الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: عبد الله تايه

التين الشوكي

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

 

الرواية

بشرى تراقب

حسام يتنبأ

الاجتماع الأول

 الحركة الأولى

التومرجي

شيخ الزاوية

زوجة شهيد

مخاض عاجل

والتحقت النسوة

فاروق عوض

 

 

التين الشوكي ينضج قريباً

 

قصيدة القصـائد

 

لا وقت للمنفى

وللصور الجميلة فوق جدران الشوارع والجنائز

والتمنـي

كتبت مراثيها الطيور وشردتني

ورمت معاطفها الحقول وجمعتني

فاذهب بعيداً في دمي واذهب بعيداً في الطحين

لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين

يا أحمد اليومي

يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء

يا اسم البرتقالة

يا أحمد العادي

كيف محوت هذا الفارق اللفظي بين الصخر والتفاح

بين البندقية والغزالة.

[من قصيدة أحمد الزعتر ـ محمود درويش]

 

 

الحركة الأولى

كانت في المقبرة

 

اعتدت أن أقطع الطريق الطينية المارة من منتصف المقبرة إلى المخيم في طريق عودتي من عملي .. يتوقف باص العمال فأنزل وحيداً في المحطة مرتين في اليوم ما عدا العطلات ، مرة في الفجر ، والثانية مع الغروب .. أبدأ في قطع الطريق .. القبور على الجانبين مزدحمة ، متراصة ، قابضة للنفس ، مطليّة بالجير الأبيض ، تلتصق ظلالها بظلال الـتّـين الشَّوكي ، والنباتات الشَّوكية الصّغيرة ، وغالى بعض الأهالي فزرعوا بعض الأشجار الخضراء التي تنوس في كبرياء مستمدة من كبرياء الموت ، ولا تخلو المقبرة من فرار الحرادين والزواحف هنا وهناك .. تندس في شقوق القبور وبين الحجارة المتصدعة بفعل الزمن . تستشير فيَّ رهبة الموت ، خشوع غريب ، خدر في أطرافي ، وزواحف شتى تتسلقني تحت الجلد ..

ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

......... صمت

أتمتم في كلّ مـرّة :

ـ أنتم السابقون ونحن اللاحقون .

قـرأ فاتحة الكتاب بخشوع مهدياً ثوابها للأموات .. وأوسع الخطا مبتعداً في فزع خفي ، تدور بنا الأيام ولا نعرف متى تجذبنا عجلاتها الساحقة ، رؤية الموت القاعد في جنبات المقبرة يبعث الرهبة والجزع في نفسي .. يتمدد دود العفن المتحلل في لحمي ، تعترضني الزواحف ويتسلقني الدود ، تأكلني جميعها ، تمتص دمي ، وكلما حدثتُ زوجتي عن هذه الرهبة التي تتملكني عند اختراقي المقبرة كانت تردد دائماً :

ـ يا راجل غـيّر هالطريق ..

ـ إن شاء الله من بكره أغيرها .

مع ذلك كنت لا أنفذ اقتراحها ، لا أدري .. فرغم الرهبة من المقبرة إلاّ أنني لا أرغب في ترك طريقها ، لم تُشيع جنازة شهيد دُفن في هذه المقبرة إلا وكنت أول الماشين في مظاهرة الجنازة ، وفي كل مرة كنت أدسّ نفسي بصعوبة لأرى الجثمان وهو ينزل على السواعد إلى القبر ، لم أنس كيف كنا نضع القتلى في قبور تتسع لأربعة وخمسة دفعة واحدة أثناء حرب حزيران .. المقبرة جزء من ذكرياتي التي لا أريد أن أنساها أو أبتعد عنها .. اعتادت قدماي أن تسبقانني إلى طريق المقبرة ، أحاور نفسي في كل مرة ، أحاول أن أثبت أن الموت حدث عاديٌ لا ينبغي الخوف منه إلاّ أنّ غريزة حب البقاء كانت تطفو .. فهذه المقبرة رمز للموت والنضال والمعاناة والمستقبل ..

أتصور أحياناً هذه الحجارة التي تُسمى قبوراً وقد استعملها الناس في البناء والتشييد ، ولم يشهروا القبور بالشواهد .. بل كثيراً ما راودتني فكرة أن يُوضع الأموات في حُفر تحت سطح الأرض دون بناء أو حجارة ، يذوبون في تراب الأرض الذي أحبوه ، يُدفنون حتى بدون مراسيم دفن ، تصورت أرض المقبرة وقد امتلأت جثثاً مغطاة بالتراب فقط ووضع جثة أخرى معناه حفر بالفؤوس .. تحطيم عظام جثث أخرى .. يلتصق الفأس بجمجمة ، أو تلتصق عظام ظهر بالفأس .. اقـشّعـر بدني ، ووقف شعر رأسي ..

رائحة الموت تنبعث .. ثمار التّين الشَّوكي تلتصق بالقبور.

ملابسي تلتصق بعظام ظهري ، والناس في المخيم يقولون دائماً .. في أوقات الشدة وأزمنة المذلة يهون الموت .

 ابتسامة ملونة ، زواحف ، دود يقرض الجثث ، سماء صافية .

تراهم لو ساروا فوق هذه الطريق بين القبور كما أسير الآن أكانوا يستحسنون الموت ؟ لن يستحسنه أحد .. مع ذلك ، فالناس في المخيم يحاولون تغيير الحياة المذلة بطرق شتى متاحة .. قالوا عنها :

ـ متاحة وشريفة .

أصعد مراراً درجات السّلم إلى الدور الثاني في البناية الجديدة التي تُجهز لاستقبال القادمين الجدد ، أنقل أكياس الأسمنت والأخشاب والمسامير ، أنقل تعبي وهمومي وشقائي وما يحتاجه المعلم أبو إسماعيل الطوبارجي ، وبنحاس الذي يشبك أسياخ الحديد .. يناديني بنحاس بلهجة ممطوطة مازحة :

ـ يله يا مهمود القاضي .. خلصني ..

فما يأتي آخر النهار إلا وأنا محمود الهامد المنتهي .. ويقول لي المعلم أبو إسماعيل ـ وهو من مخيمنا ـ بين الحين والحين :

ـ يحرثون علينا مثل البهائم يا محمود .

ـ نفهم ذلك ونتوجع يا أبو إسماعيل .. نكتفي بالتوجع .

ـ الأمعاء خاوية يا محمود ، واللقمة مغمسة بالعرق والزفت .

ـ أي والله بالعرق والزفت .

ـ والأولاد يريدون مصاريف كثيرة ..

ـ ورسوم المدارس والعلاج والضرائب ..

ـ والغــلاء ..

ـ والأكــل ..

ـ والشـّرب ..

ـ والملابـس ..

ـ وزجاجات الحليب ..

ـ والأعياد ..

ـ والمواسم ..

ـ وعيديات الأولاد وصلة الرحم ..

ـ حياة كلها لعنة والدين .

ـ أي والله لعنة والدين .

 انتفض كالومضة ، قبور مطلية تسطع فوقها بقايا  شمس .

الطريق الطينية وسط المقبرة تتقلب . الهواء حولي يزفر . تتماوج القبور . تهتـزّ الظّلال ، وأغصان الأشجار القريبة ، وشواهد القبور ، عيوني تقفز من محاجرها ، تتبخر أوهام الموت ، والموتى ، والقبور ، والـتّـين الشّوكي ، وإهانات العمل ، وتعب الأسفار . أتوقف .. أتخشب .. أُحملق .. ما الحركة الصادرة ؟ ما الذي يحدث للطريق حتى تلوت تحت قدميّ وأنظاري ؟! كأنّ أفعى لدغتها ؟ ما من مجيب . أزيز حشرات ، طنين هوام ، تَحرك دود العفن ، تمايلتُ فوق الطريق ، شخص بصري ، أحسست تحفز عضلاتي ، وهروب الدم من جسدي وتكدسه في أنسجة العضلات ، الدنيا صفراء ، حمراء ، خضراء ، ملوّنة ، ألوان قوس قزح ، الجهات الست تـتطلع حواليها وحوالي ، صرت قطعة ملح أذوب في عَرقي ، تتبلل به ملابسي الداخلية والخارجية ، تمتلئ به حقيبة العمل التي أحملها ، التصقت ثيابي بلحمي .

في ركن المقبرة قبور تهتز شواهدها بوضوح .. ويهتز معها التّين الشّوكي .

المقبرة هادئة في كل جوانبها إلاّ في ذاك الركن .. إنّه يهتزّ .. اللهاث في صدري يتهازز .. قبور الشهداء هي التي تهتـزّ ، وأنا أهتزّ قبالتها ، وعرقي ينز بغزارة فلوّث طين الطريق .

تجحظ عيناه ، تُقعي الأشياء ، تنبح أوراق التّين الشّوكي في المقبرة ، يختلف لون بشرته أكثر ، يصفّر كالكركم .. يذوب في عرقه .

أجفّ ، أختلج ، تصدر أنفاسي على غير ما رغبة مني في تسارعها ، نار في صدري تذيبني ، تصهرني ، تحرق خلاياي أنطفئ ، أمشي ، أقف ، أجري ، أكاد أصير طين الطريق ..

قبور الشهداء تهتز .. شواهد القبور تهتز ..

لامستها ، لمستني ، كهربتني ، أرعدت في داخلي ذرات الموت والحياة فتهت .. هذا حدث لا يعقل .. أقرص جلدي .. أخربشه بأظفاري .. أعضّ أسناني .. أتفقد عظام القفص الصدري .. كل شيء ينبئ أن الحادثة التي أراها حقيـقة .. لست مخبولاً .. فأنا العامل محمود القاضي ، مساعد الطوبارجي أبو إسماعيل ، ومنفذ أوامر بنحاس الحداد ، أحمل بطاقة عمل ، نزلت من الباص قبل لحظات ، وأنا الآن في المقبرة ، مقبرة المخيم ، والقبور في الركن تهتز .. قبور الشهداء فقط هي التي تهتز .. دفنهم سكان المخيم في جانب واحد من المقبرة .. وزينوا جوانب القبور بالورود .. أطلقت ساقيّ للريح . عاكستني الريح كثيراً ..

وصلت الدار بمرارة ولهاث وخوف وموت وقبور وعرق واهتزاز وفاتحة الكتاب وأدعية كثيرة ..

تفقدتني زوجتي في وجل شديد ، نسيت كل ما يتعلق بي، إلاّ اهتزاز قبور الشهداء الذي رأيته بعينيّ هذه قبل لحظات في المقبرة .. الشواهد المتحركة لا تفارقني .. أشيائي ضاعت ، ملابس العمل .. البطاقات ، بقية الطعام ، هتفتُ بزوجتي :

ـ قبور الشهداء تتحرك * ..

ـ في المقبرة !!

ـ في المقبرة يا امرأة .. وقبل ذلك كانت تتحرك في قلبي .

ـ أية قبور يا رجل !

ـ قبور الشهداء .. قبور الشهداء ..

ـ قل غير هذا أصدقك ..

ـ والله تتحرك ، ورأيت الحجارة تتفتت وتـتـنطط .

ـ تـتـنطط !

ـ وأصابع عظمية خضراء تخرج عبر القبور ، لا لم تكن أصابع وحسب ..

ـ ماذا كانت إذن ؟!

ـ أيدي كثيرة كثيفة خضراء لحمية .. من كل قبر خرجت أيدي كثيرة .. من كل قبر خرجت مقبرة شهداء .

ـ مقبرة شهداء !! محمود هل أنت ..

ـ جيش شهداء .. جيش شهداء يا امرأة .

ـ جيـش !!

زوجته تبحلق فيه ، وهو يبحلق في عظام القرميد ، والقرميد يقول له إنها رؤى إنسان طموح للغاية ، ومتعب للغاية .

ـ قلت لك إن قبور الشهداء هي التي تتحرك .

ـ أيصدق المختار هذا الحكي ؟!

ـ ولِمَ لا يصدق ! إن لم يصدق فليذهب إلى المقبرة ويرى بعينيه .. ليذهب إلى قبور الشهداء فقط .

ـ أو يرى بعينيه ؟!

ـ بعينيه كما رأيت .

ـ المختار لا يرى إلاّ الولائم ..

ـ وأفخاذ الدجاج المحمّر عند هذا وذاك .

ـ إذن احكي لفاروق عوض الكاتب .

ـ فاروق عوض مشغول بمطالعاته ولن يهتمّ كثيراً ..

ـ لا بد أن يثيره اهتزاز قبور الشهداء في مقبرة مخيمنا .

ـ قلت فاروق عوض مشغول بمطالعاته ولن يهتم كثيراً ..

ـ لا بدّ أن أُحدث إمام المسجد .

ـ أتراه يصـدّق ؟

ـ أتكذبينني أنت ؟!

ـ والله يا بن الحلال كلامك هذا غريب هل تشعر بصداع ؟

ـ يعني أنا كذاب ؟ واهم ؟ أعمى ؟

ـ لا .. لا أقصد يا محمود .. أنت زوجي وأنا أعرف صدقك ..

ـ العظام الخضراء كانت تتقافز من بين حجارة المقبرة ، والحجارة تنهار ، كانوا يقومون من نومهم البريء يا امرأة .. الشهداء كانوا يقومون ..

 إمام مسجد المخيم الشيخ إبراهيم العريان اهتز للنبأ .. خرّ ساجداً وبللت دموعه لحيته ، ضرب كفاً بكف وأخذ يستغفر ربه مرات ..

ـ أستغفر الله العظيم .. أستغفر الله العظيم ..

ـ ماذا تقول الكتب عن هذا الأمر يا شيخ إبراهيم ؟

ـ أخشى أن تكون هذه بداية القيامة ..

ـ لا تقل ذلك يا شيخ إبراهيم .. زوجي محمود لم يقل إنه رأى القيامة .

ـ ماذا رأى إذن ؟ قبور تتحرك ؟! موتى يطلعون ؟

ـ زوجي يقول قبور الشهداء فقط يا شيخ إبراهيم ..

ـ اللهم لا حول ولا قوة إلاّ بك .. الطف بعبادك يا رب ..

ـ تُرى ما الأمر يا شيخ إبراهيم ؟

ـ يقول تعالى في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين :

" ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ". صدق الله العظيم .

ـ الذين يقاتلون في سبيل الله فقط ؟ إذن ما حال أولادنا وأزواجنا الذين قتلوا في سبيل الوطن يا شيخ إبراهيم أليسوا شهداء وأحياء عند ربهم ؟!

ـ بلى .. شهـداء ، وأحيـاء ..

* (نسبة إلى ما أشيع في عام 1972 عن تحرك قبور الشهداء الأربعة: مصطفى عبد القادر، حسن سلمان، عون سعيد، نوفل شمالي, في مقبرة الشجاعية في غزة).

 

 

الاجتماع الأول والأخير

 

اتـّسع المجلس لمخاتير المخيم الذين ملأوا المكان ضجة، واختلطت أصواتهم بغير نظام ، في حين تصاعدت هتافات الجماهير في الخارج :

ـ أتصدقون ما قاله محمود القاضي وزوجته ؟

ـ تصدقون محمود القاضي يا مخاتير ؟! هذا العامل الفقير الذي لا يعرف كوعه من بوعه !

ـ هذا ليس حديث المرأة وزوجها فقط .

ـ الحديث عَمّ المخيم  .

ـ عَمّ المخيم والناس يتظاهرون في الخارج .

ـ وأولاد المدارس يتظاهرون .

ـ والنساء والعجائز .

ـ والعمال .

ـ كل الناس .

ـ كل الناس .

ـ إذن .. إلى المقبرة لنتحقق .

المخاتير أكلوا القبور واحداً بعد الآخر ، وعند قبور الشهداء تيبسوا ، حجارة تتنطط ، أشكال عظمية خضراء وحمراء  وسوداء وبيضاء ، تبرز وتختفي ، ارتعشوا في وثير الثياب ، حكوا لحاهم بعصبية ، تساقطت عكاكيزهم ، وعادوا إلى ديوان أحدهم بعد التشاور :

ـ الناس يحزرون ..

ـ إمام المسجد الشيخ إبراهيم العريان يقول هذه عِظة وكرامـة ..

ـ القبور مسكونة ..

قال الشيخ عبد الجواد شيخ الزاوية :

ـ وما أدراه الشيخ عبد الجواد شيخ الزاوية ؟!

ـ إنه لا يعرف سوى عمل الحجابات والشعوذة ولم يتعلم في الأزهر مثل الشيخ إبراهيم.. 

ـ مع ذلك له جماعة في الزاوية تؤيده .

ـ أقترح عليكم أن تسمعوا رأي الأستاذ عليان أبو ظهر .. فهو الذي يعلم أولادنا في المدرسة ، ويعرف في هذه الأمور .

ـ الأستاذ عليان سيقول لكم هذا نداء للواجب ، ولإعداد العدة .

ـ وسيشتمنا ويتهمنا بأكل الولائم وعدم الاهتمام بمصلحة سكان المخيم ..

ـ الأهم من ذلك أنه سيحكي  كلمات كثيرة عن الثورة والفقراء .. كلمات طويلة لن نفهمها ..

ـ أتستفتون عليان أبو ظهر وإمام المسجد بيننا في المخيم لم يمت ؟!

ـ ولِمَ لا ؟!

ـ يلعننا الإمام ..

ـ ليلعننا كما يشاء فلن يُقبل دُعاؤه .

ـ يتوقف عن عقد قران أبنائنا وبناتنا .

ـ ولا يفتينا في الحلال والحرام .

ـ وربما يعتكف في بيته ..

ـ ومن يُصبح إمام مسجدنا إذا اعتكف الإمام ؟!

ـ ما العمل يا مخاتير ؟

ـ اسمعوا .. الإمام لن يتوقف عن عقد قران أبنائنا وبناتنا.. لأنه يأخذ أجره عن كل عقد قران .. عدا عن الحلوى والهدايا ..

ـ إذن ولن يتوقف عن إفتائنا في الحلال والحرام .

ـ ولن يعتكف حتى لا تطرده دائرة الأوقاف فلا يتسلّم راتبه.

ـ وسيشمّت فيه الشيخ عبد الجواد .

ـ هذه جلسة فوضى .. سكان المخيم ينتظرون النتائج ..

ـ ينتظرون إصدار بيان .

ـ عندي اقتراح ..

ـ أسرع وقـله ..

ـ نختار من بيننا رئيساً لجلستنا ينظم اجتماعنا ويتولى إدارة الحوار والنقاش .

ـ موافـقون .

ـ موافـقون .

ـ إذن من يرشح نفسه ليكون رئيساً لاجتماعنا هذا ؟

ـ أنا أرشح نفسي ..

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ضجة شديدة ، اختلاط أصوات ، عراك العيون ، والألفاظ ، كلّ واحد يقاطع الآخر ، زعيق ، تخمة ، روائح شتى ..

ـ هذا لا ينفع ..

ـ كلّ واحد منكم يريد أن يصبح رئيساً ! ما هي حكايتكم يا مخاتير !

ـ ليكن الاختيار بالانتخاب .

ـ وكيف يتم ذلك ؟ من ينتخب من ؟ ما دام كلّ واحد منكم يرشح نفسه ، أينتخب المرشحون أنفسهم !

ـ الأفضل أن يتنازل الذين لا يجدون في أنفسهم كفاءة ، فالمسألة خطيرة ..

هتافات شديدة في الخارج ، سكان المخيم في ثورة عارمة ، يترقبون ما يُسفر عنه الاجتماع ، الشمس فوق الرؤوس ، العرق يتصبب من الأجساد على التراب. 

ـ من يرشح نفسه الآن ؟

ـ  أنـا .

ـ وأنـا.

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ ما رأيكم أن نحتكم إلى الأستاذ عليان أبو ظهر في هذه القضية ؟

ـ أنا موافـق .

ـ وأنا موافـق .. فله ضلع في المظاهرات الأخيرة ..

ـ ورفع الأعلام .

ـ والاضرابات ..

ـ هس .. أتريدون أن يُعتقل ؟!

ـ أنا موافـق على الاقتراح .

ـ موافـق .

ـ وأنا موافـق .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ إذن هاتوه من بين الخلق في الخارج .

هدأت الضجة في الداخل ، وساد شبه صمت في الخارج ، هدأت الأصوات المختلطة المتعاركة ، فسطعت الشمس أكثر فوق الهامات ، ودخل الأستاذ عليان أبو ظهر..

ـ ما القضية يا مخاتير ! فيم تأخركم ؟

ـ نريدك أن تختار من بيننا رئيساً ليترأس اجتماعنا هذا ..

ـ ولا تنس أننا من هنا .. من اجتماعنا العظيم هذا ، سنذيع على أهل المخيم ما نتوصل إليه بشأن القبور .. قبور الشهداء ..

ـ أتريدون أن أختار أنا فقط ؟

لأول مرة يقولون بصوتٍ واحد :

ـ أنت فقط .

ـ ولا تغضبون من اختياري ؟

الضجة في الخارج تـفلـق الجدران ، والرؤوس ، والأذان ، مع ذلك جاء صوتهم واحداً.

ـ بما يرضي الله .

ـ ولا تغضبون ؟!

ـ ملعون من يغضب .

ـ أتثـقون في اختياري ؟

ـ كلّ الثــقة .

كلهم شاخصون في عينيه ، يصوبون عيونهم الحمراء ، والصفراء ، والبيضاء ، في عينيه ، كلّ منهم يحاول رشوته أو تهديده .. تفحصهم بعمق شديد  .. ثم تعلق غراب فوق رأس كلّ منهم ..

ـ أقترح عليكم أن تخرجوا أمام الناس .

ـ لا نوافق .

ـ قل رأيك أمامنا ؟

ـ أأنت تخاف !

مشيراً إلى الناس في الخارج ..

ـ لا أخاف سواهم .

ـ إذن قل من الذي اخترته منا ؟

ـ اسمحوا لي بالخروج إلى الناس لحظة ..

ـ ليكن ..

ضجة في المجلس ، هتافات من الازدحام البشري ، غادر الأستاذ عليان المكان ، وقف مع الناس في الخارج ثم عاد ليخاطب المخاتير المجتمعين ..

ـ لنا شرط .

ـ من أنتم !! أنت واحد .

ـ نحن الناس في الخارج ..

ـ لكنّا نريد رأيك أنت فقط .

ـ رأيي هو رأي الناس في الخارج ..

ـ إذن ما الشرط ؟

ـ ليرمِ كلّ واحد منكم إليّ عكازه وخاتم مخترته .

ـ وما شأن العكاكيز والأختام ؟

ـ هذا شرط ..

ـ يبدو أنّك خائف .. خذ هذا عكازي ، وهاك خاتمي ..

ـ وأنـا خـذ .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ ها أنا أحزمها ..

ـ والآن قل لنا من تختار ، فقد ضاع النهار ؟

ـ من تختار ؟

ـ أيوه . من تختار ؟

ـ أتريدون الصدق ؟

ـ ولا غيره .. فأنت تعرف الحلال والحرام ..

ـ وتعلم أولادنا لعبة الحرب والسلام ..

ـ هيّا .. قل ..

ـ يقول الناس لا أحد فيكم يستاهل .

وقذف حزمة العكاكيز والأختام فوق نار الكانون .. نهضوا مرة واحدة وجروا خلفه ، لاحقوه ، تخبطوا في بعضهم البعض ، الأستاذ عليان أبو ظهر احتمى في الازدحام البشري ، وذاب .. أمّا المخاتير فانهال الناس في الخارج عليهم بالأحذية ..

 

 

حسام يتنبأ بعودة والده

 

 

قبور الشهداء تهتزّ ، تراقصت العصافير في قلب حسام ، سال لعابه للحلوى ، ولابتسامة والده .. امتزجت كلمات الأولاد في الحارة واختلطت ..

ـ القبور تهتزّ ..

ـ قبور الشهداء فقط .

ـ قبر والدي إذن يهتزّ ؟!

ـ لا بـدّ أن والدك سيعود ..

ـ أمي قالت إنه سيعود ..

ـ ويعود صوته يلعلع ..

ـ ويعود يقبلني ويحمل لنا الّلحم في العيد ..

ـ العيد لم يأتِ بعد ..

ـ ويشتري الملابس الجديدة ..

 تفـرق الأولاد ، حسام يقف وحيداً يرقب الشمس ، ويملأ رئتيه بعمق ، ويولج الذاكرة عبر المسافات ..

فتحي ابن أبو فتحي الدكنجي ملابسه نظيفة وجديدة .. أمّا أنا .. فمزق هنا .. ورقعة هنا .. منذ استشهاد والدي نادراً ما لبست الجديد .. في الآونة الأخيرة صارت أمي تشتري لنا الملابس المستعملة التي يجلبها الباعة من سوق الدير للخردوات والأدوات في يافا ..

أحرجني الأستاذ عليان ذات مرة عندما طلب وليّ أمري .. لم يكن يعرف أن والدي استشهد .. قال له الأولاد إن والدي مات من سنوات .. قلت :

ـ لا تصدقهم يا أستاذ .. أمي تقول إنّ والدي استشهد .. لم يمت .

ابتسم يومها الأستاذ .. ثم صمت . لا أدري لماذا صمت طويلاً . وعندما تفرق الأولاد سألـني :

ـ كيف استـشهد والدك يا حسام ؟

قلــت :

ـ كنت صغيراً .. يأتي والدي كل مساء متعباً من عمله يحمل في يده لفافة الطعام والفواكه وأحياناً الشيكولاتة ، نجلس جميعاً للأكل .. ثم غاب طويلاً .. ولم يعد يأتي إلا نادراً .. وبعد تلك المرة التي أحضر لنا فيها تفاحاً لم يأتِ.. سألت جدي عنه كثيراً .. كان يقول لي والدك سافر إلى بلاد بعيدة ، وسيعود .. رجل ولا كل الرجال .. أمي قالت إنّ والدي كان يقول ليس لنا بيت .. وأنّه قاتل ليكون لنا بيت .. قلت لأمي يومها .. ولمن هذا البيت يا أمي ؟! بيتنا من القرميد ولا يزال .. قالت أمي .. لنا بيت جميل ، ظل هناك ، وأشارت بيدها .. أنا كبرت وصرت أفهم لماذا سافر والدي بعيداً .. ولكن ألك بيت يا أستاذ ؟

ـ لي بيت يا حسام .. لكنه مثل بيتكم من القرميد ..

ـ مثل بيتـنا ؟ إذن ليس لك بيت .. والدي كان يقول بيوت القرميد ليست بيوتاً .. بيوتنا هناك ، ويشير في هذا الاتجاه .. أستاذ عليان ..

ـ ماذا يا حسام ؟ قل ..

ـ ما دام ليس لك بيت .. لماذا لا تستـشهد مثل والدي ؟

ذاب الأستاذ عليان ، زقزق قرميد الفصول ، تراقص رمل الفناء ، وسحل الدهان عن وجه الجدران ..

ـ يوم استشهد والدك يا حسام زغردت النسوة ..

ـ أهو عرس ؟

ـ عرس كبير .. خرج فيه كل الناس في المخيم يزفون والدك .. لا بدّ أن تصير رجلاً بسرعة ..

ـ أنا رجل الآن يا أمي ..

ـ أجل .. أنت رجل يا حسام .

قفزت إلى ذاكرتي مشاهد عدة بعد أيام من عرس والدي .. قال أبو صالح بياع الترمس الذي يقف ويبيع في حارتنا ويزمّر بزمارة كبيرة .

ـ خذ لك هذه الحبات يا حسام .

امتدت يده بالترمس .. لكني سمعته يواصل محدثاً نفسه بصوت خفيض ..

ـ مسكين ..

قذفت الترمس في وجهه .. غضبت .. هتفت به ..

ـ أنا لستُ مسكيناً .. أنا ابن شهيد ..

تفجرت حبّات الترمس حولنا .. بهت الأولاد الذين تحلقوا العربة .. وامتلأ الجو دخاناً وصمتاً .. وغامت الدموع في عيني أبو صالح ..

قبلني .. استرضاني .. هتف بي في حشرجة ..

ـ أنت رجل مثل والدك ..

سألتـه ..

ـ لكن أنت لماذا لا تستشهد مثل والدي ؟!

صمت أبو صالح ، بلع كل الغربان التي في المخيم ، وسحب عربته وانصرف وأنا ألاحقه بنظراتي .. ولمّا عدت في المساء سألت أمي عن الناس في المخيم ..

قالــت :

ـ فيهم وفيهم ..

ـ لماذا لا يستـشهدون جميعاً ؟

ـ كيف ستعيش النسوة والأطفال الصغار ؟

ـ مثلما نعيش ..

صمت .. ليل .. ضباب .. حزن .. جوع .. تفجر ..

بطاقة التموين صارت باسم أمي .. صارت أمي العائل الوحيد ، حبات الأرز ، وحفنات السكر ، وقطرات الزيت لا تكفينا .. ولا أحد يهتم بنا .. وبطاقة التموين التي صارت باسم أمي لها حكاية .. حدثتني بها أمي ..

" في أول الشهر ذهبت لاستلام مخصصاتنا من مركز الإغاثة كالعادة .. سلمت البطاقة إلى الموظف للتأشير عليها وأخذت أنتظر دوري ، جميع الذي سلموا بطاقاتهم قبلي وبعدي ناداهم الموظف وبدأوا  في تسلّم مخصصاتهم ، وأنا أنتظر حتى جاءني صوت الموظف ..

ـ شحادة عبد العزيز سعد ..

ـ نعـم .

انضممت إلى الطابور الواقف لاستلام مخصصاتنا ، لكنّي فوجئت بالموظف يمد لي البطاقة ويقول بغير اكتراث ..

ـ اذهبي لمقابلة المديـر ..

ـ المدير ؟ خير إن شاء الله ؟

ـ بخصوص تعديل اسم رب العائلة .. خُذي .. هذه هي البطاقة .

أخذت البطاقة وقد شبك بها الموظف ورقة بدبوس ، مكتوب على الورقة سطر واحد ، ولم أكن أعرف القراءة .. انتابتني هواجس كثيرة .. ماذا يعني تعديل اسم رب العائلة ! رب العائلة استُشهِد فما جدوى التعديل ؟ هل سيعطوننا إعانات إضافية ونحن أسرة فقدت معيلها ؟ هل تكون هذه بداية السعي وراء دائرة الشئون الاجتماعية ومتاعب الحصول على معونة ؟

تحولت إلى باب آخر واتجهت إلى مكتب المدير .. انتظرت لحظات حتى فرغ المدير من بعض ذوي الحاجات ، دخلت عنده وسلمته البطاقة ، تفحصها بعينيه ، وهتف ..

ـ أنت زوجة شحادة عبد العزيز سعد ؟

ـ نعـم .

ـ هل معك ما يثبت ذلك ؟

ـ هذه هويتي ..

ـ اسمك عائشة خالد ؟

ـ نعـم .

ـ سنحول بطاقة التموين إلى اسمك إذ لا يجوز أن تظلّ البطاقة باسم زوجك .

ـ ولماذا تحولونها ! أنا أريدها أن تظلّ باسمه ، لا أريد شطب اسمه .. المخيم كله يحترمه في موته .. 

ـ مالنا والمخيم .. عندنا قوانين ..

ـ أيـة قوانين ؟

ـ أنا أقدر مشاعرك وبودي لو أحقق رغبتك ببقاء اسم زوجك كربّ أسرة في البطاقة ولكنّ هذا ممنوع ..

ـ من الذي يمنع هذا ؟

ـ الأمم المتحدة تمنعه .. نحن نسير وفق قوانين الإغاثة في الوكالة .

ـ الوكالة لا تهمني .

ـ لكن تهمني أنا لأنـّي موظف فيها وهي التي تغيثـنا ..

ـ والدول التي تغيثنا تريد أن يشطب اسم زوجي ؟!

ـ بالضبط . لكن ليس بصورة مباشرة .

ـ مباشرة أو غير مباشرة لا يهم ..

ـ هذه المرة استلمي المخصصات كما هي بدون أن نخصم مخصصات زوجك .. وأعيدي البطاقة إليّ حتى نجري التعديل اللازم .

ـ ألاّ يمكن العدول عن هذا الإجراء ؟

ـ وكيف ذلك ! هل تظني الوكالة ستظل تدفع إغاثة لإنسان لم يعد موجوداً ؟

ـ لم يعد موجوداً في سجلاتكم ، لكنّه في ذاكرة الناس في المخيم ..

ـ أنا آسف . لم أقصد ..

ـ تقصد أو لا تقصد لا يهم .. عندي اقتراح ..

ـ عسى أن أستطيع خدمتك .

ـ ما دام كل هذا التغيير من أجل الإغاثة والمخصصات التي لزوجي فما رأيك ألا تعطوني أية مخصصات له بصفته لم يعد موجوداً كما تقول على أن تظل البطاقة باسمه هو .. احتراماً لروحه .

ـ هذا لا يمكن .. القوانين واضحة ، ما دام سيسجل اسمه فهذا معناه أنّـه موجود ، ويحق له استلام المخصصات ..

لم أستطع إقناعه ، خرجت يائسة حزينة .. كيف يشطب اسم شحادة من بطاقة التموين وعشرات الآلاف في المخيم يعرفون أنّـه لم يمت .. لقد استُشهِد والشهداء أحياء .. محفورون في ذاكرة الناس جميعاً ..

تهتز الأرقام فوق بطاقة الإغاثة الجديدة ..

ـ أمي .. لماذا لا يهتم بنا أحد ويقولون عنا مساكين ؟

ـ هم المساكين وليس نحن .

ـ أتدرين ما الذي حدث اليوم في المدرسة ؟

ـ ماذا سيحدث يعني ؟ مظاهرات كالعادة ..

ـ مظاهرات كالعادة صحيح ، لكن هذه المرة أنا الذي حرضت التلاميذ على التظاهر .

فوق الأعناق رفرفت راية وحمام أبيض ، ثم سقط مطر غزير، وبدأ الضرب أعلى السيقان وأسفلها .

ـ في مدرستنا يا أمي سارية بلا علم .

ـ وأنا يا ولدي صار اسمي على بطاقة التموين ..

ـ عمي أبو خليل سجلوه للشئون الاجتماعية فكيف يقول إنّ له دونمات كثيرة ؟

ـ كان ذلك في القرية .

ـ أبي يعرف الطريق إلى الـقرية يا أمي ؟

ـ يعرفها يا ولدي كما يعرفك وأكثر .

قبور الشهداء تهتز ، اجتماع المخاتير فشل ، سكان المخيم في حيص بيص ، خرج حسام ووالدته ، واندمجوا في الخلق تداخلت أصوات كثيرة :

ـ الشيخ إبراهيم العريان يخطب فينا ؟

ـ وما العجب وهو إمام مسجدنا !

ـ حقاً . ويعرف الحلال والحرام .

ـ ويعقد قران أبنائنا وبناتنا .

ـ ويعرف كيف تُخرج الزكاة ..

ـ ويلقي دروساً بعد الصلوات وقبلها .

ـ ويعرف المكاييل والمواقيت .

ـ والأزلام ..

ـ والخمر ..

ـ وصلاة العيدين ..

ـ وصلاة الجنازة ..

ـ وعاشوراء ..

ـ لكن أيعرف الشيخ إبراهيم الجهاد ؟

ـ يتحدث عنه .. والكلام كثير .

صمت غرباني ..

حسام يكبر في عيني أمه ، يلوح لهـما طابور الشهداء قادماً .. تحلم الأم بحسام آخر .. وحسام صار يوزع المنشورات ويتظاهر ، ويستكشف الطرقات للشباب كي يمروا .

 

 

الزوجة بشرى تراقب

التين الشوكي في المقبرة

 

 

يسري الدم في أركان القبور ، تنبني خلايا  اللحم والعظم والدم .. تنبعث فيها الحياة من جديد .. الحجارة صارت كائنات آدمية، والتين الشوكي صار قرنفلاً وياسميناً .

زغـــرودة ..

أبو حسام سيطلع صبحاً جديداً ، سيقف أمام المرآة التي اشتراها في يوم عرسنا ، يرتب شاربه الأسود ، ويداعب بطني المتكورة على حسام آخر لم يولد بعد ..

منذ أن دفنوه في التراب استراح الهمُّ في بـيتـنا .. لولا حسام يملأ عليَّ الدار .. أصحابك انفقدوا . وأهل الخير .. حتى الذين ضحيت يا أبو حسام من أجلهم لم يتـذكروك بمعروف يصنعونه فينا ، حتى بعض أقاربنا .. وحسام لا يقوى على العمل ، وعتل الشوالات وحمل الطوب مثل جارنا محمود القاضي .. حسام يجب أن يواصل تعلميه أولاً..

يقولون عني مسكينة .. فارقها زوجها في أول العمر .. وسجلوا بطاقة التموين باسمي .. صرت أنا رب العائلة .. الوكالة كلها .. الأمم جميعها اعترفت بأنّي رب العائلة ، ورب العائلة الحقيقي في التراب ، وفي أعناق الناس الذين أحبوه في المخيم .. لم تكفنا المعونة يا أبو حسام .. صرت أنسج الصوف وغيرنا يتدثر به ، أمّا نحن فلننتظر صرر الإعانة ، وصدقة الميسرين ، ولحم الأضاحي في العيد ، وتوزيع التموين كل شهرين مرة ، دلف الـقـرميد وبرد الشتاء ، قلة الدراهم وقنوات الوحل ، الحشرات القارصة والروائح العفنة .

أبلغك أن أستاذ حسام اشترى له أدوات مدرسية ، ومحمود القاضي جارنا يرسل زوجته تطمئن علينا بين الحين والحين ، غزلت أصابعي مع السنارة ، غزلت الليل الطويل يا أبو حسام ليتدثر به الآخرون .. واليوم فرحة ، ما دام قبرك يتحرك فاليوم فرحة .. وهذه زغرودة .. وزغرودة أخرى يا بشرى .. وليفرح حسام .. وحين تعود لن أشكو لك ظلم الناس ، ولا إهمالهم ، ولا جورهم ، ولا نعتهم لنا بالمساكين . حين تعود ستعرف أن مجدك باق في رحم الأرض فالقرية التي أحببناها معاً هي التي جعلتك تطلق الرصاص .. لا زالت تحبك .. لا زالت ..

ـ أمي .. نريد راية نعلقها فوق سارية المدرسة ..

ـ ما زالت السارية بلا راية ؟

ـ ما زالت يا أمي .

 

 

 

دعزات التومرجي

مصاب بضغط الدم

 

 

عزات التومرجي يرتفع ضغط دمه .. تتخربش في ذاكرته الأشياء مرة وتنتظم مرات ، وفي الخربشة والانتظام يظل ضغط دمه يرتفع .. يتذكر مع زوجته حادثة سابقة ..

ـ دقوا بابنا ذات مساء ، كان الليل  والمطر ، خرج لهم والدي المعدم ..

ـ الفقير .

ـ العجوز .

ـ المحدودب الظهر .

ـ ضعيف النظر .

ـ ولمّا عرفهم تهلّل واستبشر .

ـ صار يرى جيداً .. عرفهم ..

ـ سمعتهم يقولون له إنّ معهم جريحاً ..

ـ أدخلهم دون تريث ..

ـ حتى لم يستشرك وأنت ابنه .

ـ إنّه يعرف رأيي مسبقاً .. نحن وقودها .

ـ كان معهم جريح ينزف ..

ـ نزفت معهم حتى أخرجت الشظية ..

ـ قالوا لنا ألف تحية ..

ـ نحبكم .. قلت ..

ـ حملوه وغادروا ..

ـ ووالدي يدعو لهم ..

ـ وأولادي نيام ..

ـ وأنت فرحة قلقة وقلت لا تنبسوا بحرف .

ـ نحن وقودها والسر في بئــر , قال والدي .

ـ وبعد شهور استشهدوا الواحد بعد الآخر ..

ـ يقولون في هذه الحالة مات السر .. ليتهم ظلوا والسر في قلوب الرجال يظل .

ذات ليلة غامقة تبعثرت الأشياء في الدار ، تحرشوا بالجدران .. أخذوني .. ساقوني .. قالوا ..

ـ أنت مش ممرض .. أنت مخرب .

ـ والله ممرض .. اسألوا مديرية الصحة عني .

ـ مين حضر عندكم ليلة الجمعة الماضية ؟

ـ لم يحضر أحد .

ـ تذكر .

ـ لا أذكر .

ـ أنا أُعرِّفك كيف تـتـذكر .

توثبت الحجارة والأبواب والنوافذ والحارات بفعل الخبط ، سحبوا لحمي ، غمسوني في العرق والتعب ، والغزل ثقيل الظل في العتمة ، تبقعت بالدم .

ـ إيش عملت للمنسي في الليل ؟

ـ لا أذكر أنّي فعلت شيئاً لأحد ..

ـ يلعـــن ....

أطعموا لحمي للكلاب في الخارج والداخل ، اللعنة على الداخل والخارج حين يصمتان ، ويصبحان ضمن أعداد المتفرجين .. أكلت لحمي الكلاب ، والكلاب يأكلون في أفخم المطاعم ، شربت بولي ، والكلاب تشرب الشمبانيا في كل العواصم .. هناك .. وراء الحدود .. وداخل الحدود .. اللعنة على الكلاب التي تمشي على قدمين وتشرب بعشرين فم .. تشرب دم .. وتـنام على الحرير .. وأنا أنام على منقوع البول .. اخص .

أغلقوا فمي بحذاء ، وحاكموني ، قالوا إنهم رحموني لكثرة عيالي .. وعيالي يعيشون على شظف الحياة ، وقالوا إنهم رحموني لشيخوخة والدي ! ووالدي مات قهراً بعد الحكم عليّ بشهور .. قهره منظر أولادي وزوجتي وهم يبحثون عن اللقمة ، وقالوا إنهم رحموني لروح أمي الطاهرة .. وأمي تأتيني في الحلم تؤكد أنـّها لا ترتاح في قبرها .. أمّا مديرية الصحة فلا تستطيع الادعاء بأنها رحمتني لأنها طردتني .. وخلال سنتين تعلمت أشياء كثيرة .. الرجال في الزنازين غيرهم خارجها .. زارتني زوجتي ..

ـ كيف تسير الأمور ؟

ـ عال العال .

ـ والعيـال ؟

ـ بخير .

ـ والجيران ؟

ـ يسلّمون عليك .

ـ والأقارب ؟

ـ يقولون إنّهم ينتظرونك .

ـ ومديرية الصحة ؟

ـ أرسلت لك جواب الفصل .

ـ وكيف تدبرين الأمور ؟

ـ البركة في أهل الخير .

أشار شاويش السّجن المتجهم الوجه بإنهاء الزيارة .

قضيت عامين وخرجت . الجراح سكنت كل قطعة من لحمي ، طردوني من الوظيفة ورفضوا إعطائي شهادة حسن سيرة وسلوك .. بدأت أبحث عن عمل جديد .. لم يسأل عني أحد .. لم يهتم بي أحد ، قلت ليس أشرف من العمل . وماذا أعمل وأنا الموظف الذي اعتاد الوظيفة ؟!  كلا ! لا أريد أن أكون موظفاً محترماً تضطرني ظروف المعيشة للصمت والسكوت .. ليس أفضل من العمل .. نحن وقودها وأي عمل ينفع .. عامل في مصنع ، عامل تنظيف ، عامل بناء .. لا فرق .. لـقمة العيال صعبة ، والعمل عند شلومو وأبراهام وأوري أفضل بكثير من الفاقة والجوع والانتظار ، والأفواه المفتوحة صباح مساء لا ترحم ، وحتى الناس الذين يعرفون ظروف السجن لا يرحمون .. ضاعت الوظيفة ولا أسف عليها .. توفي والدي ، شقيت زوجتي وأولادي .. وها أنا أعود إلى الشارع ، الناس يبيعون ويشترون ، والحاجات تضاعفت أسعارها ، والضائقة الاقتصادية تشتد ، والمؤتمرات كالعادة .. ثرثرة الصحف ، الإذاعات ، راح فلان ، جاء فلان ، عليكم اللعنة .. ويلعن الزنازين التي لا تحتويكم .. والشهداء القادمون ماذا سيفعلون ؟ ليس لنا أرض نعطيهم فيزرعون ، ولا عندنا مصانع نرشحهم فيعملون ، ولا وقت للثرثرة فيثرثرون ..

 

 

عبد الجواد شيخ الزاوية

ظن أن القيامة اقتربت

 

عبد الجواد شيخ الزاوية يتوسط حلقة الذِّكر ، المريدون يدخلون ويقـبِّـلون يديه ثم يجلسون ، سَبحـوا في عالم الملكوت الذي يتراءى لهم وقد ازدانت الجدران بالأعلام الخضراء ، وصور مُـبَروَزة لبعض مشايخ الطريقة ، وفي الركن دولاب خشبي متوسط يحوي عدداً من كتب الطب القديم ، وكثيراً من أنواع البخور والأعشاب والأدوية..

ـ وحدوا الله .

ـ لا إله إلاّ الله .

ـ صلوا على المصطفى .

ـ اللهمّ صلي عليه .

ـ هل سندق الطبل الليلة ونذكر الله يا شيخ عبد الجواد ؟

ـ أستغـفر الله العظيم . استغـفر ربك .. وهل ننسى ذكر الله .

ـ أستغفر الله العظيم لا أقصد ذلك يا سيدي لكني سمعت أنّ قبور الشهداء تهتز ..

ـ أرأيت ذلك بعينيك ؟

ـ سمعت .

ـ لا حول ولا قوة إلاّ بالله .. استغفروا ربكم عسى أن يغفر لنا ..

ـ أستغفر الله العظيم .. أتشك في ذلك يا سيدي ؟ الناس كلهم يذكرون ذلك .. ويتحدثون عنه .

ـ لا بدّ  أنهم رأوا شيئاً ..

ـ ويقولون إنّ محمود القاضي أول من رأى الاهتزاز  بعينيه وأخبر الناس .. ثم رأى الأمر خلـق كثيرون .

ـ وهل لا تزال تهتـز ؟

ـ لا تزال .

ـ إذن .. أكثروا من ذكر الله ..

ـ لا إله إلاّ الله .

ـ وصلّوا على المصطفى .

ـ اللهمّ صلي على سيدنا محمد ..

ـ هذه من علامات قيام الساعة ..

ـ علم ذلك عند علاّم الغيوب يا شيخ عبد الجواد ..

ـ أي والله .. أستغفر الله العظيم .. فعلم الساعة عنده .

ـ العلامات الصغرى والكبرى ليس فيها اهتزاز قبور الشهداء ..

ـ ربما هذه مقدمة للعلامات الكبرى .. ولا تـنسوا انتشار النساء في الأسواق وخروجهن كاسيات عاريات .. لو ساد الحكم بكتاب الله ما رأيتم ما ترون .

ـ كلّ شيء بأوان يا شيخ عبد الجواد ..

ـ تُرى لماذا تهتـز قبورهم يا شيخ عبد الجواد .. أمِنْ كثرة ما يتـنعمون ؟

ـ ربما .

ـ أو يتعذب الشهداء يا شيخ ؟!

ـ  حسب أعمالهم فالشهداء درجات ..

ـ اللهم اجمعنا معهم .

ـ آميـن .

ـ اللهم ارحمنا وارحمهم .

ـ آميـن .

ـ النصر من عنده .

ـ ينصر من يشاء .. سبحانه ..

ـ ويذل من يشاء .. سبحانه ..

ـ وحدوا الله .

ـ لا إله إلاّ الله .

ـ صلّوا على المختار .

ـ اللهم صلي عليه .

 صوت الأذان يلعلع .

 

 

 

زوجة شهيد تتمنى

 

 

قدمت تصريح جمع شمل لولدي إبراهيم للمرة الثالثة.. رفضوه .. وزوجي مات من سنين أثناء قصف المخيم في حزيران .. تمـزّق أشلاء ودفنّاه في حفرة في المقبرة ، منعنا الخوف والقصف من أن نحفر له قبراً ..

كان الوقت صباحاً عندما التصقنا بالجدران وبالأرض وبالخنادق الرملية التي ملأت المخيم ، مرت أيام قليلة على هزيمة الجبهة المصرية ، ودخلت القوات (الإسرائيلية) العريش قبل أن تتمكن من دخول خانيونس ، ناس كثيرون ماتوا في الأحراش ، ولم يُسمع في المخيم صوت آدمي ، التحمت أصوات القذائف بتحطم القرميد ، وانهيار المنازل ، وتمزق الأجساد الآدمية ، وظلّ القصف يشتد حتى المساء .. ساد المخيم هدوء مدمي .. وخرج الأهالي في تسلل سريع إلى مقبرة المخيم كل يواري جثة جار أو قريب .. الله يرحمك يا أبو إبراهيم .. لم يكن أبو إبراهيم جثة .. كان مجموعة من القطع الّلحمية ، وبعد شهور غادرنا إبراهيم وعبر جسر الهزيمة مع النازحين المهزومين ؟ تـنقل في بلاد كثيرة ، لم تعجبه .. في كلّ رسالة كان يقول :

ـ يا أمي .. قدمي لي تصريح جمع شمل .

وفي كل رسالة كنت أرد عليه :

ـ تصريح جمع شملك ليس بيدي يا ولدي .. قدمت التصريح مراراً ورفضوه .

عندما أرى أصدقاءه في الحارة تغمرني الفرحة ، أحس بإبراهيم حولي ، ليتني مت مع زوجي يوم أن مات .. زوجي غاب  شهيداً رغم أنّ الشيخ عبد الجواد شيخ الزاوية في مخيمنا يقول إنّ الشهيد هو من يصاب في صدره فقط .. كيف الحال مع زوجي الذي لم تُبق فيه القذيفة لا صدراً ولا ظهراً .. ألاّ يكون شهيداً ؟ إنّه شهيد رغم أنف الشيخ عبد الجواد .

تنظر إلى صورة معـلقة ، الزوج الشهيد معـلق على الجدار وهي معـلقة على الذكرى ، وإبراهيم معـلق بتصريح جمع الشمل ، وجمع الشمل معـلق بالسلطة ، والسلطة معلقة بسلسلة في رقبة غراب ينتف ريشه كل يوم أولاد المدارس .. تتمنى لو يرسل لها إبراهيم الغائب الحاضر صورة جديدة تعـلقها على الجدار ..

أبو إبراهيم هادئ وراء الإطار الخشبي ، يرسل نظراته فتستـقر في قلبي عافية وتؤنس وحشتي ، لماذا خلـقـك الله عاملاً يا أبو إبراهيم ؟ لو كنت تاجراً ، أو تملك أرضاً ، أو ادّخرت .. لكن مم تدخر ؟.. ومنذ متى يدخر العمال غير البؤس والشقاء ؟! ولماذا تاجر يعني ؟ أبو إسماعيل له دكان في شارعنا ويكاد يصبح حانوتياً من شدة بخله .. وبلغ به سوء الطبع حد التطاول على الفقراء ، الحمد لله الذي لم يخلقنا أغنياء مثله ، نحن فقراء صحيح .. لكنّ الفقراء لبعضهم .. أبو إبراهيم كان رحمة الله عليه لا حول له ولا قوة . له الله ... وولدي إبراهيم له الله . دائماً نحن الفقراء نقول لنا الله .. قدمت جمع الشمل ثلاث مرات وكل مرة أقول .. الله سيفرجها ويقبلون الطلب هذه المرة .. والشيخ عبد الجواد عمل لي حجاباً ليوافقوا على جمع الشمل .. ولم يوافقوا . وراح زوجي فقلت لي الله .. ألا يعرف الأغنياء أنّ هناك إلهاً ؟ أبو إسماعيل لم أسمعه يوماً يذكر الله ؟ أبو إسماعيل قبل سنوات في حارتنا لم يكن شيئاً يذكر .. زوجته كانت تشحذ البصلة من الجيران ، الملعونة لا تعترف بذلك الآن .. ولا هو يعترف ، حتى أيام الاضرابات يفتح نصف باب دكانه فإذا جاء رجال السلطة ادّعي بأنه حضر الآن وها هو يفتح .. وإذا جاء الأولاد خاف أن يقذفوه بالحجارة فيقول لهم ألا ترون أنّي أغلق .. ورشح نفسه مختاراً ، والمخاتير لم يتوصلوا إلى اتفاق بشأن القبور ، والشيخ إبراهيم العريان إمام المسجد قال للناس :

ـ ربما هذه كرامة من عند الله للشهداء .

أمّا عبد الجواد شيخ الزاوية فقال :

ـ لا حول ولا قوة إلاّ بالله .

الناس تجمعوا ، الفرحة مرسومة على وجوه الأولاد الذين يذهبون إلى المدارس ، وبشرى قابلتني وهي تقفز من  الفرحة .. قالت هي الأخرى :

ـ  جميع السكان اليوم يتذكرون زوجي الشهيد .

ضرب الناس المخاتير بالأحذية ، ليت إبراهيم كان موجوداً ساعتها لشارك في الضرب هو الآخر .. لو كان إبراهيم هنا لكان مع الشهداء .. لم يكن ليستطيع أن يرى والده الهادئ معلقاً على الجدار ينظر إليه صباح مساء دون أن يتذكر كيف تمزق جسده .. ولكان قبر إبراهيم يتحرك الآن .. ولشملتني فرحة أكبر .. زوج بشرى كان يزورني في الأعياد ، رحمه الله ، كان كلما شاهدني مال وقبل يدي وطلب دعواتي .. روح الله يرضى عليكم ويحميكم .. رأيته قبل استشهاده بأيام ، فارعاً ، ممشوقاً ، طويلاً ، أطول من مئذنة المخيم ، طويل الرقبة .. قوياً ، أقوى من أعمدة الأسمنت .. كان دائماً يسألني عن إبراهيم .. ويسألني عن تصريح جمع الشمل .. وإبراهيم بعيد عني ويقول في رسائله إنّه في بيروت .. والموت والانفجارات في بيروت يوم يوم ، وساعة ساعة .. ربنا يستر..

تراءى لها وجه أبو إبراهيم بارزاً من خلال الإطار يبتسم في هدوء .. فأخذت تحادثه :

ـ لنا الله يا أبو إبراهيم .

ـ إبراهيم بخير .. لا تقلقي ..

ـ إذن أنا بخير يا أبو إبراهيم .

ـ وقبور الشهداء بخير ..

ـ الناس في ضجة يا أبو إبراهيم ، هل ستعود معهم ؟

ـ سأعود معهم .. سأعود ..

الأولاد يهتفون ، أصوات وضجة وتظاهر في الخارج ، ارتعشت جـذلانـة ، انمسح الإطار المعـلق ، هرولت خارجة، انحشرت في لحم المظاهرة

 

 

مخاض عاجل جداً

 

الدخان الّلحمي يتلوّى في الحجرة ، يعشعش في فرجات القرميد ، وبيوت العنكبوت الملتصقة بالسطح ..

أدخن في تحفز ، آكل سيجارتي ، أدخن أصابعي ، الدخان الّلحمي يتلوى في الحجرة ، تمتزج في مخيلتي تصورات متناقضة ، قلقة ، ثـقب صغير تتسلل منه أشعة الشمس ، في كلّ مرة أقول سأستبدل هذه القرميدة المحطمة فأنساها .. الحوادث الأخيرة في المخيم جعلتني أنسى أشياء كثيرة مهمة وأشياء لا أهمية لها .. فقد صارت الأمور مدببة أكثر .. ضجة الناس ، اجتماع المخاتير ، مظاهرات الأولاد ، والقبور ، كل هذا يعني أن تحولاً ما بدأ يحدث ، زلزال يطيح بكل الكائنات الهزيلة .. الساقطة ..

ـ فاروق .. فاروق ..

زوجتي تناديني .. متعبة هذه الزوجة معي دائماً ... تتركني لشرودي وهواجسي وأفكاري ، وقفت قبالتها ، اصفرار وجهها بدا واضحاً وغريباً :

ـ فاروق .. أشعر أني سألد ..

ـ ماذا ؟ تلـدين !

هل بدأت زوجتي تهذي هذه المرة .. هل أنا في هذا الوقت بحاجة لمزيد من القلق ، والتناقض .. رأسي ينصدع ، وهي تـتفحصني بريبة ..

ـ ألا تصدقني ؟

ـ وكيف أصدقك والطبيب قال لك إنّ الجنين عمره خمسة أشهر ؟

ـ هذا ما يحيرني ويخيفني ..

ـ وحتى لو أخطأ الطبيب فأنا وأنت نعرف أنّ الجنين عمره خمسة أشهر ..

ـ مع ذلك أشعر ببدء آلام المخاض .

ـ قولي غير هذا أصدق .. أنت تشعرين بالتعب والإرهاق ليس إلاّ .. ويمكنك مراجعة الطبيب ..

ـ ألا ترى أنّ بطني متكورة وممتلئة كما لو كنت في شهري التاسع !

ـ ربما ستضعين توءماً ..

ـ الآلام بدأت تسري في جسدي بشدة .. دع عنك أفكار التوائم .

ـ أنت تـثيرين في نفسي الـقـلق ..

ـ فاروق .. أنا أعرف نفسي جيداً .. أريد القابلة أم محمد المجدلاوية .

سددت نظراتها الثاقبة . فسلخت وجهي .. إصرار عجيب على أن أنفذ لها الطلب .. ترددت .. ماذا ستقول عني أم محمد عندما تعرف أن عمر الجنين خمسة أشهر .. ستتهمني بالجهل وسوء التصرف ، ستـقول إنّها متاعب الحمل والإرهاق ..

لاحظت زوجتي ترددي ..

ـ لن نخسر شيئاً إذا جاءت .. فأنا أصبحت أشك في نفسي..

ـ كيف أبرر لها الأمر .. إنها لن تصدق ..

خطوت خارجاً للبحث عن أم محمد بغير همة .. أجرجر قدميّ في أرق ، وخوف ، ورهبة ، هل صار هذا مخيم المعجزات أم ماذا ؟ نساء يلدن بعد خمسة أشهر ؟ أي جنون هذا ؟ هراء .. أوهام .. مجرد أوهام ..

لماذا وافقت على الخروج للبحث عن أم محمد ؟ لماذا لم أقنع زوجتي بالذهاب إلى الطبيب لفحصها كالعادة ؟ نظراتها الرصاصية الثاقبة أجبرتني على البحث ، درت بين الأزقة والحارات حتى عثرت على الدار ، كانت في العقد الخامس من عمرها ، بدينة ، تلبس ثوباً مطرزاً ، وتضع عقداً حول رقبتها السمينة ، وقد لفت حزاماً من القماش حول وسطها الضخم . سارت خلفي .. تجاذبت معها أطراف الحديث فوجدتها تعرفني ، وتعرف زوجتي التي كانت تتردد على عيادة المخيم كل شهر مرة ، وخشيت أن أقول لها شيئاً حول فكرة الخمسة أشهر فتعود من حيث أتت ، وترفض مواصلة السير ، ثم ما دامت تعرف زوجتي التي كانت تراجع في العيادة .. ترى ألا تعرف أم محمد أنّ زوجتي حامل ولها خمسة أشهر فقط .. ستبتسم أم محمد عندما تعرف من زوجتي هذا الأمر . لا .. بل ستغتاظ . دلفنا الحجرة ، زوجتي تتلوى غارقة في العرق ، وتـثـنت بشرتها ألماً ، امتـقع لوني ، أسرعت نحوها .. لكنّ أم محمد تـقدمت وسألتها ..

ـ هذا شهرك ؟

تقابلت نظراتنا خطفاً ، تـلوّت بصمت ، خرجت من الحجرة مفلوقاً من الغيظ من زوجتي التي جشمتني عناء الذهاب إلى القابلة ، ردَّت باب الحجرة ، وغابت لحظات وأنا أقف وسط الفناء أدور حول نفسي ، لا أعرف ماذا أفعل ، لم تكن الأمور سهلة عليّ ، فالطبيب وأنا وزوجتي نعرف أنّ الجنين لم يكتمل ، لذا لا يمكن أن تكون هذه آلام مخاض ، مستحيل .. لو صار حمل زوجتي خمسة أشهر لحدث انقلاب حاد في المخيم ولربطوا هذا الأمر بقبور الشهداء .. لا .. ليست ولادة قد تكون إجهاضاً .

فُتح الباب المرتج بسرعة ، وأطلت منه أم محمد وهتـفت :

ـ احضر ماء ساخناً .. بسرعة ..

اختـفت في الداخل .. غبت في الحمام لتسخين الماء .. حملت الوعاء وأسرعت أدق الباب منادياً أم محمد .. أخذت الماء وأغلقت ثانية .. اجتاحتـني حمى شديدة ، شككت في كل شيء حولي .. هل تـتبدل طبائع الأشياء بهذه السهولة .. أم محمد ستخرج بعد قليل خائبة ، مبللة بالعرق وستـقول : ألا تستحي .. وربما تـفتـش بأنظارها محفظتي كي أدفع أتعابها .. وستـنصحني بالـتـوجه مع زوجتي إلى طبيب فالأمر لا يعدو كونه آلام حمل ومغص ، لا بدَّ أنها ستعتذر عن إزعاجي بتحضير الماء السّاخن عندما أدسّ في يدها هذه الورقة المالية ..

في الداخل كان العرق ، وبخار الماء الساخن يتصاعد ، الزوجة تتلوى ، وقطع القماش المبللة ، وضوء النافذة الخلفية يسبح في المكان وعلى الأيدي المعرّقة لأم محمد..

_ هذا شهرك ؟

ـ ........

" سألت الحامل .. لم ترد .. أنا أعرفها جيداً .. جاءت قبل أسبوعين للمراجعة في عيادة المخيم ، حملها لا يزيد على الخمسة شهور .. هل يمكن أن تلد ؟ ليس هذا إجهاضاً ..  يبدو أنها ولادة طبيعية .. بل ولادة غير طبيعية .. ها هو الجنين يبدأ بالخروج .. أول مرة أصادف أمراً كهذا .. لا بدَّ أنه سينزل ميتـاً ! 

ـ أهذا شهرك ؟

ـ ............

إنها لا ترد .. لا تسمع .. ما هذا ؟ الجنين يتحرك ..

يصرخ .. يصرخ .. وا ووا .. طفل .. طفل جميل ، في حجم أطفال التسع شهور ويزيد .. وا.. وا ..

يسمع الكاتب فاروق عوض صراخ مولود .. لا يصدق .. فيشعر بالدوران والغـثيان .

 

 

 

 

والتحقت النسوة

 

 

نسوة يجلسنّ ، يرتدينَ الثياب الطويلة المطرزة ، ويضعن الملاءات فوق رؤوسهن ، اختلفت أعمارهن ، لكنهنّ اشتركن في صفة واحدة ، لم يستطعن التغلب عليها بكل الأدوية وبكل الشعوذات التي يطلقها المشعوذون في المخيم ، تلك الصفة .. العقم .. تقض مضاجعهن ، يعشن في أرق لا ينقطع ، وهواجس شتى ، ومن مجلسهن هذا يمكن أن تنطلق أكبر شائعة ، وأصغر حقيقة على السواء ، اختلطت أصواتهن الناعمة ، الغاضبة ، الحزينة :

ـ ذهبت إلى الشيخ كثيراً ..

ـ وأنا أعطاني أكثر من حجاب ..

ـ وأنا أعطاني أدوية .. وجربت وصفات كثيرة .

ـ لكنّ العقم باق ..

ـ لكنّ العقم باقٍ ..

ـ الوصفات كلها لم تأتِ بطفل .

ـ وعائشة زوجة فاروق عوض وضعت من خمسة أشهر !

ـ أريد طفلاً يلحق بالمظاهرة ويرضي غرور زوجي ..

ـ لم يتكور بطني على شيء .

ـ دفعت كثيراً بلا جدوى ..

ـ أم إبراهيم قالت بعودة الشهداء يزول عقم النساء في المخيم ..

ـ وقالت قد تحمل الواحدة منا طفلين ..

ـ ليتني أحمل أربعة ..

ـ يقولون إنّ العقم يزول بفرحة ..

ـ ومن أين الفرحة ؟ من سنوات طويلة لم نعرفها ..

ـ الأدعية لم تـنفع .

ـ ولا التعويذات .

ـ أتصدق نبوءة أم إبراهيم .

ـ إذا عاد الشهداء تكون فرحة .

ـ إذا عاد الشهداء تخضرّ الأرض وتزهر .. فكيف بأرحامنا .

ـ حتماً سيعودون فالقبور تهتزّ .

ـ عما قريب نكتشف نبوءة أم إبراهيم .

ـ أم إبراهيم لا تكذب .

ـ إنها تخاف أن يجر الكذب مصيبة عليها .

ـ إنها لا تكذب من أجل ابنها الوحيد .

ـ لا .. أنا أعرفها .. لا تكذب لأنّها لا تكذب .

ـ أصبح ابنها إبراهيم في بيروت ؟

ـ يقول ذلك في رسائله إليها .

ـ والموت في بيروت صباح مساء .

ـ متى يأتي الشهداء ؟

ـ متى يأتون ؟

ـ الشيخ إبراهيم العريان إمام مسجدنا يقول لا يمكن أن يعودوا إلاّ يوم الدين .. وقال إنّ لهم الجنة مع النبيين والصّديقين .

ـ الشيخ عبد الجواد يعمل تعويذات كثيرة هذه الأيام ويلملم أتباعه حوله على غير العادة ، ويشتم الأستاذ عليان أبو ظهر ويقول إنّه كافر وملحد ..

ـ إنّه يشتم حتى الشيخ إبراهيم العريان ويصفه بالنفاق وقلة الفهم في الدين ..

ـ الأستاذ عليان أبو ظهر يقول لو عاد الشهداء لتغيرت الأمور ، وحملت النساء ، وأزهرت الأرض . لكن الميت لا يعود .

ـ رأيت هذا الصباح أبو إسماعيل مكتئباً يقول إذا عاد الشهداء سيعود الرصاص والطوق..

ـ وتكثر الاضرابات .

ـ وتُغلق المحلات .

ـ يخسر أبو إسماعيل لو عاد الشهداء ...

ـ لعنة الله عليه ..

ـ آميـن .

ـ ليتهم يأتون الآن قبل الساعة ، واليوم قبل الغد .

ـ كأني أحسّ حركة في بطني منذ الآن .

ـ وأنا أسمع صراخ طفل في داخلي .. صراخ طفلين ..

ـ أَوَ نَكف عن الذهاب إلى الشيخ عبد الجواد ؟

ـ إنّه دجال .. عندما يأتي الشهداء ستـنتـفخ أرحامنا..

ـ من فمك إلى باب السماء .

ـ من فمك إلى باب المقبرة ..

ـ ليسمع الشهداء ويعودون ..

ـ ليسمع الشهداء ويعودون ..

تعالت الهتافات في الخارج .. والتحقت النسوة بالمظاهرة ..

 

 

 

فاروق عوض  يتلو

رسالة السجناء من الزنزانة رقم 5

 

 

الجماهير محتشدة . شمس . حر . عرق . هتافات . قبور . المخيم في أوج عظمته ..

ـ أيها الناس سأقرأ عليكم رسالة الزنزانة رقم 5 ..

ـ اقرأ .. اقرأ ..

ـ يقول لكم نزلاء الزنزانة رقم 5 إنّ " الزنزانة ضيقة ينامون فيها ليلة ، وبقية الليالي تنام الزنزانة في صدر كل نزيل " .. فما رأيكم ؟

ـ اقرأ .. اقرأ ..

ـ ويقولون لكم إنّهم " نسوا أشكال الفواكه ، ودفء الليل ، ودفء الزوجات ، ولم ينسوا دفء الأرض " .

ـ ماذا ؟ ماذا ؟

يطوي فاروق عوض الرسالة قبل نهايتها ويرتجل .

ـ تقاعستم .

ـ لا يا فاروق .. الأمور اختلفــت .

ـ دعوكم من الأمور المختلفة .. لا تبرروا تقاعسكم .

ـ أنا أعطيت ابني .

ـ وأنا داري .

ـ وأنا عمي .

ـ وأنا خالي .

ـ وأنا قلق البال .

ـ وأنا وقف حالي .

ـ وأنا لعنة عيالي .

ـ لم نتقاعس .. لم نتقاعس ..

ـ اقرأ .. اقرأ .. لا تخبئ الرسالة ..

يعود يقرأ .. ورائحة الموت تنبعث من القبور ، وبشرى عودة الشهداء تلوّن النظرات ، ورطوبة الزنازين تقفز فوق الرسالة ..

ـ ويقولون " أولادنا ازدادوا فقراً ، وأنتم تعملون وتجمعون المال ، وتبنون البـيـوت ، وأولادنا منهم من تركوا المدارس لـقطف الخيار والبندورة وأولادكم في حجرات الدرس " .. فماذا تـقولون ؟

صمتوا .. تتمرجح رائحة الموت .. فاروق عوض يطوي الرسالة .. صرخوا فيه ..

ـ هل انتهت ؟

ـ لم تنتهِ . ما قولكم ؟ معترفون بذنوبكم ؟

اختلطت أصواتهم :

ـ أولادي تسعة ما عدا الوالدين .

ـ تكاليف المعيشة ارتـفعت .

ـ الأسعار غالية .

ـ أموالي يصرفها أولادي في الجامعة .

ـ  أنا مطرود من العمل منذ شهرين .

ـ لم يدخل اللحم دارنا من شهر .

ـ ......

ـ ......

ـ ......

يفتشهم فاروق عوض بعينيه ..

ـ أتريدون رأيي فيكم ؟

ـ قل رأيك فينا ..

ـ نحن جميعاً كاذبون ..

ـ لا تكذبنا .. أكمل الرسالة ..

فتح الرسالة المطوية ، الحركة في قبور الشهداء ازدادت ، ريح باردة معطرة ، وضباب في الأفق البعيد ينقشع .

ـ ويقولون لكم : " إنّ حلوى الأعياد تصلنا .. تـفرّحنا لساعات ، نتذكركم بجانبنا في العيد فنأكل الحلوى بفرحة ، وحين تصل المعدة لا تنهضم ، فنظل نتـقيـأ " .

ـ يظلون يتـقيأون !!

ـ ويقولون " نتذكر أنّكم تركتمونا ، وصرتم في الليل تنامون ، وفي النهار تنامون .. أما نحن فنهارنا ينام في الليل ، وليلنا ينام في النهار ، ونحن ساهرون ".

ـ في الليل والنهار ساهرون !!

طوى الرسالة وأودعها جيبه .. صرخوا فيه ..

ـ  انتهت الرسالة ؟

ـ لم تـنتـهِ الرسالة .. يقولون إن ملاحق كثيرة ساخنة وحادة ستصلنا منهم في القريب فما رأيكم ؟

ـ مذنبون .

ـ مذنبون .

ـ مذنبون .

المساحات الداكنة في مقبرة المخيم اخضرّت ، وتلوّنت الوجوه بالفرحة .. هتفوا .. أكلوا أصابعهم ، أيديهم ، أكلوا الشمس ، هبّوا كالنهر المتدفق ، رائحة الموت تنتشر .. والغيوم تـتكوّم أكثر ، وازدان الأفق القريب بقوس قزح ، صوتهم يخترق جدران القبور ، رشقات رصاص كثيفة بدأت تتساقط فوقهم .. امتزجت بزخّات غزيرة من المطر .

 

أضيفت في 01/01/2008 / خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية