الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

الطقس الأزرق

 

         
         

 الفصل الخامس

 الفصل الرابع

  الفصل الثالث

  الفصل الثاني

الفصل الأول

بقلم الكاتب: غمار محي الدين محمود

 

                                                                     

الطقس الأزرق

 الفصل الأول

 

بعض الأماكن) الوارد ذكرها في هذه القصّة حقيقية أما الباقي وسائر الشخصيات فهي مبتكرة لا وجود لها في الواقع  .

 

 

مساحاتٌ ممتدّةٌ أمامه وعلى جانبيه ..

مساحاتٌ هي عبارة عن خليط غريب مكّون من أشلاء متنافرة وغير متجانسة فبعيداً عند آخر مرمى العين ومن خلال أكمة غير كثيفة من أشجار الكينا يبدو البحر عاتماً أنحله الليل لوناً داكناً تسبح فيه أنوار المراكب الصغيرة لصيادي الأسماك ..وابتداءً من الأكمة تلك تلوح كتل غير متناظرة بارتفاع وانخفاض هي تلال رملية يقال أنها مدينة أثرية غابرة تسكن هنا متلحفة بالرمال , و يأتي الطريق العام والسيارات الغريبة التي تقطعه ذهاباً

و إياباً مخلفةً أصوات محركاتها التي تتلاشى في المدى بهدوء ليفصل بين الحي وهذه التلال . ويقع تماماً على ذلك الطريق (مغسل سيارات ) أقيم أمام منزله تماماً ولا يفصل بينهما سوى فناء ألقيت فيه بقايا عجلات مهترئة وحديد صدأ وشجرة زيتون صغيرة , الله وحده يعلم كيف نمت هنا..ويشرف على هذا الفناء أيضاً وفي قطعة الأرض الملاصقة لغرفته شباك خلفي لمنزل انتهي من بناءه منذ فترة قريبة ولا اثر حتى الآن لقاطنيه الجدد . وفي الجهة الأخرى تقع منشرة أبو ميخائيل..وعلى رقع متباينة تنتشر بيوت الحارة مبتعدة عن الطريق العام باتجاه الشمال ـ وكأنها إحدى المدن القديمة التي تتوزّع على ضفة نهر عظيم  ـ وهناك غير بعيدٍ عن الحي ثمّة ما يسمى بالمنطقة الصناعية وهي عبارة عن محلات حدادة ونجارة ومحلات لتصليح السيارات ( الكومجيّة )  ..

كانت حارة غريبة . مزيج من نمط قروي حمله المهاجرون من القرى إلى هنا سعيّاً وراء الأحلام أو اضطراراً وذلك للقرب من مكان عمل , وضوضاء الحافلات والشاحنات التي لابد لها أن تسير على الطريق العام في توجهها إلى المنطقة الصناعية التي تتصل بطريق فرعي وحيد يتفرّع عن الطريق العام ويحاذي الحي السكني الذي يتكون من بيوت متشابهة قليلة تتخللها طرق غير معبّدة تتجمع على زواياها أكياس قمامة تنبشها دون كلل قطط جائعة ويمكن خلال النهار سماع عشرين صوتاً مختلفاً في آن واحد , أزيز المنشرة الرهيبة وهي تفترس جسد الأخشاب من عند منشرة أبا ميخائيل أو العبارات البذيئة للعمال عند أبو صقر ( صاحب مغسل السيارات ).. ومحركات الشاحنات..وصراخ أطفال يلعبون .. فوضى تشي بظروف بناء هذه البيوت ! حيث كانت هذه الأراضي في وقت ما تابعةً لأملاك المنطقة الصناعية والبناء فيها ممنوع , بيد أن التسلل الدائم للطامعين بحياة المدينة وغيرها بمعنى آخر وضع هذا ( الاجتياح السكّاني ) الدولة تحت الأمر الواقع وأجبرها على التغاضي عن الموضوع .فاضطرّت لتأمين الخدمات المختلفة حتى أنها بنت مدرسة صغيرة ابتدائية و إعدادية للأهالي ..

وقف على سطح المنزل ومرر عينيه الصغيرتين السوداوتين الواقعتين في محجرين عميقين في جمجمته, واللتين يعلوهما حاجبين كثين كجناحي نسر على تلك المساحات العاتمة , في فمه سيجارة تضيء جمرتها وجهه بلون برتقالي خفيف يُبرز في عتمة الليل تجاعيد و أخاديد

و آثار خياطة وغيرها وتعابير قلقة مشمأزّة . الأغاني تنبعث من غرفته وتوافي أذنيه بشكل أشوه لاختلاطها بالأصوات الأخرى وسحابات الدخان التي تنفخها رئتيه تنتشر أمام عينيه لتزيد من ضبابية المنظر الساكن .

لا فائدة ! صور متكررة ليس إلاّ فقد إحساسه الحقيقي بها, ربما في ا لسابق قبل الحادث كان ينال سلواناً خاصاً وبهجة من الوقوف في هذه النقطة بالذات حين كان يداهمه القلق أمّا الآن فثمّة غربة حقيقية تغلف نظرته لهذه المساحات التي شهدت أغلب سني حياته !

الآن يتلقى عقله هذه الصور كأنها من حياة أخرى عاشها في جسد آخر وشكل آخر يتذكّر خيالات سكرى عن المكان الذي عاش فيه ولا يعثر قط على عواطف حقيقية و إنما يناله فقط أشلاء أحاسيس باردة مبهمة !!

 منذ ساعات كانت تعج هذه المساحات بحركة مستمرّة والآن هدأ كل شيء باستثناء سيارات غريبة تعبر الطريق ..

كل الحركة التي شهدها النهار غابت في جوف الليل.. ابتلعها ..فهدأ أزيز المنشرة وسباب العمال في مغسل السيارات و أصوات الأولاد , امتص الليل الألوان و الحركات و رغبة الناس في العمل , وضرب على البحر والسماء حجاباً من العتمة, فلاح البحر من بعيد حفرة هائلة تبدو كنهاية العالم .

لقد دفعه لا شعوره إلى الحج لمواطن شهدت في السابق متعاً نفسية وروحية ..دون فائدة , ما كان يرجوه إذاً من وقوفه هذا على سطح المنزل لم يحصل عليه .خاب أمله .  فاستدار لينزل على السلم الخشبي  المستند إلى حائط غرفته والذي أصدر زقزقة كأنه يتململ من الثقل..وإذ نزل أضحى أمام غرفته في الفناء المنظم بذوق قروي بسيط تتوزع عليه الغرف الثلاثة المتفرّقة التي تكوّن البيت فثمّة خم صغير للدجاجات في إحدى الزوايا ..وقطعة أرض مزروعة بالورد الجوري وبضع شتلات خيار وبندورة وبصل أخضر ..وعلى أطراف الفناء الذي يحيط به سور من الخفان القديم يرجع إلى بدايات انتقالهم إلى الحي..حيث بناه مع والده لتحديد الأرض وفي جهتين متقابلتين تقع غرفة شقيقه عبّاس و زوجته ومقابلها غرفة والديه التي ينبعث منها شخير والده مالأً الفناء ليوثق قلقه ويهزأ به.. بالإضافة لغرفته .

أشعل سيجارة أخرى ثم دخل إلى الغرفة وقد شعر ببعض البرد .

في الليل تكتسب الأشياء معنىً وشكلاً آخر إذ تصبح أكثر غموضاً ويتغير شكلها وحجمها

وكذلك أفكاره و انطباعاته عن نفسه وجسده . هكذا فكّر مقتنعاً أنه بعد الحادث 

لم يتغير فحسب بل فشل في العودة إلى مكانه وزمانه حتّى ! نظر في موجودات غرفته البسيطة التي تفوح منها روائح الدخان والجوارب القذرة , خزانة تقف على أربعة حجارة (خفان ) سرير خشبي مبعثر الأغطية , طاولة تتناثر عليها ظروف الأدوية المختلفة لألم الرأس للضغط ..مسكّن آلام ..والحبوب التي قال له الأطباء أنها ستعيده إلى ما كان عليه ..ودفتر بصفحات صفراء  مرميّ على الطاولة منذ سنوات وعلب السجائر الفارغة ومسجلة.. تلفزيون .. لوحة تمثل قارباً يعود عند الغروب إلى شاطئ صخري ..نافذة بستائر ذات لون أخضر . وفي الزاوية اليسرى إلى جوار الباب تماماً حيث يعلّق ملابسه ثمة تاريخ مكتوب بقلم أسود عريض إنه السادس عشر من أيلول  التاريخ الذي لم ينساه في حياته أبداً !!

استند بظهره على الباب محدّقاً بالخطوط والتعاريج التي ترسم هذا التاريخ يسترجع معانيه وآلامه . منذ سنتين عندما كان يعمل سائقاً على إحدى السيارات التابعة للمرفأ وأثناء سفره إلى العاصمة في مهمة مع أحد المهندسين اصطدم في محاولته لتجاوز شاحنة بشكل مخالف لقواعد السير بأساس احد الجسور ..ما زال يذكر تماماً كيف سأله  ذلك المهندس عقب جلوسه إلى جواره في السيارة  عن التاريخ فأجابه :

اليوم هو السادس عشر من أيلول   على ما أعتقد فكتب المهندس على ظهر المظروف ذلك التاريخ وانطلقوا..بعد ذلك لتبدأ حياته الجديدة . أصيب المهندس بإعاقة دائمة . وخرج هو من المستشفى بعد شهرين بأعضاء إضافية جديدة هي عبارة عن أسلاك وصفائح في فخذه وفمه..وخيوط , وعمليات تجميل للوجه وأضلاع مكسورة وفقدان جزئي للذاكرة ! ثم كان عليه دخول السجن لمدّة ستّة أشهر لمخالفته قواعد السير أثناء القيادة ( أعفي منها وتم تسريحه من عمله بعد الفحوصات التي أجراها له أطباء الأمراض العصبية) ..وأبقي له على جزء من الراتب جارياً . منذ ذلك الحين وهو يشعر بأنه أصبح شخصاً آخر وثمّة وقع مختلف للأصوات التي يسمعها وللوقائع التي يراها ..

لا فائدة يبدو انّه لن يعثر على لحظة الهدوء ..التكرار الخالي من المعنى ولا شيء سواه إنها مفرزات الوحدة الكئيبة..وليس النوم بكوابيسه المتواترة بأفضل حالاً .  إنّه مستلق على السرير الآن والساعة ناهزت الثالثة والنصف والموسيقا تنتشر في فضاء الغرفة ـ الأمر الذي يضايق أهله كثيراً _كي يريح أذنيه من سماع محركات السيارات التي تذكّره بذلك التاريخ, ولا توجد أيّة رغبة بالنوم لا بل لا توجد رغبة بفعل أي شيء , ويتساءل هل من المعقول

أن يكون هذا القلق الذي أصابه منذ يوم الحادث ناجم فعلاً عن خلل طاول الأعصاب المسؤولة عن النوم !!أم ماذا ؟ ربما لأنه لا يمارس أي عمل يضطر جسده لالتماس راحة

عن طريق قسط من النوم . ولماذا العمل في الأساس ؟ لأي غاية ! إذا كان أفضل عمل سيدر علي راتباً لا يزيد عن راتبي إلاّ ببضعة ليرات .

كل شيء فيه يسير نحو النهاية لقد شارف على الأربعين تقريباً وليس أمامه سوى الفراغ والمستقبل لديه مفهوم أجوف لا يبدو له بأي شكل . يفكر ..يفكّر ويخطط لحياته أموراً تمر كخواطر عابرة لتحل محلها قرارات أخرى وذلك بسبب طبيعة ذاكرته الجديدة التي ينأى عنها التركيز والوضوح..لكنه كان على ثقة غريبة بأن يومه آت وحظه في مكان ما سيأتي ليجرفه كالسيل في لجة من السعادة والاستقرار لذا أدمن على شراء أوراق اليانصيب حيث الحظ _ولابد _ يختبئ وراء إحدى الأرقام ...

ليل طويل ووحدة مبهمة بغيضة وباردة إلاّ أنها أساسية يهرب إليها من محيط يراه صعباً كالصخر كان يضيع  أحياناً ارتباطه به..تدور في نفسه الأحاديث والحوارات الشتى  وأحلام اليقظة ومن ثم يلسعه الملل والقلق  فيجد نفسه في الفناء من جديد حيث عبرت هرّة رقطاء نظرت إليه بعينيها اللامعتين ثم مضت بقفزة واحدة من أمامه . وسيجارة أخرى وفمه يفيض بطعم مرّ ورائحة كريهة من جرّاء التدخين المستمر  ومشى في الشارع

الهادئ , منشرة أبو ميخائيل مغلقة و إلى جوارها كومة من الأخشاب المحطمة والنشارة كمخلفات مذبحة ..ومنزل أبو أمجد الذي انتقل مؤخراً إلى الحارة وهو رجل بسيط مرح يعيش مع زوجته لوحدهما هنا بعد أن تزوج أولادهم وتفرقوا في المدن ..عمل ضابطاً في الجيش أكثر من ثلاثين عاماً ذو شخصية فلاّح أكثر منها شخصية ضابط . ويتميّز منزله عما حوله بطلائه الأبيض الذي يعكس أضواء مصابيح السيارات حيث كتب بفرشاة دهان وبشكل سيء إعلان عن قابلة قانونية وطبيب أسنان .

الأماكن خالية وهو يقطع المسافات المتشابهة وحيداً كشبح يظهر ليلاً في عالم لا يمسه بشيء ..وصل إلى الطريق العام الذي لا يبعد كثيراً عن منزله وجلس القرفصاء على زاوية الشارع وقد همشّه الليل , بينما  أخذت مصابيح السيارات العابرة تضيئه شذرا لتظهر هيكلاً ضئيلاً في بيجامة ..

لفت انتباهه صوت (قرقعة) ناجم عن عبث الهواء بعلب البيرة والكولا المصنوعتين من الألمنيوم و المعلقتين على عمود الكهرباء أمام بقالية أبو حامد الواقعة على الطريق العام مباشرةً كنوع من الدعاية الرخيصة لجذب سائقي الحافلات الذين يعبرون الطريق في طريقهم إلى المنطقة الصناعية  والزبائن الآخرين وراقبها بإمعان كأنها المرّة الأولى التي يراها فيها أو كأنه يلتمس فيها تسليةً معينة . لقد كان يجلس هنا مع أبو حامد ومجموعة أخرى من الرجال منذ ست أو سبع ساعات , الأحاديث التي رواها في هذا المكان منذ ساعات والتي يجد فيها أبو حامد تسلية ومتعة  تبخرت وبقي هنا بحجمه و أبعاده . أحداث يختلط فيها الواقع بالخيال ليستخلص أموراً  تربطه بحياة يحسّ أنّها تمرّ متجاوزةً إياه !

استغرق في التدخين وعقله يحوم في لجّة من الأفكار لا رابط لها ..الفراغ يستقطب ذكريات يشعر أنها لا تخصّه..أيام خدمة العلم و  العمل في المرفأ ..تمر تماماً كذكريات عن حياة أخرى.. وعندما يحاول أن يستحضر شيئاً عن مراهقته وطفولته هنا يفشل وتبدو حياته ضائعة و شاحبة مفقودة.. بالنسبة له كان هناك مرحلتين في حياته , مرحلة غامضة لا يتذكّر منها سوى خيالات لا أكثر على صعيد العادات و الأفكار هي مرحلة ما قبل الحادث , ومرحلة غربته عن نفسه و ما حوله وهي مرحلة ما بعد الحادث و الرابط بينهما هي تلك الصفائح والأسلاك في فخذيه وفمه التي تؤرخ له التاريخ الرهيب ..

  لاحت بوادر الفجر بالتدريج ابتداءٍ من الأفق ذلك المكان الغامض الذي ترحل إليه الشمس وتظهر منه يوميّاً.. فنهض ليعود إلى الغرفة من جديد ..واندس في سريره

 البارد, وفي هذه الأثناء استيقظ والده ليؤدي صلاة الفجر وتناهى إلى أذنيه صوته الأجش :

ـ أصبحنا وأصبح الملك لله العلي القدير .

فهمس وهو ينقلب على جنبه ساخراً : إنه يتخيل نفسه في الجنة الآن ..

كان يستهزئ بنمط حياة والده الذي اعتكف بعد تقاعده  _ (من مؤسسة الكهرباء , ويعمل الآن عباس مكانه ) _ للصلاة والعزلة حيث يواجه المشاكل التي تدور في المنزل بحيادية كأنه لا يمت له بصلة ..

مع الفجر تسلل ضوء ضعيف بلون سماوي إلى الغرفة شعر على أثره  بخدر خفيف في ساقيه وهدأ تنفسه بالتدريج ثم غفا قليلاً ومضت برهة من السكون , ثم استيقظ متضايقاً وقد انقلب الوقت وعاد الضوء يخبو من جديد فنهض متضايقاً وكأن شيئاً أطبق على أنفاسه ولسانه يلهج بالتأفف والتجذيف وتناول رفيقته الدائمة علبة السجائر وتجاوز الفناء وقد أظلمت الدنيا من جديد كأن قدماه تقودانه إلى نقطة محددة بذاتها . كان يقف على زاوية الشارع يدخن والسيارات تمر ذهاباً و إيّاباً . توقفت سيارة يقودها شخص طلب منه أن يقود السيارة بدلاً منه إلى جهة  ما والغريب أنه لم يستغرب هذا الطلب وكأنه على العكس كان على موعد معه ..وقاد السيارة.. انطلق مسرعاً وانقلبت السيارة وغاب كل شيء  خلال ثوانٍ وتناهى إليه صوت والده يقول :

الله أكبر ..الله أكبر قد قامت الصلاة.. ففتح عينيه كانت السيارة منقلبة ورجل غريب لا يعرفه ممددٌ إلى جواره وفي الخارج , على شاطئ البحر كان والده يقف على سجادة الصلاة ..وفي السماء تتفجّر ألعاب نارية تضيء الشاطئ بألوان حمراء وخضراء ووالده منهمك بالصلاة وكأنه لا يشعر بوجوده فكزّ على أسنانه بغضب..وناده :

ـ أنا هنا في السيارة ..انظر ..

استيقظ نتيجة أحد الأصوات من منشرة أبو ميخائيل وقد نمّل جلده بينما يداه كانتا  تقبضان على اللحاف من شدّة الضيق وتمتم :

ـ ابن الكلب (يلعنه و يلعن هذا المنشرة..وهذه الحارة) ومكث في السرير برهة , و المذياع لا يزال يبث الأغاني المختلفة . سحب اللحاف وتكوّر على نفسه كطفل وعيناه تجولان في الغرفة وهو يسترجع تفاصيل ذلك الحلم بحثاً عن نبوءات خفية مدسوسةً فيه . إن الأحلام تعني له الكثير لأنه يؤمن بكونها الأمل الوحيد في معرفة القادم ..

قطع بكاء ابن شقيقه الرضيع حومة أفكاره واستعاد بالتدريج إحساسه بالمكان فنهض وقد تسرّبت أيضا مختلف الأصوات إلى مسامعه..وقف أمام الفناء .. شعره منفوش كجذاذة صوف سوداء تخللتها خطوط من الشيب . كان جسده نحيلاً وذو بشرةٍ شديدة السمرة وساقيه طويلتين شديدتي الهزال تماما كساقي طائر ( أبو سعد ) ومفاصلة تطقطق كمجموعة من الأزرار وضعت في علبة حديدية . لم يكن هناك أحد باستثناء دجاجات وقف بعضهن على السور المنخفض بينما انصرفت الأخريات إلى نقر فتات الخبز اليابس..ومن غرفة شقيقه تنبعث صوت ثرثرة زوجة أخيه مع إحدى الجارات ..كان الجوّ غائماً وبدا قرص الشمس باهتاً بسبب السحائب الرماديّة التي تعبر السماء حاجبةً إياه لثوان ..وقف كذلك لدقائق وخطر له خاطر مفاده أن هذا الذي يراه الآن لا يقل شناعةً عن ذلك الذي يراه في الحلم . غسل وجهه بسرعة دون أن ينظر في المرآة الكبيرة المعلّقة فوق المغسلة ثم اتجه إلى المطبخ ليعد مشروب المتّة الساخن وأثناء خروجه لمح والدته عائدةٍ إلى البيت بثوبها المورّد الذي يزيدها بدانة وقد انسدل شالها الأبيض الشفاف على كتفيها الضيقتين , حاملةً أكياس خضار وربطة خبز .. وابتسمت بوجهها الأسمر الذي لا يفارقه الحزن قائلةً :

ـ صباح الخير ..لكنه مضى دون أن يلقي اهتماماً ..

كاس المتّة ينتصب أمامه والراديو يبث أغانيه وهو ينقر بأصابعه بلا انقطاع على الطاولة الخشبية ويعبث بظروف الدواء أشعل سيجارة ونظر إلى( الباكية ) مفكراً  :

ـ إنني أدخن ثلاث ( بواكي)  في اليوم ..

ـ يا لله.. ليس لديك ما تخسره . وهزّ رأسه بلا مبالاة .ثم نهض ليرفع من صوت الراديو كي لا يسمع صوت زوجة شقيقه الذي أخذ بالارتفاع نتيجة حدّة النقاش .كان يكره هذه المرأة( الكهينة ) التي تتحكّم بشقيقه وتديره على نحو ما تهوى  و يعتبرها أساس المشاكل في البيت  وذلك أنه في إحدى  المرّات سمعها بالصدفة أثناء تجواله في أحد

 الليالي تقول لعباس دعنا ننتقل إلى أي مكان آخر لم أعد احتمل هذا القرف !. ولدى سؤال شقيقه عن سبب كلامها هذه ..جن جنونه واتهمه بأنه يتجسس عليهم ليلاً  ! وحصلت مشكلة كبرى..ونهره شقيقه الذي يصغره بسنوات طالباً منه عدم التدخل في حياتهم ..وانفلتت زوجته أيضاً ..و طلبت منه أن يجد ( شغلةً بدل سماع الراديو بصوت مرتفع والتجسس على الناس ) وعندما قال لها أريد أن أعرف سبب (قرفك )من البيت الذي يأويك ..أجابته : لا تصرخ علي لست زوجي لتفعل ذلك ..وتجادلوا حتى انتهى الأمر بأن ضربه شقيقه وتدخل الجيران للتفريق بينهم  و أدخل المستشفى بسبب نوبة عصبية أثر ذلك أقسم على مقاطعتهم بالكامل  باستثناء شقيقته رجاء الوحيدة التي وقفت إلى جانبه في تلك الحادثة ..

مضت ساعة أفنى ما تبقّى لديه من سجائر فيها وفتح النافذة قليلا لينظر إلى الجو قبل خروجه , فلاحظ وجود ستائر على نافذة  المنزل الجديد الذي ظهر مقابل غرفته إلى اليسار

فقال

ـ هل ينقصنا المزيد من المجانين هنا في هذه الحارة ..؟

واستعدّ للخروج .. سيخرج كالعادة كما يفعل يومياً عقب استيقاظه . يستقل حافلة إلى صديقه أسعد الذي يعمل حارساً  (لشاليهات ) في منطقة خارج المدينة فيقضي هناك نصف نهاره , كانا شخصين متشابهين ومتقاربين في العمر لهما تجربتهما المميزة في الحياة كان اسعد الذي يقول عن نفسه أقلّ الرجال حظّاً في تاريخ البشرية ,  آخر صديق متبق من جيل سهيل الذي شارف على الأربعين . عازب أيضاً , ويملك تجربته المميّزة حيث سافر على ظهر سفينة ليتسلل بشكل غير شرعي إلى اليونان للعمل هناك ( بعد أن جرّب السبع صنعات دون فائدة ) واضطر للسباحة كيلو مترين كاملين في بحر هائج ليلاً كي لا يراه خفر السواحل ..لكن قبض عليه عقب وصوله مباشرة من قبل الشرطة وتم تسفيره بعد أن أمضى بضعة أيام في السجن ..ومنذ ذلك الحين وهو يعمل حارساً لهذه الشاليهات ذات المستوى المتوسّط التي يؤمّها  في الغالب عائلات فقيرة أو سائقي حافلات وشاحنات يصطحبون بائعات هوى لقضاء ليلة واحدة .. كان الجو والهدوء والمنظر البحري الهادئ بعيداً عن الصخب والأصوات المكروهة يعجب سهيلاً لذا راح يتردد إلى هناك يومياً

دون أي حرج وبكافة الأحوال لم يكن هذا ليضايق اسعد بشيء ...

البيوت التي يراها الآن تختلف عما عاينه في الليل إنها تفيض بالحركة وأصوات الموسيقا , بضع خطوات تجاوز خلالها المنشرة حيث حيّى صاحبها أبا ميخائيل ثم شتمه في نفسه  ووصل إلى زاوية الشارع  حيث مضى إلى البقال أبا حامد ليبتاع علبة سجائر بما تبقّى معه من نقود إذ ذاك رحب به أبو حامد الذي كان يعتمر طاقيّة البيضاء يرتديها الصيادين عادة تنسدل على جبينه لتغطي خبث عينيه  ويجلس في وسط مجموعة من سائقي الحافلات جلسوا يشربون المشروبات الغازيّة :

ـ أهلاً معلم سهيل .

وانطلق في الحافلة ..يراقب المنظر الذي يعاينه يوميّاً مكرراً انطباعاته اليوميّة عن طرطوس هذه المدينة البحريّة الصغيرة.. وقرر أن يذهب اليوم _بعد زيارته لأسعد_  لعند شقيقته رجاء ..ليطلب منها بعض النقود لنهاية الشهر وليشتري بها ورقة يا نصيب, جاوزت الشوارع التي يعرفها ومرّت بمركز المدينة أكثر الأمكنة ازدحاماً ..ثم نزل من الحافلة ليستقلّ أخرى في وسط الازدحام حيث ينتشر بائعو الأسماك و الخضار والساعات الذهبية الرخيصة والسجائر وتتجول فتيات خجولات وصلن لتوهن من القرية ..وتفوّح روائح الأسماك والقهوة والحلويات..استقلّ حافلة أخرى واتجّه إلى أسعد .

كان اسعد مستلقيّاً في غرفته الصغيرة عند الباب الرئيسي يغفو على ديوانته التي احتلّت نصف الغرفة و إلى جواره ثمّة كشك صغير لبيع المرطبات والمعلبات والدخان والمشروبات الروحيّة  للزوار يديره هو . وقف سهيل على الباب وقد أخذه النظر إلى البحر الرمادي الصاخب الذي يتناهى صوته غاضباً كزئير وحش خرافي ..وانتبه أسعد لوجوده فتمتم مرحّبا بضيفه اليومي ثم وضع يده على خدّه ذو اللحية الخشنة المتوسطة الطول  ونظر كذلك إلى البحر متثائباً . وتابع كأنه يحدّث نفسه: اليوم اتصل بي المدير وقال عليك تنظيف الشاليهات فالموسم اقترب . فنهضت منذ الصباح , انظر  بربك أيّ موسم هذا !؟ الدنيا كأنها في كانون . ودون أن يهتمّ لسماع جواب أو تعليق , نهض متمتماً : سأموت من الجوع وتوجه إلى الكشك ليحضر شيئاً ما للأكل ..بينما جلس سهيل يبحث عن علبة المتّة ليشرب مرّة أخرى ..

وسأله أسعد من داخل الكشك :

ـ ماذا فعلت البارحة ..؟

ـ البارحة ..لم أنم حتّى السابعة صباحاً جاء أصدقائي للسّهر ..وأنت تعرف لعب الورق والأركيلة .

ـ أي أصدقاء ..

ـ أبو حامد جارنا في الحارة..صاحب البقالية  وبعض سائقي الحافلات

ودخل أسعد حاملاً صينية عليها علبتي سردين ورأس بصل وبضع أرغفة من الخبز ..

يمر النهار هكذا.. يجلس هنا نصف يومه يسرد أشياء و أموراً مما يحصل حوله ثمّ يزجّ نفسه فيها بحثاً عن تعريف أو مكان وهرباً من شعوره بالوحدة والغربة  و أسعد يستمع بصمت أحياناً يدلي بتعليق ما على سبيل المجاملة , أو ينهض لأداء عمل ما يغيب ساعة أو أكثر ثم يعود و لايشكل وجود سهيل أيّ إزعاج له فهو أيضاً الوحيد الذي يزوره .كانا شخصين متفاهمين إلى أبعد الحدود .

بعد الغروب تغيّر الجو نحو الأسوأ وهطل رذاذ مطري خفيف أُعقب بضباب شاعري .

وصل إلى منزل شقيقته التي  تملك محلاّ صغيراً لتصفيف الشعر ( كوافيرة ) في إحدى الأحياء غير بعيد عن مركز المدينة..والمحل عبارة عن إحدى غرف منزلها نفسه تم هدّ أحد حيطانه وتحويله إلى محل ..وكُتب على لوحة رخيصة فوقه  الكوافيرة رجاء .كانت رجاء تصغره بأربعة عشر عاماً ومتزوّجة من ضابط متوسط الرتبة  وهو يقصدها دائماً لطلب المال أو لقضاء بعض الوقت .. عرج على المحل أولاً كان مغلقاً فتوجه إلى المنزل حيث تقف سيارة صهره العسكرية الروسية ملتحمة بالحائط.. استقبلته مبتسمة وهي تهزّ طفلها لينام :

ـ أهلاً كيف حالك ؟

ـ كالعادة ..أجاب ببرود ..

ـ ادخل إلى المطبخ وكل شيئاً ما سآتيك عندما ينام...

ـ لا أريد أن أكل ..

ـ كيف الأهل ؟

ـ( ماشي الحال )..والدك يصلّي ..وأمك ترعى الدجاجات و هناء تلعب بعبّاس على كيفها .

ـ سهيل لا يجوز أن تقول هذا ..قالت زاجرةً ..

ـ أنت نفسّك تعرفين أنّها لا تصلح لشيء سوى للنق والنكد ..تذكرين عندما جاءت إلى هنا لتعمل معك .

ودخل صهره أثناء ذلك بكامل لباسه العسكري كأنه يستعد لإلقاء خطاب في حين كان ذاهباً لزيارة طبيب الأسنان.. كانت لصهره هيئة ضابط صارم بوجه قليل الابتسام وصوت جهوري .. استفسر باقتضاب ووقار عن حالة الجو , و أعقب ذلك بمجموعة أسئلة عن الصحة والأهل أجاب عنها ببرود  ثم مضى فقد اعتاد على وجود سهيل شبه اليومي هنا وشخرت السيارة عقب ذلك ماللأةً  الحي ضجيجاً وهي تغادر , وقال سهيل متابعاً :

ـ إنها سبب المشاكل ..

ـ لا يجوز.. لقد قلت لك ! عبّاس يحبّها .

ـ إنّه لايحبّها بل تديره على كيفها ..

ـ ومع الأهل ( كيف الجو الآن ) ..

ـ اتركيني منهم بربك ..( معك مائتي ليرة سأردها لك عندما أقبض ...)

وعلقت وهي تدخل إحدى الغرف لتحضر له المبلغ :

ـ أنت هكذا ..تتهرب دائما عندما أريد الحديث عنهم ..

وقالت له وهي توصله إلى الباب:  ( إذا لزمك) أيضاً المزيد من المال  تعال لا تستحي .

وركب الحافلة إلى الحي ممتلئً بامتنان عميق , وسهم متخيّلاً والحافلة تنطلق به وهو يراقب أنوار المحلاًت من خلال الزجاج المغبّش كيف سيعطيها عندما ستربح ورقة اليانصيب .. توقفت الحافلة فجأة قاطعةً شريط أحلامه كانت الحافلة صدمت سيارة أخرى على ما يبدو ونزل السائق غاضباً وهو يسب ويشتم ..وتشاحنا بالكلام وكان السائق الآخر عجوزاً.. فضربه وتدخل بعض الموجودين .. ساءه الحادث بشكل كبير ( خصوصاً أنه مرتبط عنده بذكرى مزعجة ) وبقي يفكّر طوال الطريق لو أنّه تدخل ورد هذا النزق عن فعلته  واستمر كذلك حتّى وافى الحارة وكان قد تحفّز وكأنه قد خرج من عراك لتوّه .. حيث هدئ الرذاذ المطري وسكن الجو تماما .. وتوّجه إلى أبا حامدٍ ليشتري علبة سجائر حيث كان دكانه مناراً وصناديق الكولا والمشروبات الغازية ترتفع أمامه وثمة حافلات بيضاء تقف هناك على نحو يوحي أنه مقصف أو استراحة أكثر منه بقاليّة ..

وناده أبو حامد بصوت لا تخفى عنه السخرية  من بين دخان الشواء وقد رآه قادماً :

ـ تفضّل اسهر معنا (معلّم ) ..اشتقنا ( لحكياتك ) ..

ـ أنا متعب ( هذه عودتي من العمل ) اعطني  (باكية سجائر ) .

 كان أبو ميخائيل يستعد لإغلاق المنشرة ..وأخذت الحارة تغرق في الصمت والسكون فامتعض وجهه وهو يستشعر اللحظات الكئيبة القادمة. عندما دخل الفناء نادته والدته وهي تطل من الغرفة راجيةً  :

ـ الطعام في المطبخ يا عيني إذا أردت أن تأكل ..فلم يجيب بشيء ومر متجاهلاً..و فور دخوله إلى الغرفة ومعاينته المنظر المتكرر المثير للأعصاب عاوده التوتر فأشعل سيجارة  وتمدد على السرير مدّة نصف ساعة تناهت إليه خلالها الأصوات المختلفة زوجة شقيقه وصوت والده وهو يتلو القرآن بعد صلاة العشاء ..فزمجر كازّاً على أسنانه وفتح الراديو مدركاً أنّه لا مجال للجلوس في هذه الغرفة . وبعد قليل خرج عبر الفناء الساكن وسيجارته في فمه ليبدأ مشواراً آخر وقد بدء القلق يسومه أنواع الضيق والتوتر ..

ـ ولك معلّم سهيل تفضّل ..كفاك تجوّلاً ..خاطبه أبو حامد .

كان قسم من الموجودين قد غادر وبقيت على الطاولة كؤوس عرق وبقايا اللحم وقشور البصل المشوي . واقترب بتمهل , وعلى احد الكراسي ثمّة رجل يضع على كتفيه فروة خروف والتعرّق ينضح من جبينه وقد بدا عليه السكر وهو يتحدّث عن حادث سير وقع

له حيث حطّم مصباح سيارة مرسيدس واضطرّ للهرب ..كان هذا الرجل يتحدّث لوحده فكل الموجودين منشغلين يتكلمون بأحاديث مختلفة في وقت واحد , استمع له سهيل وهو يتذكر حادثة اليوم ثم قال للسائق الذي أخذ يوجّه له الحديث إذ لاحظ أنّه الوحيد الذي يعيره اهتماماً :

_ عندما كنت أعمل سائقاً في المرفأ  ـ و سكت الجميع ليصغوا إليه باهتمام وقد غمزهم أبو حامد  ـ  وقع حادث أمامي على إشارة المرور . صدمت حافلة سيارة أجرة صغيرة ونزل سائق الحافلة (وكان نفسيّة قذرة لم ارتح له مذ رأيته)..وبدأ بضرب سائق التاكسي وهو رجل والله العظيم بعمر والده , لم استطع أن أتحمّل المنظر فنزلت و أمسكته من قميصه وقلت له: ألا تستحي يا كلب إنّه بعمر والدك وصفعته (كفّاً كاد يبصق منها الدّم ) انقلع اصعد في الحافلة ..

ولم يتردد لحظة ..ارتعب . فقال : والله الحق عليه .قلت له : وإذا إنّه بعمر والدك.فقال : على رأسي وصعد في الحافلة وانقلع .

وعلّق أحد السائقين قائلاً :

ـ والله هكذا ينبغي (أحياناً تصادف كل شخص نفسيته أحقر من نفسيّة كلب) . وسرت موجة من التعليقات ورواية حوادث مشابهة من قبل الموجودين وأخذ أبو حامد يستمع ويضحك بينما ينظف الطاولة ..وبعد قليل نهض سمير وقد ارتفع الصخب و شعر بملل مفاجأ ..أين سيمضي الآن؟

 فكّر في زيارة رياض وهو شاب يصغره بعشرة أعوام يعشق ركوب الدراجة النارية و تعرف عليه في تجواله الليلي ..لكنه أحجم فلابد أن يعرج عليه في تنقله اليومي على الدراجة كما أنه يقطن بعيداً  عن الحي , وعوضاً عن ذلك راح يتمشّى على طرف الطريق وسيجارته بارزة من فمه يفكّر في الأحاديث التي يرويها ويكون فيها البطل كيف تتبخّر وتبقي منه هذا الهيكل الرّث في بيجامة يبحث عن لحظة هدوء وضحك شامتاً لماذا هو بحاجة لذلك ؟ ألا يعرفون أنّه يكذب ويختلق وأين المشكلة ..

إنه يعرف ماذا سيحصل بعد ساعة وبعد ثلاث وحتّى بعد أربع وعشرين ساعة وداهمته حالة الوحدة مع منظر السيارات التي تجاوزه كأنها الحياة وضعته على رصيف وانطلقت متجاوزةٍ إيّاه ..كان قد قطع مسافة كبيرة بعيداً عن الحي وفي طريق عودته لاحظ أن مقابل البيت الجديد المجاور لغرفة ثمة شاحنة ينقل منها رجال طاولات وكراسٍ وبرادً  إلى داخل البيت , راقبهم بدون اهتمام ثم تابع إلى الغرفة حيث بانتظاره الفراغ والملل .

كانت والدته ووالده يسقيان المزروعات وتقف معهما زوجة عبّاس حاملةً طفلها ..فعبر من أمامهم وكأنهم غير موجودين , وصفق الباب وراءه بقوة ثم أشعل التلفزيون بحركة ميكانيكية يفعلها دائماً عقب دخوله إلى الغرفة..وانتبه إلى كون النافذة المقابلة منارة ! ففتح نافذته ليلقي نظرة ..وبنفس الوقت كانت من النافذة تلك تطلّ فتاة لتلقي نظرة على النافذة المقابلة ! والتقت عيناهما لبضع ثوانٍ ثم انسحبت مضطربة ٍ..وارتد هو قليلاً إلى الوراء وجلس على الكرسي ..وبعد ذلك لم تظهر الفتاة ..

خلفت عنده هذه اللحظة الغير متوقّعة اضطراباً وهيجاناً في جسده كله وكأن هرموناً لم يعرفه جسده أفرز على حين غرّة وبكميّات كبيرة . وأعقبت ذلك دقائق كان ينظر فيها إلى الدفتر المفتوح أمامه حيث يدون أرقام أوراق اليانصيب التي يشتريها  وإلى أذنيه يتناهى صوت برنامج يبث على التلفزيون , أشعل سيجارة و تمدد على السرير..ثم ونهض بلا تخطيط فتح الباب و أشرف على الفناء فعانق وجهه نسيم معتدل مختلف عن ذلك الذي طاف طوال النهار وبرز صوت صرصور يزقزق من بين المزروعات, وفي المطبخ حيث عاين صحن اللبن و الأرز البارد إلى جواره والذي تناثرت منه حبات على الأرض اجتمعت نملات لنقلها , دفع الصحن بيده وخرج غاضباً وقال :

ـ افرضيني دجاجة من دجاجاتك ..أكنت تضعين لها الأكل هكذا !!أنا لست ابنك أليس كذلك ..

وانطلق يسير في الشارع مختنقاً بالشتائم والغصّة تذيب فؤاده ذوابانا , وجلس على زاوية الشارع وألقى نظرة على البيت اللئيم  وبصق على الأرض وتمتم :

ـ ماذا تساوي الحياة !! رصاصة .. متى أرتاح من هذا البيت متى  ..؟ 

وبعد قليل وهو مازال يكيل الشتائم اقترب رياض على دراجته النارية

وقال بصوته الذي لا يتناسب مع جسده النحيل وملامحه الرقيقة :

ـ مساء الخير ..لديك سيجارة ..

وبعد أن أوقف دراجته جلس إلى جواره وفتح كفه حيث ظهرت جروح عدّة  وقال:

ـ اليوم( ركّبنا) خيمة قصبية عند النبع للسهر..انظر لقد (شوّه يدي) القصب ..وصمت محاولا انتزاع شذرة من يده .. وقال سهيل :

ـ لقد جاءت عائلة جديدة إلى الحارة ..

ثم علّق بسخرية وهو ينفث سحابة من الدخان :

ـ  ( قليل عقل )  وهل يأتي ليعيش هنا في كومة الأقذار هذه  سوى (قليل العقل )..

قال رياض بعينين شاردتين :

ـ يبدو لي أن المشروع سينجح ؟

ـ أي مشروع ؟

ـ نويت أن افتح محلاٍّ لألعاب الكمبيوتر ..السكان يزدادون هنا .. وخيم عليهما الصمت برهة .. ثم نهض رياض بعد قليل وانطلق على دراجته وراقبه سهيل حتّى غاب .

كانت حركة النسيم قد هدأت وحلّت محلّها رطوبة دافئة..وتحوّل المنظر إلى لوحة صيفية ينيرها القمر البهي بلون فضّي ..وانعكست أنوار السفن البعيدة في البحر العاتم كأنها سماء أخرى وسمع بوق أحد السفن يعلن عن موعد الرحيل . وعاينت رئتيه روائح الصيف . بعد برهة من الزمن توقفت حافلة أمام محل أبا حامد ونزل منها مع رجل آخر تناولا كيساً من الدكان بسرعة  وانطلقت الحافلة ..

ـ ماذا يفعل في الدكان في مثل هذه الساعة ؟ ولماذا تظاهر بأنه لا يراني لابد أنه يسهر مع ( شلّة ما ) وقد نفذ المشروب ..

وتنفسّت الوحدة عميقاً في داخله . الكل لديه ما يفعله والعزلة تتشبّث به , ربما شعوره بأنه مهمّش لا رابط له مع من حوله سوى شتات ذكريات نضبت هو ما يدفعه لاختلاق أحاديث وأمور وكان هذا سبيله الوحيد للعودة إلى حياته السابقة برأيه .

نهض رامياً عقب السيجارة و في طريق عودته إلى البيت رمق النافذة الجديدة بنظرة أخرى كانت الأنوار مطفأة ..

ـ أين كنت لقد ( قليت لك بيضاً) للعشاء لا تؤاخذني لقد كنت متعبة اليوم برضائي عليك كل قبل أن تنام ..قالت له والدته في الفناء وقد أطلت من الغرفة..

توقفّ قليلاً ثم تجاوزها كعادته دون أيّ تعليق ومشى وهي تنادي في أثره بصوت خفيض ..حتى دخل وأغلق الباب خلفه ..وتمتم بغصّة :

ـ (قليت لك بيضاً)  عندما أحتاجك تكونين متعبة ..اذهبوا عني ..

 تناول حبّة مسكن آلام لتهدأ وجع أسنانه على معدة خاوية ..وتمدد على جنبه في السرير ..وبعد قليل جاء صوت والده :

ـ أصبحنا و أصبح الملك لله العلي القدير .

تماماً في مثل هذا الوقت تتراخى أوصاله ويخضع لسلطان النوم وهذه العبارة التي يقولها والده تلوح كإشارة كأنها مواعيد وقتية كرنين منبه يعلمه بالوقت وهذه العبارة تعلمه بأن الليل قد مضى دون نوم !..وأنيرت الغرفة بالضوء الصباحي..واستغرق في النوم بالتدريج ..وكأنه الآن يستلقي تحت جذع شجرة كبيرة وارفة , وعلى مدّ النظر يمتد مرج أخضر يحيط بكل الجهات دون أي مرتفع أو هضبة حتى يتصل بالأفق ..هدوء لطيف يلف المكان ولامس بيده العشب الأخضر الذي كان طحلبياًّ زلقاً .. ولاح له شخص قادم من بعيد  يتناهى صوت وطئ أقدامه على العشب بوضوح لكن ملامحه غامضة فلم يستطع معرفته ...

واستيقظ في منتصف النهار على صوت المنشرة الرهيبة .

 

   

 

الفصل الثاني

 

فتح الشباك عقب استيقاظه فوقع نظره مباشرة على النافذة المقابلة فاسترجع لحظة البارحة غير المتوقعة عندما التقت نظراتهما هو والفتاة ..

كان النهار صيفياً مشمساً وعبقت في الجو روائح الأرض نتيجة الرطوبة التي أخذت الشمس بتحويلها إلى بخار وظهر في الفناء حبلان متقاطعان . علّقت عليهما ملابس مختلفة الألوان نشَرت رائحة مسحوق تنظيف منعشة  وأخذت تسيل منها نقاط من الماء على الأرض الترابية  . 

بعد أن شرب المتّة على معدة خاوية ودخن بضع سجائر خرج في مشواره اليومي  إلى أسعد ومن ثم لشراء ورقة يا نصيب , أثناء مجاوزته الفناء لاحظ أن الفتاة نفسها تقف على سطح المنزل مع شقيقاتها , كانت تبدو ممتلئة الجسم بشعر أسود مسدل على كتفيها وحركاتها صاخبة عشوائية.. رمقته بنظرة سريعة قطعت خلالها ضحكها الطفولي مع شقيقاتها فشعر بخجل شديد ومرّ بسرعة, ومرّة أخرى حين رد نظره إليها كانت تنظر إليه .

كانت المنازل و الألوان متألقة بالصيف القادم  حيث بدا الناس أكثر بريقاً وظهر لون البحر الأزرق الفيروزي بلونه الحقيقي بعد أن أنحلته السماء الشتوية الرمادية لوناً باهتاً ..

 وفي طريقه كالعادة أخذ يرسم مشاريع هوائية لحياته : بعد أن تربح ورقة اليانصيب وإذا لم تربح .. أعمال ومشاريع تذيبها الدقائق وتمسحها أو تتلاشى عند رؤية منظر ملفت يأخذه لينسيه ما لمشروع الذي كان يفكّر به منذ قليل .

 أسعد يصفر مع أحد الأغاني اليونانية المنبعثة من الراديو وهو يعد البيض والبندورة الذي ملئت رائحته غرفته الصغيرة كأن مزاجه متأثر بالطقس الرائع ..وقال لدى رؤيته :

ـ حماتك تحبّك ...وجلسا للأكل سويةً ..

وبدأ سهيل بالسرد :

ـ آخ ..يوميّاً (لا أنام حتى السابعة صباحاً ) البارحة بنينا على الشاطئ خيمة قصبية للسهر فالصيف جاء   (وسكرنا هناك) حتى الصباح , كدنا نشرب كل ما في دكان أبو حامد من مشروب لقد رجع مرتين فتح المحل وأحضر عرقاً.. وهكذا ..

ـ نعم الصيف أتى ..لكن لا أعرف من أين تظهر هذه الأوساخ على الشاطئ ! انظر عليك أن ترى المنظر في الصباح .. كل أوساخ السفن تصب عندنا هنا ..( والحق تنظيفاً ) علّق  اسعد بتراخٍ  .. بعد الطعام استعدّ للمغادرة .

ـ أنا مضطرّ للذهاب إلى المدينة لإحضار ( حنفيات جديدة ) و سأغيب ساعة ربما ..أبق هنا وانتبه للكشك ..

ـ أكيد ..

وبقي وحيداً يشرب المتّة وقد تسلل إليه انتعاش وارتياح مفاجئ ..

ـ كم أنا مرتاح هكذا بعيداً عن ألم الرأس والهم , لا صوت تلك الكهينة وزوجها..ولا أبو ميخائيل و منشرته . و في مجمل خواطره , مرّت تلك الفتاة والاضطراب الذي ساوره من التقاء النظرات المفاجئ  ثم انقلب إلى استهجان واستنكار , واستعاد نظرتها له وهو يتجاوز الفناء وهجس  بكونها تستغرب شكله , فكان ذلك كدراً بدد القليل من سكينته و انتعاشه وهو جالس يشرب المتّة ناظراً إلى البحر الفيروزي والسفن ذات الألوان الصدئة ترسو بعيداً ..

لدى عودة أسعد رافقه في جولته لتفقّد (الحنفيّات) في الشاليهات ..ثم اشترى ورقة يا نصيب من بائع عجوز بنظارات سميكة كان شبه نائم في فيء شجرة عند كراج الحافلات , باحثاً بصبر ليبتعد عن الأوراق التي تحمل الأرقام المشابهة لتاريخ الحادث ..وقفل عائداً بمزاج سيء للغاية إلى الحارة مع جنوح الشمس نحو مغيبها حيث كل شيء يسير على ما عليه هناك أبو حامد مع أصحابه , وأبو ميخائيل يغلق المنشرة وكان الجميع بالإضافة إلى رجاء وزوجها يشربون القهوة في الفناء إلى جوار نبتات الجوري والحبق المزروع في ( الأصايص) و علب السمنة الفارغة , سلّم على شقيقته وزوجها فقط في مروره السريع وبحركة لا شعوريّة ألقى نظرة سريعة قبل دخوله الغرفة على نافذة المنزل الجديد .. تناول ورقة اليانصيب ووضعها أمامه على الطاولة وحدّق بأرقامها كأنه يلتمس خلاصه فيها ثم دون أرقامها في دفتره ذو الأوراق الصفراء على سبيل استجداء الحظ الجيد . قرعت رجاء الباب ودخلت حاملةً صحن (كبّة مشوية ) :

ـ كنت انتظرك لنتغدّى سويّة ..أين كنت ..ووضعت الصحن على الطاولة .

ـ كنت أساعد صديقي في ( عمل صغير ) ..أجاب من وضعيته تلك .

ـ هذه حصتنا ..احتفظت لك بها أمّي قالت أنها ألذ كبّة أكلتها في حياتها ..الحمد الله أنها (لحّقتك) بهذا الصحن لقد كدنا ( نخلص عليها ) وضحكت .. تناول سهيل واحدة ..بينما أخذت تصلح سريره المبعثر ..وانتبه إلى يديها الصغيرتين  المتعبتين الخشنتين وهي تطوي اللحاف ..

ـ أريد أن أحدّثك بأمر لكن لا تغضب أرجوك ..

ونظر إليها وهو يلوك اللقمة مستفسراً ..

ـ سهيل  (أمعقول أنّك لا تسلّم على والديك ) وقالت إذ لاحظت ردّة فعل في وجهه مستدركةً :  لقد وعدتني ألاّ تغضب ..

فقال غاضباً وقد ابتلع محتويات فمه دفعة واحدة :

ـ ( الله يخليّكي لا تجلبي سيرتهم  هنا )  ..

ـ ولماذا؟ ( أمّك ) افتقدتك على الغداء وبكت والله العظيم من معاملتك لها, قالت إنّك..

انتفض واقفاً وقال وفتات الطعام يتطاير من فمه :

ـ البارحة لو أنّك رأيت فقط كيف وضعت الطعام لي ..لو أنني دجاجة من دجاجاتها ربما ..لوضعته لي بشكل أفضل قال متعمداً رفع صوته كي يصل إلى والدته ..

ـ أمّك كبرت ..ولا ..

وقاطعها مهدداً :

ـ والله  إذا استمر الحديث بهذا الموضوع سأخرج ..

انتهى الكلام . خرجت شقيقته بدون أمل في المصالحة ..بينما اسند رأسه على كفه ناظراً  إلى صحن الكبّة ثم أشعل سيجارة و أصاخ السمع إلى شظايا كلماتهم في الخارج  وتأفف بحنق شديد ثم تمشى في الغرفة مفكّراً وحنجرته تفور باللعنات: هل أكون  أنا المذنب ؟ لماذا لا يعتذر هو وزوجته منّي ؟ لا يستطيع فهو جبان , لقد سبتّه وسّبت عائلته وعندما نَبهته اتهمني أنني أتجسس عليه ورفع يده المكسورة علي . ( مثل بعضه عني لا أريدهم كلهم ) . ارتفعت حرارة الجو  في الغرفة وتعرّق جسده من الغضب وهو يتذكّر تفاصيل المشكلة ..

لماذا يرفع يده عليّ ؟ في حياته لم يفعلها من أجل أحد وتوجهت عيناه نحو التاريخ المشؤوم , لماذا تغير كل شيء بعد الحادث ؟ . وانتابته خواطر شتى متناقضة شفقة وحسرة على نفسه و رغبة عارمة بالانتقام..فخلع قميصه , وراح يقطع الغرفة ذهاباً وإيّاباً من عينيه يطل الغيظ كذئب وقع في الأسر  , تناول القلم  وكتب على الدفتر كرد على مبادرة أمّه :  عندما كنت بحاجة إليك ضربتني برجليك  و أراد أن يكتب شيئاً عن أخيه بيد أن أفكاره لم تسعفه .. ثم  قرر الخروج متجاهلاً إياهم وكان منظره وهو يعبر من أمام أهله هكذا كأنه غريب عنهم  ..

عندما وافى زاوية الشارع , انعطف بعكس اتجاه بقالية أبا حامد ومشى .. وبعد أمتار قابل سيارة شحن صغيرة تنقل صناديق من البندورة سأله صاحبها عن الطريق إلى مركز المدينة . فدلّه وساعده المشي والتدخين على تحسين مزاجه قليلاً فقد تعوّد على ابتلاع غيظه ويأسه بنفسه .  وأخيرا قادته قدماه إلى  أبي حامد  ..

ـ أهلاً  معلم سهيل صاح أبو حامد .. وطاقيّة الصيادين البيضاء تغطّي حاجبيه .

ـ كيف العمل ..

ـ جيّد ..أجاب سهيل هازّاً رأسه و أردف :

ـ كيف كانت السهرة البارحة ؟

نظر إليه أبو حامد مستغرباً :

ـ أيّة سهرة ؟

ـ لقد رأيتك ترجع إلى المحل البارحة ( في وجه الصبح ) .

واضطرب أبو حامد قليلاً ثم أجاب :

ـ نعم كنت بحاجة لبعض المواد فرجعت ...ماذا ستشرب ؟

ـ لا شيء ..أجاب وقد تغير مزاجه فجأة ..لقد (تغديت ) عند الرجل الذي أعمل عنده وشربت ويسكي ..( وبعد قليل ذاهب لأسكر  ) ..

وانضم إلى الموجودين . ثمّة امرأة متزينة بشكل منفر و مبالغ فيه تنظر إليه بفضول..فتساءل لماذا يحظى هذه الفترة بكل هذه النظرات الغريبة ورمى بالحكم وهو يدخن بأسى إلى الحالة الرثة التي وصل إليها من جراء التدخين المستمر وعدم النوم في الليل حتى غدا ملفتاً للنظر هكذا وتأكدت مخاوفه ووساوسه.. انخرط الجمع بأحاديث مختلفة شارك فيها  مبتدعاً أحداثاً وروايات أسكتت الجميع وسببت لهم الملل حتىّ أخذوا بالانسحاب التدريجي , ثم

غادر بدوره..ودعاه أبو أمجد من شرفة منزله ليشرب الشاي ويدخن النرجيلة معه وهناك تحدّثا طويلاً وهم( يقرطون )الفستق المحمص ,  خلال ذلك كانت أم أمجد لا تتوقف عن كيل الانتقادات لذوق زوجها في اختياره لهذا الحي حيث الضجيج والفوضى للسكن وأيّدها سهيل في كون الحي كذلك ..

قال سهيل :

ـ كيف أخطأت و أتيت إلى هذه الحارة ..العيش فيها مستحيل ..

وعلّقت أم أمجد :

ـ أي والله يسلم فمك يا سهيل لقد قلت له هذا ..لكنه لا يقتنع ( يقول أن عنده الجلوس على الشرفة ومراقبة البحر تساوي العالم كلّه )  ..

وهزّ أبو أمجد رأسه بالإيجاب ..

ـ وصوت المنشرة وأوساخ أبو صقر..سأل سهيل ..

ـ الآن كل شيء هادئ ..دعوا الناس تعمل ..

ـ كفى أكلاً للفستق بالله عليك ..إنه يأكل على الرغم من أن الأطباء منعوه . وفي الليل يضع يده على بطنه ويتلوّى من آلام ( الكولون ) .. ثم تفرد كعادته بالثرثرة حتى المساء

وخلال الحديث كان يلقي نظرات على المنزل الجديد الذي كان يظهر إضافة على منزله من على شرفة أبي أمجد..ثم وبضغط من القلق نهض وغادر ..

برزت النجوم في السماء السوداء وهذا إيذان ببدأ معركته الشعواء مع القلق .. دخل غرفته وأدار التلفزيون  دون أن ينظر إلى ما تعرضه الشاشة ..سيجارة أخرى..وهبط الصداع كتفكير متواتر ليحيق برأسه ثم تمدد على السرير . لفتت انتباهه البعوضات الأولى التي استدعاها الصيف ومرّت من أمام عينيه تطير بخفّة حاول التقطها بيده فاختفت في مكان ما من فضاء الغرفة الذي عشش فيه الدخان ..وفكّر :

ـ هل ستربح ورقة اليانصيب هذا الأسبوع فتكون هذه آخر فترة فقر يعيشها ؟

ثم خطر له خاطر شاذ مفاده أن شيءً ما قد تغير فيه أو تبدّل وتقلّب على جمر هذا الخاطر المزعج  فجلس واخذ يمرر يده على رأسه المحطّم وشعره الخشن وحاجبيه الكثيّن ثم وقف وراح يلتمس كل أعضاء جسده وانتابه رعب من وقت قد يأتي فينمو له عظم بطريقة عكسية أو تغور إحدى عينيه أو خصيتيه . مضت دقائق ..وساعات وهو على هذا المنوال تفكيره يستفرغ أموراً وهواجس شتّى , في هذه الأثناء تناهت إلى سمعه حركة أوقفت

تواتر خواطره واسترق نظرة إلى الشباك فلم ير شيئا . الفتاة ذاتها كانت مع إحدى شقيقاتها قد جلستا للتو على السطح هرباً من الحرّ في المنزل ..وإذ رآهن ارتاب في سبب جلوسهن هنا وسرعان ما تناهت إلى مسمعيه أصوات همسات وضحك استفزّته ووثّقت لديه فكرة أنه فعلاً محل سخريتها فتقدّم غاضباً من نافذته ليغلقها  وشعر إذاك بنظرتها نحوه بالرغم من العتمة . فصفق الشباك بعنف وجلس على طرف السرير و في هذه الدقائق و لسبب غريب تسللت إلى أوصاله طاقة شحنتها بنشاط شديد . كان يصل إليه ضحك الفتاتين بشكل مستمر من خلال صوت التلفزيون ثم وافاه أيضاً وهو على حاله تلك صوت رياض ينادي عليه من الخارج ..

ـ مساء الخير  , ماذا تفعل ؟

ـ لا شيء..

قال وهو ينظر إلى الفتاتين :

ـ اركب وراءي لندشن الخيمة (فالشباب ) مجتمعون هناك .. هات سيجارة أولاً ..

صعد وراء رياض وأحاط بذراعيه خصر الشاب النحيل ..واستمتع بالهواء الدافئ يلفح وجهه وموضوع الفتاة ذات النظرة الرهيبة يفرض نفسه بين فينة وأخرى على تفكيره

..وسأل رياضاً :

ـ  رياض .  (إذا رأيت فتاة تنظر إليك باستمرار .. ماذا تفعل ؟)

ـ من هي هذه الفتاة ؟ جارتك الجديدة ..

ـ لا ..أنا أسألك فقط ..

ـ انظر إليها لأعرف ماذا تريد  .. أجاب رياض بصوت مرتفع والهواء يصفع وجهه ..

في الخيمة رحب به الجميع لأنهم عرفوا أن الكثير من القصص المتعة ستروى كانوا مجموعة من أعمار مختلفة يجمعهم الفراغ في هذه اللحظات حيث مشاكلهم مشتركة يوحدهم الليل والوقت بعد أن تمزّقهم بطالة النهار.. وخلال دقائق بدأ الشواء وفاحت رائحته في الجو وانتصبت كؤوس العرق ذات اللون الأبيض ورائحة اليانسون ..وغنى أحدهم على العود  ..ثم اصطفّوا للدبكة ..

مع بزوغ الفجر رجع إلى البيت في حالة طرب وسكر .. وغالبه ألم الأسنان , فالتمس قرص دواء يهدأ من آلامه ثم استلقى على السرير وتسرب شعاع الشمس إذ أنار الصبح الغرفة لينعكس على الحائط وتسرّب معه أمل خفي بتلك النظرة من النافذة المقابلة . تقّلب قليلاً في سريره وغاب في نوم هادئ ولوهلة رأى في نومه أنها  تنظر إليه من خلال النافذة فنهض مضطرباً ليعدّل نومه  وقد داهمه عطش شديد.. كان قد نام ثلاث ساعات و مازالت الساعة الثامنة فعاد إلى وضعه السابق وهو كالعادة  يفكر  بالأمور الجديدة التي طرأت فالبارحة لم يسمع إعلان والده الصباحي اليومي عند نهوضه لصلاة الفجر وفكر بالزائر الجديد في أحلامه , لابد أن يكون هناك معنى لهذا ! وبينما هو على تقّلبه ذاك وقد مضت فترة وجيزة قُرع باب غرفته..كان يقف على الباب أحمد صديق شقيقه عباس وهو تاجر أدوات منزلية بالجملة يملك محلاً في وسط المدينة ..

ـ أما زالت نائماً حتى الآن ..حسناً سأدخل بكافة الأحوال لأشرب فنجاناً من القهوة عندك ... قال أحمد مبتدأً الكلام ..

غسل وجهه وسرّح شعره الكث وأدرك أنه بحاجة لحلاقة ..ووقف قليلا في الفناء معايناً هذا الوقت من الصباح الذي لم يراه ربما منذ أشهر ثم دلف إلى المطبخ مفرّقاً شمل الدجاجات اللواتي تجمعن أمام المطبخ لنقر حبات البرغل الرطب الذي رشّته الأم منذ الصباح الباكر.. ليعد فنجانين من القهوة فصادف زوجة شقيقه تقف أمام الغاز وهي تضيف السكر للقهوة التي فاحت رائحتها في جوّ المطبخ ..فتراجع وأخذ يلتمس شيئاً آخر يعد فيه القهوة ..وفاجأته زوجة عباس إذ قالت :

ـ تفضّل ..لقد صببت لك فنجانين .  وأخذت الركوة معها ومضت خارجةً ..

توقف قليلاً ينظر إلى الفنجانين ثم تركهما ومضى ..جلس أحمد على الطاولة بينما جلس سهيل قبالته على السرير ..لا تؤاخذنا لا يوجد عندنا قهوة ..

ـ  لابأس .كيف الأحوال ؟ قال أحمد وهو يعرض سيجارة ..

ـ بخير ..

ـ والعمل ..؟

ـ أفكّر في السفر إلى اليونان مع صديق ..

وبعد جملة من الأحاديث العادية قال أحمد :

ـ( أريد عاملاً في محلّي ..فالعامل الحالي سيذهب قريباً لأداء خدمة العلم ..ما رأيك أن تعمل مكانه ؟ ) ..وأضاف متلعثماً ريثما تسافر ..