|

بقلم
الكاتب: داود سلمان الشويلي

إشكاليات الخطاب النقدي الأدبي العربي المعاصر
مدخل:
اذا كان النقد ، يمثل اشكالية ، او احدى اشكاليات الحركة الادبية
العربية ، لعدم قدرة المشتغلين والمهتمين به على الاتفاق على صياغة تعريف
جامع مانع له (1) ، فأن هذه الدراسة ، ليس من مهامها القيام بذلك ، لأن
اكثر من دراسة وبحث كتب عن ذلك .
ان مهمة هذه الدراسة ، تقديم اجابة عن سؤال ، ما زال قائماً ، وكثيراً
ما شغلت اجابته المهتمين بالادب ، نقاداً ومبدعين على السواء ، ذلك هو : -
هل ان الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر يمر بأزمة ؟ وما هي الاشكاليات
التي ادت الى ذلك ؟ اذ انه ، وبين فترة واخرى ، ترفع راية ( الازمة ) امام
هذا الخطاب
ان ما نشر من دراسات وبحوث عن النقد ذاته ، هنا وهناك ، قد اغتنت
بطروحات من شأنها ان تجيب عن هذا السؤال ، بقدر او اخر ، الا ان مرور قرن
من الزمن - تقريباً - على الممارسة النقدية الادبية ا لعربية، ودخولنا الالفية الثالثة ، تجعلنا نعيد قراءة ذلك المنجز ، ونقول كلمتنا دون ان
نغلق الباب امام الآخرين ليقولوا كلمتهم ايضاً .
ان المتتبع للخطاب النقدي الادبي العربي ، سيجد امامه مجموعة من
الاشكاليات التي احاطت بمسيرته ، ان كانت هذه الاشكاليات ذاتية ، ام كانت
موضوعية ، مع ملاحظة ، ان ( النقد ) كمصطلح وكأجراء، هو من جديد الفعاليات الادبية الوافدة الينا ، حاله حال الفعاليات الادبية الاخرى ، في الرواية
والقصة والمسرحية (2) اذا اتفقنا على ان كل ما كان يندرج تحت مفهوم ( النقد
) في ادبنا العربي القديم قد انقطعت به السبل قبل اكثر من سبعمائة سنة مضت
( 3 ) .
والاشكالية التي نعنيها في هذه الدراسة ، كمصطلح وكمفهوم ، ودون
الدخول في شعاب التعاريف المتنوعة والعديدة لها ، هي : (( انعطاف غامض
ومبهم نحو عدم وضوح الرؤية المنهجية في مجمل العملية النقدية حين تتشابك
المناهج والطرائق النقدية وتتعقد في فهمها للنظرية الادبية الفنية من جهة ،
وللنظرية النقدية الفنية على وجه الخصوص من جهة اخرى )) ( 4 ) .
*** ***
2 - الاشكاليات:
من المفيد ان نذكر ، بداية ، ان ما تريد ان تصل اليه هذه الدراسة ، هو
سلامة الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر ، الخطاب النقدي المنهجي ، الذي
هو : (( البناء الادبي القائم والمؤسس ، على نظرية نقدية تعتمد اصولا ً
معينة في فهم الادب وفي اكتشاف القيمة الجمالية والنفسية والفكرية
والاجتماعية في العمل الادبي ))(5).
اما الخروج عن اشتراطات هذا الخطاب ، فأنه - حسب هذه الدراسة – يشكل
ازمة له وفيه ، مبعثها تلك الاشكاليات الذاتية والموضوعية على السواء ، اذ
ان دراسة هذا الخطاب ، تقودنا الى تلمس ما وقع فيه من اشكاليات نابعة من
داخله ، واخرى ، تعيق تقدمه وتطوره ، واردة اليه من خارج كيانه ، الا انها
ذات تأثير سلبي عليه ، وهذا ما سنبينه في السطور القادمة .
آ – الاشكاليات الذاتية:
وهي الاشكاليات التي افرزتها حركة الخطاب النقدي العربي منذ التأسيس ،
واثناءالانجاز ، لأسباب ، منها :
اولا ً: اشكالية المصطلح .
ثانياً : اشكالية المنهج .
*** ***
اولاً : اشكالية المصطلح:
ربما يتساءل البعض عن سبب الحديث عن المصطلح ، وما يشكله من اشكالية
خارج حدود الحديث عن المناهج ، وللاجابة عن مثل هذا التساؤل ، نقول : ان
المصطلحات هي مفاهيم لغوية اصطلاحية تعود الى المناهج نفسها . وهذا قول
صحيح ، الا ان المناهج نفسها – وبعيداً عما سببته من اشكاليات في التطبيق -
قد وقعت هي الاخرى بأشكالية التسمية .
ويضاف الى كل ذلك ، ان الكثير من المصطلحات ،لم تكن تابعة لأي منهج من
المناهج النقدية ، على الرغم مما لها من دور كبير في النقد الادبي ، لهذا
كانت هذه الاستقلالية في الحديث عن المصطلحات والاشكاليات التي افرزتها في
حركة الخطاب النقدي الادبي العربية المعاصرة .
والمصطلح ، هو : ما (( اتفقت الجماعة على استخدامه ، ليرمز الى مجموعة
من الافكار والمذاهب ، ترسبت مع الزمن ، واصبح لها من (( التحديد )) ما
يبرر هذا التعبير او المصطلح ، بحيث اذا اطلق فأنه يرمز على الرغم من صغره
الى حركة او فكرة ، ذات سياق تاريخي وفلسفة جمالية ، وملامح فنية )). (6 )
واذا كان المصطلح هو اداة لغوية مفهومية ، الا انه قد اصبح واحداً من
اشكاليات حركة الخطاب النقدي الادبي العربية المعاصرة .
ان من اهم اشكاليات المصطلح واستخدامه
(1) قصور الترجمة:
على الرغم من ان الترجمة توصف بـ ( الخيانة ) ، الا انه من الطريف ، او
المحزن في الآن نفسه ، ونحن نقرأ عن حركةالترجمة في العصر العباسي ابان
ازدهار الثقافة والحضارة العربيتين ، ان نستذكر ان بعض مترجمينا العرب
الاقدمين ، وبسبب من سوء الترجمة ، قد اوقعوا حركة النقد الادبي العربية -
وقتذاك – في اشكالية كبيرة لم تتخلص منها حركة الخطاب النقدي الادبي العربي
الا في عصرنا الحديث ، عندما اخطأ ( بشر بن متي ) في ترجمة بعض مصطلحات
كتاب ( فن الشعر ) لارسطو ، خاصة مصطلحي(التراجيديا والكوميديا ) اللذان
ترجمهما بـ ( المديح والهجاء ) .
ومن المسلم به تاريخيا ً ، ان اقطار وطننا العربي ، قد وقعت – في
التاريخ المعاصر - تحت سيطرة الاستعمارين الفرنسي والبريطاني ، والجميع
يعرف ما لثقافة هذين الاستعمارين من تأثير كبير على الثقافة العربية بصورة
عامة ، فضلا ً عن ذلك ، فأن بُعد او قرب هذا القطر او ذاك من هذه الدولة
الغربية ( الاوربية ) او تلك ، قد اثر هو الاخر في استخدام لغة هذه الدولة
او تلك ، كما كان لتخرج ابناء هذا القطر العربي اوذاك من جامعات غربية
عديدة ومتنوعة ، له تأثيره ايضا ً في كل ما قلناه .. مما اقام عملية تثاقف
كان لها تأثيرها السلبي الكبير في هذا المجال .
ان عملية التثاقف القطرية – الاوربية هذه ، كانت احد الاسباب التي جعلت
من ارتحال المصطلح ( ترجمته ) من تلك الدولة الغربية الى هذا القطر العربي
، يختلف عنه لو ارتحل الى قطر عربي اخر ، مما افضى الى نتائج غير سليمة ،
وذات تأثير سلبي على استخدام المصطلح ، ومن ثم استخدام المنهج .
يقول د. صلاح فضل ، عن الترجمات التي تمت في بلاد الشام للمناهج
النقدية الحديثة ، وخاصة ( البنيوية ) : (( يظل هناك امران يعوقان جديا ً
امكانية الافادة الكاملة بها ، اولهما يتصل بلغة المترجم ، المعماة التي
تغلب عليها العجمة والتراكيب الغربية ، ويعز التقاطها على القارئ المختص
مما يجعله يتمنى لو تمكن منها بلغتها الاصلية ، وثانيهما يرتبط بعمليات
النشر والتوزيع ، اذ تتدخل العوامل السياسية المتقلبة لتجعل الحصول على
كتاب من دمشق او بغداد اصعب على اهل مصر مثلا ً من طوكيو او بكين )) (7).
فضلا ً عن ذلك ، فقد ادى هذا القصور الى بروز ظاهرتين هامتين من ظواهر
استخدام المصطلح النقدي ، هما :
اولا ً : اضطراب وعدم استقرار المصطلح النقدي عند الكثير من النقاد
العرب ، مما ادى الى (( سوء فهم تلك الدلالات وبالتالي قد يؤدي الى خلق
احكام مضطربة وضبابية يكتنفها الغموض والجهل معا ً )) (8 ) . وهذا الاضطراب
لم يكن سمة خاصة بالمصطلح فحسب ، وانما هو واحد من سمات حركتنا الثقافية
العربية عامة .
ثانيا ً : غموض ، وعدم وضوح المصطلح . وهذا ناشيء عن (( سوء الترجمة
حينا ً ، او سوء استعماله حينا ً اخر ، فضلا ً عن الخلط والاضطراب بين
المصطلحين العربي القديم الواضح الدلالة والاستقرار ، والغربي او الاجنبي
الذي يكتنفه الغموض وعدم وضوح الرؤية خاصة حين يطبق )) ( 9 ) .
ويجرنا الغموض والاضطراب اللذين رافقا عملية ترجمة وتطبيق المصطلح الاجنبي ، الى احد اسباب قيام الازمة في حركة الخطاب النقدي الادبي العربي
المعاصرة ، وهو اشكالية الفكر الادبي العربي المعاصر ، والتي سنتحدث عنها
في السطور القادمة .
(2) غياب المصطلح:
اذا كان استخدا م المصطلح في الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر ،
ادى الى اكثر من اشكالية ، فأن غيابه هو الا خر ، يعتبر احد اشكاليات هذا
الخطاب ، كون المصطلح ، وبما ينطوي عليه من مفهوم معرفي دقيق ، يوفر الكثير
من الجهد في انتاج خطاب نقدي ادبي جاد وعلمي ، لأن اهم فعالية يقوم بها
المصطلح تجاه المنجز الابداعي ، هو استيعابه اولا ً ، ومن ثم تجاوزه للوصول
الى الحقيقة الادبية له .
*** ***
ثانيا ً : اشكالية المنهج:
للمناهج ، وبما تنطوي عليه من مصطلحات ومفاهيم وادوات فحص ، اهمية
كبيرة في حركة الفكر بصورة عامة وعلى كافة مستوياتها ، وعلى حركة الخطاب
النقدي الادبي العربي المعاصر خاصة .. ودون ان ندخل في تعاريف لغوية او
مفهومية للمنهج ، نقول ، ان المنهج : (( لاينحصر بمفهوم واحد ، او ادوات
متعددة ، او بعض القيم والمعايير ، اذ هو في الحقيقة مجموعة من المفاهيم
والتصورات المتسقة والادوات والخطوات الاجرائية والقيم والمعايير ، وهو
بهذا المعنى رؤية لا مجموعة من الاراء ، والمنهج رؤية فلسفية متكاملة ، أي
رؤية للادب والنقد والانسان والعالم )) (10) .
وقبل ان نعتمد التعريف السابق ، علينا التاكيد على ماجاء فيه من ان
المنهج هو (رؤية فلسفية متكاملة ) لان هذا الوصف سيفيدنا في السطور القادمة
.
ان الاسباب التي ادت الى وجود هذه الاشكالية ، يمكن تلمسها من خلال:
(1) غياب المنهج:
أي ما يمكن ان نطلق عليه بـ ( اللامنهجية ) والتي اصبحت – هذه
اللامنهجية - سمة لاغلب الدراسات النقدية التي ضمها الخطاب النقدي العربي
المعاصر، والتي لاتعتمد لها منهجاً عند الدراسة والتحليل للمنجز الابداعي .
ومن الطريف ، ان اللامنهجية هذه ، قد اصبحت عند البعض من ( نقادنا ) هي
المنهج الذي راحوا يدافعون عنه تحت ذرائع شتى ، منها :- ان المنهج – أي
منهج – يفرض قيوداً عند التطبيق ، الا ان الدافع الاساس لذلك هو افتقار مثل
هؤلاء ( النقاد ) لابسط شروط النقد الادبي ، وهي المنهجية ومن ثم لعدم
معرفتهم بالمناهج النقدية القديمة او الحديثة ، فدفعهم كل ذلك الى ذم
المنهج والمنهجية .
ان غياب المنهج ، يؤدي – حتماً – الى الانشائية والانطباعية والتأثرية
فيصبح الخطاب النقدي ، عند ذاك – عبارة عن تذوق ذاتي للنص الابداعي يفتقر
للموضوعية ، وورم خبيث في جسد الخطاب النقدي العربي الخاص بالمنجز الابداعي
الادبي ، وكذلك ، وبالاً على المنجز الابداعي نفسه .
ويمكن القول نفسه ، على بعض التعليقات الصحفية السريعة التي يطلق عليها
البعض(نقداً ) .
(2) استخدام المنهج:
قلنا ، ان اللامنهجية ، هي واحدة من الاشكاليات التي جعلت من الحركة
النقدية الادبية العربية ، تقع في ازمتها ، الا انه ، وفي الوقت نفسه ، ان
( المنهجية – (أي استخدام المنهج – هي الاخرى ، قد اصبحت احدى اشكاليات
هذه الحركة ، خاصة وان المنهج يعد من وسائل الخطاب النقدي الادبي عند
متابعته وتقصيه لمعنى النص الابداعي .. ويمكن اجمال صور هذه الاشكالية بما
يلي :
(آ) غربة المناهج:
ونقصد – هنا – بـ ( الغربة ) معنيين في الوقت نفسه ، احدهما : ان هذه
المناهج هي في الاساس ذات مصدر أوربي ، غربي ، وثانيهما : انها غربية عن
البيئة العربية بصورة عامة ، والثقافة العربية بصورة خاصة.
ان هذه الغربة ، أوقعت حركة النقد الادبي العربي ، المعاصر خاصة ، في
اشكالية كبيرة ، ليس فقط بسبب مساويء ( الترجمة ) فحسب ، وانما لاسباب
كثيرة ، منها : ان تلك المناهج قد تأسست – اصلاً – اعتماداً على مفاهيم
فكرية وفلسفية غربية ، ومن اجل منجز ابداعي نتاج لبيئة وحضارة غير البيئة
والحضارة العربيتين (11) . وان هذه الظاهرة هي واحدة من (( ابرز سمات
الاشكالية المعاصرة لنقدنا الشعري الحديث نظراً لانها ترتبط مباشرة بقضية
الفكر الغربي المعاصر )) (12) . وكذلك بالنسبة لقضية العلاقة بين الثقافتين
العربية والغربية. وقد تنبه اكثر من ناقد لهذه القضية عندما وجد ان بعض
المناهج النقدية لا تسعف الذائقة النقدية العربية في دراسة المنجز الابداعي
الادبي جماليا ومعرفيا اللذان يوفرهما المنجز الابداعي ضمن خصوصيات البئية
والثقافة العربيتين ، فراح البعض يستخدم منهجين او اكثر في فحص منجز ابداعي
ما (13) فيما يذهب ناقد اخر الى محاولة تاسيس منهج نقدي عربي اسلامي (14)
كما يقول.
(ب) الدوغماتية في التطبيق:
فهم البعض من النقاد ، ان المنهج ما هو الا ادوات هندسية ذات ابعاد
وحجوم ومساحات لا يمكن المساس بها عند التطبيق ، فأخذت - عند ذلك – المناهج
تسـّيرهم دون ان يكون للمنجز الابداعي حرية اختيار منهجه .
ان التحجر ضمن هذه المقاييس ، هو ما جعل المنجز الابداعي ، ومن ثم
المبدع نفسه ، يعيشان وضعاً مأ ساوياً لا يحسدان عليه ، ان كان ذلك عند
استخدام المناهج النقدية القديمة ( السياقية ) او المناهج النقدية الحديثة
( النصية ) ، ذلك لأنه (( لا وجود لمباديْ وقيم منهجية ثابتة يمكن الاعتماد
عليها وتثبيتها الى ما لا نهاية في تحليل النص الشعري او غيره من النصوص
الابداعية التي تدور عليها المقاربة النقدية )) (15) .
(ج) قصور الترجمة:
لا يمكننا ان نضيف شيئا ً على ما قلناه سابقا ً عن قصور الترجمة
بالنسبة للمصطلح ، وفي الآن نفسه لا يمكن اغفال ما للترجمة من دور كبير
وفعال وخطير في الحركة الفكرية والثقافية عامة ، وفي الحركة الادبية خاصة ،
اذ انها واحدة من المستلزمات الضرورية لمجمل الفعاليات الانسانية ، ليس في
حاضرنا هذا فحسب ، بل ومنذ التطور والتقدم اللذين حصلا في الحركة الفكرية
والثقافية والعلمية في العصر العباسي خاصة . اذ لعبت الترجمة دورا ً كبيرا
ً في ذلك وهي الآن واحدة من شروط التطور والتقدم في كافة الميادين ، وهذا
ليس مدعاة لبقاء العرب يعيشون ( عالة ) على غيرهم من الامم ، وفي الوقت
نفسه ، فأن الحياة – بصورة عامة – تتطلب الانفتاح على الآخر.
واذا كنا نتفق على هذا الدور ، فحري بنا ان نتفحص المنجز الذي قدمته
الترجمة بما يتعلق بالمناهج النقدية خاصة ، للوقوف على حقيقة هذا الدور
ونسب النجاح والفشل ، خاصة وان الكثير من الدراسات والبحوث المعنية في هذا
الجانب ، راحت تدرس هذه القضية وتقدم لها الحلول ، الا ان هذه السطور سوف
لا تفي بما مطلوب منها انجازه .
*** ***
ب _ الاشكاليات الموضوعية:
هي مجموع الاشكاليات التي اثرت على حركة الخطاب النقدي الادبي العربي
المعاصر ، والنابعة من خارج كيانه ، ويمكن ايجازها بما يلي :
اولا ً : اشكالية الفكر الادبي العربي بصورة عامة:
توصلت العشرات من الدراسات والبحوث التي كتبت عن اشكالية الخطاب النقدي
الادبي العربي المعاصر الى نتيجة مفادها : ان الفكر العربي المعاصر – بصورة
عامة – يمر بأزمة حادة بسبب مجموعة من الاشكاليات التي رافقت نشوئه
واستمراريته وطرق تطوره .. ولما كان الفكر الادبي العربي المعاصر ، واحداً
من فروع الفكر العربي المعاصر ، فأنه بالتالي ، سيقع في براثن الازمة نفسها
، فضلا ً عن الاشكاليات التي ستبرز من داخله ، ذلك ، لأن (( الحركة الادبية
العربية ما زالت تتأرجح بين التراث والمعاصرة ، لأدركنا ماهية الاشكالية
ببعدها الفكري العام (...) ومن هنا نشأ الصراع بين هذين التيارين او اذا
شأنا بين هذين الموقفين تبدأ ثقة المتلقي بالنقد تنحسر وتنحصر في مجالات
ضيقة )). (16)
يضاف لكل ذلك ، عدم استقرار مصطلح ( المعاصرة ) او ( الحداثة ) في هذه
الحركة .
ان اية حركة ادبية ، لا يمكن لها ان تكون ناضجة ومؤثرة ما لم تؤَسـَس
ضمن افاق فكرية وفلسفية ناضجة ومؤثرة . ولما كان الافق الفكري والفلسفي على
الصعيدين العام والادبي ما زالا ضيقين ، فأن الاشكالية ستبقى قائمة ،
وبالتالي ، فأن العرب يدخلون الالفية الثالثة ، بدون نظرية ادبية عربية
متميزة ، ومن ثم بدون نظرية نقدية ادبية عربية ناضجة ومتميزة هي
الاخرى.
وقد اشار احد النقاد المجتهدين الى هذا الجانب ، عندما شدد على ان ((
واحدا من اخطر مظاهر الضعف في الحركة النقدية العربية يتمثل في ضيق الافق
الفكري والفلسفي لدى اصحابها ، سواء على الصعيد الثقافي العام او الادبي
الخاص . فهنالك وفي اغلب الكتابات النقدية التي نقرأها هذه الايام ، بـُعد
فكري وفلسفي مفقود ، واستشراف شمولي ناقص ، ومن الصعب اخفاؤه او تغطية فقره
وقصوره مهما استخدم اصحابه من وسائل التمويه والمصادر العربية والاجنبية
للتستر عليه ، ومهما تكن العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية قوية في
تكوينه )) (17 ) .
ثانياً : اشكاليات التطبيق :
اذا كانت المنهجية واللامنهجية ، واشكاليات المصطلح ، كلها تقع خارج
مهام الناقد ، فأن عملية التطبيق لهذه المناهج تعود في الاساس الى الناقد
نفسه ، وان اختيار المنهج ، وكذلك المصطلح ومن ثم تطبيقهما من قبل الناقد
سيضيف الكثير من الاشكاليات الى ازمة الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر.
ومن اهم الاسباب التي تجعل من الناقد واحداً من هذه الاشكاليات ، هو:
: (1) تأثير ازمة الفكر العربي ، ومن ثم الفكر الادبي والثقافي على الناقد
، كأنسان اولاً ، وكمثقف ثانيا ً .
(2 )الكسل الذهني وضعف الاستيعاب ، ومن ثم الاستخدام غير الدقيق
للمناهج النقدية الحديثة ، اما بسبب عدم هضم تلك المناهج بصورة جيدة
ومتكاملة ، او بسبب عدم فهم كيفية اشتغال الياتها. (3) عدم التخصص الدقيق
بالنقد ، اذ ان الكثير ممن يكتبون ( النقد ) او الذين يطلقون مصطلح ( النقد
) على ما يكتبون ، هم من الطارئين عليه ، مما يجعل من حركة النقد الادبي ،
غير اصيلة ومن ثم طارئة على الحركة الادبية ، ويفقدها مصداقيتها ، فيكون
الخطاب النقدي عند ذاك خطاب تابع للخطاب الابداعي ، وليس كعنصر(( مكمل
وموجه وفاعل بنفسه ، وعلاقته بالنص او الكتابة الابداعية ليست علاقة تضايف
والحاق ، بل تفاعل وكشف )) (18) .
(4) جهل اغلب المشتغلين بالنقد ، لبعض العلوم الانسانية التي استفادت منها
نظريات الادب الحديثه ، ونظريات النقد الحديثه في اوربا ، وقد ادى ذلك الى
ان يكون الخطاب النقدي العربي المعاصر معزولاً عن تلك العلوم ، ومن ثم عن
حركة الواقع التي ينبض بها المنجز الابداعي .
(5) استخدام المناهج النقديه الحديثة (( الاوربية )) كماهي ، دون مراعاة
للواقع العربي المعاصر على الصعيدين الاجتماعي والسياسي . وخير مثال على
ذلك ، هو استخدام المنهج البنيوي الذي تأسس دون مراعاة للجوانب
السوسيولوجية بصوره عامة ، وكذلك لا تاريخية هذا المنهج ، فراح البعض من
النقاد العرب يقلدون الكتابات الاوربية ، مما ادى الى عزل المنجزالابداعي
عن سياقاته الخارجية ، الاجتماعية ، والنفسية والثقافية التي افرزته ، خاصة
ان الواقع العربي ومن ثم الفكر الذي سـ (يترشح ) منه، يمر بحالة مخاض كبيرة
تستدعي الوقوف على كل السياقات الخارجية والداخلية للمنجزات الابداعية .
*** ***
3 - الخاتمة :
بعد هذا الاستعراض الوجيز للاشكاليات التي رافقت الخطاب النقدي الادبي
العربي المعاصر ، سنقف قليلا ً عند ما يمكن ان نعده طريقا ً لتجاوز مثل هذه
الاشكاليات ، لكي نصل الى خطاب نقدي ادبي عربي ناضج وعلمي ، يعتمد منهجا ً
ان لم يكن مولودا ً من رحم الفكر العربي، على الرغم من الازمة التي هو فيها
، فأنه لا يبتعد عن الواقع العربي واسقاطاته على المنجز الابداعي .
صحيح ان الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر ، وبعد دخولنا الالفية
الثالثة ما زال يحمل اشكالياته التي نشأت منذ ان تأسس هذا الخطاب في بداية
القرن الماضي ، وان الكثير مما انجز منه ما زال بعيدا ً من ان نطلق عليه
مصطلح ( النقد ) او ان ينضوي تحت خيمة ( الخطاب النقدي ) الذي نريد ، فما
زلنا نطمح ، اولا ً ، واخيرا، الى وجود فكر عربي ناضج يدعم فكرا ً ادبيا ً
عربيا ً ، ومن ثم الى خطاب نقدي عربي منهجي يأخذ بيد المنجز الابداعي الى
ان يكون بمستوى المنجز الاجنبي، ان لم يكن يتجاوزه ، خاصة وان واقعنا
العربي سيغني هذا المنجز .
ان خصوصية التجربة العربية في الحياة هي العون في ذلك ، أي في تأسيس
نظرية نقدية عربية ، او في الاقل تقديم رؤيا عربية نقدية - كما يقول الناقد
طراد الكبيسي – (19)، فيما يذهب الناقد فاضل ثامر بكل ثقة الى القول : ان
الخطاب النقدي العراقي خاصة قد امتلك لرؤيا نقدية جديدة تسعى الى (( تأسيس
حداثتها النقدية من هذا التلاحم الجدي بين الاجتماعي والايديولوجي والمعرفي
والواقعي من جهة والرمزي والجمالي والتخييلي واللاواقعي من جهة اخرى .
وتأسيسا ً على ذلك فهي رؤيا نقدية واقعية حداثية ترفض تغييب
الايديولوجي والسوسيولوجي والتاريخي لحساب الجمالي والشكلاني والنهلستي (
العدمي))(20).
ان ما قاله فاضل ثامر ، لا ينفي وجود ما اشرنا اليه من اشكاليات جعلت
حركة الخطاب النقدي الادبي العربي المعاصر تمر بأزمة ما زالت قائمة ، بعد
قرن من عمرها ، وهذا ما يؤكده ناقد عربي اخر ، عندما يطالب بـ (( اهمية
وجود فكر ادبي نقدي منهجي يواكب الحركة الادبية بل يتضافر معها ليسهم في
خلق اجواء ملائمة لنموها وا زدهارها )). (21)
وهكذا يكون بمقدورنا القول ، اننا بحاجة الى اعادة نظر علمية بالمنجز
النقدي ، ونحن ندخل الالفية الثالثة.
*** ***
5 - الهوامش :
1 النقد ؟ تحولات النقد ؟- طراد الكبيسي – الاقلام – ع 5 / 1997 .
2 - هذا لايعني خلو ادبنا العربي قبل هذا القرن من فن القص بصورة عامة .
-3على اعتبار ان القزويني ، احد اصحاب مناهج النقد العربي القديم – في
الشعر خاصة – قد توفي عام 739 هـ - انظر دراسات بلاغية ونقدية – ص 95-
الهامش /2 .
4 - د. عناد غزوان – الشعر ومتغيرات المرحلة – ص 19 .
5- المصدر نفسه – ص 20 .
6 - د. عبد الحميد ابراهيم – قضية المصطلح الادبي – الشعر ومتغيرات المرحلة
– ص 93 .
7 - نظرية البنائية – ص7 .
8 - د. عناد غزوان – ص 12 .
9 - المصدر نفسه – ص 13 .
10 - د. شكري الماضي – تحليل الخطاب النقدي – ص 212
11 - دون ان نغفل ، ان المنجز الابداعي العربي المعاصر في مجالي فن القص
والمسرح ، دون الشعر ، قد تأسس تحت تأثير المنجز الابداعي الاوربي ،الا انه
قد اخذ بعض سماته القومية العربية ، وكذلك محليته الوطنية .
12 - د. عناد غزوان – ص22 – ويمكن القول نفسه على نقد المنجز السردي
العربي .
13 -كالناقد فاضل ثامر ، والناقد نور الدين السد . يقول فاضل ثامر : (( ولا
اخفي عليكم اني كنت طيلة هذه الفترة اخشى السقوط في نوع من التوفيقية
والمصالحة بين بعض من المتضادات في الرؤيا النقدية ، وخاصة في محاولة عقد
زواج بين قيم ومنطلقات نقدية متباينة واعني بها المنطلقات الجمالية والفنية
والبنائية من جهة والمنطلقات السوسيولوجية والتاريخية والايديولوجية من جهة
اخرى )) – الصوت الاخر – ص 14 .
ويذهب الناقد نور الدين السد الى استخدام منهج مركب من (السيميائية ) و
(الاسلوبية) لغاية معرفية املتها طبيعة الاهتمام بتحليل الخطاب بعامة
والخطاب الادبي بخاصة ، وان غاية ما يطمح اليه ، هو (( معرفة القوانين التي
تحكم نظام علامات الخطاب ورصد تشكيله في الصورة التي هو عليها ، وكيفية
تحقيق ابعاده الدلالية ورؤاه الظاهرة والخفية وما ينفرد به من خصائص
تكوينية تحدت وجوده في ماهية جنسه ، وتعلق عما يهيمن عليه من اشارات جمالية
، وتنبيء عن مدلولات ومفارقة معانيه ومرجعياتها ، وتشير الى ميزاته المنجزة
من خلال ما يتضمن من خصائص اسلوبية وسيميائية )) انظر - تحليل الخطاب
العربي- ص283 – 284 .
14 - كالدكتور محمد بن مريسي الحارثي ، الذي يذهب الى الاهتمام بأقامة منهج
نقدي )عربي خالص ) على حد قوله ، (( يقوم في اسسه النظرية واجراءاته
التطبيقية على مادة الفكر العربي الاسلامي ، ومعطيات اللغة العربية ، سميته
المنهج البياني في نقد الادب )) تحليل الخطاب العربي – ص 225 .
15 - صورة المناهج الحديثة في نقد الشعر من خلال النماذج الاكاديمية – ص2
.
16 – د.عناد غزوا ن – ص13-14 .
17 - التشكل التاريخي الكاذب – ص 6 .
18-المصدر نفسه – ص 9 .
19-النقطة والدائرة – ص18 .
20 - الصوت الاخر – ص 12 .
21 - تحليل الخطاب العربي – ص 211 .
(*) نشر الموضوع على موقع البلاغ على شبكة الانترنيت.
4 - المصادر:
1 - د. احمد مطلوب – دراسات بلاغية ونقدية – دار الرشيد للنشر – بغداد –
1980 .
2 - د. ضياء خضير – صور المناهج الحديثة في نقد الشعر من خلال النماذج
الاكاديمية – بحث مستنسخ قدم الى الحلقة الدراسية لمهرجان المربد الثالث
عشر .
3- د. ضياء خضير – التشكل التاريخي الكاذب – دار
الكرمل – د.ت.
4 -فاضل ثامر – الصوت الاخر – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد – .1992
5 -طراد الكبيسي - النقطة والدائرة – دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد –
1987 .
6 - د . صلاح فضل – نظرية البنائية في النقد الادبي – دار الشؤون الثقافية
العامة – بغداد – 1987
7 - مجموعة باحثين – الشعر ومتغيرات المرحلة – ج5 – بحوث مهرجان المربد
الشعري السادس – دار الشؤون الثقافية .
8 - مجموعة باحثين – تحليل الخطاب العربي – منشورات
جامعة فلادلفيا – عمان – 1998 .
9 - مجلة الاقلام – ع 5 – 6 / 1997 .
  
الاثر الصهيوني في بنيوية شتراوس الانثروبولوجية
اليهودية ، قبل كل شيء ، هي دين سماوي منزل ، الا ان اليهود انفسهم –
بعد رحيل نبيهم موسى – جعلوه يتخذ صفة عرقية ... اذ حولو كيانهم البشري من
اناس يدينون باليهودية الى ( شعب ) يهودي القومية ، أي الى ( عرق ) .
وعندما تحول الدين الى قومية ( = شعب ) راح اليهود يؤسسون اساطيرهم
التي حاولوا من خلالها تأكيد الجانب ( العرقي ) العنصري لهم ، ابتداء من
اسطورة الشعب المختار ، وليس انتهاء بالعهد الالهي لهم بالارض ، كما يدعون
.
ان الدين اليهودي بعد موسى ، ومن ثم ( الشعب اليهودي ) ( = العرق
اليهودي ) قد تحول الى قومية عنصرية شوفينية لا ترى في الاخرين (= الاغيار
) سوى رعاع يجب التخلص منهم بقتلهم . وبعد ان سقطت دويلاتهم على يد الرومان
والبابليين ، ومن ثم ظهور المسيحية ، ومن بعدها الاسلام ، وجدوا انفسهم
شتاتاً ، مما دفعهم الى اعادة (احياء ) تلك الاساطير من خلال الابتعاد عن (
الاغيار ) على الرغم من انهم كانوا يعيشون بينهم ومعهم كعنصر طفيلي في
المجتمع ( اعتماداً على المال ، والربا والصيرفة خاصة ) فظهرت تجمعاتهم
السكانية المعزولة ، ونمط حياتهم الخاص ، ومدارسهم الخاصة ...الخ ، مما
جعلهم في اوربا القرون الوسطى وما بعدها عنصراً منبوذاً ، وغير مقبول
اجتماعياً ورسميا ، فراحوا ينشؤون ( جيتواتهم ) الخاصة بهم .
ان الاساطير التي اسسوها ، عند اعادة كتابة ( توراتهم ) بعد السبي
البابلي قبل اكثر من الفي سنة ، قد تنوسيت حتى مجيء ( هرتزل ) والفكر
الصهيوني الذي اصبح يأخذ طابعه العلني بعد مؤتمر بازل عام 1897 م . وفضيحة
نشر البروتوكولات . اذ عندها راح زعماء وقادة الصهيونية يعيدون الروح لتلك
الاساطير في سبيل تحقيق اغراض سياسية ( لا دينية ) وتحقيق حلمهم المنشود في
اقامة دولة صهيون .
ان يهودية ما بعد موسى ، لم تكن هي نفسها اليهودية كـ (دين ) التي جاء
بها موسى من خلال الوحي الالهي ، وكذلك التوراة الحالية التي اكدت الدراسات
التاريخية اللاهوتية انتحالها . (1)
وبالفكر الصهيوني خاصة ، راحت الاساطير تفعل فعلها في بناء فكر يهودي
جديد ، انه فكر اسطوري خالص ، متلبس بلباس ديني .
هكذا تشبع فكر الانسان اليهودي ( على المستويين الديني والعرقي )
بالاساطير ، فعاش حياته اعتماداً على الاسطورة التي تأسست قبل اكثر من الفي
سنة ، اذ اصبح هذا الفكر لاتاريخي ، بعد ان توقف التاريخ عند حدود اعادة
كتابة التوراة ، او ما قبلها بقليل . واصبح التاريخ عندهم لا تاريخ ديانة
سماوية ، بل تاريخ شعب مختار ( عرق بشري ) . وقد اكدت هذه الوضعية توراتهم
ومن ثم بروتوكولاتهم ، وما ظهر من نتائج مؤتمر بازل .
وهكذا تم التحول ، من دين سماوي الى دين وضعي عرقي ، ومن ثم الى دين
صهيوني ، ثم صهيوني اسطوري لا تاريخي .
هذه ( العجالة ) التاريخية اعلاه ، ستفيدنا حتماً ونحن نقرأ منظومة (
شتراوس ) البنيوية في دراسته للاساطير.
ان المتتبع لكتابات هذا العالم الانثروبولوجي ، لا يسعه الا ان ينتهي
الى نتيجة مفادها : ان ما جاء به من طروحات ونظريات في الانثروبولوجية التي
تمخضت عنها دراساته للاساطير ( القبلية خاصة ) بطريقة بنيوية (2) تحمل
الكثير من توجهات الفكر الصهيوني الاسطوري ، مما ادى الى ان تكون نظرياته
تلك مبنية اساساً على ذلك الفكر الاسطوري نفسه .
كلود ليفي شتراوس (( ابن فنان وحفيد حاخام . ولد في بلجيكا عام 1908 .
انتقل ابواه الى الاقامة في فرساي عام 1914 . ويبدو انه كان طفلاً متوحداً
يميل الى التفكير والتأمل الذاتي والقراءة ، حصل على اجازة الفلسفة عام
1932 . ارتحل الى البرازيل عام 1934 بعد ان عرض عليه منصب استاذ
الانثروبولوجية بجامعة ساو باولو . وهناك قام بدراسة عدد من القبائل
البدائية . فكانت هذه الدراسة مهاداً لافكاره التي تطورت بعد ذلك . في عام
1939 عاد الى فرنسا ، ثم تركها بعد سقوط باريس مرتحلاً الى الولايات
المتحدة ، وفي نيويورك اشتغل بالتدريس في المدرسة الجديدة للبحث الاجتماعي
وتوطدت علاقته مع رومان ياكوبسن الذي قاده الى الاهتمام بعلم اللغة البنيوي
. عاد الى باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية )) (3).
يوصف كتابه ( المدارات الحزينة – المنشور عام 1955 ) بأنه اقرب الى ان
يكون (( اعادة بناء للفكر وليس مجرد سجل اسفار او تقرير عن رحلات ميدانية
ولقد حقق الكتاب رواجاً غير متوقع بتركيبته الغريبة التي تمتزج فيها
الذاكرة الانتقائية بالبحث الميداني التجريبي والاستدلالي العلمي (...) ان
هذه السيرة الذاتية الاثنوجرافية التي تخلط بين الذكريات والتفسيرات ، وبين
الملاحظة والتأمل ، وبين الحقيقة والتداعي الحر ، قد عملت على دعم نظرية
ليفي شتراوس عن القرابة في كتابه الابنية الاولية للقرابة "1949"...)) .
(ص24 )
ان اعتماد اغلب دراساته ، التي ضمتها كتبه ، مثل ( الابنية الاولية
للقرابة والفكر الوحشي ، واسطوريات ) على الافكار التأملية والتداعي الحر ،
جعلت منظومته الفكرية ( على صعيد الشكل والمحتوى = البنيوية
والانثروبولوجية ) تتأسس على مجموعة من الاساطير التي انشأتها يهودية ما
بعد موسى ، والصهيونية فيما بعد.
ان شتراوس (( كثيراً ما يحول الافكار المتأملة الى حقائق ، ويحول
التأملات الى فرضيات متدفقة ، وهو يبرر ما يقوم به من مزج بين التجربة
الشخصية والتفسير الفكري بنظرته المتميزة الى الجيولوجيا والتحليل النفسي
والماركسية بوصفهن " عشيقات ثلاثة " له ..)) .(ص25 ) انه المنهج نفسه الذي
سار عليه كتبة التوراة بعد السبي البابلي ، اذ ان التوراة الحالية ، ما هي
الا سرقة للاخرين ( = التجربة الشخصية ) المعجونة بمادة يهودية ( يهودية –
صوفية في بعض الاحيان ) ( = التفسير اللا عقلاني ) .
وكذلك ، فأن بناء انثروبولوجية شتراوس ومنظومته البنيوية في دراسة وفحص
الاساطير اعتماداً على اللغة ، جاء بتأثير توراتي بحت (( في البدء كان
الكلمة )) على الرغم من ان دارسيه يحاولون التقليل من هذا التأثير عندما
يذكرون ان ياكوبسن هو الذي قاده الى الاهتمام بعلم اللغة البنيوي (ص24) ،
اذ ان هذه التأثيرات قد جاءت متجاوبة والطروحات التوراتية في ( وعي او لا
وعي ) شتراوس ، ان لم تكن هي في الاساس عند ياكوبسن .
ومن الامور الاخرى التي لها علاقة بالنظريات الانثروبولوجية لشتراوس
هو تأثيره بالفكر التوراتي عن القرابة المعتمدة اساساً على الام ، وقد امده
هذا الفكر بالنتائج التي توصل لها في كتابه ( الابنية الاولية للقرابة ) .
ان يهودية ما بعد موسى ، او لنسميها ( اليهودية الصهيونية ) قد جمدت
التاريخ على ما كان عليه قبل اكثر من الفي سنة ، لتجعل للاساطير التي جاء
بها احبار اليهود مابعد السبي ( كتبة التوراة ) ذات اثر كبير في تنشأة
يهوديي ما بعد موسى ، وهذا ما اثر كثيراً في المنظومة ( التأملية ) لشتراوس
الذي كان (( ينتهي به التأمل الى ان كل الادراكات تختلط بتجارب الماضي ))
و(( تظل متصلة الوجود في تنوع اللحظة الحي .. مازجة الزمان بالمكان )) كما
يؤكد في كتابه (( المدارات الحزينة ))(ص25) .
ويؤكد كذلك ، على ان التاريخ (( يعاد تأسيسه كلما حكيت الاسطورة او
استرجع الماضي )) (ص35) . وهذا ما تريده اليهودية الصهيونية .
واذا كان لسارتر مبرراته الفلسفية في رفضه لمفهوم ( الابنية العقلية
اللاواعية ) التي كانت من اهتمام شتراوس ، كون سارتر ينكر وجود ( اللاوعي )
، الا ان شتراوس قد اعتمد ذلك المفهوم اعتماداً كلياً عند دراسته للاساطير
للوصول الى ان الاسطورة ما هي الا حقيقة احتفظ بها (اللاوعي ) وما على
الدارس الا ان يفض ((مغالق الانساق الرمزية للاساطير ليعيد بناء التاريخ
الثقافي )) ( ص 32) . وبهذا يتعارض شتراوس مع ماركس في ان الاخير يؤكد على
(( ان الثقافة مشروطة بالبنية الاقتصادية للمجتمع )) فيما يؤكد هو على ان
(( الثقافة تنبثق من الابنية اللاواعية الكلية )) ( ص 34) والاسطورة هي
واحدة من تلك البنى اللاواعية .. وهذا ما تريده اليهودية الصهيونية وهي
تعيد الحياة الى اساطيرها التي تأسست اعتماداً عليها .
وبدافع من منظومته الفكرية ، هاجم شتراوس الوجودية والظاهراتية كونهما
اعتمدا ( اوهاماً ذاتية ) (ص35 ) ذلك لانه لا يعتمد مثل تلك الاوهام
الذاتية ، وانما يعتمد ( اللاوعي الجمعي ) ، وهذا ما تؤكده اليهودية
الصهيونية في ان وعي الانسان الصهيوني هو ( وعي جمعي لا واعي ) ( = لا
تاريخي ) اذ ان الفرد عند شتراوس لا يكتشف وعيه بالذات اثناء الممارسة
وانما يعتمد على بنية داخلية تجعل البشر (( بوصفهم موجودات اجتماعية
وبوصفهم حوامل لا واعية لنظام كلي " نابع من ابنية لم تكتشف بعد " ...))
(ص36) . وان التلاحم الاجتماعي، كما يؤكد شتراوس ، يعتمد اساساً على ((
قوة الاساطير المشتركة )) (ص38) وليس الى غيرها من مؤسسات اجتماعية ذات
فاعلية مؤثرة. وهذا ما دفعه الى التركيز على دور ( التضامن الآلي )
للمجتمعات القبلية ، وان الفرد عنده كما عند اليهودية الصهيونية (( يرتبط
ارتباطاًً تلقائياً مباشراً بمجتمعه ، بكل ما في هذا المجتمع من وحدة شاملة
تنتظم العواطف والمعتقدات )) (39) ويذهب الى ان الاساطير والشعائر المرافقة
هي ( حقائق اجتماعية ) لتأكيد صلة الاساطير المؤسسة لليهودية الصهيونية في
الوقت الحالي .
فضلا عن ذلك، فأن عدم دخول شتراوس في معترك السياسة ، يؤكد نظرته التي
تعتمد على ان (( السلوك الانساني مسيراً بواسطة قوى لا واعية، تتجاوز نطاق
السيطرة الانسانية )) (ص39 ) أي على قوى اسطورية .
خلاصة القول ، ترى هذه الدراسة ، ان شتراوس وهو يدرس الاساطير بنيوياً
، فأنه يدرسها من خلال منظومة فكرية مشبعة بما هو اسطوري يهودي صهيوني ،
اولاً ، وثانياً ، ان ما استخلصه من نتائج قد جاءت تلبية للفكر الاسطوري
اليهودي الصهيوني .. انه قد استخدم الاسطورة ليثبت ( الحقيقة التاريخية !!)
للاساطير اليهودية ( الصهيونية ) ، بعد ان اوقف التاريخ عند حدود كتابة
التوراة .
الهوامش:
1 . الذئب والخراف المهضومة – دراسات في التناص – داود سلمان الشويلي – دار
الشؤون الثقافية العامة – 2001 .
2 . يصفه البعض بأنه ( ابو البنيوية ) ص23 عصر البنيوية .
3 . ص24 بتصرف . وكل ارقام الصفحات المثبتة مأخوذة من كتاب ( عصر البنيوية
) – اديث كيرزويل – ت . جابر عصفور – آفاق عربية – 1985 .
  
السرد ومستوياته
قراءة في رواية ((زبيبة والملك ))
-1 -
لم تكن علاقة القادة بالشعب ، او علاقة السلطة ، بصورة عامة ، بالشعب ،
-في يوم ما – عن الادب ، بمستوييه الشعبي والرسمي ، ذلك لان العديد من
النصوص الشفاهية والمرونة ، قد عالجت هذا العلاقة منذ ان وجدت بين الناس ،
الا انها راحت تتطور وتتعقد بتطور الحيات ، وتشعباتها ، وتقادم الزمن اذ ان
تطور الحيات وتقادم الزمن يفرضان على هذه العلاقة مجموعة من الشروط التي
تجعلها في حاله سيرورة مادام نبض الحياة ، وجريان الزمن مستمرين .
ان الادب الشفاهي – حتى بعد تروينه – قد قدم هذا العلاقة بصور شتى
ووصفها في اكثر من عمل ، حتى ان تاريخ البشرية قد تجسد في هذا الادب ، مما
جعل الادب الفني (المكتوب ) ينهل منه ، ويؤسس على ما ينهل دون وجل ، لانه
الاصل .
وفي مطلع الفيتنا الثالثة ، وجد الادب المكتوب نفسه يفود مرة اخرى الى
نبعة الاصلي ، لينهل منه ، لان الادب الشعبي الشفاهي – خاصة – مازال النبع
الصافي الذي يرتوى به فكانت ( زبيبه والملك ) النص الروائي المكتوب فنيا قد
اعاد مر اخرى صياغة تلك العلاقة صياغة جديدة ، بوجهة نظر زماننا ، لا لكي
يقدم نصا ابداعيا مشوقا فحسب ، بل نصا ممتلئا بالقيم والافكار السامية التي
افرزتها الحضارة العربية الاسلامية في السياسة ، الاجتماع خاصة ..
ان ( زبيبة والملك ) تعيد في الالفيه الثالثه مناقشة هذه العلاقة من
جانبين :-
انها كنص روائي حديث ، يعتمد نصا شعبيا شفا هيا ((1)) بعد ان سحبة من
مضان التاريخ الشعبي ،
بناء هذه العلاقة في ضوء متطور جديد يعتمد مسيرة وبنبض التاريخ . أي
فحصها من خلال ثنائية التراث والمعاصر .
وانطلاقا من هذا ، سندرس العلاقة بين النص القديم (القصة ) والنص
الحديث ( الحكاية ) كما قدمها النص الروائي ، والوقوف على تفرزه هذه
العلاقة من ظواهر فنية وثيقة الصلة بشعرية النص الروائي الحديث ، من خلال
ادوات ومقتربات نقدية حديثة تعتمد نتائج اكثر المناهج النقدية الحديثة في
فحص النصوص السردية .
*** ***
-2-
اعتمدت اغلب النصوص السردية القديمة والحديثة ( شفاهية ومرونة ) في
بناء هياكلها على تداخل مستويات السرد . والف ليلة وليلة واحد من تلك
النصوص السردية التي مستويات السرد ، اذ بني هيكلة التنظيمي الفني على اربع
مستويات سردية ، هي :- ((2))
أ – مستوى السرد الاول، أي حكاية المفتح ، وهي حكاية الملكين شهريار
وشاهزمان مع زوجيتهما .
ب – مستوى السرد الثاني ، وهي الحكاية الرئيسية ( حكاية الاطار ) التي
تحكيها شهرزاد لزوجها شهريار .
ج - مستوى السرد الثالث ، وهي الجكاية المضمنة في المستوى الثاني للسرد
.
د –مستوى السرد الرابع ، وهي حكايات متضمنه في المستوى الثالث للسرد ان
هذا التنوع ، لم يات اعتباط ، بل منبعث من داخل نصوص الليالي نفسها .
لاسباب تفرضها موضوعات الليالي ، اولا ، ولاسباب لها علاقة بالعناصر
السردية للنصوص ثانيا .
ودراستنا هذه معنية اساسا بتفحص ومن ثم دراسة تنظيم البنية السردية لنص
( زبيبة والملك ) كنص روائي حديث ، اعتمد نصا شفاهيا (شعبيا ) .
ان قراءة اولية للنص الماثل بين يدي هذه الدراسة ، توكد على انه قد
انبنى داخل هيكل فني اعتمد تداخل ثلاث مستويات سردية ، تولد احدهما من
الاخر .
*** ***
-3-
يحكى لنا نص ( زبيبه والملك ) على لسان الراوي ( مجهول الاسم والمعطيات
الاخرى ) ان ما وجده في العراق وشعبه من عظيم الامور الجليلة ، قد خرج من
حدود المنطق والعجيب والمدهش ، ولما كان عراق اليوم هو امتداد لعراق قبل
اكثر من ستة الاف سنة ، فان الماضي ما زال ماثلا بين جنبات الحاضر ، وما
زال الحاضر يعتمد الماضي ، ليبني مستقبله ..
والماضي هذا ، هو ما حكته قبل عشرات السنين (( عجوز حكيمة ذكية )) ( ص3
) وان ما حكته هو حكاية(( زبيبة والملك )) ، اذ ينتقل الحكي ( السرد ) من
الراوي الى ( الساردة ) العجوز ، عندما تبدا حكايتها باللازمة الحكائية
المعتادة : (( كان ياماكان .. كان في قديم الزمان ، ملك عظيم المكانة
والشان ... الخ )) ( ص3 ) . فتخبرنا :- ان مكا خرج في يوم ما للتنزه ، وفي
طريقة شاهد قصرا يشبه قصره ، وبجانبه كوخا صغيرا ، فتوجه مباشرة الى ذلك
الكوخ ، وهناك استقبلته فتاة شابة جميلة تدعى ( زبيبة ) .. رحبت به ،
وضيفته احسن ضيافه في كوخا البسيط ) النظيف ، المنظم .. ومن خلال حوار دار
بينهما عن شؤون الحياة ، وجد فيها فتاة ذكية ، واعية ، فارتاح لمجلسها، بعد
اكثر من زيارة لها في كوفها ، وعا ها لزيارته في قصره .. وفي اكثر من زيارة
للقصر الملكي، ومن خلال المناقشات التي دارت بينهما ، يقع في حبها ،فيما
تغير هي الكثيرمن افكاره حول علاقة السلطة بالشعب .. ونظام الحكم ،
وعلاقتها هي به كواحد من ابناء الشعب .
وخلال هذه الفترة ، استطاع الملك ، وبتدبير منها كشف محاولة به ..
وافشال محاولة تسمية ، ومن ثم اخماد ثورة قامت ضده .. وخلال دفاعها عن
القصر الملكي تصاب بجرح بليغ تستشهد من جرائه .
يترك الملك امر شؤون المملكة بيد مجموعة من ابناء الشعب ، كمجلس
استشاري ، يناقشون فيه امر الماكة ، واثناء ذلك يموت الملك .. فتنتقل
السلطة الى الشعب من خلال هذا المجلس .
واذا كان النص عبارة عن نص حواري طويل ، فان تلخيصة كما في اعلاه قد
أخل كثيرا بها حمله من افكار سياسية واجتماعية واقتصادية تخللت حوارات
الملك و ( زبييبة ) .. اذ انه عبارة عن رسالة ذات هدف عظيم .. وهذه
الدراسةغير معنية بما يحمله من مضامين فكرية لاهتمامها بينائة السردي .
*** ***
-4-
مستويات السرد:
ا - المستوى الاول :
يبدأالنص بمفتح عام ، تملأ سطوره اسئلة عديدة ذات طابع فكري ( سياسي
واجتماعي ) عام . وهي تؤكد على أن العراق ، هو (بلد الغرائب والعجائب
،والبطولات والمعجزات ) (ص1 ) وفي الوقت نفسه ، لايفرح هذا الباد (الرجل ،
ولايوجد فيه هزال ،وليس فيه صفة الهزل ) (ص3 ) ، لماذا ؟
من هنا تبدأ لأجابة .. والاجابة هذه هي نص ( حكاية ) ( زبييبة والملك )
الذي انبنى بشكل حكائي سردي يعتمد الماضي تجاربه الزاخرة بما هو غرائبي /
عجائبي (( 3 )) ، أي بما هو واقعي ، لان ما هو غريب او عجيب في دينا البشر
، لايكون كذلك مالم يقترن بتغيير الواقع نحو الاحسن ، والافضل .. عندها
يخرج من كونه لاواقعيا الى كونه واقعا ، حادثا ملموسا ..
من هنا يتحرك السرد ، ليقول كل هذا . الا انه يبني نفسه خارج اللحظة (
الأتية تاريخيا ، ليقول بنا الى ما مضى دون ان يخل بشروط ومواصفات الأتي ..
لان الاثنين ( الأتي والماضي ) يرتبطان فيما بينهما بروابط وشيجة ، فلا
الأتي ليستطيع الحركه بمعزل عن الماضي ، ولاالماضي يبتعد عن الأتي ، وهذا
ليس معناه ايقاف لمسيرة التاريخ ، او الرقوع في اللاتاريخية ، وانما معناه
، ان الأتي لم يكن أنيا ، ولايمكنه ان يتجاوز لحظته ليكون مستقبا ، دون من
الماضي .. واعتمادا على ذلك ، راح النص يناقش اكبر القضايا الفكرية
المطروحة وعلى كافة اصعدة الحياة طرحا غير منقطع الجذور .
اذن ، فان المفتح الذي بنى نفسه من خلال التساؤلات ، كانت علاقته با
حداث النص علاقة وثيقة ، لان النص ماهو الا اجابة دقيقة على تلك التساؤلات
.
يتأسس النص السردي في عملية الايصال على شخصيتين سرديتين ، هما :
الراوي والساردة العجوز وكلاهما لا علاقة لهما باحداث ( قصة ) النص . (( 4
)) .
فالراوي هو من يفتتح النص الروأئي ، ثم يسلم قيادة السرد الى راو أخر ،
هو الجدة العجوز التي تأخذ على عاتقها سرد ( قصة ) ( زبييبة والملك ) ،
وتبقى متسلكة بوظيفتها السردية حتى النهاية دون ان تسلم السرد الى راو أخر
من خارج ( قصة ) النص ، وانما الى بعض الشخصيات الشاركة في صنع احداث (
القصة ) .
ومن خلال علاقة الراوي بالساردة ، يبدأ اول تحول في مستويات السردي ،
اذ بتغير الراوي يتحول السرد من المستوى الاول ( حكاية المفتتح ) الى
المستوحواها الثاني ( حكاية الاطار ) ، اذ تقوم الساردة العجوز بسردها امام
مجموعة الاطفال لمتحلقين حولها في ليلة من ليالي الشتلء قبل عشرات السنين ،
وكان الراوي واحدا من ولئك الاطفال الذي سمعوا العجوز وهي تسرد ( قصة ) (
زبيبة والملك ) .
وهكذا يكون المستوى الاول للسرد ، مولدا ل ( حكاية ) كانت قبل ان تدخل
النص السردي ( قصة ) من قصص الماضي ، الا ان هذا المستوى ، لايكف عن مولدا
المستوى أخر ، جاليا معه عناصر سردية جديدة ، مغارقا لسارد المستوى الثاني
، مسلما قياد السرد الى شخصية من داخله .. هذا المستوى الثالث من مستويات
السرد التي صفل بما نص ( زبيبة والملك ) هو عبارة عن مجموعة من الحكايات
التي اطلقنا عليها مصطلح( حكايات تضمينية ) ..
ان اسباب قيامه عديدة ، سنذكرها لاحقا .
ب ـ المستوى الثاني :
واذا كنا سنعود مرة ثانية الى تراثنا الحكائي في الليالي، فهذا لايعني
وصنع مقارنة بين النص الذي بين يدي الدراسة هذه ، وبين نص الليالي ، بقدر
ما نريد التأكيد على ان النص الحديث ، الى يحمل افكارا جديدة عن موضوع قديم
فانة بذلك يعودالى الجذور ، وهذا يعني اصالة ما طرح من موضوع هام دون
الوقوع في بعض القيود التي يفرضها ذلك التراث (الجذور) .
فنص ( زبيبة والملك ) يني نفسه داخل هيكل حكائي سردي يتطابق والهيكل
الحكائي السردي لليالي ، الاانه يفترق عنه في الكثير ، على المستوى البناء
وعلى مستوى المطلوب . خاصة تلك المعالجات الفكرية لملوضوعة الاساسية له .
واذا كانت الساردة العجوز قد استلمت السرد في المستوى الثاني ، فهذا
لايعني انها اخذت تسرد احداث ( قصتها ) لاول مرة ، وانما الذي قام بذلك هو
نفسه( راوي ) المستوى الاول ، بعد ان اعاد لها شخصيتها ( المعنوية ) وسحبها
من زمن مرت عليه عشرات السنين الى الزمن الحاضر ( الاني ) ( وقت تدوين
الحكاية ومن ثم وقت قراءتها ) ، وراح هو يسرد الاحداث على لسانها .
ان سحب ( الساردة ) من زمنها السردي ( القولي ) الى زمن آخر ، يقابله
تغيير في جهة ( المتلقين ) فاذا كان مستمعو ( الساردة العجوز ) في وقت
سردها الحقيقي هم مجموعة من الاطفال ، فانها وهي تسرد الاحداث مجددا على
لسان الراوي ، فهي تسردها امام اسماع ، أو ( ابصار) متلقين جدد.
ومن الملا حظ في هذا المستوى ، ان راوي المستوى الاول لم يترك (
الساردة العجوز ) لوحدها ، بل راح يتابعها وهي تسرد ( او سبق ان سردت )
احداث ( قصة ) (( زبيبة والملك )) ، فكان يذكر لمتلقيه ما يراه من افعال
تقوم بها ، وهي افعال لاعلاقه لها باحداث ( زبيبه والملك ) بل هي من صميم
احداث ( الحكاية ) ، وهذا ما ندعوه ب ( تدخل الراوي ) ، وهو تدخل مشروع له
وظيفة سردية مهمة ، هي وظيفة كسر زمنية ( القصه ) لبناء زمنه ( الحكاية ) ،
وان هذا المستوى من السرد ، راح يقوم بوظيفة توليدية ، اذا انة ، جعل من
نفسة اله لتوليد ( قصص ) جديدة ، تدخل في الية ( السرد ) لتأخذ مكانها داخل
حدوده بعد ان كانت خارجه .
|