الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

هنا استقر الفرح

تذكرته

حديث الذاكرة

أنا وهو والكلب

تين الصبار

عناكب

شيخوخة حالمة

مصير

 

بطاقة تعريف الكاتبة: أمية الجاسم العبيد 

 

سوريا ـ دير الزور

قاصة سورية من مواليد مدينة دير الزور .

لها نشاطات أدبية كثيرة وفاعلة على

الساحة الثقافية السورية .

صدر لها

عسلها مر  – مجموعة قصصية – دمشق 1999 .

حديث الذاكرة – مجموعة قصصية – دمشق 2002 .

تحت الطبع

خذ قلبي مرَّة أخرى - رواية .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعمالها

  

 أنا و هو ... و الكلب

  

 

مئات من السنين وهي تنتظر مجيء هذا اليوم ، ودخول أبواب هذه اللحظات التي احتضنت حلمها بين جدران زنزانتها …

(( آه كم سمعت منها تلك اللفظات …حرية المرأة … إرادتها .. استقلاليتها.. ))

ألقت النظرة الأخيرة على المرآة. تسمرت ، حلقت نظراتها قليلاً في سماء الذاكرة ، ثم عادت تحمل معها إشراقة الفرح الذي أمضت عمرها في انتظاره .. خاطبت مرآتها :

- نعم . هو قديم جداً ، ولكنه ثوب ابنة السلطان ، وحين أهدتني إياه كانت تعرف بأنني سأصبح يوماً ابنة السلطان ، وسأجلس يوماً على كرسيها

فردت ظفائرها الذهبية المتدلية بمشطها العاجي الذي سرقته يوماً من القصر ، ثم طوقت جيدها الشامخ بعقد من الياسمين ، وحملت بين يديها طبق الرز المغطى بقطع اللحم المقلية بالسمن البلدي ، ورائحة الفلفل والمسك والزنجبيل جعلت عملية الشهيق لديها ضعف عملية الزفير . .

تعثرت بكتاب قد ارتمى على الأرض من مكتبة ابنة السلطان التي كانت تعتز بها وبما تحتويه من كتب متنوعة ، والتي كانت خير جليس لها .

ركلته بقدمها متأففة ، ثم تابعت طريقها وهي تتابع حديثها في داخلها :

- سنين طويلة وأنا أكدح ، وأشقى ، وأطرق الأبواب باحثة عن عمل ، وأجمع أجر تعبي مليماً فوق الآخر .. عملت جهدي ، وبإرادتي القوية نلت حريتي و استقلاليتي من كل ذكور العائلة ، و لماذا يحكمونني و جيوبي بالمال عامرة ؟ !

و اليوم لأول مرة أتذوق ما كانت تتذوقه ابنة السلطان ، ولأول مرة أتذوق ما أشتهي ، و أجلس أينما أريد دون أي قيد من أحد طالما أمتلك الكثير من المال .

تسلقت جبالاً ، وانحدرت إلى هضاب ، وعبرت ودياناً كثيرة ، وقفزت من فوق سواقي لا تعد .. بلدان كثيرة مرت بها ولم تأبه لها .. كانت تحمل طبق الرز واللحم ، وعملية الشهيق ضعف عملية الزفير ، وتضاعفت أكثر حين تراءى لها من بعيد أطلال القصر ، لم يعد قصراً بل ذكرى قصر ، ولكنها رأته قصراً .. فهي اليوم ابنة السلطان ، ويجب أن يكون لها قصر.

هاهي الأشجار ذاتها . بظلالها وأوراقها الخضر المغسولة ، والأعمدة الرخامية مازالت منتصبة ، وجانب كل منها حارس يتكئ على سيفه المجهز . يحرس الأميرة وجواريها ، وهذا هو المسبح الملون بلون السماء الحنون ، وذاك حوض السمك ، وهذه العصافير مازالت تشدو وتغرد ، والشمس هي الشمس . مازالت تشرق عندهم دائماً ، وتغرب عند الآخرين .. .

وهذا كرسي ابنة السلطان ، وكلب ابنة السلطان ، وأنا وحدي بينهما .

وضعت الطبق فوق المنضدة أمام كرسي ابنة السلطان ، وبدأت تفتل حول نفسها فاتحة ذراعيها للشمس والهواء النقي مغمضة عينيها لتعيش في حلمها الذي أصبح واقعاً في خيالها ، وبدأت تصرخ بأعلى صوتها :

- يا سلطان .. يا سلطان أين أنت الآن ؟

يا ابنة السلطان قد دارت الأزمان ..

اليوم أنا ابنة السلطان .. بل أنا السلطان.

وانكبت على الأرض بعد أن أعياها الفتل حول نفسها .

تحسست بيديها جفاف حلقها من كثرة صراخها .. ندهت بصوت حنون على الحراس تطلب قطرة ماء ، وحين أحست بأنه لا أحد يسمعها شربت من ماء عينيها ، ثم مسحتهما بكفيها ، واتجهت بخطوات ثقيلة نحو طبق الرز واللحم ورائحة التوابل التي باتت دون طعم ، ودون رائحة . تنهدت وقالت :

- فعلاً طعام ابنة السلطان لا يتذوقه سواها ، ولكنني سأتذوقه .

مدت يدها إلى وجبة أنفقت سنيناً من عمرها وهي تجمع ثمنها ، ولكن يد الكلب امتدت قبل يدها ، والتقطت أكبر قطعة لحم في الطبق .. استدارت نحو الحركة المفاجئة من خلفها .

لا تعرفه . لم تصادف هذا الوجه من قبل امتدت يده ومسحت على منكبيها ، وأنفاسه تعلو على أنفاس الكلب الذي انشغل بوجبته ..

ضربته بقوة على يده ، فابتعد عنها قليلاً .. مدت يدها ، والتقطت قطعة لحم و ألقتها في فمها قبل أن يلتقطها الكلب ، ولكن يد الغريب عادت تتحسس منكبيها .. ضربته من جديد ، وبقوة أشد قاصدة إيلامه ، ثم ألقت في فمها لقمة رز متبل .

مد يده الكلب .. ضربته ، فامتدت يد الآخر تتحسس عنقها ، وأنفاسه تشرب من عطر الياسمين .. شدت بعصبية طوق الياسمين ، وألقته في وجهه ، ثم صرخت :

- يا الهي .. من أين جاء هذا الرجل في مثل هذا الزمان ، وفي هذا المكان .. ؟ !

كل ما أعلمه أنه لا يوجد هنا سواي ، وحلمي .. والكلب .

استدارت نحوه . ألقت إليه نظرات مليئة بالقرف ، ثم خاطبته :

- ليتك من رجال زمن سيدتي . تلقي علي التحية ، وتنتظر أن آذن لك بالجلوس قبالتي .. أبادلك احترامي ، وربما أقاسمك طعامي .. و .. وفراشي

خمنت أنه خجل من كلامها ، ولكنه العكس . هجم عليها ليحتضنها . محاولاً امتلاك جسدها .. دخل معها معركة سلاحها فيها يداها وصوتها .. ألقت به بعيداً متدحرجاً على العشب . نظرت ، فانفجرت ضاحكة من لمعان وجهه وشاربيه اللذين دلكتهما بسمن يديها ، وحبات الرز المفلفل ..

مدت يدها بسرعة ، فامتدت يد الكلب بسرعة أكبر . تذكرت تعامل ابنة السلطان مع كلابها ، فألقت له بعيداً عنها عظمة . ركض باتجاهها لاهثاً ، ثم انشغل بها .. تحرك الغريب من جديد قبل أن تحرك يدها نحو الطبق ..

بحثت عن شيء تلقي به له . لم تجد سوى فردة حذائها المتعب المركون بجوارها ليرتاح قليلاً من كثرة التصاقه بقدميها .

ألقته عليه . احتضنه ، وبدأ يصبّ أنفاسه الملتهبة فوقه ، ويقبل به رائحة قدمها ، وشارباه تكنسان آثار الغبار ، وآثار خجلها عليه .

ارتاحت من الاثنين معا .. عادت إلى طعامها ، فعاد إليها الاثنان . بصقت في وجهيهما .. تألمت على منظر الكلب لأنه لا يعرف كيف يتخلص من آثار فعلتها على وجهه ، بينما هو مسحها بيده ، وبدأ يلحسها متلذذاً .

فجأة أحست بموت شهيتها للطعام ، وامتلكتها رغبة التقيؤ ، وقد بدأت أمعاؤها تطحن بعضها البعض . نسي الكلب ما حدث له قبل قليل ، والرجل قد أنهى لذته من لعابها الملتصق على وجهه ، فأحس أنه محتاج إلى المزيد منه ، وإن كان ممزوجاً بطعم اللحم الممضوغ ، والرز المفلفل ، وقرفها منه ..

هجم على جسدها من جديد محاولاً إطباق شفتيه على شفتيها ، ويد الكلب بدأت تقلّب الرز واللحم في الطبق ، وبدلاً من أن تدافع عن جسدها حين لاح لناظريها من بعيد خيال رجل آخر غريب ..

حملت بيديها الطبق ، وقلبته بمحتواه فوقهما ، وهبت تدور حول نفسها مرعوبة ، وهي تصيح بأعلى صوتها .

- يا سلطان .. يا سلطان . أين أنت الآن ؟

يا ابنة السلطان . ليتها تتوقف دورة الأزمان .. لا أريد الحرية ، ولا الاستقلالية ، لا أريد ألفاظا حفظتها عنك .

في السابق ، وفي اللاحق أنا خادمة السلطان ..

ليته يعود زمن الحريم ، والجسد المصان .

وانكبت على وجهها بعد أن أعياها التعب والقرف ، و فجأة أحست بلمسات ناعمة و حنونة على منكبيها .. استحضرت بصرها الذي كان مسافراً مع خيالها .

ركزت نظراتها فهبت واقفة بابتسامتها الصادقة . إنها في حضرة ولي نعمتها .. انه السلطان .

 

 

 

حديث الذاكرة

 

 

عاريةٌ أنا .. ولأول مرة يخجلني العريّ ..

وقفت روحي مذعورة .. نظرتْ في مرآتها .. أذهلها عرييّ الذي له رائحة كطعم العلقم .

امتدت يداي ، وتحسست الجسد .. إنه في كامل كسوته الصوفية ، والجوارب جديدة يعجز الهواء عن اختراقها إلى القدمين اللتين تختلجان كأوراق الخريف ، وقد طفح الاصفرار على سطح تلك الجوارب ، فحوّل لونها إلى شحوب بغيض .. .

جالت عيناي في أرجاء الغرفة .. مسحت بنظراتها الأثاث المزدان المريح ، ثم توقفت عند أقدام المدفأة الملتهبة ، تحوّل اللهب المتراقص في أحشائها إلى دفء يتوزع في أنحاء الغرفة كلها ، ولكنه يلقى صدوداً من روحي الموصدة ضد كل دفءٍ يأتيها من الخارج .

هناك جبال من الصقيع تراكمت داخلها . أوصدت الدفء فيها ، وأطفأت الأنوار كلها .

وقفتُ ..

مددتُ يديّ في الهواء مشدودة ، وحركتهما إلى الأمام وإلى الخلف ، ثم ثبتُّ الجذع إلى الأسفل وأعدته واقفاً عدة مرات ..

حاولت بتلك الحركات الرياضية أن أملأ رئتي من الهواء المعتق الخثر الذي يملأ فراغ الغرفة علّه يبث الدفء في جسدي الذي تعاضد مع صقيع روحي ، ولكن دون جدوى .. .

اقتربتُ من المرآة الكبيرة . تأملت الجسد الممشوق ، والوجه الجميل الذي طرد النظارة من دنياه منذ أزمان ، فدبت فيه برودة الخريف ، واصفراره .. .

ترى ما السبب ؟!

ما هي الخطيئة التي ارتكبها ذلك الجسد فجفلت منه الروح ؟!

تحسستُ خلايا جسدي . بحثت عن أثرٍ يدل على فعلته .. .

ذُهلت !

توقفت يداي . لم أجد لذلك الجسد جذوراً ممتدة في تربته . قطعتها سكاكين حادة بأسباب مفتعلة لا وجود لها . أغمضتُ عينيّ . فركتهما حتى خيّمت عليهما صور كثيرة من الماضي .. ابتسمتْ تقاطيع الوجه حين توقفت عيناي عند تلك الصورة البديعة ..

دار الأهل عامرة بأثاثها ومآكلها ، وأيادٍ كثيرة ممدودة متآلفة ، وورود ملونة يفوح منها عطر الطفولة اللذيذة . اتحدت أصواتها غير المسموعة مع أصوات العصافير الساكنة بين الأشجار المعمِّرة .

الضحكات متناثرة هنا وهناك في أرجاء الدار الواسعة ، ومآسٍ معروضة تذوب وتتلاشى أمام الضحكات ، والسنديانة القوية تتصدر المجلس محتضنة الجميع بظلها الدافئ الحنون ، وخضرتها الدائمة ، وأنا كالوردة الندية اخترتُ في حضنها المكان الدائم لي .

ولكن يد القدر بجبروتها لم تخجل من جمال تلك اللوحة البديعة . انهالت في غفلة من الجميع واغتالت السنديانة .. فتساقطت أوراقها سوداً فوق الرؤوس ، وأمام الأعين الواجمة من الصدمة ..

لحظات وتقاطيع وجهي واجمة ، ولكن سيلان الدمع على الخدين أدار دولاب الذاكرة إلى جهة أخرى بعد أن أسدل الستارة السوداء على المسرح الذي تفكك أفراده ومشى كل منهم في طريق معاكسة للآخر . تربط تلك الطرق نقاط التقاء معدودة ، ولكن مسافاتها بعيدة وكلما تقدم الزمن ابتعدت تلك المسافات وقل عدد الملتقيات ، حتى جاء اليوم الذي اضمحلت فيه وتلاشت .

وما زلت أرتجف برداً . تناولت شالاً صوفياً وأفردته فوق كتفيّ . شالٌ هو كل ما ورثته عن تلك السنديانة الغالية . تمسكت به يومها وبقوة حين امتدت الأيادي متشابكة .. متضاربة .. كان سباقاً فظيعاً .. كل منها يريد أخذ كل شيء ، وكلها بعد أن استحوذت على كل شيء امتدت إلى الشال الصوفي الذي كنتُ به مشغولة .. ومهمومة .

بحثتُ عن مكان له ، كي أحصنه من الأيدي الممدودة إليه ، فرمى بنفسه في أقرب مكان إليه .. قلبي .

تأمله القلب الكسير ، ومدّ أصابعه يتحسس كل خيط فيه ، وكل قطبة مشغولة ، فتذكر الكفين المعروقتين اللتين حاكتاه .

في هذه البقعة ابتسامة .. وفي هذه فرحة .. وفي تلك دمعة .. وفي أخرى حسرة ..

جلستُ القرفصاء على الأريكة محاولة تغطية كامل جسدي بأطراف الشال ، فتلاحقت الصور من جديد أمامي ..

رشفتُ من فنجان قهوتي حين امتدت يدها وتناولت فنجانها .

هامت ابتسامة في أرجاء الغرفة ثم استقرت على وجهي بعد أن مسحتْ عنه برودة الخريف واصفراره ، وأسكنتْ الربيع الوردي في مكانه ، وصوتها الرخيم يعلو .. ويعلو ، وأنا أهزُّ رأسي مقتنعة بكل نصيحة ، وحكاية روتها لي .

وكلما قلبت يداها الشال وهي تتعجل إنجازه تبتسم وتقول لي :

- سيكون واقياً لكِ من برد الزمان .. ستجدين نفسك يوماً عارية من الجميع .

تحسستُ كتفي .. لملمت أذيال الشال تحت قدميّ ، وما زالت الصور تتلاحق ، وابتسامتي تكبر .. حتى شعرت بالحر يخنقني ، والعرق يتصبب سيولاً من أنحاء جسدي .

نهضت لكي أخفف من قوة احتراق الوقود في المدفأة ، فوجدتها باردة ، والوقود قد لفظ أنفاسه ..

خففت من ملابسي الصوفية مرة بعد مرة ، وظللتُ ملتفة بالشال الصوفي .. نظرت إلى المرآة .. ذهلتُ هذه المرة أكثر ..

إني عارية حقيقة ، وظل الشال الصوفي يلفني ..

فيه رائحة أهلي ، وفيه كل الذكريات الحبيبة التي تبعث الدفء في الروح ، والقوة في الجسد .

 

 

 

تذكرته

  

صغيري الذي بقي مسبوتاً في ملاعب الطفولة . هدهدته ، وحملته بين جنبيّ علني أجد له بقعة خضراء يكللها الأزرق الصافي ، فأتركه يحبو عليها ، ويترعرع ، ثم يتحول إلى شجرة تزهر وتثمر ، يأكل من رطبها المتعبون ، فتمسح عن وجوههم الهموم ، وترسم تلك الثمرات الابتسام على القلوب المتعبة بريشتها المسحورة ، فتنضح هذه القلوب ما هو مخزون ومسبوت من حب ومحبة ..

تنقلت كثيراً بين البلدان ، واختلطت أكثر مع الشعوب المتنوعة الألوان .

(( يا إلهي ! .. هل أصبحت الهموم بَرَداً يتساقط من السماء على كل أنحاء العالم ، وفي كل الفصول ، دون موعد ، وقبل أن تحتاط منه المخلوقات .. ! )) .

واليوم حطت مراكبي هنا .. في أحد موانئ أثينا .. الجو ربيعي رائع . استطاع أن يغريني ، ويأخذ بيدي للانشراح والتجوال .. الشعب مختلف الألوان والأجناس . منهم أهل المدينة الأصل ، وأكثر منهم السوّاح .. هنا أيضاً هموم متباينة كتباين طبقات الشعب الموجود ، بين فقير وغني ، وجاهل ومتعلم ، وصحيح البنية وسقيم . ولكنني ذهلت حين رأيت الابتسام مرشوشاً كالعطر على الوجوه ، والنساء دخلن منافسة واضحة في أناقة المظهر والتعامل مع المحيطين ، مما يرغم الرجال على تقليدهن بذلك .

تساءلت:

- ألا يوجد في هذه البقعة هموم تمسح الابتسام عن الوجوه ؟!

هل نسيهم الزمن كلهم وتركهم يمرحون في ملاعب الطفولة .. هل استقر الفرح كله هنا فوق هذه البقعة الخضراء التي يكللها الأزرق ..

هل أحرر صغيري الذي ما زال مسبوتاً ؟!

وإلا فكيف يلتقي الهم والابتسام على وجه واحد ؟!

أجابني نداء خفي :

- هنا كل منهم لديه مخزن لا مرئي . يودعه همومه ، ثم يحمل فوق وجهه الابتسام الذي يحرر الروح من كل القيود ، ويسعى للبحث عن بقاع خضراء يكللها الأزرق النقي .. تلتقي فوقها طفولته مع كل الأطفال الذين ينضحون حباً ومحبة .

أعجبتني اللعبة أحضرت مثلهم مخزناً لا مرئياً . أودعته همومي ، وحملت الابتسام فوق وجهي ، ثم حررت قيود طفولتي التي بدأت تدق الأرض بخطوات تفيض جمالاً وحيوية .

استوقفني الإعلان المكتوب في عدد من اللغات :

(( رحلة بحرية في سفينة مجهزة بكل أسباب الهدوء والسعادة بأسعار متهاودة . تقلع من الميناء صباحاً . تتوقف في عدد من الجزر ، ثم تعود إلى الميناء نفسه مساءً . ))

صعدت إليها مع من صعد ، وأكثرهم مثلي وحيداً ، استوقفنا طاقم القيادة في المدخل بلباسه الفلوكلوري المحلي .. أشاروا لنا بالاستعداد لالتقاط صور تذكارية معهم ، ثم دلفنا بعدها إلى البهو الكبير الذي نقل ذاكرتي إلى صالات القصور الأندلسية في فخامته ، وألوانه الزاهية المنعشة .

تقابلنا في مجالسنا حول الطاولات المصفوفة بهندسية متقنة . حيث الجالس يرى الجميع وهو مرتاح في زاويته ، ويده تداعب الورود الطبيعية المحيطة به . وبينما بدأت الأيادي تمتد لتناول كؤوس العصير.. بدأت الابتسامات تختلط ببعضها البعض على الوجوه المتقابلة ، وكلمات من محاولات التعارف في مختلف اللغات واللهجات .

شعرت أن أصحاب اللغة الواحدة تتحرك بينهم ذبذبات ممغنطة .. اتسعت ابتسامتي أكثر حين أحسست بأنه ستخلق قوميات آنية بين أمواج البحر . لا يربط أصحابها سوى الالتقاء في معرفة لغة واحدة تخدمهم في تبادل أطراف الحديث ، ومن ثم تبادل الحب والمحبة .

وتحددت معالم قوميتي معها .. تلك السوداء الجميلة بثوبها الوردي الزاهي ، ونظراتها الرزينة العميقة . قالت لي :

- إنها شمت رائحة البارود مع سحبة الهواء الأولى ، وتذوقت الجوع والحرمان قبل حليب أمها ، والذل والإهانة تربَّت عليهما .

احتضنت كل هموم أفريقيا في أحاسيسها ، ونمت بين أضلعها ، حتى أصبحت قضيتها التي تعيش وتناضل في كل المجالات من أجلها ، ولكنها أعطت لروحها عطلة آنية مثلي . تريد استعادة البعض من ملامحها الإنسانية التي كادت أن تذوب وتتلاشى تحت وطأة ضغوطات الواقع المرير المغطى بالأبيض .

أسعدتني كثيراً صحبتها ، مثلما أُسعد كل سائح وحيد التقى صحبه على متن هذه السفينة .

أكلت معها ، وشربنا ، ورقصنا ، وتبادلنا نخب أملنا الواحد : أن يسود الحب العالم كله .

انفردنا بعضاً من الوقت ، والآخر قضيناه مع الجميع في البهو . نشارك في الغناء والرقص ، والفوازير ، والمسابقات ، والتفرج على الدبكات الفلكلورية المحلية ، والتجوال السريع في الجزر التي حططنا عليها ، والتعرف على آثار الشعوب الغابرة في تلك الجزر ، والتقاط الصور التذكارية فيها ..

قبل المغيب التففنا جميعاً على سطح المركبة نتأمل جمالية التقاء اللون الأزرق من حولنا ، ومن فوقنا ، واختلاطه مع بعضه البعض ، فأصبح اللون الوحيد في ذلك الفضاء .

والنوارس منتشرة أسراباً أسرابا بأجنحتها التي تبث في نفوسنا الهدوء والطمأنينة ، وتبشرنا بالسلام الذي أصبح حلماً واحداً للجميع ..

يا إلهي !

ما نوع هذه النوارس ، ومن رباها على المحبة والتآلف مع كل أجناس البشر الموجودة على متن السفينة هذه ؟!

لقد حفظت من كثرة ترحالي على متن السفن بأن النوارس ترافقها بعض المسافات ، ثم تودعها وترحل .

لم ألتقِ مثل هذه .. تقترب بهوادة من الأيدي الممدودة لها حاملة في باطن أكفها المفتوحة قطعاً من المكسرات . تلتقطها بمنقارها بكل هدوء ومحبة ، ثم تعود لتنظم إلى سربها من أجل إتمام سمفونية الحب والسلام التي رافقتنا بها طوال الطريق ، تأملت رفيقة رحلتي ، وقبل أن أودع ما تبقى لدي من الابتسام في

قلبها ، والتقاط ما تبقى لديها منه ، كي أسكنه بين ضلوعي ..

تأملت البحر بعمق وسألته :

- هل استطعت أن تصادر منا تلك المخازن اللامرئية التي أودعناها همومنا وتركناها بعيداً عنا حين التحمنا معك ؟

بكى وقال مستودعاً :

- خذوا آثاركم معكم . أخاف أن تثقل ظهري وتغرقني ..

استدرت ناحية الأرض مستعطفاً علها تكون أرحم ، فأجابتني :

- ألا يكفي أنني أحمل البعض منكم فوق ظهري ، والبعض الآخر في جوفي ؟

وقبل أن يخيب أملي في التخلص من حمل ذلك المخزن الذي بات يخنق أنفاسي ، ويحبط روحي . رفعت رأسي أستجدي النوارس علها تجد له مكاناً في الفضاء الرحب .

رمقتني بنظرة حانية ، ثم صفقت بأجنحتها ، وبدأت تهمهم في السماء ، وكأنها تستعد لتبدأ سمفونية حب جديد ترافق بها رحلة قادمة .

سألتني رفيقتي بنظراتها الرزينة العميقة :

هل توجد سفينة تتسع للعالم كله ، وترافق تلك النوارس مدى العمر ؟!

 

 

 

هنا استقر الفرح

 

حين أبصرتُ النور أحببت الحياة ، وحين ارتسم الابتسام على الوجوه ، وانتهت عذابات أمي التي فرحت بقدومي . اقتطفتُ حزمة من ذلك الابتسام ، وأسكنتها في قلبي .

أحببتُ الماء والهواء .. أحببتُ الأزرق والأخضر .. أحببتُ الحب ، وأغدقتُ به على سنوات طفولتي . ويا لوعتي . تمنيت لو أن الزمن نسيني هناك . حين كنت أمرح في ملاعب الطفولة .

بحثت عنه كثيراً بينهم ، وبدا لي أنه أصبح سراب . سألت عنه ، فأتاني الجواب :

- لا وقت لدينا نهبه لمصطلحات فارغة لا تُطعم الخبز .. الحب والمحبة تركناهما لك ولأمثالك الذين ينامون دون هم يؤرقهم .

تهت في الطرقات ، وازداد صخب صمتي .. تحول إلى ضجيج يذكرني كثيراً بأصوات قرع الطبول الجنائزية .. .

أمسح الوجوه بنظراتي ، فأجدها مثقلة بالهموم المتعددة الألوان .. الفقر . المرض . القهر النفسي ، والقهر الجسدي . الاقتتال والدمار ، والمستقبل المتعرج الملامح ، والأحلام المصلوبة على صخرة الواقع العتية ، غير مقتولة ، ولا متحررة ، فتظل هي نافذة النور الوحيدة للأمل .

شعرت أنه لا محال ، ولا مجال للتفرد بأحاسيس ماتت منذ أزمان . استبدلت حزمة الابتسام بحزمة من الهموم المرسومة على كل الوجوه ، وأسكنتها في مكانها ، وأصبح الهواء يخنقني ، والماء لا مذاق له ، وتعلقت بوحدتي التي ألفتها ، وأضحت أنيسي ضمن صخب آهاتي ، وبالرغم من حبي للعتمة والهدوء الخافت الذي يغطي روحي . يتمدد فوقها كما يتمدد لحافي فوق جسدي ، ولكنني ظللت أخاف الليل . أحسه أحياناً كرجل أعمى . يتخفى وراء نظارته السوداء فيسمع همس روحي ، وحفيف أناملي التي تتحسس مواجع ألمي ، وأحياناً أخرى أحسّه كرجل أصم . يرقبني من بعيد ، ويرصد تحركاتي ضمن سجن داخلي ، وقوقعتي ، ودون أن أسمع أي صوت له .

هناك علاقة قديمة بيني وبين سواده .. مُذ كنت مضغة في رحم أمي ، فأضحت كل أحلامي التحرر من قيود ذلك الظلام كي أبصر النور ، ومنذ اختطف من أحببت فأعادهم إلى رحم الأرض ، وأطبق عليهم سواده ..

إني أخافه ، واضطررت حين اكتشفت أنه لا مهرب لي منه أن أقيم معه هدنة .

أصبحنا رفيقين حتى وأنا في حضرة الشمس العمودية . يرافق عيني سواده الذي عشعش في زوايا دماغي ، وتحول إلى حسرة دائمة في نظراتي

وعلى غفلة مني ، ودون أن أدري تحرر أحد أحلامي المصلوبة ، وتسلمت عملاً يقتضي أن أجوب من خلاله أنحاء مختلفة من العالم .

 

 

 

تين الصبّار

 

 

لا أحد منكم يستطيع تكذيبي إذا قلت إنني كنتُ فائقة الجمال في شبابي ، وحجتي أنني مازلت أمتلك الكثير منه .

ولا أحد منكم يستطيع تكذيبي ، ويقول إن حكايتي هذه من نسج خيالي ، ولا تحدث على أرض الواقع .

ولكنكم توافقونني بأن جمالي هذا كان سبباً في توظيفي بموقع أُحسدُ عليه ، بالرغم من تدني شهادتي ، وزواجي من رجل تمنته الكثيرات . .

لقد كنت أتلذذ بهذه النعمة التي تبث أمواجاً من العطر الفواح حولي . تجذب بها القلوب والأبصار ، فأخلع عني ثوب الخوف والتردد حين أعتلي صهوتها وأركب درب الصعاب الذي يتحول إلى سهول خضراء . . .

وفجأة انتابتني أحاسيس متباينة وأنا أمسح قامته بنظراتي ، وابتسامة خبيثة حبستُها خجلاً من تمردها في مثل هذه اللحظة الحرجة .

هل مازال يراني جميلة ، ومغرية ، بالرغم من تقدمي في السن ، ومظهري المتزن ؟!

هل مازال يعتبرني كتين الصبّار فاكهة لذيذة ، ولا بد من تذوقها رغم الأشواك المحيطة بها ؟

ربما نعم ، وربما نسي طعم الفواكه ، ورائحتها ضمن زنزانة همومه الحاضرة ، وربما لديه رغبة جامحة في هرس ، ودعس كل أنواع الفواكه ، واللذة التي قادته إلى ما هو فيه .

لا أعتقد أن هذه القامة النحيلة ، والوجنتين الغائرتين تتمنى أكثر من وجبة دسمة تملأ بها معدة خاوية .

أخبرتكم أنه انتابتني أحاسيس متباينة من الخوف ، والفرح ، والاستهتار ، ولكن إحساسي بهيبته التي كانت عليه في الماضي ، بقي هو الغالب . فوقفت أنتظر منه أن يبادرني التحية . . .

طال صمتنا ، وحكت نظراتنا الكثير من الماضي ، وعن الحاضر .

يا إلهي ! هل المصائب تُذيِّب العظام ، وتُقزِّم القامات .

كان فارع الطول ، عريض المنكبين ، ممتلئ الوجه ، ضخم القامة ، حتى جمجمته بدت أصغر بكثير من حجمها السابق ، وكفه التي لامستُها بتحية انتزعتُها منه انتزاعاً ، بدت لي وكأنها أصغر من كفي .

حين رآني أمامه ، تحولت دهشته إلى تجمد ورجفان في تلك القامة المتقزِّمة ، فخرجت الكلمات بطيئة هادئة :

- هذا أنت ؟!

- أهلاً أستاذ . تفضل . اجلس هنا . .

تجاوزت القوانين وطلبت له فنجان قهوة ، وناولته سيجارة من أحد زملائي .

لم يعترض مدير السجن ، لأنني أفهمته أنه قريبي حين طلبت منه إحضاره ، وهي فرصة أن أراه في هذا المكان .

التفَّ الدارسون حولنا ، وكل واحد منهم يوجه سؤالاً محرجاً أكثر من الآخر :

- هل أنت متهم أم محكوم عيه ؟

- ما نوع تهمتك ، وما هي بالتفصيل ؟

- ما هي عقوبتك ؟

استجْدتني نظراته ، وباعتدادي بمكانتي بين زملائي ، أشرت لهم بالابتعاد ، وتركِنا وحدنا لأنه قريبي .

وعاد صمتنا . .

لا أعرف إلى أين سافر فيه هو ، إلى جمالي وأنوثتي ، أم إلى ضميره ، ومحاسبته بدلاً من القوانين التي لا تحاسب إلا على الأعمال . .

وأخذتني أجنحة الذاكرة إلى لقائنا الأول . . حين باشرتُ في الشركة التي كان مديراً لها ، وقد تم نقل مكان عملي من مدينة أهلي إلى مدينة بيتي الزوجي ..

أذهله شكلي ، وأناقتي ، وبادرني فوراً بكلمات من التشهي والغزل ، ولكنها خالية من الخجل :

- عفواً يا أستاذ ، أنا متزوجة ، وأرفض مثل هذا . .

- كيف يسمح زوجك لهذا الجمال بالعمل ؟! تستحقين أنت أن تكوني أميرة ولها جواري .

- ولكنني أميرة بيتي ، وعند زوجي ، والعمل لم يُدرج في قائمة الإهانات الزوجية .

وبدأت المضايقات منه ، وأنا أتجنبه وأتحاشاه ، ، فاشتدت رغبته المتحدية لكل رفض ، وازدادت محاصرته لي .

وأصدر أول قرار ظالم تحداني فيه ، عمل إضافي مسائي .

لا يتواجد فيه سوانا ، والثالث مدير مكتبه الذي كان يسمع همس الصدور ، ويرى من وراء حيطان الشركة كل ما يدور فيها ، ومع ذلك فهو أعمى وأطرش لما يحدث داخل غرفة سيده ، وولي نعمته الذي لا يبخل عليه من النعم التي تكدّست في

جيوبه ، فحوّلها إلى عقارات ، وأثاث ومصاغ لزوجته ، والكثيرات من أميراته وجواريه .

ثم أصدر قرار العقوبة الأولى لعدم التزامي بما يسنُّ ، والثانية لأنني أهنته حين طلب مني أن أشرب معه القهوة في غرفته وحدنا ، فحوّلتُ كلماته الممجوجة التي حاول أن تكون طعماً في مصيدة ، إلى سمٍّ قاتلٍ لوقاحته . واعتبر ذلك اليوم تغيب دون مبرر ، وحجته أنني تأخرت عن موعد الدوام .

وتلاحقت العقوبات ، وتلاحقت أنفاسي في فراشي ، فأحَسّها زوجي ، وحاول جاهداً تفسير أرقي وقلقي . .

تحولت أيام العسل إلى عرائش من الحنظل في أعماقي .

هجرتُ الزينة والتبرج في مظهري ، ولبستْ نظراتي ثوباً تشاؤمياً يائساً ، وذبولي أصبح واضحاً لكل ناظر ، وأسئلة زوجي المتكررة :

- هل أنت نادمة ؟ . . هل أرغمك أهلك ؟

- هل كنتِ تحبين غيري ؟ . . هل أنا مقصرٌ معك ؟

ثم تلحقها أسئلة أهلي . . ما هو سبب ذبولك وشقائك يا ابنتي ؟. فتسيل دموعي الحارة ، وأنا أقسم بأنني سعيدة مع زوجي . . ونظراتي تحاول تمزيق ذلك الستار القاتم الذي يحول عليّ رؤية السعادة .

أية سعادة أراها ؟! أية مملكة أتمتع بتاجها وأنا ضمن قلعة كبيرة ومخيفة ، ولا أحد سوانا ، أنا والوحش .

عيناه مربعتان ، دائمة البحث عن جديد ، وفمه مستطيل يبتلع كل ما يعترضه ، وأنيابه كالسيوف ، ومخالبه اشتراها بنفوذه من نسرٍ جارحٍ .

وأنا دون سيف ، لقد كسرته غربتي وبعدي عن أهلي ، وأظافري قلَّمها زوجي بغيرته وظنونه ، وأسناني حين بحثتُ عنها ، وجدتها قد تحولت إلى لؤلؤ ومرجان لا تنفعني في المبارزة ، بل هي مطمع لغريمي ، ولِقُطّاع الطرق إن استغثتُ بهم .

فلعنت الجمال حين يتحول من نعمة إلى نقمة .

حاولت مراراً أن أستعرض لزوجي ما أنا فيه ، ولكن كيف أدفع عن نفسي تهمة سوف يتهمني بها ، إنني أغريته ، وغير بريئة .

هل أدفع عريسي إلى الإجرام ؟! أم أرتمي في أحضان الآخر ، أم أترك العمل الذي كنا بأمس الحاجة إلى وارده ونحن في بداية البناء ، وكان هو المتنفس الوحيد لي في غربتي ، وفيه أُثبت تفوقي أمام زوجي الذي ينظر إليّ نظرة دونية لأنني الأنثى وهو

الذكر ، ولا أعرف أيامها إن كان جاداً في نظرته ، أم كان يحاول قمع غروري ، وحمايتي من رياح خارجية شمَّ

رائحتها . .

كثرت العقوبات ، والحسم من راتبي ، وتعددت أيام غيابي دون مبرر بالرغم من وجودي في غرفتي ، وقيامي بأعمالي .

وقد أثبتُّ هذا للتفتيش ، حين وجدوا توقيعي على معاملات كانت في نفس الأيام التي سُجِّلتُ فيها متغيبة .

اضطررت أن ألجأ إلى التفتيش ، لا لأُثبت للمدير جوره عليَّ ، أو لاسترداد أجر تلك الأيام . . بل لأثبت لزوجي بأنني لم أذهب إلى أمكنة أخرى غير الشركة .

فكانت حجة زوجي قوية حين احتجزني في المنزل ، القيود التي قيدني بها كانت أصعب من السجن في تلك الغربة الموحشة . . وازداد كرهي لهما . زوجي الذي تسبب في تغيير محل عملي ، ثم خسارته ، والمدير الذي تسبب في سجني هذا .

فأقسمت أن أنتقم يوماً ، وتعددت أمامي صور الانتقام التي كانت دائماً تصطدم بقيودي وسجني وغربتي فتبوء بالفشل . .

ولكنني بلحظة أثبتُّ تفوقي ، حين انتشلتُ وحدتي من اليأس والاختناق ، وهربت فيها من تعدد صور الانتقام إلى برنامج الثانوية العامة ، وانتسبت في العام نفسه إلى الجامعة .

وفجأة عاد لي الحظ بعد أن يئستُ منه حين جافاني ، وهجرني منذ دخلت بيت الزوجية ، فتلاحقت انكساراتي ، وكان أكبرها أنني لم أنجب .

حصل زوجي على عقد عمل في الخارج ، وحصولي على ثقته بعد سنين المعاشرة ، وازدياد حبه لي دفعه للاعتراف بتفوقي والموافقة على إتمام دراستي أثناء غيابه .

ولكن خوفي من عودة زوجي على غفلة ، أو طلبه أن أرافقه إلى غربة جديدة وبعيدة دفعني إلى الجدية في الدراسة والتفوق أكثر . فوصلت على عتبة التخرج .

وقطع صمتنا مبادرته بسؤالي :

- مَنْ هؤلاء ؟ صحافة ؟

- إنهم طلاب التخرج في كلية الحقوق . يعملون دراسة للسجون والمساجين .

- وما علاقتك بهم ؟ هل حصلت على وظيفة هناك ؟!

- بل أنا مثلهم . على أبواب التخرج .

- جحظت عيناه ، وأمسكتُ بيديّ تمَزُّقه الداخلي ، ولكن ما رآه لم يقمع خبثه وحقده الساكن في أعماقه ، فحاول أن يرد لي إهانة صامتة سببتُها له ، فأردف بابتسامة ماكرة ، وبالرغم من التصاق أبشع تهمة على جبينه :

- وزوجك . هل طلقك ؟ . كان لا يستحقك .

- ها . . ها . . ها .

وعادت نظراتي تمسح قامته التي تقزّمت أكثر ، وتضاءلت .

أحسست أنها بدأت تتلاشى أمامي ، وحتى في ذاكرتي .

تحركت شفتي ، والضحكة مازالت تملأ فمي . سمعت صوتها عالياً وأنا أردد :

أنا وزوجي في نجاحات متلاحقة ، ومازال يحبني ، وأنا مخلصة له . . .

. . . وبعدها احكموا عليَّ بالإعدام

كم أحسد الذين لا يحسون بأحزانهم ، ولا يحملون أثقالها .. ويعتبرونها موجة عابرة على سطح بحرهم لا بد أن تتكسر وتتلاشى على صخور الشطآن ، وشطآنهم قريبة جداً من نقطة انطلاق أمواج الأحزان ..!