
بطاقة تعريف الكاتب:
محمد محمد البقاش
المغرب

أديب باحث وصحفي.
عمل مديرا ورئيس تحرير مجلة (الجيرة) التي كانت تصدر في طنجة وتوقفت بسبب
انشغالاتها في طباعة
الكتب الثقافية التي تخرجها على شكل سلسلة.
عمل رئيسا للقسم الثقافي بمجلة (المهاجر)، وجريدة (صوت المهاجر) اللتين
كانتا تصدران ف غرناطة بإسبانيا .
وأستاذا محاضرا في المؤسسات الثقافية بطنجة وبروكسيل والمؤسسات الثقافية
بغرناطة
في
المعهد الأوروعربي، والكليات آخرها محاضرة عن الإرهاب في كلية العلوم
السياسية بغرناطة.
ومعدا ومقدما لبرنامج: دنيا المرأة، وبرنامج: أدبيات.. بإذاعة مدي أنطر
ببروكسيل سنة 1987 ــ 1988 .
وأستاذا بالمدرسة العربية ببر وكسيل سنة 1987 – 1988 .
ومعلقا سياسيا بإذاعة ميدي 1 ببروكسيل سنة 1987 – 1988 .
فاز بجائزة أحسن رسالة صحفية بجريدة الشرق الأوسط سنة 1988.
’نشرت له أعمال بكل من مجلة الناقد، والمهاجر، والوعي...
وجريدة
الشرق الأوسط، والسياسة، والعلم، والميثاق، والبيان، وطنجة الأدبية،
وصوت
المهاجر، ومعظم الصحف المحلية والجهوية الصادرة في طنجة
كجريدة
طنجة وصباح اليوم والحدث الوطني وأبعاد متوسطية ومنبر الشمال، والشمال ...
-يعمل حاليا مدير سلسلة الكتب الثقافية لمنشورات مجلة الجيرة .
-يعمل رئيس جمعية الجيرة للتفاعل الثقافي .
صدر له حتى الآن الكتب التالية:
-تائية الانتفاضة. (ديوان شعر بقصيدة واحدة في ألف بيت) الطبعة الأولى
سنة 1998. والطبعة الثانية 2002.
-الكلام
الذهبي. (مجموعة حكم) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة الثانية 1999.
-حكومة الجرذان. (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى سنة 1998.
-الديك المترشح. (قصة بالكاريكاتير للأطفال) الطبعة الأولى 1998.
-الهجرة السرية. ( مجموعة قصصية ) الطبعة الأولى سنة 1998. والطبعة
الثانية سنة 2003.
-انتفاضة الجياع. (رواية) الطبعة الأولى سنة 1999.
-التفكير بالنصوص. (بحث أكاديمي) الطبعة الأولى سنة 1999.
-وجه العالم في القرن الحادي والعشرين. (دراسة مستقبلية للمؤسسات الدولية
المالية والاقتصادية والسياسية) الطبعة الأولى سنة 1999 .
-الإعلام والطبيعة. (الجزء الأول) الطبعة الأولى سنة 2001 .
وله أعمال جاهزة ، تنتظر دورها في الطباعة مثـل :
الإعلام
والطبيعة (الجزء الثاني). و (الإحساس الفكري). و (أصول التفكير
الإنساني) .
و
(السرطان الداء والدواء) والمَمْدَرِية (في النظرية والتقنية)
ونساء
مستعملات (رواية) والليالي العارية (أقصوصات صحفية) ..
 


نماذج
من أعماله

مقدمة بقلم
المؤلف
 |
الهجرة
السرية
(مجموعة قصصية)
أدب مَمْدَري
كلمة النشرة الإلكترونية الأولى: |
قي الطبعة الأولى للهجرة السرية (مجموعة قصصية) سنة 1998م وضعت لها
ديباجة وإهداء، ثم كلمة فخاتمة، وقد حوت المجموعة عشر قصص لم تكن كلها في
موضوع الهجرة السرية، وهذا طبيعي في فن القصة، لأنها لا تتقيد بموضوع أو
تركِّز على ناحية، فليست هي دراسة، فكان ما لم يظهر في الطبعة الثانية قصة:
حكومة الجرذان وهي قصة كاريكاتيرية موجهة للصغار والكبار، وأيضا قصة: الديك
المترشح.
وظهر فيها كذلك قصة بعنوان: أرملة بين التّعْس والمتْعسة، وقصة:
قتيل أخويه، وقصة: الطفل المستنسخ وقد تنبأت بوجود ظاهرة الاستنساخ قبل
الإعلان عنه.
وظهرت الطبعة الثانية خالية من القصص المذكورة، وحل محلها قصص أخرى
هي قصة: الغارق الناجي، وفوق المتوسط، والمركب الهائم، والمهاجر الصغير،
وقارب الموت، فصارت تسعة بدل العشرة التي حوتها الطبعة الأولى.
واللافت في الطبعة الثانية تضمينها لقصص كلها محصورة في موضوع واحد،
وهي غير مسبوقة على حد علمي؛ إذ عنيت بالهجرة السرية والهجرة السرية فقط.
والهجرة السرية ككتاب ’يعتبر الأول على الصعيد العالمي في مجال
النشر الذي يتناول ظاهرة الهجرة السرية إبداعيا عبر مضيق جبل طارق، صحيح قد
تطرقنا إلى الظاهرة ككتّاب بمقالاتنا، ولكن لا أحد أنجز بحقها كتابا قبل
كتاب الهجرة السرية ( مجموعة قصصية ).
والنشرة الثالثة ليست نشرة ورقية، بل هي نشرة إلكترونية تتميّز بشيء
جديد طرأ على الساحة الأدبية واشتغلت’ به وعليه في روايتي: نساء مستعملات،
ودراستي: المَمْدَرية ( في النظرية والتقنية )، وحين هيأت’ مجموعتي القصصية
للنشر؛ هيأتها خلافا لما تعودت’ عليه، وخلافا لما تعوَّدَ عليه الأديب
العربي، الأمر يتعلق بالأدب المَمْدَري بتقنية التثقيف الفني، والرياضة
الذهنية، واستهدافه غاية مزدوجة هي: المتعة العاطفية التي يشترك فيها مع
غيره من الآداب عربية وعالمية، والمتعة الذهنية ويتميز بها عن غيره؛
كمكونات للأدب المَمْدَري، فكان أن أدخلتها فيه بإخضاعها لتقنيته التي شرحت
بعضا منها هنا وهناك في بعض الدوريات ورقيا، وكثير من المنتديات إلكترونيا.
وستجد حضرة القارئ المحترم في بداية المجموعة القصصية التي بين يديك
قصة بعنوان: فوق المتوسط بها شيء من الأدب المَمْدَري أرجو أن يهزّ مشاعرك
فرحا وحزنا، ويمتع عقلك بسلوكي معك أسلوب التثقيف الفني والرياضة الذهنية
بالحديث عن العصبات وربطها بالعمر والذي أدفعك بها إلى التوقف قليلا أو عند
الانتهاء لتعرف بعد أن تكون قد روّضت ذهنك واستحضرت معلوماتك ونبشك في
رصيدك المعرفي ونفـشت في ثقافتك، ثم نـقلي إياك إلى نوع من الكنايات
العلميـة (نسبة إلى العلوم التجريبية) التي لم تعهدها في أيّ كتابة عربية
سابقة، وربما في جميع الثقافات الإنسانية.
أرجو أن تنال مجموعتي القصصية المَمْدَرية هذه إعجابك مع المودة.
محمد محمد البقاش طنجة في: 01/02/2007
   
فوق المتوسط
" عيّاد " ’وجْدي مـن أقصى شمـال شـرق المغـرب، استنفذ من جسمه سبع
مائة وثلاثين مليون عصبة، تبدو عليه آثار نقص في إفراز هرمونات الغدة
النخامية، مدينته ’وجْدة مدينة فقيرة معدمة، تصاب بالجفاف بشكـل مستــمر،
تحتضـن شبـيبة طموحة، تختـلط في عيشهـا وحياتها وتبادل علاقاتها بإخــوان
لـهـم بالجزائر شقيقتهم، تفصلهم حدود وهمية رسمها الاستعمار وكرســـها
خلفاؤه من بعده، تعيش على تهريب السلع التي أحلها الله وحرمــها عبده،
تعاني جراء ذلك من ظلم من حرم تهريبها ولكــنه يســمح بهــا رشوة أو زبونية،
تعيش قــبالة أرض وبلاد لا تــفهم مـــغزى فصلـــها وانفصالها، كل منهما
تتنكر لأختها ولا تريد أن تندمج معـــها اســـما، تتداخل العائلات بين
بعضها البعض وتتصاهر، نشأت بينهم أبـوة وبنوة، عمومة وخؤولة، أفرزت أخوة
تتنكر لها الدسـاتير، يتزاورون عبر الحدود إذا كانت مفتوحة، يتزاورون عبر
خط حدودي طويـــــل غير مرسوم ولا معلم، يدور بهم الزمان ويدور، يقدم إليهم
رمضـــان ثم يقدم فيختلفون في صيامه، يشاهدون هلاله ولا يطيعون فــيه إلا
دولة المغرب ودولة الجزائر، اختلافهما المقصود غير مبرر، يخـــدم مصلحة من
يرفض الوحدة والاندماج ..
نشأ عياد بالمدينة البئيسة، صعد عقده الثاني متسلقا آمالا تـراوح
الذهن والتصور، يمسك بخيوط موصلة ولكنها كخيوط العنكبوت، عاش بئيسا ويكاد
يموت بئيسا، لا يشعر بسرعة جريان الزمان وكأن لا زمان له، صار رتيب السلوك
عديم النـــشاط كأنما تدلىّ في أرذل العمر ..
طوى عقده الثاني وأشرف على طـــي الثالث، لم يبق على تجاوزه إلا
أشهرا بعدد زوج الأعصاب الجمجمية، عندهــا بدأ يحـــس بضغط الحياة أكثر مما
كان عليه وضعه من قبل، بات أبا لبنت جميلة تملأ عليه حياته، تحيي في نفسه
الآمال بعدما دفنها سياسيو الـبلدة الشاكية، تدفئ قلبه بحب مشرق، ومودة
صافية ..
تابع ما تنوي حكومة بلده فعله فلم يجد غير الوهم، حاول تجمـــيله
فلم يقدر، صحب الضياع كل بطال، يرافقه بيد تحمل ملفات مكتوبـــة بما يشبه
الطلاسـم، ملفات يستــحيل قراءتـــها، لا تقرئ إلا عناوينــــها البارزة،
بها عبارات تقول : سنحارب البطالــة ، وأخــرى تصــرح : سنحارب الفقر،
وغيرهما تصيح : سنحارب الجهل والتخلف ، كــــثر الصياح والدوى : سنحارب
الهجرة السرية ، سنحارب المخدرات ..
عرف عياد أنها وصفات لمرضى الفقر والضياع، وصفات مـــــن الأماني
والآمال المكذوبة تشبه وعود جحا ونوادر أشعب ..
نظر إلى نفسه فوجد أنه يوشك أن يجذب بخطاف العمــر، يتربص به العقد
الرابع، يفكر في بنــته وأبويه الفقــيرين المعدمــــين، يروم المؤســسات
وقد يئــس من شــكاواها من الضــرائب الباهظة وجفافها من فرص العمل ..
شرع يمارس تهريب السلع والبضــائع من الجزائــر، كاد يــتوقف عند
وقف استــحقاق الجبــهة الإسلاميــة للإنقاذ لولا كــثرة المنافذ من والى
الجزائر عبر الأراضي الشاسـعة الواســعة علــى طول الحدود، دأب على عمله
برغم موجات العنف والتقــتــيل داخــل الجزائر في حربهـا الأهلية، قدر له
أن يــشاهد مرات عديدة عملــيات إرهابية فظيعة لم يشــك في نســبتها إلى
دولة الجنرالات وليس إلى الإسـلاميين، عاين حـز الــرؤوس وقطع الرقاب وبقر
البطون بالسكاكين والمدى والفؤوس والسواطير ..
أصاب الناس في الجزائر هم شديد جراء الصراع على السلـطة، سادت
الفوضى وانتشر الخوف والرعب في كل مكان، ظلت مدينة الصــنوبر تنعم لوحـدها
بالأمـان، يقطــنها رموز الذبح والقــتل مــن القياديين في الجيش الجزائري
..
في هــذه الأجواء زاره زائـر غير مرغوب فيه، زائر يصـير الصحيح
معتلا، أصابته البطالة الآثمة حتى طوقه الفــقـر وأدقعه، عندها تقرر لديه
مغادرة وجدة الى أقصى الشمال الغربي حيث تجلس عروس في زينتها تنتظر عريسها،
لم تعلم بقضائه بعــد، تقــعد قبــالة طوب وحجر داسته أقدام طريف، قبالة
قصر تحول الى سجن فـي جبل شامخ انطلقت منه خيــول طارق، رغـــب في
استــبدال رو تينه بروتين آخر ..
نزل مدينـة طنــجة، قدم أهلا ونزل سهــلا علــى أرصفـــتها وحدائقها
العمومية، طفق يجوب الشوارع والطرقات، ظل لا يعــرف أيهما خصص للراحة هل
اليل أم النهار ؟ لا ينام الا مضطرا، يستلقي حيثما كان حين يغلبه النعاس
وتجهده الحاجة إليه، يحصل له هذا فــي كل الأوقات، لا تختار له ليلا أو
نهارا ..
مكث على حاله حتى قيض الله له عملا لا يأخذ عليه أجرا، عمــلا لا
تتحسس أنامله منه درهما أو دينارا، عرف حارسا لسوق بمنطقة " الدرادب "،
يرتاده المتـسوقون يوم الخمـيس ويـوم الأحـد من كل أسبوع، يعمل على تنظيفه
مهاجر من قرية ولاد علي بالقصر الكبير، يجمع مخلفات الخضر والفواكـه
والبواكر والحوامض، يباع فـيه السمك والقطنيان والألبسة والدواجن، تباع فيه
لحوم حمراء لم يختمها بيطري البلدية، وأحيانا لحوم الحمير ..
مر عياد وهو قادم من شاطئ مرقالة على السوق، وجابه قليلا، دار فيه
يلتقط برتقالة عفنة من هنا، أو خبزا يابسا مهجورا من هناك ، بينما هو على
هيئته ناداه العساس وقد تدثر بأخلاق بدوية دميثة، طلب إليه أن ينتظره حتى
يفرغ. أشار عليه بارتياد كوخ أومـأ إلــيه، ولما انتهى جالسه في كوخه، ثم
أخرج من مخلاته طعاما وطلب إلـــيه أن يأكل، ولما فرغ سأله عن أحواله فصدقه
القول، وعندها طلب إليـه أن يبيت عنده إن أراد ..
أحس بميل ملؤه المودة، مال إلى العساس كما يميل الابن نحـو أبيه،
أحبه بلا استئذان أو مقدمات فسكن عنده حتى حين ..
نشط عياد يساعد العساس في يومين من كل أسبوع، يقـضي الأيام الأخرى
طوّافا في أزقة طنجة وشوارعها، يدور ويدور بحثا عن عمل أو منفذ إلى شبه
الجزيرة الأيبيرية، أمضى أياما بعدد أزواج كروموسومات أنثى النحل، وأسابيع
بأفراد من صبغيات لذكره لم تكتحل فيها عيناه برؤية عملة بلده، جفاه الدرهم
وعاداه. في كل ليلة يجالس أصدقاء العساس ويستمع الى أحاديثهم، حفلوا به
جميعا فشرب ثقافتهم واستفاد من عشرتهم، عرف أن بعضا منهم يهجِّرون الناس
بين الحين والآخر، يفعلون ذلك كلما ضاق عـشهم أو تعرضوا للبطالة، كانوا
صيادي أسماك بقوارب بدائية لا تحتمل تيار الـبوغاز إلا في يوم صاف ببحر
هادئ، لا يتخذون منها حرفة، نجحوا مرات عديدة في تهجير العشرات، يعيدون
ذكريات عايشوها في السبعينات قبل انتشار القوات المساعدة ثم الجيش، كانت
شبيبة "جامع المقراع " و " الدرادب " و "عـين الحياني " و " سبيلة الجماعة
" و " مرشان " و" مسطارخوش "، ترتاد شاطئ مرقالة طيلة أيام الصيف، كان
بعض منهم لا يترددون في امتطاء القوارب للـنزهة، يجوبون بها البوغاز
وينزلون شواطئ قاديس، ثم يعودون من حـيث قدموا، لم تكن فكرة الهجرة السرية
قد نبتت بعد، ولا التأشيرة قد فرضت بعد، كان شباب طنجة وشـيوخها لا يحبذون
الذهــاب إلى إسـبانيا، ينعتون الإسبان بقولهم : " ولادْ بوروقْعا "..
’عرضت على عياد فكرة الهجرة الـسرية، قبـلها برد تداخل مع العرض، لم
يترك صاحبه يكمل عرضه وحديثه، قبلها ونزلت عليه بردا وسلاما، اطمئن إلى
العرض وتحركت بداخله أحاسيس السـعادة، لم يكن يستسيغ أن يفكر فيه بهذه
الطريقة إلا من طرف أمه أو أبيه، صاحبته أو أخيه ، أو فصيلته التي تؤويه..
لطالما ردد " الــكرْشْ الشّْبْعانة ما تْفكَّر في الجيْعانة "، حفظها من
أفواه صـدقته القـول والمحبة ..
’ضرب له موعد عند شاطئ مهجور، شاطئ صغير كان مرتادا إلـى عهد قريب،
ترتاده شبيبة سبيلة الجماعة و مرشان و المعدنوس .. هوجر عندما تآكل
الصخر والحجر الذي كان يشـد أزره، يشكل الطريق المؤدية إليه، شاطئ تصله
المياه الحارة، كانت يخترقه قادوس شيده الإسبان وأهمله المجلس البلدي حتى
باد..
استقل عياد قاربا صغــيرا بحــمولة لا تزيد عن ســتة أشــخاص،
أدخلته البحر سواعدهم ثم شرع يدفعه محرك متواضع، ولكنه يفي بالمطلوب،
يغنيهم عن جهد السواعد وحركة المجاديف، سار بهم متخـطيا " العدويين "،
يمخر العباب فوق بحر هادئ يحمل جوار كالأعلام، فوقهم سماء لم يأذن لها
ربـها أن تمور بعــد، تلفــح وجوههــم رياح غربية ناعمة، تتدلى فوق رؤوسهم
نجوم كعناقيد العنب، تحييهم ولا تفتر عن إلقاء التحية لحظة واحـدة، تحييهم
بإشعاع ينـبـعث منـذ ولادتها، بين نورها إشعاع مرتد عن ابن زياد وجيشه،
تتحسس آذانهم بين الحين والآخر أصواتا لا تفقهها، أصواتا لخرير المـياه
يحدثها القارب عند شقه البحر، يشقه بلطف كأنه مقصود ..
تعمقوا بفلكهم في المتوسط، يسيرون مطمئنين في صمت وبهدوء، مر إلى
جانبهم زورق صيد كاد ينفطر له فؤاد عياد، رأى" الطرانيـا " تشـــق البحر
بعنف وقد علت عن مركبه حتى بدت له كالطود، أحدثـــت هيجانا أفسد عليهم
هدوءهم ورتابة قاربهم، مشهدا مخيفا توقع له عياد أن يكون كارثة لو اصطدم
بقاربهم الصغير الذي يتعلق به كما يتعلق الرضيع بحلمة أمه، ساروا قليلا في
المياه الدولية ثم تسلط عليهم مــن يفسد هدوءهم مرة ثانية، مرت إلى جانبهم
باخرة ضخمة وحامـلة بترول عملاقة تقصد البحر الأسود، أحدثت هيجانا كبيرا لم
يحتـمله فلكهم الصغير فتسبب في قلبه، انقلب بمن فيه، شرع الشبان يسبحون،
انبرى قائد الزورق يجاهد نفسه وينادي على زملائه حتى أعــادوا زورقهم إلى
وضعه السابق، كاد يغرق لولا استماتة الأصدقاء فـي منعه عن الغوص إلى
الأسفل، لم يغرق منهم أحد، حتى عياد ظل ساكنا على سواعد بعضهم عندما طوقوه
مانعين جسمه من النـزول إلى الأعماق، استقل أحدهم القارب من جديد ولم يسمح
لأحــد أن يركب معه، بحث عن قصعة مربوطة إلى خشبة الزورق ثم شــرع يغرف بها
الماء ويرمي به خارجا حتى استوى القارب على هــيئة مطمئنة، ثم ركبوا جميعا
واستأنفوا سيرهم ..
أطبق عياد على ذهنه وحمله على الفكر العميق، صار بكانين لا يدري
أيهما له ؟ ذهب به الفكر بعيدا، جد انشغاله بتحسس عوالــم عطرة، عوالم يجد
ريحها الزكي وأريجها العطر، يلقيه في روعـه رب المشرقين ورب المغربين،
بينما هو كذلك إذ سمع " العربــــي " ينادي عليه، ناداه بعد أن أشرفوا على
سواحل موحشة، نظر عياد إلى رفقته ورمق الساحل قريبا منه، تحرك مستطلعا حركة
منهم فلـم يجدها، لم يلحظ حماسا لنزول البحر والتوجه إلى اليابسة، عندها
أومأ إليه العربي بالنزول : هذي سْبانيا، هذي طريفة، نْزْل ومْشي
تْخَـبّاعْ في الغابة ..
نزل برّ طريفــــة، وانقــلب القارب عائدا من حيث أتى، كانـت مغامرة
من شباب أرادوا مساعدة عياد، أضحت نزهة وسمرا ..
سار متوغلا في غابة، اخترق أشجارا وتسلق صخورا حتى وقــف على موضع
مطروق، به آثار مهاجرين سريين اختبئوا فيه، قبع للخوف، ثـم استلقى يرتاح
فأخذته سنة استدرجته إلى النعاس فغلبه النوم فنام ..
استيقظ متأخرا وخرج من مخبئه، استيقظ بعد نوم عميق ارتاحــت له
جوارحه وسكنت فيه نفسه وصفا له ذهنه، نبت في مؤخرة يومه كما ينبت العود
اليابس في تربة مبتلة، تحرك يخطو وئيدا، يتفـحـص كل ما مر به، يتجنب
الاقتراب من أماكن السكن، يبحث عن طريــــق سيار لعله يجد من يحمله إلى قلب
المدينة، ينوي استــعمـال أســـلـوب " أطو سطوب " ..
بينما عياد يسير الهوينا متيــقظا حذرا، بيــنما هو كـــذلك
رمقـــــه "وارديا سيبيل "، شاهده رجلان من خفر السواحل الإسبانية، كانـا
عندها بصدد القيام بعــمل روتيني، وما أن رآهم عياد حتى جــدّ فـــي الركض
هاربا، ركض مذعورا لا يدري أين يقصد ؟ يجري ويعـدو قافزا كالغزال، ولكن إلى
أين ؟ ظهرت أعداد أخرى من الحراس، جد اثنان منهم في طــلبه حتى اقتــربا
مــنه بعــض الشيء، ســمع عـــياد صيحات ونداءات، يسمع " ألطو ألطو "، لم
يفهم ماذا تعـني ، ظلا يطاردانه حتى أعيتهما المطاردة، يطاردان رجلا انضافت
إلــيه قــوة أخرى ومنحته طاقة رهيبة، يركض مذعورا جنّ الذعر عـقلـه، عطْل
نخاع عظمه بادٍ على وجهه، وما أن تيقنا من استحالة وقوفه حتى أوقـفاه،
أرســلاها إلــيه تركبــان الريح فاستقرتا فيه، استقرتا في جسمه، أصيب في
قـــفاه وظهره فسقط إثر الطلقتين صريعا، قدما إلـيه يهرعان كــما لو كان
طيرا مصادة، عايناه وهو ينزف دما ثم قضى ..
قضى عياد بأرض أقلّت أجداده، ثم دفن فيها. استقر رفاته تحت ثرى
الأندلس يتحسس آثارا لرفات قضى أصحابها بالأندلس مثله وخلافه، قضوا طبيعيا
أو عند فتحها، سكنت روحه وتبخرت آماله وضاعـت أحلامه..
ترك عياد أرملة تنتظر قدوما موفقا منه، تركها تدعوا له بظهر الغيب
..
ترك صبية لم ’تفطم بعد، تكبر إيمان حِجّو بقليل، تركها لا تنطق
الحروف والكلمات، بالكاد تعلمت نطق كلمة بابا ..
تركها وهي تردد على لسانها في كل وقت وحين: بابا.. بابا..
   
الغارق الناجي
غوزالي شاب كهربائي من مدينة تاوريرت, مدينة لا تفـتر عـن
إبداء ضـجرها, لا تبدـيه مـن موقعـها في أقصـى شـمال شرق المغرب، بل من
الإهمال الكبـير الذي تتعرض له، من اللامبالاة..
أنجبت حيث هي غوزالـيَنا، وطـئ فيها عـقده الثالث بخجل، مـن
عائلة تـضم ستة عشر عضـوا، أمه وضـرتها، أبوه وأبناؤه الــثلاثة عشر، أحب
أن يشتغل كهربائيا بعدما تخرج بشهادة مهنية من مدرسة التكوين المهني
بتاوريرت ..
وقع غوزالي في البطالة كآلاف غيره، ومئات الآلاف، صار بطــالا
في وقت سادت فيه بطالة غريبة، بطالة ساخرة من كل شيء اسمه شـهادة أو تعليـم
جامعي، يسود الناس الفـقر، ويسود غيرهم ممن يتقنون سرقة خيرات الشعب الغنى
والاكتناز ..
كان غوزالي يطمح أن يكون حيث أخوه الشقيق بألميريا, يتطلع لعيش
رغيد، ومستقبل واعد، ملّ في تاوريرت كمــا يــملّ كل بطّال في كل جهة من
بلاد المغرب, نما إلى سمعه نجاح بعـض ممن هرّبهم الكر سيفي في هجرة سرية
إلى إسبانيا الحلم ..
أغـرى غوزالي أباه حتى حمله على بيع سبع عـشرة نعجة ليسـت بينهن
دولي, أدخل في روعه صورا شيّـدها بكلـمات واعدة, بكلمات تلين وترقّ حتى
تعلق في القلب ..
غادر إلى طنجة يحمل نعاجا من أوراق نقدية, غادر مسـقط رأسـه وهو
مشدود إليه, يحـس كما لو كان مربـوطا بحـبل يمسـك به مرتع صباه ولا يفتر
عن شدّه, لم يطاوعه قلبه إلا مكرها, ولم تسـلمه إرادته للسفر إلا مرغمة,
يتداخل فيه القضاء والقدر رغما عنه ..
مرّ على مدينة الناضور وتجاوز الحسيمة, سار في رحـاب أرض واسعة,
يتنقل بنظره من لوحة إلى أخرى, طربت عينه لرؤية شجر الأرز وهو شامخ يقف على
يابسة وعـرة, يرى لوحات من جـبال وهضاب ووهاد، ظل مأخوذا بجمال الطبيعة
حتى توقفت الحافلة عند " كتامة "، نزل ثم دخل مقهى مكتظا بشبـيبة تلمع
عيونهـا من شدة الحذر وفرط الحرص ..
استأنف سيره حتى دخل منطقة مدينة تطوان, كانت الحافلة تســير ثم
تقف, في وقوفها تحمل ركّابا يتجهون إلى طنجة, جلس إلى جانـبه شاب وفي كراسي
مجاورة شبّان يبدوا أنهم أصـدقاء, ظلت أحاديثهم تدخل مسـامعه مقتحمة ذهنـه,
يتـحدثون عن هدايـا فخمة تقدم للمسئولين, يقدمها لهم مهربوا المخدرات
والسلع , يرشـونهم بأمـوال باهظة, وهدايا فخمة من سيارات وزرابي وأثاث فخـم
رفيع، يتحدثون عن نساء يتعاطين التهريب ’يعِـنَّ به أسرا بأكمـلها، يمتطون
بعضهن شهوة ويعجزون عن امتطاء العفيفات، بين الحين والآخر ينسى حديثهم
مستطلعا ما يشاهـد من حركة حـين يتم إيقاف الحافـلة من طرف رجـال الدرك
والجمارك، يندهـش للرشاوى المقدمة بخجل النصّاب وحياء الرقّاص، أسره
استعطاف امرأة لصفــيق لم يرض بعرضها، نزع منها تجارتها من ألبسة وأغطية،
لا يبالي بمن ينتظرها فاغرا فاه كالطير..
نزل غوزالي طـنجة، ثم ذهب إلى فندق " إشبيـليا " ، اقتـيد إليه
مع سـبعة شبان كلهم من تاوريرت، حـملوهم في سـيارة ميرسديس إلى منطقة "
سيدي المصمودي " منطقة كانت إلى عهد قريـب مزار روّاد الأضرحة ولم تزل، لم
تعد ’تقـصد إلا قليلا، عند الضريح ولا ضريح عين ماء آسن، توضع فيه الشموع
والحنّاء، منطقة مشهورة في طنجة بجمال طبيعتها وغاباتها الخلابة، من
الأعالي تشـاهد مدينة طريـفة، و’يشاهد جبل طارق، ويكاد ’يرى برّ البرتغال..
يحلو لبعض طنـجاوة أن يطلقوا عليه لقب " مِسْتر موضي " وهو اسم لشخص
إنجليزي مدفون هناك، كما هو ضريح شريف بقّالي ’يوثّق له ..
اقتادوهم إلى البحر كما يقتاد البعير، تحركوا بقليل من
الجليكوجين حفظته لهم أكبادهم وعضلاتهم، ساروا بهم عبر غابة شائكة ومنحدرات
وعرة، لم يخل سيرهم من تعثّر وسقوط، كان اليل مظلمـا والطـريق غير معبدة،
قصدوا " الكريان " وكان نقــطة الانطلاق. مكان فسيح كان إلى عهد يشهد عليه
آباؤنا جبلا قائما دكّه الاستعمار دكّا ونقل حجارته فبنى بها ميناء طنجـة،
كان مقـلاعا وبقي يحمـل نفـس الاسـم ولكـن بلغـة أجنبيـة يصعب العثور عليها
في القواميس لمجافاتها المعنى المقصود.. يشهد تكدّسـا للصيادين كلما كانت
الرياح شرقية، أمسى مرتعا لأسماك من أنواع شتى، تسكن قاع بحره أسماك ضــخمة
تثير الرعب والـخوف، يظهر " الميرو " متبخـترا وتظهر" الــتّرْنـيا "
مسـالمة، بين الشقوق يخرج الانكليس والمراي رأسـه مستطلعا متطلعا إلى طعم
قد تشـمّم رائحته، يرتـاده المصطافون الذكور لوعورة المــسالك إليـه،
جمــيل بحـره ، صاف ما ؤه، ونقي هواؤه ..
سكنوا قليلا يسـتعيدون أنفاســهم، وقفوا مستطـلعين للبر والبحر.
مشهد لم يخطر لهم ببال، هدوء وسكـينة، صفاء ونقاء، أمامهم بحر هادئ وديع،
عن أيمانهم وعن شمائلهم صخور متراصّة متحفِّزة، تتكاتف خشــية الزّعزعة،
كلما نظروا إلى الأعـلى كلما وخزهـم وجدانهم، رأوا نجوما تسبح في أفلاكها
وتسلط عليهم إشــعاعا يحمل كثيرا من الحذر لم يتبينوه، في الأفق البعيد
أنوار بعدد ذكر الشمس في القرآن، أنوار سفن صيد عليها صيادون مهرة، بينما
هم كذلك حدثت جـلبة، صدرت عنهم، طفق الحدّوتي يجمع منهم بطائقهم، يستلمها
محركا لسانه، ومن لا يسلمها له يعنِّفه ويسبّه، ثم ينتزعها منه بالقوة،
يطمئنهم : (( ســوف أرسلها إلى ذويكم )). ركبوا ’سميّة وانطلقوا في خوف
وهلع فزعيـن مرهوبين، بعضهم أرغم عـلى أخذ مكانـته في القارب بقوة بعدما
همّ بالتخلي عن ركوب البحر، لا رجعة في ذلك إلا بالقوة..
ابتدأ القارب يمخر عباب البحر، سـار وعلى متـنه ’سذّج بسطاء،
يحملون قلوبا طيـبة ، وسـريرة صادقة، تجمعوا كما لو كانوا ورما حميدا،
’سذّج ركـبوا الأهوال ولا يملكون حيلة، يحتاجون إلى رعاية وعناية تتساءل
عنها المروءة أين هي ؟ فتفتقدها. تَمَّ استغلال سذاجتهم، لم ترحم براءتهم
أو تحنّن قلب المهجِّرين على المهجَّرين، تتعشق النيات فتـصير واحدة، تلوم
المعدة وتخشى تجريم الرأس، طرف يريد المال والمال فقط، وطـرف لم يبخل به
ولكن يرجو مقابلا طيبا يروقه ولا يظلم منه شيئا ..
ما أن قـضى الزورق في جريانه أربعة آلاف وثلاثمائة وعشرين خفقة
قلب امرئ زمنية حتى بدأت الأمـواج تتعالى وتتعامد ثم تـتكوَّر على سطح
البحر، بدأت الأمواج تتلاطم حين ابتدأ البحر يهيج، كان هيجانه خفيفا،
تعلَّق بحالة الـمدِّ الطبيعية، من أجل النجاة يحتاج الأمر عندها لنفس
الزورق، ولكن ليس بنفس الحمولة، أو ربما ..
مال القارب في كل الجهات، مال بأمخاخ بشرية تزن ثمانية وعشرين
كيلوغراما، كل غرام منها يضم سبعين مليون خلية عصبية تتشاكى، وبميله بدأ
يفـقد توازنه، عندها بدأ المهاجرون يقفزون في البحر، قـفزاتهم لا تبغي
هلاكا، ولكـنهم إلى البحر يقـفزون، وفيه يسـقطون.. تلقّفهم اليمّ بمائه
البارد، وعـمقه الكبير، وعند سقطتهم حاولوا الوقوف ظانين أنهم على يابسة،
فهوت أقدامهم إلى الأسـفل تجرّ معها أبدانهم، ثم تصعد إلى الأعلى، وعند
إطلالة رؤوسهم على وجه البحر وملامســتها للهواء يأخـذون شهيــقا طويلا ما
يلبث أن يــسرب الماء معه إلي معدهم ورئاتهم، لم يكونوا جميعا يتقنون
السباحة باستثناء القائد، لم يكونوا مدربين على شروط العوم، لا يعرفون متى
يزفرون ولا متى يشهقون، كانوا جمـيعا قرب بعضهم البعض، كل منهم يخبط بيديه
يبحث عن ملمس يتمسّك به، وما أن يحسّ أحدهم بجسم رفيــقه حتى يتعـلَّق به
ممــسكا بأطرافه، وحين يهوي الاثنان إلى القاع يقلعان عن الإمساك، ثم
يصعدان، ظلوا جميعا على حال من الإجهاد الشديد، والاختـناق القاسي حتى خارت
قواهم .. سبح قائد " الباطيرا " وظل يسبح لإتقانه السباحة، سبح غوزالي
قليلا كذوات الأربع ولم يسـبح قط، سبح كالدواب، ظل يسبح إلى أن عثر على
خشبة، عثر عليها لمـسا في ظلمة حالكة، لم يكن يرى شيئا غير السماء
بعناقيدها المتدلية، اصطدمت بجسـمه فتمـسك بها، أغنته عن العوم الذي يجهله،
خشبة ساقها الله إليه، كانت تائهة لا تريد هجرة ولا إقامة، حولها إلى مركب
لم يفكر في تسميته بسـميّة أو رقيّة، عوّض به عن مركبه الغارق، تســير به
إلى الأعـماق وهـو مستسلم لها، لم يتركها أو يتخلى عنها، وإذا فعل فأين
الــبديل ؟ تعلق بها مجيرا وتمسك بها راجيا، بينما هـو يســبح بلا خـوف ولا
وجــل شاركه في مركبه سابح آخر، أمسك بالخشبة مجرد أن لامســت يده، كانت لا
تسع إلا لواحد فضاع توازنهما وغاصت الخشبة لتـطفو مـن جديد ثم يتمسك بها
غوزالي، غاب عن المستجير من الغرق بالخشبة، تلفت لعله يرمقه دون جدوى، شرع
يسمع أصواتا من وجدانه تملأ سمعه، تعود إليه بين الحين والآخر، أصواتا
لغرقى شهدت غرقهم الملائكة وغوزالي وقائد الزورق، طنينا لا يزال يجده،
أمامه وخـلفه وعن يمينه وعن شماله هذا يقول: الله الله، وآخر يقول :لا اله
إلا الله، وثالث يصيح : وْلادي وْلادي، ورابع ينادي : مْوي ، مْوي ..
خيم السكون على محيط غوزالي وهو يســبح بخـشبته الــطافية،
يلمسها من كل الجهات عند سـباحته، بينما هو مستـسلم لقضـاء الله وقدره،
يقاوم من طبيعته الموت، يتعلق بالحياة، بينما هو كـذلك إذ مرت باخرة تجارية
، بعثت بزورقها المـطاطي يبحث حتى عثر على قائد ســمية، انتشل من الماء وقد
كاد يلقى حتفه، لم يعد يــقوى على العوم رغم رباطــة جأشــه ومــثابرته،
قاوم وقاوم حتى خـارت قواه وتعرض للبرد الشديد الذي كاد يجمده.. ثم اسـتمر
الزورق يبحث حتى وجد غوزالي يطفو بطافيته على سطح البحر، انتــشله وذهب به
إلى الباخرة ..
سارت الباخرة بالناجين إلى ميناء طنجة، وطئت قدما غوزالي
اليابسة بـعد أن كاد يلقـى حتفـه غرقـا، خطى في رحاب طنجـة فرحـا مسرورا،
نجاه الله من الغرق بيد البحّارة..
’كتبت لغوزالي حياة جديدة، ’حــفرت في ذهنه وقائع لو ’قـدِّر
لجمجمته أن تظل عظما ملايين السنـين لأمكـن قراءة ما ’حفـر فـيها، ذهب
غوزالي الى بلدته وقد حـمل معـه قلبـه وهـو مطمئـن بحمد الله على
سلامته.
   
المركب الهائم
شب " الساعدي " في مدينة بولمان، ترعـــرع وسط حقول خضراء،
حقول تعود ملكيتها لرجالات الدولة، يعمل فـيها بنشاط وحيوية، جعلت منه شابا
قويا بعضلات بارزة، يسر الناظر، ويثير الإغراء والإغواء ..
ظل الساعدي مرغوبا فيه من جميع الملاك، إذا كلف بعمل نشط فيه
وأخلص ، يحظى بالإيثار، و’يقــصد في تودد بانبهــار، حـباه الله بجسم
ممتلئ، جمع بين القوة والجمال، لم يكن يســير أو يظهر إلا وجلب الانتباه ..
ابتدأ الزمان يجري بالساعدي، أسرع به نحو اليأس والقـنوط، بات
جريان الزمان أسرع قليلا من جريان الدم في الشرايين، يجر معه شبيبة طموحة،
شبيبة من مدن وقرى ومد اشر اكتسحتها البطالة كما تكتسح الريح الغبار
فتذروه، طالـت خريـجي الجامعات وحـملة الشهادات العليا، حملت معها الأطباء
والمهندسين والأدباء ..
قلـق الناس على مصيرهم ليجد الساعدي نفسه ضمن غزيّة لم تغز، ولكنها
تسخط على الشواهد وتود لو أنها تجهل، ظل فصل الصيف مـن الفصول التي تتحول
إلي باعث على القلق والقلق الشديد، يقدم فــيه المهاجرون المغاربة من بلاد
أوروبا خاصة، بلاد هي الأخـــرى بات يعاني فيها المهاجرون معاناة فاضلة عن
العنصرية، بلاد تشهد بطالة تدفعهم إلى القمار، وتدفع آخرين إلى أعـمال حرة
مــنها ما يخدش الحياء هنا وليس هناك، يمارسها الرجال والنساء على حد
ســـواء، لم يكن الساعدي يعي هذا أو يعرفه، لم يكن يرى سوى ما يظهر على
القادمين من آثار النعمة يريدها هو أيضا لنفسه .. وحين يذهبون يعقب ذهابهم
فصل الخريف ثم الشتاء، فصل ينعم فيه الساعدي ببطالة زائـدة، وهــموم
فاضـلة، لا يعــمل في الحقول، ولا يشتغل إلا نادرا..
في يوم شهد بداية التواضع الموسمي، شـهد قيما ومــثلا رفيعـة
’تسوَّق بالمجان، تنتشر في كل المــدن والقــرى والمداشر، تستــغل سذاجة
الناس وبساطتهم، تستغفلهم لتسرق أصواتهم، ثــم تقدمها للدجالين، يمتطونها
عبر بساط شفاف تبدو من خلاله عوراتهم، فـي هذه الأجواء راودت الساعدي فكرة
الهجرة السرية ..
غادر إلى مدينة طنجة، اصطحب معه صورا مخزنة في مخيــلته، يبعثها من
أعماقه بين الحين والآخر، يستمتع بها في خلوتــــه، تزوره في نومه فتحل محل
أحلامه، تتدافع مع أفكاره في يقظته ..
طرق ورشا لشركة صبرينا للمقاولات، وجد فيها عمالا من قلـــعة
السراغنة والمحمدية وسيدي قاسم والقنيطرة، ألفى حارسا واحدا مــن طنجة،
ومثقفا دراديبيا يكتب الشعر والقصة والرواية .. يعمل بين العمال كواحد
منهم، يقوم بعمله مثلما يقومون .. استـبقي الساعـدي بالورشة، عمل فيها
وسكن، كان يقتات في الأيام الأولى على مائـدة الحارس ..
عرف طنجة من كثرة التجوال في طرقاتها، صحب عاملا آنـس منه صدقا
وصفاء سريرة، يخرجان من الورشة ويذهبان إلى الشاطئ، يمران على عمال للإنعاش
الوطني يعملون ليلا ونهارا في فصـل الصيف، من ضمنهم حملة الليسانس يبطلون
بعملهــم مقولة : أن طنجاوة لا يعملون ..
طفق يجمع المال استعدادا للهجرة السرية، يتأهب لهجرة وضـحت في
ذهـنه حتى بذخت.. لطالـما وقـف في منتزه " الرمـيلا ت " ينظر إلى مدينة
طريفة، يشاهد سيارات تسير بسير ضوئها، تخـلف أضواء تتبعثر على جبال ووهاد
بالأندلس، أنوار المدينة تظهر وكأنها كائنات بحرية تتلألأ في ليل مظلم،
تفرز مواد كيماوية ترسم بهـا صورا غاية في الجمال والروعة، تشبه الشهب
المتساقطة، تظهر وكأنها تجلس القرفصاء عند قدم المتوسط، يشاهد بحرا يشبه
البســاط، يغري بوطئه والسير عليه نحو إسبانيا، تظهر على سطحه ســفـن عابرة
من الأطلسي تخترق البوغاز، يشاهد سفنا راسية عرف أنها سفن صيد قد ألقت
بشباكها ..
أعجب الساعدي بمدينة طنجة وقرر أن ينتسب إليها، أزمع على اقتناء
سكن فيها إن شراء أو كراء، وإذا قدر له أن يهاجر إلى إسبانيا أو أي دولة
أوروبية أخرى فسيعمل على جلب عائلته من بولمـان؛ حتى إذا أقبل الصيف وآن
أوان العطلة السنوية فسيقضيها بين أهـله وذويه في طنـجة حين تعــمّر..
تغيرت لكـنته وصارت لهجته طنجاوية، تتضمن خليطا من الكلمات الإســبانية
خلـفها وراءه الاستعمار الإسباني ..
أصبح في يوم مشرق على وقع أنباء تتحدث عن قتيل بيد شرطــي، قتيل
آخر في مخفر للشرطة، قتيل حوكم قاتله وأدين باثني عشر عاما سجنا من طرف
محكمة الاستئناف بطنجة.. وفي اليوم التالي أصبـــح على وقع أنباء عن مغاربة
شباب يريدون الهجرة السرية، قدموا مــن مدينة الدار البيضاء، استقلوا باخرة
من هناك تقصد إسبانيا، باخـــــرة محملة بالحوامض إلى جانب واحد وعشرين
شابا مختبئا فيها، رصت بميناء طنجة، وأنزل المهاجرون السريون منها، ثم
اقتــــــيدوا إلى المحكمة .. وفي اليوم الثالث قدم وفد آخر في باخـــرة "
أزرو "، يختبئ فيها خمسة وخمسون مهاجرا سريا، قدموا هم أيضا من مدينــة
الدار البيضاء، كان الفوج الأول والفوج الثاني مكون من شبيبة كلــها
بيضاوية، وهم دون العشرين أو يزيدون قليلا ..
حفل بأخبار الهجرة السرية، ظل صديق الورشة يأتيه بأنباء عنها
مؤلمة، أنباء تنفطر لها الأفئدة، وتنفعل لها القلوب..
دار الزمان وانقلب ولا يزال، تارة يعود على هيئات وأمارات مضت،
وأخرى يعود ليجعل منها حاضرا ..
جلس إلى جوار شبان في مقهى يتبادلون الأحاديث، لا يتحولون عن
القنوات الإسبانية، وبينما هــم كذلك لــفت نظرهــم خبر تذيـعه " كنال سور
" عن الهجرة السرية، لا يكلفون أنفسهم التحول إلى القنوات الوطنية، غالبا
ما ينسون وجودها، تحدثت القناة الإسبانية عن قاربين لمهاجرين سريين تبحث
عنهم السلطات الإسبانية، عبأت لذلك مروحيتين تحلق فوق المتوسط بحثا عن
المكلومين الضائعين، تريد رفع رقم الألف كعدد ممن تم إنقاذهم في سنة واحدة
عندما كانوا على وشك الغرق ..
دالت الوقائع وبدأت الأحداث تتوالى على مسامع الساعدي، ابـــتدأ
هو يبحث عن شبكة للتهجير الطوعي تنقله إلى الضفة الأخرى، بـــدأ يبحث عن
قارب يتخذه مطية لتحقيق أحلامه وآماله، شرع يجد فـــــي كل الجهات، يرتاد
المقاهي الشعبية ويسأل، يقصد مقاهي " مـرقالة " عند شاطئ جميل لا تزال
تدنسه جماعة طنجة المدينة بإهمالها لـــــه، يحاول إيجاد خيط يمسك به ،
يروم ميناء طنجة ويلجه باحثا، تصطدم عيناه بشبيبة احترق جلد وجهها من فرط
التعرض لأشعة الشـــــــمس ونقص السوائل، شبيبة في العقد الثاني من عمرها،
شبيبة لا تــــــزال طفلة تغص بها جنبات الميناء، تمارس التسول والبحث في
القمامـــة، تعمد إلى السرقة كلما تسنى لها ذلك، تنام حيثما اتفق، يلفها
الوســــخ، ويغشاها الضعف والهزال ..
دخل فإذا بشاحنة محملة بالحلزون البري رابضة على رصـــــيف
الميناء، حلزون رفع الرأس عاليا، يوجد منه أكثر من ستمائة نــــوع، منه
أنواع نادرة لا توجد إلا في المغرب، ينتج ويصدر دون مزاحــــم على الرتبة
الأولى عالميا، تعلق عليه آمال، يصنع مستقبل البطالـــين قريبا، إلى جوار
الشاحنة أربعة شبان تم إخراجهم من بين حمولتهـــا، سأل الشرطي أحدهم عن
وطنه فكان القصر الكبير، سأله عما إذا كان متزوجا فأجاب : أنا أب لأربعة
أطفال، رأى ذلك وسمعه، ذكرتـــــــه بقصة الشاحنة المحملة بالحلزون البري
التي كان بها مهاجر ســـري واحد ..
مشى في اتجاه " صــوباصــطا " ينوي شراء سمك مــن ســـــوق
الجملة، بينما هو يسير سمع صفارة سيارة الإسعاف، التفت ليراهـا تدخل
المنطقة الحرة، استمر يخطو حتى كان قاب قوسين أو أدنى من دخول سوق الجملة،
فسمع صفارة لسيارة إسعاف أخرى، عـــرف أن الأمر جلل، تبادر إلى ذهنه أن
هناك ما يتعلق بالهجرة السرية، تحرك نحو " زونافرانكا "، وما كاد يصل
البوابة حتى فزع من سرعــــــة السيارة الخارجة، عرف أن هــناك شــيئا ما
قــد حدث فــي معــمل " طروجاكو " استطلع مستنتجا إصابة مدير بالشركة، أصيب
بنزيـــف دموي جلب سيارتين للإسعاف نقل على متن واحدة منهما إلى مستـشفى
طنجـيس ثم قضى فيه .. حمـلوه إلى مســتودع الأمـوات بمــستـشـفى " دوق دو
طوفال "..
وفي الغد ذهب العمال والعاملات لإلقاء نظرة أخيرة على مديرهـم
الذي قضى، وعند خروجهم أفواجا وعلى دفعات خرجت " زكـــية " لتجد الساعدي
كعادته عند جهة من جهات الميناء، تعرفت إليه فبــنت معه أحلاما وآمالا تهدف
الاقتران بالزواج، كانت من مدينة سيدي قاسـم تعيل أبويها وإخوتها، لقيهـا
الـساعدي عند البوابـة فطلبت مـنه مصاحبتها، ثم استجاب نزولا عند رغبتها ..
دخل مستودع الأموات مع حبيبته الموعودة، وما كاد يطأ أرضــية
المشرحة حتى فاجأه دوار في رأسه وأصيب بـ " دوخة "، تنــبعث من المستودع
روائح كريهة تصـدر عـمن لهـم حرمــة لا يحترمـهـا الأحياء، فهل لا أسف ؟
ربما ! نسوا أنهم سيدادون إن عاجلا أو آجلا ويعلم الله مدى ما ستلقاه جثثهم
من إهمال ولا مبالاة، وربمـا لا ! رأى على أرضية المشرحة سبـع جثث، واحـدة
لرجل يلبـس بذلـة وربطــة عنق هو المدير في شركة طروجاكو، إلى جواره أنثى
وخمسة ذكور، انتشلوا جميعا من شاطئ الولي الصالح سيدي قاسم قرب رأس سبا
رطل، رمى بهــم البحر وألقى بجثـثهم علــى شواطئه، غرقوا قبل أن تتحقــق
أحلامــهم بعبور المتوسط، يلفهم الرمل وتغشى وجوههــم معالــم وآثــــار
لآلام وضيق وشدة وقهر، يعلم الله ما عانوه حين كانوا يغرقون، كان المـاء
يدخل أفواههم ويستقر في معدهم ويملأ رئاتهم حتى اختنقوا وماتوا غرقا ..
هام الساعدي لا يلوي على شيء، هام في أجواء الهجرة السريــــة
يتأمل، يكاد يتعظ لولا الضجيج، عاد إلى واقعه الموضوعي جراء أصوات اقتحمت
عليه سمعــه، أصوات تستنكر وضعية المديــر، لــم تتقبل رؤيته في موضعــه من
أرضيــة المستودع، ولكنهــا لم تــــبال بإخوان لهم لفظتهم مياه " أشـقـار
"، اضطرب المستشفــى وتحـــرك بسرعة حتى تم وضع المدير في تابوت خشبي، ثم
وضع فوق ســــدة إلى حين نقله ..
خرج من المستودع مخلفا وراءه جثثا لمهاجرين سريين، جثثا لم تلق
عناية ، أو تحظى برعايـة، حتى الشيـطان تمنى لأصحابها أن لو كانوا هودا أو
نصارى حتى يثيروا شفقة الغرب ..
جمع مالا كثيرا حق لـه أن يكون ثــروة، جد فــي طلب من يحمـله
إلـى إسبانيا حتى عثر عليه، ضرب له موعدا في ليــلة مظلمــة عـــند "
الحجرة المـمـسـوخـة "، يطل عليها مخفر لحــرس السواحــل مــن الجيش ..
أقبلت ليلة الإقلاع، فالمكان بجوار مقلاع مهجور، نشط عند
بـــناء الميناء عندما كانت طنجة مدينة دولية، نزلت شبيبة مفطومة إلا مـــن
العناية والاهتمام، نزلت الشاطئ الصخري مكتنزة إلا من الاكـــتناز، مرت
محاذية للمخفر، تحرك معهم حارسان يرافقانهم، وجدوا قاربـــا راسيا فوق
اليابسة وإلى جانبه قارب آخر يصغره ، هموا بإدخالهــما البحر ولكن قائد
القارب منعهم، أخــرج حبلا وسكينــا، شــرع يقطــع الحبل بمقدار مترين لكل
مهاجر، ثم شرع يربط أيديهــم إلى الخــلـف ويقول : " شْحالْ من مـرّة
هجّْرتْ ناسْ وحــين وصَّلتم لبــَرّْ الأمـــان اعتدوا علــي وخْداو مالي
لي خْديتو منّـوم "، وافقه الحارسان علـى فعلته بإيماءة لافتة، وطفقا
يتبادلان الحديث عن موطنهم بـ " قلعة مكونة " وقائد القارب يحدثهما عن عمه
الذي لا يزال يقطن القلعة، أخبرهم أنه قدم إلى طنجة منذ مدة قصـيرة ولم يجد
فيها عمـلا غــير تهريب المهاجرين ..
أدخل القارب إلى البحر يجر معه قاربا صغيرا، ساعده الــساعدي
وشاب مكتنز قليلا عنه، وحين رسا على الماء وتحرك مندفعا إلى الأعماق
قيّدهما قائد المركب رغم رفضهما أو يغادرا في الحـال وسباحة.. مخر العباب
قاصدا الشمال، يسير وسط بحر خلا مــن الأسماك بسبب القنابل اليدوية، قنابل
بدائية ولكنها تقتل كل شيء في قاع البحر، سار ووجهته كاديس .. قضوا ثلاث
ساعات ومسافة الفصل بين سرعة نجم الحياة والحياة لا يسمعون غير صوت المحرك
و’عبّار الفضاء ، لا يرون غير النجوم في السماء المتلألئة، تعمق بهم قاربهم
في المتوسط حتى دخل المياه الإقليمـية لأندلس مفقودة، عندهــا أوقــف "
الرونكي " محرك قاربــه، ســأله المهاجرون عن علّة ذلك، فكشف لهم عن نيته،
وطالبهم بالهدوء، لقد اقتربوا من شواطئ إسبانيا، ولا بد من استبدال القارب،
شرع يفـــــك المحرك، نقله إلى القارب الصغير، وثبته حيث يجب أن يثبــت
وهـــم ينظرون ،لا يكادون يستبينون من شدة الظلمة، أشعل الرونكي محــرك
قاربه، وابتدأ هديـره يقتحم الأسماع، ثم قصّ الحبل الذي يربطــه بالقارب
وتركه لبينونته ينكأ، وبحمولته ينوء، وأسرع نحو الجنوب، وتركهم للضياع ..
كان البحر ساعتها قد تحرك يبغي جزرا، يلقي بكــل شيء يطفـــو
على سطحه، يدفع به إلى السواحل والشواطئ، يرمي بحمولته الميـتة إلى البر،
سار بهم قاربهم، تعطلت وظيفة نخاع عظامهم حتى دنا وأصبح على مرمى البصر،
شوهد من طرف سلطات خفر السواحل الإسبانية، فقصد بزورق سريع، ربطوه، ثم ’جرّ
إلى ميناء الجزيرة الخضراء، وبعد التحقيق معهم ألقوا بهم في باخرة
للمسافرين وأعادوهم إلى طنجة، إلى ميناء شـهد ميلادهم من جديد ..
فــرح المهاجرون السريـون بحياتهم الجـديدة، رضوا لأنفسهم
السجن، فضلوه على الغرق ميلا إلى حب البقاء ،اخـتاروه مرغمـين على الضياع
في قاع البحر ..
بعد انقضاء مدة سجنه، خرج الساعـدي لا يمـلك شيئا، قــبع حيـث
الضياع على شكل آخر، لــو قضى فيه المرء عمــره كله لمــا ظـــفر بصنعة أو
مستوى ثقافي كيفــما كان، لاحقــه الوهــن، أصابــه الـــهمّ والحزن، بحث
عن عمل في الأوراش دون جدوى، استعصى علــــيه إيجاد من يستغل جهده ولو بعمل
شاق، حصل ركود في قطاع البـــناء جراء الحملة التطهيرية للمتاجريـن في
المخـدرات، طــالت أناسا يعــملون لحــساب رجالات نافــذة كتــبــت
أســماؤهــم بالـمـرصــــد الجيوسياسي، يقيمون في عافية بعدما أنابوا قسرا
من يدخل السجن بدلا عنهم.. أعياه الطواف والدوران في جميع جهات طنجة،
وأخــيرا استقر على ضرورة مغادرة المدينة إلى بولمان، إلى مسقــط رأســه
ومرتع طفولته ..
دال به الزمان حتى أحاله إلى شاب وسخ، شاب يعاني من ســــوء
التغذية، يذبل مثل النبتة الجافة، لم يعد مكتنزا كما كان، ولكن أمارات
اكتنازه لا تزال بادية عليه ولافتة، لا تزال عضلاته تستطعم النسيج العضلي
لقلبه رغم عدم معاشرته للحشرة الكريمة، يذهب إلى المحطة الطرقية لعله يجد
من يحمله، يقضي معظم وقته فيها ثم يذهب لينام في العراء ..
صار كالصفيف من كثر تعرضه للشمس، أضحى لا يقبل تصيّفا في طنجة
أو تشتّيا، صارت واقعته كابوسا يلاحقه في نومه ويقظــته، إذا رمق البحــر
اضــطرب وانفــعل وعرضت عليــه للتو المــــشاهد والحوادث، يراها وهو يسير،
يراها وهو يقف، يراها إذا قام أو قعــد، تلازمه في الحلم واليقظة حتى أضحت
عقدة نفسية ..
يئس وضاقت به الدنيا، جاع وتعرى ومرض، سكنته هواجـــــس، أنهكته
وكادت تقضي عليه، لم يعد يحتمل، ضاع عنه صبره وسئمت منه مصا برته، ثابر
في محاولة الرجوع إلى بلده ..
صبيحة يوم مشرق إلا عليه التقى بقاعة الانتظار عـند المحطة
الطرقية برجل من مدينة فاس، تودّد إليه حتى فاتحه في ملاطفة، قبـل الساعدي
تودّده وملاطفته، عرض عليه أن يذهب معه إلى بيــته، كان بيتا في عمارة،
يملك بها شقة يرتادها في فصل الصيف، أدخله شقّــته ورحّب به وفسح له المجال
في أخذ راحته، استحمّ، ثم قدّم له الطعام والشراب ، زوّده بلباس أنيق، وسمر
معه ..
حين جنّ اليل تغيرت ملامح الساعدي، وكاد يفقــد أعصابه، لم
تتغير لما لاقاه من عذاب ومعاناة، لم تتغير للمأساة التي عايشها مع أبرياء
كادوا يلقون حتفهم لولا عناية الله تعالى، لم يتغير لهـذا أو ذاك، بل تغير
منفعلا بسبب سلوك صاحب الشقّة، طلب منه أن يعامله كما لو كان امرأة، ألحّ
عليه في ذلك إلحاحا شديدا، بدا أمامه كما لو كان مدمنا على ,مخدِّر مَثل
بين يديه يريد تذوَّقه ..
قبل الساعدي عرضه على مضض، بات اليلة معه كما لو كان مــع زكية،
بات كما لو دخل بعـروس أنعم الله بها علـيه بسبب الهـجرة السرية، بات يليط
بسوءة مضيفه ..
في الصباح الباكر غادر بسريرة توبِّخه على فعلته، تعيب عليـه
استجابته، توخزه كما لو كانت إبرة رفيعة، أو سكينا حادة وتقول له : " ليـتك
مِتَّ في البوغاز، ليتك قضيت فيه " .
   
المهاجر الصغير
" موحا " وحيد أبويه. شاب صغير لا يزال طفلا، قضى بعـض طفولته
في بادية " الراشدية "، لطالما غدا وراح بين ربوع صحراء ساحرة، صحراء تنبت
الشــوك والتمـر، بها واحات خضراء تعـجز ريشة الرسام عن محاكاتها، آنــس
الكلاب والقطط، رعــى الجمال والمعز على صغره ..
يبدو موحا وسيما تحوطه براءة غير مصطنعة، يحمل بين جنـبيه قلبا
صادقا وعقلا ساذجا، ’أدخــل المدرسة بغيــة محاربة الأميــة، لــم يستمرّ
على تلمذته، لم يكن هــناك ما يشجِّع على مواصلـة الدراســة والمطالعة،
تعلّم القليل القليل، لم يسعفه إلا في كتابه اسمه، وبالكاد عنوانه ..
في صيف تمّ التأريخ له قبل سقوط الطفل الدرّة شهيـدا، بعد قمم
عربية أوحت بضــرورة إخراج علــم جديد هو علــم قراءة الوجوه الصفيقة، قدم
إلي منطقة الراشدية مهاجـرون مغاربة، مهاجرون موفورون، بمظهرهم أنيقون،
يجرّون معهم دنياهــم، يصطحـبون سيارات وأمتعة، بيد أطفالهم الحلوى، وأنواع
كثيرة من الشوكولاته، يتذوّقها موحا حين ’تـقدَّم لــه، يهيــم بلذتها
وينتشي بطعمها، حفل بأخبارهم حتى سكنت دماغه الصغيـر صورة بناها في
مخيـلته، صورة يراها في نومه ويقظته، ’تحرِّك لسانه ليعجل بها..
سكنته هواجس بدأت تقضّ مضجعه، أطل على المراهقة كما يطل المغامر
على جسر ينوي القـفــز منه، دفــعته حالتــه إلى ارتياد التجمّعات، ارتاد
المقاهي يسترق منها السمع كالجنيِّ في الغمام، لم يكن حديث الشباب إلا عن
إسبانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا.. تطلّعاتهم إلي حيث بحبوحة العيــش
والسعادة، طفق يســأل عــــن السبيل، يساءل نفسه عن الأمل، يأمر دخيلته
بعدم الإعلان، يـهمّ بالمحاولة ولكنه يخاف التجربة.. لم يكن يجرؤ على
مشاركة الكـبار في أحاديثهم، كانوا ينهرونه، ويرفضون مجالسته لهم لصغر سنه
..
أصر على اقتناص الأخبار، دأب على فضوله حتى كان له ما أراد،
اتضحت له صورة الهجرة السريــة، عــرف كيـف يخــوض التجربة بعدما رسمها
الراشديون الكبار في ذهنه، تخيَّلَ صورة مدينة طنجة، بنى في رأسه الغضّ
صورا عن محطتها الطرقية، عن مينائها وبوغازها ..
فاتح أباه بشأن مـا يريد، جسّ عاطفته مستطلعا درجة انفعاله،
فنهره رأسا ولطمه على خده، ثم أخذه من أذنه وشرع يعنفه.. موحا وحيده
الوحيد، وأمله في الاستخلاف على الزرع والضرع .. لم يستسغ مجرد الحديث عن
بعد ابنه، فكيف إذن لو صار حقيقة ؟ شكاه أمه بندم حـين كاد ’يغمى علـيها
من وقع النبأ، كانت ترى مثلـما يرى زوجها وأكثر..
صار موحا طموحا، يتقدم في الزمان مسرعا ويتمنى لو كان عند الثقب
الأسود، يصرّ على تذوّق ما يرى ويشاهد، لا يرى فيه المستحيل، بدأ يعدّ له،
شرع يجمع المال لسفره القادم، يجمع البيض، يخفي بعضه حتى يجمع منه
العـشرات، ثم يذهب به إلى الـسوق ليـبيعه في غفلة عن والـديه، يهيئ لسـفره
الموعود وكله أمل وتفاؤل، لا يلفت نظر أحد، أو يدع رغبته تعلن لفرد ..
قدم اليوم الموعود يقتطع من أطرافه كما لو كان أخطبوطا تصحّر
قاع بحره، ألحّ السفر على موحا بعدما جمع ما يكفيه لرحلته من الراشدية إلى
طنجة مع خمسين درهما فاضلة عن ثمن التذكرة دون اعتبار للإياب، وكيف يحـسب
حـسابه للعودة خالي الوفاض وقد أزمع على العودة غانما ؟.
تسلل صباحا من قريته، وذهب يستقل الحافلة تاركا أباه وأمه على
حال من الاطمئنان تعوداها نحوه..
ركب متحركا نحو مدينة طنجة، نحو مدينة باكية شاكية، تشك في
نوايا المسؤولين إن هم وعدوا، لا يملكون وعد الحر، ولا حتى وعد النساء،
يتطلع إليها الراشدي الصغير، يحس نحوها بحنين كما لو كان من مواليدها أو
قاطنيها الأوابين، ينظر من خلال زجاج النافذة إلى حركة المرور، لا تثير
انتباهه طبيعة البلد الجميلة، أو منظر حقولها المثخنة، لم يكترث عند رؤيته
أطفالا صغارا من بنين وبنات، يراهـم متوجهين نحو حقول الموز المغطاة،
يعملون فيها ويتقاضون عن أعمالهم عشرين درهما من الشروق حتى الغروب،
يستغلهم أرباب جشعون، وملاّكون لحقوقهم منكرون ..
أشرف موحا على طنجة، أسره منظر محيطها الأزرق، يلقي بنظره في
الأفق البعيد محاولا العـثور على الضفة الأخرى فلا يجدها، يعيد النظر مرة
تلو أخرى فينقلب إليه البصر خاسـئا وهــو حسير، لبد بمقعده جالسا لا يتحرك،
لوى عنـقه باتجاه الأطلـسي يستطلع ما فيه بلهف شديد، أطال وأطال وهو محاط،
غشيته أحاسيس لم يعرفها قطّ، غاص في أجواء المحيط بمائه وسمائه دون استشعار
للمحيط الآخر، محيط من الركاب الذين تبرّموا من سلوكه، بدا علهم التذمّر
حتى أنــهى صبرهم، ابتدءوا يشتكون من تسلط أشعة الشمس القوية، إزاحة موحا
لستار النافلة أحدث تظلما لم يكن يعه في سكونه، كانت الشمس الذهبية تسير
إلى مغيبها أفقيا، تجري لمستقر لها تحدد في أقصى الشمال الغربي من على ظهر
طَنْجتنا المستلقية ..
نزل بمحطة طنجة الطرقية، وطئت قدماه مدينة عريقـة، سماهـا الذكر
الحكيم مجمع البحرين، وسماها اليونانيون أعمدة هرقل، باركتها أقدام موسى
والرجل الصالح، كانـت موطـن الغلاميـن اليتيمأين الذين أقام جدارهمـا
الرجـل الصالح بقبيـلـة " أكْلا " حيث منتزه " الرميلات " ..
نزل الحافلة لا يعرف أيّ جهة يقصد، ولا أي سبيل يتبع، يريد
الميناء ولكنه يجهل الطريق إليه، بذهنه صور له محفورة، ولكنها ناقصة، خطا
خطوات نحو قاعة الانتظار، ثم ’شدّ إلى مشهد ناداه، ومظهر صادر عن أناس
دعاه، أسرع الخطى نحو حافلة تحمل رقما أوروبيا، تعمل فــي خط رابط بين
الدار البيضاء وبروكسيل عبر طنجة يسوقها " الروبـيو " الطيب، رأى الناس
تنحني وكأنها تبحث عن شيء فقدته، أو مصاب تحت الحافلة قد رمقته، اندفع
مستطلعا وانحنى متفحصا دون حصيلة، رأى موظفي المحطة الطرقية والمسئولين
عنها ينادون مسمعين "خْروجْ ، خْروج ، يالله خْروج "، سمع النداء ولا
منادى، دخل سمعه خبر وجود صبي مختبئ تحت الحافلة، يريد هو أيضا مغادرة
بلـده ، يبغي الهجرة السرية بواسطة الحافلة، لـم يفهــم موحا ما يجـري
لسذاجته، وبعد فترة وسط القيل والقال، والهرج والمرج قــدم رجل نحيف، بمعطف
أنيق، وربطة عنق تطوانية، تقدّم نحو الحافلة وسط تقدير الجميع ، ظلوا
يفسحون له المجال وهــو متقدم، يلقى السمــع والطاعة حين إشاراتـه آمرا،
حضر ومعه حل سحري للمشكـلة القائمة، تستوي عنده المشاكل ولو كانت بحجم
الشعرة إذ يحلّـها، والمشاكل بحجم الجبل إذ يذلّلها، بيده قنينة ظنَّ موحا
أنه إنما اشتراها ليحملها إلى بيته ولم يجدْ وقتا للتخلص منها، استبقاها
دون إرادة منه، لامس الحافلة وانحنى قرب العجلة الأمامية، يمسك بيمناه
القنيـنة، ويدخل مقدمة رأسه مادّا يده إلى الداخل، ثم شرع يرشّ، رش بها
الصـبي المختبئ مثلما ’يرشّ الذباب والبعوض، رمى الرذاذ نحو الطفل، لم ينزع
سبابته عــن موضع الضغط حتى بدأ يسمع الترجّي والاستشفاع والاستعطاف ..
’سمع صوت الصبي يرد على " بايكون " : " هانا خارْجْ ، هانا
خارْجْ " يرددها كثيرا كما يردد بايكون : " خْروجْ، خْروجْ "، أكـثر من رش
الصبي بالمبيد وكأنه حشرة، خنقته الرائحة الكريهة، ’سمع على إثرها صوت
الزفير والسعال، وأخيرا خرج، خرج الطفل من تحت الحافلة، بدا للناظر طفلا
صغيرا وسخا منهوكا خائرا، بدا خائفا مرهوبا محاطا، لم يكن صربيا لأم من
إحدى خمسة آلاف بوسنية مغتصبة رما به القدر في طنجة، أو أم لكثرة استمتاع
الرجال بها عجزت عن إلحاقه بأبيه، أخذه حارس المحطة من يده وسار به إلى
الشرطة، ثم سلمه، سيق وسط هالة توحي بأنه مجرم مدان عن جدارة، ولم لا ؟
ربما يكون ضحية من الضحايا، وربما لا ..
وقف موحا مشدوها، أخذته الدهشة والعجب، لبد مستغربا علـى هيئة
نسي معها هدفه وضالّته، ثم تحرك وخرج.. لا تفارق ذهنه أول صورة أبت إلا أن
تحفر في ذاكرته معالمها، ’أعطي درسا أوليا عن الهجرة السرية..
تسكع في طرقات طنجة وأحيائها، يتفحص كل ما مر به، ينظر إلــى
العمارات الشاهقــة، ويعجب بمعمــارها الــذي أبدعته عقلـية المهندسين
الشباب الذي نجا من البطالة، لم يكن يعرف أن بعضا منها وقف منتصبا وسط أرض
تقرر أن تكون مناطق خضراء، مناطق سرقها مستشاروا ومسؤولوا المدينة، لم يكن
يحس بحسرة، لم يك يشكو لأنه مزداد وسط فضاء نقي صاف، ذو بيئة نظيفة بعمران
قليل.. هام على وجهه حتى وقف عنــد مدخــل ميناء طنجــة، شاهـــد رجال
الشرطة وهم يمنعون بعض المارين من الدخـول، ويسمحـون للبعض الآخر، لم يعرف
علة ذلك، تقدم يريد الدخول فأوقفه الشرطي ومنعه من الولوج، رجع القهقرى،
وقف حيث العــشرات مــن ’سمّـار الوجوه المغاربة وقفوا، استطلع أخبارهم
فعرف أنهم مثله يريدون الهجرة إلى الضفة الأخرى، رأى حركة من جهة أخرى، عرف
أنها لمهربي السجائر الأمريكية والويسكي، لا يدخلون من باب المـيناء، ولا
يخرجون منه، قلّدهم، ثم دخل يخطو خطوات عدّدها سارد قصته فكانت بعدد حروف
اسمه، واسم حيوان أليف لا يجتر حتى لـفت نظره شاحنة محملة بالحلزون البري
ربضت فوق رصـيف المـيناء عند مدخله، رآها وقد تجمع حولها الناس وهي متخمة،
تقدم مستطلعا ليجد شابا في عنفوان شبابه قد أخرجه الشرطي من بين حمولتها،
اختبأ فيها قاصدا وجهتها، لبد وســط الحلزون لعله يحظى بعبور المتوسط إلى
الأندلـس، نظر إليه وهــو في حالة متسخة أخفت معالمه، لباســه وجســمه مغطى
بالسائل الـلزج الذي يـفرزه الحلزون، لو ’سلِّطت عليه الكاميرا لظن أنه في
معرض تصوير فيـلم عن الرعب أو الحيوانات الخيالية، أوقفــه الشرطي، ثم جيء
بالماء الصافي وابتدأ الرش، شرعــوا يرشونه بالماء الصافي حتى تتبـين
معالمه وتتضح صورة وجهه ..
تركهم موحا وذهب، ولكنه أخطأ الاتجــاه ليجد نفســه عند مدخــل
المنطقة الحرة، كانت بوابتها ساعتها مفتوحة على مصراعيها، تغص بالفتيات
الداخلات والخارجات، فالوقت وقت استراحة، تخرج آلاف العامـلات لالتقاط نفسٍ
يمّم شطر الأمـل في الزوج المفـقود، فتيات يبس جلدهنّ، ويكاد ييبس قلبهنّ،
يقضين ساعات طـوال على آلات الخياطة والحدادة .. مكافحات يتقطعن على
عنوستهن وقد تسبّب فيها الفقر والحرمان، ’يقمن أود أسر بأكملها، أسر أغـلب
أفرادها ذكور حالمون ينتظرون إكرامية من أخواتهن أو أمهاتهن؛ خمسة دراهـم
أو عشرة للجلوس في المقاهي واحتسـاء الشاي والقهوة، لشــراء مالبورو بـ "
الديطاي "، تسلل موحا مع الداخلات والداخلين، مشى في رحابها ودار، ثم دار
لا يجد مخرجا إلا من حيث دخل، ثم تقدم ليخرج، وما أن حاذى جانبه الأيمن
معمل طروجاكو حتى شاهـد ركضا من الفتيات والنساء وهن يصرخن، رآهن يقصدن
حاوية ’تـجرّ من طرف شاحنة قد ’تركت رابضة حتى حين، شاهدهن وهنّ واقـفات
عند " الرِّمولك " ’يشرن إليه، تقدم مستطلعا فلم يهتد لشيء، ولكن تناهى إلى
سمعه صراخ وصياح، ظلت أذناه تلتقطان ذبذبات صـادرة من داخل الحاوية لا
يستبينها، سمع ضربا على جدارها من الداخل، شاهد رجال الجمارك يهرعون نحو
مكان التجمع، اتصلوا بشرطة الميناء والسلطات العمومية، اضطرب الناس وحاروا
بشأن المستغيث، اتصلوا بالشركات لعل سائق الشاحنة العملاقة يكون بإحداها
فيحل المشكلة، تحركوا بغية فتح باب الحاوية الصلب فلم يفلحوا، راموا إنقاذ
حياة القابع في الحاوية، استمر الحال ثواني بعدد أطول أبجدية في العالم،
ودقائق بأقصرها حتى انبرى شاب معدنوسي يشير عليهم باستعمال القاطع الغازي
.. تمّ إحداث ثقـب بواسطة الشاليمو، وعبر تلك الفتحة تسرب الأكسيجين وحال
دون اختناق الضحية، وبعد فترة وجيزة فتحت الحاوية فأخرج منها الـشاب وتبين
أن بها غيره، كانوا أربعة، وضع القيد في أيديهم وتم اقـتيادهم إلى مخفر
الشرطة، إلى كوميساريا شهدت عذاب مهاجر غير سري من هولندا، ’عذِّب فيه ثم
فارق الحياة بسجن " ساتفـيلاج "، أودع السجن شرطي متهم بقتل البريء، ويروي
السجناء أن الضحية قضى في السجن جراء تعذيب السجانين له ..
تمنى القابعون في الحاوية أن يوفقوا في هجرة سرية، يريدون ترك
بلدهم ليغنموا في غيرها، تمنوا أن يرجعوا موفورين بـرؤوس عالية بطلة، كان
هذا أملهم كما هو أمل كل راغب في الهجرة السرية، قبعوا فيها ’وكوفاً على
خوفهم وضجرهم ..
نظر موحا لما جرى بين يديه للمرة الثانية والثالثة، أخذ دروسا
مجّانية، وعندها بدأت تقل حماسته، انتبه إلى معدته الخاوية منذ وقـت طويل،
ظل في نسيان تام لها، أخرج الخمسين درهما الفاضلة عن تذكرة سفره، واشترى
بها بعض ما يقيم أوده ..
قضى شهرين كاملين منذ مغادرته الراشدية، ينام في الحدائـق
العمومية مفترشا الكارطون، وملتحفا بالسماء، وحين ينهض يعمد إلى التسول
فيقتات قليلا عليه، يبحث أحيانا في حاويات الزبالة، يلتقط منها الفضلات،
صار حاله كمن كان مجنونا لا يعرف إلى النظافــة سبيلا، الناظر إليه يتقزز
من رؤيته، والقريب منه ينفر من رائحته، لم يسعفه عقله حتى في حثِّه على أخذ
حمّام من البحر، أو من حنفية في حيّ شعبي، دخله اليأس، وهزمه القنوط، حاول
وحاول من غـير نتيجة، رأى الناس تذهب في هجرات سرية ممتطية قوارب، ولكن
مقابل مال مدفوع سلفا، وأنىّ له هو بالمال، لم يفكر في التوجه إلى
المقاولات الصغرى أو الكبرى ليشتغل، ثم يجمع المال، لم يفعل ما يفعله
القادمون إلى طنجة رغم الاستغلال البشع الذي يلقونه، لا يبالون بشيء
ماداموا يحظون بنوم مجّاني في مكان عملهم، ينامون في ورشات توفر عليهم أجرة
الكراء، وتغنيهم عن صعوبة الحصول عليه ..
|