|
حنين اللون الأزرق
الإهداء:
إلى اللذين عرفاني الله, محبة
وطاعة وسلكاً:
والدي ووالدتي.
إلى روحيهما الطاهرتين.
أقدم ـ بخشوع ـ هذا العمل
المتواضع.
وهيب
ملأتني رغبة جامحة في التعرّف إليه. كنت قد تركته
منذ أيام الدراسة الأولى. ولكن عندما ذاع خبره، جرفت برغبتي هذه، وصمَّمت
على أن أشبع فضولي به. أذهب إلى حيث يقيم. وأشاهده من جديد.
المشاهدة عن قرب تجعل لي القرار في أن أكرر هذه
الزيارة أم لا. أن ألازمه وأتبع (سلكه) أو أن أمتنع كلياً عنه...
لكن أراني، منذ الآن قد مِلتُ إلى الخيار الأول.
وسأحمد، لي فضولي!
بالمناسبة، الفضول ليس عملاً زائداً لدى الإنسان،
كما يشاع عنه بل هو ضروري وأساسي، في كثير من الأحيان، وهل تنسى البشرية ما
قدمه هذا الفضول لـها، على مدى تاريخ حضارتها الطويل؟ فضول عباس بن فرناس
في طيرانه. فضول نيوتن في حركة تفاحته، فضول (واط) في غليان ماء إبريقه....
لن أطيل. هاأنذا بفضل هذا الفضول، أجدني أقف وجهاً
لوجه، مع الرجل الذي وددت مقابلته. أجل. إثر إلحاح حلم، تكوّن في ثنايا
الليل، ألمَّ بي قبيل الفجر. ورحت أطارد طيفه مثل الهذيان، حتّى عدت من تلك
الديار.
حين عدت وسألت، قيل لي إنه يسكن في رأس القمة. كظمت
صبري وتعبي، وتابعت.
ـ الزمن: معطّل لم يحسب.
ـ الطريق: سرت في درب ترابي، من أسفل السفح. تشعب من
عدّة دروب متجهة صوب القمة.
واصلت السير صعداً. وأنا أدوس جذا ذات أوراق
الأشجار، التي تساقطت، بفعل وجع الخريف، وعرَّت عراجينها القشيبة. لم أبال
بحزن الطبيعة من حولي، إذ أخذتني طيور السمن والمطواق والحسّون، تشنّف
أذني، وهي تعزف أغنية الفصول الهاربة، وتملأ البطاح والسفوح زقزقة وسحراً.
بلى كان ذلك خلال لحظات شروق مسروقة من خلف تلال
النور والعبير.
بانت لعيني، في الأفق المعلَّق صنعة الله العظيمة.
كيف تقاطرت الهضاب والجبال بسلاسل متلاحقة، متلازة. كسحب عملاقة حطّت على
الأرض وتجمدت.
لغفت المفاوز المفغورة. وتنقلت بين المصاطب المتجهة
نحو الأعلى، كمن يتسلق ناطحات سحاب. حجارة هنا وصخور هناك. وعورة لا مثيل
لـها!!
نلت الأمرين. لِمَ هذه العزلة كلها، في ذاك المكان
العالي؟ من بنى الحصن في شمراخ الجبل؟ أو من بنى المعبد؟.
حقيقة، لا أدري، أهو حصن أم معبد؟ على كل حال لم
يساورني أي خوف من وحشته. إيماني درع سليمان في داخلي، مطلسم ضد كل الغيلان
والأشباح. غير أنني سأنحني في نفسي، لذاك الإنسان القديم كما ينحني جسمي،
الآن، بهذا الصعود، الذي أكابده. لذاك الإنسان الذي بنى أوابده من حصون
ومعابد وقلاع بحجارة ضخمة، ضخمة. كأنه تحالف منذ فجر الزمن مع الجبال
لبنائها، بل في أعالي ذراها!.
كم كان هذا الإنسان رائعاً، فعالاً. هَمَزَ بحصان
إرادته بريته المشتهاة وجمز!.
كان البناء، بحد ذاته، قديماً جداً، تكلّست عليه
خرائب الدهور، وذكريات التاريخ السحيقة. يبدو أنه البناء الأول، في هذه
البقعة الشاهقة من العالم. ظهر لي في بادئ الأمر، كبرج أثري. ثمَّ كبر
هيكله واتسع، عن قرب، مثل قلعة، تحيط بها فلل متفاوتة الحجم، لتحميها.
وتبقيها كصحن منيع.
وصلت، بعد جهد جهيد، ووقفت ألهث. ثمَّ عبرت السور.
وتأكدت أن البناء مزيج من معبد وحصن معاً، كما يبنى الهرم. إذن هذا الهرم
شيّد فوق هرم آخر، هو الجبل!.
وتقديراً آخر، للإنسان الأول، على بنائه هذا الهرم.
وكيف جلب حجارته الضخمة من أمكنة بعيدة. وأشاد بها بناء على مرتفع سامق من
كتلة الجبل. حقيقة هذا الأمر بالذات، ما زال محيّراً ويستوجب ((فكرة
التجاوز))، في تفسيره. قالوا:
نقلت حجارته بقوة النظر... وكأن نبؤة نقل الأشياء
المادية بقوة الذهن، أو الفكر تحققت في العهود القديمة قبل العهود الحديثة.
المهم قبضت على وميض حلمي الهارب. وهاأنذا أقضي وقتاً داخل المكان الذي
اختاره الرجل ـ موضوع مقابلتي ـ لإقامته، وكأنني داخل الأزل مكان رصّع
بآثار العصور العابرة. دون جعجعة تاريخ، أو صهيل إعلام.
قال: كان معبداً أولاً ثمَّ تحوّل إلى حصن، مع مرور
الزمن. ثمَّ إلى معبد.
ذهلت. فاجأني فيما كنت أخمّنه، كشخص مروّع بالنور
يقرأ ما يضمر، قبل أن تولد الكلمة على الشفتين!.
يا للشفافية، كل الأحاسيس والخواطر! التي سأخلقها في
داخلي، سيعلم بها.
أوغلت عيني محملقاً. بل بحثت في زوايا وجهه، عن
بقايا علم خفي، وسر مؤجل. هل وصل إلى درجة الشخص ((العارف)) في شفافيته،
ياتر...؟.
قاطعني فيما كنت أتمتمه في نفسي: صار ذاك الشخص
يتلقى معرفته مباشرة. بعد أن جلس مدة عشرين عاماً تحت سلم بيته، لا يبرحه
إلا لقضاء حاجة جسيمة.../ وصمت.
ـ إذن، وصل إلى مرتبة العابد الحقيقي؟.
هزّ رأسه، ونطق: آه...! ليتني أحظى بلحظة أنس مثله.
فلحظة أنس تبرر عمراً كاملاً من الانتظار. لا عشرين سنة فحسب!.
ثمَّ عاد إلى ما كنا بصدده: ((الفجر القدسي انبثق مع
الخليقة، مع البشرية الأولى.
فالعبادة كانت عندهم قبل القتال. والمعبد قبل القلعة
ـ الحصن. والسلم قبل الحرب...))
أأبقى مصعوقاً؟.
حركت لساني سليقة: ((وفي عصرنا))؟
ابتسم. بل ضحك حتّى بانت نواجذه: وبعد أن شدَّ على
يديه كأنه يستعيد شيئاً فقده. قال: (عصرنا هذا، ليس كما كان عصرهم، أو
عصورهم...) وسكت.
وسكت مبتهجاً بسعادتي في مشاركته الكلام.
ثمَّ زفر بحرارة. وتابع يؤكد مقولاته: في ((البدء)):
كانت الروح عندهم قبل الجسم. والـ((نحن)) قبل الـ((أنا)). والعقل قبل
المادة. والله قبل الكون...)).
وأخذ يوضّح لي كيف حدث هذا التسلسل القدري، في دورة
الكائنات، من قبل الخالق العظيم، المطلق. ((وهو فوق الكل. وقبل الكل))...
وعلّل بسياق هذا القانون الكوني. كيف أن الإنسان نفسه تراه مدفوعاً طواعية،
إلى قدره الثابت. لأنَّ ((قدره قد أُحدث منذ الأزل، لـهذا يجب أن لا يخاف
من الموت. بل يخاف من (ما بعد الموت)...)).
ماذا أسمع؟ ماذا أسمع؟ أريد أن أنطق. جفّ لساني،
وكأنه تحوّل (في حلقي) إلى قطعة من خشب...
ويسترسل ثانية: ((وبعد تسلسل عملية الخلق، التي وصلت
بصفوتها إلى الإنسان.
((حلّت المقامات السامية))، و((الحجاب المكرم)).
تقديراً لـهذا الإنسان، وأنساً لـه، حتّى لا يستوحش
في هذا الخلاء الكوني، بعقله الفعّال الذي منحه إياه ((باريه)) من كرم لدنه
المقدس، ويظن أنه وحده في هذا الوجود الرحيب الرهيب. فعقله الفعّال هذا
مادة إلهية بحت...)).
من خلال وعيي الهلامي. وجدت الرجل واقفاً أمامي يمد
يده اليمنى ويصافحني.
بلى عدت وصحوت ممَّا كان قد أهبظ عقلي به من شروحاته
ومقولاته. عفواً طالما حظيت بشرف مقابلته هذه وجب علي أن أحيطكم علماً
بأحواله:
رجل نسيج وحده، من بين بني آدم. لـه أفكار وسلوك
يخوّلانه أن يمتلك العالم بالوكالة. ولكن يقابل هذه القوة المعنوية عنده
جسم رقيق نحيل. ذو بشرة ناصعة شفافة. تكاد ترى من خلالها العظام.
الرأس: مستدير، زادته هيبة ووقاراً عمامة بيضاء.
الوجه: على الرغم ممَّا لوّحه به الشيب والشمس
والضنك (الزهدي)، الذي يعيشه، في هذه العزلة القاسية. كان بضاً منوّراً.
نبت في الذهن واللهاذم، شعر خفيف مخلوط. تكاثر، نوعاً ما، تحت الأنف،
وشكَّل ما يعرف بالشارب.
اللباس: رداء قماشي خشن. لونه أزرق. انسدل على جسده
كقباء تغمره عباءة فضفاضة حيكت من الصوف. تماماً كما رأيته حين دعاني وأنا
في تلك الأقاصي.
***
بعد أن عدت وعادت إلي أخباره. وتجشمت الصعود إليه.
وجدته قد اختلف كثيراً عمّا كنت قد تركته في أيام الدراسة. طبعاً مرّ في
مراحل الطفولة والشباب والكهولة. والآن هذا الشيخ لا أنكر أنه كان آن ذاك
كل طفولتي وكان شبابي وكهولتي القادمين وأيضاَ ذكرياتي، ذكرياتي هذه التي
أراني أرمِّم بها داخلي وأصلّح كيان نفسي. عهدته تلميذاً. وأراه قبالتي
زاهداً ناسكاً وفقيهاً صاعداً.
نظر ثمَّ ذهب بعيداً في تفكيره إلى حيث لا أدري.
وأنا بدوري، تركته وذهبت إلى الأسهل في رفقته ـ طفولته ـ.
حقيقة منذ أيام الدراسة الأولى، كانت لـه طفرات
مشفوعة بسهوم وشرود شديدين. أفكار كالإلهام تراوده. كلام فوق المستوى
المألوف ينطق به. كأنه كان يعد نفسه، ليكون أكثر من رجل في العالم!.
كنّا دوماً، ونحن في غرفة الصف الذي ننتسب، ننظر إلى
شفتيه، وهما تتمتمان شيئاً لا يفهم. ثمَّ علمنا فيما بعد أنها صلوات وأدعية
إلى الله، وكلام آخر: الخوف، القلق، المجهول، البقاء، الفناء، المصير،
الكون...
طفل تشنقه مفردات لغة كامنة حبيسة في باطنه تريد أن
تخرج. ويبرر السؤال: هل هذه الطلسمات آتية إليه من كوكب آخر؟ أم من أطلس
موطن الذكريات الأولى؟
ثمَّ نراه تنساب تعاريج الدموع على خديه. وتغطي وجهه
بالكامل، دونما سبب. أحياناً كنا نظن أنه يهذي. كلام غير معقول بالنسبة
لنا، هذا الذي نسمعه يتردد على لسان زميلنا (سعيد). حتّى معلّم الصف احتاط
لـه المسكين. أخذ يكلف نفسه جهداً إضافياً، في العودة إلى المراجع والمصادر
احتساباً لـهذا الطالب ذي الأطوار الغريبة، الذي ينفجر زلزال أسئلته كل
يوم، وإلا تراه سيبخس أمام الطلاب، شر بخسةٍ ويغتسل وجهه بقطرات العرق!.
بطبيعة الحال، ملازمتي لـه في رفقته المدرسية، لشد
ما تأثرت بها، وأخذت تنعكس على سلوكي. بل كان لـها الدور الأساسي، في تكوين
جانب هام من شخصيتي. ومنها الدافع الرئيس لوجودي هنا، في هذا المعبد،
ألاحقه كالتابع.
تأكيداً في أيام التلمذة كنت أعجز عن مجاراة ذاك
الصوفي الصغير في السمات والسلوك اللذين دأبهما. وإن امتثلت لبعض إرشاداته
وعظاته، حسب استطاعتي. غير أن هذا الزميل الصديق كان معي بالمقابل ـ
متسامحاً ديموقراطياً ـ يترك الأمور لي كاختبار. هو منذ الصغر يقدّر حرية
الفرد الشخصية.
ـ ((المهم أن تكون رجلك على الطريق وما كلّف الله
نفساً إلا وسعها)).
وعلى الرغم من قاعدته التي يتلوها يحضّنا إلى
تطلعاته التي ينشدها خارج الحياة على سطح هذه الأرض ـ على حد تعبيره ـ يريد
أن نحلّق معه بأجنحة يمام خارج ((سجن الأرض)). ثمَّ صار يستعمل مصطلح
((النقلة)).
من أين آتى به؟.
من علّمه إياه؟.
من خلفه في هذه الثقافة العلوية؟.
كأن هذا الطالب الصغير كان يحوي كنوز المعرفة
اليقينية أو المعرفة الإيمانية بالله. من جهتنا كنّا في جهل مطبق، في شؤونه
الخاصة. وفي بيته وفي نومه وفي مأكله ومشربه. يكرّر علينا مصطلحه (النقلة)
في كل حديث يدلي به عن مصير الإنسان، إذ تبقى مثل كائن أخضر مستقراً في
أعماقه. ويحثّنا لقبولها كمسلمة. ((ينتهي المنطق عندما يبدأ الإيمان))...
لم نكن نعي ما يقوله. ولا ما يشرحه عن المدن
النجمية، التي تنتظر الإنسان في حياته الثانية. مدن تقع في البعد السحيق من
زاوية الكون القصوى. لـها مدارات وأفلاك تدور حول شموس وكواكب أخرى.
((الأصح في مفهوم الخلود الإنساني، هو تغيّر الأقمصة بالجسد، بعد الهبوط.
فالروح واحدة وباقية. وفي الخلاص تصعد بهويتها وتنعم بحريتها الأبدية...)).
وكم أجدني ارتجف خوفاً وهلعاً. ويتخبّط جسمي
بقشعريرة مرعبة وهو يتحدّث لي عن الموت ونقل الروح، وفناء الجسم... وأنا
الرعديد المشدود بتوتره كطفل. وهو بجانبي، كالرجل الناضج الذي يخوض في
أحاديث الثواب والعقاب والبقاء والفراق. دون أن تهتز في بدنه شعرة.
***
تعال.
قادني، أدور معه في المكان.
لم أستسلم في يومٍ من الأيام لـهلع مثلما استسلمت
لـه اليوم. يا ألله! رأيت الأرض في الـ((تحت)) البعيد مدحوة سهولاً
ووهاداً. كأنني أقف على جرف هاو.
طبعاً، طرأت تحسينات إضافية على المبنى القديم. ومع
هذا كان فعل الزمن بادياً في تفتيت حجارته العملاقة، بما كسيت به من دمن
الطحالب. والأشنيات.
ـ ((هذه النباتات القميئة كفيلة بفناء كل هذه الصخور
الجبارة. هي مثل الطواحين تفرم وتسحق بماكينات رحاها التي لا تُرى بالعين
المجردة، كل الأشياء التي تعلق بها، وتجعلها كالدقيق...)) /سكت/.
ثمَّ عاد بعد قليل إلى النغمة الأولى يعزف على وتر
الفناء: ((سائر الموجدات في هذا الكون آيلة إلى التلاشي والاضمحلال.
الإنسان يدخل إلى هذه الدنيا عارياً ويخرج منها باكياً...)) صمت.
ظللت ساكتاً معه بلساني وأتكلّم في نفسي: أكدت مرّة
أخرى أنني أتلقى اليوم درساً بليغاً في علم الفناء!.
ـ ((ما أقوله هو الصح)). أردف.
ثمَّ ذكر أنه قرأ في ((علم المادة)) أو ما يسمى
بالجدل المادي أن الفناء لا يصيب سوى العالم الظاهر. عالم الأجسام ـ المادي
ـ وأوضح أن التجارب المخبرية دلّت على أن المادة في هذا الكون، ما هي إلا
طاقة مكثّفة. وأهم هذه التجارب: غرفة العالم (نيلسون). ((العالم كان أولاً
روحاً، عقلاً، طاقة. ثمَّ تكثف قسم منه وتحوّل إلى مادة... فالفرع يلحق
الأصل. والتابع يتبع المتبوع)). من جهتي لا أقول في هذه القضية إنه وظّف
هذه المصادرة لمصلحة مبدئه الروحي، بل أيقنت أن ما يقوله هو الأصل.
((النفس مع المصدر، فهي لا تفنى. هي خالدة... يعني
عالم الروح هو الباقي)).
لَهَجَ نفساً كثيفاً، تابع: ((البحر يتبخّر ماؤه.
ولا تبقى إلا حركته (الأزلية ـ الأبدية)...)).
أجبت بعفوية: إذن الحركة هي الروح.
انبسطت أساريره. ثمَّ أخذ يشرح لي، كيف يموت البحر.
ولا تبقى منه إلا الحركة ـ الروح. ليدل على أن الحركة هي تحرر وحرية، تتم
بفضل الموت. أي الانعتاق من المادة ـ الجسم ـ لتعود بجوهرها الحر كيقظة
أبدية، ووعي شامل للوجود الحق. ((الإنسان الذي يعيش اللاحقيقة في الأشياء،
عن طريق عالم المادة والأجسام الظاهرة كان يعيشها في البداية معنى وحرية
وحقيقة...)).
ثمَّ: ((ولكن عندما حلت الروح في الجسم، وهبطت. كبلت
حرية الإنسان... لـهذا ترى الإنسان نفسه، يحن إلى العودة إلى حريته الأولى
بوساطة الموت)).
واستشهد بسقراط الذي تقبل زعاف الموت بحرية تامة
لينعتق من كبل الجسد، من أجل أن يعود إلى حريته.
ولا أعلم كيف عدت ونطقت هذه الكلمة بصيغة الاستفهام:
والحرية؟
أخذ يشرح:
ـ ((الحرية بجوهرها، هي النعيم المفعم بالسعادة
الحقيقية. و...)). وتركته يتكلم وحده، وهو يهدج أمامي، بعد أن قطع أنفاسي
إدهاشاً، بقوة أفكاره، وعمق ثقافته، واتساع معرفته وإطلاعه! ما هذا النوع
الممتاز من الناس؟ هم كأنهم يرون ما لا تراه العيون والحواس.
جماعة نخبة مشدودة إلى عوالم أخرى. وحقائق أخرى!.
رفقتي لـه، بالنسبة لي، ستكون صعبة وشاقة.
وأراني قد خامرني خاطر: شيخ سعيد كيف استطعت أن...
ـ ((قل سعيد. لقب شيخ لا أستحقه)).
واه...)! واستدارت عيناي. إلى هذه الدرجة التواضع
والزهد في الذات. إنه شيخ ونصف. بل يساوي ألف شيخ من...
ـ لا تكمل.
يا للفضيحة! وظللت متلبساً ما بين الحقيقة والخيال.
عجيب يعرف كل ما أنوي أن أقوله!.
ـ ((الضرب بالألقاب. الزهد بـ((الأنا)). هما السبيل
إلى الله. قرأت لأحد المعلمين: لا يجد ناسك حلاوة الحياة الأخرى، وهو يحب
أن يعرفه الناس...)).
وسكت هنيهة. ثمَّ افترت شفتاه:
ـ ((لكل معلم نداء.... في البدء كان النداء
للإنسان)).
أخذتني عدوى النداء. فانزلق عن لساني: وما هو نداؤك،
يا شيخ...؟
ـ إياك تلفظها. بل سعيد وحسب!
ابتسمت.
ثمَّ أجابني: ((دعك من ندائي وهاك نداء معلم آخر.
باركه الله وأودع فيه سرّاً من حكمته، كإنسان صالح ورع، كان في صحراء. عثر
على قبرة عمياء. يسّر الله رزقها بوساطة دابة أخرى. فهتف في داخل نفسه: يا
ارحم الراحمين ارحمني...
ورحمه الله. إذ غرس في أعماق قلبه محبته، وانقطع
إليه عبادةً وسلكاً)).
بعد ذلك تابع يمشي، يشير إلى معالم المعبد، ويعيد
عليّ شيئاً من تاريخه.
***
عندما جلسنا للاستراحة، عادت نواقيس ((الأنا)) تدق
في خاطره كشغل شاغل لـه. آهة لاهبة خرجت من قاع جوفه، وفهمت ممَّا شرحه
بلغته: أن ((الأنا)) الجزئية ـ الفردية هي شرٌّ بحت. لذا يجب ألا تبقى إلا
((الأنا)) الجمعية. أنا واحدة، كلية. تمحى فيها كل الأنوات الجزئية، في هذا
الوجود.
وأخذ يحلل بموجب منطقه:
ـ ((فالجزء هو جزء من الكل. كما أن الخاص هو جزء من
العام. وبموجب هذا ((القياس)) الأرسطي ـ هكذا لفظ ـ تكون الحقيقة المطلقة
الكلية هي الشاملة، لكل العناصر الجزئية في الوجود...)).
سكت قليلاً ثم أردف" طبعاً الجزء أو العنصر الفرد،
لا يكتمل معناه وجوهر وجوده إلا بالكل نفسه. مثل مفردات دقائق الذرة نفسها.
فهذه لا تشكل ذرة كاملة إلا إذا اندمجت دقائقها في منظومة واحدة...).
كذلك تابع بعد أن شهق نفساً: ((فالكون منظومة مكبرة
بأجرامه كما هو منظومة مصغرة بذراته...)).
تهت في شروحاته الطلسمية هذه ولا أدري كيف تلجلج
لساني: ((وما يعني الإنسان))؟
ـ ((الجانب الإنساني واضح كالشمس. فالمرء إذا ما
تعصب إلى أناه وأراد أن يستقل بذاته. فليس بمستطاعه ذلك. ويخالف الناموس
الكوني)).
ثمَّ راح يربط كل هذه الأمور برباط لاهوتي محض:
((تعليل كل ما سقته هو أن الإنسان مخلوق من خالق يمتلك البداية والنهاية في
هذا العالم الذي أبدعه بقدرته الكاملة. إذ ليس بمقدور المخلوق المحدود. في
نهاية مطافه، إلا أن يعود، ويذوب في اتحاده بالخالق المطلق، اللامحدود...).
وسكت ينفث أنفاسه الحارّة كالمعتاد.
كنت بجانبه كالثمل وما عليّ إلا أن أنطق: ((زدني
علماً يا رعاك الله))!.
أثبت نظره عليّ: ((وهنا يبلغ الإنسان أعلى مراتب
التأييد والقوة والعرفان...)).
ثمَّ أخذ يقص عليّ قصة فرعون الذي طغى: فاستغل
بـ((أناه)) فآل إلى بئس المصير.
وكذلك قصة النمرود المعروفة. فبعد أن استعلى واستكبر
بتضخيم أناه أرسلت إليه بعوضة صغيرة (برغشة) دخلت أنفه وراحت تأكل فيه.
وكان لا يهدأ رأسه من الصراع إلا إذا ضرب بحذائه. من قبل خادمه...
وأيضاً جدائل (سالومي) تماوجت على كتفها أمام
(الاسخريوطي) ليقطع لـها رأس (يوحنا)، انتقاماً لـ((أناها)) وغرورها
بجمالها، التي استصغرت عنده كل جمال فاتنات الدنيا و((مصيرها معروف)).
وختم شواهده بـ((قبل كل ذلك إبليس كان أول من تكبّر
وكفر باستقلال ((أناه))، عن خالقه حيث استقرت فيه بداوته الضديّة...)).
ثمَّ أشرق وجهه بابتسامة. كأنه راض عن هذه
((التزكيات)) الانتقائية، التي أوردها، لتثبيت مقولته بضعف ((الجزئية))
وانتصار ((الكلية)).
من جهتي كنت قلقاً ومبعثراً. تأخذني هواجس العجز
والتقصير. أو على الأقل استيعاب الكلام. أجل لا طاقة لي على ذلك. كيف صار
هذا الرجل في هذا المستوى العالي من الفكر والفلسفة والتجهّد؟ هل الانقطاع
إلى الله فكر بحد ذاته؟ أم هل العبادة أضحت بجوهرها عنده فلسفةً؟ وفلسفة
نوعية!.
ثمَّ مطاردة أخرى:
((الأقمطة، والألبسة لا تستر الروح. بل تبلى مع
الجسد بالتراب...)) نَدَّ من ناحيتي جواب تقليدي ـ حسب مكنتي:
ـ ((هذه حال الدنيا، يا... سعيد))/. ورجفت عندما
لفظت اسمه منفرداً.
وبعد لحظة صمت. جاملني في تقليديتي ليعيد إليّ شيئاً
من الاعتبار:
ـ ((لاشك أن الحياة الأولى صعبة على الإنسان، إذا ما
اتخذها بجدية تامة. فهي لـه كمن يمشي تحت حر الهاجرة. أو كمن يُصاب بظمأ في
رمضاء قائظة. أي هذه الحياة رحلة امتحان، على رفيف وعود الجنة وترانيم
الوصايا العشر)).
نطقت: ((من هنا وجب السباق في دار الفناء، من أجل
السعادة في دار البقاء)).
أجاب: ((طبعاً، هذه حكمة ثنائية العالم. تكشف نفسك
بضدك وتعرف فضيلة الخير من رذيلة الشر))...
ثمَّ أطرق. وساد صمت طويل بيننا ونحن نمشي، حتّى
انقلب الوقت جثةً هامدة. أيضاً لـه فلسفته في الإطراق والصمت!.
انفرجت أسارير وجهي بعض الشيء وأنا راجع إلى المعبد.
لما جلست معه على الشرفة المطلّة. عدت ونظرت إلى أسفل. كنت كمن ينظر عن رأس
مثلث لمجسم عالٍ عظيم. أُراني أُعذر إذا ما حبست نفسي في كبسولة فضائية، يا
لـهذه الجبال التي انطوت على أسرارها، وأخذت تتأمل صغار الكائنات تحتها!
حركت شفتي وأنا ألتقط لـهاثي: ((الذروة ذورة في كل
شيء، أنت في هذا العلو تعيش قريباً من القمر، قريباً من الشمس قريباً من
النجوم)).
ـ قل قريباً من الله، فأنت ما زال تفكيرك تحت دائرة
اللون الأزرق. تعيش حالة التجسيم فقط. يلزمك مران...)). وران علينا صمت آخر
بجلال مهيب.
ثمَّ رجف فمي ((جئتك صاعداً، كمن يتسلق شجرة باسقة
لأكتسب)).
أجابني: ظاهرية الأشياء هذه، هي مقتلك. فأنت تعني
صعود الجبل لا صعود النفس.
نكَّست رأسي.
خفف هو من خجلي، بإشارة لطيفة من يده، إلى حيث
المكان الذي يسكن داخل المعبد، ويجري فيه طقوسه.
شاهدت كهفاً في الركن الشرقي من المعبد، يوجد فيه
أثاث بسيط: بطانية، فراش، بساط عتيق.
تمتمت في داخلي: هنا يعيش هذا الناسك بقلبه الأبيض.
ومن هنا ينطلق به نحو حنين فضاء أزرق.
بعد لأي فطنت: ((والأكل))؟
ـ ((ألم أقل لك إنني قريب من الله...))/ لم يكمل.
ولكن بعد قليل أردف: ((انظر إلى تلك البقولات
المخضرة والأشجار المثمرة التي تحيط" الجوز، واللوز البري. ولا تنس العنب.
والبطم مفيد جداً بزيته للجسم، والتين والزيتون...)).
أكملت مباشرة: وطور سنين.
ابتسم الأكل الحلال بالنبات. والإنسان نباتي بالفطرة
كالحيوان. الجسم واحد في كلا المخلوقين. ولكن عندما تجرأ الأول على مملكة
الثاني. عاد وتجرأ على مملكته هو أيضاً وعاث فيها قتيلاً وفتكاً.
ثمَّ أخذ يشرح لي نظرية فيلسوف نباتي معاصر. حلّل
فيها طبيعة الإنسان إلى صنفين: صنف دموي نزاع بميوله النفسية إلى الشر
والعدوان. بسبب أنه حيواني ـ أي من أكلة لحم الحيوان ـ وصنف رحماني، يهدف
بسلامه النفسي للخير والسلام لأنَّه نباتي ـ أي من أكلة النبات ـ... وبعد
أن سكت اعتلت وجهه غيمة غضب، ولا أدري كيف تداعى لذهني مباشرة تقسيم العالم
إلى غرب وشرق.
فنطق: ((صح. صح الغربي حيواني. والشرقي نباتي)).
وأوضح ما كنت فكرت فيه. ثمَّ هدر: الفجر الأقدس كان
قبل الطوفان. كان الإنسان خيّراً نقيّاً.
ثمَّ تحركت فيه نوازع الأنا فاعتدى على غيره، وعلى
جنسه. فحلّت المأساة وجاء الطوفان. وعاد الخلق وللآن لم يرعو.
أخذ نفساً، وتابع بغيظ ((أودَع الإنسان الغربي في
ذاكرة التاريخ الحديث حربين عالميتين مدمّرتين. لا يفصل بينهما سوى عشرين
سنة، وسفك فيهما ملايين ملايين القتلى على ظهر هذه الأرض العجوز)).
وصمت. وسكن المكان.
عجيب كيف لـه هذه القدرة الخارقة على خلق الصمت.
وأنا صرت بدوري مأخوذ به عاد ونظر إلي مشفقاً.
نطقتُ بتشجيعه: ((قيام حروب (الغرب) هذه وأنهار
الدماء التي دعجت تمّت بفعل قانون (أكل اللحم)!...)).
طامن برأسه: نعم/ بل شدّد بنطق هذه الكلمة.
جال في خاطري عندما كنت أجوب الأرض الرعوية،
الواقعية في التخوم الجنوبية، بحثاً عن الكمأة، بعد أن تركته وتركت
المدرسة، وشاهدت بركة ماء تآخت حولها الطيور والحيوانات. تأكل وتشرب بسلام،
إلا ذاك الذئب المفترس.
ندّ من جهته، صوت:
((المفترس هو المفترس. هو الذي يفترس مخلوقاً آخر،
سواء أكان إنساناً أم ذئباً ضارياً؟)).
هنا فطنت: ((ظهرت جماعة من الزهاد في الغرب، فرزتهم
حضارته وعاشوا على هامشها)).
لاح طيف ابتسامة نائسة على شفتيه. ثمَّ انفرجتا:
((تعني الهيبيين)). هؤلاء متصوفون أرضيون، ماديون ووجوديون. لا يعرفون
التصوّف الحقيقي، ولا بما تعنيه الزهادة الروحية من تقوى وفضيلة وصلاح. بل
يستعملون ما يدّخرونه من احتياطي جنونهم، في إبطال مفعول العقل السليم.
ويدفعهم هذا الأمر، بالتالي إلى سلوك عابث، في حياة ماجنة مقرفة... أهذا
زهد...))؟.
ثمَّ استدرك: وأما أولئك المستغربون الذين ينتحرون
بالسيف (السامورائي) وبطريقة (الهاراكيري) يرتمي الواحد تلو الآخر. فأي زهد
في هذا الجبن؟ في هذا الهروب؟
ـ ((............))/ فترة سكوت وراحة سادت بيننا.
ثمَّ لا أدري كيف كسرت رهبة هذا الصمت. وتلجلج لساني
باستحياء: ((أنت رجل (شرقي) صيني)).
حدّق إليّ: ((ليتني أكون من أهل تلك الصين)).
وكاد يشرق بدمعة. بيد أنه عاد وفطن: ((الصين
الجوّانية لا الصين البرّانية)). صين هذا الزمان. بدوري رحت أحتمي بسكوتي
المفضل، وأنا أفتكر. بل كأنني أصبت بدوران الذاكرة. فعدت إلى سني حياتي
الأولى، فحين كنت طفلاً، كانت المرحومة جدتي (هدية) تحدّثني عن سكان تلك
الصين، الصين الجوانيّة وفضائلهم وأخلاقهم: هم من أهل الخير. كلّهم أناس
طيبون، أخيار، أتقياء. وكل من يصفو في عالمنا البراني هذا ينتقل إليها، بعد
الموت)).
كم كان يشوقني حديث جدتي هدية عن هذه الصين الخيّرة
فاستقبله بحواسٍ متوهّجة، حتّى صرت أتمنى أن أترك، باكراً حياتي المعطوبة
هنا وأنتقل إلى حيث يعيش ((أهل الخير)) المشمولين بالرعاية والكلاية من لدن
العناية الإلهية. أعيش معهم. وأسوّي مثلهم مساكن الريحان والزعفران، وأعيش
هناك حيث اللازمان واللامكان. أندمج في روح الكون الأبدي دون نهاية. وهكذا
لم أعد أخشى ممَّا وراء الموت. بل أضحى الموت عندي انتظاراً. وكأني معه،
على موعد ساحر.
قاطعني: ((صح الموت بحقيقته انتظار عودة)).
سكت سبحان الله! استشفّ ما تمتمته في داخل نفسي.
***
حين عدلت عن مغادرة المعبد. فطنت. وقلت: ((أيوجد هنا
ماء يا... سعيد)).
وابتسمت لترديد اسمه منفرداً.
نهض: ((تعال)).
قادني من يدي إلى مغارة، خارج سور المعبد. شاهدت في
وسط المغارة حوضاً مملوءاً بالماء. السقف يرشح بنقاط متتابعة، متلاحقة،
بانتظام تصلح لتكون ساعة مائية.
ـ ((هذه مغارة النقاطة) ولها قصص عجيبة، مع عابد
سابق. ومن الصعب المستصعب أن تصدق. إلا عند ذوي ((التجاوز))، والكرامات.
خلاصتها: حدث انبجاس نقاط الماء من السقف، كرامة لذلك العابد. بعد أن انقطع
هنا للعبادة.
ثمَّ كفّ عن الكلام. ألححت عليه أن يسرد لي قصة ذلك
الناسك الفاضل بالتفصيل، أبى لقناعته أنني ما زلت من أهل الشك لا من أهل
التجاوز، على حد تعبيره بالذات...
ـ ((أنت ما فتئت تقع تحت خط اللون الأزرق. أي لا
تؤمن بالانفكاك من قوانين كينونة المادة ولا بحضارة اللدن)).
فدفعت بفضولي المعروف، لأتعرّف إلى ذاك الأمر الذي
يعنيه ويرمي إليه.
ـ ((سبحان الله! هل رأيت كائناً يخرج من قيود
(المادة الفيزيائية): المكان والزمان؟ أنا آمنت ورأيت هذا الكائن
العلوي...؟)).
وبعد أن سكت قليلاً، استأنف: ((الخلاصة في هذا الصدد
أن هذا الكون الأرحب باتساعه ووجوده المطلقين، لا يحدّ بثلاثة أبعاد أو
أربعة: (طول، عرض، ارتفاع، وسرعة الضوء ـ النسبية). بل لـه أكثر من عشرين
بعداً والحبل على الجرار)).
وهنف بضحك خفيف. ثمَّ تابع: ماذا نقول في كوكب انفلت
من مساره وحطّم ناموس المدارات؟... والإنسان بحد ذاته كوكب يحلّق فوق الأرض
نحو الزرقة بعد أن يصبح عارفاً بالله. والعلم لديه حضور دائم، دون حزن ماضٍ
ولا خوف مستقبل... نعيم... نعيم...!.
تكلّمت وأنا مطبق شفتي: قرأت في قصة إبراهيم أن
النار المحرقة أضحت برداً وسلاماً على عارف بالله، منذ آلاف السنين. أوعل
عينيه بي.
ـ أف...! أراني قد تصدع رأسي. إن ما كان قد سكبه هذا
العابد في ذهني. في هذه الجلسة الشاقة شيء يفلق الجبل لا الرأس! هأنذا قد
مللت وكأنني صرت أجلس بين يديه دون نيّة. عسر فهم اعتراني. ودارت بي
الأخيلة. بل أنا الذي درت بها. حتّى غيَّبتها. أو غيَّبتني في غياهب
عوالمها.
   
حنين اللون الأزرق2
حقيقة الحياة غيبوبة وليست نشوة شحاذة، يطلبها
المرء، وهو يقف في ركن معتم قصي من كرة الكون المطلقة!
حين نظرت، افتكرت واعتبرت.
المكان بناء على رابية. هذا غير الجبل، بل هنا قصر.
لا معبد. قصر مشيّد جميل، يستقبل، بشرفاته، الشمس المجيدة كل صباح. وفي
الليل يغمره عطر مقطّر من ورد النجوم...
تشمّمت الهواء الطازج وتقدمت: البناء واسع. شكله
أثري. يعود تاريخه إلى قرابة ثلاثمائة سنة.
ظهرت عليه كل معالم الثراء، والجاه، والحكم.
ـ هل أنا أمام سراي، لولاية عثمانية؟
أنعمت النظر في الرجل الذي قابلني في مدخله. هو نفسه
بتلك الابتسامة النيّرة المشرقة والنبرة العذبة الندية.
ـ ((كنت في مقابلة....).
قاطعني: ((الشخص واحد)).
منذ زمن لم أشهق مثل هذه الشهقة!
ـ ((وأنت الشـ... سعيد))؟.
نعم أنا الذي كنته وهو الذي كانني)).
استرعت انتباهي كلمتا: ((كنته)) و((كانني). يا
للعجب! كم سأقف على غرائب في رحلة مقابلتي هذه، التي اخترتها لنفسي طائعاً.
بل اختارها لي حلمي. حينما أيقظني الشيخ ذو الثوب الأزرق وقال لي: تعال
إليَّ واترك بلاد غربتك. فتركت بلاد المهاجر وقدمت. لا سأثابر.
تابع وكأنه يشرح لي هذا اللبس: الجلد، الجسم، مثل
القميص الذي نرتديه، ثمَّ يستبدل بآخر...
وامتدت فترة صمت ضاغط بيننا. انقرضت اللغة؟ توقف
الكون عن النمو؟ كل شيء ممكن لدى ذهني. فلم أعد أعرف أين ينتهي الواقع
الراهن؟ وأين يبدأ الحلم، أو الخيال؟ مع هذا النوع من الناس. وأين أنا منهم
كرجل مخذول؟ لكم ينطوون على معارف وأسرار، وطاقات روحية. تراهم عندي لا
يغيّبون بالموت. أو هل مات الزمن؟.
نعم الزمن، الزمن هذا العدو القاهر للإنسان، وسبب
هزيمته الحقيقية على هذه الأرض. هو الذي يبقى عليها ويموت الإنسان. أمَّا
(فوق)) ما وراء الخط الأزرق فيموت هو ويبقى الإنسان.
وأراني أتساءل، في المناسبة، هل هذا الشيخ بلغ هذه
المرتبة، وهو يعيش على سطح هذه الأرض؟ أم هو قَدِمَ إليها من أرخبيلات
الزرقة العليا؟ وكالعادة عرف: ((قَدِمَ إليها بالروح لا بالجسم. فالإنسان
بجسمه (دود) يحمل بذرة فنائه. إذن الإنسان بالروح بالجوهر يبقى حياًّ)).
ـ ((يعني هذا تأكيد على أنك أنت الشـ......سعيد))؟.
ـ ((.......)/ سكت.
ويا معبد الصمت والسكون أغثني.
حقيقة. ما زال شيخ المعبد هو هو.
ولكن أراني قد علمت، من خلال ملامحه، ودلائل شخصيته،
أنه هنا، يزاول الحياة العامة، بل يمتهن السياسة بخاصة. فها هو قبالتي
يرتدي بذلة رسمية ـ عصرية ـ ذات لون أزرق.
ـ ((السياسة عندي نوع من ممارسة الزهادة والعبادة
التي تنفذ في الصومعات. وليست هي الغرق في أوشال الكذب والدجل))؟.
ألم أقل إنه يقرأ الأفكار، قبل أن تظهر؟
وبطلب من فضولي الزائد المعتاد، استدركت: ولكن أراك
قد تغيّر فيك اللباس، والزي، والرسم)).
أجابني بتمهل، بعد أن هزّ رأسه الحاسر عن شعر أغبر
مخلوط بالبياض، وغير مرجل أيضاً:
-((وذلك من أجل الانخراط في حياة الناس العامة. علني
أنقذ واحداً من الذين يتساقطون، يومياً، في مهاوي هذه ((الدنيا الدنية)).
وجهنم تفتح أبوابها وتطلب هل من مزيد))؟..
نطقت بحماسة: ((تباً لـهم)).
انفرجت شفتاه، وابتسم. زفرت وتابعت: الدنيا فانية
هكذا أعلمني.../ولم أكمل. ركزّ جلسة التربيعة التي اتخذها في وسط بهو القصر
ونطق:
-الدنيا، بحقيقتها، وجدت للإيمان، أي لاكتساب
الإيمان ومزاولته عقيدةً وعملاً. ولكن عندما حلَّ فيها العكس. فلا عجب إذا
ما أعلن (يوكوياما) الياباني عن انهيارها البتة))!.
ثم محاضرة منه، عن نظرة هذا الـ(يوكوياما) في انهيار
حضارة الأرض وانتهائها برمتها. معتمداً فيها محور ((دناءة الدنيا)). وسوء
الأعمال والنيات في حياتها العاجلة الفانية. ليبرر الجوهر الثابت الموجود
في الحياة الآجلة الباقية.
ثم راح يشرح الطرق والوسائل العملية، لا النظرية
فحسب، التي تؤدي، بدورها، إلى الانتشال من المستنقعات. مثل إطراح الحسب
والنسب و(الأنا)، والعصبية القبلية. والكبرياء، وسلطة المال والجاه، وشهوات
الغرائز وسيطرتها على النفوس. و....((أملاً في بناء مجد روحي للإنسان
الصافي النقي، الذي يمور بجمال الروح الباطن. الجمال ((المشهدي)).....)).
ماذا أسمع؟.. حسبت نفسي ما زلت في معبد الجبل. لا في
قصر الرابية. غير أن السلك للعابد السالك هنا. يختلف عما كان عليه هناك. في
المعبد يتم السلك عن طريق الزهد والتقشف بتعذيب الجسد. وفي القصر، هنا.
يتم هذا السلك وفق المبادئ نفسها، ولكن بتطبيق عملي، على صعيد الواقع
الميداني، أي بين الناس.
وأكمل هو ما فكرت فيه: ((يمكن الوصول إليه إما
لزهادة في شماريخ الجبال، وإما بمعالجة قضايا المجتمع المعيش، في الحياة
العامة....)).
*** *** ***
-(أيها السادة أطلب من حضرتكم الموافقة على إعفاء
ذوي الدخل المحدود من الضريبة الخاصة بـ....
-أنت معارض لكل شيء يا حضرة النائب.....
-أهكذا الديمقراطية عندك يا رئيس المجلس النيابي؟..
أنا كنائب عن الشعب لي الحق في طرح مشاكله.
-ألا يوجد نائب منتخب غيرك؟
-أنت أمين سر المجلس. راع مصلحة الذين انتخبوك وفِ
بتعهداتك لـهم.
-عفواً الآن دخل رئيس مجلس الوزراء.
-عال، يا عمي طلبت حضوره في الجلسة السابقة.
-لم آت بناء على طلبك يامحترم.
-أنت خائف من المحاسبة أمامهم.
-لا.
-لأنهم مثلك لصوص.
-ما هذا الكلام؟.. أيجوز أن يلقى ذلك في حرمة
البرلمان؟... /ثم ضجيج وصياح وزعيق/.
-الآن أعلن تعليق الجلسة ليوم غد.... تفضلوا....).
***
أجل برر لي نهجه العملي من خلال الطريق الذي سلك.
وأوضح أن الزهادة، سواء أكانت فردية أم جماعية، في صومعة منفردة أم في خلية
المجتمع؟.. ليست عملاً سلبياً بل هي عمل إيجابي بحت في كلا المسلكين. وطريق
معبد إلى الوصول. الذي هو الهدف الأسمى نحو((غاية الغايات)).
-((فالناسك السالك المنقطع إلى جهاده، في خلوته،
يمثل نموذجاً فردياً حياً في اتباع سبيل الخلاص. كما يتحقق هذا الخلاص عن
طريق الجهاد على الصعيد العملي-الميداني)...
وبين أيضاً أن ثمة من يجمع عنده المسلكين الاجتماعي
والتنسكي الانقطاعي.((فالسيد المسيح عليه السلام انقطع في مرحلة عمره
الأولى، قبل أن يبدأ جهاده بين الناس، خمس عشرة سنة، في الجليل ثم باشر في
المرحلة الثانية. وكذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، انعزل في غار حراء،
قبل أن يبدأ بالدعوة)).
لمعت في ذهني أفكار شتى، من خلال ماسمعت، أجل أنا
لست صفراً في الثقافة:
-((أنت تريد أن تنزل على سطح هذه الأرض. مدينة
أفلاطون الفاضلة. تنقلها من واقع الأحلام إلى واقع هذه الدنيا)).
أشرق وجهه. وعمق نظرته تحت حاجبيه الكثيفين كأنه
يريد أن يثني عليّ، لـهذه المعلومة، ثم أسند رأسه بأصابع يده اليمنى على
مهل كالعادة، كمن يتذكر.
-((أنطق: ((كنت أبحث عن ذاك الـ(أفلاطون)؟)).
ابتسم ونطق هو بتؤدته المعهودة. وقد اكتسب صوته بحة
مؤثرة: ((إذا ما طبقت أحكام مدينة أفلاطون تلك. يعيش المرء في جنة، طبعاً
جنة القيم والمعاني والفضائل المستجنة بأهلها كالسور....)).
وتابع بعذوبة:.....((وجنة الكوثر والفردوس)).
من جهتي تابعت معه طالما أنه يرضى عما أقدمه:((وجنة
أنها....)).
أوعل عينيه وقاطعني: ((أعتقد ذلك همس غواية...../
وسكت على مضض.
وأراني لفظت: ((ولكن ما السعادة يا.....))؟..
-((سعيد)). ذكر عني اسمه وتابع يشرح السعادة
ومعناها. أسهب وكأنه مأخوذ بفيض خاطر، حجز في داخله...
ثقل رأسي. لم سألته؟
-((... والسعادة القصوى. أو ما تسمى بالسعادة
الأبدية. هي التي لا تحقق إلا في الحياة الآخرة، عن طريق قهر السعادة في
الحياة الأولى، الحياة اللا شيء. وقهر سعادتها لا يتم إلا بقهر الجسد
بشهواته وغرائزه)).
ثم فرجت، فأراحني أخيراً من درس صعب، حين نهض ومشى
في ردهة صالون القصر. شاهدته تماماً في((قميصه)) الراهن هذا:
الرجل في مرحلة الكهولة المتأخرة. منتصب القامة،
فارع الجذع. ضامر الخصر، رقيق البشرة، هيكل جسمه جد نحيل. رأسه الكبير
مكسو بشعر مهدل. يميل لونه إلى الغبرة تغمر قوام عظامه الطويلة بذلة فضفاضة
من طراز (طقم إفرنجي) أزرق. قد بانت تحت ذقنه ياقة مفتوحة والعقدة لم تكن
محكمة الربط فهو يهمل هندامه وشؤونه الخاصة....
حين أخذني بيدي إلى غرفة خاصة، من غرف هذا القصر
العريق. تعجبت!... رأيت فيها جمجمة رأس آدمي موضوعة على طاولة خشب قديمة،
من نوع (طربيزة)، كشارة للموت أو تذكرة به. ورأيت أيضاً أثاثاً بسيطاً جداً
منه: جرة فخار للماء، صحون خزف، فتات خبز يابس، بقايا أطعمة بقولية: فول
حمص، عدس، خضروات...
الرجل نباتي مثل أهل الصين!...
وثمة ركن فيه بساط عتيق، وسجادة صغيرة.
لِمَ...؟ /نبست.
-((لممارسة طقوس عباداتي يوم الجمعة... لي في هذا
اليوم طقوس عبادة خاصة، في تصفية الرأس –الذهن-، وتنقية النفس. وبالتالي
تحرير روحي من سجن جسدي.. من أجل نيل سعادة قصوى))..
ودرس جديد عن تمارين الـ(اليوغا)، التي تروض النفس
على التأمل الخالص بمرافقة فعالية عقل حيوي. قال: ((تمارين اليوغا، رياضة
روحية بحتة. تعمل على تحرير الإنسان من أجل ((المشاهدة)) وهذه هي السعادة
القصوى وغايتها. وهي لا تتم إلا بعد انعتاق الروح ورفع الحجاب...)).
أُراني ما الذي يرقص قلبي الآن، نحو ذاك الفضاء؟..
بل كأنني صرت أهيم محمولاً بمركب صوب العنقاء!..
تابع: فالمشاهدة خص بالإنسان وحده. هذا الكائن الذي
انتظرت المخلوقات طويلاً حتى ظهر في أحسن تقويم. هذا الكائن الذي خص وحده
أيضاً بالحرية والاختيار، لا بالضرورة كبقية المخلوقات، طالما منح العقل
هذا الجوهر الإلهي الذي لايضل)).
و:
((فالإنسان بعقله المقبوس حصل في الوجود على مرتبة
العنصر الفذ))!!..
عدت ولفظت مندهشاً: ((المشاهدة دون حجاب)).
أجابني وافتر مبسمه ((نقل عن أحدهم وله من أمر الله
عاصم سأظل أجاهد حتى يرفع الحجاب....)).
فالحجاب اعتبره ذلاً لـه!...
أأبقى في صحارى التيهان حاملاً بوصلتي؟...
وتطرق أذني ((وصوفي آخر قصر رفع الحجاب على صاحب
السر))...
-((كشف الستر الحجاب)) يكون لغلبة السر)).
ثم شرح لي ما تداعى لـه من مدخراته ذاكرته التنسكية.
وأنا ما زلت فاغراً فمي، كأنني تلميذ صغير، أمام معلم كبير.
أسهب في حديث التنسك الهندي، وبخاصة منه (المذهب
البرجي) ثم تناول أصحاب الشطح والمواجد، المتدفقين بمجاهداتهم الروحية.
وأسمعه بحماسة: ((ياللتلذذ بالمعرفة التوحيدية،
وحلاوة الترقي بالماهية، من مقام إلى مقام، في الهيئة –الحضور؛ حتى ذاك
الوصول المنشود...)).
وكَرَزَ كأنه يتلو درساً ليحفظه غيباً((بالمعرفة
الإشراقية السامية، يسدّ المجاهد جوعه إلى الحق، إلى المشاهدة))...)).
تركته يتكلم وحده في المعرفة الإشراقية هذه وكشفها.
وتساءلت في نفسي كيف سأتدبر أمري إذا ما أطنب، في وحي فيضه؟....
ومطارق حديدية أخرى تفجر الدماغ....((ما الوحي إلا
نور يطلقه الله في القلب)).
ثم أوضح كيف سيحل في قلب المجاهد ما يسمى بالعشق
الإلهي. وتتولّد فيه حرارة لـهب الحرائق الوجدانية.....
وتراني: أأنصرف؟
أم أصبر؟
-((الصبر شيمة مفضلة، وفاضلة))!
إذن فلتطرق مسامعي تحليلاته لوظيفة ((القلب))، لدى
المجاهد، في خلق المعرفة الحدسية... وركز عليَّ كتلميذ حقيقي عنده يشرح كيف
يتعامل القلب نفسه مع الأسرار القابعة فيما وراء حروف الكلمات، وفيما وراء
العقل أيضاً، بوساطة لغة شفافة: تعرف بالذوق أو بالكشف.
حقيقة من ينظر إليه وهو يتكلم بهذه الغزارة. وبهذه
المصطلحات التخصصية.يظن أنه يستمع إلى أستاذ جامعي ملتزم
بالعلم((الصوفي))!.
ووجدتني، تلقائياً، في حوار:
-كيف يتم كل ما ذكرته؟...
-بالكفاح الخلاصي المؤدي إلى الصفاء النفسي والطهر
الوجداني.
-وماذا بعد؟...
-ينبثق في قلب السالك نور شعشاني يخمد الظلمة التي
تتمركز في كثافة المادة-الجسد.
-ثم...؟..
-ثم تخمد القوى الدافعة للشهوات والغرائز البهيمية.
-والنتيجة؟.
-يصبح الإنسان السالك –بعد ذلك- ذوباً خالصاً من
الطهر والبراءة والنقاوة.
-..../صمت.
ولكن ليته يتركني بصمتي.
لا.
بعد أن استرد أنفاسه، نترني سؤالاً، بصوت عال كأن
امتشقه سيفاً من غضب:
-ألم تسمع بثنائية اللطيف والكثيف؟..
حقيقة للصبر حدود!...
-هل أنا فيلسوف مثلك؟...
انحمق وادلهمّ وجهه: ((أنا لست فيلسوفاً. بل أنا
تلميذ فحسب)).
ثم تنهد وتابع:((لقد قرأت (أفلاطون)، والصراع بين
النور والظلمة-اللطيف والكثيف)) في الوجود الإنساني...؟)). وسكت.
لم أجب. بقيت مكفهر الوجه أمام غزارة ثقافة
نوعية....
عاد وابتسم لي تخفيفاً عما كنت أعانيه.قال: عند
أفلاطون، يعود الإنسان إلى أصله، بعد هذا الكفاح المرير، بين ذينك
العنصرين....)).
نعم، نعم أرى لا حيلة لي معه، فقد استطاب لـه فيض
الكلام: ((أصل الإنسان روح لطيف. حبس في بدن كثيف ولا ينجو ويتحرر من سيطرة
هذا البدن إلا باتباع سلوك عصامي، وتوّجد صارم في العشق
–((الإلهي))-السامي-... فينفتح لـه اللون الأزرق.
ثم يتصل بالعالم الأكبر، ويصل إلى الغاية القصوى وهي
الجوهر، في قضية السالكين....
ولم يكمل مشافهة. بل أكمل تمتمة داخلية ظناً منه
أنني على الرغم من محدوديتي أعرف مافي نفسه.
ثم أمعن النظر أمامه، بعد أن أسند رأسه الذي ثقل
بأصابع يديه وجمد يتأمل كعادته.
أأغادر القصر دون إذن؟...
بعد برهة انتفض بجسمه وراح يكردح في الممر. تمتم
شيئاً ما. ثم أعلن:
-((استظهر شروحات أفلاطون عن مقولاته....)).
توقف.
استدرك كمن يفطن: و((هيجل)) المعروف اقتبس عن مقولات
أفلاطون نظريته المثالية: ((الإيديال)). من أجل تثبيت نظرية أفلاطون
الداعية إلى الزهد بهذا الكوكب وجسده، والعودة إلى ما بعد اللون الأزرق
وروحه)).
جاس على أريكته.وحدق إلي: ((أنا صرعتها)).
ماذا يقول؟ وماذا يعني؟ أنا لست مثله. لا أعلم ما
يدور في البال خفية وتضميناً.
-((صرعت من..... يا سعيد)).
-((صرعت ظالمتي، قهرتها. قهرت ((أنا)) لقد وزعت كل
ما ورثته عن آبائي وأجدادي من أرزاق وأطيان، وأملاك ثابتة ومنقولة، على
المحتاجين والمعدمين العاملين فيها....)). وسرد بقية توزيعاته: الأبنية
والأقبية. وقرى الأرياف بكاملها على سكانها من المرابعين. و...... فجرت
عيني على وسعهما. وقلت في نفسي: هذا السلوك الصارم، لا يصدر إلا عن أقوى
النساك.
افترت شفتاه، بابتسامة مدغومة بالكلام: ((هذه عبادة
ميدانية. زهادة واقعية، صوفية تطبيقية)).
وضحكنا معاً.ثم ثبتت عيوننا في وجهينا، هو أخذ
يتأمل. وأنا أخذت أسرح. فكرت: رجل فريد عصره. نسيج وحده. يتحد في شخصه،
القول بالعمل المبدأ بالسلوك. مثالية فائقة تسطع كالشمس في تطبيق العدالة
الاجتماعية. كما يقال في عالم التنظير بالصحف والكتب والمجلات. انسلاخ تام
عن الذات، عن الأنا....
-((الشريرة)). قاطع تفكيري ونطق هذه الصفة، وسكت.
رفعت رأسي بعد قليل. وجدته محملقاً بنظرة صب بها عينيه على هلام مشوش في
الهواء، ماداً سبابته نحو الجدار.
وهكذا وجدتني في بهو فخم أنيق.فيه طاولة مكتب. عليها
قراطيس وأقلام، وبجانبها خزانة ذات رفوف مملوءة بالمصنفات والأضابير. ثم
أعلن أهمية النضال الاجتماعي، في السلك الزهدي، عن طريق التنظيم
الحزبي.((لدى حزب سياسي، أعارض به الحكومة. وأقاوم السلطة لوقف نهب الثروات
العامة...)).
*** *** ***
(-أستاذي سعيد. عدد ((جريدة)) الأنباء جاهز إلا مقال
الافتتاحية.
-البارحة سهرت مع العرائض والشكاوي يا محرر أحمد.
سأكتبه بعد قليل.
------
-- ---
-ما هذه الافتتاحية الصاروخية يا نائب سعيد؟.. نسفت
بها كل أساسات الحكومة، والرئاسة، والوزارة و....
هل كتبت افتراء أم بينت الحقائق ليطلع عليها الناس
كافة ياسيدي رئيس المجلس النيابي؟...
-أراك تجوز كثيراً في معارضتك السياسية هذه!...
-كيف أجور يا حضرة النائب سلوم؟ والشعب بطبقاته
الدنيا، من العمال والفلاحين في وادٍ والحكومة ووسطاؤها في وادٍ آخر؟...
-يا أخي زدتها أكثر من حبتين ومئة حبة!
-يا أخي قل لي من هو صاحب المصلحة الحقيقية في
الوطن؟ أليس هؤلاء الكثرة الكثيرة من الفلاحين والعمال....
-أراك تفلسـ.....
-أنا لا أفلسف: بل أبرهن الحق وسأبقى معه ومع
أصحابه، في هذه الدولة، التي ترفع علمها باسم هؤلاء الكادحين من أبناء
الأمة.
-يعني.....؟..
-يعني، أنا لا أريد سوى تطبيق القانون والنظام.
وأيضاً عدم التدخل في القضاء والصحافة.
-أنت يا نائب سعيد ((المعارضة)) عندك هواية.
-المعارضة عندي مبدأ لإحقاق العدالة في الدولة، يا
رئيس برلمان هذه الدولة.).
*** ***
أقبل، هو.
بعد أن توقفت سيارة من نوع تكسي، في باحة القصر.
كانت فارهة وذات لوحة رسمية.
غمرٌ من الأوراق والمصنفات بين يدي السائق، الذي
ترجل منها. حتماً هتف لـه، ليأتي إليه بها.
تسلمها منه، ووضعها على طاولته الخاصة، دون تأفف....
-(ما هذه يا .....)؟ ما زلت كالعادة، أخجل أن ألفظ
كلمة سعيد منفردة.
انفرجت شفتاه: ((ما حبسته على لسانك، أطلقه على ابن
سينا، الحلاج، المعري، ابن عربي.....)).
قاطعته: ((دعنا من الألقاب، ولكن ما هذه الأوراق))؟.
-((أوراق الدولة، والإدارة، والمواطنين. الليلة سهرة
صعبة معها...)).
وهنف بضحكة مبسترة.
من جهتي: رأيتني كمن يضرب على رأسه.
هل أنا بت هنا في القصر، هذه الليلة؟... أم استقبلني
ليلة البارحة؟.. هذا الرجل ككل، لم أعد أضبط وقتي معه، المهم كنت بجانبه
ثانية في غرفة الجمجمة.
-((الليلة، هي ليلة مباركة.... ليلة الجمعة!!))!
ذكر ذلك لي، وجلس على بساط رثٍ. والتزم بوضعية
التربيعة الخاصة به. ظل صامتاً يشغل انفراده بنفسه بممارسة أنواع صعبة من
تمارين اليوغا. يعالج بها حواسه. وعضلات جسمه وأطرافه لتنعكس بالتالي على
نخاع دماغه فتنقيه.
ثم رأيته ينظر أمامه، بعد جهد جهيد مما بذله، ظل مدة
تقارب الساعة، يتأمل. تراه لم ترمش عين لـه. يارب العالمين! ما هذه الطاقة
الروحية التي يمتلكها؟ كأن طاعت لـه قوى فيزياء جسمه بالبتة!...بعد أن
انقطع عن مكالمتي. حسب ذاته أنه موجود في الغرفة وحده.تناول كتاباً. كان
ديوان شعر مكتوب باللغة الفرنسية وبدأ يقرأ ويترجم لنفسه. ثم تركه. وتناول
ديواناً آخر مكتوباً باللغة الهندية. كان للشاعرالهندي المعروف: (شنكارا).
وأخذ يقرأ فيه ويترجم، ويليح برأسه، مثل درويش في حضرة مشهدية. هذه فتوح
الفرح عنده. (ذليل من يغترّ بهذه الدنيا الفانية. وكل يوم يسمع بانتقال
إنسان منها... ألم يرعووا...))؟..
هذه الأجواء أبهظتني تماماً، لم أعد أقدر على
المتابعة. لشد ماتصدع رأسي!
نظر إلى وجهي المكفهر.
ابتسم مشفقاً: أرهقتك؟.. استرح.
   
حنين اللون الأزرق3
بعد أن صحوت، وجدتني مستجماً مستريحاً. راودتني نفسي
في أن أجتمع به.
وأحن إلى الديار ((ديار سلمى)).
ولكن تراني أخشى العلوق، وأرهق. و.....
وأنا سائر كانت نجمة الصبح قبالتي، ياسمينة، تشع
متألقة في وسط لوحة الخالق المبدعة في هذا الكون الساجي....
ثم رياح لوافح هبت على وجهي:
حصان أبلج كالفجر، برق لي من خلف فجاج واسعة. قد
اعتلى صهوته فارس ذو عمامة خضراء.
أجل ثمة أمر جديد!...
أأمدّ نظري؟...
تماهيت في عالم ((سروتي)) ورأيت.
بل فجرت عيني بشكل هائل. كان يرتدي قباءً فضفاضاً،
وعباءة خشنة سوداء.
ترجل.
كانت لـه قامة ارتفعت عن سطح الأرض بل ارتفعت عن
سطح الصحراء.
إذن المكان في البادية، واحة تحف بها الرمال من كل
جانب.
تفرست فيه. الرجل نفسه، بملامح العينين وقسمات الوجه
إلا قليلاً، بسبب لفح الصحراء...
لم أحسب الزمن الذي مات من خلفي. بل سألته: أين نحن
الآن يا سعيد؟...
افترّ ثغره كالعادة، نحن موجدان حيث يسعد الإنسان
بالشمس الساطعة في النهار، والسماء الصافية في الليل. النجوم تداعبها
والقمر يغازلها.... هنا يعيش المرء مع المناظر الجميلة، بما تصدره النجوم
والكواكب ومجرات هذا الكون العظيم المطلق. فتندغم النفس ببهاء شعاع ناغم
بارد، ممزوج بنسائم الأسحار، ومشاهد الفجر المضرجة بخضاب الشفق.
ثم أسر إلي: ((كل هذه اللطائف، تجعل الإنسان قريباً
من الله، ويتحول إلى كائن خالص من الخير والروح معاً)).../.
وصمت.
***
بعد أن جالسته في أحد مضاربه المنتشرة، فوق الرمل
الحواري تنهد: ((البادية هي بداية الدنيا، بداية الخلق. يعني بداية الحياة
والإنسان. و....). واسترسل يحلل معنى البادية ومعنى سكانها منذ عصور
الإنسان الأول.
-((الإنسان القديم تعلم في البادية الحياة
–بالفطرة-وكيف يمكن أن يمارس العيش. كان يسرح مع قطعان الحيوانات، وأسراب
الطيور، جنباً إلى جنبٍ، دون عداء.....
((البجعات والرهوات مع الأيايل والفهود، وبقية
الأنعام مع بني آدم يتواقفون جميعاً على برك الماء. الكل يشرب بسلام، ثم
يعود إلى مرتعه)).
وركز على((موضوعة)) السلام بين جميع المخلوقات:
الحيوانات والإنسان ولهذا ((كان الإنسان يشاهد خالقه بأم عينيه، فيباركه
بفضائله ويغدق عليه نعمه وخيراته. في هذه البراري الشاسعة من باديته الجافة
الآن...)).
-((أجل، أجل كانت هذه البادية في ذاك الزمان، تظللها
الغيوم، وهي مثقلة بحبات المطر. إذ سرعان ما تدلهم فوقها، وتتحول إلى سحب
هاطلة، فينبت الغيث، في ترابها الخصب الخيرات العميمة. يتغذى الإنسان بها
والحيوان والطير على حد سواء.....)).
وكأن نَدَهَ: ((انظر إلى ما تراكم، الآن، تحت اللون
الأزرق، تراها ادلهمت، وتكاد تهمي.....)).
أتهمي حقيقة الآن؟...
وحين تيقنت، تلاشت أمداء البادية، في نظري، وأحلولك
الفضاء وكانت قزع من الغيوم قد احتلت مساحة واسعة من سماء الربدة التي يقبع
فيها شيخي سعيد، وكم سعدت برؤية الغيوم، فوق هذا الدو وتذكرت في الحال
طبيعة الجبال وكيف كان يتساقط المطر فوق رأسي، ويملأ المكان عبقاً برائحة
اندغامه بالأرض.
راحت حبات المطر تقرع سقف الخيمة.
نطق: ((سيتوقف هذا المطر وينتهي. كما سيتوقف وينتهي
كل شيء على سطح هذه الأرض)).
بعد قليل توقف المطر. لكم يطفح قلبه بالأسرار!...
تأوه، وتابع: ((الحياة هنا كلها سراب))!...
وشرح معاناته في الحياة التي يحياها الآن، في بادية
((الربدة)) التي نفي إليها لتعيد الحياة فيها بدايتها.
نطقت: الزمان؟...
-((خط مستقيم ينتهي طرفاه في وسطه، كما يتعادل طرفا
معادلة رياضية في نقطة الوسط، فالوسط خير الأمور. الوسط هو
المنجاة......)).
كاد يغشى علي.لم أعد أعي فلسفة الزمن هذه. وفلسفة
الوسط والموجودات الرياضية و.....)).
عرف، فنطق: يعني الزمن حاضر دوماً، أي متوقف.
-والمكان؟..
-المكان وعاء، والقيمة للمضمون.
-والزي؟
-كذلك لا قيمة لكل مظاهر (الظاهر).
-أي.....؟...
-نعم القيمة للجوهر و((والثلاثة)) بجوهر واحد، طالما
((سلكهم)) في النهج واحد، والهدف واحد، وهو الخلاص والوصول إلى غاية
الغايات الحقيقة الخالدة. والنعيم الدائم في بلوغ السعادة القصوى. ثم تأوه:
آه كم كانت الحياة هنا في بدايتها، في البادية، بريئة ، ووديعة وفاضلة كما
قلت لك، حينما كان الإنسان يعيش فيها نباتياً، لا ساحقاً ماحقاً
للمخاليق!...
ونغمة الإنسان النباتي، والإنسان الحيواني عادت تطرق
مسامعي، من جديد كعقيدة ملازمة مرافقة لـه في كل أدواره وطرق سلكه، سأتغابى
وأعدل عما رمى إليه. حتى لا أعود وأفلق رأسي بها مرة ثانية:
-العيش هنا حياة يا.... سعيد!.. أنت هنا تنعم في هذه
البادية الطلقة بمشاهدة الطبيعة البكر، التي تخلب اللب بفطرتها السمحة
وبراءتها الخالصة !...
غضن تضاعيف سحنته السمراء أكثر: لا تخف ما كنت قد
أدرته في بالك....
-أنّى لي أن أمكر عليه فكرة ما قد تتسرب خلسة إلى
خاطري.؟...
تابع: أنا هنا لا أعيش في عزلة، كما سوف أعيش في ذلك
المعبد المشيد في رأس الجبل. بل هنا أقوم بما سوف أعيده في القصر، أي أنا
هنا أشتغل بقضايا الناس....
حقيقة. تذكرت ما مرَّ عليَّ، من سيرته الفعالة، وهو
يعيش في القصر، من سياسة المعارضة والدفاع عن المظلومين، من أبناء الأمة.
قال: وتذكر أيضاً صعلكته. حين كان قاطع طريق ينهب
أموال الأغنياء المتنفذين الجائرين، ويوزعها على الفقراء المساكين. وتذكر
أيضاً استقامته على المبادئ التي يطرح والعقيدة التي يعتنق، وشجاعته. فهو
كان أول من صرح بالشهادتين علانية في مكة، في بدء الدعوة. وقد نال بعد ذلك
الأمرين من أهل مكة المشركين...
بعد لحظة سكوت عاد ونطق: ولكن سأبقى في عزلة، كما
خمنت...
وتوقف فجأة عن الكلام. لا أدري لماذا؟...
* * *
* * * *
بعد أن أخذ نفساً حاراً، كحر صحرائه لـهج، وهو يشد
قبضته، كأنه يشد على شيء مقدس:
-((العزلة تبقى في الجوهر، ففي معبد الجبل سوف أعيش
عزلة فردية مجردة، أعبر فيها غلاف هذه الأرض تلبية لنداء يأتي من صوب ذلك
اللون الأزرق. فأعيشها في فضائه، مملوءة ببوح الروح والأنس والاستشعار
بالوجود الكلي. لعل الحظوة بالسعادة القصوى تحل عليَّ. وأما عزلتي، هنا على
وجه هذه الأرض المعذَّبة، والمعذِّبة في آن واحد، فهي عزلة اجتماعية، ناتجة
عن مقارعة البشر ذوي العقول المغلقة، الذين أشاحوا عن نور العقل، وأصبحوا
بشهوات ترابيتهم، عرضة، بل مطية، لنزعات ((أنواتهم)) الشريرة، وهكذا أمسوا
كالمفترسين.....
ثم أخذ نفساً حاراً آخر.
بعد أن استراح استأنف: ((فأراني أدافع عن الجياع
وأخوض غمار معارك شتى ضد أصحاب الباطل والبطش والتسلط، من أجل رفع الظلم
والحيف عن المعذبين المغمورين، مهضومي الحقوق، من الأرامل والأيتام،
والأيامى، والفقراء المستضعفين. ))
ثم سرد لي كيف كان يتردد على أهل (الصفة)، وهم فقراء
المدينة الذين كانوا ينامون في المسجد، على الطوى. لعدم وجود قوت ومأوى
لـهم.
يؤازرهم ويواسيهم حيواتهم المدقعة، وهم بدورهم كانوا
يصنعون أضرحة لأحلامهم الخائبة في هذه الحياة الدنيا...((فكرهني الأغنياء
وطفيليو الحكم وسموني بعدو الثروات....
هذا ناهيك عن صرخاتي التي كنت أطلقها ضد العبودية
والرق)).
كنت أطامن رأسي.ثم نبست: وماذا بعد ذلك،
يا..........؟.
-((من استجاب من هؤلاء الطغاة –هكذا لفظ- كان طمعاً
منه في أن يتفجر لـه الكون ينابيع من اللبن والعسل، وحوريات. أبدانهن تلمع
كالبلور...)).
سكت على ضيم. شعرت أنه يغلي في جوفه. لم أحرك ساكناً
علّه يهدأ.
ثم ثار:
-((تراني قضيت قرابة خمسين عاماً، من عمري أعيش على
حافة الحقيقة. -الحمد لله تعالى-وأعمل على نصرة الحق-والحمد لله
تعالى.....)).
وصمت.
وها أجدني أجلس معه كوحيدين في معبد الصمت. غبنا
تجوّلنا في معالمنا الداخلية. فطنت:
-((ندهتك: (يا حق ما تركت لي صاحباً). انتشرت،
يا.... سعيد، في الأصقاع كافة)).
أغمض عينيه وغاب في ملكوت أعماقه ثانية. ثم رفع
رأسه: ((على المرء أن يفتح عقله. ويستنير بهداه......)).
واستأنف: ((على الإنسان أن يستعمل هذه الخاصة
البشرية –العقل- الذي امتاز بها عن سائر المخلوقات. جاءته هدية من الله
تعالى. منحه إياها قبساً من نوره الشعشعاني.......)).
نطقت بعفويتي المعهودة: على الإنسان ألا يهمل هدية
الله.
أعلنت ذلك بحماسة. وارتفعت معنويتي في نفسي كشلاّل
فرح!
ابتسم. وألقى نظرة غائمة على المكان، ثم شرع يشرح
عصمة العقل، فيما يسمى بـ((النفس الولية))، وأن العقل لا يأتيه الباطل من
خلفه، ولا يصدر عنه وسعادته تكمن في الفضيلة نفسها)).
وحكم عليَّ أن أقول: وماذا؟...
-((ومن غلبت عليه شقوته بـ((نفسه الضدية)) يكون قد
أهمل عقله –هدية الله- وهكذا يميل إلى الشهوات وعبث نزعات الغرائز))....
****** ***
***
لم يعد يخفى أن ((الرجل) ظهر في هذا الزمن المبكر من
((الدعوة))، ليمثل بسلوكه تياراً متنوراً في مجتمع جديد لم تستقر أوضاعه
بعد.
ثم ينفى. أو يبعد، إلى((الربدة)). لتكون هذه البقعة
الحارة من العالم مقراً لـه. وقد اتخذ القميص البدوي رداءه يقارع به أصحاب
النفوذ والقادة وأهل الردة العصبية والقبلية. من أجل إحقاق الحق وسيادة
العدل ورفع الظلم عن المحرومين وسائر المظلومين....
_((أنا لست وحدي في المعارضة)).
تذكرت ما سوف يكونه، في سياسته عندما يحل في قصر
الرابية.
تابع: ((نحن جماعة ((حزب المستضعفين)) كثر في الأمة
وفي مقدمتنا.
((أبو اليتامى صاحب النداء المجيد)).
نطقت وكأنني ما زلت غراً في معشره: ما النداء
المجيد؟..
-((النداء (الحق) المودع في عمق النفس الإنسانية)).
ثم نهض ونزع عمامته،ليفرج عن رأسه. مقدار من الشعر
الأبيض تلامع في مقدمته. رأس مستدير كبير يستحق أن تنحني لـه الرؤوس
كسنبلة...
قطع تفكيري وامتشق عصاً أم سيفاً. لا أعلم. وهبَّ
يهزه أمامي بيده كأنه ينتخي: ((عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج
على الناس شاهراً سيفه)).
رجل ثوري يدعو للثورة وقبل نظرية ((الصراع الطبقي)).
خفت. وغبت....
بعيون اللا وعي مني، شاهدت وقائع من ثورة هذا الرجل:
التفّ رجال ذوو عباءات مرقعة، حوله، في باحة المسجد ثم تفرقوا....
أحدهم أمسك بتلابيب أحد المتنفذين، وهزه من ياقته،
وهو يمشي متبختراً في الشارع.....
ومستضعف آخر يصيح بوجه صاحب قصر، وقف في بوابته
المزينة:
((بيت المال للفقراء، وذوي الحاجة....)).
وذاك صوت الشيخ سعيد نفسه: ((خففوا من الفقر-ماذهب
الفقر إلى بلد إلا وقال لـه الكفر، أنا معك)).
ذهلت!!
وبنقلة خيالية رأيته جالساً في حلقة مسجدية، يعظ
الناس ويرشدهم.
تكلم في العدل والإيمان، ثم تكلم في ((السعادة
الحق))، ثم سمعت منه: ((سدرة المنتهى)). و((المشاهدة بعد المجاهدة
والمكابدة)). وبالتالي ((الخلاص والوصول)). و.....
وارفق بي يا شديد العزائم.
ماذا أسمع؟
أين أقف؟
ماذا قطعت من الطريق؟
إحباط حاد اعتراني، وصرت كمن تسكنه خرائب. ولكن عدت
وسمعت كلمات من يقين وإيمان معمدة بماء الصبر والثبات: ((لا تيأس. الإنسان
مفردة أمل، في هذه الحياة الدنيا)).....
ولا أدري كيف تحرك لساني: بل مفردة سماع فله أذنان
ولسان واحد.
تلطفت قسمات وجهه، وابتسم.
ثم أخذ يكرر في مذهب ((سلكه)): ((..... بشر الكانزين
الذين يكنزون الذهب والفضة بمكاو، من نار تكوي جباههم، وجنوبهم يوم
القيامة....)).
((على الإنسان أن يستخرج قوى الخير التي زرعها الله
في أعماقه...
((النفس الإنسانية تكمن فيها قوى عظيمة من الخير
تنقل الإنسان من عالم الظلمة إلى عالم النور. قوى خير مودوعة فيها هبة من
الرحمن. فليكنها الإنسان كما فطرت. فإذا ما اغترف من بلسمها، وخيرها، وفك
طلاسمها... شارك في ملكوت الله....
تركته يتكلم ، وأخذت بدوري، سرحة استجمام.
تراها ترمض، فأين خضرة الجبال؟... وواحة من الأنهار
والأشجار والظلال؟..
لا، لا... بل نظرت إلى الأفق، فها هي ذي المساءات
الجليلة تلملم قطعانها.
ثم هاهي ذي الصحراء تغفو..... ويحلّ فوقها
الدجى........!.
   
حنين اللون الأزرق4
ذات يومك أشرق صبحه زاهياً رائعاً....
ثم أخذ يغطيه الغيم شيئاً فشيئاً، بعد أن ارتفع
الضحى. لا أدري أين قادتني قدماي عقب شوط من المسير. وهأنذا أقف على ذروة.
امتدت أمامي سلاسل الهضاب والجبال.
كنت أتخبط كالتائه.
مللت المشي.
فجأة رأيتني، في وسط غيض، يحف به البحر، من جهة
الغرب. والجبال الشاهقة من جهة الشرق. وانداح أمامي شريط بديع من تعاريج
الخضرة، في سفوح تشاطأت مع حوافٍ ((قارية)) كسّرتها الأمواج الأزلية
وحولتها إلى أخاديد ونواتئ، كالموازيك، لتشكل ثغوراً ورؤوساً وخلجاناً.
الريح تخفق بأشرعة القوارب، قرب الساحل. والريف على اللحوف يعجّ بالقرى
والسكان والكروم. الحياة((جنة)) هنا. رخصة وطرية!..
هبتّ عليّ نسائم ناعمة رقيقة. ياللمناخ الندي! قد
أغرقته عذوبة شمس لطيفة وربيع خميل! أين مناخ (الربدة) القاسي ذاك؟...
*** *** ***
المملكة تنعم بالأمن، والحكم والجاه.
أنا في بهو قصر السلطان، حاكم المملكة السعيدة. لم
أجده جالساً على كرسي الملك، كالعادة، سألت عنه. قيل لي إنه ذاهب في سياحة
بين السهل والجبل. وبين الحاضرة والبادية.لحقت به مدفوعاً كالمرسل.
ماذا جرى يا سلطان الزمان؟..
وضع يديه خلف ظهره ومشى أمامي يخطر بجبة من صوف. كان
قد اتخذها رداءً لـه، بعد أن نزع بذلة الملك البهية.
تعجبت من لباسه الصوفي هذا؟...
يا..........
يا سعيد. /قاطعني فوراً. دهشت أكثر فأكثر، وأنعمت
النظر في تقاسيمه وملامحه. فهو نفسه!
سألته: لِمَ هذه الجبة الصوفية، يا...... سعيد؟...
أجابني لإخماد حرارة الجسد بحرارتها.
المنطق السلكي ما زال نفسه. والنطق في منطقه ما زال
واحداً. ثم لا أدري كيف أشرق في ذهني أن الصوف، سيغدو لباساً خاصاً لجماعة
((الحرفة)) والصوفية من ((الصوف))!!...
طبعاً علم ما خطر في بالي –كعادته-:
-((دعنا من اللباس الظاهري ثمة حديث أهم، من حديث
الشكل هذا، ينتظرك، يامن تجشم المجيء إلى هنا.... حديث يدخل في
الجوهر.....)).
لم يعد إلي رشدي بعد. ظللت تحت سيطرة ذهنية
((الانخلاع)):
((لماذا تركت كرسي الملك أيها السلطان))؟
كرّب قبضة يده، كأنه يكمش حفنة من روحه، ونطق: لا
تقل ((السلطان)) ثم أراد الكل ترك الكل....
عدت وتذكرت هذه ((القولة)) وقد شاعت كحكمة في ربوع
الزهد والورع.
وأيضاً:
((صار لي كل شيء بعد أن تركت كل شيء))!
وتابع كمصاب بحبس الكلام:
((كنت في سجن الملك والسلطان، والآن أعيش حريتي
الكاملة، حرية الروح الأبدية....)).
((كنت تحكم الرقا.....)/.
ـ ((آه! لو يعلم حكام الرقاب مدى السعادة التي
أحياها الآن، لتركوا عروشهم في الحال وتبعوني))!....
بعد أن ساد الصمت. استأنف:
ـ ((هل ثمة سعادة صفاء خالص كسعادة الرجوع إلى
القدوس الرحيم))؟
ثم أخذ يدلي شيئاً من أفكاره الخاصة، مثل فكرة
((الموت قبل الموت)). واسترسل في حديث ذي مستوى عالٍ فهماً واستيعاباً.
تراني ما زلت كالعاجز في كل (قميص)) يتخذه.
... وطرق أذني:
(الروح في حنين دائم، وميل جارف، من المحب إلى
الحبيب ومن المنفى البعيد إلى الوطن الأول، الذي كان لـها وخرجت منه. من
الغربة في عالم الأرض إلى دفء الزرقة في العالم الرحماني....)
و: ((الوسيلة للوصول هي العشق الروحي الخالص،
كالشعاع للحبيب))..
وأخذ يكرز على تنشيط النفس وتقويتها برياضة الجوارح،
بالتواجد والتهجد.
وفي ((ترك الوساد، والالتزام بالسهاد))... حتى
تتلاشى الحواس ويحل نقاء الوجدان....
((فيقترب السالك من مرتبة ((الوله)) الروحي. ثم
مرتبة القرب والأنس))....... ثم النعيم الذي ما بعده نعيم! ((لم يخطر في
بال بشر)).
أنا شاخص بعيني كتمثال من جماد أمام معلم يشرح
تاسوعات (أفلوطين) في المبدأ الأول وفي العلة الأولى. وفي ((الواحد المطلق
والفيض عنه، فكان منه الوجود، والكون.....).
أكان سلطاً أو فيلسوفاً؟ هو الآن يعي ويعني ما يختلج
في نفسه، ويقوله لسانه من مثل هذه الأفكار التي يطرحها. ليتوجه بها إلى
قضية آمن بها كل الإيمان هي قضية ((الرجوع)).
الرجوع المشفوع بحنين الفرع إلى الأصل. والرجوع...
ويكمل نصه العشقي: ((إلى الحبيب... إلى الحبيب.....
غير الحبيب كل شيء زائل....))
أشرت بيدي. توقف.
قلت: إنك تتوغل في بحور الفكر والفلسفة العليا،
فلسفة الروح، لتكرس زهدك وتصل.
اعتلت جبهته مسحة من بهاء. كأن انبلج من نور. ثم نطق
عبارته الشهيرة:
ـ (طرح رغبات الجسد تكسب الآخرة))!
ثم ابتسم وشدني من يدي: ((اعمل لتنتقل من ذلة
المعصية إلى عزل الطاعة)).
حركت شفتي لأتكلم، دون أن أدري ما سأٌقوله. بيد أنه
أنجدني. وأخذ يقص عليّ كيف اكتفى بالحبيب المنشود، عن كل شيء في هذه
الدنيا. وإن كان فيها أميراً أو ملكاً... ((إنها فانية زائلة لا محالة)).
قدّرت من خلال كلامه، مدى تفانيه في مذهب زهده.
واستجابته في تلبية خالصة، لذلك النداء الذي ألم به ـ أو حل عليه ـ وهو في
عز سلطانه. عندما كان في كوكبة يخطر ببذلته الأميرية، التي توهجت بخيوط
الذهب، وهو يرمح فوق صهوة فرسه المحجّل باتجاه البادية، للصيد مع حاشية
تهمز حوله بالخيول الصافنة الضامرة.
ناداه من أعالي اللون الأزرق، بعد أن أطلق عنان فرسه
الأغرّ، خلف أرنب قفز من أمامه.
((صوته! آه يا صوته! من أين أتى، من أية
موسيقى؟....)). نعم سمعته يهتف جرساً علوياً: ((ألهذا خلقت يا....؟ أم بهذا
أمرت يا....؟)). فاستوعب في الحال مضمون هذا النداء وانصاع لـه كأن جلجل في
أعماقه صوت الحق. فشق في قلبه نوراً مبهراً. أعشى عينيه عن كل ما كان حوله
وانطلق مسرعاً إلى أحد رعاته.
(ـ قف يا ثليج أيها الراعي.
ـ أرعبتني يا جلالة السلطان. هل أخطأت؟ أقبل التراب
بين يديك
ـ لا تخف يا ثليج. بل انزع عنك جبة الصوف. والبس
بذلتي المذهبة هذه.
ـ لا تقل السلطان، ولا سيدي.
ـ لا. لا تخلعها عن جسمك سيدي السلطان.
ـ يا....
ـ وسأعطيك هبة فرسي وسلاحي.
ـ لم أصدق
ـ بل صدق
ـ وأنت أين؟
ـ أنا سأسيح في حب الله تعالى في البوادي والسواحل
والجبال والمغاور. مرتدياً جبتك الصوفية، ولتكن شعاراً وتسمية لأصحاب هذا
السلك).
*** *** ***
وظل يقص علي. وأنا في غاية الذهول والاندهاش، كأن
تطاير جسمي قطعاً في أرجاء المكان.
ألحت برأسي. حركت شفتي. لا أدري.
رفع كفه وقال: (العبرة في العروق وليس بالخروق. بل
العبرة في السلوك وليس بالملوك. ........... وسكت.
تابع: ((بهرجة الملك سخرية. فالحياة الحق هي في
العالم الآخر. وهي طبعاً لمن جاهد بإيمانه، في الله واليوم الآخر. ((قال
لوقا في إنجيله: ما من خادم يستطيع أن يخدم الآخرة والدنيا معاً)).
من جهتي ظللت صامتاً وأنا أقدر لـه، وفيه، هذه القوى
المكتسبة الجديدة في الروح والإرادة.
والإيمان.
ـ و....
*** *** ***
بعد أن ساد الصمت بيننا عدت وأمعنت النظر في وجهه.
ظهر لي منوراً بهياً همست في داخلي: ((هو من الذين ((خلوا بالرحمن)) فنوّر
الله وجوههم بنوره الكريم.....)).
ـ ((لم يغش وجهي كدر منذ التزامي)).
حين نطق، علمت كالعادة أنه يرصدني في نفسي، وما
يختلج في باطني.
ثم ساد صمت كالقنوت في الجلسة.
بعد فترة نظرت إليه كان قد استولت عليه سبحات الوجه
المشرقة.
قال: يا لنعيم هذه ((الشطحة)) كنت بلا جسم، بجوارحي
فقط، أرى دون عين، أسمع دون أذن. و......
هل جن اللاوعي عنده؟ أو جن الوعي عندي؟ وهو يسترسل
بـ((لا شعوره)).
ـ ((أنا هنا غريب. كل إنسان. بحقيقة أمره غريب على
سطح هذه الأرض))!
ثم رأيته يفرد لي وجهه، الذي ازدهر أكثر، كأن يقدم
لي مواساة لعجزي في عالم اللاحواس الجميل الذي يعيش. لكن سرعان ما عادت
تتقافز الكلمات بين شفتيه:
ـ ((كنت محمولاً على أجنحة اللحظة الخاطفة. مفصولاً
عن عظامية الجسم...))
افتكرت وحزنت. الفرق بيني وبينه، كالفرق بين الكثافة
واللطافة. فباسم جهلي الصامت. استعيذ ألاّ أتشظى حسرة وكآبة.
إذن سأبقى بصحبته، وفي الصباح يحمد السُرى.
*** *** ***
في جلسة صفاء أخرى. عاد يذكرني باجتهاد زهدي لـه في
((منع النفس)) أطلقه. فشاع كقاعدة فقهية:
ـ منع النفس في ثلاث حالات: في الحلال فضل وفي
الحرام فرض، وفي الشبهات سلامة.
قلت بدوري هذه الكلمة: والإقلال.
أخذها على محمل الجد: هذا سؤال في غاية من الأهمية،
فالإقلال يكون في ثلاث حالات أيضاً:
ـ الإقلال في النوم، والإقلال في الطعام، والإقلال
في الكلام!
ثم ذكرته بحادثةٍ: ظل قابضاً على نفسه بها، كسرٍّ،
بإرادة من حديد:
هل شكوت من تصرف ذاك العتريس؟
ـ لا
ـ هل دعوت عليه؟
ـ لا وربي
طبعاً أراد ألا يفشو بكرامته في قضية موت الرجل
المتجبر الذي تضاعفت عنده شهوة ((الأنا)) فانتزعه من مكان جلوسه وألقاه
أرضاً ولكنه عاد فمات بلبطة من بغله....
ثم نهض ليطفئ الخبر. طاف بي في المكان. أرأيت خضرة
الله البديعة؟
   
حنين اللون الأزرق5
عندما سرت معه. كدت أفقد عقلي.
كم أحتاج إلى دربة ومرات لأقف على (سرّ) هذا الرجل،
واكتشف جوهره؟
ليتني أحظى بشيء من بركته، حتى أتمكن من بعض
مجاراته، ولكن أراني لم أتحلل من ثقالة معصيتي بعد....
ها هو ذا يمشي ببذلته الرسمية. رأسه حاسر دون عمامته
السابقة. شعره الأشمط مهدل. قامته المديدة تنوس مثل شجرة حور باسقة تحركها
الرياح...
تعثرت قدماي، بجانبه، عدة مرات
ثم أجدني أدخل القصر معه، ذاك المشيد، فوق تلك
الرابية الغناء، البديعة برياضها وبساتينها.
وعن شرفته الشاهقة، شاهدنا في الأفق البعيد قباباً
خضراً، وسطوحاً حوارية وشوارع مخططة بالأحمر. و....
ورعيلاً من الأطفال يتجمهرون تارة. ويتقافزون، تارة
أخرى.
ـ ((الأطفال صنعة الله الكريمة، على وجه هذه
الغبراء، أو بالأحرى هم وديعته فيها. تنظر البراءة في عيونهم، والطهارة في
نفوسهم. كيف يصرعون بأفظع الأسلحة التي صنعها أكلة اللحوم)).. قلت وقد
انفعلت كما انفعل:
ـ ((ذلك بتزيين من أكذوبة تاريخ وسخافة عقيدة
زائفة،.....))
ثم تحشرجت حنجرتي، وغصصت ببقية الكلام. هَدَرَ
بمرارة: ((الأطفال يقتلون وهم يقفون أمام بيوتهم التي تهدمت ليرموا حجراً
بمقلاع. أو حصاة بنقاف، على دبابة مجنزرة لا يخترق درعها الرصاص...)).
ولهج نفساً ساخناً، كالجمر. لم أره، قط، مربدّاً،
كما هو اليوم! أيعلو فمه الزبد، وهو يرغي؟ ((.... الحق عندهم باطل. والباطل
حق. الأعزل عندهم هو الإرهابي، والقاتل والمعتدي، والسفاح المدجج بأفتك
السلاح هو الحمل الوديع! انظر......)).
*** *** ***
كانت الدبابات والجرافات والمدافع، فيما وراء الأفق
تفعل فعل الشيطان! ثم صوت دوّى من قذيفة. وثار الغبار زوبعة عظيمة. بيت
يهدم. وأسرة يقتل أفرادها بالكامل تتطايرت الأشلاء الآدمية شظايا في
الفضاء، مع الأتربة والحجارة.
ـ ((منظر فظيع))!
جاريته في انكسار عينيه. وانخطاف لون وجهه، الذي
اصفر أسىً:
ـ هذه هي أحكامهم المجرمه يمارسونها يا.... سعيد.
همجية تجبر الإنسان أن يستعمل جسمه قذيفة، ويختصر عمره، بثوان طالما عزت
عليه القذائف...))!
واختنق الهواء بتأوهات قانية، بلون الخضاب!
دخلنا.
في خلوته، في غرفة الجمجمة، عاد يكرز بقاموسه
المعروف، عن الحياة الأخرى. التي قدّم لـها كل تبرير. بعد تلك الفظائع التي
شاهدناها من شرفة القصر. ((على الإنسان أن يربأ بنفسه، ويترفع، ويرتفع
أيضاً نحو ذاك اللون. فهو الأبقى، وهو الأسعد. زرقة السماء ولا رمادية
الأرض. ماهية الروح ولا مادية الجسم....))
نطقت: ((الأنا)).
ابتسم هذه المرة، لفطنتي. وعاد يعزف على وترها:
ـ ((الأنا ما هي، بحقيقة وجودها، إلا علقة في أولها.
وجيفة في آخرها...
أتستحق من الإنسان العاقل أن يخضع لأوامرها ويتعلّق
بشهواتها........... غباء............ ما بعده غباء!....))!
((آه... يا لذاك العالم الآخر))!
وطفت بأجنحة غير مرئية مغموراً برفيف لحظات سحرية،
حتى خيلت وأنا أنهض واحتضن الهواء بذراعي أنني قد امحيت بالبتة....
وغبتُ.
*** *** ***
وجدته جالساً في الغرفة نفسها، دون أن ترمش لـه عين،
أو يرف لـه جفن: اندماج تام في ((التأمل)). ترك عالم الأرض الميؤوس. وغاب
في بلهنية مشهديته التي يعيشها بكل حواسه وجوارحه الآن. احترت طالما لا
قدرة لي على المشاركة في هذا السبات النوعي، فلأذكره بقولته السابقة: ولم
الخوف؟
ولكن أراني بحاجة إلى أن أضع يدي على جبهتي وأخفي
وجهي. تركت جسدي يتهالك على البساط بجانبه. أغمضتُ عيني. بدأ قلبي يتسارع
بدقاته. أمسكت به وألقيت كلماتي:
((كنت تعلمت منك أن الحياة في هذه الحياة الدنيا،
مسؤولية... والإنسان فيها كناية عن رسالة.....))
حملق فيّ. وحرك رأسه: ((صح. صح))
ثم طامن نحو الأرض:
ـ ((الحق معك يا عمي ولكن لا تنسَ أن ذلك يكون وسيلة
للحياة الثانية. الحياة الباقية في الهدف المنشود للإنسان ككل)).
بعد هذا تجرأت في مغامرتي معه، كان قد خف (ضغطي): من
قام بتوزيع أملاكه وطبق النظام الذي ينادي به على نفسه يظل مرفوع الجبين.
بل ((شيخ المتصوفين))
وابتسمت.
جاراني بالابتسام. ورفع يده لأكف عن هذا الكلام ثم
ناولني ورقة من مذكراته الشخصية. قرأت فيها جانباً من اعتراضات والدته:
((يا ولدي سعيد، هذه أملاك آبائك وأجدادك. كانت لـهم سلطة ووجاهة. وهذا
قصرهم يشهد بذلك... أسرتك الهاربة في ذهنك، توارثت الزعامة والحكم، في هذه
المنطقة، منذ أجيال وأجيال. أتعبث بها وبأملاكها؟ هذا جنون!..... جنون! بل
الجنون الأكبر أن تأخذ أموال الريوع وتوزعها على الفقراء هنا، والشحاذين في
بلاد الهند)).
ثم قرأت حاشية على الورقة يرد بها على أمه: يا أمي
هذه هي تعاليم معلمي (شري أتمانندا) ـ مترجم الأوبانيشاد ـ
صافحته بدوري. أجدني ما زلت قابضاً على ناصية
الشجاعة أمامه. الأمر الذي دفعني إلى أن أخوض معه في نقاش مفيد عن المرأة
بصورة عامة. وأخذ يتكلم بحسرة وألم عن المرأة وعن تاريخها المغمور في هذا
العالم الأرضي. ((عالم المظالم والسطو. انظر، كاتبة شهيرة في بلاد راقية،
قد استعارت اسم رجل لتروج كتابتها ـ جورج صاند ـ بينما مؤهلات المرأة توازي
مؤهلات الرجل في كل شيء)).
ـ (( إذن هي تصلح لأن ترنو إلى اللون الأزرق، وتتلقى
حنينه مثل الرجل)).
أجاب حماسة ((يا إلهي! تصلح...... تصلح))!
هنا تسلل اسم والدته إلى لساني، وهربت من انفجار
ضحكة.
قال: ((عرفت من تعني. ثمة نساء أرضيات، وثمة نساء
قانتان عابدات. كما هي الحال عند الرجال. لذلك أقول: الرجل والمرأة خلقهما
الله صنوين متكاملين متوازيين في الحقوق والواجبات. لـهذا يكون السلك واحد
لـها والخطوة واحدة في قوة الشطح، وفي المشاهدة، وفي...))
ثم ظل يتكلم عن إنسانية المرأة وفضيلتها إلى أن حان
موعد انصرافي.
   
حنين اللون الأزرق6
ظل حديث المرأة يطرق مسامعي. لا عجب فالرجل يبقى
منشداً إلى هذا (الصنو) الذي يقابله.
وبعد تزكية الشيخ سعيد صرت أتمنى أن أعثر على المرأة
المسلك. أي المرأة ذات السلك المكرّس للشغل بهموم الحياة الآخرة. علني أغني
تجربتي الجديدة.
ثم رحت أتساءل: هل أبواب الزرقة فتحت لي وقبل
النداء؟ أراني في أواخر عمري السلكي هذا، صارت تقبل فيه، بعض أمنياتي،
طبعاً هذا بشفاعة من ((كرامة)) شيخي سعيد التي يخفيها كسرّ...
على كل حال وجدتني مشلوحاً على هامش مداخله بين
اللازمان واللامكان. وبعد أن تيقنت من هويتي. رأيتني واقفاً على باب مدينة
تقع على شط العرب. عبرت الشوارع والأزقة دخلت إلى كوخ. وجدتها منورة بوجهها
الصبوح المشرق، الذي يشبه بسماته وجه الشيخ سعيد. كان مؤطراً باللثام.
نهضت. النفحات ذاتها. وأجواء البهاء تشيع في المكان. وحين مشت رفل ثوبها
الأزرق، المكون من عناق البحر والسماء. ابتهاج شع في كياني ودفء جمال مسالم
ملأني. رفعت قليلاً رأسي: بين اللثام ونوني الحاجبين، سطعت عينان، فامتلأ
الفضاء عيوناً!
فاجأتني: ((أتيت لتتأكد)). /نطقت بصوت كجرس نحاسي بل
انطلقت من فمها نغمات قيثّارة حزينة هادئة!
المرأة دوماً مغلفة بالحزن لا أدري لماذا؟ ولكن
للحزن عذوبته عند هذه المرأة
ـ ((دعك مما تفكر به)).
أف......! هي تعرف ما في باطني ((مثله)). وصلت إلى
مرتبته في ((سلك النهج)).
أردفت:
ـ ((سابقاً كنت قد تمردت، عنوة عني، على اسم العشيرة
التي انتسب، وعلى نفسي أيضاً. نعم كنت، آنذاك، الشابة الحسناء و((ذات
النون)). جمالي فريد. صوتي رخيم. فأُخضعت لطبيعة الجسد. وترابية
الغرائز..... آه...... لا عذر لي....؟
سكتت وغشى وجهها حزن نبيل جليل.
ثم أخذت تتأوه ثانية كأن ناراً تتأجج بين ضلوعها
حسرة وندماً.
ما بال هذه المرأة العابدة؟؟! لِمَ كل هذا الحزن
الذي يلفّها من كل أقطارها؟ سمعت:
ـ ((لا أنسى رحمة ربي)).....
ثم أخذت تسرد علي شيئاً من حياتها الماضية، وكيف
كانت لا تملك حريتها، ولا شخصها ولا جسمها. ((عندما أمرت، ابتذلت نفسي
كثيراً. ولكن أقول للحقيقة ـ والحمد لخالق العظيم الرحيم ـ بقيت فتاةً
بتولاً عذراء.... لـهجت نفساً وكظمت في داخلها ثورة من البكاء. براكين
الكلمات تتفجّر تحت رفيف صمتها.
متى تهدأ؟ اعتصرت آلامي معها.
ـ ((وعندما هطل الندى على صحراء قلبي. أشرقت في ليلي
أقمار العاشقين من ذوي الوجد والسلك، وأُراني.......)) وسكتت.
زاغ نظرها في الأعلى حيث زرقة السماء، تبرق من فرجة
الكوخ. وأطالت النظر كأنها تبحث عن وديعة فيها.
بعد فترة عادت إليّ:
ـ ((جلت في أرجاء المرسح، غناءً أصدح بصوتي وأضرب
بصنجي، لأطربهم. وكنت حين أنفرد بنفسي أبكي سرّاً. أبكي حتى أنهي... أجل لم
أعذرها. وإن كنت فتاة ((أمة)) ترزح تحت نير العبودية ومخزومة برباق الرق
ومنعولة بحذاء...))
وراحت تكثر من كلمة ((الرق)). وتكررها بحرقة. كأنها
تريد أن تنتقم منها. وتشرح لي كيف سيمت بها سوم العذاب. ثم بكت وتنهنهت.
وكدت ألوم نفسي بما أُقحمت فيه.
أدركت. فكفت واستأنفت: ـ ((أجل، أجل أنا كنت عبدة
ليس لله بل للرجل الذي اشتراني بدراهمه كسلعة معروضة للبيع في سوق....)).
وتنهنهت أيضاً كأنها تريد أن تقيم مناحة عظيمة في قلب الكون! امرأة بكاءة
ولا تحيا إلا في البكاء!
علمت ونطقت: ((البكاء كفارة الماضي المبتذل))
أجبت بهذه الكلمة: ((واليوم))؟
استمهلت في الجواب. سوّت عصابتها فوق جبينها. تنفست
من خلال لثامها بلوعة. ثم حركة شفتيها:
ـ ((اليوم عدت حرّة، بعد أن كان قد أطلق الرجل الذي
اشتراني ـ ابن عتيك ـ سبيلي لوجه الله تعالى. حتماً أمر بهاتف علوي. أتاه
من قبة اللون الأزرق)). نطقت بنفسي ثم بلساني: (إذن يا سيدة البكاء
والنواح. أنت امرأة صالحة. لك التوبة النصوح، والعبادة الخالصة لله. لقد
أُعلمت منه بسلكك الصارم القاسي لأقصى احتمال طاقة الجسد والنفس معاً.
فأمسيتِ المثل المحتذى في ((النهج)).....)).
قاطعتني بلهجة مخنوقة بالتشنج:
ـ ((لا بد من تعذيبهما))
ثم حملقت فيّ: ((إن تفقد عذابك تفقد إنسانيتك)).
أف ما هذا المعنى الكبير الذي ساقته لدماغي المتعب؟
ضاق صدري. لذا تركت الصمت ينوب عني بعض الوقت. ليكون منقذاً لي كما عهدته
في عشرتي لأشخاص يقبضّون على ناصية الشفافية.
أوعلت بي ثانية.
نطقتُ: ((كيف))؟
ردت: ((عذاب الجسم في الجوع، وعذاب النفس في
السهاد.... أجل، أجل... إن دهشة الرحيل في سجى الليل...)).
ثم استأنفت:
((فلا أدع الليل يغتصبني بنومه. بل أنا التي أهزمهما
شر هزيمة)).
واستخلص عقلي هذه الفكرة، فلفظتها بصوت شجي هذه
المرة. شجي أمن الخوف؟ أمن الخجل؟ أمن العجز؟ لا أعلم المهم نطقت: ((إذن
خلاص الروح يكمن في المجاهدة)).
ـ ((نعم بعد نيلي حريتي سهرت الليالي تلو الليالي
متيمة بوله ((عشقي)) فوق))
ـ وأشارت بيدها إلى الفرجة الزرقاء ـ ثم تكلمت كيف
تسجد في مصلاها خاشعة، متضرعة، تنادم ((الجلال الأعلى)) في مناجاة شعرية
سامية. فجرتها من قيعان روحها. (عزفت عن كل شيء في هذه الدنيا، من أجل
الخلاص لتعود هويتي نقية صافية. تصلح لحظوة الدخول في نعيم (قدس
الأقداس)..)) ماذا أسمع؟ المجهول يتألم ويرزح تحت أنين اللغة! وهي ترزم
بنثار عشقها وبوح توهّجها. ((حتماً هذه المخلوقة))، أضحت في عذاب صبرها
الذي فاق كل الحدود ـ هكذا أعتقد ـ أضحت من الذين يشاهدون الملائكة ويعيشون
مع أروح الأنبياء، ويسمعون أصواتهم وكلامهم. وكأن صلواتها قبلت والأبواب
لما فتحت. ورحت أمنّي نفسي وأنا أتملى وجودي في وجودها بغبطة فائقة نابعة
من أعماق كياني. أُوراني أشف وأعلو كمن صار يطفو على أجنحة موسيقى عذبة،
أخذت تتهادى في معارج الروح لتسمو نحو الملأ الأعلى... سمعتها تقول: ـ
(الله كريم رحيم)
تنهدت بدوري، وقلت: نقل عنك الكثير. أعلمني هو وتمنى
لو يستطيع ما تستطيعينه في الزهد والعبادة، وفي السياحة ببراري الروح
الشاسعة. قال: عادت تعبد الله عبادة الأحرار بقلبها الزكي الطهور وتقدّس
لـه ليل نهار بإيمان صادق..
طامنتْ رأسها خشوعاً:
ـ ((أنا لا أصلح أن أنقل حذاء ذلك العابد)).
وذكرتها بما ذكره لي عن مقولتها الشهيرة في نهجها
النسكي: ((يا ربي أعبدك لا طمعاً بجنتك ولا خوفاً من نارك إنما أعبدك، لأنك
تستحق العبادة)).
ابتسمت وأكدت: ((أي ألاّ يعبد الناسك خوفاً من
النار، ولا يعبد طمعاً بالجنة، فيكون كالأجير الذي ينتظر أجره. بينما
العبادة الحق لله تعالى تكون حباً وشوقاً، دون ثمن)) وابتسمت ثانية.
بل أُراني أنا الذي ابتسمت وقلت. ((لك الفضل، يا أم
الخير)) ـ وقد فطنت بكنيتها التي أعلمني بها الشيخ سعيد ـ لك الفضل في هذا
السلك الموضوعي الذي لا يرتبط بفائدة، أو منفعة. بل هو مفهوم مجرد. الواجب
للواجب، والحق للحق. والفضيلة للفضيلة)).
ثم أطلقت تعبيراً محلياً: ((المهم براءة الذمة)).
ابتسمت لـهذه الفكرة. ثم اعتدلت في جلستها. وأخذت
تشرح لي بصوت دفاقٍ باللهفة، مفهومها الزهدي...
تذكرت ما قد قاله لي عنها: ((حوّلت الخوف من الله
إلى المحبة من الله ومن الإبهام إلى المعرفة الصريحة والوضوح. ومن الحرمان
إلى الرضا ومن الضعف إلى القوة)).
قطبت ما بين عينيها اللؤلؤتين و((... والزهد شرعة
ذات ألوان روحية وأهداف وجدانية.....)) ثم ركزت على حرمان الجسد وكبت
الغرائز، كأنها تثأر لظلمها السابق. إذ أوضحت كيف أطلقت حالات من التطبيع
مع التوبة، من خلال ممارسة الزهد كتيار للتعالي والتصعيد والتحليق، نحو
زرقة الأفق الأعلى، بعيداً عن نهب الفرح المكرس لسعادة مادية باذخة، على
حساب سعادة روحية سامية.
ثم أخذت الكلمات تتدحرج متحشرجة على شفتها. هل اللفة
تعبت أو كلّت..؟
حزن كاسح أصابني لسكوتها. ماذا كنت أسمع من هذه
العابدة؟ أحد المزامير، أم نشيداً علوياً؟ حقيقة كنت أتلقف الكلمات
(الشافية الكافية). كالمسافر في رمضاء يريد أن يطفئ ظمأه بماء الحياة. ظلت
صامتة. وأنا أنتظر اللحظة دهراً. رغبة جامحة تعبأتني للمتابعة. حيوية غريبة
دفقت في كياني.
وحين احتلت الغيوم مساحة كبيرة من الفضاء وحجبت
الشمس خلفها، فطنت بنفسي.
غادرت الكوخ وظلت تملأ ذاكرتي بأسرارها الآسرة.
*** *** ***
عدت والعود كان أحمد
وجدتها قد تكومت الأيام داخلها. التفت حولي.
سألتها: ((أرى في الكوخ آلة موسيقية)).
أثبتت نظرها عليّ. المقلتان قد سهر الزمان فيهما. بل
من أجلها. ثم انفرج الثغر الباسم عن لآلئه: (الموسيقى ما زالت غذاء روحي)).
وأفاضت في شرح مهمة الموسيقى، كرسالة في الحياة
البشرية. يترفع بها الإنسان عن الغرائز... (بالموسيقى أترنم بحكمة الكون،
وأتصاعد في معارج السمو... آه.... كم بعثرك لحن ناي على شفتي راعٍ في خلاء
المرعى! وكم هذبت أنغام قيثارة من طباع، وهدأت من عواطف، ورققت من شعور
وطهرت من نفوس و....))
ولا أدري كيف نطقت، وكأن عفويتي الأولى رجعت
ـ ((في البدء كانت الموسيقى)).
ـ ((مع الجمال الإلهي، والحق، والحب...)).
أضافت وسكتت.
ثم نظرت إلى الناي. زفرت متأوهة. كانت كمن يحمل سراً
يعذب صاحبه.
نطقت: استعمله، خلال مجاهدتي الليلية، فتتفتح بها
زهرة روحي، متعانقة مع قناديل السماء حيث تتلامع بلون زرقتها. فأحسب نفسي
كأنني وصلت... آه، متى أصل؟
وكأن نوافير وجدٍ وهيام تدفقت من قلبها!
من جهتي. عدت إلى الموسيقى، وتذكرت كيف كان يستبي
روحي صوت ((شبّابة)) القصب، عندما يطلقه عازف في الليل. يسهر في بيدره.
فيصل إلى أذني لحناً عذباً. كأنه تسلل من مسام الكون.
عادت إليّ، وعلمت. نطقت بحماسة: ((مع الموسيقى يكون
الكون في أبهى تجلياته. يصحو على قرنفل، ويمسي على ياسمين...)). وابتسمت
علمت أن أنغام (نايها) الروحانية تجعلها تذوب في
خمائر خوابي عبادتها. وتبقيها متقدمة في سلكها الزهدي، من أجل الوصول إلى
حقيقتها التي تنشد. ((في الليل تنفتح نوافذ الروح وأبواب السماء. والموسيقى
هي الصلة عندي))...
توقفت قليلاً وتابعت: ((هي تبعث في قلبي الذوق
والوجد، وتؤجج بين ضلوعي الشوق في عشق ((الرب))...))
علمت أخيراً أن ما توصله الموسيقى ((للسالك)). لا
تقدر اللغة على إيصاله. يفوق الكلمات. وحتى حركات الإيماء.
والخلاصة:
((هي الأداة المفضلة لرفع الحجاب، والكشف عما
وراءه))!
واسترسال في ((رسالة الموسيقى).. ووظيفتها. ((أجراس
تقرع للمجاهد المسافر في صميم المجهول من الروح، والجوهر الحق)). حتى يصل
إلى شفافية اكتشاف ((حب الله)) والارتباط بروح قدسه جلّ وعلا...
ـ ((نعم بها ألجأ إلى سكينتي في التهجد، كمقدمة
لشوقي، عندما أتلو أورادي)). وبقيت أسمع منها، عن سماع الموسيقى. حتى شعرت
أن موسيقى داخلية، بدأت تعزف في داخلي، وتنساب في عروقي، لا أعذب ولا
أسمى...
وكالعادة قرأت بشفافية نفسها النقية مقدار انشراحي
في هذه الجلسة. كواحدة من هذا الرعيل الصالح الذين صاحبتهم في أخريات حياتي
الأرضية ـ على حد تعبيرهم ـ كأن الإنسان يعيش معهم مكشوفاً بضميره وأسراره
كالعاري.
تحصى عليه خلجاته وسكناته، حتى أفكاره وأنفاسه.
ثم سحابة حزني غمرتني. لا أدري لماذا؟
قالت كأنها تريد أن تواسيني، في عجزي وتقصيري: أنت
تكلم في داخلك قلباً غير قلبك الحقيقي. ما زلت في مرحلة (الريبة)... وسكتت
بشّ وجهي قليلاً. استأنفت تعزيتها لي:
ـ ((لا تيأس.. عليك بالصبر. بعد أن قطعت شوطاً
محموداً في (السلك) تحملاً وإرادة، إذن الانتظار واجب)).
وقصت علي قصة ذاك العابد، الذي وقف على حافة قبره
ينتظر القيامة. كما ركزت على ممارسة الجهاد النفسي ـ الجسدي العنيف، من أجل
قتل الرغبات ـ الأرضية ـ ((فالإنسان إذا ما عزف عن كل ما يمت بصلة للأنا
وشهوات الجسد..... فيصل إلى درجة السمو الروحي. ويصبح في مرتبة (العارف
بالله)
ثم شرحت كيف يعود هذا العارف بالله يغرف من الينبوع
الذي اغتسلت به الخلائق، في فجرها الأول ((من سدرة الأزل سدرة البداية
والنهاية ليظل مسافراً في لذة نعيم غاية الغايات)).
عاد ضعفي يطغى عليّ. لشد ما تعب ذهني وأخذت الأشياء
تختلط في رأسي. أمعنت النظر في وجهي. شعرت كأن تكسرت الكلم على بريق نظرتها
ولم أنبس. ثم لاحت لي تقطيبة لمّاحة بين عينيها، كانت بلون الفضّة. ضغطتُ
أكثر على جدار عقلي.
ـ ((أرهقتك؟ سأفرج عنك..)).
بالتأكيد حان وقت تهجدها الليلي الذي توزعه ((بين
عزف الناي الحنون وموجة البكاء الهتون)).
تركتها وحملتني قدماي إلى مأواي البعيد.
   
حنين اللون الأزرق7
شيء ما يشبه (الميتافيزيقا) ـ التي يقال عنها ـ؟
أو بالأحرى. هو (ميتافيزيقا) حقيقة.
لا أريد أن أخوّض فيه. حتى لا أثقل، أو أتيه. المهم
وجدتني بعد أن استفقتُ في هذا الصباح، أسير صعداً. شعرت كأن شهاباً أزرق
سقط عليّ، وغشيني كالبحر!
ذهلت وتابعت صعودي في سفح الجبل، نحو المعبد، على
ضوء ذراري حرائق الكون.
اعتمل كياني بتأجج. أمن نافذة القلب أطل عليه؟ أمن
شرفة الروح؟
وكأن فتحت لدي أبواب الأمنيات. بيد أنني فطنت بأمر
آخر:
إن كنت قد مازجته. و لكن لم أصبح، للآن، تقياً نقياً
من أصحاب الكراما....
ـ ((لا تكمل)).
زجرني، حين أقبل عليّ من باب سور المعبد.
عجيب! كيف ظهر؟ أُراني برفته، كمن يصطلي بناره. ولكن
لا فكاك لي عنه. كأنني متعلق به، منذ آلاف السنين. التقيته كالقدر وأتابعه
كالقضاء.
ـ ((لا عليك....))
رجوته على وهن: (صلِ من أجلي، لأكون جديراً، بعض
الشيء، بزيارتك يا..... سعيد))
رجف بكامل جسمه، كمن يجأر إلى الله تعالى بدعاء. ثم
تنهنه:
ـ ((لا خوف عليك. لديك مؤهلات. اطمئن أنت في
الطريق)).
بعد أن طمأنني. شعرت كأني انفتحت أسرار اللانهاية
عندي.
اشتدت حبال أعصابي وأحسست بمعنوية مرتفعة نوعاً ما.
فابتسامة مشرقة ملأت وجهي. حدق إلي ليغمرني بشعاع
عينيه. ثم درج أمامي. بل سرنا جنباً إلى جنب، خارج سور المعبد. نرنو إلى
المدينة وعالم الـ (تحت).
توقفنا عند تلعة. وطفق يشرح لي نظرية الغضب القادم
من العالم العلوي إلى العالم السفلي ـ وأشار بيده إلى أسفل ـ جراء الظلم
الذي يسود هذا الأخير. ((لقد أصبح هذا العالم سفراً من أسفار المتاهة
والشراسة والجور والظلم والجوع والعري والفسق و... الإله (زيوس) كأسطورة
انتقم بالبرق والصواعق ما بالك بإله الحقيقة المطلقة)).؟
وبعد أن هدأ من رجفانه أخذ يعدد مفردات الغضب
القادم. ذكر الفيضانات والزلازل والأعاصير والانهدامات والانهيارات
والحرائق وارتفاع الحرارة والجفاف وانزلاق صفائح قارية.....
وعزا الأسباب إلى اعتساف الطبيعة وظلمها من قبل
إنسان هذا العصر الذي انقلب إلى مخلوق ظالم فتاك. فتك بالمخلوقات، بالأرض
بالأوزون، خلخل قوانين الطبيعة التي طبعها الله تعالى ولوثها. وأخل
توازنها. بعد أن خضع لمشيئة أناه لا لمشيئة العناية الإلهية.
ودرس جديد في علم الجيولوجيا والأنواء والزلازل
والبيئة. كأني في حضرة عالم طبيعيات، لا في حضرة عابد زاهد. اكتفى بنسكه في
صومعته المشلوحة على فخد جيل من الدنيا كلها! غزارة ثقافة!
تابع:
ـ ((و... والنبات صنو الإنسان والحيوان معاً، على
سطح هذه الأرض الكئيبة، ووفق مفهوم الطبيعة أيضاً. بل الطبيعة هي المرجع.
وهي الأصل في تعميم القوانين والأحكام التي يجب أن تسود، وتطبق في الحياة
والوجود. إذن تجب العودة إليها وإلى ما يستنبط من مخزوناتها من القوانين
والمفاهيم والمقولات المودعة فيها من قبل الخالق العظيم. العودة إليها هو
الأمر الأصح ومخالفتها تؤدي حتماً إلى الاختلال والخطأ)).
وأخذ صدره يرتفع وينخفض وهو يتناوب الشهيق والزفير
لفترة.
ثم رأيته يتقدم مني ويمسكني من كتفي ويهزني بتأثر
بالغ:
ـ ((الطبيعة لنا جميعاً وليست لدولة واحدة وليست
لجنس واحد، أو نوع من مخلوقات الله تعالى...))
ـ ((فيجب على الإنسان، هذا المخلوق العاقل الوحيد أن
يهتدي بعقله المقبوس منحة من نور خالقه، في تعامله مع هذه الطبيعة الحساسة
للغاية....))
استراح بأنفاس طويلة. زفرها ببطء كنت أنظر إليه
بعيني، وكل جوارحي.
وأنا ما زلت أسير بحذائه صاماً. أسمع وأكتسب، دون
مقابل. فاقد الشيء لا يعطيه.
طمأنني أن أكف عن تفكيري هذا. وتابع:
ـ ((وبوساطة الخيار العقلي ـ أي العقل أداة اختيار
وتمييز ـ وجبت مسؤولية العقاب على الإنسان. فعندما يخضع هذا الأخير لرغائبه
الهوجاء في استعمال مكتشفات العقل من مخترعات بغير هدىً لتدمير المخلوقات
والطبيعة والبيئة والأرض وما يحيط بها. سيحل به عقاب الطبيعة القادم من صوب
اللون الأزرق باختلال التوازن ونزول الكوارث... و...)).
وأخذ يعدد الأنواع التي قضى عليها الإنسان بالقتل
والمحق معاً:
أين السباع؟
ـ أين النمور؟
أين طائر النعام الوديع؟ وأين.....؟
وعدد الحيوانات التي انقرضت بفعل هذا الشيطان الرجيم
ـ على حد تعبيره ـ
ظل يتنهنه مدة. أول مرة أراه منفعلاً بهذا الشكل: ـ
(ألاّ يحق للطبيعة أن تثأر وتنتقم لحيواناتها الجميلة وغاباتها الغناء،
وغازاتها الملونة وأوزونها البديع وجليدها الناعم...))
حسبت قد فُتِحَ ثقبٌ في رأسي، الذي ثقل؟
رفع كفه.
حتماً شعر بما اعتراني. فأدخلني باب المعبد، وأجلسني
على بساط. وهاهما عيناي ترنّقان في وجهي.
*** *** ***
صدقوني أنه عندما استفقت. أو بالأحرى عدت من غيبتي
وجدت نفسي في غرفة الجمجمة. في القصر الذي تسانم على تلك الرابية الخضراء.
حتماً ثمة حلقة مفقودة في ذهني. أو في وجودي ككل. تمنع الارتباط الذهني بين
المفاصل التي تحدث في مسيرتي. والآن لندع ذلك. فها هو ذا
الشيخ سعيد،، قبالتي في قميصه الرسمي. بذلة
إفرانجية. جاسر الرأس. شعره المخلوط بالأبيض والأسود قد تهدل كالعادة على
قذاله ولها ذمه حتى أذنيه.
رجل لـه مكانة في دولة العالم. وفي دولة الآخرة. لا
لزوم لـه أن يهتم بهندام ((قميصه)) هذا. ((الإنسان يدخل في قميصه عندما
يموت)).
تراه علم ما فكرت به وأجاب. بل تابع: كلنا في هذه
الدنيا يفنى ويندثر. فالمخلوق فيها يحمل بذور فنائه في داخله. يأكل جسم
الإنسان دوده مثلاً...)). وأخذ يشرح عن الروح الخالدة وبخلودها تدوم
السيرورة في الصعود تلبية لنداء ما بعد اللون الأزرق)). وأشار بيده إلى ما
فوق رأسه مؤكداً أن الإنسان يجيء إلى هذا العالم وهو يحمل معه ((قضيته
العليا)).
ماذا ينطق فغرت فمي كلام يعجم علي! ما حيلتي فيما
جردت إليه نفسي بهذه ((الرفقة))؟ أنى لي أن أعي ما يفيض من ماء نفسه النقية
الصافية. لغةً عذراء في أجمل الكلم!
عندما عدت وأثبتُّ نظري جيداً. رأيته جالساً على
كرسي خشبي. قد تدلت على صدره عقدته كذيل حصان. أسند تاج خده الأيسر.
بأصابعه كالعادة. هو في فترة التأمل. ولا أدري كيف عدل من وضع جلسته، بعد
أن لمع في فكري خاطر. قال: ((المكان ليس مهماً في اللقاء كما تعلم ـ جاملني
ـ المهم بل الأهم هو مضمونه))!
أشرقت في ذهني كلمة الجوهر.
صاحب عفواً بصوت مرتفع: مرحى.. مرحى!
ابتسمت لنفسي كتلميذ ((شاطر)) يستظهر درسه جيداً
أمام معلمه. نظر في وجهي كمن يقرأ الوجوه في قسماتها وملامحها. ثم أشار
بيده إلى الجمجمة وانبسطت أساريره شوقاً ولهفة. حسبت نفسي أني اندغمت. أو
تلاشيت في فضاء يمرح بعنادله القادمة.
ـ أشار أيضاً بيده إلى الأعلى إلى اللون الأزرق ـ
أراني امتلأت بهجة وغبطة ألا أعذر؟ مقابلته حياة بل حياة من نوع آخر! عاد
إلى الكلام:
ـ ((هذه وظيفتها ـ أومأ إلى الجمجمة، مرة ثانية ـ أن
تذكّر بمصير الإنسان في هذا العالم الأرضي...)).
نهض وجلس على سجادته الصغيرة العتيقة وقبل أن يباشر
في ممارسة العبادة، ويرتقي درج عالمه. ويعرج في فضاءات تمارينه الروحية بـ
((اليوغا)). قال:
ـ ((يقبع في أغوار أعماق الإنسان حزن قديم قديم.
مازال يرافقه عبر أجيال وأجيال منذ سحيق الأزمان. تراه يحن به دوماً إلى
حياته الأولى. حياته البدء حين كان يعيش مع الله. روحاً بريئاً نظيفاً، لا
يعرف الدنس... ثم طغاه الشيطان الجسد فانصاع لـه وهبط على هذه.....))!
حين سكت أخذني الخجل. الجلسة من جانب واحد تعقد يجب
أن يبغم لساني:
((إذن يا سعيد هذا هو السر في حزن الإنسان الأبدي)).
انشرح صدره:
ـ ((طوبى لك))...
أنا ذهلت بابتهاجه هذا!
ثم: شرع بطقوسه المشفوعة بتمارين (اليوغا).
*** *** ***
جميل ما حدث في هذا الصباح! وكأنني صرت أستيقظ في
هذه الأيام لأكتشف العالم من جديد. لا أريد العودة إلى ((حلقتي الضائعة)).
المهم أنني حين مررت بعيني على عالم صباحي هذا. كانت التضاريس المنبسطة
تمتد بساطاً حوارياً، إلى ما بعد الأفق اللازوردي. حيث تلتهب كتل الضياء
فتمزق بسهامها المتلامعة جبهة الفضاء... فها هي ذي بيداء (الربدة).
وهاهو ذا.
بلى حين تدحرجت عيناي ((عليه)) ظهر في قميصه البدوي.
يرتدي عباءته الصوفية، وقباءه الخلق، وعمامته الخضراء. كمن اتخذ لـه مهمة
محقب لحركة الحياة في البادية.
هل اعتزل حياة الحضر بالكلية؟ لا، مازال يكمي في
أغواره سرّاً حاداً كالصراط. يعانق به الكون. ويقارع به الغلاة الطغاة.
ولكن، هو الآن، في هذا المتسع الحواري، من الأرض،
يأخذ قسطه من الراحة بعد أن تنقل بـ قميصه ضمن قافلة الزمان والمكان. من
المعبد إلى القصر إلى السفح. ثم إلى هذه البادية البيداء! إنه كالذي يتحرك
عبر الكواكب والمجرات. وبسرعة ذراري الأثير. ((اللهم احرس عقلي ثانية، في
صحبته العجيبة، التي تفوق الأساطير)).
تكلم شخصٌ سرّاً في إيهابي.
فاجأني أية ريح حملتك إلى هنا؟
ـ ((أنت....))؟
ـ ((هو سوف يكونني. وأنا كنته. فالشخص واحد.
والأشكال مختلفة كما هي الأزمنة والأمكنة و.....))
ثم سكت ومَرَزَ شاربه ولحيته بأنامله.
عندما أثبتُ عيني. بدا لي ذا ملامح مرهقة وملفوحة.
تابع:
ـ ((مازلت في هذه البادية. حيث العجاج وسفسفة
الرمال....)).
زفر هواء ساخناً. كانت قد هبت، أيضاً نسمة هواء
فاترة. من تلك النسائم التي تقدمها البادية في مطلع النهار. ثم: الربدة،
هذه الأرض الملتهبة. كانت جنة خضراء، في العهود القديمة كان يمر نهر من
هنا، وسط غابات كثيفة، ثم احتبطت الأشجار وجف النهر وقحلت الأرض. واندثرت
الحياة ومات كل شيء.
ـ ((السبب))
لم يرد. بل بلع ريقه حسرة وحزناً.
ثم انسلت كلمة أخرى على لساني: ((وغفار))
أجاب بمرارة وقلبه يحترق ألماً:
ـ ((أنا مع الحق والعدل والقسطاس، في البادية وفي
المدينة وأينما كنت. ولست مع القبيلة والعشيرة)).
ـ ((طيب متى ستعود إلى قمة جبلك))؟
ـ ((القمم ليست في تضاريس الأرض. بل في الروح
والنفس. كنت قد قلت لك هذا)).
وبعد أن تأوه:
ـ ((ليتها ظلت رعوية... أهل المدن ـ. أهل الحضر ـ
جشعون وزادهم طمعاً وابتزازاً صك النقود وسيطرة الذهب. ترى كل واحد منهم قد
اندلقت بطنه أمامه منتفخة كأن حشيت بشرور العالم...
ثم راح يشرح لي كيف يقاوم هذا الرعيل الطالح من بني
البشر. وكيف حشد حوله حزباً من المعدمين ضد أولئك ((المستكبرين))... ((ولقد
اشتد عودي بهؤلاء المجاهدين الحقيقيين)).
---------------------------------
ـ (لعينيك، شيخنا. جبنا المدن كافة. وبثثنا بين
أفراد الأمة أفكارك، في الإصلاح، بالعودة إلى النهج الأول القويم للدعوة.
ـ عشت يا غيلان. يا بن دمشق وصلتني جرأتك في مدنتك.
ـ يا شيخي. والأجرأ كان جعد بن درهم.
ـ عشت يا جعد
ـ شيخي نادينا بتعليماتك في إحقاق الحق. وتوزيع
الثروات، على الجميع بالتساوي.... وغيلان ناد....
ـ ماذا يا غيلان؟
ـ ناديت بتأمين حصص المحاربين المجاهدين الفقراء
وأسرهم. وقلت بيت المال للجميع من أفراد الرعية وليس لك وحدك يا حاكم
باسم...
ـ بوركت يا غيلان...
ـ ونددت به وبأصحابه من طبقة الأغنياء الذين بخلوا
على المحتاجين، من الأرامل والأيامى في مجتمع الجهاد.
ـ لا فض فوك يا غيلان....
وعشتم يا جماعة المجاهدين في سبيل الدعوة، وتحقيق
مبادئها العادلة، بما يرضي وجه الله تعالى.
ـ لبيك شيخنا لبيك...
ـ ولعينيك شيخنا لعينيك...)
----------------------------
دهشت مما كنت أسمع! ومما أبدوه من مشاريع المعارضة
في (دولة الدعوة). والثبات على المبادئ الصارمة بحماسة فائقة كأن العالم
طاع لـهم. أووضع بين أيديهم!
قلت ـ ((ولهذه الأسباب كانت لك الربدة يا ....))
ـ ((سعيد)). أجاب اسمه عني. وزوى ما بين عينيه
تقطيبة حادة. ثم أعلمني أن نفيه للربدة. كان قد حل بعد أن أعلن بصوته
الأجش، في المسجد احتجاجه على سلوك القادة.
----------------------------
ـ (أيها المصلون. أقول لكم. وأنا في مسجد رب
العالمين. وأقيم فيه صلاتي. أقول بأعلى صوتي ليصل إلى آذانهم. مندداً
بمخالفتهم لمبادئ الدعوة...
لقد سلبوا الثروات وصادروا الخيرات...
اسمعوني يا ناس. يا مصلون يا مجاهدون. يا محاربون.
((اسمعوا قولتي لكم حكامكم أخلوا بالدعوى الكريمة وعمموا الفقر في البلاد،
والفقر يجلب الكفر أينما ذهب...
فيجب إزالة الفقر حتى يزول الكفر...
كم أكرر هذه الأقوال، يا حكام هذه الأيام كم...
قاطعه صوت رعد من جهة المحراب:
((يا جندب بن جنادة. مأواك، منذ اليوم، (الربدة)
تنفى إليها واربط لسانك بخيط...))....)
---------------------------
بعد أن هدأ قبالتي عاد وكررّ قولته الشهيرة التي
شاعت في كل الأصقاع: ((ما ذهب الفقر إلى بلد، إلا وقال لـه الكفر أنا
معك)).
ـ ((هذه حكمة ستجري على الألسن)). / أجبت وكأنني
لفظت الكلام بغير صوتي. لا أدري لماذا؟
هز برأسه: ((المهم تحقيق العدالة بين أفراد الأمة)).
وبعد أن جلا حنجرته بسعلة جافة: ـ ((وهذه العدالة وسيلة للانتقال بسلام من
هذه ((الفانية)) الدنيا إلى ((الباقية)) العليا)).../ سكت.
لا عجب برجل يعمل كمصلح في الأرض ويحمل كفنه حنيناً
لما وراء اللون الأزرق! لا بد من أن يكون هذا سلكه.
أغمض عينيه.
أخذت بالعدوى. وغربت عيناي في سديم حار ملأ فضاء
البادية.
*** *** ***
عدت مسرعاً كمن استفاق بعد دهر من النسيان! لقد
أدمنت رفقته.
فها هو ذا المناخ: فصل الخريف.
وهاهو ذا المكان: السفح.
وقد تعرت أشجاره. بعد أن تخلت عن أوراقها وخضرتها
وهأنذا أسير في شعاب السفح وفي نفسي هاتف يقول لي إنه عاد يسكن هنا في قرية
عالية. تغامزها النجوم المتلألئة، في مرتفعاتها كل ليلة.
كنت قد سمعت منه سابقاً: المبيت في الأعالي يكسب
((المجتهد)) صفاءً لا يعادله صفاء، في عملية اجتهاده. إذن لا عجب أن أتخذ
مثواه، هنا، ليقترب من الله.
درتُ في دربٍ لولبي، كمن يلغّه باروم. واستجممت عدة
مرات، وأنا أتابع مسيري هذا صعداً. اختلفت الطبيعة أمامي، وهرب الخريف.
كانت رياض غنّاء جمة، تمتد كسجادة عظيمة. صنعت من فسيفساء زهر المروج
المبسوطة على تلك السفوح والمنحدرات المشتعلة بالربيع، والمسقسقة بالمياه.
نظرت حولي. خضرة غامقة في الشرق. يعانقها سطح البحر بلونه النيلي في الغرب.
وخصلات النور بين الظلال، شلالات من عقيق! يحق لـه أن يقوم بهذه
((النقلة)).
نظرت فوقي، فجاج الفضاء تسيل ضياء. وقبة السماء تمطر
رزقة. والكون يمتلئ شعاعاً... التقيته. هب في وجهي هاشّاً باشّاً، كمن كان
ينتظرني منذ مئات السنين. لم يبال بالطبيعة المزدهرة، التي تكتنفه من كل
جانب. هو عنها في وادٍ آخر. أو في طبيعة أخرى، غير موجودة على هذه الأرض.
لـهذا تراه مرتدياً جبته الصوفية وقد تدلى من عنقه جراب جلدي. وضع فيه
زوادته التي تحتوي على كسر من الخبز اليابس. الله وحده يعلم ما نوعها. وكم
مضى عليها من الزمن؟
ناسك متشدد في زهادته وعبادته!
ولهذا لم يشغله شيء في هذه الحياة الدنيا. يظل يغمره
الفرح والسلام كطفل.
كانت جلسة شائقة معه، عند باب الكهف ـ المغارة ـ
الذي يأوي إليه، ليبدأ مشاويره المكرورة، في التمتمة، والتأمل والنظر صوب
الأعلى تارة، وصوب البحر تارة أخرى.
فكرت: ماذا قدمت؟
هواجس مخيفة انتابتني: ولحظات مريرة. مرّها مثل
الصبر مرّت عليّ، وأنا واجم قبالته.
ـ ((الصبر طعمه مرّ. ولكنه حلو بنفعه وفائدته)).
/أكد الخاطر الذي أدرته في بالي!
ثم أخذ يوضح ما كان قد ذكره لي سابقاً، أنه لم يكن
مصادفةً تركه كرسي الملك في إمارته. أو خضوعاً لظروف تلقائية، أو طارئة. بل
انقلب رأساً على عقب، حين تقاطرت عليه الأفكار الرحمانية، بعد أن دعاه ذلك
النداء الهامس من ثنايا اللون الأزرق. الذي عاد وتفجر في داخله، كدوي
الرعد، قبولاً وطاعةً.
أخذت تتوارد أطيار أفكاري الجديدة في لحظات الدهشة
على ينبوع روحي المتفتحة بفيض الرحمن. لتنهل منه وتعبّ ما طاب لـها وما
شاء....)).
ـ إييْه...!/ لـهج ثم تابع: ((كم كانت أفكاراً مثمرة
ومفيدة تلك التي غزتني يومئذٍ)). بقي يتكلم بحرارة. كأنه مسكون منذ الولادة
بندائه ذاك وابن بجدة التنسك والعبادة طبيعيةً وما جاءته السلطنة إلا
عرضاً.
حِرْتُ في نفسي. مازلت أهوّم في حلقاتي المفرغة وقد
بلغت من العمر عتياً.
ـ ((قلت لك سابقاً، المعلق خير من الذي يسقط ويهبط
والـ (فوق) يظل أفضل من ((الدرك)).../
لا أدري كيف لملمت شوارد ذهني، بعد أن أجاب على ما
جال في خلدي؟ ثم ترجلتْ أفراسي الطائشة.
ونطقت: ((سأتابع دون رجعان)).
تركني وانتبذ لـه ركناً آخر في الكهف...
سمعت صوته المتضرع بغتة ريم حنون، كأنه آتٍ من بعيد
من نفحات تلك الحياة الأخرى... صبرت ومكثت. اليوم شيخي سعيد شديد المراس
والممارسة!
عاد إليّ ونهرني: ((اعلم أنا لم أكنه. كانه جسدي
البالي هذا....)). كانت نبرته شديدة اللهجة. على كل. ماذا يعني بهذه
المفاجأة؟ أيني شخص الأمير أو السلطان أو الملك، الذي كانه؟
حقيقة تهت في غياهب وجوده، حتى غاب وجودي عني. ولكن
أراني قد عدت، بعد قليل، والحمد لله، رأيته يشير بسبابته إلى هيكل جسمه
العظمي. ثم كرّر بلسانه: ((يا سعيد... استمر ..... يا سعيد....)).
خفت. حقيقة هذه الأجواء الغيبية التي أحاطني بها
اليوم لم أصل بعد إلى مستوى ((عيارها)) من الطاقة الروحية الهائلة. وهأنذا
أقف حائراً. وأنا لا أعي شيئاً مما يطلقه لسانه. ولا أقبض على معاني كلماته
وما يحملّها ويضمنّها من معميات ألفاظه ومصطلحاته!
أخيراً ارتسمت في واعيتي بضعة حروف فقط. انسابت دون
مؤدى مقصود. يا للخيبة! ماذا تراكم على شفتي؟ كان علي أن أبقى صامتاً، إزاء
ما ثرثرت من هذر. أجل لِمَ سلبت ذاكرتي؟ أراني هل ابتسم لنفسي، وأنا أتكلم
وحدي؟
ـ ((اصبر واصمد من رافق الـ ((سعيد)) يسعد.....))./
لم أبال أو لم أسمع. في الحقيقة حسبت نفسي أني صرت بلا عقل بلا وعي. اللهم
احرس لساني، وعقلي وقلبي بعينك التي لا تنام.
إييهْ...! كم أنا بحاجة ملحة إلى النوم ثم هبط
المساء في الخارج وأخذ الليل ينسج غزول عتمته.
*** *** ***
كان الصباح يمشي أمامي كالملاك، فوق تلك الفيافي
والبطاح. شعرت بالأنس. ولم أعد حاملاً هم غربتي على كاهلي. البيداء، على
الرغم من قساوة إقليمها، تجعل الإنسان بصدره منشرحاً، باندياح بساطها. فها
هي ذي الصحراء تنهض نخلة ضياء في وجهي. والفضاء أمامي سديماً بنفسجياً
مبطّناً بالفضة. والرمل الذي أدوس يستحم ببراق الشمس المتوهج... فشعرت، كأن
قلبي أخذ يتناثر شوقاً لرؤياه. إذن. سأكون أكثر فطنة واستيعاباً اليوم.
أجل. فالصحراء هي كالمطهر الذي يصفّي الذهن والروح.
وبدأت ألون بألوانها آمالي وأحلامي حنيناً يعزف في داخلي كصوت ناي قادم من
آخر عالم السحر والعاطفة.
ـ ((هذه هي الربدة)). ثم سدد إلي نظرة ثاقبة، من
عينيه الواسعتين كفنجانين.
حين سددت بدوري نظري إليه. وجدته كائناً عذباً
حميماً. نهض بزيه البدوي ـ القباء، والعباءة، والعمامة الخضراء ـ ومشينا
معاً. امتدت الأرض أمامنا شاسعة منبسطة كراحة اليد. ثم عدنا إلى خيمته
وجلسنا، وأطرق كل منا كأنه في متاهة.
بعد انتهاء الشرود رأيته يحرك الرمل بعصا كمتنبئ
جديد! تركته وحركاته، وفكرت: إلام يبقى هذا الرجل معفراً بالتراب، هنا في
ربدته مع الجوع والظمأ والشقاء. ويحشد في رأسه كل قبائل الأمة؟
((جعد بن درهم عرّى معاوية وإيمانه. وأنا
سأعود...)). /ندّعنه صوت ثم حملق فيّ وظل صامتاً واجفاً إلى وقت، بقي في
فمه رزمة من الكلام لم يفثأها بعد.
أومأ إليّ، عدنا نمشي في الرمضاء صامتين، دون أية
نأمة. غير أني سمعت بأذني الداخليتين شجواً كنوح اليمام، حل في نفسي حنيناً
وانشراحاً كهذه الأمداء المفتوحة بفضاءاتها على أسرارها ورؤى عوالمها
الساحرة.
ـ ((هذه هي أم الخير ذات التوبة النصوح))!
وجدتني معه قد غرقنا في حالة طيف مبهر، في وسط حقول
حالمة، بعبق الياسمين والنارنج. وطيب الذكر يتفتح بأنغامه فيها وردة
بالخاشيم....
ـ ((هذا قبولها)).
ثم: ـ ((صوب اللون الأزرق))!
عدت لا أفهم. تيقنت أنني مازلت أحتاج إلى حسن
المثابة في العقل وشدة الدربة.
ـ ((عليك بالصبر)).
قلت كالمفجوع: ((من))؟ حتماً دون وعي.
ابتسم: ((هي تقول ذلك... من خلال ....)). /وصمت.
*** *** ***
بل رأيتها تبتسم لي. هي أم الخير نفسها.
نعم، أجدني قبالتها، من خلال ((فرجة)) حلقتي
المفقودة. التي عصت عليّ كمعجزة!
التفتتْ إليّ بعينين بلون السماء! هي كعادتها، ذاتٌ
مستوحشة في وحدتها، لتتعانق مع شوقها الأبدي الأسمى. وقد اتقد بذاك النداء
السرمدي، الآتي من أعالي الزرقة.
تركتني وانعكفت على نفسها، في ركنها المعهود من
الكوخ.
بأية لغة تصلي هذه المخلوقة العابدة؟ وبأية العبارات
تدعو، وتتلو أورادها إلى الله تعالى؟
الله! من يعرف سرها الأقدس؟ ويدخل حمى قلبها الحرام،
المختوم بالتوحيد والتهجد، والدمع الهتون؟
ثم ماذا يتردّد في أذني؟ أسجع ورقاء في عش يمام؟
أم...؟
عندما تلمست جسدي الظاهر، لأتأكد من هويتي، أين تقف
ماهيتها إزاء مستضيفتي؟ وجدتها ـ أو بالأحرى وجدتني كالطفل يحبو، ويدرج في
شوارع مدينتها الرابضة على النهر العظيم، الدافق بخيراته من الماء العذب
الفرات. وقد أنبت حوله الزرع، وملأ الضرع. وأثمر النخيل في غاباته الخضراء
تقول إنك في حياض الجنة.....!
عدت.
كانت جالسة في صدر كوخها، بلباسها الصوفي المعروف،
ولثامها، وفوطة الشاش التي غطّت معظم راسها. وقد وشت بها حرائقها الروحية.
سربلتني بعينيها السماويتين.
وبإشارة من رأسها طمأنتني. بادرتها بابتسامة.
كفّت عن مناجاتها، ولاح في بحر عينيها ((لازورد))
دمعتين.
تجارأت، بإذن من سهوتي، أو من لا شعوري. ونطقت: هذه
شدة الشوق، يا أم الخير. ((حبك الإلهي))!
ـ ((هذا ما أعلمك به الشيخ سعيد))؟
ـ ((..........)). سكتٌّ
ـ تابعت:
ـ ((ليتني أنال شيئاً من فضيلته، وسمته... تنهدتْ:
شيخ نقي تقي ورع في نهجه وسلكه وزهده....))
ثم طفقت تعدد ((مقامات)) حرفة الزهادة. وتحولت إلى
تلميذ كبير الحجم أمام أستاذة.
(بل أوراني أسمع صوتاً يسألها نيابة عني:
ـ ((ما هو المقام الأول يا أم الوصايا))؟
ردّتْ: من؟
أجابها صوت آخر: هذا أنا وليس.....
لم يدعها الصوت تكمل:
ـ سأجيب عنك: المقام الأول، هو مقام التوبة. وهو أول
منازل السالكين. وأول مقام الطالبين. كما تعلمين.
نطق صوتي بالاشعور: والمقام الثاني؟
رد الصوت: المقام الثاني، هو الرضا.
رفعت هي رأسها ناحية الصوت. بينما كانت أذناي
تلتقطان:
((هذا المقام مملوء بالأسرار. ويناله العابد إذا فرح
بالمصيبة كما يفرح بالنعمة....
((ناهيك عن مقام الإحسان الذي يصل فيه العابد إلى
مرتبة أن يرى الخالق... ((إن لم تره فهو يراك)).
التفت حولي وكأني في مناخ استوائي.... هذا كوخ
الأسرار! وبينما أنا في حالة الذهول. دخلت رفيقتها عبدة وقالت لـها:
ـ يا أم الخير دعينا نقض نزهة، في هذا اليوم الربيعي
المشرق.
أجابتها: اصمتي يا عبدة. وتأملي قدرة الله في نفسك
وأنت في الكوخ.
قبلت عبدة. وجلست. فاستأنف الصوت:
ـ ((والمقام الرابع، هو مقام المحبة، وهو الذي يمارس
به العابد نهجاً روحياً جيَّاشاً بالحب السامي، والإيمان المشرق)).
عدت إلى حاضرتي. ضغط عليّ فضولي بإلحاح في
((المقارنة)). فانزلق على لساني: أوحى إليّ ((الصوت)) أنه دونك في العبادة.
اقشعرّت بكامل جسمها:
ـ ((لا تقل ذلك. جدران الكوخ تهتز. أنا (مريدة)
مبتدئة بالنسبة لقنوته)).
فكّرت: ماذا أقول لنفسي؟
ولكن حتى لا أصبح فريسة لليأس أدركتني:
ـ ((لا تكن جاحداً. رغبتك ترمح على فرس جموح...و:
ـ ((رفقتك لـه محجّة نحو النعيم....))
ثم سكتت دون أن تذكر لي ما كانت قد استنته من قواعد
صعبة التطبيق في ((سلك العابد)).
   
حنين اللون الأزرق8
وجدتني أثوي وأستفيق، كمن يستيقظ مبهوراً بحلم!
ظل ذكره يطرق ذهني ـ بعد مقابلتها ـ وكدت أطير به
إلى آفاق بعيدة إذا ما التقيته
أوليته هو يطير بي إلى رحاب عالمه السعيد الحالم.
تابعت سيري أتصفح وجوه الناس. فجأة سمعت الصوت يرن
في رأسي.
ـ ((يا مقلة العين وإنسانها، لقد تأخرت)).....!
واتجهتُّ فوراً.
الطريق نفسها التي سلكت. وبرق يشم السماء بضيائه
الساطع.
بهجة اللقاء تتوهج في داخلي وردة من جلنار!
يا للجمال الأُنسي! وجهه المنّور مسكون بكنوز
الأسرار.
ـ صباح الخير... يا ... سعيد.
وخزني ضميري، كمن يقترف ذنباً على حين غرة!
ـ ((أراك عدت إلى المعبد من......)) /
ولم أكمل. كأن انفجر حريق في صدري والتهم شعوري.
الأمر فوق دائرتي. مازلت مسيراً بإيحاءات خارجة عن
إرادتي وإدراكي أيضاً!
فرج شفتيه بضحكة مغتصبة.
ـ ((لِمَ))؟
ـ ((لما صار الفقراء الذين دافعت عن حقوقهم. أغنياء
أصبحوا أكثر كفراً وجبروتاً من الأغنياء أنفسهم. لذا رأيتني قد عدت إلى
فضائل معبد الجبل)).
ـ ((إذن الغنى يجلب الكفر مثل الفقر)).
ألاح برأسه وهمهم لنفسه، عن الإنسان نفسه. ثم أعلن:
ـ ((الحياة بوار على سطح هذه الأرض. ما لنا إلا رحم
السماء يحتضننا في الحياة الثانية)).
((طبعاً هذه الحياة هي الأبقى....
((يستقر الإنسان بعد أن يحظى بالموت في رحاب
الله....)
وعاد يشرح معنى الموت، من جديد، ومدى حظوة الإنسان
به.
((هذا الوافد الغامض لم يعد يتربع على عرش الحياة
برهبة وخوف. بل نرتقبه كأمنية...)).
وكم أبخس الحياة الأولى التي يطغى فيها الشر على
الخير والظلمة على النور والباطل على الحق.
والجهل على العقل والحلم. والجسد على الروح و... حتى
قطع حبل السرة معها تماماً!
أخذني إشفاقٌ. خففت عنه ألمه:
ـ ((أنت في كل أدوار ((قميصك الذي ترتديه ((هويةُ))
روحك لم تدخر جهداً في مقاومة الشق الأول مما ذكرت. ولم تخذل الحق. ولم
تهادن أصحاب الأنا الفردية والعصبية...))
ـ ((.... بلى... بلى... وقد اتسعت القبيلة عندهم،
وتورمت حتى جعلوا كرسي الحكم وراثة و((الخلافة)) مملكة))!
ـ ((قاومتهم صمود المجاهد وصبر العابد، وشجاعة
المؤمن...))
استرحت قليلاً وتابعت: ((بعد ذلك، اعتزلت عالم الأرض
في معبد الجبلي)).
ابتسم، وقال: ((استراحة الجندي، لا بد منها فسأعتكف
في معبدي هذا للحياة التي نذرتُ. وللعمل الذي اخترت، ثم...))
((...دعني أعش نعيم زهادتي هنا علها تحرقني نار
تجربتها في التوجد والتوحد علني أتلاشى جسداً لأتحول إلى ذوب خالص روحاً...
لأحظى بتجليات الذات المقدسة... ((حيث فيض الحضرة.
ودوحة الحضور. وجنة عالم المعاني والعرفان...))!
وعقب إطلاق سراح أفكاره المتوهج، ختم كلامه: ألم يقل
الله تعالى: ((خلقت الخلق ليعرفوني...))؟
وسكت متوتراً.
ثم بضع حركات إيمائية تلقائية، قبل أن تهدأ ألياف
جسمه.
بعد قليل نظرت في وجهه. ابتسم. كأن وردة من شقائق
النعمان انشطرت نصفين، بين شفتيه.
يا للوجه الذي تشرب بالحمرة؟
ظلت فترة الصمت ممتدة بيننا إلى وقت. شرد بعينيه نحو
الأعلى. تذكرته في أول لقاء لي معه، كيف كان ينظر إلى الزرقة العليا، من
قمة هذا الجبل. كمن يحاول أن يقرب المسافة بينه وبينها في الصعود.
حاولت أن أمسك بخيط أفكاره، حتى لا يفلت... لكن
سمعت:
((قيل لناسك مفيد ماذا تشتهي؟ أجاب: أشتهي ما لا
أشتهي)).
إزاء هذا الزهد. اعتملت في ((شعوري)) ردة فعل:
ـ ((قلت سابقاً وأنت في القصر ((الرسالة)) عبادة
وزهادة. والعكس صحيح))!
تنهد: ((ولهذا السبب اخترت هذا المنهج...))
ثم تركني، سَرَحَ، وغاب في غياهبه الداخلية...
جهدت نفسي في ملاحقة أعماقه. تراه يمخر، الآن، بحر
الملأ الأعلى الفائض بينابيع الخير والحق والعدل والجمال.... هاهو ذا يرفع
يده اليمنى في الهواء... آه، فيما يفكر، و تراه يخاطبْ أناساً آخرين؟ ما هم
مخاليقه، يا ترى؟
أنا بدوري، رفعت يدي تلقائياً واندمجت في هذا المشهد
السباتي الرائع! شعرت أنني تشظّيتُ خلايا، وغمرتني هويتي وأنا أصعد في فضاء
هذا الرجل. وأنعم بغيبتي، وليبتسم الزمن لي هذه المرة! ولا أعلم كم بقيت
حالتي السديمية هذه. المهم وجدتني قد عدت قابضاً على قوى نفسي، متماسكاً
قبالته بشعوري، وشخصيتي الشحمية. كذلك ثمة ملامح جادة، بدأت تظهر على وجهي.
وإن كنت لا أقوى على مجاراته؟ لأفنى وعياً وحساً في تلك ((الشطحة))!
هو رفع رأسه:
ـ ((هذه رؤى هرمس)).
ـ ((أتتفضل بها؟))
نطقت ولا حيلة إزاءه، إلا النطق والإصغاء.
ـ ((هرمس في أحد أيامه رأى نوراً يغمر كل شيء. أخذ
بالصعود إلى أعلى رؤاه، ومشاهدته الكشفية، والتحم بها حتى غاب عن الذات
الحسية... ـ تنهد ـ
ـ ((.... إنه ينزع للرجوع إلى المبدأ الأسمى، بعد
هبوط النفس من السماء العليا...)).
تلجلجت.
أعلمني:
ـ ((رؤى هرمس بجوهرها، معرفة العلاقة ما بين الله
والعالم والإنسان...)).
ثم أقفل كلامه بـ ((ومن عرف نفسه عرف الله)). ـ حكمة
هرمس الشهيرة ـ وانبعث بريق حزن من عينيه. بل رأيت حبلين من الدموع، انفلتا
وبللاّ خديه.
هل هو يتألم؟ أم هذه دموع الشوق؟ فالأصوات المتوسلة
فيه قرّحت فؤاده وجعلته مصدراً للحزن والدموع!
استشف كالعادة ووافقني:
ـ ((للشوق ألم! ولكنه ألم مصحوب بعذاب عذاب، للوصول
إلى العذوبة الأسمى في الغاية القصوى ـ ((غاية الغايات)) ـ ....)).
ثم تورّك بتربيعته المعروفة وتسمّرت عيناه في
اللاشيء.
أعتقد أن أخذ يرتاض في جلسة ((قنوت)) ثانية إثر مخاض
لذة فريدة....
أراني كم أغبطه وأنا أراقب تمتمات شفتيه!....
فطنت بأهل العرفان الذين يتلقون كشف المعرفة ببواطن
الأمور فيستحثون ((العقل)) والروح لتملأهم فكرة الخالق بالكامل؟
حقيقة أحسست أن ثمة سعادة بدأت تدب في شعوري وصرت
أتوفز بروحي وهوية كياني.
غير أنني لا أدري، لم عدت ورجفت؟
أجل أعتقد أن مراكز الخوف في دماغي مازالت تعمل
عملها إذا راحت تتنازعني، في الحال هلوسات شتى، في رحلتي المغيبة: ((القفز
صعب. ورمي الجسد ـ كمظلة ـ أصعب))....!
عدّت إلى حمى جسدي و((لازمتني)) الأرضية...
علمت بل وقفت على حقيقتي الحقيقية أنن لم أصل بعد
إلى واحد من ألف من المرتبة المطلوبة في ((الحرفة)) هأنذا أُراوح في
((الصفر)) الترابي!
ـ ((لأنك لم تتخلص من ((الشك))....))/ قطع سمت قنوته
ونطق.
أوعلت به عينين مرعوبتين. وغرتُ في قيعان روحي، كأن
حالت بيننا سنون وسنون..
عاد، واستأنف:
ـ ((لو كنت قد آمنت بالجزم والجزم والعزم في
((الرجوع)). لما كان خامرك الخوف)).
أثبت عيني على وجهه المشرق، وتلوت، سليقة:
يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي
إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي)) صدق الله العظيم.
وسّع حدقتيه أكثر: ((هذا تنزيل! ولكن يجب أن تنتبه:
هي النفس المطمئنة... والاطمئنان يكون من خلال مجاهيد النفس)).
وبعد أن عدد مجاهيد النفس ((... نعم، نعم سوف تموت
النفس آلاف آلاف المرات حتى ترجع...))...
ـ ......./ صمت
وكم للصمت جمال في حضوره....؟
كان الليل ساعتئذ قد انثى، وفرش ملاءته على بساط
الكون.
*** *** ***
استفقتُ في الغداة.
كان صباحاً مغسولاً بالأشعة.
شهقت تياراً من الهواء النقي واستعدت هويتي من خمول
النوم...
عندما سرت سحرني اللون القرمزي. ذلكم هو الشفق!
استمتعت بمناظر الأفق المضّرجة بالأرجوان والزعفران،
وغذذت السير صعداً نحو معبد الجبل.
تلك القمة الشاهقة التي بانت لي ذروتها عادت تمكث في
ذهني من جديد، وكأن اتخذتها الملائكة سكناً!
هو مازال كما عهدته.
رحّب بي حين جالسته.
لم يفقد إحساسه بالزمان والمكان. بل راح يسترجعهما.
قال: بقيت بينهم خمسين سنة، قبل أن أعتزل حياتي الأرضية...)).
من جهتي لا أدري إذا كنت قد تحامقت، في نفسي، عندما
نظرت إلى أسفل، كمن يفطن بشيء منسي! تراني مازلت بعيداً عمّا يسمّى في عرفه
بحاله...
ـ ((بحالة العشق الصوفي)). عرّف وسمّى الحالة، التي
كنت سألفظها، والتي لم أكتسبها منه بعد. ثم منحني ابتسامة مضيئة إشفاقاً.
حقيقة شجّعني، وأعاد الأمل إلى نفسي، فألغيت أفكاري.
صرت كنصف سعيد، واستسلمت لواقعه العلوي.
ـ ((النظر إلى الأعلى راحة... الطيور تشرب، وتنظر
إلى أعلى)).
نطقت مباشرة بحيادية: ((تشكر ربها)).
ضحك بصوت، وربّت على كتفي: ((حيوانات بكماء خير من
الإنسان الناطق الجاحد)).
أحببت بعفوية أيضاً: ((سأحاول أن أديم النظر إلى
الأعلى))!
فرج شفتيه: ((حيث الزرقة...))
حملقت في الأعلى. تشابكت في عيني علاقات لونية
مختلفة، ولكن ظل الأزرق اللون الغالب.
التقطت أذناي: ((انظر فأنت مازلت بين بين)).
كأني صرت أستمع إلى نقرات من الحزن تضربني في زاوية
من شعوري:
ـ ((أي أنا معلق ما بين السماء والأرض)).
ـ ((المعلق خير من الذي يسقط....))... / وسكت، ليكمل
الصمت. علّني أدرك أكثر.
حدقت إلى وجهه. بل استقرت عيناي على الجانب الأعلى
من جبهته الساطعة. بانت لي غضون تشبه الكلمات. تذكرت ما يقولونه: إن حياة
الإنسان مكتوبة على جبهته بخطوطها ودروزها: ((المكتوب على الجبين ستراه
العين))!
كذلك عدت وتذكرت كرامته، فهو من الذين تنزل
عليهم.../ قاطعني
واستدرك: ((سبق أن قلت حياة واحدة لا تكفي للإنسان،
على سطح هذه الأرض. فلا بد من أن تتكرّر حتى تصفو، ويخرج منها)).
ـ ((.... إذن.....)).
_((الإنسان على هذه الأراضي في غربة...)).
وأشاح عما حوله نحو الأعلى. يتكلم في الزرقة بعينيه.
بعد أن فقد اللغة على لسانه.
*** *** ***
جلست تعباً. العرق يغرقني تماماً
ـ ((العرق دموع الجسد))! قال لي وهو يجثو بجانبي،
وكان هذه الساعة جد جذلٍ.
((ما أروع أن يحتضن الإنسان العالم من حوله. عن قمة
الجبل))! ظل زاهي النفس منشرح الصدر، بهذا ((القرب)) الذي خيل إليه أنه
يحتضن به العالم، ويعيشه بكل طاقة شعوره وجوارحه.
أردف:
ـ ((هنا أتملى هذه الطبيعة المنفردة بجمالها، وما
فوق هذه الطبيعة. وما وراء تلك الزرقة العالية، و......)).
وتكلم عن وقوف الزمن وبطلان دورانه، في مثل هذه
اللحظات من البهاء. واستشهد بـ ((نص)) من ثقافته: قال (غوته)، بلسان
(فاوست)، وهو في أقصى درجات الحب: ((قف أيها الزمن، ما أجملك))!... وبعد أن
أخذ نفساً: ((وفهمك كاف))
ثم أعفاني، بإشارة من رأسه، لأكف عما يؤكد ثقته بي
من الكلام. وذلك من أجل أن ينصرف إلى طقوس صمته التي يمارسها عادة، في مثل
هذا الانفلاش الروحي. فالصمت لديه نوع سامٍ من التهجّد ومناجاة الله. يمتد
به في أعماق روحه بشكل سمت ((قنوت))، وبوسم لغة داخلية. تناغي القلب، وتهفو
لتكلم عالم النفس عبر إيحاءات هامسة من اللون الأزرق.
كان بودي أن أعلمه ما حدث لي. ذات مرة وأنا أصعد
الجبل. فيفرح لي. بلى قد حزتُ برفقته على قدر قليل مما هو عليه. نعم، وصرت
عرضة لأتلقّى (شبه) اتصالاتٍ. من خارج هذا الكوكب المحدود! توقفت لحظتئذ.
وأصغيت. لم يرد إلى أذني الخارجيتين. صوت ناي قادم من مرعىً. بل تردّد في
أغواري. أرهفت جوارحي لالتقاط عزفه الرائع، الذي راح يتسلل إلى نفسي...
ويعتمل في كياني، بمشاعر ناعمة فائقة.
يا لفرحتي يا لسعادتي!
قلت هذا هو ندائي. جاءني اليوم، كهاتف داخلي بلحنه
المشتهى ورحت أنشط بهذه الموسيقى وأصغي إلى آثار أنغامها، وهي تعزف في
ثنايا أعماقي.. حتّى أخالني أطير بخفة متناهية، على أجنحة ذاك الناي الخفي،
الرقيق. وقد غُمِرْتُ بموجاتٍ محيطية أثيرية. لـها وقع خاصة من انبهار
المشاعر واندهاش الروح.
واشتعلت بحيوية نبيلة، لا مثيل لـها في حياتي. أيمكن
أن أخطو، بقدمي صعداً، في معارج الفضاء الحقيقية، بوساطة موسيقاي هذه؟
....بلى. كأن ضاق بي المعبد بقمّة جبله، وأجدني صرت
شخصاً مملوءاً بالصفاء والأفكار الزاهية هل أدفع بقوة الروح لأقف على حافة
((شطحة)) مثله؟
ثمَّ لا أدري كيف رأيت نفسي وأنا أضع يدي بيده،
بمصافحة حارة حميمة... حتماً تسللت إليه نوازعي النّيرة...
بش وجهه بغبطة: ((يحصل ذلك للمريد، عندما يكون على
طريق الانصهار ((بقضيته الكبرى)).
ولكن مازلت مشحوناً في عالمي الداخلي. فنطقت:
((والموسيقى))؟
ـ ((الموسيقى إحدى موجودات الجنة الموصوفة. تأتي
إلينا كنداء من العالم الآخر.))
ـ ((يعني...))
ـ ((يعني هي بجوهرها السامي ـ تؤجج فينا الأحلام.
وتجدد المنى والرؤى وسائر الخيالات العذبة...))
ليتني أبقى أبكم. وتتكلم في داخلي الموسيقى...
   
حنين اللون الأزرق9
لا أدري، كم مضى من الوقت، بعد أن استوى بجلسته؟
سمعت منه: ((هذه هي عادتي في خلوتي... علني استزيد
استشعاراً وأنساً بـ ((الوجود)) ومناجاة ((الحق))...))
ثمَّ أعلمني مرة ثانية أنه يعتزل الحياة العامة يوم
الجمعة بالبتة، ليختلي بنفسه، في غرفة الجمجمة هذه. وأما بقية أيام الأسبوع
ينصرف فيها لحلّ قضايا الناس.
وأكد: ما زال يشتغل بالسياسة في ((قميصه)) هذا،
كمذهب لـه، في العبادة والزهد، ونوع خاص من ممارسة علمية نسكية. تؤدي
ميدانياً في حلبة الحياة. وذلك من أجل القرب إلى الله تعالى ولهذا لم ينتبذ
الحياة الاجتماعية. ((بل أشعر بنفسي أفضل، عندما أثابر على المعارضة في
الدولة والحكومة، للدفاع عن المظلومين، ولإحلال الحق والعدل)).
((منذ خمسين سنةً وأنا أعمل في ((جيل القصر))، لرفع
الظلم والحيف، عن طبقات الشعب الفقيرة. طالما نصيبنا حضارةٌ ماكرة النوع.
من هذه الحياة الدنيا...))...
وسكت بعد أن أسند صدغه بأصابعه، كعادته. وأغمض
عينيه، هذه المرة وغاب من عالمه الظاهري بل غاص في أغواره، كمن يدخل في
عالم سري. ليغمره فيض روحه، ونور عقله. وزكاء قلبه. وهو يبذل كل ما يستطيع
من ابتهالٍ إلى مولاه الكريم.
ثمَّ أراني أغمض عيني مثله بالعدوى. ولكن شتّان ما
بين إغماضي وإغماضه، في سياحة التجريد والتنزيه للذات القدسية. وعبور معارج
الخير والجمال في رحابهاْ ((الإنسان في حقيقته هيولي خالصة. تنزع لتذوب في
مراقي هذا الكون الفسيح الرائع، وتلتحم مع الذات المطلقة))...
وراح يشرع معنى هوية الإنسان التي هي جزء لا يتجزأ
من هوية الوجود. ((أشعر بوجودي أنني موجود إذا ما تأكدت أنني أحد موجودات
هذا الوجود. فأنا جزء منه، تابع لـه، كما تتبع الدقائق والجسيمات ذراتها،
وتشكل معاً كلاً واحداً...
((إذن الوجود الثابت الحقيقي هو للموجد الخالق
الأعظم. واجد الوجود بقدرته العلوية المطلقة، أمَّا الوجود الظل فهو
للإنسان وسائر المخلوقات.....))
وتابع يفيض بفلسفته الشاقة. ((في الأزل فاض الوجود
عن ذاته. كما تفيض الشمس بالنور. وبعد أن وصلت ذروة التراكيب والدوائر في
تطورها ـ طبعاً ضمن الوحدة الكونية ـ إلى الإنسان. كرم هذا المخلوق الذروة
بنور العقل المستمد من النور الشعشعاني الأسمى. فوجب عليه مسؤولية الاختيار
في الحياة، بموجب هذا التكريم...)) ثمَّ رأيته قد اغتمّ. فجأة، وأخذ يندب
((أسره)) في هذا القصر، وفي جسده أيضاً، ليربأ بنفسه الزكية إلى ((فوق) عن
أوشال مستنقعات عالم الـ ((تحت)) وأوضح أن الخلاص من رباق هذا الأسر. لا
يمكن إلا بنيل حرية الخير التامة التي تتحرّر من عطالة القيود الطارئة،
لتتسع وتتسع. وكأنها تسعى لتملأ الكون وتغمر العالم.
((فالحرية هي الشرط الشارط، لكل اختيار عمل، في هذه
الحياة))....
وقال: هذه هي الحياة المنشودة، الحياة الآخرة. حياة
الإنسان العقل، الروح... ولا أدري كيف عدت ونطقت مدفوعاً بما كنت قد
اقتبسته: ((الحياة مسؤولية. كما العقل اختيار ومسؤولية يا... سعيد... اعتقد
كنت قد سمعت مثل هذا الكلام)).
راحت تتولد على شفتيه ابتسامة. كأنها ملء الدنيا من
شدة فرحه.
وصاح: ((المسؤولية مقرونة بالعمل، تماماً، فالعمل
واجب على الإنسان في هذه الحياة، ليختبر فيها به ويمتحن من خلال مجابهة
العيش والناس و....))
وظل للحظات وهو تحرقه نار لـهجته وتلهب دمه.
لبدت في مكاني مكتفياً بما أحرزته كتلميذ نجيب هذا
اليوم.
دنا مني وقبلني. لو يستطيع أن يغمرني بأسارير وجهه.
الذي شع مثل كوكب، لفعل ثمَّ انهال علي يوضح ما كنت ألمعت إليه. حلق بجناحي
عشقه السامي يقطف نجوم الكلمات المتوهجة من سماء لغته الصافية:
ـ ((الحياة رسالة. بل الإنسان رسالة بعقله وروحه
معاً. وعليه أن يشغل في حياته روحه وجسمه وحواسه وجوارحه. جنباً إلى جنب.
ليمد نفسه بمخزون طاقي كوني، فالأعضاء إذ ما توقفت عن وظيفتها تضمر وتبطل،
وكذلك الروح إذا ما عاد إليها الإنسان وأشغلها بقضاياها السامية تخمد))....
سَكَتَ.
وسكتُ. ولكن رحت أستعرض في فكري، سلوك هذا الرجل
الفريد وما طبقه على نفسه في نضاله الميداني، من نظام دقيق. وشروط صارمة.
تراه ينادي بالعدالة ويوزع أملاكه الخاصة وما ورثه من أجداده، كابراً عن
كابر.... وينادي بالسياسة كمقومة صدق اجتماعية. وطبقها عملياً في تأسيس حزب
سياسي. ونفذ منطلقاته النظرية بالعمل على صعيد الواقع. لا تنظيراً مثالياً
مكتوباً على الورق. وذلك من أجل تكوين مجتمع إنساني حقيقي ـ مثالي ـ هذا
إضافة إلى حياته الروحية الزهدية الخاصة وما يقوم بها من مجاهدة في الجسم
والنفس والحواس والجوارح بوساطة تمارين اليوغا وغيرها من الطقوس.
حقيقة شعب بكامله لا يساوي مقدار ربع قامته!
ـ ((هذا الجسد الفاني ـ وأشار إلى قامته ـ سأقدمه
إلى الظالمين في هذه الحياة. \
المهم ألا يطفأ نور العقل. وأبقى في مسار القضية
التي ندبت)).
ـ ((شجاعة)). / نطقت في سري.
ـ ((ما بعدها شجاعة))!/ نطق في علانية. وابتسم
يجاملني.
أجبت: ((ولم الخوف))؟
ـ ((لا خوف على سطح هذه الأرض للإنسان المؤمن)).
حقيقة شعرت بانطلاق غريب، في هذه الجلسة وعدت أكمل
فرحي بنجابتي.
ـ ((الفرح الحقيقي، هو القرب من الله والأنس منه،
وبه)).
عدت، واستذكرت حياة الذين اعتزلوا سني عمرهم، في
صوامع الجبال، اختصاراً للقرب. وذلك عن طريق المجاهدة المقرونة بالنيات
الحسنة، والصبر وقوة الإرادة...
ـ ((لمَ تغير لون وجهك))؟
ـ ((أنا مازلت حديث العهد في هذه الحرفة الصعبة
يا.......))
ـ ((سعيد)).
ثمَّ نهض وامسكني من كتفي وأدخلني إلى غرفة فخمة من
غرف قصره. وهنا انشطف لون وجهي أكثر. توجد في الغرفة حاجات امرأة. هل هذا
الناسك الزاهد لـه زوجة؟
هل العبّاد مثله يتزوجون؟ أعود وأكرر أنني أرافق
رجلاً غريب الأطوار! فالمرأة، وحسب معرفتي المتواضعة، تشدّ إلى الـ
((تحت)). على العكس من منهجه الذي يشدّ إلى فوق.
طبعاً، فاجأني: ((ما تتساءل عنه، هو صحيح. هذه غرفة
لامرأة هي زوجتي)).
ـ ((أنت تزوجت))؟
ـ ((نعم، أنا عرفت المرأة كزوجة مرة واحدة في حياتي
ونمت معها ليلة واحدة في حياتي واستولدتها ولداً في حياتي، لأتركه جذراً لي
في هذه الحياة الترابية قبل أن أغادرها، ولم يكمل....)).
لم أعد أعي، من فرط دهشتي، بسبب زواجه!
ولكن بعد أن استعدت شعوري. واستقرّت تماماً، قسماتُ
وجهي. كأنني عدت سمعت: ((الزواج عقد قران ما بين الرجل والمرأة...)).
استمهلته، بعد أن رفعت يدي في الهواء لأوكدّ ما سمعت
ونطقت: كيف؟
ـ ((يتم هذا العقد برضاء الفريقين. للمشاركة، معاً
في هذه الحياة الدنيا.
والوظيفة الأسمى لـه هي بقاء النوع الإنساني على هذه
الأرض، من خلال تبدل الأقمصة البشرية، التي تحل فيها هويات (الهيولى ـ
الروح) المجردة)).
ثمَّ ((... رأيتها، يوماً، تجمع بعض أشيائها، وتستعد
للرحيل...)).
*** *** ***
ـ (أراك، يا مرأة، تحزمين أشياءك.
ـ ذقت ذرعاً بك يا رجل. هذه الحياة معك لا طاقة على
احتمالها.
ـ إذا نهيتك عن لباس (الموضة) وأقلام الروج
والمسكرة... تغادرين البيت الزوجي وتتركين طفلك الوحيد!
ـ أتركك وأتركه و....
ـ يا مرأة
ـ قلت لك لا طاقة لي على احتمال الحياة معك. متى
ذهبت بي إلى حفلة؟ إلى نزهة؟ أهذه حيا...
ـ أنا....
ـ أنت فقط لقراءة كتب الهنود، واجتماعات نسكك،
وتأملاتك في خلوتك وملواتك.
ـ يا...
ـ وحزبك السياسي. وكتابة مقالاتك وجريدتك وأضابير
المراجعين وأصحاب الشكاو....
ـ يا مرأ...
ـ دعني منك...
((طاق ........ طاق)). / وصفقت الباب
*** *** ***
وسرد علي كيف عادت وفسخت عقد الزواج معه بناء على
رغبة فردية تلبستها ((كشيطان رجيم)) ـ على حد تعبيره ـ وأوضح أن أهم
الأسباب كانت تتمثل في عدم قدرتها على المجاراة في حياة زوجية نسكية. وحين
عاد بي إلى غرفة الجمجمة الحميمة. ((تقت لأشغل بتأميلي وتماريني وطقوس
عبادتي...)).
تركته ورحت أتخيل ما سيضفي عليه، من صفاء وتماهٍ،
بقدر ما في القلب من زخم شوق وحدّة وجد. وما في عقله من قوة نور...
كل هذه القوى الخلاقة. وما ستضيفه إليها من نشاط
حيوي تمارين (اليوغا) ستنقله إلى عالمه المنشود. حيث هناك تضؤل ((الأنا))
الفردية. وينتهي تمرد عالم التراب في كيانه ويصبح كالأولياء الصالحين.
وها هو ذا يلتفت حولي ويقول: مذهلٌ العالم الآخر،
العالم الأبدي للإنسان (العقل، الروح)...!/
ثمَّ سكت وأغمض عينيه. غام. هل يهيئ نفسه للمشاهدة
((العشقية)) التي يروم؟
طال وقت إغماضه.
خفت.
ناديته: سعيد... سعيد....
شق جفونه: ((آه لو تركتني، كدت أشاهد الحبيب...))
حالة لغوية في قاموس مصطلحاته فاجأتني. نعم ذكر
((كلمة الحبيب))! ماذا يقصد ماذا يعني؟ أسمعها منه أول مرة اليوم. هل فشا
بها إليّ؟ أو أن منزلتي قد ارتفعت عنده وصرت استحق تعابيره الخاصة؟ طبعاً
ثمَّة ألفاظ ومقولات ومصطلحات سريعة العطب. لا تنال إلا بقدر من المجاهدة.
ووفق رتب زهدية معينة.
استرخى قليلاً، وأخذ نفساً على مهل، كمن يرشف قطر
السماء ثمَّ نطق: ((كنت كالمأخوذ ألتقط الجواهر والدرر. ويغمرني ريحان
((الحضرة)) في اللحظة الكمال.../ وسكت.
ثمَّ نطق: ((نعم...نعم))
ونهض كالولهان يقبّل الهواء ذات اليمين وذات الشمال.
حين جلس ظلّ زائغ العينين وحين أثبتهما عليّ، كرر:
ـ ((مخاليق مخاليق نورانية.. أشباح .... أرواح
مجردة....))
وبقي يتمتم كلمات ومفردات مبهمة وغامضة لا تفك
طلاسمها. ولا أدري كيف جفلت لما عاد وغفّ علي، كنسر حط من عل، يقبلني
ويعانقني، وهو بحالة جذل فائق، كأن لا تسعه أرض في ذينك الإرتقاء الروحي،
والسلام الداخلي، اللذين ينعم بهما. غير أنني افتكرت بهذه المصافحة: هي
يودعني؟..
وقي الحقيقة. تعبت في هذه الجلسة. وكلت كل الحواس
لدي. فأجدني صرت أجاهد عيني في مقاومة رغبة النوم... بل رنّقت جفوني عدة
مرات أمامه.
*** *** ***
تراني لم أعد أطيق اصطباراً للعودة إليه. وقبل أن
يحل بي نزق طارئ دسستُ جسمي في ثيابي المألوفة ورحت أدرج في سروتي. شعرت
بلسع برد الغداة يسوطني. كانت قد تكومت تلال الشفق، على أواخر الليل الذي
جلل الكون بسواده.
مضى وقت لم أحسبه.
حين عبرت بوابة القصر، ودخلت عليه، ابتسم.
لم أدهش من ارتداء بذلته الرسمية، اليوم غير الجمعة.
خطأ أمامي في بهو القصر. وتأرجحت قامته المكللة برأس حاسر ذي شعر مخلوط
بالأسود والأبيض ترك دون ترجيل.
لم أجئه على عجل هذه هي عادته.
فراشه ما زال مطروحاً في مكانه. إنه يفضل نوم الأرض
على نوم السرير.
درجت وراءه، كتابع. نفخ متأففاً. كأنه يعاني معضلة
صعبة. بل تكلم: ((خيبات... هزائم... ذاتية وجماعية...))
حين جلسنا رأيت شخصه الحاني دققت النظر كأني أتعرف
إليه من جديد. بان لي وقوراً مهيب الطلعة، نحيل اليدين. كفاه مملؤتان
بالعروق.
ظل الصمت يشاركنا الجلسة فترة من وقتنا. ركز نظره
أمامه، بعد أن أسند صدغه بأصابع يده اليمنى. أخذ يشده كأنه يحاول عصره
ليفرز أفكاراً أكثر.
بلى! تراه لو يستطيع أن يتحول إلى كم هائل من
المشاعر والأحاسيس لفعل كم نبش رأسه لاستنباط الحلول لقضايا العالم
ومجتمعه؟
لم يفصح بعد عمَّا تسرب إلى قلبه من أفكار وما هي
الرؤى السديدة التي تراءت لـه في عالمه الداخلي...؟
ولكن، يبقى عنده العالم الخارجي هو الأصعب جهاداً
كما يبدو.
على كل، استعذبت فترة الانتظار هذه. وظللت أتحدث مع
روحي. عاد وانتبه: ((أراني لا أجد، لدي، فراغاً، الوقت ضيق كخرم الإبرة)).
تنهد وتابع: ليتني أجد فسحة من الزمن أطول. تظلمننا
الشمس بما تصنعه من أيام وشهور (فوق هذه الأرض).
ثمَّ أوضح خطورة ((حضارة آخر زمان ـ حضارة الأحذية
الملمعة ـ و...))
أف... نفخ
ثورة من الأفكار نشبت لديه. ما شاء الله لكم ينصهر
بقضاياه
أجدني للآن لم أنطق في حضوره شيئاً. بل استخدمت عيني
بنظرات جانبية، حوله وعلى وجهه وهيئته...
ـ ((قل))/ حثثت نفسي.
واستحسنت فكرة:
ـ ((مشاغلك الكثيرة تجعل حياتك أعجوبة))
بشّ وجهه بي نوعاً ما: ((ومع هذا أعيش في عزلة.
أعيشها وأنا في الشارع والمحافل الاجتماعية كما لو كنت في وحدتي بغرفة
الجمجمة.)).
ألاح برأسه وتابع بلهجة حارة، كأن اشتعلت بها شفتاه:
((....نعم... لـهذا أجدني أقسم زمني إلى حياتين: الحياة الخاصة، أمارس فيها
طقوس عبادتي، وتأملي، وتمارين اليوغا، وقراءاتي من نشيد وشعر وحكمة وسير
المفيدين... والحياة العامة، أكرسها للمجتمع والناس والدولة وكتابة
المقالات والمحاضرات والاجتهادات في منطلقات الحزب. وكتابة افتتاحية
جريدته. ثمَّ دراسة الاعتراضات وعرائض شكاوي المواطنين وتقديمها للحكومة
والمسؤولين في الدولة...
لم أعد أسمع
قلت والإشفاق يهزني ((ألا يوجد وارث لأبينا آدم
غيرك؟)).
انفجر بضحكة لم أسمعها منه من قبل، ثمَّ نطق:
((انظر)). نظرت أغماراً من الأوراق والأضابير والمصنفات مركونة هنا وهناك
في زوايا البهو، وعلى الطاولة والأرائك.
همست في نفسي: ((رجل يعيش خارج الزمن)).
أجاب فوراً دوامتي هذه عسل روحي. ومعارضتي جهادي
وعبادتي. ونصرة الجوعى تسبيحيتي التي أسبح بها الخالق جل وعلا)).
سكَتَ.
ـ ((العالم))؟ / نطقت هذه الكلمة دون أن أدري لماذا؟
ـ ((العالم سيصدقني)).
ـ ((أنا من جهتي صدقتك)). / فطنت أنني عدت لسياق
والكلام.
ابتسم.
ثمَّ قال: ((في النهاية تكمن النتيجة))
ـ ((الآخرة، يا فاخرة)). / أجبت
ازداد اتساع عينيه. وقهقه حتّى بانت آخر نواجذه:
ـ ((هذا مثل حقيقي ابتدعه الناس من معمعة
الواقع))...
نفخ وتابع: ((كل شيء عدا الحياة الآخرة فان، أنت
فانٍ أنا فان ـ قبل أن يعلن أرسطو هذا القانون....))
ثمَّ نفخ ثانية: ((كنت قد كمنت في هذا الجسد ، ودام
كموني طويلاً، مكثت فيه قرابة الستين سنة، من السنين التي تصنعها الشمس
حولنا.
ـ ((وها أُراني سأترك هذا الجسد، بعد عدة سنوات،
وأرحل....)).
رأيته يترنح في البهو. كأن الموت يقدم لـه أوراقه
الثبوتية..)).
همست: لأتركه سابحاً في ((صعوده)) العذب هذا. يجنح
حيث تهيم روحه في عليائها... إبْيه...!
كم ظهر لعين خياله، من مفاتن لا تحصى في هذه اللحظات
الدافئة..))!
عاد إلي، ونطق: ((أجدينها سكرى هناك بمناظر الزنبق
والليلك والريحان والياقوت والمرجان و....))
سكت وأغمض عينيه، وهو ما زال يكردح أمامي. استعرضت
مشواره في عالمه الخارجي، ونشاطه الجاد...
أقبل عليّ رافعاً يده:
ـ ((هذا أوان الجد، فاشتدي زيم...)).
ثمَّ زفر وتابع:
ـ ((نعم... نعم يسمونني بالمشاكس الذي لا يعجبه
العجب ولا الصيام في رجب...
ـ ((نعم.. سأبقى معارضاً سأبقى هكذا إلى أن يأزف وقت
الرحيل...
ـ ((هَهْ... ! قرب وقته والله أعلم... اللهم اشهد
أنني عملت، وبلغت..)). وصمت مطرقاً، كأنه يريد إنهاء هذه الجلسة. كما يريد
أن ينهي حياته ((الأرضية)) بتلك العبارة.
نظرت من النافذة. كانت الشمس في الخارج قد استكملت
نهارها. وابتلعتها شفتا السماء والبحر الداميتان. نظرت وكنت مفعماً كشاعر
أخذ يستكمل، برؤى الصمت الكوني، مشروعه.
   
حنين اللون الأزرق10
لا انفكاك لي إلا أن أعود.
رأيته جاثماً بقميصه المعروف أمام خيمة.
ـ ((هذه هي الربدة، التي كنت قد عرفت))! / سكت
مقطّباً. كأنه حبس في رأسه سلسلة من مشاجرات مفتوحة...
أفرجت شفتي.
وقبل أن ينطق أخذ يشرح مهمة من يعمل مصلحاً في هذه
الحياة الأرضية ـ على حد تعبيره ـ ثمَّ خلص إلى ((أنه يحمل نعشه مجنّحاً
نحو ذاك اللون الأزرق))...
ـ ((في القصر معارضة، وفي الربدة وجد وتوهج
للمعارضة))...
حّرضته ثمَّ تركت الكلام.
ـ ((سأدخل كما دخلت قصورهم وأعارض وأقاوم...))
ثمَّ سرد علي حديثاً مطولاً عن القضايا التي تصدى
لـها في قصور الحكام والقادة كرجل مستجيب لدين الله ويعمل بوحي منه. وكيف
ذهب إلى الحاكم وناظره وساءله. بل طلب منه كشفاً عن أمواله الحرام وأموال
حاشيته، بجرأة نادرة. يجلجل بصوته كهزيم رعد. ثقة تامة في النفس، كمفوض من
السماء! حقيقة قيل عنه بعد ذلك إنه صار يستقبل بعد ذل كفاتح، عندما يزور
المدن، من الناس الذي كانوا يرددون أحكامه المشهورة، وقولاته في إحقاق
العدل. حتّى طارت أخباره بمناظراته، في أصقاع البلاد، وصارت كأجراس تدق في
الأذن نذير الخلاص. كما صار شعاره: ((بشر الكافرين...) نشيداً يردده الناس
في كل مكان...
ثمَّ أعلمني أنه عندما يموت لم يجد لـه كفناً يكرم
به بأمر من القادة الحاقدين عليه...
وفي هذه اللحظة، فطنت بأمر: ((أنت تعيش قميصك هذا
بتولاً. أي لم تتزوّج))؟
ـ ((نعم))
ثمَّ أوضح لي انه أول من نادى بالزوجة الواحدة. فقط،
لتحقيق العدل المطلوب في الكتاب. وكذلك أخذ يشرح لي عن تضخم الأنا الفردية
والقبلية، في هذا العصر إذ انتقلت باتساع ورمها من الفرد إلى العشيرة.
((ليعود سلطان العصبية إلى الجاهلية الأولى والثانية، والأحزاب والتحالفات
من جديد، من أجل التسلط على الرعية ونهبها...))
وضحك بابتسار ليخفي غصّة علقت بحنجرته.
أنا بدوري، بعد أن سمعت منه ما سمعت. فتحت يدي. كمن
يأمل أن تتحقق أحلام يقظته.
أمعن نظره فّي.
ـ ((ثمَّ حكم عليك بالربدة)).
نفخ زفرة كاوية: ((كنت قد قلت لك: الحق لم يترك لي
صاحباً... وتكفني صحبته)).
نطقت سليقة: ((أنعم وأكرم))!
ثبت نظره أكثر في وجهي وأخذ يحدثني: ((ستبقى البشرية
تعوم على وجه هذه البسيطة في بحور الاستغلال..
ثمَّ:
((ولكن لا بدّ أن تعود إلى الزمن الأول إلى الصفاء
الأول)).
كان قد استراح خاطري، فاستوعبت أفكاره ونطقت: ((هذا
الأمر مؤكد يا... سعيد... فالزمن لـه مفهوم دائري... عفواً لـه مسار
دائري...)).
قاطعني تعجّباً بالفكرة: ((مساره كالبيكار يعود إلى
النقطة التي انطلق منها...))
وأردف: ((للتاريخ دورات وأدوار. تتكرر باستمرار
و.....))
وتلقيت درساً بليغاً في ((موضوعة)) عودة للتاريخ...
تذكرت هذا الرجل الذي يكرر نفسه ـ كالتاريخ نفسه ـ
فجزمت أنه يعيش في غير زمانه وفي غير مكانه، من حياته التي يكررها على هذه
الأرض... يتكلم في الفكر وفلسفة التاريخ. ويحمل عصا المعارضة. يقود في ساح
الكفاح الاجتماعي حزبه من المؤمنين ـ جماعات المستضعفين في الأمة ـ يا لـه
من رجل! تبتل بالجهاد والفكر والعبادة وعشق السماء الزرقاء. حتّى ما وراء
العقل!....
ثمَّ أقبل علينا جمهرة من الناس. أعتقد أنهم فريق من
مناصريه ـ جماعته ـ اعتذر مني، وانصرف معهم...
وأنا جالس وحدي. شعرت بالدوار يلفّني. وكأن صارت
الربدة تدور بي. أو أنا تحولت إلى (دوّامة)!
أمسكت رأسي بيدي علني أثّبت نفسي.
*** *** ***
صحوت ! نظرت. وجدته قبالتي يقوم بتعديل جلسته ويكرر
متاهة العصا والرمل.
ثمَّ حدّق إلي. في عينيه بئران من الأسرار والمعرفة!
نطق: ((من أجل إحقاق الحق وسيادة العدل والإنصاف، في
الدولة...))
وأخذ |