ذلك هو عالم الصوفي الداخلي، وفيه معاناة الإنسان الممزقة للعزلة واللا جدوى. بل إننا نجد بعداً دلالياً مقصوداً في بنائه اللفظي الشعري، حيث يعتمد في كثيرٍ من الأحيان تسكين القافية، لإلغاء كل تطريب مجاني، وقوفاً عند التعبير الانطباعي لا غير. لكأن هذا –أو هذه- السكون ( ْ) في القفلات الختامية احتباس الأنفاس في وقفة الذهول والخيبة! نعم، لكل لفظ، وأكثر من هذا، لكل صوت لدى الصوفي تكاتفه المعماري الدلالي مع جميع تفاصيل لوحته الشعرية ومفرداته التي دمغها بطابعه الخاص.. بل الشديد الخصوصية.‏

 

فماذا عن قصيدة "الغَرَب" ختام ديوان "أبيات ريفية"، هي ومقدمتها النثرية الرائعة؟ يقيناً، لا تفيها حقها إلا دراسة كاملة، بل كذا شأن كل قصيدة على حدا في ذلك الديوان، الفريد.. العجيب.. اليتيم، في الشعر السوري الحديث. ألا فهذا جهد، لا يستوعبه إلا كتاب مستفيض، ولعلّه لا يكون كافياً لإيفائك حقَّك يا عبد الباسط، يا من "قصّر جناحاك عن مواكبة موهبتك" على زعم من زعم!‏

 

نكتفي إذن بهذه الكلمات القليلة طوافاً على فرادة إبداعك الشعري. ولعلّي راجع إليك في كتاب لاحق، بل إليكما: أنت وخليل حاوي؛ بل إليكم، ثالوث اللعنة الشعرية في سوريا: أنت، وحاوي وفايز خضور، وطبعاً، لا أظنكما عاتبين على فائز خضور لأنه تخلّف عن مواكبتكما بالانتحار، ليصبح جديراً بالوقوف معكما على نسق طليعي فذّ. على أية حال، فالانتحار أشكال وألوان! ولقد وقفتم جميعاً، داخل محراب الشعر المقدس، تحت قبة السماء الخاوية الفاغرة، معلنين جهار نهار الشعر أنكم، والجنس البشري، في مهب باطل الأباطيل وقبض الريح.‏

 

والضلال الذي ما بعده من ضلال، سراب المغامرة البشرية كما عرفتموه أبداً خالداً، صروح القصائد المنتصبة على مرّ الزمن. ما العمل؟ ذلك هو الوجود، وتلك هي الحياة، وهذا هو الإنسان!!‏

 

 

عبد الباسط الصوفي وسطوة الانتحار 1931-1960

غربة الروح.. غربة الجسد

 

بقلم الكاتب: محمد غازي التدمري

 

أيمكن لباحث ما أن يلم بتفاصيل حياة مبدع، لم يمنح القدر فرصة لأن يفتح له ماكتب لحياته في سفر ذلك القدر الذي وقف بوجهه تحت سطوة الانتحار من أجل الانتصار عليه، مخلّفاً وراءه أكثر من سؤال وإشارة استفهام وتعجب، تدفع الباحثين لأن يعملوا أفكارهم، ويشحذوا عقولهم من أجل معرفة حقيقة الأسباب التي دفعت شاعراً مبدعاً مثل [عبد الباسط الصوفي] إلى الانتحار طوعاً في أرض نائية عن نفسه ووطنه وأهله.‏

 

والبحث عن الدوافع المباشرة أو غير المباشرة لهذا الموت المبكر يجعلنا نقرأ المؤثرات الخارجية والداخلية التي وضعته في لحظة ضعف في مواجهة غير متكافئة مع القدر، والانتصار على الحياة بمغادرتها طواعية.‏

 

فعلى الجانب الداخلي ارتسمت أبعاد ما ترسب في نفسه خلال صراعها الدائم مع المحيط الخارجي، فيبدو من خلال اعتراف أصدقائه المقربين إليه ((انطوائياً وانعزالياً، يألف الوحدة، ويأنس إلى الصمت، تميل نفسه إلى العزلة ضمن حدود ذاته المتعبة، بالإضافة إلى أنه كان شديد الحساسية، حاد الطباع، يتأثر بأصغر الأشياء، وينفعل لأتفه الأسباب".‏

 

هذه الصفات الداخلية المتواترة شكلت حالة قلق قوية سيطرت على أعماقه المرهفة، وطغت على فعله وردّات فعله في وسط حياة عاشها بوجدان متقلب، وفكر مضطرب "تمكن خلالها الكائن الواعي أن يراقب الكائن العاطفي في تقلباته وثوراته، ورصد وقائع المحيط به"، مما قلب حياته المضطربة إلى صراع دائم مع كل ماكان يحيط به.‏

 

 أنا للصْبح كلّما انسكب الصبحُ‏

 

  ضلوعي، وصحوتي، وائتلاقي‏

 

  وإذا لفّني على الرّمل أُفُقٌ‏

 

  عاصف الدّرب لافح الأشداق‏

 

  كنتُ ملء اللهيب، سَمْحَا مع النار‏

 

  يطيب الرماد بين احتراقي‏

 

  في السفوح الخرساء، في الذرة البكر‏

 

  وفي البعد، في المدى وفي التلاقي‏

 

  أنا لي واحتي، وأطوي ظنوني‏

 

  ثم أمضي، والكون في أحداقي.‏

 

هذا الشعور المرهف، والإحساس الحاد قيداه في غربة روحية داخلية، سيطر الوهم فيها على قواه، فخاف من كل شيء يحيط به دون أن يمنح نفسه فرصة ما للتوازن والموازنة بين ما يواجهه في الواقع المعيش، وما يعتمل في داخله من مخاوف وأحاسيس مخيفة قادته لأن يتصور اللحد هو بريق الأمل، ومستراح لألم، يعود إليه طفلاً بريئاً نقياً من متاعب الحياة وأدرانها:‏

 

 أنا يا رمال على السّراب أجوب أعماقي البعيده‏

 

  أنا في سحيق الوهم، أنتزع المدى صوراً شريده‏

 

  وأطيرُ مفجوع القرار، وأنثني في النفس ظلاّ‏

 

  في المنتهى، في القبر، في الألم الدفين، أعيش طفلا.‏

 

القلق الواهم، والخوف المهيمن، جعله يظنّ –واهماً- أن حرية الروح والجسد لا تأتي إلاَّ بالخلاص، والتلاشي في ليل الغربة الإفريقية، مثل أغنية قديمة مخنوقة على شفاه الظلام.‏

 

هذه الهواجس المقلقة التي لم تفارقه لا في بلده، ولا في [كوناكري] كانت أهم دافع ملموس على اضطرابه النفسي، وقلقه المتواتر الداخلي الذي رسم له أنّ الغاية المنشودة من الحياة تتلخص بالعيش بحرية وأن الهدف الأسمى هو تأكيد وجود الذات. ولكن أي ذات كان يعني؟‏

 

إنها بالتأكيد تلك الذات الضائعة في بحر لجي، مثقل بالتعب والغربة، والتشتت الفكري، والاضطراب النفسي، وفوق ذلك كله ضنك العيش الذي دفعه إلى [غينيا] مدرساً للغة العربية:‏

 

سوف أعدو في طليق الوهم حُرّاً من قيودي‏

 

  أتلاشى في فم الليل بقايا من نشيدي‏

 

  أنا إن تُهْتُ بذاتي فلقد أحيا وجودي.‏

 

هذه المواقف السلبية من الواقع والحياة والوجود، أطفأت في مخيّلته كل شعاع أمل، وأغلقت أبواب الرجاء، وسدت بوجهه كل بقعة ضوء من الممكن لو اقتنع بعض القناعة بفرضية الحياة وحتمية الوجود، وقدرة الإنسان على التكيف والتلاؤم، لاستطاع أن يُدخل إلى أعماقه بعضاً من الراحة، وشيئاً من المسرّة ولو إلى حين، فهو منقاد طواعية وبدوافع داخلية إلى المضي في دروب الفناء:‏

 

في سكون الليل أمضي‏

 

  في طريقي يا فناء‏

 

  إن مضى سحر ربيعي‏

 

  فقد يأتي الشتاء‏

 

  وأضم الأضلع الحرى‏

 

  وما فيَّ رجاء.‏

 

هذه الأحاسيس المتواترة، متفرقة أو مجتمعة قادته إلى الغربتين: غربة الجسد وغربة الروح التي ولّدت لديه إحساساً بالفقد لكل شيء جميل، فعاش غريباً بين أهله، وفي بيئته المتصوفة، ومجتمعه المضطرب الذي لم يُعطه غير قسوة العادات وجحيم التقاليد، ونُظم الأعراف التي وجدها بالية لا توافق منطقه، ولا توائم طموحه، فعاش غريباً حتى عن نفسه:‏

 

غريبٌ أحس اختناق النشيد‏

 

  لهاث رفيف على مزهر‏

 

  مع الليل، في لمحة الذكريات‏

 

  مع الريح والدرب والسمر‏

 

  مع الجرح أغسل أحقاده‏

 

  وأجلوه بالحلم الأخضر‏

 

  غريبٌ وفي زحمة العابرين‏

 

  أهيم وفي صخب الأعصر‏

 

  غريبٌ أمزق صدر القنوط‏

 

  وأعيش في وجهه الأغبر.‏

 

لقد عاش [الصوفي] بين جدران وحدة مخيفة، مُغلقة على القلق والخوف والتشاؤم والإحساس بالفقد، وراح يتقلب على مجمر الحزن الوجودي المبدع، الذي أوصله إلى قراره النهائي بالتغلب على العناصر السابقة كلها، والانتصار على الحياة بالتخلي عنها وإلى الأبد.‏

 

وعلى مستوى الجانب الخارجي الذي وجده مفروضاً عليه، ولم يقدم له غير مزيدٍ من القلق والخوف والاضطراب.‏

 

الوطن يُعاني ويلات الانتداب الفرنسي وما يفرزه من فقر وتخويف واستغلال لخيرات الوطن.‏

 

والحكومات الوطنية غير مستقرة واقعة تحت رحى الأحزاب السياسية التي يسعى كل حزب للاستئثار بالسلطة.‏

 

الوطن العربي يُعاني من نكبة فلسطين والاستيطان الصهيوني في أراضيها، وما خلفته من معاناة قاسية، وقتل وتدمير وتهجير لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين أصبحوا مشردين، يسكنون الخيام المفتوحة الأبواب على البرد والحر والجوع وعلى مرأى من أنظار العالم المتمدن.‏

 

ثم يأتي واقعه الأسري المتصوف، وفقره المادي، وعوزه العاطفي، لتتراكم المؤثرات الخارجية المرهقة في أعماقه المرهفه لتحرمه من الاستقرار النفسي، ولتخلق في أعماقه هاجساً للهروب من ذلك الواقع المتعب، هرب مدرساً إلى بادية الشام في دير الزور فلم يقدم له هذا الهروب غير مزيد من القلق والاضطراب، عاد إلى حمص وانكب على المطالعة فلم تشف ما تراكم في نفسه، جنح بعد ذلك إلى اللا مبالاة، والعدمية، والاستهتار فزاد ضجره ضجراً أكبر، لتقترب خطواته من خط خلخلة التوازن النفسي فيقول في إحدى رسائله: "كنت أمسك رأسي الثقيل بكلتا يديّ وأضغط على جبيني، وتندفع شفتي السفلى إلى الأمام بقرف، وأسير بضع خطوات ثم أتهالك على الطاولة، فترقص السطور أمام عينيّ، وتوشك السيجارة أن تنتهي فأصلها بأخرى، ويتناثر الرماد على ثيابي فأتركه على حاله، ولم لا.. ألست يا صديقتي لفافة بشرية تحترق، ولا أجد من ينفضني، ولو عن طريق السخرة". ومما زاد في عمق مأساته الفردية، أن المحيط الخارجي نفسه لم يمنحه غير منغصات العيش كإنسان مبدع يملك من الحساسية والشفافية ما يجعله يتألم لأدنى ضرر، ويتحسس لأدنى شعور لا يتفق مع إنسانيته المرهفة.‏

 

هذه المنغصات على اختلاف أنواعها، وتدرج في مستوياتها أسهمت بشكل أو بآخر بإبعاده عن الاستقرار النفسي، والنقاء العقلي، والصفاء الروحي، فالضجيج، والصياح، وكل حركة غير متوازنة، تتركه متوتر الأعصاب، مضطرب النفس، يلاحقه القلق في كل مكان، في البيت، والعمل، والشارع والمقهى "إن الأطفال في البيت يصرخون دائماً، وتخترق أصواتهم الحادة رأسي من جميع جوانبه، ولكنني لم أُلق السلاح، فقد حاولت، وكم أغلقت عليَّ الغرفة، وجمعت الوسائد في المنزل ودسست رأسي بينها، ولكن عبثاً، لابد أن رئاتهم من فولاذ، يلعبون، ويزعقون، ويخرج زعيقهم كصفير القاطرة، مهما كان السبب سخيفاً فإنهم يبكون".‏

 

هذا جانب خارجي مرتبط باستقراره المنزلي الذي لم يحصل عليه جعله ضجراً باستمرار برماً بكل ما يحيط به، حتى مدينته التي لم تعرف الذرة وجدها في لحظة سوداوية قبراً جاثماً فوق الأرض تنتظر الساعة التي تنفصل فيها عن الطين الجاف لتهوي خلاصاً من واقعها المتأزم: "عدتُ إلى بلدتي، إلى هذا الضريح الكبير، الأزقة الطويلة الضيقة، والحجارة السود المستقرة في أمكنتها تنتظر الساعة التي تفلت فيها من الطين الجاف لتهوي إلى أمّها الأرض، والصبية الصغار يطوفون بالحي المتطرف الذي حمل في يوم من الأيام قلبي الأول".‏

 

وقصة قلبه الأول قصة أخرى تُضاف إلى انكساراته الداخلية حيث تعلق بحب فتاة كان ارتباطه بها مستحيلاً في ذلك الوقت، وضمن أجواء البيت الأسري المتصوف، الذي لا يقبل بأي شكل من الأشكال انضمام فرد بعيد عن معتقداته، وهذا لعب دوراً إضافياً في دفعه إلى الاهتزاز الداخلي، وهو الإنسان، الشاعر المرهف المحبط دائماً وغير المستقر خارجياً وداخلياً بشكل دائم، لذلك كان لابد من هروب جديد لم يكن غير المقهى التي يشعر فيها أصحاب الطباع المتقلبة بأنهم غرباء مشردون ضائعون: ((هذه المقاهي الشرقية المفعمة بالدخان والضجيج والسآمة، يعلو الصدأ رويداً رويداً على النفوس الرهيفة الموهوبة، وتعلو طبقات الصدأ، وتتآكل النفس الإنسانية، وفي الحانة تنتهي قصة كل ليلة، وليس هذا عالمي الذي أبحث عنه، إني غريب، غريب يا صديقتي، وأشعر بغربتي في كل دقيقة، ولم أستطع التنفس بسهولة، إني غريب، غريبٌ يا صديقتي، أنتحر ببطء، وأُدفن حيّاً في أمشاء هذه المقاهي والحانات، إن مملكتي ليست من هذا العالم".‏

 

لقد كانت البيئة الخارجية بعواملها الاجتماعية، ومنغصاتها المعيشية، وانكساراتها الوجدانية، وإرهاصاتها السياسية سبباً رئيساً في اضطرابه النفسي، ونزوعه إلى اللا مبالاة، والارتماء بين أحضان غربة الروحية، وبعدها الغربة الجسدية، إنّ عشق النزوع إلى الهروب المادي والمعنوي سيطر على أعماقه وخدّر قواه كلياً، حتى قاده إلى اتخاذ قرار الانتحار في (كوناكري) يوم العشرين من شهر تموز عام (1960) ولما يتم الثلاثين ربيعاً من عمره.‏

 

لقد لخص (الصوفي الدوافع الخارجية جميعها بقوله: "مهزلة يا صديقتي أن يعيش الإنسان في جو يبعث فيه كل العواطف القاتمة، ويُضطر إلى ذلك اضطراراً".‏

 

إنها قمة الصراع الحاد بين ذاته المرهفة والواقع الصعب، الذي أظهر الحياة له وحشاً نهماً يأكل أقدام السائرين:‏

 

هو الدّرب يأكل أقدامنا‏

 

  وتطوي الرّمال الخطا الدّاميه‏

 

  ويلتهم الشوك من كفّنا‏

 

  وتنهّد في شهقة الهاوية".‏

 

  فإلى أين المسير؟ والحياة تمتد دروباً موحشة... موحشة:‏

 

إلى أين أمضي وحولي الحياة‏

 

  دروبٌ وأوهام يأسٍ مرير‏

 

  لمن بسمتي حين يبكي الغروب‏

 

  لمن دمعتي حين يشدو الضمير‏

   

  وكيف، وأين المسير‏

 

  تقود ركاب العدم‏

 

  على نفثات الحنين‏

 

  وفي سخريات الندم‏

 

إنه الصراع الحاد بين الوجود والعدم، بين البناء والهدم، بين اليأس والرجاء... وأين؟ في أعماق نفس شاعرٍ من جيل أدمته مأساة النكبة، وأوجاع الانكسارات الوطنية، في الوقت الذي كان فيه واحداً من أبناء جيل التطلع القومي، والنهوض البعثي.‏

 

إن معاناته الصعبة على المستويات كافة والتي كانت تخنق تطلعاته الإبداعية والوطنية والقومية، وماكان يعانيه من غربة داخلية موحشة إضافة إلى ماكان يُقاسيه من موقف البيت المتصوف من تجربته العاطفية المحكومة بالفشل، وغير ذلك من أمور حياتية، وقضايا انفعالية، لم تكن غير مقدّمات أولية للانتحار البطيء في حمص، والصعب السريع في [كوناكري]:‏

 

أنا راحلٌ والشوك ملء يدي آهٍ الشوك عربدْ‏

 

  أنا راحلٌ وغداً أعود وفي جبيني الشمس تُعقدْ‏

 

  سأهزُّ أغوار الغناء وأنثني أبداً مخلد‏

 

  وأجوب أعماق الجحيم خطىً تمزق كل فرقد‏

 

  صبحٌ يموت، ووجه صبح في ضمير الليل يولد.‏

 

هذا المزاج السوداوي كان ماثلاً في مخيّلته منذ اللحظة التي تمكن الوهم فيها من نفسه، وهو الذي دفعه مُبحراً باتجاه النهاية على سفينة الموت غير المتوقع، مُغرقاً نفسه في فلسفته، ضائعاَ في متاهات أسراره، متسائلاً عن أبعاده حائراً في مآله، رآه طفلاً منطلقاً فوق مروج البراءة:‏

 

في المنتهى، في القبر، في الألم الدفين أعيش طفلاً‏

 

كما رآه وجهاً من وجوه الجمال المطلق..‏

 

في وحشة الموت صنعت الجمال وأرسلته فتنة ساحر

 

  كما رأى في رجفة القبر رؤى المجهول، وصوت الغيب القادم من أعماق الذات:‏

 

رجفةٌ بين حنايا القبر، فلأرسل صلاتي‏

 

  ولأسر كالحلم الغارب، ولأطو حياتي‏