
بطاقة تعريف الكاتب: محمد
عزوز

مواليد: قدموس 1958
إجازة في الاقتصاد والتجارة من جامعة دمشق لعام 1982
يعمل حالياً مديراً في شركة الحديد في مدينة حماه
بدأ الكتابة منذ أواخر السبعينات شعراً وقصة وبدأ النشر في الدوريات
السورية والعربية عام 1979
شارك بالعديد من الأمسيات خلال فترة دراسته الجامعية
أصدر ثلاث مجموعات قصصية :
الأولى
بعنوان ( ويبدأ الهمس ) عام 1995
والثانية بعنوان ( زاروب العين) عام 1997
والثالثة بعنوان ( قرط خدوج ) عام 2004
كما شارك في كتاب ( قصص مدينتين ) عام 2002 لمجموعة قاصين وقاصات من محافظتي حمص وحماه
وكتاب ( وجوه ومرايا ) عام 2005 الذي تضمن مختارات من القصة السورية في
مطلع الألفية
لم يهجر الشعر ولكنه شاعر مقل
يشارك الآن في العديد من الأمسيات والمهرجانات الأدبية في محافظات القطر
وينشر بعض إنتاجه في الصحف والدوريات السورية والعربية
له اهتمامات ثقافية متنوعة وهو يعد الآن مشروع كتابين في دراسة الشعر
المعاصر والقصة القصيرة
لديه في منزله بمدينة سلمية صالوناً أدبياً يقصده الكثير من الرواد
والمهتمين ومكتبة ضخمة وأرشيفاً متنوعاً
 


نماذج
من أعماله
بانتظار قرار
نهضت من فراشها كالملسوعة ، تأرجحت ، استندت إلى الجدار المقابل ،
لم تفتح عينيها بما
يكفي لتلمس طريقها إلى المغسلة القريبة ، تفادت السقوط أكثر من مرة
00
هي لم تعتد الإستيقاظ المبكر ، لذلك ظننت أن الأمر لايتعدى قضاء
حاجة ما ، إلا أن دوي محاولات
الإقياء ، نبهني إلى أن الأمر غير عادي البتة ،
فتركت مابيدي وهرعت
إليها أستطلع الوضع 00
لم تجبني ، بل استمرت تحاول أن تطرد أشياء تزاحمت في بوابة معدتها
0
كان علي أن أفعل شيئاً ما ، وإلا اتهمتني بالتقصير ، وبأنني لاأظهر
حناناً كافياً لها عندما تتوعك ،
بالمقارنة بما تفعله هي في حالات مماثلة ، أكون أنا المتوعك فيها
00
لكنها أصرت أن الأمر طبيعي ، وأن علي أن أجهز لها ماء ساخناً كي
تدفئ قدميها فقط 00
لم أتأخر ، لكن أنينها وأصوات استغاثتها وطلب النجدة من الله تارة
ومن أمها تارة أخرى ،
آلمني ودفعني للإقتراب أكثر منها والإلحاح بفعل أي شيء قد يريحها
0
أصرت أن أدعها ، وأن لاأهتم للأمر كثيراً 00 وبعد أقل من ربع ساعة
هدأت معدتها ، وطلبت أن أساعدها في العودة إلى فراشها ، ففعلت 00
وقبل أن أغادر إلى عملي ، ترددت في أن أتأكد من تحسن حالها ، ثم
حزمت أمري في أن أتركها
لنومها ودفئها ، فغادرت دون أن أفعل شيئاً 0
وقبل أن أكمل فنجان قهوتي في مكتب العمل ، رن جرس الهاتف :
ــ عليك أن تأتي إلى البيت بسرعة 00
ــ ماذا هناك 00 ؟ هل حدث مكروه لفاطمة 00؟
ــ هي في العناية المشددة 00
ــ عناية مشددة 00!!
ولم أنتظر سماع أشياء أخرى 00
لم أعد أذكر أي تفاصيل رافقتني من العمل إلى المشفى ، رغم طول
المسافة 0 فقد كان ذهني
منشغلاً بهاجس الخوف من خطورة ما تنتظر فاطمة 00 ولذلك لم أر
الكثيرين ممن حاولوا أن
يستوقفوني في الطريق أو في مدخل وأروقة المشفى 00
في العناية المشددة استغرب المعنيون سؤالي ، ولم يستغربوا لهفتي ،
كما لم يتجرأ أي منهم
على إجابتي ، بل رافقني أحدهم إلى مكان آخر ، لم أكن أعرف ترتيبه
أو توضعه ، وهناك
رأيت جمهرة من أناس أعرفهم تماماً ، أو لعلهم قريبون مني 00 تركني
مرافقي وأمسكني
آخرون 00
وكانت الوجوه المصفرة الكئيبة تنبئ بما حدث 000
2
كانت تصلني همسات من هنا وهناك ، وأنا لاأزال أستقبل جمهور المعزين
من رجال ونساء :
ــ ياأخي الجلطة مابتخبي حالها 00 كيف تركها وهي على هالحال
00
ــ قال جاب لها ميه سخنة 00 وبعدين غطاها وتركها 00
ــ والله لو أسعفها من وقتها كان الله نجاها 00
ــ أي بيكون حاطط عينو على شي وحدي تانية 00 الدائرة عنده مليانة
صبايا 00 كل وحدة
أجمل من التانية 00
يزداد ألمي وأنا أسمع مثل هذه التعليقات ، ولكنني فضلت ألا أرد 00
كل مافي الأمر أنني وضحت
لبعض المقربين ماجرى ، وأن الأمر لم يكن يتجاوز التفكير ببعض البرد
الذي تسبب بحالة الإقياء
وكنت أخمن أنه سيزول تدريجياً ، بعد أن تتدثر جيداً 00
وحمدت الله وشكرته على أنهم لم يستجيبوا لما يقال ، وإلا كنت في
موضع اتهام بالتقصير أوربما
بالقتل 00
أولادي هم أنفسهم ، كانوا على بينة من المشهد ، لذلك لم أسمع لوماً
ما منهم ، بل كانوا يبكون
أمهم بحرقة ، ويتألمون لحالي ، ولربما لمستقبل عائلي غامض ينتظرني
وإياهم 0
3
مضى زمن طويل ، افتقدتها فيه ، افتقدت ضحكتها ، ضجيجها ، شكواها من
عبث الأولاد
ولامبالاتهم ، وحرصها على توفير الوقت والجو المناسب لي 0
لم أكن أفكر في البديل ، رغم هموم حياتنا اليومية المتصاعدة 00
ثلاثة ذكور كبروا قليلاً 00 لم يكونوا يجيدون أبسط الأعمال المنزلية
، فقد عودتهم أمهم الراحلة
على تقديم كل مايلزمهم بيديها 0 فجأة آلوا إلى هذا الوضع ، حاولوا
أن يفعلوا شيئاً في البداية ،
دون جدوى 00
أخواتي 00 حاولن أن يقدمن لنا بعض العون في أعمال المنزل بداية ،
لكن أزواجهم وبالتتابع بدؤوا يضيقون بهذه الحال ، فغادرن واقتصرت أعمالهن على مايمكن
انجازه في فترات متباعدة
ارتبطت بزيارات الإطمئنان 0
أخوات الزوجة لم يقدمن الكثير أيضاً ، بحجة أن الوضع لم يعد مناسباً
بعد وفاة أختهن ، فأنا
موجود ، ووجودهن معي في منزل مغلق صار يسبب لهن القيل والقال رغم
وجود الأولاد 0
حاولت أن أسد العجز ببعض الأعمال ، فلم أفلح كثيراً 00
وعندما جاءت الفرصة الأولى للزواج ، كان قد مضى أكثر من سنة على
وفاة ( فاطمة ) ،
بدأت أسمع تعليقات أخرى :
ــ معلوم 00 لم يجف تراب قبرها بعد 00
ــ قال أستاذ قد الدنيا 00 راكض يتجوز بعد هالعمر 00
ــ مساكين ها الأولاد بدهن يعيشوا مع خالة 00
ــ كلهن بيحتجوا بأعمال البيت 00 أي شو هالمشكلة لاعندهم رضيع
ولاطفل 00 الصغير صار بالخامس 00 وعندما سمع الأولاد بقراري ، امتعضوا
وتجمعوا في إحدى غرف المنزل ، معبرين عن استنكارهم ، حتى الكبير الذي كان
في الجامعة ، صمت ولم يبد أي رأي 0
أجلت مشروعي أشهراً ، لعلي أحصل على موافقة أفضل ، إلا أن إثارة
الأمر من جديد أعادت
إلي صورة غضب كنت أحاول أن أنساه ، غضب جسده كبير الأولاد هذه المرة
:
ــ قل لنا ماذا تريد ونحن بين يديك 00
ــ لانريد امرأة غريبة بيننا 00
ــ لانحب أن يتحدث الآخرون عن فعلتك 00
أطرقت ، حاولت أن أرد عليه ، أن أؤكد له أنها لن تكون غريبة ،
وعندما يتعرفون إليها سيختلف
الأمر 00 ثم همست له :
ــ إنني بحاجة إلى امرأة رغم كل شيء
غضب من جديد وأفلت من بين يدي 000
4
في اليوم التالي وصلت إلى البيت في موعدي المحدد ، لأجدهم وقد
اجتمعوا في الصالة وعلقوا
يافطة بالخط العريض :
ــ لانريد لامرأة غير أمنا أن تدخل البيت 0
ابتسمت ، واغرورقت عيناي بالدموع ، ودلفت إلى غرفتي ، دون أن أنبس
ببنت شفة 0
لم يكن أمامي سوى الإنصياع لرغبتهم ، وتأجيل الموضوع إلى زمن قد
يقصر أو يطول حسب
الحال 0
المرأة التي دخلت حياتي ، غضبت هي الأخرى ، عندما أعلنت أمامها أنني
اضطررت لتأجيل
مشروع زواجنا قليلاً بسبب الأولاد 0
ابتعدت عني زمناً ، وتركتني لوحدتي وآلامي 00
ماذا أفعل 00 ؟ هل أتزوجها سراً 00 ؟ ولكن أين سيكون وجهي من أولادي
الذين سيكتشفون
الأمر بعد مدة 00 ؟ ثم أنني لا أستطيع فتح بيت آخر 00 كما أنني سأظل
بحاجة إلى امرأة
أخرى تدبر شؤون بيت الأولاد 0
انتظرت أياماً بل شهوراً وسنيناً 00 اليافطة لاتزال معلقة في الصالة
، وهمسات الآخرين تخترق
مسامعي ، والمرأة الأخرى غاضبة في بيتها ، تنتظر القرار 000
   
شتائم صامتة
هيأ الأستاذ نفسه للرد على لوم شديد قد يمتد ليصبح شتائماً أو
عراكاً بالأيدي ، وربما يتطور
إلى نوع من أنواع القتال 00
هو لم يعتد هذا النوع من اللوم أو الشتائم ، فكيف إذا تطور إلى عراك
أو قتال 00!!
لقد أخطأ وعليه يقع عبء الإعتذار 00
ولكن هل سيقبل ذاك الذي دلق على رأسه وثيابه نصف إبريق فاتر من
الشاي اعتذاره 00؟
خاصة أنه قروي بسيط لاتعني له كلمات الإعتذار شيئاً 0
خطا إلى الخارج ينتظر وصول الرجل ، ولما طال أمد الوصول ، تقدم أكثر
صوبه 00
لم يكن يتعمد دلق الشاي ، وهو لايحب مثل هذه الأفعال ، ولطالما
استهجنها وحاضر في
سلبياتها ، تطلع إلى الأسفل ، لم ير أحداً ، أحب التأكد ،
فأكد
صديقه خلو المكان ، ففعل مافعل 00
ولما لم يسمع احتجاجاً من أحد ، اطمأن إلى أن الأمر مر بسلام ، ولكن
مرور بعض الثواني أظهر
رجلاً يشوح بيديه محتجاً وآثار الشاي على كتفيه وبعض رأسه وثيابه
0
أسرع خارج المكان ليفعل أي شيء كي يخفف من وقع الخطأ على الرجل الذي
وصل متأخراً 0
تابع الرجل المبتل سيره صامتاً ، وعلى وجهه إشارات لوم واضحة ، لم
يقف ليشتم أو يعارك أو
يسمع إعتذاراً على الأقل 0
طار صواب الأستاذ وهو لايسمع شيئاً من الرجل ، أسرع الخطو ليلحق به
، ولما وصل مد يده
إليه يصافحه ، تلاقت الأيدي 00
ــ أرجوك أن تسامحني ، لم أكن أراك ، أريد أن أفعل أي شيء تريده كي
أعبر لك عن أسفي 00
ــ أ00 أ00 أأأ 00 ( دون أن تبدو على محياه علائم غضب أو استنكار أو
رغبة في القصاص )
ــ لماذا لايتكلم الرجل 00؟ هل أذاه الفعل إلى درجة لجم لسانه 00 ؟
لكنها مياه دافئة وبقايا
عروق الشاي المبتلة 00
حاول أن ينفض بعض ماعلق بثياب الرجل من البقايا ، لكنه لم يجد شيئاً
واضحاً ، ثياب مبتلة ،
قطرات من الشاي في أسفل ذقنه وأذنه اليسرى 0
تعلق به من جديد :
ــ أرجوك سامحني 00 لم أكن أقصد 00
ــ أأ 00 أ 00 أأ ( وقد بدا على محياه الملل من الحالة )
ثم سحب يده بقوة محاولاً متابعة طريقه ، بينما وقف الأستاذ ممانعاً
وراغباً في أن يسمع شيئاً منه 0
ظهر الغضب على محيا الرجل هذه المرة ، محاولاً أن يفعل شيئاً ما كي
يتركه هذا الذي دلق عليه
الشاي ، وهو يحاول الآن أن يمنعه من متابعة طريقه 0
استغرب الأستاذ هذا الغضب ، وظن أن الثورة عند الرجل ستظهر الآن
وسيبدأ عراكه المنتظر ،
فتهيأ لفعل شيء ما يرضيه ويحول دون شتائم لايحبها أو عراك لم يجربه
منذ أن تجاوز سن
الطفولة 0
ــ دعه وشأنه ، إنه لايسمعك 00
ــ لايسمعني 00 !! كيف 00 ؟ ( مجمعاً كل مشاعره وأحاسيسه ليفهم
ماهية مايجري ) 0
ولكن القروية العجوز قطعت عليه حيرته :
ــ إنه أخرس القرية ياأستاذ 00 يجود عليه أهلها بما تسمح به النفس
0
كان الأخرس قد ابتعد ، توارى بين الأشجار ، بينما أصابت الأستاذ
حالة من الذهول 0
حاول أن يفعل شيئاً ما ، أن يترجم اعتذاره الذي لم يصل إلى أشياء
أخرى ترضي الأصم الأبكم ،
وتدفع أولئك الذين كانوا يرون المشهد بكامل أبعاده للعفو عنه ، ولكن
000
عاد إلى زاويته متجهماً ، يحاول أن يفعل شيئاً آخر ، دون جدوى 0
وفي دروب قريته المجاورة انطلق أكثر تجهماً ، يحاول أن يوقف كل من
يصادفه في طريقه :
ــ لم أكن أقصد الإيذاء 00 لقد أكد لي صديقي أن الدرب خاوية ، ثم
أنني 000
وكان أولئك يتساءلون :
ــ ماذا أصاب الأستاذ 00؟ بماذا يهرف 00 ؟
وفي بيته انكفأ على نفسه وعلى غير عادته ، يحادث نفسه :
ــ لم أكن أقصد 00 حاولت أن أستكشف 00 لم أر أحداً 00 صديقي أكد لي
ذلك 00 يزداد خوف زوجته من حواراته وهواجسه عندما ينقل لها عابرو الدروب
اعتذاراته المشابهة 00
تلح عليه أن يوضح لها شيئاً مما حدث ، فيؤكد أنه لم يقصد الأذية ،
وأن الأصم لم يقبل اعتذاره 0
يطمئنها الكثيرون ممن شهدوا الحادثة ، إن الأمر لم يتعد دلق شيء من
الشاي الفاتر على
رأس وثياب أخرس القرية 0 ولم تجد محاولاتها مع الأخرس في فعل شيء ما
يظهر قبوله
للإعتذار ، ولعل الفكرة لم تصله تماماً 0
وبذلك ظلت صورة الأصم المبتل بالشاي الدافئ تلاحق الأستاذ في صحوه
ونومه زمناً 0
   
رواية في المعمعة
1
لم يكن على يقين أنه سيخرج للحرية بعد أعوام من معايشة العتمة
المتخمة برائحة العفن
والنتن 0
شيء من الخوف الممزوج بالحرص والأمل بالفرح القادم يختلج في أعماقه
00
تساؤل مشرع ظل يصارعه زمناً :
ــ إذا كانوا سيخرجونه إلى النور 00 هل ستخرج أوراقه معه 00 ؟
لقد دأب منذ ساعات على حشرها في زوايا محفظته التي فقدت ألوانها
وتراتب طبقات الجلد فيها ، لن يستطيع حتى الجن الأزرق معرفة مكانها ، ولن تسقط حتى ولو
مزقوا المحفظة وقلبوها رأساً على عقب ولمرات عديدة 0 أوراق لم يأمن على خروجها مع رفاق له قيض لهم أن يخرجوا إلى الدنيا
قبله ، فتحمّل وزرها أياماً بل أعواماً أطول 00
صحيح أنها أوراق صفراء وخزق من أغلفة علب التبغ وأطراف صحف دخلت إلى
زنزاناتهم بطريق الصدفة أو الخطأ أو 000 بعد أن أعلن المعنيون بالأمر أنها
لاتؤذي ولاتخرب الأدمغة 0
هو يعرف تماماً أنه سيكون بحاجة إلى عدسات مكبرة كي يفك بعض حروفها
، لكن الذاكرة
ستساعده كثيراً ، وربما يساعده غياب الرقيب على إفراغ محتوياتها في
صفحات ناصعة البياض
ثم طباعتها واحتوائها داخل غلاف ملون أنيق يحمل اسمه الذي نسيه ، أو
لعلهم تعمدوا أن يستبدلوه برقم صار لصيقاً به أكثر من الأسم الذي أصر والده أن يلصقه
به ، رغم احتجاجات
الأم التي كانت تريده أكثر سهولة على لسانها 0
حمد الله أن شركاءه في الغرف المعتمة خلال السنوات الخمس الأخيرة ،
سيخرجون معه إلى
الهواء والنور ، وإلا فسيكون حزيناً من أجلهم ولن يستطيع التمتع
بأصوات الحياة بدونهم 0
على بوابة الخروج داهمته القضبان من كل جانب ، وأمسك به رجال
يعتمرون الغضب والغيظ والأذرع الطويلة القوية 0 وضع المحفظة بثقة أمامهم ، تناولها الأول ، أفرغ محتوياتها ، لم يكن
فيها مايهم ، اختبر وزنها
فارغة فارتاب وبدأ يفتش في الزوايا ، تلمس أحد مواضع الورم في
أطرافها ، كان من السهل أن
تعرف أنها مجموعة أوراق 00 أحس السجين بهول الإكتشاف 00 رباه كيف
ستنجو الأوراق 00
تبادلا النظرات ، قرأ الحارس هلع السجين وأمله بالمساعدة ، صمت ثم
تجاهل الأمر وسهل
لرئيسه ببضع كلمات استعجال التفتيش 0
مرت المحفظة من حاجز الرئيس دون تأكد ، كانت محتوياتها لاتزال مدلاة
في يدي السجين ،
تنفس صاحب الأوراق ، تبادل نظرات الإمتنان مجدداً مع المرؤوس وأحس
أنه امتلك الأفق
والتألق بنجاة أوراقه 00 لم يقف طويلاً على أبواب أخرى ، فقد كانوا
يستعجلون الخلاص منه
ومن رائحة العفونة التي كانت تنبعث من ثيابه التي كان يحتفظ بها في
إحدى الزوايا ليخرج بها
إلى الشمس والهواء 0
مجرد نظرة في بطاقته ، في بعض أوراق يحملها ، في ملامح وجهه 000 ثم
إيماءة رأس
بالعبور إلى حيث صفعه في النهاية ضوء الشمس ولثمته هبات ريح دافئة
00 انتعش ووقف قليلاً يحاول أن يعتاد على الخطو ، أحس أنه سيفشل ،
اقتربت سيارة صفراء منه ،
أطل سائقها من نافذتها :
ــ سيارة 000
تطلع في وجهه 00 أحس ببعض الإرتياح وأومأ برأسه موافقاً ، وعندما
استقر إلى جانبه :
ــ إلى مركز الإنطلاق من فضلك 00 أريد أن أسافر إلى بلدتي 000
2
أبدى الناشر ــ الصديق استعداده لطباعة الرواية التي عرف أنها خرجت
بأعجوبة من الزوايا
العفنة ، تردد الكاتب في البداية ، ولكن الوعد بالحرص دفعه للتخلي
عنها 0
خرج من المكتب وعينه عليها وهي تستريح على طاولة الناشر ــ الصديق
، وتذكر في إيابه أنه
لم يعد يملك أي ورقة تخصها ، تزايد قلقه :
ــ ماذا لو ضاعت أو سرقت أو 000 ؟
ــ ولكنها رواية 00 مجرد رواية لاتعني شيئاً بالنسبة للآخرين 00
ــ إنما قد تعني للناشر الكثير ويمكن أن تكون فرصته في عالم النشر
0
ــ ولكنه صديق ، وقد وعد بالحرص00
ــ وعد 00 !! ماذا تنفع مثل هذه الوعود 00 ؟
تجاهل هواجسه في زحمة الدروب 00 بعد أيام تعود إليه هواجسه 0 بعد أسبوع 0 آخر لم يصله عنها أي خبر وعلى الطرف الآخر من السماعة قال له
:
ــ لم أقرأها بعد 000 الموضوع يحتاج إلى بعض الوقت 0
ــ بعض الوقت 00 كان يستعجلني ويطلب الآن بعض الوقت 00!!
وتحول بعض الوقت هذا إلى انتظار آخر ، اضطر في نهايته للسفر إليه
:
ــ الحقيقة أنني أبحث عن الرواية ــ المخطوطة ولا أجدها 0
ــ كيف 00 ؟ لاتجدها 000 !؟ ( وسقط قلبه بين قدميه ) 0
ــ لاتخف 00 هي ولاشك منسية في إحدى الزوايا 00 أو على أحد الرفوف
0
ـ كيف منسية 00!؟ رواية خاضت معارك ودفعت ثمنها الكثير من الحرص
والهلع ، ثم تقول لي
منسية 000
ــ سأبحث عنها قريباً 00 اطمئن 00 ( ببرود )
ــ أنا لاأريد وعوداً 00 عليك أن تبحث عنها الآن وإلا 00
ــ وإلا00!! أتهددني 00؟
ــ وهل تريدني أن أزغرد لك 00؟
صفق الباب بعنف ، بينما انشغل الناشر ــ الصديق بهاتف كان يغني منذ
بدأا حوارهما 0
وبعد بعض من دهر قضاه في انتظار أن يصله خبر عن الرواية ، اندفع صوب
مكتب الناشر من
جديد 00
ــ لم أجد الرواية 00 ربما تكون قد ضاعت مع بقايا الأوراق ، فرماها
المستخدم في حاوية
القمامة فقد سيطرته على نفسه ، ثار وشتم ولعن وأرغد وأزبد ، ثم عاد إليه
هدوءه بعد أن تدخل آخرون
تصادف وجودهم في المكتب وأعلن أن الرواية لم تضع بل سرقت ، وهو سيعرف كيف سينتقم من السارق
0 هو لايعرف كيف يكون الإنتقام ، حتى ثورته تلك كانت غريبة عنه ، لعله
تقمص إحدى شخصيات روايته التي تحمل الكثير من الإنفعال خرج إلى اللامكان ، تجول في شوارع المدينة التي خبؤوه في ركن منعزل
منها سنوات ، فكر أن
يذهب إلى هذا الركن ، أن يسأل عن أولئك الذين فتشوا محفظته ، لكنه
لايعرف أسماءهم ، وقد
لا
يسمحون له بالدخول الآن ، عن رفاق له فيه خبؤوا له الورق وقدموه
له ، لكنهم خرجوا
جميعاً 00 لديه عناوين البعض ، سيتصل بهم غداً أو بعد غد عاد به ذهنه إلى ذاك الحارس الذي تلمس الورم في محفظته ، ثم تجاهله
مستجيباً لنداء الهلع
والأمل في نظراته ، محاولاً أن يستعيد مفردات كلماته التي أوحى بها
لرئيسه أن الأمر لا
يحتاج
إلى إعادة تفتيش أو تدقيق تمنى لو يصل إليه ، يقبله بين عينيه ، يبارك يديه ، يشتري ألعاباً
لأطفاله الذين يتوقون ككل
الأطفال للعب والهدايا والعيون الضاحكة
--------------------------------
أضيفت في 03/06/2005/ *
خاص القصة السورية
   
أعواد المشانق
أعواد تنصب ، وحبال تتدلى من رؤوسها ، حشود تتوافد تباعاً لتشهد تنفيذ
حكم بالإعدام على مجرم أدانته المحكمة بجرائم لاتحصى ، ثم حكمت عليه بالشنق
إلى ماقبل الموت لمرات تركت المحكمة تحديدها للظروف ورأي الجلادين 0 أما
الموت فاعتبرته رحمة يجب أن يحرم منها المجرم ، وقررت أنه يجب أن يعيش
ليشنق ، ثم يعيش ليشنق إلى مالا نهاية 0 يتدافع الناس على جانبي الطريق
الذي نصبت عليه أعواد المشانق ، يستطيع من كان في المقدمة منهم ، أن يرى
رجلاً معصوب العينين وقد تجمع حوله ثلة من الجلادين يتصايحون فتختلط
أصواتهم بأصوات الحشد ، ينبري أحدهم فيخرج ورقة من جيبه ، يقرأ بصوتٍ
لايسمعه الآخرون يتقدم نحو معصوب العينين ، يزيل العصابة عن عينيه ويلقيها
أرضاً 0 تبدأ بعد ذلك مراسم الشنق وسط هياج الناس وتدافعهم واحتجاج معظمهم
، لأن هذه المراسم مختلفة جذرياً عما شاع من أساليب تنفيذ أحكام الشنق 0
يتدلى الرجل من الأعلى ، يبدأ جسده بالإهتزاز ، وفجأة قبل أن يخرج لسانه من
حلقه ، يسرع جلادٌ فيقطع الحبل ببراعة ، يظهر الإنهاك جلياً على جسد الرجل
لدى تركه وهو يحاول الإعتماد على نفسه في الوقوف ، يقدمون له جرعة ماء 000
وبعد ذلك خشبة ثانية00فثالثة 000 وخامسة 000 ولاتزال أعواد المشانق تنصب
واحدة بعد أخرى ، ولايزال الحكم ينفذ حتى الساعة 000
   
إغاثة
دفعني التوتر والحر الشديد إلى الشرفة ، اعترضت زوجتي في البداية لأنها
تعرف أنني سأزداد توتراً بخروجي ، واقترحت أن نسعى إلى أماكن أخرى يسكنها
الهدوء ، بعيدة عن البلدة ، واجهتها بالصمت ، ألحت فوعدتها بالتحمل ، وبدأت
أكبت بعض الضيق الذي انتابني نتيجة لعبث أولاد الحي وصراخهم وهم يخترعون
ألعاباً خاصة بهم ، لم يسبق أن أدرجت في قواميس اللعب ، ولأصوات أخرى غير
متمايزة ، تخالها مرة أغاني ومرة أخرى صراخاً ، وثالثة بكاءً00 وتتشابك
وتتداخل حتى تجعلك غير قادر على تمييزها وإطلاق أي اسم عليها 0 إلا أن
صوتاً لفت انتباهي ، وصرت أصغي إليه باهتمام ، كان واضحاً سهل التمييز ،
دفعهـــــا إصغائي المتفرد له للسؤال:
ــ خير 00 مابك 00؟ إنه صوت عنزة جارتنا صبحية 0
ــ أعرف 00 ولكن ألا تلاحظين معي أن به من الألم ما يدفع
للإستغراب00!؟
ــ وكيف أحسست بالألم في
صوتها00؟
ــ إنها تستغيث ياامرأة00
ــ تستغيث00!! ومم تستغيث00؟
ولما كنت لا أعرف جواباً على استفسارها ، فقد حاولت أن أتطاول كي أرى
العنزة في الأسفل ، لكنها ظلت بعيدة عن مرمى نظري 0 ناديت الجارة بأعلى
صوتي ، إلا أن أحداً لم يجبني0 ارتفعت وتيرة صراخ العنزة وازداد الألم
وضوحاً ، فما استجاب لها أحدٌ 0 انسلت زوجتي هابطة ورأيتها تقرع باب الجارة
، إلا أن الدار كانت خالية إلا من العنزة وصراخها اضطرني ذلك لهجر الشرفة ،
ودفعتني نبرة الألم المتصاعدة للإستنجاد بالجوار 0 تجمع بعضهم أمام باب
المنزل ، وأجمعوا بداية على استكشاف الأمر برفع أحد الصبية إلى أعلى الجدار
، وعندما صار الصبي في الأعلى ، صرخ بأعلى صوته :
ــ لا أرى في الدار سوى العنزة ، لكنها تبدو غير قادرة على الوصول إلى
الطعام المتراكم في معلفها ، الحبل ملتف حول عنقها وقوائمها ، وهي تجاهد
للوصول إلى طعامها ، يبدو أن الحبل شديد القسوة على رقبتها 0 تطلع الرجال
في وجوه بعضهم بعضاً ، وحاروا ماذا يفعلون ، فصبحية ليست في المنزل ، ولم
يعتادوا غياباً طويلاً لها عنه ، والعنزة جائعة أو لعلها متألمة ، والوصول
إليها ليس سهلاً 0 وبدأت أسمع سيلاً من المقترحات
:
ــ نخلع الباب00
ــ نربط الصبي وندليه إلى أرض الدار
00
ــ لماذا لا نرسل من ينبه صبحية التي ربما كانت عند أخيها في
المدينة000؟
ــ أنا أرى أن نستدعي الشرطة 00
ــ ماذا00؟ شرطة من أجل عنزة
00!
ولم يتمكن الجمع من الوصول إلى قرار موحد ، كما لم يبادر أي منهم
فيترجم قراره الفردي إلى فعل 0 مرت ساعاتٌ وهم يتشاورون ، يغادر بعضهم ويصل
آخرون فيدلون بدلوهم هم أيضاً ، وصراخ العنزة يشتد ، وتتضح نبرة الألم
الممض فيه أكثر 0 وزوجتي تحاول أن تعيد إلي حالة الصفاء ، بعدما نجحت في
إعادتي إلى الشرفة ، ولكن كيف لي ذلك وأنا أسمع كل ذاك العويل ، وأرى على
مرمى بصري جموع الرجال وهم لايزالون يتشاورون ويضربون أكفاً بأكف ،
ولايتفقون على طريقة تنقذ العنزة من الموت جوعاً أو عطشاً ، وتريحها من
آلام ناجمةٍ عن التفاف الحبل حول عنقها وقوائمها 0 ومن يدري لعله يقسو أكثر
على عنقها ويؤدي بها إلى الموت اختناقاً 0 وفجأة يعلو هرجٌ ومرجٌ ، وقفت
أستطلع الأمر ، وظننت بادئ ذي بدء أن " صبحية " وصلت أو أن أحدهم توصل إلى
حل معقول أرضى به الجميع ، يحد من بكاء العنزة وأنينها ، إلا أننــــي
شاهدت بين الجموع ثلاثة أو أربعة رجال يعتمرون قبعات الشرطة ، فعرفت أن
هناك من ترجم قراره إلى فعل فاستدعاهم 0 واستبشرت خيراً وأنا أقول لنفسي
:
ــ لم يعد هناك مشكلة ، سيدخلون المنزل ويحررون العنزة
0
إلا أن الناس بدؤوا يلتمون حولهم بتدافع كبير ، حتى بت لا أستطيع
تمييزهم عن غيرهم ،
وتمكنت بعد لأي من التقاط كلمات كبيرهم وهو يعلن بفصاحة مفتعلة
:
ــ يا أخوان 00 لا نستطيع دخول المنزل 00 نريد أمراً من النيابة العامة
0
ــ ولكنكم شرطة 00
ــ الشرطة غير مخولة بدخول بيوت الناس دون أمر 0
ــ ولكن00 هناك كائن حي يموت00
ــ كائن 00 عنزة 00" يبتسم بسخرية " كل يوم تذبح المئات منها في
المسالخ 0
ــ ولكننا نملك وسائل إنقاذها فلم لانبادر 00؟ ثم أنها عنزةٌ شاميةٌ
حلوبٌ تعيش منها أرملــــة عجوزٌ
ــ ألا تفهمون 000؟! إنقاذها يعني الهبوط إليها 00 وهذا مالا نستطيعه ،
كما لانستطيع طلب ذلك من أحدهم 0 وقبل أن ينهي كلامه ، رأيت شاباً مفتول
الساعدين ، يتسلق الجدار بإصرار ، يأمره آمر الشرطة بالتراجع ، فلا يستجيب
، يلقم بندقيته ، يتابع الشاب صعوده ، يوصله إصراره إلى أعلى الجدار بجهودٍ
فرديةٍ مميزةٍ ، أسمع أصوات طلقات في الهواء ، تظهر علائم الخوف على وجوه
الناس ، لم يلتفت أو يتردد ، نسمع صوت ارتطام أقدامه أو ربما جسده بالأرض ،
خمن الكثيرون ممن كانوا يعرفون ارتفاع الجدار أنه وقع فكسرت رجله أوتحطم أو
لعله مات 000 استطعت رؤيته وهو ينهض سليماً معافى ، يخطو بضع خطواتٍ غير
متزنةٍ في البداية ، يستقيم بعد ذلك ويتابع السير إلى الداخل أكثر ، يغيب
عن ناظري ، ينقطع صوت العنزة فانحبست الأنفاس وانتظروا أن يقول شيئاً ،
تحولت الثواني إلى ساعات بل أيام وسنين 00 واستطاع الجمع أن يسمع صوته في
النهاية وهو يعلن بهدوء ورصانة ، وفي صوته غصة واضحة :
ــ لقد ماتت العنزة ياأخوان 000 ماتت العنزة 0
   
التقرير ـ الكارثة
ــ العفة قبل كل شيء00 لا أستطيع أن أحوي في بيتي عاهرات000
كلمات لاتزال مستيقظة في ذاكرتها ، تستعيد من خلالها ذكرى تلك الليلة
المشؤومة التي من المفروض أن تكون الليلة الحلم في حياتها كلها ، كما هي في
حياة كل أنثى0 صمتت ودمعة حرون في مقلتيها ، والأب يبسط أمامها عرضاً
جديداً :
|