الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 20/04/2008

إلى صفحة الكاتب

دراسات                             الإشارة الجمالية في المثل القرآني

 

 

الأواصر المكانية 

الأواصر الزمانية

المثل الصوري 

الإشارة الجمالية

المثل الحكائي 

الصيغة الحكائية

 التبئير الحكائي

الزمن الحكائي

 

بقلم الكاتب: د. عشتار داود محمد

 

 

 

 

الإشارة الجمالية في المثل القرآني دراسة

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

وقل ربي أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا.

الإسراء 80

المقدمة

لقراءة موضوع ذات صلة (القصة في القرآن)

 

كثرت الدراسات التي تمحورت حول الخطاب القرآني وتشعبت، ولاسيما في الأزمنة المتاخمة لظهور الإسلام، وكانت ـ نتيجة لحداثة عهدها بهذا الخطاب الإلهي ـ مناسبة لمقتضيات عصرها، من خلال انشغالها بالخلافات التي نجمت عن الثورة الفكرية الهائلة التي أحدثها القرآن، وكل بحسب اتجاهه. ولذلك كانت تصب جل اهتمامها على الآليات التي تعزز ذاك الاتجاه الفكري، وتصلح للرد على سواه. وبهذا تكون قد ابتعدت تماماً عن استجلاء القرآن بوصفه خطاباً موحداً، تلك الوحدة التي لا يتم استشفافها إلا من اختلاف موضوعاته وتنوعها، والتي جمعها تنوع آخر هو الهيكل الفني للقرآن، من انقسامه على أجزاء تنتظمها سور معينة تنتظمها آيات معينة كذلك. ومن هذا التنوع الذي يسوده خيط دلالي واحد، نستجلي بعده الجمالي، الذي كان السر في عدم تناهي تأويلاته، ومن ثم خلوده.

إذاً لا مراء في جمالية الخطاب القرآني، تلك الجمالية التي طالما وقف العقل الإنساني إزاءها عاجزاً، نظراً لما يتمتع به من بعد مزدوج، عبر توظيف الجمالي في خدمة التواصلي، ليتمازجا معاً في بودقة واحدة، لم يكن لأي خطاب أدبي أو تواصلي أن يجاريه فيه.

وإذا كانت تلك الدراسات مناسبة لعصرها، فمن غير المجدي تناول الخطاب القرآني الآن على الشاكلة القديمة نفسها، لأنه سيند عندها عن التنامي الكبير لمتطلبات العصر. إذ إن الشوط الذي قطعته الذات الإنسانية في مجال بحثها عن وجودها، أدى إلى وصولها إلى درجة من التكامل بينها وبين كل ما حولها، وانخراط كل تلك الأجزاء في تشكيلها، من خلال تساوقها فيما بينها تساوقاً كلياً. أي أن رؤيتها إلى الكون الذي يقطن خارجها، هي التي ستحدد ذاك الوجود، وإذا كانت عناصر ذاك الكون الخارجي متنوعة، فإنها لا بد من أن تتحد أخيراً، لتتحقق عملية الإدراك المتكامل.

وبهذا فإن النظرة إلى القرآن الكريم بوصفه كوناً مقروءاً، لا بد من أن تصب أخيراً في ذاك التكامل القرائي، لكي تصل بالعقل الإنساني الذي وصل إلى درجة عالية من التعقيد، إلى الإقناع، لأن تأخر تلك النظرة عن الركب من حولها، قد يؤدي إلى انفصالها الكلي عن مجريات الأمور من حولها، لتكون هي في واد والتفاعل الإنساني مع العالم في واد آخر، وبذلك تغيب عن الأذهان أهم سمة من سمات تميز الخطاب القرآني، وهي أن يكون القرآن الكريم وسيلة لفهم الكون المنظور بالدرجة الأساس، وهذا سر ديمومته ومناسبته لكل الأزمنة الإنسانية، على المدى. لأن وقوف الدراسات في تطورها عند مرحلة زمنية معينة دون أن تبرحها، لن يوقف ـ بأي حال من الأحوال ـ التقدم السريع للزمن، الأمر الذي سيؤدي إلى اغترابها، ومن ثم إلى تنامي فجوة فسيحة بينها وبين عصرها، مما سينعكس على مجال بحثها ـ القرآن الكريم ـ. وبدلاً من أن تكون وسيلة للتقريب بين الذات الإنسانية والقرآن ستكون وسيلة لاغترابها عنه. وانزواء الإنسان المسلم في ركن قصي، ينأى دوماً إلى التاريخ ليكون مهرباً لـه من ذاك الاغتراب الذي يعانيه من حاضره، وشبح المستقبل الدنيوي الذي يطارده، فصار بذلك بعيداً عن رسم ذاك المستقبل، وتحديد أبعاده. وهنا مكمن الخطر، لأن ديمومة الخطاب القرآني تقتضي مناسبته لكل العصور، لا الماضي منها حسب، لا بل إن البعد الاستشرافي فيه، هو الذي يمده بصفة الديمومة تلك، لكون الزمن لو وقف عند لحظة معينة لما كان زمناً، لأنه سينقطع بمجرد تلاشي تلك اللحظة، لانتفاء تواليه، ومن ثم انتفاء التفاعل معه، الأمر الذي تسبب في العزوف عن تقصي الخطاب القرآني في ضوء المقتربات الحديثة. وإذا كانت ثمة قطيعة بينه وبين المقتربات النقدية الحديثة، فإن القطيعة هي من فعل ذاك الانزواء الفكري، ليس إلا.

ولتخطي تلك القطيعة بينهما، لا بد من تسخير أحدهما في خدمة الآخر، والأدعى أن يتم تسخير تلك المقتربات لخدمة الخطاب القرآني، لا العكس، فلا نبحث عن بعض الإشارات المتفرقة لإثبات وجود علم من العلوم الحديثة فيه، بل نستخدم معطيات ذاك العلم لغرض الوصول من خلالها إلى نظرية معينة، قد ضمنت ثنايا هذا الخطاب المقدس.

وإذا كان القرآن معجزاً في حد ذاته، بوصفه معجزة الإسلام، فلا بد لأية مقاربة تنحو إلى استحصال فهم صحيح لـهذه الرسالة، من الانشغال بهذا الجانب دون سواه، إذ تتمثل خصوصيته في التمازج المتحقق في بودقته بين بعديه الجمالي والتواصلي، فلا أهمية تذكر للإشارات الجمالية دونما انخراط شتاتها عبر بؤرة دلالية واحدة. وليس ثمة أنجع من علم الإشارة في استجلاء ذاك النظام، الذي من الممكن أن تندرج تحته كل أجزائه. وما أحوجنا إلى قيمة موحدة تجمعنا، في خضم ضغوط عصرنا الراهن.

ولا مناص من الإشارة هنا، إلى التكامل الفكري الذي يحظى به هذا العلم بوصفه يستثمر مقولات سواه، لتكون منطلقاً لـه، ولكن دونما أن يقف بها عند الحدود الوصفية، وإنما يسعى دائباً للوصول إلى تخريج دلالي موحد يجمع الشذرات المتفرقة لذاك الوصف.

وفي الخطاب القرآني بنى نصية كبرى، استحقت أن ننعتها بذلك، نظراً للحضور الدلالي المكثف الكامن فيها، وكأنها تشف عن بنية نصها الأكبر ـ الخطاب القرآني ـ، يمثل المثل إحداها، فثمة رباط حتمي لفن يجمعها بسياقها الداخل ـ نصي. من هنا استمد المثل القرآني افتراقه عن المثل علمه، ولاسيما الشعبي، الذي لا يحيل إلا إلى ما هو خارج ـ نصي. لذلك نكون غير ملزمين بتتبع خصائص الأخير ـ بذريعة أن المثل مدار الرصد قد خرج من تحت ظلته ـ باستثناء بعض الخصائص المشتركة التي ترتبط بالأصول الأجناسية للمثل، ولكن مع مراعاة التلاقح المتحقق في بنيته بين المثل عامة، والخطاب القرآني خاصة، ليذوب الأول في مصهر الثاني، ويستحيل بذلك إلى أداة من أدوات شتى، مسخرة للوصول إلى النقطة ذاتها.

وإن الطابع الشمولي للمسار الذي ترسمناه للدراسة، كان ناجماً بالدرجة الأساس، من تحديد مجال التقصي بالإشارات الجمالية، وهو ما اقتضى بالضرورة، عدم الاقتصار على بنيات المثل، لأن الطابع الجمالي، يتطلب الكشف عن مكمن الائتلاف بين بنيات المثل المتنوعة، على مدى الخطاب القرآني، التي ما هي إلا تنوعات جزئية من خطاب موحد أكبر، تتماثل كل بناه ـ على اختلافها ـ في إحالتها إلى الثيمة ذاتها.

وعلى حد علمنا إن الدراسات التي تناولت المثل القرآني بالتقصي قبلاً، لم تنشغل بهذا الجانب قدر انشغالها بجوانب أخرى، وأهم تلك الدراسات:

ـ الصورة الفنية في المثل القرآني: لمحمد حسين الصغير: وقد اتخذت من معايير البلاغة منطلقاً لـها، لـهذا صبت جل اهتمامها على المثل الصوري تحديداً.

ـ الأمثال في القرآن الكريم: لمحمد جابر الفياض: وكانت رائدة في إشارتها إلى ما يندرج ضمن الدراسات المقارنة، عبر مقارنة المثل القرآني مع المثل في الكتب المقدسة الأخرى، وفي اللغات الأخرى.

وقد تصدى لتينك الدراستين دارسان متمكنان من أدواتهما، استطاعا أن يصلا بهما إلى الهدف الذي اختطاه لـهما بدءاً. لـهذا فنحن بكلامنا السابق، وباختيارنا المثل القرآني ميداناً لدراستنا، لا نبغي التقليل من أهميتهما، وإنما أردنا ـ فقط ـ إيضاح اختلافنا معهما من حيث الهدف، الذي ترسمناه لدراستنا هذه. وهو لا يمنع اتفاقنا معهما في بعض المنطلقات، التي كنا نستشهد بها في حينه.

وقبل الولوج في الدراسة التطبيقية، كان لا بد أولاً، من إخضاع أركان العنوان الثلاثة: (الإشارة) و(الجمالية) و(المثل القرآني) للتقصي، لغرض استجلاء الرابط الحتمي بينها، قبل تحقيقه بين الوحدات المثلية كافة، وبينها وبين الخطاب القرآني عامة، في الميدان التطبيقي من ثم، لكي يكون كفيلاً للاضطلاع بمهمة كهذه. وإن استقصاء كهذا لتلك الأركان، جعلنا نخصص تمهيد الدراسة لبيان مفهوماتها أولاً، ومن خلاله الكشف عن الرابط الجامع بينها. وكل ذلك كان لـه أثره الفاعل في إيضاح النهج الذي ستختطه الدراسة.

وإذا كان المثل القرآني يستمد تشكله من مسربين رئيسين هما: الصورة والحكاية، فلا بد إذن من وضع ذلك التنميط في الحسبان، قبل الشروع في أية مقاربة، لأن آليات تقصي كل منهما تختلف عن الآخر. بيد أن ذلك لا يعني أن تتم دراسة المثل بوصفه صورة أو حكاية، وإلا لاندرج ضمن سواه من الصور والحكايات، التي يزخر بهما الخطاب القرآني، دونما أن تكون لـه خصوصية تذكر. وكثيرة هي الدراسات التي تناولت المثل القرآني بوصفه صورة محض أو حكاية محض، وشتان بين أن يعد كذلك وبين أن يعد مثلاً صورياً أو حكائياً، فهو إذن مثل قرآني قبل أن يكون أي شيء آخر سواه.

فكان الأولى تقديم المثل الصوري. بوصفه يمثل الكثرة الكاثرة في المثل القرآني. نظراً لاختلاف المنظورات التي تمّ النظر من خلالها إلى تقنية (الصورة)، صار من اللازم علينا تبني مفهوم معين للصورة، كي لا يبقى منظورنا لـها عائماً. وبما أننا لم نجد في التقسيمات المتداولة للصورة، ما يغطي ذاك الحضور الثر للمثل التشبيهي، قياساً بندرة الاستعارات وسواها، فكان لا بد من اجتراح تقسيم يميز التشبيه من سواه، فوجدنا أنه ينفرد فنياً بحضور طرفيه سطحياً، لا كسواه من التشكلات الصورية، مما يميزه حتى عن الاستعارة التي تقف معه في محور المشابهة، فاستثمرنا ذلك في تقسيمنا للفصل، على أساس توفر الأواصر الزمنية، أو عدمه. فانقسم نتيجة لذلك إلى مبحثين رئيسين هما:

ـ الأواصر الزمانية: وتتحقق مع التشبيه.

ـ الأواصر المكانية: وتتحقق مع غير التشبيه من تقنيات صورية تحقق المشابهة لا على المستوى السطحي للنص.

أما التقسيمات الداخلية للمباحث فقد تحكم بها ميدان التطبيق ـ المثل القرآني ـ بالدرجة الأساس أيضاً.

وعند انتقالنا إلى نمط مثلي مخالف هو المثل الحكائي، فقد اقتضى التسلسل المنطقي منا تحقيق الربط بين فصلي الدراسة ـ الصوري والحكائي ـ كي لا يبدوان متنافرين على الصعيد النظري أولاً، الذي سينعكس من ثم، على الصعيد التطبيقي ثانياً. لذا كان لا بد لنا من إثبات عدم اقتصار الأدب الصوري فقط على عنصر المماثلة، لأنه سمة عامة تشمل الأدب في جملته، ومن ضمنه الحكائي.

أما مباحث الفصل، فقد وجدنا في التقسيم الثلاثي إلى: صيغة، وتبئير، وزمن. ما يحقق تزامن المستويات الثلاثة للمثل الحكائي من: راو، ومروي، ومروي لـه.

وارتأينا تقديم المبحث الخاص بالصيغة، للاكتفاء بما ورد في مدخل الفصل من كلام عن الصيغة التي يلتزمها الجنس الحكائي عامة. فتم ذكر الصيغ الحكائية الرئيسة، وقد وجدنا أن النصوص التطبيقية ألزمتنا باجتراح تقسيم معين لـها.

أما في المبحث الثاني ـ التبئير ـ فقد تحققت انعطافة في ميدان الدراسة، من خلال الانتقال من المروي إلى الراوي ورؤيته وصوته. وقد تطلب ذلك تقصي كل الآراء التي قيلت في ذاك الباب، لغرض تبني واحد منها، من شأنه أن يشملها جميعاً.

أما المبحث الثالث الخاص بالزمن، فقد تم تأخيره نتيجة لقناعتنا التامة أن الزمن وحده الكفيل بتحقق المعنى، ودراسة بدون زمن، هي بالضرورة بدون معنى. فوصلنا من خلال دراستنا لـه إلى نتيجة تنخرط عبرها كل تحليلاتنا المثلية السابقة.

وبما أن الدراسة السيميائية لا تكتمل إلا عند وصولها إلى نقطة المعنى، كان لزاماً علينا أن نفرد مبحثاً أخيراً لعرض تلك النتيجة الثيمية المعنوية، لكي لا تبدو الدراسة مبتورة.

أما عن الصعوبات التي واجهتنا إبان رحلة البحث ـ على كثرتها ـ فإن اكتمال الدراسة يغيبها جميعاً، ولا يبقي منها إلا أكثرها تأثيراً، وهو ندرة المراجع التي تناولت الخطاب القرآني بحسب المقتربات الحديثة فقد طالت يد التقدم العلمي كل شيء من حولنا، إلا الخطاب النقدي القرآني، وهو لأمر محزن حقاً، أن يضيع الهدف الرئيس الموحد، المنشود من القرآن الكريم أصلاً، بين تلك الدراسات المتفرقة.

عشتار 2003

 

التمهيد

 

أ ـ مدخل إلى الإشارة:

إن طابع التجريد الذي يتسم به (الأدب) بوصفه فناً، جعله يترفع عن الانصياع تحت طائلة الرصد. فهو غير محدد القسمات، دائم التشكل، ذو طبيعة هلامية، يكتب هويته المتجددة من سياقاته المتعددة. الأمر الذي يفضي بنا إلى التشكيك في أدنى مسلماتنا إبان التعامل معه. عبر تساؤلات تقفز إلى باحة الرصد.. من الممكن صياغتها بالشكل الآتي:

ـ من يؤول من؟! أنحن من يؤول النص؟ أم هو من يؤولنا؟! أو بعبارة أخرى: هل يمثل النص قراءة من قبل المنشئ لسياق ثقافي معين؟ أم أنه قراءة من قبل القارئ لنص أحكم إغلاقه؟ أم أنه ـ أخيراً ـ قراءة من قبل النص نفسه، لذوات القراءة بتعدديتهم، واختلاف مشاربهم؟

فإذا كان عدم انصياعه يرجح كونه نصاً محكم الإغلاق، فمن أين اكتسب تعدديته القرائية، وانفتاحاته على فضاءات متجددة إذن؟ وإذا كانت وجوهه الكثيرة والمتوالدة وترجح انفتاحه انفتاحاً أزلياً، فإن ذلك سيعني إدراكنا سلفاً، بأن كل قراءة هي في حكم لاحقاتها كاذبة، فعلى ماذا تنعقد إذن؟ بل ولماذا؟! وما التأويل. إذا لم يكن القبض على (المعنى)؟ ذاك المعنى الذي كلما أحكمنا الإمساك به، أدركنا أنه محض سراب أسر، يجعلنا ننقاد وراءه في مطاردة لم يحدد الطرف الرابح فيها أبداً. أهو النص الذي لم يلو عنانه أحد؟ أم (القارئ)، الذي يبدع نصوصاً متجددة وهو يتعامل مع أفكار سواه، عبر تآلفه مع "النص والتجربة، لتغدو تجربته، بظلال يضفيها، بعد أن يبلغ ساحتها انفعالاً وإحساساً( )؟

إذ لا مراء في القدرة التخديرية الهائلة، التي يسلطها النص على أذهان قارئيه، من خلال إيهامهم بنشوة تأويلهم لـه. الأمر الذي يستدرج القارئ إلى الالتذاذ بمعاودة القراءة.. وسرعان ما تتبدد تلك النشوة، لتنمو أخرى بدلاً منها.. وهكذا دواليك. وبهذا تصبح القراءة ليست إلا تعديلاً مستمراً لسابقاتها. وهو ما يجرنا إلى أبعد من ذلك، من خلال التساؤلات عن ماهية الأدب، بل الفنون عامة، أو، بتعبير آخر: طبيعة مادتها، فليست ثمة ضوابط معينة يمكن قولبتها على أساسها، كما هي الحال مع سواها، لأنها تسدّ المنافذ عن التنبؤ ـ سلفاً ـ بالتمظهر الذي ستتخذه عند إخضاعها لتأثير معين. الأمر الذي دعا النقاد إلى الانشغال بمادتها تلك، عن سواها، فهم على اختلاف مقترباتهم، لا يخرجون عن السير نحو هدف معين في دراستهم لـها، هو محاولة رسم صورة لمادة دراستهم تلك، دون أن يصلوا إلى نتيجة قارة.

وإذا كانت ثمة إجابة أولية نضعها نصب أعيننا هي: أن (اللغة) تمثل المادة الخام للنصوص الأدبية بتشكلاتها المختلفة فـ "ليس الأدب إلا لغة، أي أنه نظام من الإشارات"( ).

بيد أن هذه الإجابة فضلاً عن كونها بديهية، فإنها ليست نهائية، لأنها تنفتح على تساؤلات أبعد غوراً( )، طالما إن (اللغة) ـ في حد ذاتها ـ ما هي إلا "نظام من الإشارات System Of Signs التي تعبر عن الأفكار"( )، وبهذا فإننا لم نصل إلى مفهوم محدد للغة، لأننا ـ ببساطة ـ لم نحدد مفهوم (الإشارات)، التي تتألف منها بعد.

وعلى الرغم من الأهمية القصوى لمصطلح (الإشارة Sign)، فقد اكتنفه الكثير من الغموض والتشويش. وهو ما نعزوه إلى عدة أسباب، أهمها( ): ما علق به عبر أحقاب زمنية متباعدة، وتيارات فكرية متفاوتة من دلالات عائمة، حتى وصف في أحد المعاجم بأنه "عصيّ جداً على التعريف، وخاصة أن الاتجاهات الحديثة في علم اللغة تميل إلى اعتبار الإشارة مفهوماً عاماً، يخرج عن كونه مجرد إشارة لفظية أو معنوية"( )، لأنها صارت تدل على ما تحيل إليه الموجودات، فهي شيء يخبر بشيء آخر، أو يعرف به ويحل محله( ).

ومن خلال هذا المفهوم لـها تكتسب (الإشارة) سمتي التحديد والانفتاح، اعتمادا على زاوية النظر التي تحيل إليها، أتنتهي عندها عملية التدليل؟ أم أنها ستحيل إلى إشارة جديدة؟ من هنا جاء اختلاف وجهات النظر حول مصطلح (الإشارة)، وانسرابه عبر اتجاهين رئيسين.

بيد أنها انعقدت ـ على الرغم من ذلك ـ حول الاقتران الجدلي بين ركنيها: (الدال) و(المدلول). إذ من المحال أن نفكر في أحدهما دون الآخر. فوجود الدال بدون المدلول، هو عبارة عن الشيء بمفرده، إذ في هذه الحالة يكون للشيء صفة الوجود فقط، فلا يدل ولا يعني أمرا زائدا عن هذا الحد. وبالمثل فإن المدلول بدون وجود الدال. لا يمكن وصفه، ولا التفكير فيه، أنه عدم محض"( ).

واختزالاً نقول: إن وجهات النظر تجاه مصطلح (الإشارة)، لم تسلك مسلكاً واحداً، في طريقة تناولها لركنيها ـ الدال والمدلول ـ فقد انشطرت إلى اتجاهي علم الإشارة الرئيسين: الأول: لا يقصرها على ركنيها المحايثين حسب، وإنما يتعداهما إلى ركن يتموضع خارجاً هو (الموضوع)، ويتمثل بالاتجاه السيموطيقي لبيرس. أما الثاني: فينحو منحى محايثاً، من خلال قصره الإشارة على (الدال) و(المدلول) حسب، ويتمثل في الاتجاه السيميولوجي لسوسير.

وقد تمخض ظهور هذين الاتجاهين، في باكورة القرن المنصرم، عن ولادة تيارات متشعبة، كانت تتجاذب حيناً وتتضارب أحياناً أخرى، بسبب اختلاف الإرهاصات النظرية المؤسسة لكل منها. بيد أنها ـ في أيّ حال من الأحوال ـ لا تنفك تدور في فلك اتجاهي ثلاثية الإشارة أو ثنائيتها.

وإذا كانت التيارات الحديثة، قد خرجت من تحت ظلة هذين الاتجاهين المؤسسين، صار لزاماً علينا تقويم تعريف بهما، عبر آراء كل من رائديهما: بيرس أولاً، وسوسير ثانياً:

إذ إن الإشارة بحسب بيرس: "هي نمط خاص للتركيب يتم انطلاقاً منه تنظيم الواقع وفق وجود أقسام من التمثيلات العلامية التي تغطي مناطق من العيش والمحسوس والمتخيل"( ).

وبإمكاننا القول: إن بيرس ـ وهو يحدد الإشارة على هذه الشاكلة ـ قد وضع ثالوث التواصل الإشاري، فالمعيش/ الماثول يحيل إلى المحسوس/ الموضوع، الذي يفسر على وفق المتخيل/ المؤول، ليكون "(الماثول) هو الأداة التي نستعملها في التمثيل لشيء آخر، يطلق عليه (...) (الموضوع)، وفق ظروف خاصة في الإحالة، يوفرها (المؤول)"( ).

ولكي يغدو عرضنا منطقياً لا مناص من إيضاح هذه الأركان تباعياً، انطلاقاً من الماثول مروراً بالموضوع وانتهاء بالمؤول. ولكن ليس قبل التنويه بأن هذا التقسيم الثلاثي هو ليس إلا تقسيماً داخلياً للإشارة، إذ إن (بيرس) نفسه يؤكد "أن علامات( ) الممثل، والموضوع، والماثول، تخرج من كونها تشكل علامات، إذا أخذت مستقلة عن بعضها (..). فالالتحام بين هذه العلامات الثلاثية، هو الذي يشكل العلامة"( ). لـهذا لم يكن تواجد الممثل أو الماثول تواجداً نهائياً، لأنه رهين بتواجدين آخرين، الأمر الذي جعله موازياً عند بيرس للإشارة في حد ذاتها، بوصفها بديلاً، فكل منها "شيء ينوب بالنسبة لشخص ما عن شيء معين بموجب علاقة ما (......) أي يخلق في ذهن هذا الشخص علامة معادلة"( ) وبهذا فإن الماثول هو الفعل الأول للإشارة قبل أن ترتبط بشيء أو شخص ما، فهو الإشارة بوصفها حدثاً أولياً، ذا طابع استقلالي، إنه إذن "الصورة الصوتية، أو الصورة المرئية ـ إذا كان الأمر يتعلق بكلمة معينة ـ ولأنه أول، فهو عماد (...) الدليل بما هو دليل بغض النظر عن علاقته مع موضوع"( ).

أما فيما يخص (الموضوع) فإن فهم الإشارة يتوقف على فهم موضوعها بوصفها تجلياً لـه( )، فهو ـ إذن ـ يكتسب أهميته مما يسبغه على الإشارة من طابع منطقي لأن، ربط الإشارة بموضوعها يبرر وجودها، بوصفه "المعرفة المفترضة التي تسمح لنا بالإتيان بمعلومات إضافية تخصه"( ) فهو ـ إذن ـ أرحب من الإشارة نفسها، لـهذا لم يكن ثمة مسلك مباشر للوصول إليه، وإنما مسالك متعددة، تفضي إلى موضوعات كثر، على الرغم من ثبات الإشارة، لأن التمثيل الإشاري "بحكم الطبيعة الخاصة للممارسة الإنسانية، قاصر عن استيعاب مجموع ما يوفره الموضوع ضمن دائرة تمثيلية واحدة، نتيجة لما يسميه بيرس بـ (قصور العلامة)"( ).

إن موضوع الإشارة إذن هو ليس شيئاً مادياً ملموساً، إنه حصيلة تداعيات نتائجها العملية، لأننا "لا نستطيع أبداً معرفة الشيء في ذاته، إننا نعرف فقط العلامة التي هي دليل عليه (...) ذلك أن موضوع العلامة لا يمكن أن يكون موضوعاً لنفسه، إنها علامة لموضوعها، من خلال بعض مظاهره( ).

وبهذا فإن كل شيء يصبح ـ لدى بيرس ـ موضوعاً لإشارة، حتى الذات الإنسانية، بوصفها مشكلة قبلاً( ). لأن الإشارة لا تكتسب تحققها لديه، إلا عبر ربطها بإشارة أخرى، الأمر الذي يفضي إلى سلسلة لا متناهية من الإشارات، وهو ـ بالضبط ـ ما دعا بينفنسنت ـ فيما بعد ـ إلى التساؤل: إذا كانت "العلامات، في نهاية الأمر، لا تحيل إلى شيء سوى علامات أخرى، فكيف يمكن أن نخرج عن نطاق عالم العلامات المغلق نفسه؟ هل نستطيع ـ في نظام بيرس (......) ـ أن نجد نقطة خارج هذا السياج نرسي فيها علاقة تربط بين العلامة، وشيء آخر غير نفسها"( )؟

من خلال ما سلف بإمكاننا أن نستشف أن تحقق موضوع الإشارة لدى بيرس، مرتهن في تواجده بتواجد آخر هو (المؤول)، فما دمنا مضطرين "من أجل تحديد موضوع علامة، على استحضار علامة أخرى، فإن الموضوع لا يشكل حداً نهائياً لمتوالية إبلاغية ما. إن ما يمكن أن يحدد هوية العلامة (......) هو المؤول"( ).

إن (المؤول) ـ باختصار ـ هو عملية "التوسط بين الممثل والموضوع، إنه لمدلول الخاص للدليل والحصيلة أو الأثر"( ). ويمثل المؤولّ البعد التداولي أو القانوني في العلامة. إذ إن النتيجة التي يتمكن (المؤول) من الوصول إليها يجب أن تعمم.

فبيرس بوصفه مؤسس الاتجاه الذرائعي في الفلسفة، يرى أن ما هو ناجح في هذه اللحظة، ناجح في كل الأزمنة والأمكنة، من خلال نظرة أكثر شمولية للجانب العملي الذي يحققه، وهو ما لا يتحقق إلا عبر ما يوفره المؤول من إمكانات تنفتح على فضاءات متجددة، وليست حبيسة لحظة معينة، بقدر ما يستمر هذا النجاح في الواقع، الأمر الذي يمنح الذات فرصة للانعتاق "من ربقة كل الإرغامات التي يفرضها الزمان والمكان، عبر الامتلاك الرمزي للكون"( ).

وبموجب ذلك تكتسب الحقيقة حتميتها ووثوقيتها بعد تحققها، بوصفها تمثل "ما تسفر عنه نتائج أفكارنا في المستقبل، وهي نتائج ذات طابع عملي، لأن النتائج لا تنشأ إلا من خلال العمل"( ).

ومن هذا المنطلق بالضبط، اكتسبت (الذرائعية) تسميتها، إذ إن الأفكار تصبح ناجحة عملياً، في الربط بين أجزاء تجاربنا ربطاً متساوقاً، لتكون بذلك نظرية في الصدق القائم على الخبرة التي تتحقق واقعياً. فهي إذن لا تقوم على الفروضات التي تجعل الذات على مسافة من الواقع، وإنما على قيمتها المعنوية عبر صيرورتها، التي تكون معياراً لنجاحها وصدقها، فتؤكد "إن ما هو كائن يتوقف ـ إلى حد غير قليل ـ على ما ينبغي أن يكون"( ). وهذا ما يوصلنا إلى أهم ما دعت إليه الذرائعية، وهو (الاعتقاد). فهي بنبذها النظرة المطلقة إلى الحقيقة، أضفت عليها أهمية أكبر، من خلال نظرتها العملية إليها، إذ إن "الاعتقاد في صحة الفكرة، (هو) التعود على ممارسة السلوك أو الفعل الذي يترجم للمعنى، إذ يستطيع الإنسان ـ بناء على صحة اعتقاده في معنى معين ـ أن يمارس ما تعوده من أنواع الأفعال المختلفة، كلما عرض لـه هذا المعنى"( ). وبهذا تكون الذرائعية قد أحدثت انقلاباً جذرياً في طريقة النظر إلى (المعنى)، فقد صار من المسلم لديها أن معنى "الكلمة أو العبارة هو الذي يوجه الإنسان أو يرشده إلى نوع من السلوك أو الفعل"( ). وبما أن المعنى غدا متخذاً طابعاً تجريبياً، عملياً فإن ذلك يؤكد أن الذات الحرة، المنفصلة عن الواقع، هي ليست إلا أكذوبة. وهنا تكمن مهاجمة بيرس لآراء ديكارت "فالذات نص شأنها شأن العالم. ولذلك فإن فكرة ذات لا متشكلة ومستقلة، هي فكرة يكتنفها الإشكال تماماً (...) مثلما يكتنف الإشكال العالم اللامتشكل والمستقل"( ).

قدمت الذرائعية حلولاً منطقية لإشكالات طالما نأت عن المعالجة الموضوعية، فهي برصدها للذات ولردود أفعالها، قد تمكنت من إيضاح كثير من الأفكار الغامضة، التي ليس من الممكن رصدها بذاتها، دون الرجوع إلى آثارها الحسية على الصعيد العملي، وبذلك قدمت خدمة جليلة للمعتقدات الميتافيزيقية، التي كانت آيلة للسقوط بعد فشل الفلسفة المثالية في مواكبة متطلبات العصر، ولاسيما بعد هيمنة الفلسفات التجريبية والتحليلية "فإننا نلاحظ اليوم أن معظم الفلاسفة المعاصرين لم يعودوا يقنعون بتفسير (الوجود) عن طريق مبدأ ميتافيزيقي (واحد)، (......) بل هم أصبحوا يلتجئون إلى مبادئ متعددة، محطمين بذلك شتى الإطارات الميتافيزيقية( ) فجاءت الفلسفة البراجماتية ـ الذرائعية ـ لتحافظ على القيم الميتافيزيقية، من خلال النظر إليها نظرة عملية، فما دام الإيمان بفكرة يقاس، على أساس نتائجها على وفق هذا الاتجاه الفلسفي، فإن الإيمان بالله مثلاً، يقاس بما يحققه من آثار على حياة المؤمن، فهو إذن يتمثل بـ "شعور بالانسجام الباطن العميق؛ شعور بالسلام والراحة والاغتباط، شعور بأن كل شيء يسير على ما يرام في داخلنا وفي العالم الخارجي أيضاً. وإذا كان من أخص خصائص الشعور الديني، أنه يشعرنا بأن الحياة خلاقة مبدعة، فذلك لأنه ينطوي على الإحساس بمشاركة قدرة أعظم من قدرتنا، والرغبة في تحقيق التعاون مع تلك القدرة في تحقيق أعمال المحبة والتوافق والسلام"( ).

بيد أن اهتمام الذرائعية بمسألة الإيمان كان في درج اهتمامها بكل معتقداتنا ذات السلطة. وهنا تكمن الخدمة الثانية التي قدمتها الذرائعية للمعتقدات الميتافيزيقية، من خلال عدم إنكارها مبدأ (السلطة)، إذ إنها لم تتعال عن مشاكل وهموم الإنسان، فكانت بذلك فلسفة قيمية عامة، من خلال إعطائها القيمة "سلطة في توجيه السلوك"( ).

لا مناص من الانتقال الآن إلى فرناند دي سوسير، مؤسس الاتجاه السيميولوجي في هذا العلم. فقد لاقت آراؤه حول الإشارة ذيوعاً واسعاً في الأوساط النقدية، نظراً لاقتصارها على الإشارة اللسانية حسب، فهي لديه "تربط بين الفكرة والصورة الصوتية، وليس بين الشيء والتسمية. ولا يقصد بالصورة الصوتية، الناحية الفيزياوية للصوت، بل الصورة السيكولوجية للصوت، أي الانطباع أو الأثر الذي تتركه في الحواس"( ).

إن وضع تحديد سوسير هذا للإشارة قيد الرصد، يحيلنا إلى أنه آثر قصر الإشارة على ركنيها المحايثين قسراً وهما: (الدال) و(المدلول)، ويكون ـ بذلك ـ قد أغفل (الموضوع) الذي كان قد أولاه بيرس حيزاً كبيراً من اهتمامه. ونتساءل هنا: إذا لم يكن موضوع الإشارة هو ما يجمع بين الدال والمدلول، فما الذي يجمع بينهما إذن؟

ليس من شك في أن عزل الإشارة عن موضوعها، يجعل من العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية غير معللة( )، وقد استلهم سوسير رأيه هذا من استكناه بديهيات، طالما نأت عن ساحة الرصد، نظراً لشدة تعارفها، أهمها: سمتا الآنية والزمنية، اللتان تتسم بهما اللغة، أية لغة، إذ من خلالها تم التمييز بين نظام اللغة والكلام. أما (الآنية) فتعني: الاستقلال النسبي للغة داخل المجتمع الواحد، وضمن حقبة زمنية معينة، فلو كانت اللغة تبريرية معللة، لتعددت بتعدد وجهات نظر مستخدميها، إذ "إن الطبيعة الاعتباطية للإشارة، هي في الحقيقة العامل الذي يقي اللغة من أية محاولة لتغييرها"( ). أما ذاك التغيير الذي يبدو ظاهراً، بتغير المتكلمين بها، فهو تغير كلامي لا لغوي.

أما (الزمنية) فتعني: اختلاف الكلمة ذات المدلول الواحد من لغة إلى أخرى. فهي لو كانت ترتبط سببياً بمدلولها، لما اختلفت باختلاف المكان أولاً، والزمان ثانياً( ).

وعلى الرغم من اتسام اللغة بالثبوت والتغير، أو بالآنية والزمانية في الآن ذاته، فإن الفصل بينهما "في نطاق الدراسة اللغوية ضرورة منهجية ونظرية، في آن واحد، ذلك أن المفهوم الواحد يختلف معناه وقيمته حسب تناولنا لـه، تناولاً زمانياً تطورياً"( ). ولكن ليس قبل أن نسلم أن هذا الفصل ما هو إلا فصل شكلي، يقتضيه التحليل حسب. لا بل إن كل الثنائيات التي تولدت عن نظرية سوسير هذه من: (دار/ مدلول)، (آنية/ زمانية)، (لغة/ كلام)، (شكل/ مادة)، ليس ثمة عزل تام بين قطبيها، لأنها "متشابكة متفاعلة متضامنة"( )، وفضلاً عن ذلك فإن هذا التفريع أتاح لسوسير الفرصة لتغطية كل من هذه الأقطاب تغطية شاملة، الأمر الذي حدا به إلى المفاضلة بين قطبي الزوج الأول منهما، من خلال تقديمه الآنية (التزامنية) على الزمانية، ما دامت اللغة في نظره نظاماً من الإشارات، فهي ـ إذن ـ "ليست طبيعية بل (...) مؤسسة اجتماعية تواضعية، لا يخضع نظامها إلى معطيات خارجة عنها"( ).

لقد لاحظ سوسير "أن اللغة كتلة مختلفة من الحقائق متباينة المصادر، وأن الطريق الوحيد لجعلها شيئاً معقولاً، هو فرض شيء يسمى النظام اللغوي، وطرح أي شيء آخر جانباً"( ). فإن اللغة لديه تكتسب منطقيتها لا عن طريق العلاقة بين الدال والمدلول، ولكن عن طريق العلاقة داخل النظام الواحد بين دال ودال آخر، أو بين مدلول ومدلول آخر، "فالفكرة أو المادة الصوتية التي تحتوي عليها الإشارة أقل أهمية من الإشارات الأخرى المحيطة بهذه الإشارات والدليل على ذلك قيمة أي عنصر مجاور"( ).

وقد كانت لآرائه هذه أهمية قصوى، بوصفها تشكل إحدى الإرهاصات المؤسسة للمنهج البنيوي، عبر الاهتمام بالعلاقات المحايثة. فإن الأفكار تكتسب كينونتها لديه، بعد تشكيلها تشكيلاً لغوياً، إذ "لو كانت الكلمات تمثل أفكاراً حول وجودها سلفاً، لكانت جميعاً تعبر عن معان واحدة في اللغات المختلفة"( )، وبهذا يكون شكل اللغة لديه أسبق من فكرها، ومن هنا اكتسبت العلامات أهميتها، بوصفها تمييزاً بين الأفكار المختلفة، "فلولا اللغة لأصبحت الفكرة شيئاً مبهماً، غير واضح المعالم. إذن لا توجد أفكار (..)، ولا تتميز (..) قبل ظهور اللغة"( ). وهذا الترجيح لشكل اللغة على مادتها جعله يتكلم على قيمتها اللغوية ويميز تلك القيمة بفكرة معينة: أي أن لـها هذه الدلالة أو تلك: بل ينبغي مقارنتها بقيم متشابهة، أي بكلمات أخرى تتقابل معها. فمحتوى الكلمة يقع خارجها. ولما كانت الكلمة جزءاً من النظام، فهي لا تملك الدلالة حسب، بل لـها أيضاً قيمة، فالقيمة والدلالة شيئان مختلفان"( ). وبتعبير آخر: إذا كانت الدلالة تتحدد بنظام العناصر المتقاطعة مع بعض فإن قيمة كل منها لا تتحدد إلا من خلال اختلافها عن سواها إذن، "فإذا قلت إن كلمة ما تدل على شيء ما، حين أقصد بذلك الارتباط بين الصورة الصوتية والفكرية، فإنما أعبر عن قول قد يوحي بما حدث فعلاً، ولكنني لا أعبر عن الحقيقة اللغوية في جوهرها، تعبيراً كاملاً"( )، ما دمت قد عزلتها عن بقية الكلمات، إذ إنها تستمد قيمتها من تميزها عن العناصر الأخرى المشابهة، لـهذا ذهب سوسير إلى اقتصار اللغة على "الفروق أي العناصر السلبية، دون العناصر الإيجابية. وسواء أخذنا المدلول أو الدال فإن اللغة لا تملك أفكاراً، ولا أصواتاً لـها وجود قبل النظام، وكل ما تملكه هو الفروق الفكرية والصوتية التي نبعت من النظام"( ) ذاته.

نستشف من ذلك أنه ليست ثمة إشارة مستقلة بذاتها، لأنها تكتسب خصوصيتها، بل إشاريتها، من اندراجها ضمن نظام لغوي، من خلال ما تقيمه من علاقات داخله، "فحيثما كانت هناك علامات كان هناك نظام، وهذا ما تشترك فيه ألوان النشاط الدالة المختلفة. وإذا كان على المرء أن يحدد طبيعتها الجوهرية، فقد وجب عليه أن لا يتناولها فرادى، بل بوصفها أمثلة للنظم السيميوطيقية. وبهذه الطريقة تعود الجوانب التي غالباً ما كانت مختفية أو مهملة فتصير واضحة"( ) عبر إجراء عملية رصد للعناصر، بحسب أنظمتها التي تنتمي إليها، والقواعد التي تحكم هذا النظام. فإن السيميولوجيا تصب جل اهتمامها على رصد (قوانين المعايشة)، التي تبحث في كيفية ترتيب الأشياء على شاكلة معينة لا أسباب تواجدها( ).

وعود على بدء فإن الطبيعة التزامنية للغة هي من يشكل النظام، تلك الطبيعة التي تتمظهر عبر علاقات الحضور والغياب، أو المجاورة والاستبدال. وتتمثل عبر تراص الكلمة مع جاراتها تراصاً معيناً أولاً، فلكل "كلمة علاقة أفقية مستقيمة مع الكلمات التي تسبقها وتعقبها. إن جزءاً كبيراً من قدرتها على إفادة المعاني المختلفة ينبع من هذا النموذج الترتيبي"( )، أما الجزء الآخر من هذه القدرة فيتحدد عبر اختيار كلمة، وغياب كل البدائل الممكنة الأخرى، إذ "إن غياب عناصر معينة يخلق ـ إلى حد ما ـ معاني الكلمات الحاضرة، وبالتأكيد يغربلها ويصفيها"( ).

نستجلي من هذا الاهتمام الكبير بالنظام من قبل سوسير، أنه يرجح في دراسته نظام اللغة باجتماعيته على الكلام بفرديته، فإذا كانت (اللغة) هي الكلام في قيد التأجيل، بوصفها تمثل كل القوانين التي يحتكم إليها الكلام إبان تحققه، فإن (الكلام) إذن هو اللغة في قيد التنفيذ، بوصفه يمثل جانبه الفعلي الفردي. وهو ما نلحظه جلياً في تحديد سوسير للغة بقوله عنها: "هي ظاهرة اللسان مطروحاً منها الكلام. فهي المجموع الكلي للعادات اللغوية التي تساعد الفرد على أن يفهم غيره ويفهمه غيره( ).( ). فهي إذن العرف الذي تنهل منه جماعة لغوية معينة. على العكس من الكلام، الذي يمثل التحقق الفردي لـها. لذلك كان على الإنسان لكي يفهم التجربة الفردية، أن يدرس أولاً "المعايير الاجتماعية التي تجعل من هذه التجربة ممكنة"( ).

وأخيراً نقول: إن مدار اهتمام سوسير الأنظمة العرفية من لغة وما شاكلها، غافلاً عن تشكلاتها. بهذا نكون قد وصلنا إلى تفسير تحديد سوسير لـهذا العلم في معرض تقديمه لـه، حين وصفه بقوله عنه: يمكننا أن نتصور علماً موضوعه دراسة حياة الإشارات في المجتمع، مثل هذا العلم، يكون جزءاً من علم النفس الاجتماعي، وهو بدوره جزء من علم النفس العام، وسأطلق عليه علم الإشارات Semiology (......)، ويوضح علم الإشارات ماهية مقومات الإشارات، وماهية القواعد التي تتحكم فيها"( ).

وعود على آراء بيرس يجعلنا نرى أن ماهية هذا العلم لم تختلف لدى كل من مؤسسيه، إذ "وقع الاتفاق بين العالمين في تحديد مهمة هذا العلم الجديد المناطة به، بأنها وصف تلك الأعراف القائمة وراء أكثر أشكال السلوك والتمثيل الفا لدى الناس"( ).

إذ إن (علم الإشارة) يسعى دائباً إلى وضع قانون تقريبي للأفعال الإنسانية، لـهذا لم يكن حكراً على الألسنية وحدها بل إنه يولي الحقول المعرفية الأخرى اهتماماً، "فإذا قلنا إن المعاني التي يضفيها أبناء حضارة ما على الأشياء أو الأفعال ليست عشوائية صرفاً، فعندئذ لا بد أن يكون هناك نظام سيموطيقي للفروق والمقولات وقواعد الترابط"( ).

فالتواشج الحتمي بين السيميائية والألسنية ليس محكوماً بالإشارات اللسانية حسب، بل إن للإشارات غير اللسانية نصيباً وافراً فيه أيضاً، لـهذا صار علم الإشارة هو العلم الذي يدرس الأنساق الإشارية على اختلاف تشكلاتها، سواء أكانت لسانية أم غير لسانية، جمالية أم غير جمالية. وإذا اتسم علم الإشارة بسعة تجواب مقتضياته المرجعية فإنه عندما يدخل ساحة النقد الأدبي سيقتصر على الإشارات اللسانية والجمالية تحديداً، ليستحيل إلى منهج نقدي من بين مناهج شتى، بيد أنه يبقى يدين في صيرورته، وتمظهره لعلم الإشارة الذي يمده بكل منطلقاته، وهو ما عبر عنه أحد النقاد بالقول: فنحن إذاً "ما طلبناه كعلم وجدناه يحوي الألسنية ويتبناها، ولكننا إذا ما استعنا به كمنهج نقدي وجدناه ينحسر على نفسه شيئاً فشيئاً، ليكون أخيراً واحداً من مناهج الأدب التي تتركز على الألسنية، وكأنه هنا لا يحتويها لكنها تحتويه. وهذه جدلية إيجابية بين العلمين تؤدي إلى تأكيد كل واحد منهما وغرسه في الآخر، وليس إلى إلغائه بعيداً"( ).

ب ـ الإشارة الجمالية:

إذا كان المسار البنيوي ارتأى لنفسه اتخاذ التوظيف المحايث للبنيات اتجاهاً لـه، عبر رصد التعالق الحاصل في بناء تتزامن فيه الكينونات الجزئية، محققة نظاماً في غاية الانسجام. فإن ذلك في أي حال من الأحوال، لن يند عما يوفره هذا البناء المتكامل، من قيمة تواصلية عليا، فالنص ـ بحسب هذا المفهوم ـ ما هو إلا "مجموعة من العمليات السيمولوجية التي تأخذ أثناء جريانها في إنتاج معناها"( ).

والأدب ـ بوصفه فناً ـ لـه خصوصيته التي تميزه من سواه من أفعال التواصل عامة، واللساني منها خاصة في بناء معناه. إذ إنه يؤدي إلى قلق تواصلي دائم، لكونه يمثل بنية الانزياح المستمر، التي تنبذ الركون إلى جاهزية المعنى وقيمته التواصلية الدنيا. وهذا ما يجعل من الطريق المفضية إلى ذلك المعنى غير معبدة، على الرغم من كون إجراءات المقترب السيميائي لا بد من أن تصب أخيراً في بودّقة (المعنى).

تنحو السيميوطيقا البنيوية إلى تقصي النظام الذي يحكم بناء النص، عبر ثلاث مسلمات رئيسة هي( ):

1 ـ مراعاة انغلاق العالم الألسني.

2 ـ تمحور كل بنى النص حول بؤرة معينة.

3 ـ ثمة مستويان قرائيان للنص هما: (التجلي) و(الكمون).

أما بشأن المسلمة الأولى ـ انغلاق العالم الألسني ـ:

فإن النص يصبح بموجبها خالقاً لواقعه، وليس واقعه هو الخالق لـه. إذ إن اللغة تحدد الكيفية التي بها ندرك الواقع ونتصوره، ومن ثم نستنتج، إن جاز القول، إن اللغة تحدث وتبدع الصورة التي تكون لنا عن العالم"( ). ومع هذا التسليم، لا بد لنا من التساؤل عن كيفية التعامل مع الطابع المرجعي، اللصيق بكل خطاب أدبي، نظراً لما للأدب من كينونة اجتماعية!

إن المعرفة الإنسانية، لا يمكن أن تكون "مجرد فكر بلا زمان ولا مكان، وبلا مجتمع وبلا حضارة، إنما هي نظام فكري ينشأ في عصر، ويقوم به جيل، ويخدم مجتمعاً.. ويعبر عن حضارة"( ). وإن وجود حضارة في مجتمع ما يقتضي ـ بالضرورة ـ وجود نظام من الأعراف، وإن فهم هذه الحضارة يتطلب ـ من ثم ـ بناء نظام الأعراف هذا من جديد( ). ولا يمكن استشفاف ذلك إلا من خلال ما يسمى بمحتوى الشكل، الذي يسعى إلى دراسة "النص أو العمل الفني، ليس كعمل متأثر بالمجتمع، وإنما بوصفه عملاً اجتماعياً، ظاهرة اجتماعية بذاتها، تكمن اجتماعيتها في داخلها، وليست مفروضة عليها من الخارج (.....)، فليس ثمة شكل ومضمون لأن المضمون هو مضمون الشكل، وليس ثمة داخل وخارج، لأن الخارج كامن في الداخل"( ).

وهنا ـ بالضبط ـ يكمن مدار اهتمام أية دراسة ذات طابع جمالي، لكونها تنطلق من بديهية كون الفن يعرض الحقيقة "بشكل جَديد، ومهمة علم الجمال أن يكشف لنا كيف تم هذا العرض للحقيقة"( ). بطريقة معينة دون سواها. ولا مراء في أن هذا المبدأ، هو من المبادئ الرئيسة في اللسانيات الحديثة عامة والسيميائية الأدبية خاصة، "فسؤال الجمالية (...) أصبح مطروحاً للبحث في موقعه وموضوعه الأهم، أي داخل حقل (الشعرية)، كما بلورها النقد الألسني الحديث"( ).

فإن القيمة الجمالية للعمل الفني، لا فيما يقوله في حد ذاته، إذ من الممكن صياغته بطرائق غير فنية أيضاً، ولكن في طريقة القول، فهو إذن "يستمد دلالته من وجوده، لا من حقيقة قبلية أو من معنى سابق عليه. ووجوده يتلخص في تأثيره، وهو يستمد حياته ومعناه من هذا التأثير، ومن استجابة الناس لـه"( ).

فمعنى العمل الفني إذن يكمن في الشكل، لا في أي مكان خارجه، لذلك كان الفن بحسب لانجر رمزاً "له معنى، وهذا الرمز يبدو من خلال الصورة (......)، فالصورة الفنية تتمثل (في الطريقة التي تفرض علينا نوعاً من الانتباه للمعنى الذي تفرضه، وهي الطريقة التي تجعلنا نتفاعل مع هذا المعنى ونتأثر به)"( ).

فالنص إذاً ـ بوصفه حدثاً فنياً ـ هو الذي يشكل نظامه، وليس النظام هو الذي يشكله، فيبني بذلك تاريخاً متحكماً في التاريخ الخطي، نظراً لعدم القدرة على اختزاله دلالياً إلى معنى أحادي( ). وهنا تكمن الإشكالية: إذ كيف للنص أن يبني نظامه إذا كان هو ـ في حد ذاته ـ مفارقاً لنظام ما؟! فثمة اتفاق نقدي على انحراف الأسلوب الأدبي عن معيار قاعدي معين، محققاً ما يدعى بتقنية (الانزياح ـ Deviation)، بيد أن عقد هذا الاتفاق قد انفرط عند محاولة النقاد تحديد ماهية هذا المعيار( ). أكثر الآراء التي قيلت ـ في ذلك ـ اعتدالاً، هي تلك التي ذهبت إلى اعتماد سياق النص ذاته، ليكون نظاماً أو معياراً لقياس انزياحه. إذ إنه بحسب هذا الرأي "نموذج مقطوع بواسطة عنصر غير متوقع، والتناقض الناتج عن هذا التداخل، هو المنبه الأسلوبي"( ). وهنا يكمن حل الإشكالية، إذ يغدو النص عندها هو النظام وخرقه في آن معاً.

بيد أن ذلك لا يمنع من وجود موجهات ميتا ـ لغوية، من الممكن استثمارها في وصل الانقطاع الحاصل جراء الانزياح الأسلوبي، الأمر الذي دعا إلى اجتراح مصطلح ( المفارقة Irony )، الذي راح ينافس ( الإنزياح) عبر مساره الذي بدأ يستقل عنه شيئاً فشيئاً، بعد أن كان يمثل أحد تشكلاته، ليكوّن لـه خطاً مستقلاً، يقترن عادة، بمفارقته عن المعنى المشترك الناجم عن تعاقد ما بين أصحاب الاتصال. إذ يظل المرسل في المفارقة "على ثقة من أن المرسل إليه عنده معلومات كافية، تجعله لا يمكن لـه أن يصدق القول حرفياً"( ).

وهذا التعديل الإجرائي في الدراسات النقدية المعاصرة، لم يتحقق لولا مراعاة مقولات (التداولية). إذ إن التداولية ـ وحدها ـ بإمكانها رتق الصدع الحاصل في سياق الكلام، لأن الإشارة بموجبها "تعيش من خلال الاستعمال"( )، ولا يتحقق الاستعمال ما لم يتحقق التواصل المنشود بين المرسل والمتلقي. وهو ما كان لـه أثره الفاعل في تحويل مجرى المقاربات الأدبية المعاصرة، فبدلاً مما كانت تعانيه من إيغالها في الانغلاق، راحت تنفتح على أبعاد تواصلية، تتمثل في تقصي نظام التواصل الحاصل بين المرسل والمتلقي. الأمر الذي دعا إلى ظهور السيميائية منهجاً نقدياً، وبهذا تعد التداولية ضرورة حتمية من ضرورات السيميائية، إذا لم تكن وجهها الآخر. فكل من الطرفين ـ التداولية والسيميائية ـ عنده ما يمكن أن يفيد به الطرف الآخر، بمعنى أن المقام يقتضي أن يشتغلا معاً. ممّا يفرض في أحسن الأحوال وجود قاسم مشترك بينهما، هو اتفاقهما معاً على الإشكالية نفسها"( ).

إذ إن عمل متلقي النص ـ القارئ ـ هو ذاته عمل متلقي الكلام إذا ما اعترضه أدنى خرق، من خلال اعتماده ـ لأجل تفكيك سننه ـ على اقتضاءات الكلام، التي تقدم "تفسيراً صريحاً لمقدرة المتكلم على أن يعني أكثر مما يقول، أي أكثر مما يعبر عنه المعنى الحقيقي للألفاظ المستعملة"( ) ( ). وقد انسحبت هذه البيديهية التداولية إلى السيميائية، لتحقق ـ بذلك ـ تجانس النص الأدبي، عبر ملء الفجوات الناجمة جراء مفارقة المعيار القاعدي. إذ لا مراء في أن حضور المفارقة يحمل ـ في طياته ـ تغييباً لوحدات معينة، كان من شأنها أن تظهر، إلا أن حضورها بقي مغيباً، على القارئ أن يتحراه، "لأن المتكلم إذا انحرف عن استعمال موافق للحكم والقواعد، احتاج المستمع ـ في الأقل ـ إلى تقدير مبدأ التعاون، حتى يتوصل عبر استدلالات متتابعة إلى المقتضى الذي يقصد المتكلم إبلاغه، أما البغية من هذا الخرق، فهي توليد الصور البيانية"( ). وفي ضوء مبدأ التعاون هذا، لا بد من أن يكون المتكلم متعاوناً، ليتم التفاعل بين المشاركين في عملية الاتصال، بأن تكون المشاركة على النحو الذي يقتضيه المقام والمقال( ).

ولكن ألا يحجم وقوع النص في أطر التواصلية من أدبيته المتطلعة دوماً، إلى نبذ كل ما من شأنه أن يسوقها إلى مهاوي التقنين؟!

لا بد من أن تكمن الإجابة عن ذلك في البينونة الاصطلاحية التي تفصل بين مفهومي (المعنى) و(الدلالة) عن بعض: فإذا كانت الدلالة ترتبط بالأثر الحاصل في الذهن، جراء تلقي إشارة ما، فإن المعنى يمثل آلية ذلك التلقي خارج الحدود الفردية( ). لذا فمن الممكن أن نجد معنى مشتركاً، ولكن ليس من الممكن أن نجد دلالة مشتركة. وبهذا، لا تلغي مقصدية النص انفتاحه على قراءات متجددة، بتعدد القراء واختلافهم، إذ إن "المعنى غير متغير، لأن مقاصد المؤلف التي صدر عنها المعنى معطاة بكيفية نهائية، أما المتغير، فهو الدلالة، التي يمنحها كل مؤول للنص، بحسب مقاصده ومقصديته"( ).

وإذا كانت مهمة السيميائية البنيوية هي تقصي الهيكلية التي انبنى عليها صرح النص، فإنها ـ بالضرورة ـ تروم القبض على المعنى المشترك، الذي من الممكن أن تصل إليه القراءات المتعددة، إذا ما تهيأت لـها الظروف ذاتها، عبر انموذج قرائي معين، "ولهذا يتوقع المؤلف قارئاً نموذجياً، يستطيع أن يتعاون من أجل تحقيق النص بالطريقة التي يفكر بها المؤلف نفسه، ويستطيع أن يتحرك تأويلياً، بالطريقة التي تحرك بها المؤلف توليدياً"( ).

وليس المقصود بذلك توافر قراءات متشابهة، فكل قراءة رهينة بصاحبها، وبهذا تبقى السبل المؤدية إلى نقطة (المعنى) مختلفة، ولكل قارئ الحق في أن يخط لنفسه سبيلاً جديداً، على أن تصل جميع القراءات إلى النقطة ذاتها، وبهذا فإننا لا نعني بالتعاون النصي للقارئ "أنه تحيين الذات التجريبية للتلفظ، ولكن نعني به تحيين المقاصد المتضمنة تقديراً في الملفوظ"( ).

لقد أفضى بنا الكلام على المسلمة الأولى للسيميائية البنيوية المتمثلة بانغلاق العالم الألسني، تلقائياً إلى المسلمة الثانية المتمثلة بتمحور بنى النص حول بؤرة قرائية معينة، الأمر الذي يؤكد تساوق هذه المسلمات المتزامن، في النهوض بصرح النص دونما تحيين لإحداها على حساب الأخرى.

وبقي أن نشير ـ فيما يخص المسلمة الثانية ـ أن تلك البؤرة القرائية (الثيمة)، لا بد من أن تستجلى من البنية التحتية للنص، وهي تتألف ـ بنائياً ـ من ثنائية ضدية، ينهض بها قطبان ضدان يتجاذبان النص كل إلى ساحته، وعبر احتدام الصراع بينهما، يتكون التراكب النصي المعقد، عبر منظومات صغرى تندرج ضمن منظومة أكبر.. وصولاً إلى الثيمة المحركة لـها جميعاً، لـهذا عدت الثيمة نصاً في قيد الإمكان( ).

إذ على الرغم من انطواء النص على ثيمات عديدة، إلا أنه في النهاية، توسيع لثيمة معينة، تفضي كل بناه إليها، لتكون تلك البنى "صيغاً متعددة لمولد بنيوي واحد، فالنص ـ في حقيقة الأمر ـ تنويع أو توزيع لبنية واحدة"( ). وهو ما يبرر شيوع التوازي الدلالي في كل أركانه، وعلى اختلاف الجنس الأدبي الذي ينضوي تحته، لأن التوازي عامة هو "تنمية لنواة معنوية"( ).

فمهما اختلفت ـ إذن ـ انطباعات قراء العمل الفني، باختلاف ذواتهم ومرجعياتهم، فلا بد لـها من أن تتفق ـ أخيراً ـ في الوصول إلى البعد الشمولي للأدب، ليستحوذ بذلك على موضوعيته، إذ "يتميز الفن بأنه ظاهرة لـها أساس موضوعي، يشترك في تقديره المجتمع (...)، بحيث لا يظل العمل الفني عملاً فردياً (...)، فالمعايير الجمالية التي نقدر بها العمل الفني معايير اجتماعية مشتركة، ولا تقتصر على ذوق فردي خاص"( ).

وكنا قد أشرنا إلى أن علم الإشارة معني في بناء النسق النصي، عبر تجريد الإشارات مما هو خاص، للوصول إلى كل ما هو مشترك وعام، فـ "إن علاقة المكتوب بالمقروء، هي كعلاقة اللغة بالكلام، وبهذا يصبح الكلام تأويلاً معيناً لنظام اللغة بين تأويلات أخرى كثيرة، لأنه نتاج فكر معين، شأنه شأن القراءة"( ). غير أن القراءة لا تكون سيميائية إلا بعد وصولها إلى النظام الإشاري المتحكم بالنص قيد الرصد. ولما كان هذا كذلك، فإن علم الإشارة ذو طابع جمالي من حيث الغاية التي يضطلع بها القارئ النموذجي، وصولاً إلى المعنى المشترك.

وعبر هذا البناء الهيكلي للعمل الفني تستحوذ كل من السيميائية عامة والجمالية منها خاصة على موضوعيتها، من خلال اشتراك العلوم الإنسانية مع العلوم الطبيعية "في عنصرين أو خصيصتين أساسيتين للمشروع العلمي، هما الحاجة أو الدافع إلى السيطرة على الطبيعة، خارج الإنسان وداخله، وافتراض خضوع هذه الطبيعة لقانون أو مسار محتوم يمكن كشفه ومعرفته"( ).

وهذا القانون أو هذه النواة يكمن أو تكمن في المسار التطوري للتسنين، وعند الكلمة الأخيرة للنص تحديداً( )، لأن الاسترسال القرائي يؤدي إلى تكشف النواة المعنوية شيئاً فشيئاً. لتستحيل كل وحدات النص عناصر أسهمت في ذلك التواجد البنيوي، لذا يجب أن تؤخذ جميعاً بنظر الاعتبار. وأن انتخاب بعضها دون بعض في المقاربة النقدية، لا بد من أن يتم في ضوء قراءة شاملة. إذ إن بروز وحدات نصية معينة دون سواها، قد يكون ناجماً عن توظيف مكثف للوظيفة الأسلوبية (الشعرية)، التي مهمتها تمويه الدلالة الحقيقية على القارئ( ).

لهذا كانت اللغة الأدبية، لغة من طراز خاص، تتنافر بناها تنافراً عجيبا، وهو ما يشغل القارئ عن كل ما سواها. الأمر الذي يتطلب مرحلتين قرائيتين، وبهذا يكون تقصي الثيمة المعنوية، قد أفضى بنا إلى المسلمة الثالثة للسيميائية البنيوية التي تتمثل في هذين المستويين القرائيين.

أما القراءة الأولى: فهي القراءة الاستكشافية، التي تبدو فيها وحدات النص، في غاية التنافر وعدم الانسجام. والقراءة الثانية: فهي القراءة البنيوية، التي يستحيل فيها كل ما غدا متنافراً، أول وهلة، عنصراً مهماً في تحقيق الانسجام النصي( ). وبتعبير آخر، فإن النص الأدبي يحمل في طياته معنيين، الأول: هو المعنى الحرفي المعجمي، الذي يشوش على القارئ مهمة الوصول إلى المعنى الثاني الإيحائي، مما يستدعي لحظتين قرائيتين، وبالشكل الآتي( ):

الدال

المدلول(1) ....... انزياح

المدلول (2)....... نفي الانزياح

ولا مراء في أنّ لآراء هيلمسليف حول الإشارة العامة، تأثيراً بالغاً في هذا المسلك النقدي. إذ تم اختزال تلك الآراء وتوظيفها في ما يخص الإشارة الجمالية تحديداً. وتتمحور أهميتها في استحالة المضمون لديه، إلى إشارة دالة لنسق أوسع، الأمر الذي استدعى مستويين للوصول إلى المعنى، أساسي وثانوي، ويسمى المعنى الدلالي والمعنى الإشاراتي بالأساس، أو اللغة الأولى، أما المعنى الضمني فهو نظام المعاني الثانوية للألفاظ"( ). وقد تم تمثيل هذه النظرية ـ فيما بعد ـ بالشكل الآتي( ):

دال التعيين     مدلول التعيين 

دال التضمين   مدلول التضمين

فثمة إذن تداخل علاقي معقد بين مستويين إشاريين: التعيين والتضمين. وإذا كان الأول أحادي، فإن الثاني احتمالي، وبهذا تكون الدلالة الاحتمالية مرتبطة بكل "ما تحوي به (..) العبارة أو تثيره أو تفترضه بصورة واضحة أو غامضة بالنسبة لكل ناطق للغة بمفرده"( ). لـهذا كانت صلة التضمين بالقدرة الإيحائية للإشارة، أوثق مما تدل عليه في الأصل عند دخولها في سياقات متعددة( ).

وقد كان لآراء هيلمسليف هذه وقع كبير لدى دارسي الأدب، ولاسيما رولان بارت، الذي استثمرها في تفسير تشكل العمل الفني، حينما ذهب إلى أن المعنى الإيحائي الجمالي في الأدب والفن لا يتحقق إلا عندما تصبح الإشارة ـ بدالها ومدلولها ـ دالاً لمدلول أبعد( ) ( ).

وفي ضوء هذه النظرة السيميائية إلى الأدب ـ بوصفه فناً ـ تستحيل كل مفردة ينطوي عليها أي نص أدبي إلى (إشارة) تحيل إلى شيء آخر غير ذاتها( ). ولاسيما أن مصطلح (الإشارة) يرتبط ـ أصلاً ـ بالقدرة الإشارية، أو الإحالية( ). لذلك كان الأدب ـ دوماً ـ ذا طابع غيري. الأمر الذي دعا بارت إلى التسليم بـ "أن الرسالة الأصلية للكاتب هي ـ أبداً ـ غيرية، قول مخدوم بلا انقطاع، وبمعزل عن كل محمول إجرائي"( ). فإذا كان المعنى الأول قيد التنفيذ، فإن الثاني ـ بالضرورة ـ هو قيد الإمكان، مما يجعل العمل الأدبي منفتحاً على فضاءات قرائية متجددة ومتوالدة، لا لشيء سوى، كونه "لا يفرض معنى، ولكنه يقترح معاني"( ).

ولا مناص من الإشارة هنا إلى أن ذاك الثراء القرائي، مرتهن بالبينونة الدلالية الفاصلة بين المستويين القرائيين، فكلما كانا أكثر تباعداً، أسفر ذلك عن توليد أكبر للدلالات المضمنة، وهو ما تم الاصطلاح عليه بـ: (التقريب الإشاري)( )، الذي يحدث صدعاً بين الدال والمدلول، والذي يوجد بذلك "(فضاء دائم التحرك) من داخل الإشارة. ويتركنا ـ وجهاً لوجه ـ مع ما سماه لاكان (بالإشارات العائمة). ويكون دورنا ـ قراء ـ هو تفسير هذه الإشارات( ). وهنا ينبجس دور القارئ بقوة، بوصفه الكاشف المنتظر عن المدلول الثاني.

لهذا ولكي تستحوذ القراءة السيميائية لأي عمل أدبي على شرعيته، لا بد لـها من أن تمر "عبر سلسلة من الترابطات والمقتضيات واللوازم، التي يؤدي السياق دوراً طاغياً في فرضها وتحديدها، كما تؤدي تداخلات المتلقي نفسه (...) في توجيه المعنى، وإنتاج معنى دون آخر، دوراً هاماً في فرضها وتحديدها. وبهذه الآنية ينتج المعنى مضموناً آخر للجملة الشعرية"( ). وهو ما يومئ إلى انغلاق العالم الألسني وانفتاحه، في آن معاً: إنغلاقة على الجاهزية المرجعية، وانفتاحه على باحة التأويل، ما دامت القراءة قد حققت انعتاقها الكتابي ـ القرائي المزدوج، "لذا تظل القراءة بالكتابة صائرة إلى مصائر لا تتناها أمداً، كما تظل الكتابة بالقراءة صائرة إلى مصائر لا تحصى عدداً"( ).

وهنا بالضبط تبرز الجدلية المتحققة في بودقة الأدب، عبر ارتباطه الكتابي ـ الإشاري بالفن أولاً، وارتباطه القرائي ـ التأويلي بالجمال ثانياً. علماً أنه "على الرغم من الفصل بين الفن والجمال أمر مبالغ فيه، فمن الصعب عزل المفهوم الفني عن الموضوع الجمالي. و(.....) أن التفريق بينهما قائم على اعتبار أن الموضوع الفني متعلق بالنص، والموضوع الجمالي متعلق بالتلقي"( )، وعبر تفاعلهما المشترك. لأن كلاً منهما يستمد كينونته من الآخر، إذ يستدعي تحقق الفن، ليستوحذ على مفاتيح فنيته، (الراصد الفني) أو بتعبير أعم: متذوق الفن، بوصفه ذا نشاط إبداعي مشترك، يتعلق بإدراك العمل وإعادة بنائه( ). لذا فإن عرض الفكرة بطريقة فنية، يستدعي ـ بالضرورة ـ لحظتين قراءيتين، الثانية منهما هي القراءة الجمالية. فثمة إذن مرحلة إدراكية فريدة، عند إدراك الفن على خلاف ما هي عليه في الموجودات الطبيعية. إذ يقتصر إدراك هذه الأخيرة على (الملاحظة) حسب، في حين يتطلب إدراك الأولى ـ الفنية ـ مرحلة أكثر تقدماً هي (الفهم)، إذ "تعادل الملاحظة رؤية إحدى الهيئتين في صورة غامضة، ويعادل الفهم رؤية الهيئة الأخرى"( ).

وبهذا تكون مهمة القراءة السيميائية الجمالية هي: إعادة تنظيم لوحدات النص، أي أنها تنظيمية، بالدرجة الأساس "فالتحليل (العميق) يظهر أن الإشارات التي تكون في ظاهرها غامضة وآيلة للسقوط، إنما هي متجذرة في بنى متجانسة وشيفرات تحتية تنهل منها قيمتها"( )، ولا يتحقق هذا السبر لإغوار النص، إلا عبر تفادي التنافر الحاصل بين الدال والمدلول المتموضع على سطوح النصوص الأدبية. وهذا التفادي هو ما توفره السيميائية، ففي "حالة غياب الرابطة السببية بين الدال والمدلول، التي قد تعين المرء على تناول كل علاقة على حدة، يتحتم على المرء أن يعيد بناء النظام السيميوطيقي أي نظام الأعراف"( )، كي يتمكن من تحقيق التلاؤم والانسجام، فمن وجهة نظر سيميائية بحت، فإن كل ما في العمل الفني، يمتلك "طابع العرف Convention. فلا تكتسب الظواهر الجمالية معناها الموضوعي بفعل علاقاتها مع الواقع، بل بفضل وظيفتها كأدوات تواصل ونتيجة الاتفاق الاجتماعي العفوي الذي يتشكل مع الزمن"( )، إذ إن الإشارات الفنية تحيل إلى نظام آخر من الإشارات العرفية.

ج ـ إشارية المثل القرآني:

بادئ ذي بدء لا بد من إدراك الفارق الجوهري بين المثل بوصفه جنساً أدبياً مستقلاً، والمثل ضمن السياق القرآني. إذ إن الأول يحيل إلى سياق خارج نصي والثاني يرتبط بسياقه النصي قبلاً.

للمثل في القرآن الكريم أهمية قصوى في البناء الهيكلي للسياق القرآني، ذي النسيج المتساوق، لا على صعيد الوحدات والبنيات الصغرى فحسب، وإنما على صعيد البنى النصية الكبرى( )، تلك البنى التي تواشج بين تشكلين أو جنسين أدبيين: خارج ـ نصي، وداخل ـ نصي. إذ يتمتع كل من هذه التشكلات بسمات إجناسية، ترتبط بجنس أدبي معين. ففي هذه البنيات الكبرى تحديداً، يتم التلاقح بين بقية الأجناس والقرآن الكريم بوصفه جنساً أدبياً مستقلاً بذاته، من الممكن أن يضم باقي الأجناس على سبيل الاحتواء، فلم يعصف القرآن "بالأجناس الأدبية الرائجة، ولا عمل على تغييبها، وإنما جدد هيكلتها، وحرر موضوعاتها، وغيّر منها المفاهيم، لتندمج في سيرورة حداثة ثقافية متواشجة مع مستلزمات الحياة الحضرية المبنية على مرئياته الفرادية"( )، وأن تمييز الخطاب القرآني هذا، جعله معياراً لقياس شعرية سواه لدى العرب فـ "كلما اقترب الكلام منه كان مقبولاً، وكلما ابتعد عنه كان مرذولاً"( ) ( )، وبهذا يختلف مفهوم الفكر الإسلامي للانزياح، لأن المقياس الجمالي فيه هو القرآن.

ولكن هذا لا يمنع من تهجير بعض السمات الخاصة بكل من هذه الأجناس، إلى السياق الداخل ـ نصي القرآني، فاكتسبت بذلك تبريراً منطقياً على كينونتها فيه.

لذلك كانت البنيات الكبرى في القرآن الكريم كـ (المثل، والقصة، والصورة) تمثل صيغاً نصية شديدة التكثيف، تختزل نصها الأكبر، فهي مشبعة بالثيمة التي يتمحور حولها النص، أو ما اصطلح عليه إيكو بالميسوم، إذ "لا يعدو النص كونه توسيعاً لميسوم واحد"( )، فهذه البنيات هي التي لا تقبل أي تعويض لأن القارئ ليس حراً البتة في انتخاب بعضها دون بعض إبان التحليل( ).

وإذا كان المثل يعد من "قصارى فصاحة العرب (..) وجوامع كلمها"( )، فمن أهم خصائص تشكله البنيوي التي تعزز نصيته إذن، إنه في عمومه مكتمل بنيوياً، حتى وصف بأنه "يصلح أن يكون موضوعاً لعمل أدبي كبير"( )، وذلك ناجم ـ بالطبع ـ من طابعه الاختزالي التكثيفي. الأمر الذي دعا كلاً من الزمخشري والعسكري إلى عد الأمثال ـ على قصرها ـ تعمل عمل الإطناب في الكلام، لأن إيجاز اللفظ سيؤدي ـ لا محالة ـ إلى غنى المعنى( ). فكان البناء القصير المتكامل من أهم خصائص المثل إذن، وهذا ما رجح نصية المثل، إذ بحسب علم الإشارة، فإن "كل بنية إشارية تنقل معنى محدداً ومكتملاً هي نص"( ). حتى غالى البعض حينما ذهب إلى عد الجملة نصاً أيضاً( )، وهذا الرأي يرجح نصية المثل ضمناً، لكونه أكثر اكتمالاً من الجملة، وإحدى البؤر القرائية المهمة.

إن اتسام المثل بالاختزال منحة بلا جدال مفاتيح كينونته الإشارية ـ الجمالية معاً. فهو لا يدخل في تفصيلات من شأنها أن تضيع الفكرة الرئيسة، لذلك كان يقتصر على الحد الأدنى منها ليستقطب الثيمة بعمق، لكنه في الآن ذاته يوحي دون أن يصرح. وبهذا يكون المثل ذا طابع مزدوج، لأنه يجمع الغرابة والتعاقد في بودقة واحدة.

وإذا أردنا الإيضاح نقول: إن شدة الاختزال في المثل، جعلته ينفتح أولاً على باحة التأويل، إذ إن من المبادئ الرئيسة في هذا المجال إنه كلما ضاقت العبارة اتسع المعنى. ولاسيما أن المثل قائم ـ أصلاً ـ على توظيف مفارقي مكثف، إذ "تنحو الروح الليجورية في هذا الشكل من التصوير (المثل) نحو خلق علاقة ما، ترمز إلى اختلاف ما. وهذا الاختلاف هو ما يجعل من مواقف الوجود، موضوعاً لتأمل العقل وانفتاح الوعي على تقابلات العالم وثنائياته الضدية"( ) ( ).

فالمثل إذاً لا يعبر عن الوقائع بشكل مباشر، وإنما يمثل لـها تمثيلاً عبر صورة أو قصة ما، لذلك كان كل مثل في جملته (إشارة) تحيل إلى معنى أبعد، ومن الممكن على وفق هذا المفهوم أن نفهم قول ابن الأثير بأن "العرب لم تضع الأمثال إلا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشد اختصاراً"( ).

وهو ما يتفق مع مصطلح (الإشارة) بمفهومه العربي، الذي لا يختلف في شيء عما سبق ذكره، فهو مستمد ـ أصلاً ـ من معنى الإشارة في لغة العرب، الذي يدور حول الإيماء، فقد ورد في اللسان "أشار إليه وشوّر: أومأ، يكون ذلك بالكف والعين والحاجب"( ). وقد تناولت طائفتان من العلماء العرب مصطلح (الإشارة)، هما: البلاغيون أولاً، والصوفيون ثانياً:

أما البلاغيون فعلى الرغم من تعدد تحديداتهم للإشارة، بيد إنها ظلت تصب في مفهوم واحد، وسنتناول أهم تلك التحديدات تباعاً:

ـ الجاحظ: وهي لديه درجة أقصى من الإيجاز بوصفها أحد أصناف الدلالات، التي تستغني تماماً عن الكلام، والاكتفاء بالتلويح الذي قد يكون باليد أو العين أو الحاجب أو غير ذلك من الجوارح، للتعبير من خلال ذلك عن الخاص الخاص من المعنى، لذلك كانت الإشارة لديه أبلغ من الصوت وهي من تمام حسن البيان( ).

ـ قدامة بن جعفر: "أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة بإيماء إليها أو لمحة تدل عليها"( ).

ـ أبو هلال العسكري: أن يكون اللفظ القليل مشاراً به إلى معانٍ كثيرة بإيحاء إليها ولمحة تدل عليها( )

ـ ابن رشيق: "وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة، واختصار وتلويح يعرف مجملاً ومعناه بعيد من ظاهر لفظه"( ).

ـ أبو الأصبع المصري: "إن المتكلم في باب الوحي والإشارة لا يودع كلامه شيئاً يستدل منه على ما أخفاه لا بطريق الرمز ولا غيره، بل يوحي مراده وحياً خفياً لا يكاد يعرفه إلا أحذق الناس. فخفاء الوحي والإشارة أخفى من خفاء الرمز والإيماء"( ).

يتبين لنا من ذلك أن مصطلح الإشارة ظل مقتصراً على أحد التشكلات البيانية في المفهوم البلاغي العربي، دون أن ينفتح على البيان مصطلحاً جامعاً لكل التشكلات الجمالية الأسلوبية.

أما الصوفيون فقد اتفقوا مع سواهم على عدم مباشرية مصطلح (الإشارة)، إذ قالوا عنها إنها "ما يخفى عن المتكلم كشفه بالعبارة للطافة معناه"( ). فالمعنى المباشر الظاهر إذن يأتي عن طريق العبارة، أما غير المبَاشر الباطن فيكون عن طريق الإشارة، لذلك كانت الآلية الذهنية المعتمدة لديهم "في تأويل الخطاب القرآني، سواء على سبيل (الإشارة)، أو على سبيل (التصريح) هي المماثلة Analogic بين معان وآراء جاهزة لديهم، تشكل قوام مذهبهم، وبين المعنى الظاهر الذي تعطيه عبارة النص"( ). ومن هنا كان للصوفيين تأويلهم الخاص بهم للقرآن الكريم الذي يحمل اسم (التفسير الإشاري) و"هو تأويل القرآن بغير ظاهره لإشارة خفية تظهر لأرباب السلوك والتصوف، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المراد أيضاً"( ).

وقد ذكر محيي الدين بن عربي أن ظهر القرآن يستشف من خلال (التفسير)، أما بطنه فمن خلال (التأويل)( ). إلا أن الربط بين الاثنين الظاهر والباطن على الطريقة الصوفية يسفر عن وجود دلالة عميقة للظاهر الآني، تحيل تلقائياً إلى الباطن الكوني، ليتجلى من خلال هذا الربط المعنى المتمثل بـ (الله تعالى). "ذلك أن السبل الصوفية تهتم بكشف الذات الإلهية في النفس من منظور النزوع والاشتياق"( )، فلا بد من اللجوء إذن إلى التكثيف الصوري للوصول إلى ما هو فوق حسي أو مطلق( ).

وإذا كانت المشكلة الحقيقية التي تعانيها الذات الإنسانية هي اغترابها الواقعي، فقد كانت تلك الذات في نظر التصوف عائقاً يحول دون انفتاحها على المطلق، فتمثل الحل الذي قدمه التصوف في إلغاء هذا الاختلاف بين الذات والمطلق. من الاختلاف مع الذات أولاً، ومع لحظة الواقع التاريخي ثانياً( ). بذلك فقط يمكن الوصول صوفياً إلى المطلق ـ المعنى ـ الله.

يمكننا الاستشفاف من ذلك أن الصوفيين قد وصلوا في تأويلهم للقرآن تأويلاً إشارياً، إلى الثيمة الواحدة المحركة لـه، فسبقوا في ذلك علماء الإشارة. ولكن مع الاحتفاظ بفارق إجرائي جوهري، يتمثل في كون علم الإشارة ينطلق من الظاهر ـ اللفظ ـ للوصول إلى الباطن ـ المعنى ـ، فالمرجعية "يجب أن تستخلص من التحليل [السيميائي] لا أن تكون مسبقة، فالتحليل هو الذي يفرض مرجعاً، موضوعاً معيناً معبراً عنه بتشاكلات لغوية"( ). على العكس من الصوفية التي تسقط المعنى على اللفظ، إذ يقول الغزالي: "والذي تنكشف لـه الحقائق (...) يجعل المعاني أصلاً والألفاظ تبعاً"( ).

وإذا ما عدنا إلى مدار تقصينا (المثل القرآني)، فإننا سنجده على الرغم من اتصافه بخصيصة الإيحاء الناجمة عن التكثيف والاختزال الشديدين، فإنه يتسم كذلك بخصيصة التعاقد، نتيجة لعدم دخوله في تفصيلات من شأنها أن تؤدي إلى ضياع المعنى. مما دعا البعض إلى التسليم اعتماداً على هذه الخصيصة، بأن الأمثال تمثل المعنى الظاهر في القرن، إذ "لما كان القرآن قد خاطب الكل، لا فئة خاصة من الناس، وخاطب كل فئة بالطريقة التي تفقه بها الأمور فإنه قد عبر عن تلك المعاني العويصة بضرب (الأمثال) عليها، لكي يتاح فهمها لجميع الناس"( )، ولكن بإمكاننا القول: إنها تساعد على إزالة إبهام ما، فالمثل إذن أظهر من الممثل لـه( )، وذلك ناجم عن كون المثل المضروب يجب أن يكون أمراً متعاقداً عليه بين الناس، فهو "تعبير عن نفسية وعقلية جماعية، وليس وليد تأمل منفرد، وتجربة ذاتية خاصة. إنه مستمد من صميم حياة الناس، وصورة معبرة عن عقلية الشعوب وعاداتها"( )، ونتيجة لذلك، ونتيجة لقصره، أصبح قابلاً للتداول والانتشار بين الناس، الأمر الذي أدى إلى ظهور مصطلح (حكاية المثل)، لأن الأمثال تحكي على ما جاءت عليه شكلاً ومضموناً( )، وهذا بالضبط ما يوقع المثل عامة في مهاوي الابتذال، إذ وصفه الفارابي بأنه "ما ترضاه العامة والخاصة في لفظه ومعناه حتى ابتذلوه فيما بينهم"( ).

بيد أن الطريف في أمثال القرآن الكريم هو اختلافها عن سواها من الأمثال، لا باندراجها ضمن السياق النصي للقرآن حسب، وإنما بوصفها كانت ومازالت تتسم بالجدة، إذ لم يطرأ عليها شيء من الابتذال الاستعمالي، فظلت محافظة على خصوصيتها، على الرغم من توافر الجانب التعاقدي فيها، "لأن الله تعالى ابتدأها وليس لـها مورد من قبل، اللهم إلا أن يقال إن هذا اصطلاح جديد"( ). إذ يتحقق التعاقد في المثل القرآني عبر تموضعه في اللحظة القرائية الأولى، المتمثلة بالمشبه به وهو الظاهر في بنية المثل ذاتها، أما الثانية المتمثلة بالمشبه الغائب ظاهرياً عن بنية المثل، فلا يتم الوصول إليها إلا بعد تحقق الترابط بين بنيتي المشبه به والمشبه، فلا بد إذن من توافر مستويين قرائيين، لأن من أبرز خصائص المثل القرآني "سوق خبرين أولهما: لا يلم به المتلقي عياناً ومشاهدة وعلماً، وثانيهما: عقد المقارنة بين الخبرين، ومنها ترك مجال متسع للتأمل والتفكر والتدبر ومنها الاتعاظ وأخذ العبرة"( ). إذ يساعد المشبه به الظاهر في الكشف عن بعض سمات المشبه الغائب، لذلك تم وصف المثل بأنه "تشبيه الأمر المجهول بالمعلوم والخفي بالجلي، ليزداد المعنى إيضاحاً، وتنكشف فيه غرابة الأمر وإيهام المعنى ولو من بعض الوجوه"( )، وبما أن المشبه به هو المعلوم والمشبه هو المجهول، لـهذا كان المشبه به ثابتاً لفظياً في بنية المثل، والمشبه هو المتغير بحسب اختلاف مناسبة ضرب المثل.

والتتابع السياقي القرآني يستدعي ـ بالضرورة ـ وجود المشبه، بوصفه حلقة من حلقات المسار المتنامي للنص. أما المشبه به فيبقى غريباً عنه على المستوى السطحي، ولا يرتبط به إلا بعد سبر أغواره. إذ يستحيل المشبه من عدم التعاقد إلى التعاقد بوساطة المشبه به، لذلك يحقق المثل كينونته عبر المشبه به، لأن المثل أصلاً "يهدف إلى استحضار الحالة المشبه بها"( ). وبهذا يتم التراكب العجيب بين التعاقد والغرابة، بشكل متزامن، في بنية واحدة، هي بنية المشبه به.