الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

التين الشوكي ينضج قريباً

         
         

التومرجي

بشرى تراقب

حسام يتنبأ

الاجتماع الأول

الحركة الأولى

 شيخ الزاوية

زوجة شهيد

مخاض عاجل

والتحقت النسوة

فاروق عوض

بقلم الكاتب: عبد الله تايه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التين الشوكي ينضج قريباً

 

قصيدة القصـائد

 

لا وقت للمنفى

وللصور الجميلة فوق جدران الشوارع والجنائز

والتمنـي

كتبت مراثيها الطيور وشردتني

ورمت معاطفها الحقول وجمعتني

فاذهب بعيداً في دمي واذهب بعيداً في الطحين

لنصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين

يا أحمد اليومي

يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء

يا اسم البرتقالة

يا أحمد العادي

كيف محوت هذا الفارق اللفظي بين الصخر والتفاح

بين البندقية والغزالة.

[من قصيدة أحمد الزعتر ـ محمود درويش]

   

 

الحركة الأولى

كانت في المقبرة

 

اعتدت أن أقطع الطريق الطينية المارة من منتصف المقبرة إلى المخيم في طريق عودتي من عملي .. يتوقف باص العمال فأنزل وحيداً في المحطة مرتين في اليوم ما عدا العطلات ، مرة في الفجر ، والثانية مع الغروب .. أبدأ في قطع الطريق .. القبور على الجانبين مزدحمة ، متراصة ، قابضة للنفس ، مطليّة بالجير الأبيض ، تلتصق ظلالها بظلال الـتّـين الشَّوكي ، والنباتات الشَّوكية الصّغيرة ، وغالى بعض الأهالي فزرعوا بعض الأشجار الخضراء التي تنوس في كبرياء مستمدة من كبرياء الموت ، ولا تخلو المقبرة من فرار الحرادين والزواحف هنا وهناك .. تندس في شقوق القبور وبين الحجارة المتصدعة بفعل الزمن . تستشير فيَّ رهبة الموت ، خشوع غريب ، خدر في أطرافي ، وزواحف شتى تتسلقني تحت الجلد ..

ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

......... صمت

أتمتم في كلّ مـرّة :

ـ أنتم السابقون ونحن اللاحقون .

قـرأ فاتحة الكتاب بخشوع مهدياً ثوابها للأموات .. وأوسع الخطا مبتعداً في فزع خفي ، تدور بنا الأيام ولا نعرف متى تجذبنا عجلاتها الساحقة ، رؤية الموت القاعد في جنبات المقبرة يبعث الرهبة والجزع في نفسي .. يتمدد دود العفن المتحلل في لحمي ، تعترضني الزواحف ويتسلقني الدود ، تأكلني جميعها ، تمتص دمي ، وكلما حدثتُ زوجتي عن هذه الرهبة التي تتملكني عند اختراقي المقبرة كانت تردد دائماً :

ـ يا راجل غـيّر هالطريق ..

ـ إن شاء الله من بكره أغيرها .

مع ذلك كنت لا أنفذ اقتراحها ، لا أدري .. فرغم الرهبة من المقبرة إلاّ أنني لا أرغب في ترك طريقها ، لم تُشيع جنازة شهيد دُفن في هذه المقبرة إلا وكنت أول الماشين في مظاهرة الجنازة ، وفي كل مرة كنت أدسّ نفسي بصعوبة لأرى الجثمان وهو ينزل على السواعد إلى القبر ، لم أنس كيف كنا نضع القتلى في قبور تتسع لأربعة وخمسة دفعة واحدة أثناء حرب حزيران .. المقبرة جزء من ذكرياتي التي لا أريد أن أنساها أو أبتعد عنها .. اعتادت قدماي أن تسبقانني إلى طريق المقبرة ، أحاور نفسي في كل مرة ، أحاول أن أثبت أن الموت حدث عاديٌ لا ينبغي الخوف منه إلاّ أنّ غريزة حب البقاء كانت تطفو .. فهذه المقبرة رمز للموت والنضال والمعاناة والمستقبل ..

أتصور أحياناً هذه الحجارة التي تُسمى قبوراً وقد استعملها الناس في البناء والتشييد ، ولم يشهروا القبور بالشواهد .. بل كثيراً ما راودتني فكرة أن يُوضع الأموات في حُفر تحت سطح الأرض دون بناء أو حجارة ، يذوبون في تراب الأرض الذي أحبوه ، يُدفنون حتى بدون مراسيم دفن ، تصورت أرض المقبرة وقد امتلأت جثثاً مغطاة بالتراب فقط ووضع جثة أخرى معناه حفر بالفؤوس .. تحطيم عظام جثث أخرى .. يلتصق الفأس بجمجمة ، أو تلتصق عظام ظهر بالفأس .. اقـشّعـر بدني ، ووقف شعر رأسي ..

رائحة الموت تنبعث .. ثمار التّين الشَّوكي تلتصق بالقبور.

ملابسي تلتصق بعظام ظهري ، والناس في المخيم يقولون دائماً .. في أوقات الشدة وأزمنة المذلة يهون الموت .

 ابتسامة ملونة ، زواحف ، دود يقرض الجثث ، سماء صافية .

تراهم لو ساروا فوق هذه الطريق بين القبور كما أسير الآن أكانوا يستحسنون الموت ؟ لن يستحسنه أحد .. مع ذلك ، فالناس في المخيم يحاولون تغيير الحياة المذلة بطرق شتى متاحة .. قالوا عنها :

ـ متاحة وشريفة .

أصعد مراراً درجات السّلم إلى الدور الثاني في البناية الجديدة التي تُجهز لاستقبال القادمين الجدد ، أنقل أكياس الأسمنت والأخشاب والمسامير ، أنقل تعبي وهمومي وشقائي وما يحتاجه المعلم أبو إسماعيل الطوبارجي ، وبنحاس الذي يشبك أسياخ الحديد .. يناديني بنحاس بلهجة ممطوطة مازحة :

ـ يله يا مهمود القاضي .. خلصني ..

فما يأتي آخر النهار إلا وأنا محمود الهامد المنتهي .. ويقول لي المعلم أبو إسماعيل ـ وهو من مخيمنا ـ بين الحين والحين :

ـ يحرثون علينا مثل البهائم يا محمود .

ـ نفهم ذلك ونتوجع يا أبو إسماعيل .. نكتفي بالتوجع .

ـ الأمعاء خاوية يا محمود ، واللقمة مغمسة بالعرق والزفت .

ـ أي والله بالعرق والزفت .

ـ والأولاد يريدون مصاريف كثيرة ..

ـ ورسوم المدارس والعلاج والضرائب ..

ـ والغــلاء ..

ـ والأكــل ..

ـ والشـّرب ..

ـ والملابـس ..

ـ وزجاجات الحليب ..

ـ والأعياد ..

ـ والمواسم ..

ـ وعيديات الأولاد وصلة الرحم ..

ـ حياة كلها لعنة والدين .

ـ أي والله لعنة والدين .

 انتفض كالومضة ، قبور مطلية تسطع فوقها بقايا  شمس .

الطريق الطينية وسط المقبرة تتقلب . الهواء حولي يزفر . تتماوج القبور . تهتـزّ الظّلال ، وأغصان الأشجار القريبة ، وشواهد القبور ، عيوني تقفز من محاجرها ، تتبخر أوهام الموت ، والموتى ، والقبور ، والـتّـين الشّوكي ، وإهانات العمل ، وتعب الأسفار . أتوقف .. أتخشب .. أُحملق .. ما الحركة الصادرة ؟ ما الذي يحدث للطريق حتى تلوت تحت قدميّ وأنظاري ؟! كأنّ أفعى لدغتها ؟ ما من مجيب . أزيز حشرات ، طنين هوام ، تَحرك دود العفن ، تمايلتُ فوق الطريق ، شخص بصري ، أحسست تحفز عضلاتي ، وهروب الدم من جسدي وتكدسه في أنسجة العضلات ، الدنيا صفراء ، حمراء ، خضراء ، ملوّنة ، ألوان قوس قزح ، الجهات الست تـتطلع حواليها وحوالي ، صرت قطعة ملح أذوب في عَرقي ، تتبلل به ملابسي الداخلية والخارجية ، تمتلئ به حقيبة العمل التي أحملها ، التصقت ثيابي بلحمي .

في ركن المقبرة قبور تهتز شواهدها بوضوح .. ويهتز معها التّين الشّوكي .

المقبرة هادئة في كل جوانبها إلاّ في ذاك الركن .. إنّه يهتزّ .. اللهاث في صدري يتهازز .. قبور الشهداء هي التي تهتـزّ ، وأنا أهتزّ قبالتها ، وعرقي ينز بغزارة فلوّث طين الطريق .

تجحظ عيناه ، تُقعي الأشياء ، تنبح أوراق التّين الشّوكي في المقبرة ، يختلف لون بشرته أكثر ، يصفّر كالكركم .. يذوب في عرقه .

أجفّ ، أختلج ، تصدر أنفاسي على غير ما رغبة مني في تسارعها ، نار في صدري تذيبني ، تصهرني ، تحرق خلاياي أنطفئ ، أمشي ، أقف ، أجري ، أكاد أصير طين الطريق ..

قبور الشهداء تهتز .. شواهد القبور تهتز ..

لامستها ، لمستني ، كهربتني ، أرعدت في داخلي ذرات الموت والحياة فتهت .. هذا حدث لا يعقل .. أقرص جلدي .. أخربشه بأظفاري .. أعضّ أسناني .. أتفقد عظام القفص الصدري .. كل شيء ينبئ أن الحادثة التي أراها حقيـقة .. لست مخبولاً .. فأنا العامل محمود القاضي ، مساعد الطوبارجي أبو إسماعيل ، ومنفذ أوامر بنحاس الحداد ، أحمل بطاقة عمل ، نزلت من الباص قبل لحظات ، وأنا الآن في المقبرة ، مقبرة المخيم ، والقبور في الركن تهتز .. قبور الشهداء فقط هي التي تهتز .. دفنهم سكان المخيم في جانب واحد من المقبرة .. وزينوا جوانب القبور بالورود .. أطلقت ساقيّ للريح . عاكستني الريح كثيراً ..

وصلت الدار بمرارة ولهاث وخوف وموت وقبور وعرق واهتزاز وفاتحة الكتاب وأدعية كثيرة ..

تفقدتني زوجتي في وجل شديد ، نسيت كل ما يتعلق بي، إلاّ اهتزاز قبور الشهداء الذي رأيته بعينيّ هذه قبل لحظات في المقبرة .. الشواهد المتحركة لا تفارقني .. أشيائي ضاعت ، ملابس العمل .. البطاقات ، بقية الطعام ، هتفتُ بزوجتي :

ـ قبور الشهداء تتحرك * ..

ـ في المقبرة !!

ـ في المقبرة يا امرأة .. وقبل ذلك كانت تتحرك في قلبي .

ـ أية قبور يا رجل !

ـ قبور الشهداء .. قبور الشهداء ..

ـ قل غير هذا أصدقك ..

ـ والله تتحرك ، ورأيت الحجارة تتفتت وتـتـنطط .

ـ تـتـنطط !

ـ وأصابع عظمية خضراء تخرج عبر القبور ، لا لم تكن أصابع وحسب ..

ـ ماذا كانت إذن ؟!

ـ أيدي كثيرة كثيفة خضراء لحمية .. من كل قبر خرجت أيدي كثيرة .. من كل قبر خرجت مقبرة شهداء .

ـ مقبرة شهداء !! محمود هل أنت ..

ـ جيش شهداء .. جيش شهداء يا امرأة .

ـ جيـش !!

زوجته تبحلق فيه ، وهو يبحلق في عظام القرميد ، والقرميد يقول له إنها رؤى إنسان طموح للغاية ، ومتعب للغاية .

ـ قلت لك إن قبور الشهداء هي التي تتحرك .

ـ أيصدق المختار هذا الحكي ؟!

ـ ولِمَ لا يصدق ! إن لم يصدق فليذهب إلى المقبرة ويرى بعينيه .. ليذهب إلى قبور الشهداء فقط .

ـ أو يرى بعينيه ؟!

ـ بعينيه كما رأيت .

ـ المختار لا يرى إلاّ الولائم ..

ـ وأفخاذ الدجاج المحمّر عند هذا وذاك .

ـ إذن احكي لفاروق عوض الكاتب .

ـ فاروق عوض مشغول بمطالعاته ولن يهتمّ كثيراً ..

ـ لا بد أن يثيره اهتزاز قبور الشهداء في مقبرة مخيمنا .

ـ قلت فاروق عوض مشغول بمطالعاته ولن يهتم كثيراً ..

ـ لا بدّ أن أُحدث إمام المسجد .

ـ أتراه يصـدّق ؟

ـ أتكذبينني أنت ؟!

ـ والله يا بن الحلال كلامك هذا غريب هل تشعر بصداع ؟

ـ يعني أنا كذاب ؟ واهم ؟ أعمى ؟

ـ لا .. لا أقصد يا محمود .. أنت زوجي وأنا أعرف صدقك ..

ـ العظام الخضراء كانت تتقافز من بين حجارة المقبرة ، والحجارة تنهار ، كانوا يقومون من نومهم البريء يا امرأة .. الشهداء كانوا يقومون ..

 إمام مسجد المخيم الشيخ إبراهيم العريان اهتز للنبأ .. خرّ ساجداً وبللت دموعه لحيته ، ضرب كفاً بكف وأخذ يستغفر ربه مرات ..

ـ أستغفر الله العظيم .. أستغفر الله العظيم ..

ـ ماذا تقول الكتب عن هذا الأمر يا شيخ إبراهيم ؟

ـ أخشى أن تكون هذه بداية القيامة ..

ـ لا تقل ذلك يا شيخ إبراهيم .. زوجي محمود لم يقل إنه رأى القيامة .

ـ ماذا رأى إذن ؟ قبور تتحرك ؟! موتى يطلعون ؟

ـ زوجي يقول قبور الشهداء فقط يا شيخ إبراهيم ..

ـ اللهم لا حول ولا قوة إلاّ بك .. الطف بعبادك يا رب ..

ـ تُرى ما الأمر يا شيخ إبراهيم ؟

ـ يقول تعالى في كتابه العزيز وهو أصدق القائلين :

" ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ". صدق الله العظيم .

ـ الذين يقاتلون في سبيل الله فقط ؟ إذن ما حال أولادنا وأزواجنا الذين قتلوا في سبيل الوطن يا شيخ إبراهيم أليسوا شهداء وأحياء عند ربهم ؟!

ـ بلى .. شهـداء ، وأحيـاء ..

* (نسبة إلى ما أشيع في عام 1972 عن تحرك قبور الشهداء الأربعة: مصطفى عبد القادر، حسن سلمان، عون سعيد، نوفل شمالي, في مقبرة الشجاعية في غزة).

   

 

الاجتماع الأول والأخير

 

اتـّسع المجلس لمخاتير المخيم الذين ملأوا المكان ضجة، واختلطت أصواتهم بغير نظام ، في حين تصاعدت هتافات الجماهير في الخارج :

ـ أتصدقون ما قاله محمود القاضي وزوجته ؟

ـ تصدقون محمود القاضي يا مخاتير ؟! هذا العامل الفقير الذي لا يعرف كوعه من بوعه !

ـ هذا ليس حديث المرأة وزوجها فقط .

ـ الحديث عَمّ المخيم  .

ـ عَمّ المخيم والناس يتظاهرون في الخارج .

ـ وأولاد المدارس يتظاهرون .

ـ والنساء والعجائز .

ـ والعمال .

ـ كل الناس .

ـ كل الناس .

ـ إذن .. إلى المقبرة لنتحقق .

المخاتير أكلوا القبور واحداً بعد الآخر ، وعند قبور الشهداء تيبسوا ، حجارة تتنطط ، أشكال عظمية خضراء وحمراء  وسوداء وبيضاء ، تبرز وتختفي ، ارتعشوا في وثير الثياب ، حكوا لحاهم بعصبية ، تساقطت عكاكيزهم ، وعادوا إلى ديوان أحدهم بعد التشاور :

ـ الناس يحزرون ..

ـ إمام المسجد الشيخ إبراهيم العريان يقول هذه عِظة وكرامـة ..

ـ القبور مسكونة ..

قال الشيخ عبد الجواد شيخ الزاوية :

ـ وما أدراه الشيخ عبد الجواد شيخ الزاوية ؟!

ـ إنه لا يعرف سوى عمل الحجابات والشعوذة ولم يتعلم في الأزهر مثل الشيخ إبراهيم.. 

ـ مع ذلك له جماعة في الزاوية تؤيده .

ـ أقترح عليكم أن تسمعوا رأي الأستاذ عليان أبو ظهر .. فهو الذي يعلم أولادنا في المدرسة ، ويعرف في هذه الأمور .

ـ الأستاذ عليان سيقول لكم هذا نداء للواجب ، ولإعداد العدة .

ـ وسيشتمنا ويتهمنا بأكل الولائم وعدم الاهتمام بمصلحة سكان المخيم ..

ـ الأهم من ذلك أنه سيحكي  كلمات كثيرة عن الثورة والفقراء .. كلمات طويلة لن نفهمها ..

ـ أتستفتون عليان أبو ظهر وإمام المسجد بيننا في المخيم لم يمت ؟!

ـ ولِمَ لا ؟!

ـ يلعننا الإمام ..

ـ ليلعننا كما يشاء فلن يُقبل دُعاؤه .

ـ يتوقف عن عقد قران أبنائنا وبناتنا .

ـ ولا يفتينا في الحلال والحرام .

ـ وربما يعتكف في بيته ..

ـ ومن يُصبح إمام مسجدنا إذا اعتكف الإمام ؟!

ـ ما العمل يا مخاتير ؟

ـ اسمعوا .. الإمام لن يتوقف عن عقد قران أبنائنا وبناتنا.. لأنه يأخذ أجره عن كل عقد قران .. عدا عن الحلوى والهدايا ..

ـ إذن ولن يتوقف عن إفتائنا في الحلال والحرام .

ـ ولن يعتكف حتى لا تطرده دائرة الأوقاف فلا يتسلّم راتبه.

ـ وسيشمّت فيه الشيخ عبد الجواد .

ـ هذه جلسة فوضى .. سكان المخيم ينتظرون النتائج ..

ـ ينتظرون إصدار بيان .

ـ عندي اقتراح ..

ـ أسرع وقـله ..

ـ نختار من بيننا رئيساً لجلستنا ينظم اجتماعنا ويتولى إدارة الحوار والنقاش .

ـ موافـقون .

ـ موافـقون .

ـ إذن من يرشح نفسه ليكون رئيساً لاجتماعنا هذا ؟

ـ أنا أرشح نفسي ..

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ضجة شديدة ، اختلاط أصوات ، عراك العيون ، والألفاظ ، كلّ واحد يقاطع الآخر ، زعيق ، تخمة ، روائح شتى ..

ـ هذا لا ينفع ..

ـ كلّ واحد منكم يريد أن يصبح رئيساً ! ما هي حكايتكم يا مخاتير !

ـ ليكن الاختيار بالانتخاب .

ـ وكيف يتم ذلك ؟ من ينتخب من ؟ ما دام كلّ واحد منكم يرشح نفسه ، أينتخب المرشحون أنفسهم !

ـ الأفضل أن يتنازل الذين لا يجدون في أنفسهم كفاءة ، فالمسألة خطيرة ..

هتافات شديدة في الخارج ، سكان المخيم في ثورة عارمة ، يترقبون ما يُسفر عنه الاجتماع ، الشمس فوق الرؤوس ، العرق يتصبب من الأجساد على التراب. 

ـ من يرشح نفسه الآن ؟

ـ  أنـا .

ـ وأنـا.

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ ما رأيكم أن نحتكم إلى الأستاذ عليان أبو ظهر في هذه القضية ؟

ـ أنا موافـق .

ـ وأنا موافـق .. فله ضلع في المظاهرات الأخيرة ..

ـ ورفع الأعلام .

ـ والاضرابات ..

ـ هس .. أتريدون أن يُعتقل ؟!

ـ أنا موافـق على الاقتراح .

ـ موافـق .

ـ وأنا موافـق .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ إذن هاتوه من بين الخلق في الخارج .

هدأت الضجة في الداخل ، وساد شبه صمت في الخارج ، هدأت الأصوات المختلطة المتعاركة ، فسطعت الشمس أكثر فوق الهامات ، ودخل الأستاذ عليان أبو ظهر..

ـ ما القضية يا مخاتير ! فيم تأخركم ؟

ـ نريدك أن تختار من بيننا رئيساً ليترأس اجتماعنا هذا ..

ـ ولا تنس أننا من هنا .. من اجتماعنا العظيم هذا ، سنذيع على أهل المخيم ما نتوصل إليه بشأن القبور .. قبور الشهداء ..

ـ أتريدون أن أختار أنا فقط ؟

لأول مرة يقولون بصوتٍ واحد :

ـ أنت فقط .

ـ ولا تغضبون من اختياري ؟

الضجة في الخارج تـفلـق الجدران ، والرؤوس ، والأذان ، مع ذلك جاء صوتهم واحداً.

ـ بما يرضي الله .

ـ ولا تغضبون ؟!

ـ ملعون من يغضب .

ـ أتثـقون في اختياري ؟

ـ كلّ الثــقة .

كلهم شاخصون في عينيه ، يصوبون عيونهم الحمراء ، والصفراء ، والبيضاء ، في عينيه ، كلّ منهم يحاول رشوته أو تهديده .. تفحصهم بعمق شديد  .. ثم تعلق غراب فوق رأس كلّ منهم ..

ـ أقترح عليكم أن تخرجوا أمام الناس .

ـ لا نوافق .

ـ قل رأيك أمامنا ؟

ـ أأنت تخاف !

مشيراً إلى الناس في الخارج ..

ـ لا أخاف سواهم .

ـ إذن قل من الذي اخترته منا ؟

ـ اسمحوا لي بالخروج إلى الناس لحظة ..

ـ ليكن ..

ضجة في المجلس ، هتافات من الازدحام البشري ، غادر الأستاذ عليان المكان ، وقف مع الناس في الخارج ثم عاد ليخاطب المخاتير المجتمعين ..

ـ لنا شرط .

ـ من أنتم !! أنت واحد .

ـ نحن الناس في الخارج ..

ـ لكنّا نريد رأيك أنت فقط .

ـ رأيي هو رأي الناس في الخارج ..

ـ إذن ما الشرط ؟

ـ ليرمِ كلّ واحد منكم إليّ عكازه وخاتم مخترته .

ـ وما شأن العكاكيز والأختام ؟

ـ هذا شرط ..

ـ يبدو أنّك خائف .. خذ هذا عكازي ، وهاك خاتمي ..

ـ وأنـا خـذ .

ـ وأنـا .

ـ وأنـا .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ خـذ .

ـ ها أنا أحزمها ..

ـ والآن قل لنا من تختار ، فقد ضاع النهار ؟

ـ من تختار ؟

ـ أيوه . من تختار ؟

ـ أتريدون الصدق ؟

ـ ولا غيره .. فأنت تعرف الحلال والحرام ..

ـ وتعلم أولادنا لعبة الحرب والسلام ..

ـ هيّا .. قل ..

ـ يقول الناس لا أحد فيكم يستاهل .

وقذف حزمة العكاكيز والأختام فوق نار الكانون .. نهضوا مرة واحدة وجروا خلفه ، لاحقوه ، تخبطوا في بعضهم البعض ، الأستاذ عليان أبو ظهر احتمى في الازدحام البشري ، وذاب .. أمّا المخاتير فانهال الناس في الخارج عليهم بالأحذية ..

   

 

حسام يتنبأ بعودة والده

 

 

قبور الشهداء تهتزّ ، تراقصت العصافير في قلب حسام ، سال لعابه للحلوى ، ولابتسامة والده .. امتزجت كلمات الأولاد في الحارة واختلطت ..