أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 26/01/2009

دراسات أدبية للكاتب: أحمد محمد ضحية أحمد

السرد والرؤى...

إلى صفحة الكاتب

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

الفصل الثالث

الفصل الثاني

الفصل الأول

السرد والرؤى - مقدمة 

الفصل الرابع

الفصل الخامس

 

 

السرد والرؤى...

"مدخل لدراسة تجربة السرد في القصة القصيرة والرواية السودانية"

 

اهداء ..

أجمل أطفالنا لم يولدوا بعد, أجمل الايام لم تأت بعد  ..الي زوجتى  وهي تكابد مرارة الفقد , لذلك الجنين الذي لم يكتمل..

أحمد 

 

مقدمة:

 

عندما كتبت قرائتين نقديتين لروايتى الاستاذ محمود محمد مدني ( جابر الطوربيد - والدم في نخاع الوردة ) ,  وقراءة ثالثة لرواية بذرة الخلاص ل ( دكتور فرانسيس دينق ) , لم تكن بعد قد تبلورت لدي ,  فكرة اصدار هذه القراءات في كتاب .. فقد كتبت  القراءات الثلاث ,  في الفترة بين عامي 2000 - 2002 . وكان الدافع الاساس لكتابتها, الاحتفاء بكتاب لم يحظوا سوى بالاهمال والتجاهل. أو القراءات الملتوية . ولذلك بدأت في قراءة عدد من النصوص الروائية - وأيضا القصصية بعد ذلك _ من موقع القاريء .  وكنت  قد قدمت بعض هذه القراءات, في فعاليات مختلفة , فقد قدمت  القراءة في رواية ( الدم في نخاع الوردة ) في منتدى بيت الثقافة الذي كنت مشرفا عليه في العام 2001.

وقدمت  القراءة في رواية ( بذرة الخلاص )  ضمن فعاليات ندوات مركز الدراسات السودانية, احتفاء بدكتور فرانسيس دينق كرمز فكري وأدبي , بقاعة اتحاد المصارف - الخرطوم . في العام 2002.

ثم رأيت فترة اقامتي في القاهرة , في منتصف العام 2004 ان اصدر هذه المجموعة, من القراءات في كتاب _ على الرغم من كونها تعد ناقصة , اذ ان القراءات التي قدمتها في الفترة من 2000- 2002 في فعاليات مختلفة في منتدى المحامين بام درمان, ومركز الدراسات السودانية, ومنتدى بيت الثقافة : حول الطريق الى المدن المستحيلة لابكرادم.  والزندية لابراهيم بشير. والطواحين لبركة ساكن. وعصافير اخر ايام الخريف لحمد الملك الى جانب ورقة نظرية عن الرواية والتاريخ , نشرت اسوة بهذه القراءات في الصحافة, والصحافي الدولي والايام وصحف اخرى  : كل هذه القراءات لم اضمنها هذا الكتاب _  ولشعوري بأن ما اقتصر عليه هذا الكتاب, من قراءاءت حول السرد الروائي , سيكون جهدا غير كاف , لضرورة القاء الضؤ على التجربة السردية  ككل" في السودان"  . من خلال رموز او  كتاب ينتمون لاجيال مختلفة في القصة القصيرة ,  تضاف الى ما أنجزته من قراءات في الرواية كما اشرت سابقا.

 وهكذا ضممت الى ما تجمع لدي, قراءة   كنت قد أجريتها في العالم القصصي للاستاذ عثمان علي نور : رائد القصة القصيرة في السودان , قدمتها للمرة الاولى في ندوة مركز الدراسات السودانية 2002 , احتفاء  ببلوغه سن التاسعة والسبعين . الى جانب  دراسة نظرية  كنت قد كتبتها  عن السرد في السودان ,  قدمتها في منتدى مجلة ( أدب ونقد )  في مستهل العام 2004. بالاشتراك مع الصديق الناقد المصري أحمد الشريف .الذي تولى  الجانب التطبيقي بينما توليت الجانب النظري . أضفت الى هذه القراءة , قراءة اخرى كنت قد قدمتها في ورشة الزيتون,  حول اعمال دكتور طارق الطيب السردية والشعرية , بمشاركة الصديق الشاعر عفيف اسماعيل والصديق الناقد المصري شعبان يوسف و وآخرين من النقاد والكتاب المصريين الاشقاء  في خواتيم العام2003..

والى جانب ما تقدم من قراءات , قمت باجراء قراءات نقدية جديدة  , لنصوص قصصية قصيرة اتخذت من الاستاذ عيسى الحلو - علي المك - محمد ابراهيم الشوش - مختار عجوبة  - زهاء الطاهر - عادل القصاص - احمد الجعلي " ابو حازم " - صديق الحلو - ارثر غابريال - اغنيس لوكودو - استيلا قاتيانو - منال حمد النيل , نماذجا لها . كقراءات تطبيقية , تعطي فكرة محدودة ,-  متصلة بما قالته القراءة المتعلقة بعثمان علي نور - ولكن  عامة وواضحة , عن القص في السودان .خلال من اشرت اليهم بانتمائهم لاجيال مختلفة( من الستينيات مثل عيسى  الحلو مرورا بالسبعينيات مثل زهاء الطاهر وانتهاء باواخر القرن الماضي مثل استيلا ومنال حمد النيل ) . وذلك  لشعوري ان  واحدة من مشكلات القصة القصيرة في السودان , انها لم تحظى سوى بالتجاهل النقدي .  وهو ذات الاحساس الذي جعلني اشعر, بضرورة نشر هذه القراءات , في كل من أدب ونقد والثقافة الجديدة  وفصول للنقد الادبي  والمحيط الثقافي . اذ وجدت ترحيبا حارا من قبل هذه المجلات . وكان بعضها قد نشر في كتابات سودانية وبعض المواقع الثقافية في الشبكة الدولية . كما ان صحيفة الصحافة السودانية - وانا اشارف على انهاء الفصل الاخير من هذا الكتاب  -قامت بنشر بعضالقراءات الواردة بهذا الكتاب في ملفاتها الثقافية , واسعدني هذا الاهتمام والمتابعة , لفصول كتاب نقدي لم ترى كل اجزاءه النور بعد ..

من هنا تحاول هذه الدراسة ان تضيف الى الخط البياني الاولي الذي رسمه د. مختار عجوبة و الاستاذ معاوية البلال لمسيرة السرد في السودان , فهذه القراءات , تتصل  بما سبقها - أعني تحديدا هنا الدراسة القيمة لدكتور مختار عجوبة " القصة الحديثة في السودان ودراستي المركز  الاعلامي السوداني اللتين اشرف عليهما الاستاذ معاوية البلال " كتابة الجنوب / جنوب الكتابة  و الانثى كذات كاتبة وكموضوع للكتابة ", وقبل كل ذلك كتابه القيم الشكل والمأساة .  فقد افدت من هذه الدراسات كثيرا خاصة في الفصل الاول . كما افدت من دراسة  دكتور عجوبة بوجه خاص في  الفصل الثاني  - في سبيل الكشف عن الانحناءات والمنعطفات في تجربة السرد في السودان .

ولذلك تظل هذه الدراسة مجرد مقدمة اولية, لابد من متابعتها, من خلال الممارسة النظرية. للنقاد والمبدعين السودانيين  , في سبيل تشكيل حركة نقدية فاعلة  , عبر التراكم  الكمي فالنوعي - للنقد والابداع معا - لتنطلق من هذا التراكم , بوصفه ممارسة تنجز رسم خط تطوره  - الابداع  والنقد معا -  وانعطافاته  وانقطاعاته, من خلال القدرة على التحرر, من  سلطة السائد ..

وهنا لابد لنا من ادراك الفضاء العام الذي يتحرك فيه السرد في السودان لزمان طويل . فالسودان عبارة عن افريقيا المصغرة .. افريقيا التي تقاطع عندها كل المحمول الحضاري الثقافي العربي الوافد , مع ثقافات وحضارات افريقيا العريقة.. واذا كان السرد العربي الحديث , منذ بداياته , يسعى في اصرار لا يلين , لان يكون مرآة المجتمع المدني الصاعد وسلاحه الابداعي , في مواجهة نقائضه , التي لا تزال الى اليوم مقترنة بتخلف التعصب والتسلط والتطرف , متواصلة مع تراثها السردي العربي في ابعاده المناقضة للاتباع والنقل , محاورة غيرها من روايات الدنيا العريضة التي قاسمتها الهموم (1)..  فان السرد الافريقي هو الشكل الفني الادبي الوحيد , الذي دخل عن طريق الاستعارة الخالصة وفرض - فوق هذا - على تطور النموذج المحلي , ونهض في التأسيس لارضية ذات اتصال واستجابة شخصيين , بصورة ملموسة .

وقد قام السرد في افريقيا بتكملة الرؤية الفنية للعالم , بل ادمج هذه الرؤية - بمعنى اكبر واهم - جماليات التقاليد الشفاهية , التي لم تنتم اليها اطلاقا . ونتج عن التفسير الاوروبي لها بعد ان طوره التفسير الافريقي المحلي , مايسمى اليوم باسم السرد الافريقي , والذي كان تطوره عن طريق الممارسة , ابتداء من التعبير المباشر , المسطح الفج , الى التجربة المتقنة (2)..

وبلادنا  - السودان - بحكم انها الملتقى لثقافة العرب وافريقيا . نجد ان السرد فيها حمل ما حمل من سمات الثقافتين . كما يعكس تطوره منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى الان . شيئا من منعطفات ومنعرجات السرد في بلاد العرب وافريقيا .. في مسيرته بين نتوءاتهما , وعلى تضاريسهما الاجتماعية والثقافية .. ليتخلق كسرد سوداني له قوامه الخاص , الذي يحمل ما يحمل من جرح السودان وهمومه ..

ثمة مقولة ل " طراد الكبيسي " في كتابه " شجر الغابة الحجري " . لا يزال سياقها العام - ومنذ وقت بعيد - يحاصر فضاء ذاكرتي .  اذ لا تربط بين الابداع العظيم والتمزقات الكبيرة , التي تحدث في المجتمعات فحسب , بل تتسامى حتى بهذه التمزقات  . مما يقترح اسئلة محددة , بخصوص الكتابة في شروط مثل شروط السودان ؟!.. هل هي كتابة معاناة .. ام كتابة تنفذ الى الجوهر الاشكالي الانساني .. وهل ترتقي - او تتضاءل - الحالة الابداعية , في مثل هذه الشروط , وهذا المناخ .. ام تتجاوز الحالة الابداعية كل ذلك , اذ لا يمثل احد شروطها ؟!!.. بمعنى ان تكون المعاناة ذهنية ومعنوية لا ترتبط بمحفز , اجتماعي او قيمي او ثقافي .. وبالتالي مفتوحة على الانسان , تحقق منه وفيه حضورا انسانيا وجماليا عاليا - لكن كيف يمكن لذلك ان يتم بمعزل عن شرط الثقافي الاجتماعي ؟!-  دون أن تؤطره جغرافيا , او حدود حضارية لهذه الجغرافيا ...

لكن يبقى ما ارتبط بالتاريخ الانساني كعلامات بارزة , ربما تضيء لنا التعرف على بعض ما يحيط بالكتابة .. وبتركيز خاص: السرد . واكثر خصوصية : الرواية . وبتعبير بارت " انها موت ( " اذ " تصنع من الحياة معبرا . ومن الذكرى فعلا مفيدا . ومن الديمومة زمنا موجها .ودالا . لكن هذا التحويل لا يمكن ان ينجز الا في عيون المجتمع , فالمجتمع هو الذي يفرض الرواية . اى يفرض مجموعة من الاشارات (3)  ولأن الابداع عموما ينهض في الخيال , فالحيوات التي تتخلق في الرواية , هي في الواقع تتخلق من سقط الافكار وركام الحياة . فمن بين كل انواع التشظي هذه , تتخلق البنى الحكائية لتبني عالما شاسعا , داخل الفضاء العام للحياة الواقعية . عالما ينتمي لهذا الفضاء ولا ينتمي اليه في آن !! .. فبين انتمائه للواقع ونهوضه في الخيال , خط وهمي رفيع لا نستطيع الامساك به او تحديده . مهما قلنا بالتقنيات والنظريات . و .. و... لأن لحظة التجلي التي تمظهرت عنها هذه الرواية او تلك , هي القانون الاساسي الذي  من خلاله يمكننا العبور الى واقعية هذا النص . لكنها - ويا للسخرية - اللحظة ذاتها هي القانون ايضا , الذي يؤكد نهوض هذا النص في الخيال !!.. اذن من هنا تمثل محاولة التفسير او التاويل , المأزق ذاته !!..

تأثر مجالنا الثقافي السردي ب" الواقعية الاشتراكية " لوقت طويل ,- كما تأثر بالوجودية ايضا ولكن بعد ان تمت معادلتها في هذا المناخ الاستوائي - كان ذاك  من الاوقات الخصبة لجنس الرواية  . وكذلك في الاوقات التي بدأت فيها الرواية في السودان تدخل في مأزق الواقعية الاشتراكية , كغيرها من روايات العالم الثالث . وهو يستقبل جنسا اوروبيا لم ينتجه تطوره الحضاري  , ويتاثر بالتطورات التي تطاله كل يوم..

 اذن ما هو مأزق الواقعية الاشتراكية ؟!.. اذا غضضنا النظر عن تحويلها للشخصيات الى محض رموز ايديولوجية , بما ينعكس على مفهوم الشخصية " الانسان " , بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي او الطبقي .. اذا صرفنا النظر عن ذلك يمكننا التوقف عند جملة المفاهيم الشمولية الاممية البائدة , التي حملتها هذه الرواية . اذ حاولت الغاء ذلك الخط الوهمي  الفاصل بين المستوى الواقعي والمستوى الخيالي في النص المكتوب . هذا الجدل بين الواقعي والوهمي استحوذ على الاهتمام عند النظر للواقعية السحرية .. هذا الجدل  المفقود فيما انتجته السوفياتية باستبدادها وصلفها - يتغنى الان البعض بالتقاليد الديموقراطية القديمة لروسيا القيصرية - بما عبرت عنه - الكتابات المنتجة : غوركي  - تشيخوف - من تمزقات كبيرة , وبما اشبعت في وجدان الامة الروسية . لما حملته هذه الكتابات من احزان وهموم ومآس ..

صحيح ان الثورة البلشفية لم تنتج غوركي وتشيخوف , لكن بمجايلتهم لها حاولوا - مع اقرانهم - التعبير عن حلم منخفض الكلفة الانسانية , ولا يمت لمدنية الدم والحضارة العسكرية بصلة . . وكانت تلك واحدة من لحظات التمزق الكبرى في مسيرة الكتابة السردية . التي يتحاور فيها الواقعي / الوهمي ليعبر عن الانسان المحض دون ان يحوله الى رمز ايديولوجي , او يضع له مصيرا مسبقا ..

لحظة التمزق هذه على مستوى الكتابة , هي تجل  لتمزق اكبر على مستوى المجتمع . فاعظم مبدعي فرنسا - في وقت ما - مالارميه , شاتوبريان بلزاك , الخ .. انتجتهم تناقضات مجتمعاتهم , وتمزقات المجتمع الفرنسي بالدرجة الاولى . فعندما كتب ريجيس دوبريه (غير المرغوب فيه ) - في العقود الاخيرة للقرن الماضي - كان ذلك بمثابة خروج عن التناقضات التي اثقلت التاريخ الفرنسي بعد الثورة التي  التهمت ابناءها . كذلك هي الميثولوجيا الخاصة بدوبريه , وعالمه السري واحباطاته . وتمزقه الفكري وذكرياته اليسارية وقلقه الغارودي . لذلك مثلت " غير المرغوب فيه " علامة مهمة على مستوى الواقع , وفارقة جديرة بالتوقف عندها , باعتبارها مرآة عكست التمزق الثوري في " فرنسا الحرة " وتقلصات وتداعيات الخط الديجولي  رغم كل شيء  .   وهزيمة التطبيق امام النظرية , والطموح لجيل عنيد حمل حلم فرنسا الشعارات الانسانية النبيلة . لكنها تنهض على مستوى الخيال , بكل  أسى الغربة وجمال الحزن , ولوعة الاحلام الكبيرة لعاشقين , مطاردين , راحلين في الابدية - النضال - في سبيل زمن خاص وأجمل ومكان خاص وأجمل ..

وكانت التمزقات الانجليزية ,  والامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس , تتداعى الى محض جزر في الارخبيل العريض , احد دواعي الشعور بالانتماء الذي عبرت عنه , الوجودية الجديدة واليسار الجديد , وتجلى لدى كولن ويلسن في " ضياع في سوهو " كتطبيق للا منتم , بمعضلاته النفسية ومشكلاته المعقدة , ازاء حياة واقعية قاسية لحد التفاهة , حيث الاشياء اكثر انسانية من الانسان !!..

وعندما اخل النفط بقوانين البنى الاجتماعية , واحدث اختراقات ثقافية عميقة في الفضاء الاسلامو - عربي . واهتز الواقع الافتراضي / الماضي .. الراهن .. الذي ظل يعيشه العرب والمسلمين . في العالم الثالث . ونقلهم - العرب - بذات الوقت بمنجزاته - النفط - الى حدود ارخبيل كوني , لا يرغبون بالغوص فيه , ويريدون - مع ذلك - الاستمتاع بمنجزاته , لضغوط البنى الاجتماعية - الهشة مع ذلك - والمعبأة بالمتناقضات , والمقيدة بالتقاليد السحيقة .. هكذا اذن اضحى الواقع مزيجا من الواقع والمتخيل , وما بينهما معنى التحول : ممزقا التاريخ والناس والاشياء . وجابهت تصورات الواقع الافتراضي .. الواقع الفعلي , بتصوراته المختلفة للحياة والعالم والكون . فتوترت المفاهيم وتساقطت الرؤى . فكان التحفز السري للجنس , والالحاد والقلق الوجودي للانسان . فكان عبد الرحمن منيف , والابداع المغاربي بعد طول كمون وصمت على التواطؤ السافر للداخل والخارج والحرمان من الحقوق الاساسية والحريات المشروعة كما في (مدن الملح) .. والبحث عن يوتوبيا في الصحراء كما عند الكوني في (نداء الوقوق والمجوس ونزيف الحجر  ): انه الحلم المشروع والمتضاءل بالمشرق الكبير والمغرب الكبير .. وتلاقي الاطراف . لكنها الهزيمة امام مهام ما بعد الاستقلال , بما مثلته: نزيف الحجر للكوني و نوار اللوز لواسيني واللاز لوطار والمنعرج للفاسي .. وما حملته من تأزمات المثقفين والطلائع الثورية المزعومة , والكادحين وجماهير الشغيلة الذين بلا هوية محددة , في جهاز القيم الهرمي - في عالم الزيني بركات الذي يتهاوى للغيطاني - سوى التوصيف لاوضاعهم الاجتماعية الرثة التي تتناقض ووعيهم .. وادمان الفشل الكبير والبحث عن الذات  كما في " ايام من عدس لبهوش يسين " والف وعام  من الحنين لبوجدرة كقضية مطلوبة على المستوى الواقعي , ومزعومة على المستوى الخيالي , بابطال مزعومين..

ورغم الفارق الزمني بين هذا السرد وذاك , الا انها   ك " سرديات " ( اعادة تكوين - وفق تزامن الاحداث - لزمن وبعد ) وتجانس هو زمن السارد الذي يربك صوته الخصوصي الاحداث بحوادث سهل التعرف عليها  . عملية الكشف عن التاريخ بواسطة وحدة طفيلية . ويعطي للرواية التباس شهادة قد تكون مزيفة (4).. تظل عالقة اقصى حدود فراغاتنا , فتساؤلات محمد عديم اللقب في الف وعام من الحنين , هي شيء من احزان تلك البيوت الواطئة لمحمد زفزاف وهي ذاتها تداعيات العم صالح الزوفري في البراريك , وبعيدا عنها حيث التهريب والاخطار . انها كتابة بين المتوهم والمزعوم والحقيقي والواقعي ..

ولذلك  أصر على ان هذه الدراسة, لهي مجرد مدخل. لقراءة تجربة السرد في السودان - ضمن الفضاء السردي الذي اشرنا اليه سلفا , فاى نص هو نتاج حوارات مع نصوص اخرى من مختلف انحاء  العالم -. ولذلك حين اصر على كونها مقدمة , فذلك لانها لا تتصف بصفة الشمولية, لكل المنجز السردي , وانما تكتفي بنماذج سودانية  متفاوتة, في مستوى جودتها الادبية والابداعية , في ازمان مختلفة . وهي نماذج يسيرة , لاتعكس كم المنجز , ولكن تعبر_ مع ذلك_ عن المناخ العام وفضاءات هذا المنجز السردي وموقعه من منجز العالم والاقليم  _ تعبر عن السودان بمجاله الافريقي والعربي - ..

خاصة أن المنجز المنشور قليل ولا يتناسب مع الانتاج الفعلي , وفي معرض ذلك يقول الروائي ابراهيم اسحق " الادب  العربي الآخر ليست لديه هذه الاشكالات التي نتحدث عنها , مثلا الكتاب العرب يكون البعض منهم ليست لديه فكرة عن كتابة الرواية  ولا خلفية عن ذلك , وفجأة ينشر ثلاث روايات او رواية من ثلاثة اجزاء , لكن بقوة الدفع الثقافي لبلده , وانتماء القطر الثقافي في الساحة , يعطيه الدفع ويجد التقدير حتى لو كان هذا العمل متواضعا , لكن الكتاب السودانيون يحتاجون لأن يقيموا  أعمال بعضهم العض"..

 وهي لحظة مناسبة للبدء في هذا المشروع. اذ ان النقد في السودان لا يزال في مراحل تطوره الاولى.  منذ وضع اسسه محمد عثمان ابوساق وأحمد حمداي  وعباس صبحي, في  خمسينيات  القرن الماضي.  وارسى دعائمه في مراحل مختلفة رافقت التحولات الحداثية  كل من : دكتور مختار عجوبة, والاستاذ عبد القدوس الخاتم, والاستاذاحمد طه امفريب. ومعاوية البلال,  واحمد عبد المكرم . فمرورا بكل هؤلاء واولئك, ممن  اشرنا او لم نشر اليهم. نجدهم قد اسسوا لعلاقة مباشرة مع النصوص الادبية المختلفة , تتجاوز اطاراتها المباشرة , كي تستطيع الوصول الى القدرة على التنظير, والادراج ضمن حركة نقدية فاعلة, في وسط ثقافي فاعل ( بمعني التداول الواسع, عبر المؤسسات للنص الادبي. لقراءته وتحديد قيمته) .

ما سبق كان هو الموضوع المركزي للفصل الاول , والذي تتصل به الفصول التالية لقراءتنا. التي استهللناها بقراءة حول: الاستاذ عثمان علي نور ( رائد القصة القصيرة في السودان ) وذلك لان الاستاذ عثمان علي نور " واحد من قلة من الكتاب السودانيين , نذروا ابداعهم. لفن القصة القصيرة.  ومن هؤلاء ابو بكر خالد , جمال عبد الملك ( ابن خلدون ) علي المك , عثمان الحوري , ابراهيم اسحق ابراهيم (..) ان الخط البياني للقصة القصيرة. يوضح بجلاء مساهمات كتاب مثل:  معاوية نور , وعبد الله رجب  وعثمان علي نور ومحمد المهدي بشرى ومبارك الصادق وبشرى الفاضل وغيرهم (5)" ولكن عثمان علي نور, يتميز عن كل هؤلاء بمختلف اجيالهم , بانه الرائد في هذا الجنس من الابداع.  ولم يطلق عليه  هذا اللقب الا لانه ربط  مصيره بمصير القصة في السودان. كما اكد الناقد عيدروس " كان على القصة القصيرة الانتظار بعض الوقت , بعد فترة الثلاثينيات . ريثما يظهر كاتب ينذر نفسه للقصة, ويتوفر على الاهتمام بها . كان هذا الكاتب هو عثمان علي نور (6)" وربما لكل هذه الاهمية  لعثمان علي نور كتب القاص زهاء الطاهر بأسى  :  لو كنا في دنيا غير هذي الدنيا , وفي أرض غير هذي الارض , وفي قارة لا كهذي القارة . وفي بلد غير بلاد الجن , وديوك الجن . لكنا اقمنا لك تمثالا من  ياقوت واخر من زهر الماء , وكنا اقمنا لك شهبا تحكي بضياء عن ضياءك يا نور . لكنا ملأنا الارض عنك وردات وازهار برية , وعصافير جوابة ومناديل عذراوات , وقناديل وقواديس وقوافي , وملأناها وفاء , وكنا زهونا بك زهوا , وقدمناك للدنيا وأهل الدنيا , وبارينا بك مواسم كل عطاء . ونفحناك من شغف القلب أوتار غناء , وضمخناك بكل عطر جال, في الاسماء. او جاء في الاسماء.. هذاالقرن الذي مضى خاننا  اجمعنا . هادننا . قبلما سقانا من كأسه المترعة (7).. ولكل هذا افردنا للاستاذ عثمان علي نور وحده فصلا كاملا هو الفصل الثاني من هذه القراءة .

ولذلك يجيء الفصل الثالث, كقراءات تطبيقية. على خلفية ما تمت الاشارة اليه. في الفصل الاول والثاني . كالمعطوف .

ونلاحظ على بعض القصص موضوع القراءة في هذا الفصل - الثالث -  والذي يليه  - كذلك الروايات موضوع الفصل الاخير لهذه القراءة ( روايات  : ابراهيم اسحق , محمود محمد مدني ,مختار عجوبة , فرانسيس دينق , مروان حامد الرشيد , طارق الطيب ) -  بصورة عامةأن الاتجاه الواقعي السحري, يهيمن  على فضاءات القصة والرواية بشدة. كما عند الاستاذ مدني واحمد ابو حازم وغيرهم  .. بما هي - الواقعية السحرية - تعبير عن رؤية كونية سحرية للعالم . رؤية لا تاريخية , تنمحي فيها الحدود بين الاحياء والجماد , او بين الثقافة والطبيعة . حيث تكتسب الاشياء والظواهر خواص وقدرات مميزة , وحيث نشاهد جانبا من هذا الواقع, السابق على مباديء العقل والمنطق وقوانين السببية (8) ربما بسبب بكارة ارض البلاد الكبيرة - السودان - بغاباتها العذراء وسهولها الشاسعة, ونيلها الذي يشقها من اقصاها الى ادناها, وناسها المعجبين بانفسهم _ الذين ليس كمثلهم ناس!!! _  وتنوعها الثقافي وتباينها الحضاري الخ , الخ ..  ربما لحضور التنوع في كل شيء حتى العقائد ..  والخصوبة  المدهشة للخيال في ظل هذا المناخ الثقافي  .. ربما ان كل ذلك هو ما جعل البلاد الكبيرة - السودان - مصدر الهام لا يضاهى .. ومن هنا جاءت السحرية , اكثر من كونها نتاج اتصال باداب اميركا اللاتينية ..

فالتراث المتنوع للسودان , والذي نهض فيه الشعر والدراما , اللذان ظلا يؤديان وظيفتهما داخل التقاليد الشفاهية , هو ما انتج الرواية والقصة  في السودان - طبقات ود ضيف الله - والتي اتخذت شكلها الحديث, من شكل وتقنيات الرواية الحديثة (9) فالرواية بشكلها الحديث, تعتبر فنا ادبيا  حديث العهد في تربتنا الثقافية , ولا يزال خاضعا على المستوى التشكيلي, للمثل الذي تقدمه الرواية الغربية . هكذا نستطيع ان نكتشف, الكثير من المدارس الادبية الاوروبية في رواياتنا وقصصنا . ونلاحظ عدم تشكل هذه الاجناس في مدارس ثابتة . اذ تمت استعارتها انتقائيا , وتهجين بعضها في سبيل محاولة تمثيلها جميعا. حتى تستطيع التعبير, عن صوت الروائي او القاص (10)"..   

ما هو الاطار النقدي العام الذي اعتمدته هذه القراءات  - سواء في الرواية أو القصة _ لتفصح عن نفسها ؟ .. أعتمدت على بعض المفاهيم البنيويةالتكوينية(لوسيان غولدمان) والبنائية ( تحديدا التحليل السيمولوجي فيها ), وكذلك بعض المفاهيم  المنهجية, في التأويل. كأداة استشعرت انها أكثر قدرة, على سبر كنه هذه النصوص " التأويل مع شيء من التجاوز  - مرادفا للادب بمعناه القديم , وهو الاخذ من كل علم بطرف .. لقد برزت التأويلية , كمعرفة تسعى الى استقطاب, نماذج الاختصاصات في مجال النقد . متسلحة بتاريخها الطويل , متخذة عناصر قوتها, من انغراس جذورها. في النصوص المقدسة أولا. وفي أمهات التراث الفلسفي من جهة اخرى .. انها مجرد منهج تسلكه بعض المعارف ومطية تركبها العلوم (11)..

 واعتمادي لهذا المنهج المزيج, جاء نتيجة_  لشعوري كروائي وقاص _ ان المناهج دوما عاجزة عن الاحاطة بالنص , ذلك لان المنهج اكثر قدرة على الاشتغال في المادي القابل للتموضع  , لكن النص الادبي مادة هاربة عن الموضعة , لذلك يصعب على المناهج العلمية ضبطها بادواتها , التي تصلح لضبط العلوم الاخرى  , ولكنها مع ذلك تكفي في لهاثها خلفه - النص الادبي -   للامساك ببعض تلافيفه.. وآخيرا .. هذه القراءات هي اسهامات من موقع القراءة اكثر من كونها اسهامات من موقع النقد .. القراءة التي تملك معرفة , ففي تقديري هي النقد الحقيقي ..

من جهة اخرى تأتي أهمية هذا الكتاب , في أنه لم يكتف بقراءة كتاب شماليين , بل ومن الجنوب ايضا ..

واخيرا أجد انني مدين لزوجتي بالشكر والتقدير . فلها كل الحب .

احمد ضحية القاهرة - السيدة زينب  يونيو 2005

هامش:

(1)   د . جابر عصفور . زمن الرواية .مهرجان القراءة للجميع 200 طبعة ثانية . ص : 12

(2)علي شلش . الادب الافريقي.عالم المعرفة آذار1993 ص : 141

(3) رولان بارت . الدرجة صفر من الكتابة . ترجمة محمد برادة . مطبعة المعارف الحديثة . الرباط. ص : 57

(4 ) السابق . ص : 100

(5) كتابات سودانية " كتاب غير دوري " . مركز الدراسات السودانية .العدد 22 ديسمبر 2002 . ص : 35-36.

(6)السابق  : ص : 36.

(7) نفسه : ص : 39.

(8) حسين عيد . جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية ." دراسة في خريف البطريرك " .الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988. ص : 52.

(9) علي شلش . السابق.  ص : 141.

(10) الياس خوري . تجربة البحث عن افق "مقدمة في دراسة الرواية العربية بعد الهزيمة ". منظمة التحرير الفلسطسينية " مركز الابحاث " 1974  " . ص : 110

(11) مجلة الرافد . أغسطس 2004 . ص : 87.

"مأزق الكتابة هو مأزق المجتمع نفسه . وكتاب اليوم يستشعرونه ,

 فبالنسبة لهم يكون البحث عن لا - اسلوب .

 او عن اسلوب شفوي . او عن درجة صفر او عن درجة متحدث بها عن الكتابة ,

 هو اجمالا استباق لحالة يكون المجتمع فيها متجانسا كل التجانس .

 ومعظم الكتاب يدركون بانه , لا يمكن ان تكون هناك لغة كونية ,

 بدون ان تكون هناك كونية ملموسة ,

 ليست صوفية ولا اسمية للعالم المدني ."

رولان بارت

 

 

الفصل الاول: مداخل لقراءة تجربة السرد في السودان

 

ارتبط السرد فى السودان، سواء فى جنس القصة القصيرة أو الرواية، بالعلاقة الجدلية بين الإنسان , والتاريخ الذى شكله، بوقائعه وأحداثه.. ولأن السودان - إلى حد كبير - جزء من المجال الثقافى العربى، أخذ عن العرب، الاحتفاء بالتاريخ «إن توحد التاريخ والحضارة فى المخزون الثقافى للوعى الاجتماعى العربى، أنتج وعيا مبدداً، بالتاريخ والحضارة معا(1)..» وهو ما نلاحظ انعكاساته، فى العلاقات الإشكالية، التى تربط إحداثيات النصوص السردية، خاصة فى المقولات التى تنطلق منها (وهى مقولات إجمالا تتعلق بمتناقضات البنى الاجتماعية = الرؤى المختلفة = الدين، العادات، التقاليد، الأساطير، إلخ.. = سؤال الهوية وعلاقة الذات بالآخر..)، وهى مقومات تنهض فى التاريخى، بالمعنى اللوكاتشى.. «التاريخى بالنسبة للوكاتش، هو اشتقاق الشخصية الفردية للشخوص، من خصوصية عصرهم التاريخية.. فالهيمنة الفنية على التاريخ، تعنى إمكانية المبدع فى تقييم خصوصية الحاضر المباشر، بإيلاء الأهمية الملموسة للزمان والمكان والظروف الاجتماعية، والنظرة إلى الإنسان بوصفه نتاج نفسه، ونتاج نشاطه فى التاريخ، مما يؤدى بالضرورة إلى اعتبار فكرة التقدم الإنسانى قانوناً تاريخياً وفلسفياً محسوسا(2)"..

وفى هذا الإطار ظلت تجربة السرد في السودان، مسرحا لتداول الرؤى المتباية، التى يتقاطع عندها التاريخ, والمجتمع والإنسان، بهاجسه اليومى، وأسئلته الوجودية، والكونية، المحيرة والحارقة.. وتمزقاته فى واقع مبنى على الاختلاف (التنوع) والخلاف (إقصاء التنوع) = (القطيعة)... لتمثل حركة السرد فى السودان خلال مسيرة تطورها منذ طبقات ود. ضيف الله (فى شأن الأولياء والصالحين) مرورا بملكة الدار محمد عبد الله وإبراهيم إسحق إبراهيم والطيب صالح ومحمود محمد مدنى وكل الأجيال المتعاقبة منذ الأربعينيات، حتى اللحظة الراهنة، اتصالا لهذا التوتر والقلق الإنسانى الجمالى، المصنف سردا..ً.

كما أثر غياب مفهوم الوسط الثقافي، عن المشهد الثقافى فى السودان، سلبا على تجربة السرد فى السودان (عائقا أمام حوار نصوص الأجيال المتعاقبة، بحيث يخلق هذا الحوار تجربة سردية متصلة، يمكن قياس تطور تجربة السرد من خلالها) إذ إن عدم وجود مؤسسات، لتداول المنتوج السردى على نحو واسع، وتقييم العمل السردى، وتحديد قيمته، أسهم فى خلق حالة من الإبهام والارتباك, إزاء تطور التجربة السردية، وهنا أيضا تبرز علاقة التاريخ بالغياب الفاجع لمفهوم الوسط الثقافى! إذ ارتبط هذا الغياب, بقمع أجهزة الدولة الأيديولوجية منذ 1956 حتى الآن..

 ما دفع المبدعين للبحث عن متكآت أخرى، مثلت انفتاحا للسرد فى السودان. على السرد فى أمريكا اللاتينية والغرب( سواء باللغة الانجليزية او لغة الترجمة الى العربية )، ومما لا شك فيه أن السرد فى السودان، قبل انفتاحه على السرد فى الغرب وأمريكا اللاتينية، كانت له تجربة حوار عميقة ومتصلة مع السرد فى مصر، والمشرق العربى بصورة عامة..

 وما يبرز كعلامة واضحة أن السرد فى السودان، - إلى حد كبير - مثل إعادة إنتاج للسرد العربى، بحيث غاب أثر السرد فى أفريقيا عنه، إلا قليلا.. وهنا يبرز سؤال الهوية مرة أخرى، ليطل برأسه كأحد الأسئلة الأشد حرقا....

ومنذ خواتيم القرن الماضي، أخذت تتبلور رؤية جديدة حول اتصال التجربة السردية، وإيجاد مؤسسة تعبر عن هذا الاتصال، تمظهرت هذه الرؤية فى تجربة نادى القصة السودانى الذى تأسس فى العام 2000 وأصدار ابتداءً من العام 2001م مجموعة ضمت ثلاثين قصة لعشرة كتاب ينتمون لأجيال مختلفة، تتراوح بين الثمانينيات والتسعينيات، وحملت هذه المجموعة اسم (دروب جديدة - أفق أول) ، كما كرر النادى ذات التجربة في العام 2002، بإصداره لأفق ثان لعشرة كتاب آخرين.. وما يميز هذه التجربة ملمحان أساسيان::

اعتماد مفهوم العمل الجماعى..

الاهتمام بالصوت السردى الجنوبى..

وهكذا نجح نادى القصة الوليد فى التأسيس لتجربة, فشل الآباء والأجيال الذين أعقبتهم- باستثناء رائد القصة عثمان علي نور _ منذ الأربعينيات فى بنائها..

 هجست القصة القصيرة فى السودان، بصورة أساسية، بطرح السؤال : كيف يكون الإنسان، أكثر إنسانية، ليرى كل شىء، فيشيد من هذه الآلام العظيمة، حياة أفضل، وهو نفس ما عبرت عنه نظرة تشيخوف للحياة التافهة فى روسيا.. ومثل هذا السؤال الخلاصة، التى تتقاطع عندها كل الأسئلة الحارقة، ابتداءً من الأسئلة، الخاصة بقضايا المرأة، مروراً بسؤال الهوية ومتناقضات اليومى المعاش....

جنس القصة القصيرة:

انطلقت القصة القصيرة فى السودان من خلال مجلتى الفجر والنهضة، منذ أربعينيات القرن الماضى، وولدت وقد هيمن عليها الاتجاه الواقعى الرومانسى والوجودى، وقد عبرت عن  هذه الهيمنة، الكتابات السردية القصيرة، لرائد القصة القصيرة فى السودان (الأستاذ عثمان على نور)، الذى نشر أول مجموعة قصصية قصيرة (غادة القرية)(3)، وقد اتسمت قصصه وقصص الجيل الذى جايله وتلاه مباشرة، باعتماد الحبكة على التعمية والمفاجآت ما جعلها تبدو مفتعلة، وتقريرية أحياناً.. ومنذ عثمان على نور(4) وحتى اللحظة الراهنة مرت القصة القصيرة فى السودان بمسيرة طويلة ومعقدة من التلاقح والتطوير والاستلهام، برزت خلالها أسماء عديدة مثل صلاح أحمد إبراهيم فى مجموعته «البرجوازية الصغيرة»، وعلى المك فى «حمى الدريس» و«هل أبصر أعمى المعرة» , وعيسى الحلو فى «ريش الببغاء» و«وردة حمراء لأجل مريم» وبشرى الفاضل فى «حكاية البنت التى طارت عصافيرها» و«أزرق اليمامة» وصديق الحلو فى «الفصول» و«غصة في الحلق»  وسلمى الشيخ سلامةفي ( مطر على جسد الرحيل )، وعادل القصاص في ( لهذا الصمت صليل غيابك ) ومبارك الصادق، وأحمد ضحية، وزهاء الطاهر، واستيلا قاتيانو , ومنال حمد النيل، وبثينة خضر مكى.. وغيرهم تقلبوا بين مختلف الاتجاهات والتيارات والمدارس، خلال أكثر من نصف قرن من الزمان، تعبيراً عن سيرورة إنسان يمضى فى اللانهاية، بحثا عن قيم الخير والحرية والجمال...

إن ما أنجز من قصة قصيرة فى السودان، لهو كثير مقارنة بحداثة تجربة كتابة القصة _ في شكلها الحديث _، كجنس غربى وافد إلى السودان، وتعتبر ملكة الدار محمد عبد الله، من الرواد الأوائل فى هذا المجال.. إذ إن أول مسابقة للقصة القصيرة أجرتها إذاعة أم درمان 1947، فازت فيها هذه الأديبة بالمرتبة الأولى عن قصتها «حكيم القرية»(5)، ومنذ الأربعينيات حتى الآن. تطورت القصة القصيرة فى السودان. تطوراً كبيراً فى ظل مناخ التنوع الثقافى الخصيب بإيحاءاته، الغنى فى دلالاته وبيئاته الغامضة..

 وإذا كان لكل نص بنيتان، واحدة ظاهرية هى بنية المتعة_ متعة الحكى_  والثانية بنية خفية تحمل رؤيا العالم.  نجد أن القص السودانى غنى فى بنيتيه : الظاهرية والخفية، بغنى مناخاته وفضاءاته, المتنوعة. فالقصة القصيرة منذ موباسان وتشيخوف, حدثت لها تحولات وتبدلات كثيرة ، واستطاع القاص السودانى، استيعاب كل هذه التحولات والتبدلات، فجاءت قصته دينامية الشكل والمضمون، خالية من المواقف السكونية..

جنس الرواية:

تعتبر ملكة الدار محمد عبد الله من أوائل الروائيين فى السودان، إذ كتبت روايتها الفراغ العريض فى العام 1952، وصدرت هذه الرواية فى العام 1970م، عن المجلس القومى للآداب والفنون، والمعروف أن أول رواية سودانية هى رواية «تاجوج» لعثمان محمد هاشم فى 1947، تليها رواية «إنهم بشر» لخليل عبد الله الحاج فى 1962م. واتسمت الروايات فى هذه الفترة، برصانة اللغة، إلا أن تقنيات الكتابة يُلاحظ فيها ضعف واضح، وقد مرت الرواية السودانية منذ الخمسينيات حتى هذه اللحظة الراهنة بمحطات عديدة، تقلبت فيها بين الواقعية، كما عند ملكة الدار والواقعية السحرية كما عند الطيب صالح ومحمود محمد مدنى وعيسى الحلو. وإذا كان جيل الستينيات، أرسى دعائم تقنيات حديثة, وشق السبيل إلى تطبيقاتها العملية, فى سردياته الروائية من خلال: «موسم الهجرة وبندر شاه وعرس الزين» للطيب صالح ودومة ود حامد "، أو «جابر الطوربيد والدم فى نخاع الوردة» لمحمود محمد مدنى أو أعمال الليل والبلدة وحدث فى القرية، وأخبار البنت مايا كايا ومهرجان المدرسة القديمة»، لإبراهيم إسحق إبراهيم،  فان ثمرات تقنيات هذا الجيل تتجلى في اعمال الاجيال اللاحقة مثل : «الجنخانة» لعمرو عباس و«مسرة» لبشرى هبانى و«الزندية» لإبراهيم بشير ابراهيم  و«مارتجلو ذاكرة الحراز /  ولانجور مناخات التحفز» لأحمد ضحية.. ..

 وهنا تجدر الإشارة إلى أن كثير من الروايات في تسعينيات القرن الماضي, هجست بالاحداث الكبرى, سواء كانت سياسية او طبيعية, و بالتاريخ والحاضر السياسي الممأزق, بفعل تجربة الديكتاتورية المستمرة ..، فهى تاريخية - رواية التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة _ بالمعنى العام للرواية بوصفها فنا يتعذر على بنيته التكوينية أن تعادل الراهن وتزامنه, دون أن تخترقه تعاقبيا، وتاريخيتها تتصل برؤيتها, أكثر مما تتصل بأحداثها وتقنيتها القادرة على تفريد العام، أى اشتقاق الشخصية الفردية من خصوصية عصرها التاريخى, وما يتولد عن ذلك, من طابع ملحمى, قادر على استحضار صورة صراع المصائر الفردية، بالتقاطع مع المصائر الوطنية(6)...

 وقد مثلت كل هذه الروايات (بما فى ذلك صباح الخير أيها الوجه اللامرئى الجميل لعيسى الحلو، المتهمة بأنها إعادة إنتاج لموسم الهجرة) حضورا إنسانيا عاليا، قاسمه المشترك، التاريخ الذى تتمحور فيه التجربة, بحضورها الحى ونكهتها المميزة، لكأنها تجربة طازجة، راهنة.. فالذاكرة المشتركة للنص /  القاريء , تلتقط كل ما هو جوهرى في المقولة والشكل والمضمون وتكثف كل ذلك, فى إبداع روائي فذ منذ الستينيات «الوظيفة المعرفية للنص ثمرة تحقق الوعى فى الممارسة بغض النظر عن درجة قدرة الوعى على تحقيق التطابق أو التغاير كدال يطمح إلى احتواء مدلوله, والسير عليه فنيا ومعرفياً ودلالياً»(7)، من هنا كانت للتجربة الروائية فى السودان أهميتها الخاصة، إذ تقاطعت فيها أحدث التقنيات، كما انشغلت بتوطين قيم الحداثة والتنوير، إذ نهض القول الروائى من مواقع عدة : التحديث والردة.. قضية المرأة والسلطة الذكورية القابضة ومشكل الهوية وسؤال المركز، الهامش.

المهاجرون والسرد:

إذا كانت الكتابة مقاومة للموت، فالسرد وطن الكاتب، ومن الأمور اللافتة للنظر فى السودان، ظاهرة الكتاب المهاجرين و  المغتربين، فكثيرون وجدوا أنفسهم مضطرين لترك البلاد الكبيرة و  الاغتراب اوالهجرة ,إلى منافٍ بعيدة، أو وجدوا أنفسهم بهذه المنافى : فى أمريكا وأوروبا والعالم العربى. وكتبوا كثيراً من الأعمال الرائعة فى مجال القصة والرواية، بحاجة لإفراد دراسات وأبحاث بكاملها، لاكتشاف القوانين التى تتحرك فيها.. بعض هذه الكتابات كتب باللغة العربية وبعضها الآخر بالإنجليزية، وبعضها وصل السودان وأغلبها لم يصل ومن أشهر هؤلاء المهاجرين والمغتربين  لدى القارئ السودانى ليلى أبو العلا وإبراهيم بشير وأمير تاج السر وأحمد محمد الأمين وعبد الفتاح عبد السلام وطارق الطيب - لكن هذا الاخير يعتبر حالة خاصة سنتعرض لها في حينها -، وقد مثل هؤلاء سفراء للسرد السودانى فى البلدان التى نشروا فيها أعمالهم الرائعة، التى ينقصها النقد فى السودان، لإحيائها كجزء من نسيج التجربة السردية فى المشهد السردى السودانى ...

السرد فى جنوب السودان:

أحد أهم الأسئلة التى طرحها السرد فى الجنوب: سؤال الهوية، ويواجه السرد فى جنوب السودان مفارقة كونه مكتوبا باللغة الإنجليزية، لقارئ إن لم يكن أميا (ويكاد يكون أميا فى الجنوب) فعلاقته ضعيفة باللغة الإنجليزية- باستثناء المتعلمين بالطبع وهم قلة مقارنة بغير المتعلمين _، إذ إن القارئ فى السودان بصورة عامة لغته الرسمية سواء التى يتحدث بها أو يمارس بها حياته اليومية - بل ويفكر ويحلم بها -، هى اللغة العربية..

 وأبرز ما اعتمدت عليه البنى الحكائية، فى السرد الجنوبى كتيمات أساسية : الهوية، قضية المرأة، الطقوس، الأساطير، الحكايا الشعبية وعلاقة الإنسان بالمكان، واتسم السرد الجنوبى بتوظيفه للتقنيات الحديثة أسوة بالسرد فى الشمال، كالأسلبة الاجتماعية وانعكاس المرايا لبث التاريخ الذاتى، إلى آخره من تقنيات مثل الفلاش باك والفلاش  فور وول كما وسم العديد منها الأسلوب الأرسطى الموباسانى كما عند جوناثان ميان وألينو رول دينق -    (8)، ونجد أن السرد فى الجنوب والشمال يسير فى خطين يتقاطعان عند نقطة واحدة تمثل مشتركا إنسانيا كونيا فى جوهره : سؤال العلاقة بين الذات والآخر!.. ومن أبرز الكتاب الجنوبيين: :

 تعبان لينفق «الكلمة الأخيرة» 1968، و«مات زنجى آخر» 1968 

 جاكوب جل أكول: «عودة العاصفة» مجلة الخرطوم 1995 

 أغنيس لوكودو: «الربيبة» مجلة سوداناو 1995

 ألينورول دينق: «نهاية القحط» صحيفة الصحافة 1978، «حفيد كاهن المطر» مجلة الإذاعة والتليفزيون 1976، «الشجرة العرجاء» سوداناو 1976

 فرانسيس فيليب: «من أجل محبةاياي» 1976 

أيتم آياك: «حياتان» 1976

 فرانسيس دينق: «بذرة الخلاص وطائر الشؤم» 1994، وقد صدرت الروايتان فى مركز الدراسات السودانية القاهرة. 

ويُلاحظ عند تناولنا لفرانسيس دينق، أنه منذ أخذت الرواية فى السودان توظف التاريخ فى إطار تحليلها للظاهرة الاجتماعية التى تشكل المحتوى السردى بأحداثه ودلالاته.. أصبح التاريخ بُعداً أساسياً فى الفضاءات التى تحيل الرواية إلى ملابساتها وبهذا المعنى كونت ملابسات التاريخ فى موسم الهجرة للطيب صالح (شخصية مصطفى السعيد) كشخصية منبتة، ووسمت هذه الملابسات مستر سعيد بآثار عميقة كما لم يكن التاريخ بعيداً عن الغرباء الذين حفلت بهم رواية أحمد حمد المك «عصافير آخر أيام الخريف» المحتشدة بحكايا الذاكرة الشعبية، الناهضة فى الشفاهى والأسطورى والفانتازى، وهى تبحث بين كل هذه العلاقات التى تربط الغرباء وتحكم علاقاتهم فى الجغرافيا....

 وفى بذرة الخلاص لفرانسيس دينق نجد الالتباس بين مستوى الحكاية ومستوى القول، يربك المتلقى فى تحديد الجنس الذى تنتمى إليه هذه الرواية التى تعالج التاريخ. إذ يتداخل ما هو حكاية / تاريخ / سياسى. مع ما هو روائى بالمعنى الروائى!(9)..

 هناك أيضا القاصة استيلاقاتيانو، التى يأتى تميزها من كونها الصوت النسوى الذى يكتب باللغة العربية_ الى جانب ارثر غابريال وآخرين  _، بين الأصوات الجنوبية، وهنا يدخل مفهوم شمال / جنوب فى مأزق لدى التعامل مع استيلا قاتيانو وارثر غابريال ، فالكتابة إنسانية وكونية، لا تنهض فى الانتماء الاثنى، ولكن تأخذ حيويتها وخصوبتها من هذا الاثنى الذى تنهض فيه ثقافة مغايرة لثقافة الشمال..

 إذن فاستيلا وارثر واغنيس  بقدر ما ينتمون للجنوب اثنيا، كذلك هم  من الشمال، الذى منحهم  ذاكرة أخرى، ووجدانا ثقافيا آخر، إلى جانب ذاكراتهم ووجدانهم الذى شكله الجنوب. فاللغة العربية التى تكتب بها استيلا واخرين غيرها ، ليست أداة تواصل وتفكير فحسب، بل هى الأسلوب الذى تحلم به وتحيا به وتمارس به الحياة اليومية أيضاً.. وهو ما يسهم أيضا فى معالجة مشكل الهوية, بالإجابات اللازمة عن طريق هذه اللغة باتجاه تصحيح علاقة الذات بالآخر (الشمال/ الجنوب) وصولاً لكونهما ذات واحدة تشظت إلى ذات وآخر بتأثير عوامل متباينة...   

المرأة والسرد:

باكتمال حلقات الوعى الاجتماعى والوطنى فى الأربعينيات والخمسينيات. ارتفع الصوت النسائى من خلال كتابات الأديبة: فاطمة عبد الرحمن فى مجلة الفجر، فى ظل مناخ صراعى حاد. بين قوى التقدم, التى تناصر قضايا المرأة, وقوى التخلف المناهضة لحقوق المرأة، وبرزت القاصة: آمال عباس العجب، فى مجلة صوت المرأة، وآمنة أحمد يونس، واستمرت المرأة القاصة فى السودان, تعبر عن همومها وقضاياها, فيما تبدع من سرد قصصى وتطور من أسئلتها، ليفضى السؤال فى رحلة الإجابة، إلى أسئلة أخرى، شائكة ومعقدة، قد تفضى لأسئلة الوجود الكبرى : الموت، الحياة، وعلاقة الإنسان بالوجود، كما عند زينب عبد السلام المحبوب وسلمى أحمد البشير، وزينب بليل التى نشرت أعمالها فى مجلة المنار 1957م...

وقد اتسمت الكتابة النسوية فى هذه الفترة «الخمسينيات» بالتقليدية. فالبناء السردى محكم وفقا للمنظور الأرسطوطاليسى، ولكن اللغة تقريرية يغلب عليها الوصف وتحاول عكس الواقع والوقائع كما هى مكرسة لخدمة أغراض أيديولوجية وتربوية...

ومنذ السبعينيات أصبحت الكتابة النسوية فى السودان, ذات سمت يميزها، ككتابة مهمومة بالدرجة الأولى, بالخطاب التحرري الحداثى، انطلاقا من مفهوم: أن المرأة تعيش نفيا وجوديا، وبرزت هنا سلمى الشيخ سلامة، وسعاد عبد التام، وآمال حسين، وفاطمة السنوسى.. وهكذا أشرع الطريق. بعد أن أرسى قواعده الرائدات منذ ملكة الدار محمد عبد الله، وزينب بليل، مروراً بسلمى الشيخ سلامة وصولا إلى منال حمد النيل، واستيلاقاتيانو، وأميمة عبد الله...

 ويُلاحظ هنا أن الكتابة النسوية منذ السبعينيات حتى الآن، استفادت من تقنيات الكتابة القصصية الحديثة، كما برزت اللغة القصصية فى النصوص، كلغة تقترب كثيرا من تخوم الشعر. حيث تجد المفردة ملأى بالإيحاء, ومكثفة ومتعددة الدلالات، كما برزت تلك الوشائج الحميمة, التى تنطلق منها المرأة الكاتبة, فى تأسيس إبداعها. انطلاقا من تجاربها الذاتية. ومن وعيها باختلافها. واستقلاليتها, وتصديها لآليات القهر المختلفة، التى تريد إحكام السيطرة على جسدها وعقلها "ومنذ هذه الفترة يمكن الحديث عن كتابة مختلفة للمرأة فى السودان عن كتابة الرجل، وكذلك يمكن الحديث عن أن لكل قاصة صوتها الخاص(10)"..

خاتمة:

ظلت بنية السرد فى القصة القصيرة، والرواية فى السودان، منذ استقر هذان الجنسان, بين أجناس الكتابة فى السودان.. ظلا يكشفان عن المفارقة التاريخية للذات المتشظية إلى آخر, وهى تتحسس مركزية القمع الذى يطال كينونتها.. حيث لا تملك إزاءه سوى انكسارها  الروحى والاجتماعى وجرح هويتها  المشكوك فيها، وأسئلة المهام التاريخية للتحرر الوطنى التى ظلت حبيسة الأضابير ولم تنجز..

وقد تجلت هذه المفارقة, بدرجات متفاوتة. على مستوى القصة أو الرواية, منذ الميلاد في مجلتى الفجر والنهضة. فى ثلاثينيات القرن الماضى، مروراً بمجلة القصة التى أسسها: عثمان على نور, أبو القصة القصيرة فى السودان.. 

وأخذت الأسئلة الحارقة, تتطور وتنضج إثر كل جيل.. تبلغ ذروة نضوجها، فيما اعترى البنى الاجتماعية فى السودان. من تمزقات وتشظ باعتلاء النظام الكولونيالى الإسلاموعربى منذ 1989 لدست الحكم ووقوع البلاد في حقبة من حقب الانحطاط التي لم يسبق لها مثيل ....

وبين كل هذا الركام من التمزق والتشظى نهض السرد الجنوبى, وسرد المرأة. كعلامتين بارزتين فى هاجس الكتابة. وهى تسعى لتأكيد ذاتها، من موقع الحوار بين الذات والآخر..

وإذا كانت فترة السبعينيات, هى فترة سيادة الشعر بلا منازع، فإن فترة التسعينيات من القرن الماضى, وأوائل القرن الجديد. هى فترة سيادة الرواية كجنس ينهض فى تحليل التاريخ وإعادة إنتاجه، فى سبيل خلق واقع أفضل, من واقع افتراضى متخيل.. هذه الرحلة الطويلة منذ ثلاثينيات القرن الماضى حتى الآن (بالنسبة للقصة القصيرة والرواية)، لهى رحلة شاقة. استلهمت فيها الكتابة من التراث تيمتها. ومن الواقع خصبه. ومن الأشكال الحداثية الغربية تقنياتها, المبدعة.. وتحاورت النصوص فى السودان مع النصوص الأخرى فى مصر, والعالم العربى مشرقه  و مغربه ؛ وأفريقيا، وأمريكا، وأمريكا اللاتينية وأوروبا.. تحاورت حواراً بناءً. أنتج تجربة ناضجة فى خاتمة المطاف:  شكلا ومضمونا، عبرت عن خصوصية السودان كمفترق طرق، تلتقى وتتقاطع عنده حضارات أفريقيا العريقة, وحضارة العرب. وثقافة الغرب الكولونيالى....

الهوامش:

(1) محمد  جمال باروت والدكتور عبد الرازق عيد : الرواية والتاريخ، طبعة أولى 1991م دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية ص5 

 نفسه ص93  2) )

(3) مجلة  الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، فبراير مارس 2004 ص93

 (4) ثقافات  سودانية، إصدارة المركز السودانى للثقافة والإعلام القاهرة، العدد الخامس 1999م ص76 

(5) نماذج  من القصة القصيرة النسائية فى السودان، المركز السودانى، طبعة أولى 2002 ص21 

(6) دراسات  لأحمد ضحية حول محمود مدنى

نشرت بصحيفة الصحافى الدولى 2002، وأعيد نشرها فى مجلة كتابات سودانية (جابر الطوربيد + الدم فى نخاع الوردة) 2003م.. أهمية هاتين الروايتين تأتى من كون مسكوت الحديث الروائى يأخذ مشروعيته من استمرار شروط هموم ومشروع التحديث وبناء الدولة الوطنية الحديثة والقوانين التى لا تزال تسوق المجتمع إلى الخلف : الضرورات التى أنتجت قوى التحديث.. فهما روايتا وقت راهن، مثلما عبرتا عن مناخ حركات التحرر فى العالم الثالث إبان الأربعينيات والستينيات...

(7) محمد جمال باروت : عبد الرازق عيد، الرواية والتاريخ : ط1/ 1991م دار الحوار اللاذقية، ص11 

(8) كتابة الجنوب وجنوب الكتابة، المركز السودانى للثقافة والإعلام، القاهرة ط1/2002 ص18  

(9) احمد ضحية : دراسات السابق

كتابات سودانية ، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، مارس 2003 ص102  (10 )

 

 

الفصل الثاني: عثمان علي نور: رائد القصة القصيرة في السودان

 

الخطأ ينبع من اعتقادنا, أنه لا يجب أن نلتزم, الا من أجل قضايا نموذجية . عادلة .

فيلسوف الغيرية: بول ريكور 

مقدمة:

منذ تاسيسه ، ظل نادي القصة السوداني, مهموماً بتكريم كبار الكتاب السودانيين, الذين أسهموا في تشكيل, الكتابة الإبداعية في السودان. بأجناسها المختلفة.. .

وفي هذا الإطار قام النادي بتكريم الأستاذ /إبراهيم إسحق ، بإعلانه عن مسابقة حملت إسم هذا الروائي الفذ في العام ( 2001 م – 2002 م ) وأعلن في حفل توزيع جوائز هذه المسابقة باليونسكو / الخرطوم عن مسابقة أخرى حملت إسم الروائية ( ملكة الدار محمد عبد الله ) في محاولة منه لإرساء ( أدب ) التكريم للأسماء التي شكلت بإسهاماتها وإضافاتها, كتاباتنا الإبدعية الحديثة في السودان .. وتجيء هذه الورقة إتصالاً لما سبق من مجهودات في هذا الإطار. وإسهاماً في إحتفالات مركز الدراسات السودانية بالأستاذ / عثمان علي نور ( أب القصة القصيرة في السودان ) في سبيل تكريمه على ما قدم  من إسهامات فعالة ومؤثرة  ،في جنس القصة القصيرة..

هذه الورقة هي محاولة عابرة, للكشف عن شيء من مسيرة الرجل المبدع الإنسان الرمز : عثمان علي نور . فالمرحلة التي كتب فيها الأستاذ عثمان علي نور أبرز مجموعاته, تمتد من الأربعينيات حتى الستينيات ، وهي مرحلة بعيدة.. لكنها خصبة: بثوراتها التي لا تزال تلقي بظلالها

على الراهن.. وبتحولاتها التي لم تكتمل حتى الآن.. وبتشظياتها وتمزقاتها, التي تسم واقعنا الممتد من غور ماضٍ / راهن في راهن / ماضٍ نزامنه الان!!..

ربما ذاك هو ما جعل قصة عثمان علي نور يتداخل فيها الرومانسي بعزلته الشاعرية, مع الواقعي بتعقيداته الإجتماعية ... ففي تلك المرحلة كانت الكتابة الإبداعية في السودان.. تمشي بإتجاه النضج في ظروف غليان ثوري ، ومهام لم تنجز ، وتصورات منطقية, يحول دون تطبيقها شوك القتاد ! ... ومن هنا تعثرت خطى النضج إسوة بكل شيء آخر ، فاليومي الإجتماعي, يتداخل مع الوطني العام ، وخلال هذا الركام, والسقط من الأفكار تنهض القصة القصيرة, مشبّعة بمجتمع يتكون في التشظي والتمزق.. تستلهمه وتعبر عنه رؤيا لواقع ما -  والقصة القصيرة بوقوفها بعيدة عن قلب المجتمع تمضي للقفز والتواثب على الطريق الطرفية وغير المركزية ، وتسجل في صورة آنية الأصداء المتلاشية من نشاطه الذي لا ينقطع ، وتكشف عن رؤية هذا القلب الإجتماعي ، إنها تخمنه فقط ، والقاريء هو الذي عليه أن يعيد تكوينه ، ومن هنا النزعة الرمزية, الإلزامية لدى كل أقصوصة وتعبيراتها الموجزة ، وحالات صمتها وتلميحاتها الآيديولوجية ( 1 ) -  فهي  تطمح لتشكيل وعي ما ، لإنجاز تصور ما..  والوعي الذي هيمن على جيل عثمان علي نور, يتعلق بهموم التحديث والبناء وشروط الانتقال الى المدينية  ، اللذين أساسهما التنوير .

 وتجلت هذه الهموم في إتجاهات مختلفة ، وسمت قصة كاتبنا في التوتر والقلق, بين الرومانسية والواقعية والوجودية ، كإتجاهات بارزة شكلت ملامح القصة القصيرة في السودان ، وهي تمضي في مسيرتها السيزيفية الطويلة, حتى الآن ! ... إلى جانب التأثير الواقعي الإشتراكي النافذ الذي عبر – عنه – عن مناخ التحولات والثورة والتحرر والتمرد والمقاومة للمستعمر, والنظم الإستبدادية والطائفية التي تلت الإستعمار ، ومع ذلك -  لكأن هذه الأيديولوجيات التقدمية ( ..... ) قد أخفقت في توجيه الوعي الإجتماعي .... إذ لم ترث مشروع ( المنوّر ) الغربي بقدر ما إنقلبت عليه ( 2 ) -  ، إذ لا زالت الخطى في أجناس الكتابة المختلفة متعثرة ، ولا زالت مهام ما بعد الإستقلال لم تنجز ، ولا تزال الكتابة غير قادرة على الإسهام في تحولات إجتماعية أساسها الحداثة والتنوير ، فمساحات الشفاهي * لم تتقلص بالقدر الكافي ، والإنقطاعات القسرية وغير القسرية, في حلقات التواصل بين الأجيال تعمل بفعالية ، سواء نتاج لعوامل ترتبط بالسلطة والعسف ، أو لنزعات إدعائية وإستعلائية  من بعض " الكتبة النقدة  - الديناصورات " الذين نصبوا انفسهم بليل  كالانقلابيين , اوصياء على الثقافة والابداع وحراسا لقصعة فارغة , حري ّ بهم الاسهام مع الآخرين بملؤها . وهنا يحضرني حوار ابراهيم اسحق الذي اشرت اليه فيما سبق ! .. ومع ذلك يظل مشروع القصة القصيرة في السودان مفتوحاً على مشهد غني ينتظر الإلهام والإستلهام لبعث وإغناء وتكريس قيم الحرية والحق والجمال.....

عثمان علي نور.. التجربة والزمن:

ولد عثمان علي نور في العام 1923 م بأم درمان ، وأصدر أوّل مجلة للقصة في العام 1960م ، إستمرت لعامين فقط ، توقفت بعدها عن الصدور . لم يكن عثمان علي نور مهموماً بالنشر لنفسه ، بقدرما كان مهموماً بجنس القصة القصيرة ومستقبلها في السودان ، وإتاحة أكبر قدر ممكن من فرص النشر للممبدعين الآخرين في جنس القصة القصيرة . يقول عنه د / مختار عجوبة : (إذا كان ( موبسان ) يعد أباً للقصة القصيرة الفرنسية ، و( جوجول ) أباً للقصة القصيرة الروسية ، و ( محمود تيمور ) أباً للقصة القصيرة المصرية أو العربية ، فإن ( عثمان علي نور ) يعتبر وبحق اباً للقصة القصيرة السودانية ، لا في مجال الإبداع الفني ، ولكن في مجال النشاط العملي ، أما بإصدار مجموعات من قصصه, وأما بإتاحة الفرصة لغيره. ليجدو مجالاً لنشر أعمالهم (3)..

ومن المجوعات القصصية لعثمان علي نور : ( غادة القرية ) ، ( البيت المسكون ) ، ( الوجه الآخر للمدينة ) أصدرها في الفترة من 1953 م – 1961 م . ويقول بروفيسور علي المك :( أن لعثمان علي نور الفضل في كتابة القصة القصيرة في السودان, بصورة جادة وتفرغ تامين ، إذ لم يجرب قلمه فناً آخر من فنون الأدب. وهو أوّل من نشر مجموعة قصصية قصيرة هي ( غادة القرية ) ( 4 )  ويضع د/ مختار عجوبة عثمان علي نور بين رواد الرومانسية والذين تغلب الإتجاه الواقعي على كتاباتهم منذ أوائل الخمسينات ( وكتاب الرومانسية في هذه المرحلة كانوا أقرب إلى وجدان الشعب ، وكانوا أساساً من الطبقات الشعبية ( ..... ) لذلك جاء وصفهم للحب للتنفير منه, وأوصافهم لا تنبع من واقع البيئة السودانية ، وهذا جانب من الشكل الذي تأثروا به وأخذوه عن القصة في المرحلة السابقة ، أو أخذوه عن طريق ( دار الخيالة ) وما كانت تعرضه من أفلام ( .... ) وما كانوا يقرأونه من كتب(5)"..

عثمان  علي نور بين الرومانسية والواقعية:

أسهم الأستاذ عثمان علي نور بصورة كبيرة في تشكيل الإتجاه الرومانسي للقصة القصيرة في السودان ، ولم يكن الرومانسيين السودانيين كرصفائهم العرب ، ميالين للعزلة ومناجاة الطبيعة ، هرباً من واقع عجزوا عن تغييره ، فبقدرما عبرت القصة القصيرة حينها عن الرومانسية إلا أنها حملت من الواقعية من أدوات تعبير فني ما حملت ، للتعبير عن الشعب وآماله وتطلعاته . تستلهمه وتعبر عنه ، فكان في ( إتجاهه الرومانسي يجهد نفسه في إحكام الحبكة القصصية, القائمة على التعمية والمفاجاءات. حتى يبدو الإفتعال ظاهراً في أعماله القصصية ،  وخاصة في مجموعتيه ( البيت المسكون ) و ( الحب الكبير ) وعندما تخلص من هذا الأسلوب, أصبحت قصصه مجرد حكايات سردية طويلة ، كما أنه يختار موضوعات طرقت من قبل, ولا يضيف إليها جديداً من ناحية المعالجة ( كما في ) القصص التي نشرها على صفحات مجلة القصة, التي كان يصدرها ويرأس تحريرها : ( الحقيبة ) ، ( حكاية ضائعة ) ، ( كسوة العيد ) ، ( النار المقدسة ) ، ( أخي أحمد ) ، ( الدنيا بخير ) ( 6 )  ويتسم أسلوبها بعاطفية فضفاضة ، كما أن الوعظ شكل سمة أساسية من سمات قصص الرومانسيين ، فلم تعبر قصصهم عن تجارب حب صادقة، بل أتت غامضة ومبهمة ، ويلاحظ ذلك على ( غادة القرية ) ، ويتساءل د / مختار عجوبة هنا بأنه لا يدري ( لماذا كان الكتاب في هذه الفترة يطالبون المومسات بالوفاء وعدم الخيانة ، وإذا خانت الواحدة منهن بطل القصة إنقلبوا عليها يلومونها ( ..... ) ومن هنا يعممون أحكامهم على المرأة بصورة عامة, سواء كانت   شريفة  أم مومساً ، ليس هناك سوى تعليل واحد هو أن حرمان هؤلاء الكتاب من أي علاقة بالمرأة, خارج هذا النطاق. هو الذي جعلهم يرفعون من مستوى المومسات الأخلاقي ( 7 ) ..

 فالمدن السودانية كانت إلى وقت قريب ( مجتمعات مغلقة ولا سبيل للإختلاط فيها بين الجنسين, إلا في دور البغاء.

 والقاريء العالم بقصص عثمان علي نور, يتفق معي أن عثمان علي نور إكتشف منذ وقت مبكر. تقنية متقدمة على زمنه ( في السودان ) : القطع المشهدي ، وتوظيف المفارقة ، وهذه الإستنتاجات لدكتور عجوبة ، شيدت أساساً على مماثلة القصة للواقع ، بينما القصة تعبر عن واقع إفتراضي ينهض في الخيال, بالتالي ليس ثمة جدوى من مقارنتها بالواقع لإكتشاف مدى مطابقتها له- فعثمان على نور هنا لا يساءل الا على مدى الصدق الفني في قصصه وفقا للقدر الذي تتركه في القاريء من أثر  - ، لأنه لا يتعين عليها بالضرورة مطابقة الواقع ( إن قيمة النص الأدبي تقوم في علاقة هذا النص بمراجعه التي يحيل عليها . وهذه العلاقة بين النص وما يحيل عليه تنهض عند القاريء, على مستوى المتخيل ، أو الذاكرة ، ويظهر معادلها الجمالي بواسطة قاريء يقيم علاقة / علاقات بين النص وما يحيل عليه ( العالم ، الحياة في وسعها وتعقدها ) ، على أن العلاقة التي يقيمها القاريء ليست هي تماماً ، أو بالضرورة ، العلاقة نفسها التي  تبني النص من قبل الكاتب , بهذا يبدو النص الأدبي نصّاً متغيّر الدلالات وفق علاقة النص بموقع القراءة / القراءات(8)..

ومن الجانب الآخر للمجتمع في السودان فهو لا يزال شفاهياً * وعلى مستوى الغناء لا تزال الحقيبة ( الكهف السري ) تشد وجدان المغنّي إلى زمن سحيق , لا علاقة لها بتوظيف التراث  ، في حركة عكس إتجاه الزمن, وبالتغاضي عن الإشارات السابقة يمضي د / عجوبة في تحليل قصص عثمان علي نور . إنه يقسو على البغي ولا يتنبأ لها بالخلاص ولا يذكر لنا أسباب سقوطها ، وكأن المرأة فطرت على الخيانة ، أو أنها تمارس الخيانة, بدافع غريزي فقط والرجل ضحيتها دائماً ، وفي قصته ( المخدوع ) : ( تزوج ( خ ) أفندي مومس كان يتردد عليها هو وصديقه ( ف . ع ) وبعد الزواج وثق فيها تماما,ً وأخلص لها ولكنه في يوم من الأيام تقع في يده مجلة قصصية. ويقرأ فيها قصة عن رجل خدع في مومس وتزوجها. وتظاهرت له بالوفاء. ولكنها في الحقيقة لم تف. فيعقد بطل القصة مقارنة بين الموقفين. ويراوده الشك في زوجته. وعندما يعود إلى المنزل. ولا يجدها. يقرر البحث عنها فيذهب إلى منزل صديقه, فإذا به يجدها بين أحضانه فيطلقها ..  ويمضي عجوبة في الحديث عن هذه القصة ( شأنها شأن قصص عثمان علي نور سردية بالرغم من أن تعدد الأحداث وكثرة المفاجاءات تلعب دوراً أساسياً إلا أن الكاتب يحاول أن ينهيها نهاية سليمة فيختار الزواج حلا  للموقف أو الطلاق حلاً له ، ولا يلجأ أبطاله للقتل ولكن هناك قصص تتسم بالعنف والنهاية الميلودراماتيكية ، فدموية الأحداث تشكل عاملاًهاماً في بناء القصة(9).. وما يلفت الانتباه هنا عبارة :( نهاية سليمة ) اذ ليس هناك معيار لقياس نهايات النصوص , من حيث مدى سلامة هذه النهاية او تلك , التي تبناها الكاتب ؟!..

ولا يؤخذ على عثمان علي نور أن قصصه سردية ، فالذي يميز جنس القصة أنها عبارة عن بنية سردية ، كما أن إستخدام أدوات التعبير الفني وتوظيفها نصياً رهين بعوامل عدة منها ما يتعلق بالقاص نفسه والشروط التي أنتجته وعاش فيها ، ومنها ما هو ذو صلة مباشرة بمدى التبيئة التي حدثت للقصة القصيرة وهي ( بشكلها الحديث  فن غربي وافد ) ، في هذا المناخ - السودان – بالتالي مدى إبداع القاص في توظيف هذه الأدوات التعبيرية . أيضاً يركز د / عجوبة على أن الموضوع الذي تم تناوله في قصص الإتجاه الرومانسي ، إشتركت فيه القصة الرومانسية شرقاً وغرباً وهو ( أن يحب الشاب فتاة حباً شريفاً ولكن تحول ظروفه المادية بينه وبين الزواج منها ، فتكون النتيجة إنتحار أحدهما أو هيامه بالطبيعة وجنونه وإبتعاده عن الناس ( ..... ) كما في ( غادة القرية ) (10) ) ، وبالطبع ليس في ذلك غضاضة ، فالمخزون الإنساني  مشترك و ينهل منه الجميع ، فقط يختلفون في التعبير عنه عبر أدوات التعبير الفني وهم يوظفونه من واقع لآخر عبر التاريخ

ومع ذلك,

يظل عثمان علي نور دون شك ، أحد رواد القصة الرومانسية والواقعية ، وأباً للقصة القصيرة السودانية بلا منازع..

العالم القصصي لعثمان علي نور بعد اسبوع - نموذجا :

توطئة

ما جعلني أختار هذه القصة ( بعد أسبوع ) هو أنها من القصص التي إختارها القاص الراحل بروفيسور علي المك_  وذلك لتميزها على العديد من قصص عثمان علي نور _، ونشرها في مختاراته ، يقول علي المك ( بدأت القصة السودانية القصيرة في مجلتي النهضة والفجر ولم تكن لتماثل المقالة أو الشعر, وفي الخمسينيات جعل شأن القصة يعلو حين خصصت جريدة الصراحة, عدداً أدبياً شهرياً فتحت فيه صدرها لكتاب القصة, وشجعتهم ، وتطورت تطوراً ملموساً في زمان وجيز . وإستطاع الطيب صالح بجموعة ( دومة ود حامد ) وروايتيه ( موسم الهجرة إلى الشمال ) و ( عرس الزين ) أن يخرج بالأدب السوداني إلى الآفاق العالمية . وغير عثمان علي نور والطيب صالح باقة منتقاة لكتاب القصة السودانية ، تظهر فيما تظهر ، أصالة محببة ، وتشير إلى مذاهب فنية شتى (11) ... وإذ أختار ( بعد أسبوع ) كنموذج يمثل العالم القصصي لعثمان علي نور ، أيضاً يمثل هذا الإختيار إطلالة على عالم جيل كامل يمثله ( أب القصة القصيرة في السودان)...

الحكاية في بعد اسبوع :

حكاية شاب ريفي ظل يحلم لوقت طويل بالزواج من واحدة من بنات الخرطوم ( آه بنات العاصمة ، الفساتين القصيرة ، الكعوب العالية ، الباروكات التي تجعلهن كالملكات ، الحديث الناعم ، الظرف ، الرقة، لقد وجد نفسه مفتوناً بكل هذا ، بل مجنوناًَ به (12) ، ووجد ضالته في زواج أحد زملائه فذهب إلى والدها وتمت الخطبة ، ولم يمر سوى إسبوع على هذه الخطبة ، حتى ساقته ( الصدفة المحضة ) إلى حديقة الريفيرا ، ليفاجأ بصوت خطيبته يتناهى إليه من أحد الموائد مع أحد الشبان ( كان يتجول بين الموائد عندما سمع صوتها .. صوتها الذي يعرفه جيداً ومع ذلك كذب أذنيه ، تسمر في مكانه .... (13) .... فثار وصفعها وإنتزع خاتم الخطبة وأرغى وأزبد وهو ينطلق كالمجنون لمقابلة والدها ( جيت أفسخ الخطبة .... لقيت بتك في الريفيرا مع راجل غريب (14) .......

 وتتكون  هذه الحكاية من ثلاث مستويات من التأليف:

المستوى الأوّل:

إستباقي يبدأ من ذروة الأحداث ( كان يبدو كالمجنون ... بل أن سائق التاكسي ظنه مجنوناً فعلاً عندما رآه يخرج من باب حديقة الريفيرا وهو يأتي بحركات هستيرية ( .......) بعد أسبوع .... بعد أسبوع واحد يا مجرمة (15)..

المستوى الثاني:

أسترجاعي Flashback، يستعيد فيه بطل القصة الأحداث التي مرت به قبل قليل ، قبل أن يركب هذا التاكسي الذي إنطلق به لمقابلة والد الفتاة . فمن خلال قطع مشهدي يبدأ المستوى الثاني في التأليف في حديقة الريفيرا ( حول مائدة عليها زجاجات الليمونادة وأكواب الشاي كانت تجلس فتاة فاتنة وهي تتبادل نظرات الذهول مع شاب يجلس معها حول المائدة، كان كل منهما لا يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول وأخيراً كان الشاب هو الباديء بالحديث وسألها : أهذا هو ؟! ...(16) ثم يبدأ..

 المستوى الثالث والأخير:

 وهو يمثل اللحظة الحاضرة وبطل القصة في التاكسي بطريقه إلى بيت خطيبته ، ليتخلل هذا المستوى ( الحاضر ) إسترجاع لحياة بطل القصة ( هو من أبناء الشمالية ، أتم دراسته الثانوية بمدرسة دنقلا ، وكانت شهادته تؤهله لدخول الجامعة ، ولكنه لم يكن راغباً في الدراسة ، كان يستعجل الوظيفة ( ...... ) وعاش حياة مستقيمة ( ........ ) كان حلم والدته أن تراه عريساً ، وما من مرة ذهب فيها للبلد إلا وحدثته في أمر الزواج (....... ) تذكر كان يراوغها ( ...... ) وفاجأه صوت السائق وهو يقول له إنهما قد وصلا ميدان الحارة الرابعة (17) ويستمر هذا المستوى الإسترجاعي حتى يصل إلى أحلامه وخطبته من الفتاة التي رآها قبل قليل مع شاب في الريفيراوإخباره لوالدها بذلك ( وأحس الرجل بالضربة تقع على رأسه وتقصم ظهره ، أراد أن يقول شيئاً ولكنه لم يجد صوته أما الشاب فقد إنتزع من إصبعه الخاتم الثاني ، ووضع الخاتمين فوق السرير، وأسرع يغادر المنزل ، وجاءت أم الفتاة ، فوجدت الأب يضع يديه على رأسه ، ويرددلا حول ولا قوة إلا بالله ( ..... ) إنفجر الأب غاضباً : الله ينعل أبو الشغل ، وأبو اليوم الدخلت فيه الشغل ...... أنا لو ما الحاجة بخليها تمشي المكاتب(18)..

تأويل الحكاية:

تبدأ الحكاية بمشهد الشاب وهو في حالة متفجرة توحي بالجنون ، ما يحيل لأسباب تكافئ هذا الجنون( تصوره أن ما حدث من خطيبته خيانة لا تغتفر ! ) ، ويكشف ذلك عن قوانين بنى إجتماعية ضاغطة بمعاييرها الأخلاقية ، تجسيداً في هذا الشاب المغرم بفتيات الخرطوم بفساتينهن القصيرة وكعوبهن العالية وحديثهن الناعم ، ما يوحي بإشارات حسية مع أساس رغبته في زوجة خرطومية ( كاسية/ عارية ... مسفرة ) ليست ك ( مقنعات الريف ) الذي أتى منه ، والتناقض هنا في هذا الوعي ، بما يرفضه من إختلاط فتاته مع شخص آخر ليس ( هو ) ... هذا الوعي بمجمله يكشف عن مدى ( التناسلي / الحسي ) المتجذر في القوانيين التي تحكم علاقة الذكر بالأنثى ، إذ تتبدى العلاقة عن محض وظيفية ، تنأى عن شرط الحب والتشارك ... ويؤكد وعي الشاب جزع والد الفتاة ( بتك فضحتنا فضيحة ) معرباً عن غضبه على الظروف التي سمحت للمرأة بالخروج إلى العمل والإختلاط.. ..

إن جوهر هذه الحكاية يتمثل في قضايا الحريات الشخصية ، والإختيار في مجتمع ذكوري متخلف ، بما تتمثل به هذه القضايا في ( أن تتزوج الفتاة ممن تحب ) ، ( وأن لا يتم النظر إلى خروجها إلى العمل كوصمة عار أو عورة ) إلى جانب الإنفصام الذي يعاني منه الرجل ، إذ يمنح نفسه حق الإختلاط بأخريات ويرفض منح هذا الحق لحبيبته أو شقيقاته ، إلخ.. ....

الراوي:

تحدد ( يُمنى العيد ) نمطين للراوي في القص العربي .. النمط الأوّل :

 ويتميّز بهيمنة موقع الراوي البطل الذي يحكم منطق بنية القص : إن أصوات الشخصيات ، على تنوّعها وإختلافها ، ورغم الحوار والصراع تبقى في هذا النمط محكومة بموقع هذا الراوي البطل , القابع خلف شخصية أو خلف قضية .. بالموقع المهيمن ينمو فعل القص وبه يصل السياق إلى غايته . الراوي هنا منحاز إلى بطله : الشخص أو الرمز (......) تتسم بنية هذا النمط بطابع التماسك والإنسجام تترابط وعلى مستوى الحكاية في النص ، حلقات القص (19)..

 والراوي هنا في ( بعد أسبوع ) ينطلق من موقع قيمي منحاز ، يحدد هويته (آيدولوجيته تجاه قضايا المرأة ) وينهض هذا الموقع الإنحيازي بصورة واضحة في ( عاش حياة مستقيمة، لا يدخن ، لا يسكر ، ولا يعرف النساء ، وكان والده ميسور الحال ( ....... ) بنات العاصمة وبرغم إفتتانه بهن كان يخشاهن ويحذرهن ، إلى أن وقع الفاس في الرأس ( .......) كان مقدراً لحلمه أن ينتهي هذه النهاية المحزنة المؤلمة( ..... ) ( الله ينعل أبو الشغل وأبو اليوم الدخلت فيو الشغل أنا لو ما الحاجة بخليها تمرق وتمشي المكاتب ( 20 ) ) هذا الراوي المختبئ خلف الضمير الغائب ،ومكتفياً بسرد الوقائع التي تجري ، عبر تقنيات الإسترجاع والإستباق والحاضر مكثفاً الزمن ( زمن النص ) في فترة قصيرة بين لحظة هرولة بطل القصة  لركوب التاكسي, وتوقف التاكسي أمام بيت خطيبته. ففي هذه الفترة الزمنية القصيرة. تجري كل أحداث النص ، في مواقع ( أماكن ) مختلفة. في فترات مختلفة بين: الماضي والحاضر المستمر . لينهض الراوي في هذه الأحداث منحازاً للجهاز القيمي ، بتمظهراته في بطل القصة ووالد خطيبته وزوجته ( لقد عرف قصنا المعاصر أدباء بارزين إستطاعوا في أعمالهم أن يبدعوا شخصيات قادرة على الرؤية والنطق ، وعلى أن تبدو متحررة من هيمنة الراوي البطل ، ومن تسلطه ، ومن مصادرته لنطق الشخصيات الأخرى . لم يعد البطل هو فقط هذا الذي ينبني العمل في سبيل نصرته ، بل تنوع في مأساويته ووقف أحياناً يصغي لأصوات الشخصيات الأخرى وهي تصارع ضد موقعه المهيمن (21)..

خاتمة:

منذ وقت مبكر إكتشف أب القصة القصيرة السودانية عثمان علي نور ضرورة البدء من حيث إنتهى الآخرون ، إذ نستشف من هذه القصة ( بعد أسبوع ) إعتنائه الفائق بالتقنيات الحديثة للقص ( القطع المشهدي ) والتوظيف الجاد للوحدات النصية وأدوات التعبير الفنّي ، وإختزال المكان وتكثيف الزمن   للإفساح لبنية الحكاية كي تصعد من أحداثها ، وتشكل من تماهيها في إحداثيات النص بناءاً كلياً ومتماسكاً ، لخدمة إستراتيجية محددة تتمثل في فترة حرجة من مسيرة التحولات الإجتماعية في السودان ( خروج المرأة للعمل ) وما تبع ذلك من تشظي في مفاهيم ظلت راسخة لآماد سحيقة ، وتغييرات في الحياة السودانية ... ينهض هذا النص إذن شاهداً / معاصراً على قضايا لا تزال ماثلة : ( جوهرها ) الحريات والحقوق ، لبنتي مشروع التحديث الذي تبنّاه الروّاد .

المصادر:

(1) مجلة الرافد / دائرة الثقافة والإعلام الشارقة / العدد 48/ أغسطس 2001 م صفحة 73

(2) مجلة الحياة الثقافية /وزارة الثقافة التونسية /العدد 12/فيفري 2001م صفحة 141

(3) مختار عجوبة / القصة الحديثة في السودان/ مركز الدراسات السودانية /ط2/2000م / ص: 138

(4) علي المك / مختارت من الأدب السوداني / دار الخرطوم للطباعة والنشر / ط 3 / 1997 م / ص: 15

(5) مختار عجوبة / القصة الحديثة في السودان / مركز الدراسات السودانية /ط 2 / ص : 51

(6) السابق / ص :138

(7) السابق / ص : 53

(8) يمنى العيد / الراوي : الموقع والشكل / مؤسسة الأبحاث العربية / ط 1 / 1986 / ص : 15

(9) مختار عجوبة / مصدر سابق / ص :55

(10) السابق / ص : 56/57

(11) علي المك / مختارات من الأدب السوداني / ص: 15

(12) السابق / ص : 197

(13) السابق / ص : 198

(14) السابق / ص : 199

(15) السابق / ص : 196

(16) السابق / ص : 198

(17) السابق / ص : 199

(18) السابق / ص : 199

(19) يمنى العيد / الراوي : المو قع والشكل / ط 1 / 1986 / مؤسسة الأبحاث العربية / بيروت / ص : 83

(20) علي المك / مصدر سابق / ص : 196 – 199

(21) يمنى العيد / مصدر سابق / 82

 

 

الفصل الثالث:قراءات في العالم القصصي ل:

(1) عيسى الحلو .(2) علي المك.(3) محمد ابراهيم الشوش.(4) زهاء الطاهر .(5) عادل القصاص.

 

رؤية بالغة العذوبة, لأشواق الانسان البسيطة , التي يمكن ان  يدمرها سؤ الفهم. وما يتصل بالمصائر البشرية , من بهتان ..تعليق جمال الغيطاني, بعد قراءته ل( نسر بجناح وحيد ) لهيفاء البيطار.

تخلص آدم من أحد  أضلعه, ليحصل على "قرين"  يشقيه..

 

(1) حول رمزية السياق  التعبيري في عالم عيسى الحلو القصصي ..

قصر المرايا - نموذجا:

اذ نتناول الاستاذ القاص عيسى الحلو في هذه القراءة, لسبر اغوار عالمه القصصي , في واحدة من التقنيات المعقدة التي يستخدمها: (رمزية المرايا ) -  اذا جاز لنا اعتبارها تقنية في الكتابة القصصية -  فانما ياتي ذلك ابتداء , كمحاولة لاضافة  قول جديد , الى ما قاله النقاد,  لدى وقوفهم عند تخوم عالم الحلو القصصي .

 فالحلو من دون القصاصين السودانيين الاخرين - باستثناء الطيب صالح , بالطبع - وجد اهتماما كبيرا, من قبل النقاد السودانيين - على قلتهم -  نظرا لتجربته الثرة في كتابة القصة الحداثية ..  فهو احد ابرز اقلام مرحلة التحولات الحداثية , والتي تلت مرحلة  الستينيات. والتي كان عيسى الحلو من ابرز كتابها " تم تدمير البنية التقليدية  بواسطة التقنيات الحديثة , التي استخدمها كتاب هذه المرحلة , مثل : المنلوج الداخلي والتقطيع واللغة الشعرية المكثفة, ذات الدلالات المفتوحة والفلاش باك , وتداخل الازمنة (1)".. وأكثر ما يستوقفنا لدى قراءة عيسى الحلو , ما تجابهنا به نصوصه من اسئلة , حول الكيفية التي يلتقي فيها: الحس والتجريب في بنية اللغة, واللغة القصصية , على وجه التحديد  و ( ما ) حدود المعنى وآفاقه الممكنة , في اشتغال لغة القصة ..

 الثابت بدء في الدراسات التداولية , ذات البعد التأويلي , أن المعنى ليس صورة للحسي المباشر , ولكن اللغة هي: التجريبي والرمزي في اللحظة ذاتها , وان تفاوت مستوى الحضور لاحدهما, في اللغات الاصطلاحية او الاصطناعية , فليست اللغة اظهارا للمحسوس, بواسطة التجريبي , وانما هي الظهور بذاتها وفي ذاتها , مما يهدم فكرة امكان احلال اللفظ محل الشيء (2) .. ومن هنا نجد الاهتمام الفائق للحلو بلغة القصة , واشتغاله المستمر بالتجريب فيها ,  حتى تتكشف عن  امكاناتها القصوى ما امكن , ولذلك نجده يلجأ  الى لغة الشعر كثيرا , باعتبارها غاية - لغة الشعر - في حد ذاتها . لكنه هنا يوظفها كغاية , و - ايضا - كحامل للفكرة التي يريد توصيلها عبر السردى ..

وذلك  لأن القصة عند الحلو انبثقت من قلب فضاء دينامي , يعج بالحركات والمدارس والمذاهب الفكرية والادبية , التى عاشها الحلو: على المستوى الذهني في تحصيله المعرفي . وتطبيقا: في انتاجه الابداعي القصصي .. من قلب هذا المناخ الذي يعج بالتحولات - فترة الستينيات - و تتحاور فيه تاثيرات  الوجودية و الواقعية والواقعية الاشتراكية والسحرية , نهضت الكتابة القصصية المتميزة للحلو , لتشكل نسيجا متفردا  في المشهد القصصي  في السودان  ..

ما تتميز به القصة القصيرة, كشكل ادبي ماكر وقلق  ومراوغ , هو ما تنطوي عليه بنيتها  الاساسية,  من اجتزاء شريحة متوهجة من الحياة , لتعيد صياغة ما بداخلها من بؤر دلالية وتأويلية, تجسد الواقع او توازيه . قد تكون في بعض الاحيان ملتحمة بهذا الواقع: بمراراته وتأزماته والمسكوت عنه فيه , بحيث تبدو بعض الاشكال منها غرائبية اللحظة, او لا معقولية الازمة , المتاحة داخل نسيج النص .. وبحيث غدت القصة القصيرة في ادبنا المعاصر , وكأنها وثيقة اجتماعية او سياسية ملتصقة بما يشتمل عليه وجودنا , من صراع وتمزق وحيرة وانهزام وتعدد في الرؤية (3) ..

ونلاحظ في الكتابة القصصية للحلو بعضا من السمات : كخصوصية استخدامه للغة والتقنية وتعدد الاصوات " البلوفونية" في النص القصصي - كما سنلاحظ لدى قراءتنا لقصر المرايا, التي ينساب فيها السرد  بضمير المتكلم  (للراوي) والمتكلم ايضا  للشخصيات الاخرى, الى جانب لمحة عابرة لضمير الغائب لا تكاد تبين  -  وهي حيلة تهدف الى تعدد زوايا النظر للموضوع الواحد , وهى عادة تستدعى عبر ضمائر الراوي جماليات السرد , من خلال تلاقي البنية التشكيلية مع الايقاع النغمي في شاعرية االلغة , كما هو الحال في " قصر المرايا" ..

الى جانب ملاحظاتنا هذه , لاحظ الناقد والقاص معاوية البلال, في دراسته عن الاستيهامي: في القصة القصيرة السودانية , من خلال نموذج ( عرش الحضور والغياب- للحلو ) ,  ان الحلو ممن تاثرت كتابتهم القصصية, بما حملته الواقعية السحرية من تاثيرات.  فمارست الكتابة الاستيهامية بطرق ابداعية جديدة واكثر اثارة . وصفوة القول ان الحلو احد ابرز القصاصين السودانيين , الذين اهتموا باتقان خلق الشخصية السايكولوجية, المتعددة الابعاد , وبنية التفجير والمرئي واللامرئي (4) .. سمات اخرى في تجربة الكتابة القصصية عند الحلو في, دراسته لظاهرة: الانسيابية في القصة القصيرة السودانية - معاوية البلال - اشار الى  ما تتسم به قصة عيسى الحلو من مستوى تلاقي, بين التحفيز والنسق وتنظيم الحبك السردي, والتحقق المعرفي , في تجلياته المختلفة , متخذا نموذجا لذلك قصة ( وماذا فعلت الوردة ) و( الحديقة التي احبت البستاني) (5) ..

ولما كان النص القصصي غير منفصل عن النصوص السابقة وانما يحمل في طياته آثار هذه النصوص - كذلك يستشرف نصوص  غائبة , لم يحتك بها ويتوق  للتحاور معها فيما يشبه الاستبصار  -   التي تتداخل بشكل او بآخر في تكوين القاص, وتفتح امكانياته الاستشرافية على ما هو غائب عنه . وتسهم في صياغة الخطاب القصصي  عنده , بقدر ما يحمل من رغبة في الابتكار والمجاوزة ..

 لكل لذلك نرى  ان المدخل لدراسة اى نص قصصي, انما يتحقق بالتعامل مع النص نفسه , ودراسته في علاقاته بالنصوص الاخرى, التي تعمل في فضاءه. بهدف الكشف عن مداخل جديدة, تساعد على فتح العالم القصصي للحلو ..

 ومن هنا نجد أ ن احد اهتمامات هذه الدراسة, التي تنهض ايضا في اعادة قراءة( قصر المرايا )  في علاقاتها الرمزية , والانطلاق منها الى فضاء النص , وما يتشكل به من علاقات , وتجسيد لرؤية القاص , وكشف عن مصادر نسيجه الابداعي ...

يتميز الحلو   كحالة متفجرة , بقدرته الفائقة على استيعاب التجربة الانسانية ككل, واعادة صياغتها سرديا. سواء كان ذلك فيما تكشف لنا, بقراءتنا لروايته " صباح الخير ايها الوجه اللامرئي الجميل " او قصته موضوع هذه القراءة : " قصر المرايا ", التي تجعل من مجابهة الموت احد تيماتها الاساسية , في سياق رمزية المرايا بما هي انعكاس لكل الرؤي المتراكبة في النفس البشرية, وكذلك هي سؤال الذات في مواجهة نفسها , ومواجهة الاخر في آن.. ..

رمزية الفضاء  النصي :

انتسجت هذه القصة بما للحلو من قدرة فائقة,  على حشد الوقائع والاحداث ,  التي تحيط بقضية صغيرة , يقوم بتصعيدها الى اقصى مديات ممكنة , في حلقات متماسكة وترابط وثيق الصياغة, والبناء الدرامي الفني .  تتخلله الاغرابية شكلا ومضمونا - الاغرابية بمعنى الخارج عن المألوف في القصة القصيرة  -  فقصر المرايا  حكاية زوجين هما : حليم وبهيجة . تتأزم علاقتهما الزوجية .

ووفقا لوجهة نظر الراوي: ان السأم وغيرة حليم من عوض زهران,  هما سبب هذا التازم .. عوض زهران هو والد بهيجة, بالتبني .. حاول الراوي تهدئة خواطرهم, لكنهم لم يكونوا ينصتون, سوى لاصوات ذواتهم " مراياهم " .. من وجهة نظر الراوي ان حليم مصطفى: كهل ذو جمال شرير . وكان هذا الجمال الشرير, هو الذي دفع عوض زهران ليصادق حليم, ثم يزوجه من بهيجة, ليخلص نفسه (او ليخلصوا انفسهم ) عبر هذه العلاقة الثلاثية . كما ان عوض زهران, رغم ما يبدو عليه, من ورع وتقوى, وشيء من كرامات الصوفية , يظل مستغلقا على الفهم . وهنا يحكي الراوي, عن علاقة عوض زهران بسميرة خليل  - التي نعرف فيما بعد انه تزوجها - " هب واقفا لينصرف . وعندما سألته عن الخبر . اجابني :- هناك امرأة عانس , تعاني الوحدة وتتوهم بمحب غير موجود أصلا . سيعود على ظهر فرس ابيض (..) -  قلت أتعرفها من قبل ؟ .. -  لا .. المسألة أنها اضاءت في صدري شيئا, كما لو اوقدت شمعة(6). وبعد موت عوض زهران وحليم, وطرد بهيجة لسميرة خليل من قصر المرايا , ترحل بهيجة ايضا الى الاسكندرية, ثم تمضي بعيدا لتنضم للمقاتلين في سراييفو ..

 منذها يرى الراوي خيالين : لحليم وبهيجة , لكنهما غير حائرين كما كانا من قبل - كأن موت عوض زهران وحليم  خلصا روح بهيجة من مأزقها الوجودي ازاء اسئلة ذاتها, مثلما خلص حليم من حيرته  - " ورجحت ان بهيجة على قيد الحياة, وان سميرة بدورها هناك في مكان ما. من ام درمان (..) تقضي نهارها تصيح في الشوارع والناس (7).. لكن اشباح هؤلاء جميعا يظل الراوي يراها كما تراها سميرة -  بمشاهدها القديمة وعالمها القديم .. فهو لا شيء بدونهم . يتحقق وجوده فقط من خلالهم " مراياهم " ..

وجهة نظر بهيجة بابا دبلوس  - لها وجهتي نظر , تمثلان شخصيتيها: كابنة لوالدها الاصلي( بابا دبلوس - مسيحي) ووالدها بالتبني : عوض زهران/المرآة -  في الازمة التي عصفت بحياتها الزوجية. لا تختلف كثيرا عن وجهة نظر الراوي : أن غيرة حليم من عوض زهران هي السبب . في تصاعد الامور التي آلت بحليم, الى الاختفاء الغامض ثم الموت  , خروجا من ازمة العلاقة .. فلا يبقى لبهيجة سوى  ان تلوك ذكرياتها - منذ كانت في سن السادسة -, كامرأة خمسينية ..

فبهيجة ذات الجذور اليونانية, تعيش الحرمان من الاب, ثم الام بعد ان انفصلت والدتها( ايلين - مسيحية ) ,عن والدها. وجاءت بها من القاهرة الى الخرطوم . ثم توفيت, فتبناها عوض زهران, ولذلك ينشأ بينها وبين عوض زهران, نوعا غامضا من الحب " يا من علمتني ان احب الحب ذاته ولذاته "  ولذلك تعتنق دينه- الاسلام - سرا دون ان يكون لديه علم - كما تتصور هي - وباختفاء حليم الغامض بعد موت عوض زهران , وتأكيد موت حليم في نشرة رسمية, من  مناطق العمليات -  بعد مضي شهرين من ذلك -   تبدأ بهيجة عوض زهران في, الحديث عن سميرة خليل " جاءتني امرأة في الثلاثين (..) وطلبت مني ان تسكن معي , لنتشارك العزلة , فهي وحيدة بعد ان هجرها عوض زهران (8)  لكنها سرعان ما تطرد سميرة , وتكتشف ان كل ما حولها وهم , فتعود الى شخصيتها ك(بهيجة بابا دبلوس) وتقرر العودة الى ارض ميلادها ( الاسكندرية ). وهناك لا يعرفها احد . فتنضم الى المقاتلين في سراييفو " قالوا ان اسرتي من البلقان او النوبة , وبعد اسبوع رحلت الى سراييفو, وانضممت الى المقاتلين (9) ..  تتشظى مرايا بهيجة (ذاتها), لحظة احتكاكها بسميرة خليل, التي تتشظى هي الاخرى - فكلاهما مرآة للأخرى - والتي كانت قد جاءتها لتشاركها - كابنة لزوجها-  احزان الفقد ولوعة الذكريات , فتكتشف انها ليست ابنة لزهران كما توهمت وتوهم زهران  , وان سميرة ليست سوى وهم- كليهما يكتشف انه وهم -  هذا الكشف يفتحها على وعى ذاتها التى تتشظى بقوة هذه اللحظة  - ووعيها بالاخرين الذين طالهم الوهم  كذلك - فتبدأ البحث عن هذه الذات , لتعرف حقيقة هويتها!! ..

وجهة نظر حليم في ازمة زواجهما: ان زواجهما كان بمثابة السجن. وعوض زهران يتفرج عليهما,  يتخبطان داخله " كان عاجزا تماما عن حب بهيجة , فادعى الزهد فيها , وزوجني منها . يعلل عدم زواجه منها بانها ربيبته . وهي كابنته (..) الحب عند ثلاثتنا تقوى وتغذى, من الغيرة فان غاب طرف من الاطراف يهلك الحب بيننا " .. فغياب المرآة يغيب الصورة . لابد من سطح المرآة , الاملس حتى يرى الانسان صورته . وعوض زهران هو مرآة حليم وبهيجة .. بل ومرآة الراوي نفسه .. وبغيابه تغيب ذواتهم, وهو ما استطاعت سميرة آخيرا ان تفهمه " لقد خرجت من هذا القصر في تلك الليلة , بعد ان يئست وفشلت في المواساة التي تجمع الضحايا (..) أعاقلة أنا ؟ واصبحت اتحسس كياني . هل انا سميرة حقا ؟ ام انا اكذوبة ؟ (..) فكانت بهيجة هائجة تلك الليلة . كانت تصيح في جنون : انت وهم يبحث عن وهم . انت لاشيء البتة . احقيقة ما تقوله بهيجة . ربما انني لا شيء "..

تقيم رواية ماركيز الاخيرة ( ذكريات عن عاهراتي الحزينات )(10) حوارا مع هذه القصة , فهاجس الموت( اللامرئي). يهيمن على فضاء النصين . تحكي( ذكريات عن عاهراتي الحزينات):  قصة رجل عجوز. ينتبه فجأة الى ان عليه الاحتفال بعيد ميلاده التسعين , فيما يعيش في عزلة تامة .. يقرر العودة الي متعته الوحيدة, التي مارسها كثيرا في حياته, منذ ان بدا وعيه يتفتح على العلاقة مع الانثى مصادفة, وهو لم يبلغ بعد الحادية عشرة . يقرر عندها العودة الى ماضيه السابق من خلال " روسا كاباراكاس"تلك السيدة التي تدير البيت السري,  الذي كان نافذته على هذه الدنيا . وتنفيذا لحلمه اراد ان يعيش ليلة حب مجنونة, فطلب منها: ان تكون رفقته في هذه الليلة " صبية صغيرة " بشرط ان تكون عذراء .. لكن الصبية التي يلتقي بها في رحلته الجديدة في الحياة بعد التسعين .. تجعله يغير نظرته الى الحياة ومعها تحدث له التحولات ...

كل النصين ينهضان في ذكريات  الماضي - والاستيهامي, من خلال استرجاع او تبديد الزمن في اللحظة الحاضرة, التي تشتغل في مجابهة الموت -, ومحاولات الانعتاق منه .. في اجواء تخييم الموت او مجابهته او الاحساس بدنوه .. فالراوي يستمد حياته من هذا العالم المتحفز ( عالم عوض زهران )  فعوض زهران - كاله صغير - يحرك كل شخوص عالمه - مخلوقاته - بما في ذلك الراوي, الذي يبدو ان عوض زهران اثر فيه عميقا  - حتى بعد ان مات بوقت طويل - اذ ظل يلاحق الراوي..  ومجابهة الموت عند بطل ماركيز كانت بعودته الى ايام شبابه , من خلال صبيةعذراء - كأنها القربان - جددت دماء عروقه - برحيق الذكريات - وهو في هذه السن المعمرة.. واحدثت تحولا جديدا في حياته ..

وعوض زهران جابه  حبه - ذاته - لبهيجة بتزويجها من حليم . ولم تفلح علاقته بسميرة- التي رغم بلوغها السبعين, الا انها ظلت كانها فتأة في الثلاثين تجري في عروقها- دماءالذكريات , التى خلفها زهران وراءه , هذه اللعنة التي جعلتها, تنام في المقابر. وتجري في الشوارع تلاحق. اطياف عالم عوض زهران -  في التخفيف من وطء هذه المجابهة, التي احدثت تحولا في حياته , انتهى به الى مجابهة الموت, في مناطق العمليات .. كذلك ما فعله حليم .. حيث تنهض بهيجة هنا كلعنة لعوض زهران, طالت كل من يقترب منها, حتى عوض زهران نفسه - لعنةالذات النرجسية, التي سنأتي اليها لاحقا- ذات عوض زهران  - لتنتهى هذه اللعنة في مكان ما اخر..

 كذلك هو حال الراوي, الذي تلاحقه اطياف عالم زهران . لتكون خلاصة هذه المجابهات : انتصارا لفكرة الابدية من خلال الاستمرار في المراقبة, لهذه الحياة الابدية. التي صنعها عوض زهران وليس غيره ..

كما نجد ان النص يقيم علاقة حوارية مع نص قصصي اخر . هو  قصة " وصية سيسيليا الاخيرة ) ل " اليثيا شتايمبيرج " (11) فعند موت سيسيليا تجد بطلة القصة انها تركت وصية غريبة لورثتها , جاءت على هذا النحو " الى بيب اترك سنواتي العشر الاخيرة من حياتي , بما فيها من متعة وألم متماثلان ( سيقول بيب ان الالم فاق المتعة ) على اى حال هو يعرف انها لم تكن اسوأ سنوات عمري (..) اترك هذا الخيال لجوسية , اتصور من العذاب الدائم المرتسم على وجهه انه سيعرف ماذا سيفعل به (..) الى ما تيلدا اترك مجموعة الصرخات الهائلة, التي احتفظت بها دوما (..) اعرف من غير المعتاد ان تترك اشياء لشخص مات بالفعل (..) (أنا) اليك .. يا من ستجديني حتما . تلك الاوراق على البيانو (..) اليك يا (أنا) .. وهكذا تمضي الوصية التي تخاطب فيها سيسيليانفسها التي تجد الوصية, بعد موت سيسيليا فتقول " طالما انا على قيد الحياة . سيسيليا ستعود " فاللامرئي والمرئي يشكلان وصية سيسيليا واستمرارية وجودها, بعد الموت - كروح هائمة, او طيف حلمي ربما ..-  مثلما يشكل عوض زهران استمرارية الراوي , فسيسيليا مرآة الانا ..  وعوض زهران مرآة الراوي .. مثلما بهيجة هي سميرة ذاتها .. المرآة التي رأت فيها نفسها . فطردتها " انت وهم يبحث عن وهم " .. ومثلما مثلت عذراء ماركيز المرآة للراوي العجوز ..

فالموت او الاحساس بدنوه . يشكل بؤرة تنطلق منها حياة الشخوص, من المبتدأ الى المنتهى . بمعنى تتكشف فيه كل لحظات الالم, واللوعة والغبطة .. وتتكثف فيه الذكريات والاحلام .. فهو كالرحم الذي نتخلق فيه ويحتوينا , ثم لا يلبث ان  يقذف بنا الي حدود الحلم واللا مرئي ..الى  الوجود , اذ يعيدنا  مرة اخرى الي ظلام هذا الرحم - الارض - .. والاحداث والوقائع - الحياة - عندما تتحول الى ذكريات , و تصبح اشبه باحلام البارحة . كما في " متحف المساعي العبثية " ل ( لكريستينا بيري روسي) اذ يقول بطل قصتها هذه " كنت كل مساء ازور متحف الحياة العبثية . اطلب الكاتلوج واجلس الى الطاولة الخشبية الكبيرة (..) كتالوج سنة 1922 (..) سنة مكثفة . كثير من الناس قاموا بجهود عبثية . كم مجلد هنا ؟ (..) اكدت لي الموظفة ان المتحف يحتفظ بجزء صغير جدا من المساعي العبثية (12).. فبطل هذه القصة يجد نفسه مأخوذا الى حد الادمان , بالمضي كل يوم لمطالعة عالم الماضي , والتعرف على حكايات من مضوا , كان يستمد استمراريته ووجوده. من هذه الدورة .. دورة الحياة بوقائعها التي تمثلها مساعي ابطالها وهزائمها ومراراتها .. فالموت.. انه يجابه الموت بالتعرف على حياة من ماتوا : ماذا كانوا يفعلون في حياتهم - فحياتهم هي المرآة التي يرى فيها حياته -  فتتجذر هذه الحيوات فيه , لتعطيه الاستمرارية ..              

رمزية المرايا  في قصر المرايا ..

حول استراتيجية العنوان : (قصر المرايا ):

يتكون هذا العنوان من كلمتين الاولى : هي " قصر" والثانية: هى" المرايا" .  في المحتوى الدلالي  للطرف الاول  :" القصر " دلالة على المكان, الذي تجري فيه احداث القصة.  و"المرايا" كواحدة من المكونات التي شيدت به, على المستوى المعنوي لا المادي , فالقصر هو (القفص الذي  يفترض ان يكون ذهبيا - بيت الزوجية ).. لكنه هنا محض قصر من المرايا للدلالة على مدى تشظي هذه العلاقة الزوجية ..

 يقول غاستون باشلار" من الواضح تماما, ان البيت كيان مميز, لدراسة ظاهراتية لقيم الفة المكان من الداخل . على شرط ان ندرسه كوحدة, وبكل تعقيده . وان نسعى لدمج كل قيمه الخاصة, بقيمة واحدة اساسية (..)  فلو تجاوزنا ذكرياتنا عن كل البيوت التي سكناها  , والبيوت التي حلمنا ان نسكنها , فهل نستطيع ان نعزل, ونستنبط جوهرا حميما. ومحددا, يبرز القيمة غير الشائعة, لكل الصور المتعلقة بالالفة المحمية ؟(..) قد يقدم لنا الجغرافي او عالم الاثنوغرافيا اوصافا لمختلف انواع البيوت (..) البيت هو ركننا في العالم . انه كما قيل مرارا . كوننا الاول (13)..

 فما هو بيت ( قصر المرايا ).. يصف لنا الحلو في قصته( قصر المرايا) هذا البيت بضمير المتكلم ( بهيجة بابا دبلوس): " لنا انا وزوجي حليم .. قصر صغير . بديع . مكون من غرفة واحدة , تلحق بها صالة ومطبخ.. وتحيط بالقصر اربع حدائق من الجهات كافة . يسوره سياج حديدي رمادي اللون . كتبنا اسمينا : حليم وبهيجة , على بطاقة مضيئة عند البوابة . وعند البوابة كانت العصافير تأتي من كل مكان لتغني في مرح ذاك النشيد الذي ينطلق كالرصاصة النارية (..) يتهمونني على الخصوص بالجنون . فما القصر عندهم الا بيت صغير . بنى من الآجر الاحمر, المخلوط بالحصى . كشأن كل بيوت ام درمان القديمة منذ عهد الخليفة التعايشي , وهو يقع في الجهة الجنوبية من المدينة, على طرف خور ابي عنجة الشمالي, حيث استقرت الفيالق المحاربة (..) ولكن بيتنا هو حقيقة  راسخة , لكل عارف ذي بصيرة . قصر عال .. يتأرجح وسط السراب , يذهب ويجيء غيمة كبيرة من البخار , يتصاعد  في علو السموات الزرقاء, متشكلا بألوان الفجر والضحى والمساء (..) وحينما يؤذن الاذان, ينبثق القصر مثل زهرة , وينكشف البهاء فتكشف الرؤيا جدرانا من الماء الشفيف الممطر .. ويأتلق كله قصرا من الزجاج , الكرستال ومن المرايا (14). فهذا القصر هو عبارة عن :  بيت عتيق يعود تاريخه الى حقبة المهدية, -المستوى المادي - مكون من  غرفة واحدة , مسورة- سور رمادي اللون , بما للون الرمادي من دلالة على الزمن المنصرم . ولما لهذا اللون ايضا من دلالة على الكآبة _  ومزروعة ..  لكنه  مشيد ايضا على المستوى الدلالي, من هذه الذكريات العتيقة لمدينة ام درمان , ويرتبط بذاكرتها المدينية, في لحظة تكونها وتشكلها الاولى , في اكثر لحظات التاريخ حرجا و دمجا للمجتمعات السودانية من كل اطراف البلاد, لتلتحم في ام درمان   - اذ نهضت ام درمان نتيجة للحراك الاجتماعي الواسع , والاول من نوعه في السودان ابان المهدية,  بما نقل المجتمعات , من مرحلة القبيلة الى مرحلة متقدمة عليها هي مرحلة الطائفة -..

هذا البيت الذي يسكنه حليم وبهيجة . تاسس اذن على هذه الذكريات (المرايا) , لذلك هو قصر عال, يتارجح في فضاء هذه الذكريات , التي اضيفت اليها ذكريات اخرى بتعاقب الزمن . واضيفت اليها ايضا وقائع واحداث حياة حليم وبهيجة التى نهضت - الوقائع والاحداث - , في هذا البيت ذي الغرفة الوحيدة , لكن الكافية لرعاية ميلاد زواجهما ونموه, و ذكريات حبهما التي سبقت هذا الزواج  , حتى مرحلة الصبا فالشيخوخة , لتتشكل من كل هذه المراحل التي تعاقبت على البيت مزيدا من المرايا ( مزيدا من الذكريات ) , التي يرون فيها انفسهم, كانهم هم وليس هم , بين بين .. ففي لحظاتهما السعيدة , تسقط احاسيس الغبطة على البيت , فيشاركهما هذه الغبطة , مثلما شاركهما لحظات صراعهما الانساني العديدة ..

والطرف الاخر من عنوان القصة  هو ( المرايا ), وهي المفتاح المركزي لعالم هذا القصر . فالمرايا في السرد , تقنية وأداة تعبير فني , قبل ان تكون سطحا املسا , دوره ينحصر في تأدية الانعكاس , انها مرايا الذات .. يقول حاتم الصكر " المرايا مقترح شعري ارتبط بادونيس , الذي عرف عنه استخدامه المبكر للرمز والقناع, وهما ممهدان ضروريان للمرايا (15).

ان اى دراسة للامكان السردي , في( قصر المرايا) يجب ان تبدأ  اولا بتامل دلالة المرايا من شتى وجوهها : الظاهرية بحكم وجودها الشيئي ضمن وعينا وشعورنا.. والنفسية لما تحمله من دلالة وجود القرين , ورؤية النفس , وتعرفها عليها, ضمن حيز المرآة: جذرا رمزيا يربطها برغبة( نرسيس) في رؤية وجهه منعكسا على صفحة الماء . والفنية بكونها دالا شعريا وادبيا عاما , يمكن ان يحمل معه تقنيات خاصة , ترتبط بالانعكاس وتشويه الانعكاس معا , او التشظية والتناثر ..

فقصر المرايا تشظت داخله حياة حليم وبهيجة, كما تشظت داخله, كل الذكريات الماضية منذ تاسيسه .. حليم وبهيجة رأيا ذاتيهما , بكل غروريهما  - حب ذاتهما : اذ توهما انهما يحبان بعضيهما, بينما هما يحبان الحب لذاته , متمثلا في ذاتهما: فهما, الحب .( كنرسيس النرجسي ).. تشظيا عندما رأيا ذلك في مرايا نفسيهما ..  واول ما يجب ملاحظته , ان وجود المرايا بالنسبة الى الجسد , يرتب تغير موقع المتلفظ ايضا , وموقعه كراو او سارد  من هذه المرايا .. وهم  كانوا محاصرين بالمرايا .. المرايا التي امامهم والتي خلفهم .. المرايا من حولهم, وداخلهم.. غرقا في لعبة المرايا .. المرايا التي لها 

وجودا شيئيا, اكثر عمقا وتاثيرا مما يحسب المبصرون, المتعجلون . والمرايا التي هي اول ما يقع عليه بصرنا .. والمرايا تقتضي وجودا لشيء ما يتمرأى فيها . وبذلك تصبح موضوعا دائما, لذات تمارس فعلها عليه, لكن وظيفة المرآة, تتعدى التاثيث ولوازم الوجود الكمالي, على الجدران او فوق المكاتب والزوايا , لأن الحيز الذي تشغله  , في تفكير الانسان وافعاله وسلوكه, هو الاكثر اهمية , وهو الذي اثر في حياة حليم وبهيجة ..

ان المرايا توهمنا بانها حيادية, تعكس ما ينطبع عليها , او يتراءى امامها او يعرض عليها . وفي حقيقة الامر تكمن وظيفة المرآة, في كونها تضاعف. وعبر فعل المضاعفة هذا تعطينا "صورة القرين " . الاناالاخر. غير المرئي ولكنه موجود ..

ورغم ان المرايا ترينا ما تقتنصه اعماقنا فانها - كما يلاحظ فوكو -  الى جانب كونها تضاعف , لا ترينا ما لا يظهر عبر سطحها . فيظل ثمة فاصل بين ما نرى وما نقول .. فالمرايا لا تقترح علينا آخرا, بل ترينا هذا الآخر الذي نقترحه عليها ..

اننا لا نبحث في المرايا, عن واحدية اجسادنا وصورنا , بل نسارع الى البحث, عن تفاصيل منسية او مطمورة , كي نؤلف منها صورة القرين , الذي يشاركنا خطانا وحياتنا .. وهو ذو وجود سردي , لانه يمثل الجانب الثاني في حوارية شخوصنا . وقد استثمر القصاصون المزايا السردية لوجود قرين المرآة وطوروه ليغدو صوتا داخليا ثانيا لوجود الراوي او الشخصية ..

وترينا الحكايات والاساطير انواعا متعددة من المرايا منها : مرايا الزمن : حيث كانت( سندريلا) تهرب من مرآة زمنية , فلو انها تأخرت عن ساعة محددة, لعادت الى صورتها الاولى فتاة فقيرة . ومرايا الاسطورة : حيث يتحول كل ما يقع عليه بصر( ميدوزا) الى حجر . وثمة في هذه المرايا الاسطورة وجود نرسيسي ( او نرجسي بالمصطلح العربي المتداول ) (16) لكن ما يدعوه المحلل النفسي الشهير" جاك لاكان" (1901 - 1981) بمرحلة المرآة يستحق التأمل . فهو يرى ان الطفل يستطيع التعرف, على صورته في المرآة في سن مبكرة , على انها صورته , ويختبر حركات الصورة , ومحيطها المنعكس في المرآة, ثم العلاقة بين ذلك, والواقع المزاوج له , اى جسد الطفل والافراد والاشياء المحيطة به ..

والمهم في مفهوم( لاكان) لمرحلة المرآة بانها تماه, وبان تمثل الصغير لصورته المرآوية, مع عجزه الحركي, والغذائي. شبيه بالرحم الرمزي. حيث يندفع ضمير الذات الى شكل اولي , قبل ان يتموضع في جدلية التماهي مع الاخر . ان المرايا تنطوي علي طبيعة, او جوهر من جوانب ذاتها الاصلية , تحتفظ بها مهما اخضعت لتحولات .. بوصفها رمزا من رموز الشخصية , وتقنية سردية يقف امامها ليرصد, ما يتراءى في اعماقها .. يلاحظ( جبرا ابراهيم جبرا) ان اللحظة( النرجسية) هي لحظة لا زمنية . لحظة الممثل على المسرح, وقد انفلت من قيد التسلسل.. والنرجسية هي الخط الدقيق الذي ينظم وجود الرموز الاسطورية والتاريخية على مستوى الرؤية .

يفسر بعض النقاد( قتل المرايا) بانها اعدام وحرق للكل الثقافي - كما عند ادونيس -  الذي تعادله المرايا ( فالقصر ينهار ليعود الى مكوناته كما يراها الجيران: مجرد غرفة مبنية من الاجر الاحمر, المخلوط بالحصى. شأن كل بيوت ام درمان القديمة .. ينهار بانهيار ذكرياته , باختفاء ابطالها , بحيث لا تعود ثمة اهمية لذاكرة المكان " القصر", دون شهود او سكان, يحيون هذه الذاكرة , فينهار باختفاء حليم وعوض زهران وموتهما .. وينهار بطرد سميرة منه ورحيل بهيجة ) =  وفي المثل السوداني ما معناه اذا كان للانسان منزلا من زجاج فليحذر رمي الاخرين بالحجارة . وهي كناية  تحذيرية عن عدم الحديث عن عيوب الناس لان لنا عيوبنا , التي سيتحدثون عنها ايضا اذا تحدثنا عن عيوبهم .. عيوبنا التي ستستحيل ايضا الى ذكريات , لكنها تظل  احدى مكوناتنا النفسية , فهي جزء من تاريخنا الاجتماعي على مر السنين , وتستطيع مرايانا منحنا رؤيتها بوضوح , كأنها جسم مادي ..

وثمة مرايا لا يمكن اخضاعها للتقابل الثنائي, او للتفسير الرمزي العابر , وهي - كما تسميها( خالدة سعيد) مرايا الاعماق حيث تتقاطع الرؤي جميعا .. واشار احسان عباس الى المرايا باعتبارها اسلوب نظر الى الماضي(17) . وتقنية انعكاس المرايا في القص الحديث , من ابرز التقنيات لاستدعاء التاريخ الذاتي ...

فأى نوع من المرايا تلك التي شيد منها قصرالمرايا , و الشخصيتين اللتين تسكنانه (حليم وبهيجة ) . مما تقدم قدمنا اشارات, حول طبيعة هذا القصر التي يصفها لنا الحلو  -  مقرؤة في سياق علاقتها بطبيعة علاقة هذين الزوجين -  على لسان الراوي"  كانا : حليم وبهيجة . زوجين من الارق والتوتر . وذلك عندما وضعا , بمحض حريتهما, علاقتهما الزوجية على حافة الخطر . اذ كانا بحياتهما المشتركة يلهوان . فبعد مضي العام من الزواج. شعرا بالسأم . وهكذا انخرطا في اللعب المهلك , ان يكتشفا في الحياة شيئا بينهما اعمق واصدق , وان يريا في علاقتهما, نفسيهما على المرايا (..) كففت عن الكلام مجبرا . ومن ثم .. في نهاية الامر, اخذوا يكلمون المرايا, المحتشدة بالصور (18).. ثم على لسان بهيجة بابا دبلوس  " يأتلق كله قصرا من الزجاج الكريستال,  ومن المرايا , بحيرة من الجمال الصافي (..) أرفع رأسي . رأيت صورنا على المرايا . كنت انا وحليم.. وانا الاخرى مع عوض زهران . وعوض زهران تارة اخرى مع سميرة.. ورفع حليم عينيه من الكتاب : - ما بك ؟ انت شاحبة جدا ؟! وكنت ارى صورا على المرايا, شديدة العجب, الزمن فيها يجري كيفما شاء . الماضي والحاضر والمستقبل . كل الزمن المستدير يأتي (..)..( اجلس وحدي وصوري تتكاثر, على سطوح المرايا . وتجيء صورة حليم وعوض زهران (..) وتداخلت في هذا الوقت كل الاشياء .. الخواطر والافكار والاحداث .. حتى بت اشك في القصة بمجملها (19).. ويمضي الحلو في عرض شخوص نصه , معتمدا على تقنية تعدد الاصوات التي اشرنا اليها سابقا . منتقلا  الى شخصية اخرى فيطل علينا حليم مصطفى زوج بهيجة , مستعرضا وجهة نظره  بضمير الانا المتكلم " كنا في داخل هذا القصر الزجاجي, اشبه بسمكتين صغيرتين ملونتين . نسبح داخل هذا الماء الزجاجي (..) كانت كل الايام تمر متشابهات . نجلس ثلاثتنا نحلق في وجوهنا, التي تنطبع على سطح المرايا, المحيطات بنا . فنرى دواخلنا حتى النخاع (20)..

ثم نعود الى شخصية الراوي مرة اخرى , مضيفا الى وجهة نظره, التي استهل بها هذه القصة, لننتقل بعد ذلك الى بهيجة -  لكن هذه المرة هي ليست ابنة" بابا دبلوس" والدها الحقيقي  بل - ابنة عوض زهران الذي تبناها  "انني ارى حياتي في عزلتي . ارى هذا الحب  الغريب الاطوار . دائرة تجري في الاتجاهات الاربعة . وكيف ان هذا الدوار قد قاد كل منا, الى طريق مختلف . فكنا ندور في متاهة, وشعور يجعلني موقنة, اننا سنلتقي على تخوم ذلك العالم . مكان يشبه قصر المرايا (..) اهو صورة بهيجة على مرايا  عوض زهران ؟ ام جئت ابحث عن صورتي.. عن معنى وهدف هذه الحياة ؟ (21)...

 ليطل علينا بعد ذلك الوجه الاخر لبهيجة : بهيجة بابا دبلوس , ثم ننتقل الى الراوي "  الذي يحكي حياة سميرة, بعد ان انهى حكاية بهيجة " كانت سميرة بالجمال تضيء بدرا مكتملا . لقد توقف دوران الزمن فيها عند الثلاثين . وكانت الاقدار تمسح غبار الزوال عنها . رغم بلوغ سميرة السبعين, وعندما تنظر في المرايا, كانت تحدث نفسها بصوت عال (..) الضؤ امواجا من الوان الطيف المزبدة . يرفرفون . يشقشقون . وعلى سطوح المرايا هالات زرق (..) وكلما كانت على سطوح المرايا صور , وكلما كان في الفضاء جناح , فانا بدونهم لا شيء .. لا شيء البتة (22)  وهكذا يمكننا ان نستخلص من طرفي العنوان : " قصر - المرايا " .. اضافة الى ما اشرنا اليه , ان المرايا هي ذكرياتهم وطريقتهم في النظر الى ماضيهم وحياتهم . وهي نزعتهم الانانية في تكريس ذواتهم , دون رغبة في عطاء هذه الذات للاخر , بل عطاءها فقط لنفسها , فحتى  في تصور  - بهيجة مثلا - لنفسها ما بعد هذه الحياة - الموت - ترغب في ان تلتقيهم ( عوض زهران / سميرة / حليم ) وتتصور انهم سيلتقون, في قصر شبيه بقصر المرايا ..  تريد ان تلتقيهم لتأكيد وجودها المطلق , ليس لأي شيء اخر فهي " لا شيء بدونهم " وحتى تكون شيئا, يجب ان تكون معهم . وهي ذات  الرؤية التي توصل اليها حليم , فقد ادرك منذ البداية ان انسحاب اى طرف من اطراف, علاقتهم الثلاثية. يعني ان ينهار كل شيء . فلا احد من ثلاثتهم يعني شيئا, دون الاخرين . كذلك الراوي يستمد وجوده عبرهم في حياتهم , وعبر اطيافهم التي تلاحقه, بعد ان آلوا الي مختلف طرق .. وهكذا تشكل  رمزية المرايا ايضا , في علاقةالذات بالاخر ..

(2) عالم علي المك القصصي ..

الحديث عن القصة القصيرة لدى جيل علي المك , ( منتصف الاربعينيات والخمسينيات ) , لهو حديث محفوف بالمخاطرة ولا يخلو من مغامرة ومعاناة الولوج  الى عالم من الاحاسيس, وفيوضات المشاعر والتدفقات الحدسية , التي يعيشها القاريء وهو يقرأ ( هل ابصر أعمى المعرة ) أو  ( حمى الدريس ) , الخ ..

اذ يجد نفسه لا يقرأها بقدر ما هو يعيشها , فمن خلال نصوص علي المك, بصياغاتها اللغوية ذات العالم الخاص , والنظام اللغوي االاكثر خصوصية , في ترابطاته وعلاقاته الخاصة. بسبب ان اللغة عند المك تختلف, عن اللغة النمطية التي تجعل هدفها الاساسي التوصيل والابلاغ  -  فلقصة علي المك خصوصيتها-  رغم انها تجري على النهج الموباساني - فبسبب هذه الخصوصية, لم انشغل عند قراءة علي المك, بالبحث عن صور مجازية تضيء( حمى الدريس- القصة ) او  حتى البحث  عن  مجموعة, من الرموز والدوال اشغل نفسي بحلها , وانما هي لحظات من التوتر, والترقب والحذر ,  تملكتني وانا احاول في   جهد مضن, متابعة المك عبر تخوم عالمه , الثر . لاتوقف اخيرا عند كوّن اللغة والحس الشعبي  ..  

تنبع أهمية علي المك من كونه أحد أبرز , الكتاب الذين ارسوا, وكرسوا لكتابة القصة القصيرة في السودان . وفقا للنهج " الارسطي - الموباساني " : ( بداية - ذروة - نهاية ) .. وساد هذا الاسلوب في كتابة القصة , منذ فترة الخمسينيات حتى الستينيات , ويعتبر هو قاعدة الانطلاق , للا ساليب الاخرى في كتابة القصة -  ما أفضى الى كتابة القصة الحديثة في السودان , نتيجة لجدل التلاحم بين مختلف الاساليب والذي مهدت له مجهودات علي المك وغيره من ابناء جيل الاربعينيات والخمسينيات بارسائهم لدعائم المنهج الموباساني  - الذي شكل القاعدة لانطلاق الأساليب الأخرى في  القصة الحديثة في السودان  ابتداء من ستينيات القرن الماضي ..

 ولذلك يعتبر بروفيسور علي المك, احد رواد القصة القصيرة في السودان, بشكلها الارسطى الموباساني ..

 وتجدر الاشارة هنا الى ان القصة عند علي المك, اعتمدت بشكل اساسي على الفضاء المفتوح( قصة كرسي القماش - مثلا ) وهذه القصة ( حمى الدريس ) (23) التي يلعب فيها " هذيان الحمى " كفضاء ميتافيزيقي  شاسع , تيمة اساسية لهذا النص, الذي تتفاعل فيه هذيانات اللغة والفكرة .

فبطل هذه القصة , لا يكتفي بتحديد الشارع, كفضاء مفتوح للهذيان الواعي او اللاواعي , بل يتعداه الى مناقشة قضايا  جمالية معنوية , تجسد علاقته بالنيل الازرق, الذي تمت الهيمنة عليه من قبل الابيض , فينطلق من هذه العلاقة, بالنيل لممارسة هذياناته , التي هي في واقع الامر ليست هذيان محموم, بقدر ما هي محاولة لتكيف انسان, مع عالم كل شيء فيه قاهر.. حتى الطبيعة ..

حمى الدريس نموذج للقصة, التي يهيمن  فيها صوت الراوي المتكلم, كما هو الحال في قصص الاسلوب الموبساني عموما , وقصص علي المك خصوصا ..

ان الدخول الى النص وعلاقاته في سياق معين , انما يتحدد بمحاور عديدة , تبدأ بالخطاب - يعرف بنفيتست الخطاب بانه : اى منطوق او فعل كلامي يفترض وجود راو ومستمع وفي نية الراوي التأثير على المستمع بطريقة ما , والخطاب عند فوكو : هو مجموعة من المنطوقات التي تنتهي الى تشكل واحد يتكرر على نحو دال في التاريخ , بل على نحو يغدو معه الخطاب جزء من التاريخ هو بمثابة وحدة انقطاع في التاريخ (24) -  وعلاقته باللغة ومدى تفاعل النص مع السياق الناشيء فيه ... 

مغامرة اللغة والحس الشعبي في حمى الدريس :

تتسم كتابة علي المك بالحميمية والحس الشعبي , والبراءة  ( وتلك هي وفاء . تقول لها : - من الذي اخترع اللبن الزبادي ؟... اهل منغوليا .. قالوا . بل قرأت مرة.. كذبا كاذب ..".. فعلي الملك يعيد صياغة الحوارات التي تدور بين الاطفال,  و يعمل على توظيفها في لغة النص بكل ما تتركه من اثر على هذه اللغة .. لاغناء تجربة الانسان مع اللغة , بما هي كون تنتظم فيه الحياة الانسانية , حيث تتكشف في النص عن علاقة الانسان بتأثيرات الحياة والتجربة  

الاجتماعية ,التي يمثلها المك هنا بعلاقة الورق بالكتابة عليه , فمهما ارتدى الانسان من مظهر خارجي ففي خاتمة المطاف يبقى الجوهر الانساني , كذا مهما تسودت الاوراق باللغات المختلفة , تبقى اوراق (  كشخص ما يوماً يلبس جلابية وتارة قفطاناً ، وطوراً بنطلوناً وقميصاً والروح هي ذاتها ، هي اياها ، هي.. هي ..) ..

الحس  الشعبي ينعكس لدى علي المك, على مستوى لغة القصة , فلا تخلو منه الكثير من مفرداتها - وبذات الوقت العالم  موضع اهتمام الراوي - العالم الشعبي في اقصى تفاصيله وحكاياه,  يتماهيان معا حتى يشكلان شيئا واحدا, هو كوّن اللغة  : ( ذاك الصديق كان قد عشق امراة يغشاها (دم التاجر) كثيراً في الصيف ، تحك جسدها ، يكاد يدمي .. قال ان مرضها ينبئ .. يتلمظ .. يقول ما يعني ان ذاك الهياج انما هو اعلان عن رغبتها فيه ، قلتم له : مسكين .. مريض انت لا هي )  .. ( وما شانك بالقماير.. ).. ( قبلها قلت ان ذلك كله من بعض ما يسمي امراض الحساسية منها حمى الدريس (هي فيفر) ..)  .. (  ثم تصبر او ان يزهر النيم الي احمرار في العينين يفيض ، وفيض من العطس. انت تعلم اصرارها ذكران الدكتورسعيد طبه ناجح يده لاحقة باختصار رجل مبروك ومختص في مثل ما كنت منه تشكووتتعذب ، ولتضف لهذا ذاك الصوت الصفيري يجعل الصدر جحيماً ، قيل الريوذاك وجمعوا هذا كله فاسموها الحساسية )..

 وقد تميز علي المك بقدرة مدهشة على الانسياب في الحكي- طبيعة اللغة الانتقالية التي يستخدمها : سنأتي اليها لاحقا -  والتنقل في القصة الواحدة بين مواضيع مختلفة,  دون ان تدرك اللحظة التي تم فيها هذا الانتقال, ففي هذه القصة( حمى الدريس) التي يستهلها  بعشقه للنيل الازرق, وتحسره على اطفاء المقرن للونه , يمضي مع(  وفاء)  في اللحظة ذاتها, للحديث ببراءة تتلائم وهذا الشعور بالانتماء, الى النيل الازرق . ثم لا يلبث ان يقدم اشارات عن هذا المجتمع الذي يحيا فيه ووفاء , والطامعين في وصالها من الاصدقاء واهتماماتهم,الخ  ..

هكذا ينساب في بساطة وسرعة لا نستشعر معها, انه يتحدث الان عن موضوع اخر , ليس هو ذاك الموضوع, الذي كان يتكلم فيه منذ قليل, وكل ذلك يتم بحس شعبي عالي - رغم رصانة اللغة الفصحي - , التي يجري عليها التركيب الدارجي السوداني, والتي   عندما يوظفها في هذا التركيب الشعبي للغة الدارجة, تتحول الى لغة مدهشة تتماس مع الفصحى القحة , التي كتبت بها امهات الكتب..

- تمتلك لغة علي المك هكذا خصائص مرونة مدهشة,  تجعل قدرتها على الانتقال, في التعبير عن مواضيع مختلفة , غير محسوس -  , فتخال نفسك عند بعض المقاطع, تري تلك اللغة تبعث في طبعة جديدة عند علي المك ( اذا كانت اللغة اداة للتوصيل والتواصل الانساني, في المستوى الاول من وظائفها , الا انها كنواة للنظام الدلالي , ولما تتمتع به من قدرة سيميو طيقية خلاقة ومتجددة , بتجدد استخداماتها , فهي تعتبر وسيلة الادب, الذي يعد مستوى ارقى من التعبير ومن استخدام اللغة, على مستوى الشكل والمضمون , لذلك فارتباط اللغة بالخطاب الادبي وثيق , وبالاضافة لخصوصية هذا الارتباط , فالخطاب هو الذي يحدد لغته الخاصة, التي تفرز شكلها الملائم. وتتحرك فيه وفقا لقوانين هذا الخطاب , التي تحقق لكل منهما تميزه عن الخطابات واللغات الاخرى , وتحقق لكل لغة جمالياتها الخاصة (25)..

 يمضي راوي حمى الدريس في القول :( وقال قدم الى لورنس كانساس يزور اخته اولاً ويعالج لغته الانكليزية من بعد ، ويتحرى اصول البلوز .. لحظت انك اندهشت .. قالت : نطقي في الانكليزية لا باس به اليس كذلك لا تظن انني مثل بعض مذيعي راديو امدرمان لا يعرفون الفرق بين امريكا وام ريكا !! ضحكتما.. انقضى أوان حمى الدريس وشهور حمى الدريس انقضين وسفر الصيف ".." صدر كتاب الحكايات – كل العصور – المصادفة قاعدة .. اما الاستثناء ؟ يقولون انه بينما كان يعبر الطريق بصربها نظراليها، اليه نظرت حين نظرت الي عيني وفاء اول مرة كانت حمي الدريس كما تعرفها انت عن نفسك ، تفور في وجهها ، ما وصف احدعيوناً تغشاها حمرة ، هي حمرة، الدماء .. كان كتاب الحكايات ، يتحدثون عن المصادفة كما اعتاد الشعراء نبش العصافير في قبورها .. كل عصفور وصفوا عصفور ميت .. هل رايت الاحمرار في عينيها ، اذاك شي جميل؟ فيوصف اصمت صه ..تذكر صديقاً اذن دعني اقص عليك هذه .. نعم .."

  ولنلاحظ في المجتزأ أعلاه كيف استخدمت اللغة " وقال قدم الى لورنس..." كأنك تقرأ في مفتتح من كتب السير والاخبار العتيقة .. لكنك ما ان تمض قليلا حتى تفاجا بانك خارج من بطن المعاجم , الى لغة العصر  التي اختلطت بلغة هذه المعاجم  : " يتحرى اصول البلوز .." وهكذا مرورا بالتناص مع لغة القرآن وتراكيبها " عيونا تغشاها حمرة .."..ويمضي راو على المك في حمى الدريس ليفتحنا على مزيد من اغوار هذا الكون : اللغة(  تعود الي امر المصادفة عند كتاب الحكايات ، صدق اولئك ، كذبت انت عيادة طبيب ، ايام كانت ادواء الحساسية تأخذك كل جانب ، العام جله، تارة كله.. حكة تبدأ علي الاذن اليسري تقول تعالجها بظفر اذ يبلغ مقامها ناب تستكين وتغفو، تظن انك قضيت علي ثورتها ، احتويت حدتها ، هذه لغة السياسة كما تعلم .     يقولون الاحتواء واء .. واء .. انصرعن هذا العبث الساذج .. قل كلامك .. " حاضر طيب " ..

 قلنا تهبط الثورة من الاذن اليسري الي الساق اليمني .. طريق معقد كما تراه ، ولها معبد اذهي تسلكه غير هيابه سبيلها مجري الدم في لمحة اوبعض لمحة تنحدر يدك تتبعها بظفر،وقد تبلغ مكانها بناب،اوانت اعسر تكون اليد اليسري،او ايمن فباليمني .. بديهي ايها الثرثار .. تقول حين تبلغ ساقك اليمني بظفر من اصبع في اليد اليسري، ام هي اليمني ؟ انت معقد.. لا ريب لانك اعسر ، تسمع كثيراً من يذكر الشيطان في اليد اليسري ، والاعسر يخالطه الشيطان . صه يصعد الدم الفوار الي الكتفين والي الظفر نفسه الذي به نستعين . هذا يدعو ان تعض مكانه باسنانك كلها..) وفي هذا المجتزا نلاحظ بوضوح تخلل الحس الشعبي, لكل ثنايا اللغة:" حكة تبدأ على الاذن تقول تعالجها بظفر".."الاعسر يخالطه الشيطان "..وفي المجتزا التالي يوظف المك الذاكرة الشعبية المشتركة ,  بتوظيفه لاشارات تنتمي اليها  مثل حكاية دخول النيم السودان :

( شجرة النيم التي في البيت غرست يوم مولدك ان اجتثت تموت انت وان جفت عروقها قضيت ايضاً. ولله العجب! فلها انوثة طاغية تزهر قبل الاوان وتؤذيك .. وما الصوت الصفيري ؟ وما حكاية الناس في القمائر ؟ والنزلات المعوية ؟..

حسنا سافر الي بلاد ليس بها نيم ، كثيرة بلاد الله التي لم يدخل اليها اللورد كتشنر شجرته الاثيرة .. ذكروا هذا وصدقنا في عيادة الدكتور سعيد تلفزيون ملون، ومصلي .. والناس المرضي مؤمن وغير مؤمن جلس الي جانبها في العيادة– مصادفة اتفاقاً كان صوته الصفيري يسمع، وسعاله متصل يلتفت اليك المرضي من الناس من يعرف بصوت سعاله سيقولون هوذاك هو ذاك وليس لديك نظارة فتخفي وراءها العينين الحمراوين كل اولئك قد لحظوا امرعينيك تكون كارثةلوتبع هذا اولئك مااولئك سوي حك الاذن اليسري فالساق اليمني وبعد ذلك الانف والسرة وهلم جرا.....

اول مانزلت ارض مصر راك احد معارفك من الطلاب السودانيين تحك كل مكان تارة تحك فيما يشبه العنف اللذيذ، كالمحموم يلذ له الجلوس اوالوقوف تحت الشمس والشمس تصليه .. كنت انت .. قال صديقك الطالب في مصر " تغير الهواء " ، كان المفروض ان تاكل بصلة ساعة وصولك اليها ! مسكي طالب وبائس ما عرف من خيرات ام الدنيا شئياً سوي بصلها..) .. فنجده يستخدم  احدى اشارات هذه الذاكرة المشتركة للتعبير عن موقف نفسي راهن لا يخلو من الاسقاط التاريخي ...

على سبيل المثال نلاحظ رصانة اللغة في : عيونا تغشاها حمرة - ان جفت عروقها قضيت ايضا, الخ   -.. ومثالا للغة الفصحى التي اجراها مجرى الدارجة السودانية :  وما حكاية الناس في القماير والنزلات المعوية -انك اندهشت - المصادفة قاعدة - الفرق بين امريكا وأم ريكا, الخ  .. ومثالا ثالثا للتركيب المألوف في القص :  حين نظرت الى عيني وفاء اول مرة كانت حمى الدريس كما تعرفها انت ..

وهكذا نجد ان علي المك في  دمجه,الاسلوبين الذين اشرنااليهما : ( رصانة اللغة - والفصحى التي تجرى مجرى الدارجة السودانية ) في تركيب اللغة  , مع الاسلوب( القصصي المالوف) الذي يحاول انتقاء الكلمات الادبية في التعبير السردي, خلق اسلوبه القصصي المميز في مغامرة اللغة.. فمن هذا الهجين كانت(  حمى الدريس) النص القصصي ترتبط بحمى لغة النص وشكله .  بحيث شكل علي المك  من كل ذلك توحدا مع موضوعه : هذيان الحمى, التي سعى لتحديدها وتأكيدها على مستوى اللغة والفكرة-  التي حملتها هذه اللغة - . ما خلف اثرا  كبيرا فينا . ليس هو بموضوع  هذه القراءة. واخيرا نجد ان المك يتميز بقدرة على التوليدات في اللغة ,  بسبب قدرته العالية على الاختيار الواعي الحر للغته وقدرته الفائقة على بناء علاقات خاصة من عناصر اللغة العادية , كاشفا عن الطاقات التعبيرية الكامنة فيها : من حيث اللفظ وتركيب الجملة وبناء الفقرة  - وفقا لما اشرنا اليه - وهو ما عناه تشوفسكي بقوله :" ان اللغة خلاقة تتكون من عناصر محدودة وتنتج او تولد انماطا لا نهاية لها " .. ولغة المك بحاجة لدراسة متأنية فهي لغة متوترة مشحونة مقطعة متداخلة ومركبة تركيبا خاصا ..

يظل بروفيسور علي المك احد العلامات المضيئة في تاريخ القصة القصيرة في السودان - التي من الصعب تجاوزها دون الوقوف عندها طويلا -  , ومرحلة من عمر هذا الجنس القلق المتوتر المسمى بالقصة القصيرة  ..   

(3) العالم القصصي للشوش..

( وجوه واقنعة ) لدكتور محمد ابراهيم الشوش(26) , تندرج في ذلك النوع من القصص القصيرة المكثفة, التي يسميها النقاد في مصر " قصة الومضة ".. تقيم مجموعة عبد الحميد  البرنس - (تداعيات في بلاد بعيدة - اقصد القصص القصيرة جدا  ) -  حوارا مع هذه المجموعة .. كما تقيم هذه المجموعة حورا مع  مجموعة قصص القاص التركي  عزيز نيسين ( ذيل الكلب).. واعني هنا بانها تقيم حوارا ," التناص "..

 بمعنى ان فكرة التناص تنشأ من علاقة النص بغيره من النصوص , فالنص لا ينشأ في فراغ , وانما ينشأ في لغة / في عالم ممتليء بالنصوص الاخرى والابنية النصية والمعرفية التي تسهم في تكوين هذا النص من خلال محاولته للتعامل مع هذه النصوص من خلال العمليتين الحفريتين : " الاحلال والازاحة " , ومحاولة الحلول محلها في الكيان اللغوي, وهذه العلاقة هي علاقة تفاعلية,  تقوم على الاحتكاك بين النصوص, والتحاور معها. فقد يقع النص في ظل نص,  او نصوص اخرى(27) , وقد يتصارع مع بعضها.  وقد يتمكن من الاجهاز على بعضها  - مثلما اجهزت موسم الهجرة على صباح الخير ايها الوجه اللامرئي الجميل او اجهاز خريف البطريرك ومائة عام من العزلة على الفرقة الموسيقية وعصافير اخر ايام الخريف  - وتترك جدلية الاحلال والازاحة هذه اثارها على النص , والتناص هنا بين نيسين والبرنس والشوش, على مستوى آلية  المواقف في التناص السردي, وهي ادنى حد من اليات التناص , اذ لا تتجاوز المستوى الشكلي ..

حول قصص الشوش:  

تتميز القصة عند الشوش - وهي تجري على نسق الحكاية - بالتكثيف الشديد . ففي  قصته (ضياع) " عشرة اسطر فقط " يتركز المعنى في ان الاشياء التي ليس بامكاننا استبدالها او الاستغناء عنها هى في واقع الامر تلك الاشياء التي  لا نتذكرها ( قال عابر السبيل : منذ اشهر وانا اراك تأتي يا ابتي الى هذا المكان , وتبحث في نفس البقعة , هل ضاع منك شيء . قال الشيخ العجوز دون ان يرفع رأسه : نعم يا ابتي ضاع مني شيء ثمين . سأل الشاب : وما ذاك ؟ . اجاب الشيخ تلك هي المصيبة الكبرى يا بني انني نسيت ما هو . قال الشاب : وما وجه المصيبة في ذلك ؟ ان كنت لا تذكره فهو ليس بشيء . تمتم الشيخ وهو ينظر حوله وينقب في داخله : لو انني تذكرته يا بني لامكن ان استبدله او استغنى عنه بشيء اخر . اما الان فقد ضاع مني الى الابد (28) .. ففي هذه القصة يجري الحوار بين الماضي ( الرجل العجوز ) والحاضر ( الشاب) , ليكشف من خلال هذه العلاقة الزمنية , عن قيمة الزمن  المستقبلي غير المرئي , من خلال ما هو ماض - لكنه( كان) مستقبل" قبل ان يمضي" بالنسبة للشيخ العجوز  , فالمستقبل هو اى لحظة قادمة - ولان المستقبل دائما غائب , لا ملامح له سوى في احلامنا و خططنا التي قد تتحقق وقد لا تتحقق, والتي عندما لا تتحقق تسقط في جب الذاكرة , واطلالتها الى سطح الذاكرة احيانا يحمل معه نوعا من المرارات , ربما .. وربما لا شيء . ومع الاعتياد ربما ننسى . لكن يظل الزمن الذي بامكاننا - في الماضي- كان من الممكن ان ننجز فيه هذه الاحلام والخطط , دوما هو زمن عزيز علينا , وبنسيانه  يسقط شيئا عزيزا من وجداننا ..وتحتمل هذه القصة اكثر من هذا التأويل الذي  توسلها بالزمن . وتلك هي طبيعة النصوص المكثفة, اذ تحتمل العديد والعديد من التأويلات. فهي نصوص مفتوحة على فضاء شاسع من التأويلات الممكنة .. 

وفي قصة ( الحافلة)التي ككل قصصه لاتزيد عن اسطر قليلة , مضي بنا الراوي  للتعبير عن لحظة انسانية( مصادفة) يمكن ان تحدث لاي انسان , لكنها تكفي الى احداث تغيير وجداني يظل ممسكا بتلافيفه طيلة سنوات عمره القادمة(29).. وفي قصته " تحسن" يتكثف المعنى حول الزمن المعنوي , واثره على شعورنا بمدى سؤ الاحوال او تحسنها(30).. وفي قصته ( المهم ) يمضي للتعبير عن مدى سلطة المال في تغيير مواقف البشر (31) ..وكل هذه النصوص للشوش هي نصوص مفتوحة للتاويل لاحتمالها معان عديدة ..

ويلاحظ على قصص الشوش اعتمادها على المفارقة وروح النكتة والسخرية ( او ما يشبه الكوميديا السوداء )  في توصيل  رسالة النص,   ونموذجا لذلك سنتخذ من قصته (البنسلين الى جانب قصص اخرى ) نموذجا للدراسة ..

المفارقة في عالم الشوش القصصي...

يقول شليجل" اننا لن نصل الى المفارقة, الا بعد ان تكون الاحداث والناس , بل الحياة بأسرها مدركة وقابلة للتمثل بوصفها لعبة , فالحياة حشد من المتناقضات, والمتعارضات التي لا يمكن الامساك بها, في اطار موحد من الادراك. اللهم الا بعد ان نصل, الى حالة من ادراك ان المفارقة هي جوهر الحياة(32) .. 

هذه القصة ( البنسلين ) ( 33)اشتغلت بالتعبير عن ازمة التعبير , والحجج الواهية التي يتم التبرير بها لهذه الازمة .. فالقصة( على لسان الراوي المتواري) تتكشف خلال حواربين كاتب  تم رفض نشر مقاله, من قبل رئيس التحرير , فيمضي للحوار مع هذا المسئول, للتعرف على اسباب منع مقاله من النشر (  قال رئيس التحرير في يأس : - انني آسف ولقد اوضحت لك الظروف , وليس عندي ما اضيفه ".." لم يقل لي احد من قبل ان الظروف قد منعت نشر مقال لي . فما هي الظروف التي جدت هكذا فجأة, بعد مجيئك انت الى رئاسة التحرير ؟ . قال رئيس التحرير : - يا اخي الظروف قد تتغير فجأة , فقد ظلت الامراض تفتك بالبشر قرونا طويلة حتى اكتشف العلماء البنسلين .).. ونلاحظ في هذه القصة قوة المفارقة في ذهن الكاتب , من مقارنة  الحال التي لا تجوز فيها المقارنة على هذا النحو .

وفي قصته ( مذكرة تفسيرية ) . التي يستهلها بالحوار, بين رئيس تحرير ومحرره للصفحة الادبية, حول عدم نشر نص شعري, لا حد الشعراء الشباب البارزين " قال رئيس التحرير لمحررالصفحة الادبية : يا اخي الموضوع ابسط من ذلك بكثير , فانا لست ضد الشعر المعاصر, او المستقبلي او الحديث او الحر او المنطلق . سمه ما شئت . ولست امانع ان تنشر له قصائده , فهو كما تقول شاعر معروف وله معجبون في اوساط الشباب . كلما في الامر انني - ربما لغبائي الشديد - لا افهم حرفا واحدا في شعره , ولا ادري ماذا يريد ان يقول . وبوصفي رئيس التحرير, المسئول عن كل كلمة تكتب في هذه الصحيفة , فانني اصر بان يرفق مع كل قصيدة, ننشرها له  مذكرة تفسيرية, توضح بلغة عربية سليمة, ما يريد ان يقوله بالضبط , لانني بصراحة , لا اريد ان انشر شيئا لا افهمه , فاتورط في مصيبة (34) .. اذ تركز هذه القصة الضؤ على منطقة مهمة من الصراع في المشهد الثقافي / الاعلامي .. وهو ليس مجرد صراع بين قيم الحداثة والقيم التقليدية , اذ يتعلق في جوهره بالاسس المعنوية, التى ينهض عليها طرفي الصراع ,  فهذه الاسس المعنوية هي ما يشكل القاعدة لجوهر الصراع: " المصالح " .. لكن لا يعبر هذا الصراع عن نفسه بهذه الفجاجة " المصالح " بل يتمظهر بطرق واساليب اخرى , هي  الصراع بين القديم والجديد  في مستويات مختلفة  : لكن الى اى مستوى هذا الصراع ؟ فهذا ما انطوى عليه النص , كسؤال للتاويل ..

وفي قصته (معجزة) يدور الحوار  في احدي البلدات, عن انها لا تعتبر انه لو حدث وتكلم الحمار , يمثل ذلك معجزة , حيث يعمل المعنى البعيد _ على المستوى البلاغي  -  بدلا عن القريب ( قال الصحفي في لهفة لشيخ البلدة الصغيرة : هل صحيح ما سمعت انكم وجدتم هنا حمارا يتكلم ؟ . قال شيخ البلدة بدون اكتراث : نعم . قال الصحفي : هذا شيء غريب للغاية . لا اصدق ان هناك حمارا يتكلم , الا اذا رايته بعيني وسمعته باذني . رفع شيخ البلدة رأسه وقال في هدوء : وما الغريب في ذلك ؟  قال الصحفي وهو في حالة قصوى من الدهشة : حمار يتحدث كالادميين تماما , الا يعد ذلك معجزة خارقة في نظرك ؟ قال الشيخ وهو ينصرف الى عمله : لا ! اننا لا نعد ذلك معجزة في هذه البلدة(35) ففي هذه القصة يدور  سؤال المفارقة حول  التبلد الذي اصاب الانسان , جراء هذا الواقع ( الذي في حقيقة الامر غير واقعي مع انه واقع معاش لكنه غريب!!) , ولذلك اختيار الصحافي ( بوصفه ملاحقا للاحداث  واحد عناصر تشكيل الرأي العام بل احد اعمدة صياغة المعنى الاجتماعي العام ) فبهذه الصفة , تتبدى المفارقة في كون ان الرجل العجوز الذي ليست له وضعية الصحفي ادرك غرابة الواقع التي لم يستطع ادراكها هذا الصحفي بعد, على الرغم من وضعيته كصحفي .. وهنا  يأتي توظيف الحمار الذي يتكلم كاسقاط على شخوص الواقع !!!..

وبالاحالة الى قول زولجر : " ان المفارقة لا ينبغي ان تختلط بالسخرية " سنجد ان الشوش يحاول ازاحة المفهوم التقليدي في البلاغة القديمة للمفارقة " تنقسم المفارقة الى نوعين : - المفارقة اللفظية ومفارقة الموقف . وتتحقق الاولى في النص الادبي على المستوى البلاغي ومستوى التعبير واسلوب السرد والشكل الادبي عامة . اما النوع الثاني فيعتمد اساسا على المستوى التاريخي والايديولوجي (36) ..

ربما ان اعتماد الشوش للمفارقة جاء من كونه احد افراد جيل التحولات الاجتماعية والسياسية الضخمة , التي عاشت الهزيمة السياسية والاجتماعية لسودان ما بعد الاستقلال , ورأت احلامها الكبرى تنهار يوما بعد آخر , فلم يبق امامها سوى الغربة و الشعور بالغرابة  .. وحملت كتابات هذا الجيل , آثار هذه الهزيمة . لتكون هنا - في السرد - تجسيدا للمفارقة بين الحلم والواقع , في تطور المجتمعات السودانية . نتاج الانكسارات والهزائم .المريرة .

(4) قراءة في عالم زهاء الطاهر القصصي.

اللغة و الراوي ..

زهاء الطاهر احد كتاب القصة القصيرة , الذين افرزتهم مرحلة التحولات الحداثية , منذ اواخر السبعينيات من القرن الماضي .. ملمحان اساسيان يستوقفان قاريء زهاء الطاهر , سواء كان في كتابته القصة القصيرة( مجموعة ليلى والجياد - مثلا ) او في ( وجه جالا يتجلى  - كتابة ) (37), التي اصدرها عن مركز الدراسات السودانية في العام  2003. او في قصصه العديدة التي طالعناها في الملفات الثقافية المختلفة . والملمحان الاساسيان هما : - الاسلوب المميز في تعامله مع اللغة القصصية , او لغة الكتابة كما في وجه جالا يتجلى   - ونوعية الراوي ( المتكلم ) التي يستخدمها في كل كتاباته . حتى في , خطابات  تكريم الاخرين ( عثمان علي نور : العدد الثاني والعشرون من كتابات سودانية - ديسمبر 2002 - والتي استعنا بمجتزا من خطاب  زهاء في هذا العدد الخاص بتكريم مركز الدراسات السودانية لعثمان علي نور , في مقدمة هذا الكتاب ) .وقد أشار الناقد معاوية البلال من قبل الى أن زهاء الطاهر من اميز القصاصين , الذين يستخدمون صيغة المتكلم , كاسلوب سرد ذو فعالية , دون افتعال(38)  وتعمل هذه الصيغة بالاحالة للبلال على توافق سردي بين الايقاع والنسيج وتعمل على ضبط حركتها داخل النسق السردي من خلال تدفق  الوعي . وصيغة المتكلم هذه تقنية حديثة, تتيح ما يمكن قوله الى ما يجاور ويلامس تخوم الشعر , وارتبطت هذه الصيغة بتيار الوعي ..

كما ان لغة زهاء الطاهر القصصية , تتميز بالاختزال والتكثيف والايحاء, واستخدام المفردات فيما يشبه الجناس مع توظيف المترادفات أيضا  (39).. و  كتمهيد لقراءة الراوي في قصته القصيرة ( الساهي) (40) .. نبدا أولا  بملاحظاتنا  حول اللغة في ( وجه جالا يتجلى )...

أولا : اللغة في وجه جالا يتجلى:

تتكون هذه المجموعة ( وجه جالا  يتجلى ) من 13 نص  ( اتتركني ليزدردني وحدي المطر - ليتها لو انها كانت هي الزمن كله - حين خرج المساء من بهر السماء - شربنا فهمنا فاستهامت نفوسنا - آه يرول ما انقى لسانك - محمود محمد طه آخر عهدنا بالفرح - وجه جالا يتجلى - هي دنيا تحجل في رونقها - زاك .. ايها الولد المشاكس  .. اين نحن الان ؟- ويزهر الطيب صالح هكذا .. دوما هكذا - نضرة وزاهية هي الطائرات رغم اجهادها - ثم اني لا املك الا اوتاري وعقيرتي )..  واول ما نلاحظه على هذه المجموعة وجه جالا يتجلى التوظيف المدهش للغة عند زهاء . اذ تتناثر مفردات العامية لتشكل مع الفصحى ولغة الوسط جسدا واحدا لا تكاد تبين بينه المستويات الفاصلة للغة .  لكننا سنتخذ هنا نموذجا نصه  الذي  وظف فيه  أيضا لغة غرب السودان( النص :  يا بعض اهل الله بالله كيفكمو ؟ ) . 

اللغة بالنسبة لسوسيور جزء معين من الكلام, وان كانت اساسه الجوهري , وهي كل مستقل بذاته قابل للتصنيف , وعلى ذلك فان اللغة هي :  نظام من الرموز المختلفة التي تشير الى افكار مختلفة (41) يقول علماء اللغة : ان ادراج الكلمة في بنية مركبة متعددة المستويات , يضفي عليها قيمة دلالية موحدة, تجعلها صالحة لاداء وظائفها على هذه المستويات المختلفة (42) .. واللغة عند زهاء الطاهر مدهشة . بانسيابها, ونعومتها.. هذا المزيج من الدارجة التي تتخللها مفردات من غرب السودان , وفقا لتراكيب ا العربية الفصحى .

ويتقاطع زهاء الطاهر هنا على _ مستوى اللغة _, مع لغة الطيب صالح : لغة وسط السودان , ومع ابراهيم اسحق في استخداماته المزيج , وبذلك تشكل اللغة في كتابة زهاء الطاهر نسيجا مختلفا عن اللغة عند الطيب صالح  بذات درجة الاختلاف عن اللغة عند ابراهيم اسحق , اذ تقف لغة زهاء في منتصف المسافة بينهما , لكنها تقيم حوارا مع اللغة عند كل منهما , فلغة زهاء ليست صعبة  بمفردات غير مألوفة تماما  , كما نستشعر عند ابراهيم اسحق . وليست سهلة بسيطة, كما نجدها عند الطيب صالح .

وربما اسهم  زهاء بذلك  في لعبة اللغة القصصية , بأن جعلها - لغة القصة - قادرة على تأدية معانيها الى اقصى حد ممكن , لكأن لغته تخرج من اغوار ذلك العالم الحكائي الحلمي الناعم  لالف ليلة وليلة , لتمتزج بلغة القصة المعاصرة ولغة  الشعب في غرب ووسط السودان . ليشكل هذا المزيج خصوصية اللغة عند زهاء . ونلاحظ ذلك في  "  يا أهل الله بالله كيفكمو " (43)  , وقبل ان نسترسل في وجهة نظرنا نشرح هذه القصة " يا اهل الله بالله كيفكمو " بهذا التخطيط السمولوجي :

التعليم المدني الدراسة

النجاح في الدراسة والتخرج والوظيفة 

الرضا التام بما تم التوصل اليه .

انعدام  الرضا

المخطط يشرح المنفعة التي يسعى اليها بطل القصة ( الراوي المتكلم/  زرقان) . فقد تحول , لدى لقاءه امرأة " جفالة" من " مهاجري " : أي   طالب علم قرآني في الخلاوى . الى طالب تعليم مديني "  رأتني حين رأيتها .. مالك والشرافات وقد سمع وحطب الخلاوى .. كلمت ناظر المدرسة عشان ياخدك في المدرسة تدرس مع العيال (44) " ..ونجح في دراسته بالتعليم المديني وتخرج من مدرسة الرسم " التي صاغوني بها جيدا , حتى صيروني مدرسا بها (45) " . لكنه لا يشعر بالرضا بعد كل هذه السنوات " يا ولد. ناديت على نفسي .. هو انا في اسمال الذكرى .. ازمان الرمل والمدارس بكل فصولها الاربعة ومستقبل الالوان الذي تسبب في موتي وبعثي , لكني لم اشا . وزغردت جفالة بجلال وجمال ووفاء , فيا بعض اهل الله بالله كيفكمو ؟ (46)" .  ويشرح المخطط ادناه الضرر المحتمل, لبطل هذه القصة جراء تركه لطريق اسلافه , واتخاذ طريقا مدنيا جديدا:

مساكنة زرقان لجفال .

التخلي عن حفظ القرآن في الخلوة.

التخلي عن جفالة  

التخلي عن حياة الخلوة ضياع زرقان

فقد تخلى زرقان عن حياة الخلوة. والمهمة الاساسية التي ابتعثه اهله لاجلها " حفظ القرآن " بمساكنته جفال , ما يعد ضياعا له وفقا لوجهة نظر الفقيه الذي يحفظه القرآن ووفقا لوجهة نظر اهله وزملاؤه " وبكى الفكي ابكر كثيرا حتى تمخط ثم استغفر وهو يقول : - زرقان ضاع الى الابد (47)" . وانخرط زرقان في التعليم المدني واستمرت حياته مع جفالة بعد التخرج والوظيفة .

حملت لغة القصة عند زهاء هذه الافكار,  بسهولة ويسر. فبينما نجد لغة الوسط تكاد تطغى على لغة النص :" يلا بينا فقرا .. وتغطيني من العين , واكتب لي بخرات .. ثم خرج الفكي مبسوطا .. يا ولية كيفن اقعد وسط عيال فرافير ادرس معاهم ؟ .. بكره من صباح الرحمن تمشي السوق لحمدين الترزي , الخ ..)  نجد ان الفصحى تزاحم  هذه اللغة " فلما مددت لها بآياتي المكتوبة .. كان عاما كريما حين خرج بنا الفقيه  ابكر المسلاتي ..  ذهبت معها وقابلت الناظر والمدرسين , الخ ..) يتخلل هذين التوظيفين للغة مفردات غرب السودان  بصورة تنافس التوظيفين السابقين للغة ( عبد البنات ..الأضية .. جفالة .. أبكر المسلاتي .. انبسطت الداجاوية .. دقيق الجير ..اسكت يا جنقجورا .. وانا الأرنتنق ضحكت معها ..  ترى انتايا الناظر .. الورتاب , الخ ). فاللغة عند زهاء ليست مجرد مرآة عاكسة للحياة .فقط _ حياة هذه الشريحة من الناس : المهاجرية _ بل هي كائنا في حياة هؤلاء المهاجرية , يقع في قلب عالمهم المحفوف بسلطة الفقيه,  والتعليم المديني والمجتمع ,  الذي تنتمي اليه جفالة , بكل طموحاته وتطلعاته ..ومن هنا لا تكتفي اللغة في يااهل الله بالله كيفكمو في توصيف العالم الباطني للراوي  المتكلم بطل القصة وحبيبته جفالة , اذ تتحول الى نشاط يكشف عن دلالات كثيرة وغنية , تتلاقح  فيها لغة الوسط مع الغرب   والفصحى .. " ان الامساك بالجانب المتعلق بمحتوى اللغة بصورة علمية,  هو اصعب من الوقوف على الجانب المتعين منها , اى الجانب الذي يتمثل في التعبير بصورة ملموسة , فالوحدات التي تتمثل على مستوى الدلالة, اكثر كثيرا منها على مستوى النحو او الصوتيات . ذلك بان ما هنالك من صيغ نحوية وأشكال صوتية اقل مما هنالك من المعاني (48)..

وتقودنا هذه الملاحظة الى حقيقة ان محتوى النص  اللغوي, مراوغ بحيث يصعب ضبطه, على نحو ما يصنع علم النحو, او علم الاصوات اللغوية . واهم من هذا ملاحظة ان المعاني  - على ضخامة حجمها - انما تتجسد لغويا في عدد محدود نسبيا من الصيغ . وهذا ما يخلق مسافة كبيرة في بعض الحالات . بين الصيغة النحوية والمحتوى الدلالي للعبارة . ولتوضيح ذلك لنفكر نحويا في الجملة عند زهاء الطاهر . على سبيل المثال : ( كنت اسجع . فقربت مني (49) فمن الناحية النحوية تحدد هذه الجملة علاقة بين فعل وفاعل . لكن من حيث الدلالة الامر مختلف فاقترابها " جفالة " وهو " زرقان " في سجعه  نحويا يمكن قراءتها بصورة عامة هكذا : (  التاء في محل رفع اسم كان . واسجع فعل مضارع مرفوع . والفاء للعطف وقربت فعل ماضي . والتاء للتانيث في محل رفع فاعل . ومن حرف جر والياء للمتكلم و مني : " جار ومجرور" ).. وعلى المستوى الدلالي نجد ان جفالة ليست هى فاعل الاقتراب, , لان سجع زرقان,  مارس دور الغواية, ودفعها للاقتراب. فهى اقتربت مدفوعة دفعا بغواية السجع . بالتالي زرقان اقرب لان يكون فاعلا في حاله : السجع .. وهي اقرب لان تكون مفعولا بها . عكس القراءة النحوية . .  التي تعلن عن حالة الفعلية في ( كنت اسجع ) في شقها الاول , وفي شقها الثاني ( فقربت مني ) تعلن عن حالة  الفاعلية . في حين انها تضمر بشقيها الاول والثاني على المستوى الدلالي  - وفقا لما ننحاز  اليه من تأويل - حالة واحدة فقط اما : الفاعلية , او الفعلية . وتقودنا هذه الملاحظة الى الوقوف على اللغة,  بوصفها نظاما عاما ينطوي على مجموعة,  من النظم المتكاملة والمتآزرة ( النحوي - الدلالي - الوظيفي ) ولمزيد من التوضيح,  يمكننا اخذ مثال من النص ( حملنا اخراجنا على ظهورنا . ظهور ايامنا  (50) . فهذه الجملة المكونة من جملتين متصلتين - طريقة بناء الجملة عموما عند زهاء - يربطهما التأكيد (ظهور - ظهورنا) . موضوعها" الايام" - وليس "الاحمال" كما قد يتبادر الى الذهن, على المستوى النحوي - فالكلام هنا وصفي . يصف فيه المتكلم بضمير الجمع, ان للايام ظهور . فهو يعرف ذلك .و مفردة " ظهور" نفسها . ليست غريبة على احد فلكل شخص ظهر- بله كا كائن حي نراه حولنا - كما ان هناك فضل الظهر كتعبير كنائي . لكن ليس ذاك هو غرض المتكلم . فهو يريد تمليكنا معلومة جديدة هي :  ان ظهورهم التي حملو عليها احمالهم, ليست هي الظهور التي نعرفها . فهي ظهور الايام واكد على ذلك بالتكرار .

وهكذا نجد ان المتكلم اضاف هنا حقيقة جديدة للايام   من معنى يندرج في التجريد الذهني , الى جسم مادي محسوس, وهو ان للايام ظهور. بالتالي لها جسد هذا الظهر جزء منه  وهذه الحقيقة هي حقيقة محتملة بين عدد من الخيارات,  فمثلما للايام ظهر لها انياب وساق واقدام واسنان وعيون ولسان , الخ الخ .. وهو امر مدهش ان تكون الايام = غير المحسوسة . جسد محسوس . فمن خلال الدلالة التي يحملها اللفظ , ندرك هذه المعرفة الجديدة , وهكذا ...

ان زهاء الطاهر بلا شك اضاف للغة القصة القصيرة اضافات هامة . واتصور انه الى جانب ابراهيم اسحق,  قدما مداخل لمشروع لغوي جذري للقصة _ ينهض في بلاغة وجمال الدارجة ولغة غرب السودان _ . حري به ان يكون هولغة مستقبل القصة الحديثة في السودان . التي تتلاقح وتتفاعل فيها لغات السودان في مختلف اطرافه, ليتخلق من هذا المزيج, نص لغوي مشحون بالدلات المتنوعة,  ويفيض بالمعاني المدهشة ..   

 ثانيا : الراوي في الساهي :

لابد لنا من الاشارة الى ان للمتكلم في الحكي حالتان : اما ان يكون الراوي, خارجا عن نطاق الحكي , او ان يكون شخصية حكائية, موجودة داخل الحكي . فهو راو ممثل داخل الحكي . وهذا التمثيل له مستويات " فاما ان يكون الراوي مجرد مشاهد متتبع لمسار الحكي , ينتقل عبر الامكنة , ولكنه مع ذلك لا يشارك في الاحداث . واما ان يكون شخصية رئيسية في القصة " . وعندما يكون الراوي ممثلا في الحكي _ كما في قصة الساهي _  , اي مشاركا في الاحداث اما كشاهد او كبطل , يمكن ان يتدخل في سيرورة الاحداث, ببعض التعليقات  او التاملات , تكون ظاهرة ملموسة . اذا ما كان الراوي شاهدا , لانها تؤدي الى انقطاع في مسار السرد , وتكون مضمرة متداخلة مع السرد , بحيث يصعب تمييزها اذا كان الراوي بطلا . وفي بعض الحالات التي يكون فيها الراوي غير ممثل في الحكي , ويلجأ الى التدخل والتعليق على الاحداث , فان الامر قد يؤدي الى تصديع البناء الخيالي الذي اقامه الراوي نفسه_ وهذا ما لا نجده عند راو زهاء _  , اذ يصعب بعد هذا على القاريء ان يصدق بان الابطال لديهم حرية الحركة والتصرف .(51)..الراوي / المتكلم  في الساهي يباشر بالحديث المتواطيء  عبر الجملة ذات الايقاع الوصفي , ما يجعل المتلقي منذ السطر الاول يشرع مشاعره لتداعيات هذا  الراوي " ومفعما كنت حتى الجلد , وحتى منبت الكلام وأرجاء الروح الهادلة , وشائقا كعهدي , وشيقا كعهدها ومندفعا كلي نحوي , تواقا وعذبا كنهير في حلم أخضر . فياضا ومسكونا ببعض الوحي الموحي . كنت كأني اصيل مذهول (52)" فنلاحظ في هذا المجتزأ ان الجملة التعبيرية تدفع بالقاريء الى التسلل الى النسيج السردي . اذ يستخدم زهاء الاحالات المجازية الباعثة على التأثير في وجدان المتلقي "  ومفعما كنت حتى الجلد - اصيل مذهول ومنغوم , الخ " وهكذا يتم توظيف طاقة الانفعال في المجاز الذي يسقطه في عالم الاشياء " لاصبحت لهذه الادارة نكهة آسرة وحالمة " واستخدام المجاز هنا ليس الا مستوى من مستويات التعبير عند زهاء , والذي يستخدمها في توسل الراوي للتحقق مما يسرد .

الانا / الهي:

يرصد زهاء هنا شخصية الراوي عبر ضمير المتكلم , وشخصية سالي (الهي) مبينا كيف نشأت العلاقة بينهما من قلب التناقض " مالها لو غارت او طارت , فان فعلت فحتما ابدا لن اطراها طريت النبي "- " لو انه توقف او اوقفوه وفارقنا لاصبح لهذه الادارة نكهة اخرى " .. وهكذا ابتداء يتم تحديد الابعاد النفسية للانا ( الراوي) ول (الهي) = سالي موضوع حب وحنين الراوي .. ويجد المتلقي نفسه مرتبكا, ازاء هذه العلاقة , فالعلاقة تنهض بشكل اساسي في ( السهو ) وهكذا يشكل السهو محورا لعلاقات السرد , تنهض فيه علاقة الراوي الساهي بسالي الساهية . " مرة اخرى رفعت راسي بجبهته العريضة ولم اسألها بل سألت ضيفتها : اما جاء وسأل عني احد في غيابي يا رجاء ؟ لم يكن اسمها رجاء . ابدا لم تكن رجاء فغمغمت بضياع ثم قالت لي : - فقط ابوك سال عنك لكنه لم يجيء . اين كنت يا ناصر ؟ .. لم يكن هذا اسمي ابدا لم اكن ناصر ... اذا هي امك التي سألت .. ابتسمنا ثلاثتنا واخرجت لهما صورة امي من جيب جلبابي .." .. واخيرا : تحتشد هذه القصة بالدلالات والرموز التي تتأسس على المفارقة في  عدم تطابق الاسم مع المعني " رجاء / الرجاء " - " ناصر / النصر " . . يسرد زهاء بضمير الراوي بلغة مميزة لا تعوق الحدث . لغة مزيج من العامية والفصحى . يسحبنا بهذه اللغة الى اغوار سرده دون ان نحس بملل ..

(5) عادل القصاص  و"الوصف" في صور زنكوغرافية ليوم عادي ..

عادل القصاص , احد القصاصين المميزين الذين افرزتهم,  مرحلة التحولات الحداثية, في القصة القصيرة في السودان . وقد بدأ في نشر انتاجه القصصي, منذ اواخر الثمانينيات من القرن الماضي , وهو من القصاصين الضنينين بالنشر , كما وصفه القاص بشرى الفاضل ...

القصة موضوع قراءتنا  " صور زنكوفرافية ليوم عادي ..(53) " واحدة من قصصه المتميزة , اللتي حملتها مجموعته  " لهذا الصمت صليل غيابك" .. وكنا قد قدمنا من قبل , متابعات نقدية  حول قصته " ذات صفاء , ذات نهار . سادس اخضر (54) الى جانب قصته " نشيد التماسك (55)"..,  تمهيدا لنشرها في ادب ونقد . ولكن يبدو انها ضاعت ,مع كثير من الكتابات التي تضيع في المنافي , فسمة المنافي التنقل الدائم وعدم الاستقرار .

الوظيفة التي يلعبها الوصف في النص القصصي , ظلت تجد اهتماما مستمرا , لدور هذه الوظيفة في : التفسير والترميز معا - فهي ليست مجرد حلية للاسلوب كما كان يعتبرها النقد القديم , ولاهي بمثابة تجميل للقصة فحسب - اذ يتحرك الوصف فيما يحيط بالشخصية , او المكان ليكشف عبر توصيفه  المكان او الاشياء التي توجد  فيه , عن التركيب النفسي للشخصية , مشتغلا في التبرير لسلوكها - الشخصية - ..

فوظيفة الوصف رمزية  وسببية , كما انها ايضا نتيجة " ويعتبر الوصف, عنصرا ذا اهمية حيوية, في العرض. بخلاف ما كان عليه, في العصور القديمة , وقد انتهى هذا التطور, الى غلبة العنصر الروائي في القصة , اذ وظف له العنصر الوصفي, الذي فقد ما كان يتمتع به من استقلال ,مقابل اكتسابه للاهمية الدرامية , غير ان هناك بعض المحاولات القصصية المعاصرة, تهدف الى تحرير الوصف ,من سطوة الحكاية , عن طريق بناء ما يسمى  ب "الحكايات الوصفية" (56)" ..

 والراوي في هذه القصة : ( صور زنكوغرافية ليوم عادي ) - هذا اليوم غير العادي  في واقع الامر , فالمفارقة انه في مكان مثل البلاد, محل هذه الوقائع يعد عاديا, نتاج تراكم العسف والقمع الناهضان في التجسس, وحركة اجهزة الامن.  كما حددت اللغة الوصفية  المشحونة, بالوقائع والاحداث والانفعالات !! - , يتم تقديمه لنا عبر الوصف  - منذ الاستهلال - الدقيق , لصور واقعية  مشحونة ومحتقنة , لمشاهد من الحياة اليومية . يصف فيها  : حالة متوترة لبطل المشهد الاول ( انحنى بزاوية حادة نحو الارض . جهدت يده اليمنى في محاولة جادة لالتقاط  كتاب, من وسط الكتب ,التي كانت تفترش الارض ,بطريقة حاول فارشها ان تبدو قدر الامكان , متسقة . وباسلوب فوضوي اقرب للتشنج , وباتحاد عشوائي, مع قدميه النابت منهما ساقان مرتجفتان , راحت يده اليسرى. تحاول منعه الانكفاء, على وجهه . حينما كانت اليد اليمنى, تلامس الكتاب , امتدت ثلاث من اصابعها, بالانكماش نحو الراحة . وبينما افلح الابهام والسبابة, في التقاطه , تحولت الزاوية الحادة الى منفرجة .. فالى وضع طبيعي (57)" .

فعبر هذا المقطع الوصفي , نستطيع تحسس مدى اهتمام بائع الكتب بالنظام . ومدى الجهد الذي يبذله, هذا المشتري للحصول على الكتاب . حيث يعبر الوصف عن حالته النفسية .. حالة التوق لتحقق الامتلاك للكتاب. فالوصف هنا, يقدم لنا موضوع الاستهلال  , وفضاؤه واشياؤه , في بطانة من الحمى والمقاومة  .

فالقصة كلها تنهض في مناخ العسف, والرقابة والخوف. بكل ما يعتمل في الوجدان, من حذر وترقب الاعتقال.. فهذه الحمى تتحكم في مسيرة, بطل القصة وهو  ينتظر الحافلة, او يركبها متخللا الزحام, باحثا عن موطيء قدم ,او وهو يستيقظ من نومه, ليمضي الى مساعدة عم خضر او  لعب الدومينو, مع عم  جابر او وهو يتبادل المثاقفة, مع اصدقاءه حول: الكتابة و الكتاب والموسيقى, والغناء  والحياة والناس. والاجتماعي المأزوم الذي يتخلل كل ذلك . الى ان يتم اعتقاله في المشهد السادس .

 تمر كل هذه المشاهد عبر الوصف, متخللة الوحدات السردية الصغرى, بروح البوح  المعطون في التساؤل , محمولة على اكتاف اللغة المجازية , بكل ما تحتوي على طاقة انفعال . لتشكل مجالا ديناميا, يمثل  فيه البطل الذي تعرفنا عليه ,ابتداء من الاستهلال , مركزا لاحداث ووقائع الفضاء القصصي , اذ يلقي بظلاله على مشاهد الحياة الاخرى " كان ركاب عربة البوكس  صامتين , يحاولون تجنب النظر الى بعضهم ,بالالتفات يمينا او يسارا, او بانكفاء رؤسهم على صدورهم, الا من اختلاس النظر, بين لحظة واخرى, الى وجهي فتأتين ,كانتا من ضمن الركاب . وحينما تركت العربة شارعا, ذا اشجار ضخمة وعتيقة , منتقلة الى شارع ذي بنايات حديثة وسامقة , قالت احدى الفتأتين للاخرى الجالسة بجوارها : - انني بعد كل محاضرة , ازداد اعجابا واحتراما للدكتور مكي, ارأيت كيف ناقش اليوم, أزمة المثقف السوداني ؟ .. - ولكن الا ترين معي, ان رؤيته للمسألة كانت ممنهجة بصرامة ,ومتطرفة اكثر من اللازم ؟ .. - وهذا ما نحتاجه حقا في هذه المرحلة . - معك حق. ففي مثل هذه الظروف ,لسنا في حاجة للحلول الوسطى . . انتبهت اذنا شاب كان يجلس قبالة الفتأتين . انتقل الانتباه الى عينيه. مسح وجهي الفتأتين بنظرة مستقيمة . وبلا تفكير , وبطريقة آلية , تحولت نظراته الى وميض غريب . توقفت العربة, في المحطة النهائية . نزل الركاب . اشعل الشاب ذو النظرات ,ذات الوميض الغريب .سيجارة ثم سار خلف الفتأتين (58)" ..

وهكذا يختم راو القصاص يومه غير العادي , بمتابعة رجل الامن للفتاتين . . ان غلبة الوصف في نص ( صور زنكوغرافية ليوم عادي ) على السرد , تأتي بابراز عالم الاشياء و شحن هذه الشخصية  بمزيج من المشاعر المتناقضة , لتكون الشخصية  بهذا التركيب النفسي المعقد , معادلا موضوعيا  لمتناقضات الواقع  الحي المعاش ..

وكل ذلك عبر وظيفة الوصف . الى ان تختم القصة ببناء الوحدات السردية المقتطعة ,من مشاهد الحياة  الواقعية , من حيث حركة الاحداث .. اذ يمهد القصاص, لكل حدث . بمناخاته الشعورية. ما يجعل الشخوص, اكثر قدرة على مواجهة مصائرهم المأساوية .

هامش:

(1) معاوية البلال . الشكل والمأساة " دراسات في القصة القصيرة السودانية " . الشركة العالمية للطباعة والنشر.  ص: 9

(2) مجلة فصول للنقد الادبي . الهيئة المصرية العامة للكتاب  المجلد 16  العدد الثاني خريف 1997. ص : 17

(3) مجلة الثقافة الجديدة. قصور الثقافة . العدد 172. اكتوبر 2004 .    ص : 108

(4) معاوية البلال.  الكتابة في منتصف الدائرة. الشركة العالمية للطباعة والنشر . ص : 132

(5) معاوية البلال . الشكل والمأساة " مرجع سابق "   ص : 32

(6) كتابات سودانية " كتاب غيردوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد 22 ديسمبر 2002. ص :133

(7) السابق  ص ك 136

(8) نفسه ص : 134

(9)  نفسه  ص : 135

(10) جابرييل غارثيا ماركيز . ذكريات عن عاهراتي الحزينات . ترجمة  د.  طلعت شاهين . طبعة اولى ديسمبر 2004. سنابل للنشر والتوزيع . القاهرة (11) _ مناظر من أرض جديدة ( قصص لكاتبات من اميركا اللاتينية ) . ترجمة ايزابيل كمال .قصور الثقافة . آفاق عالمية . طبعة اولى 2003.

 -  أليثيا شتايميرج (1933) كاتبة ارجنتينية . كتبت اربع روايات ومجموعة قصص قصيرة . من اهم الكاتبات المعاصرات في الارجنتين .

(12)كريستينا بيري روسي .كاتبة من اوروغواي . ولدت في منفيديو . وهي ابنة لمهاجرين ايطاليين . وتعمل والدتها مدرسة . وقد علمها خالها الشيوعي تذوق الادب . تخرجت في كلية الاداب في جامعة منتفيديو . وعملت بالصحافة وتدريس الادب . اضطهدت من قبل السلطة لموقفها المناهض للظلم . فانتقلت الى برشلونة في اسبانيا في 1972. صدر  لها في العام 1963 اول كتاب وهو مجموعة قصص قصيرة " الحياة " عن الجو المعتم المحيط بالمرأة ومعاناتها كضحية للمجتمع الابوي . في 1969 صدرت لها مجموعة القصص القصيرة " المتاحف المهجورة " وحازت بها على جائزة اركا للكتاب الشباب في ارجواى في 1968 وتصف فيها انحطاط الثقافة في ارجواي . وتظهر فقدان التواصل بين الرجل والمرأة . كما في قصة " الاشياء الغريبة التي تطير " . وفي 1969 حصلت قصتها " كتاب اولاد عمتى " على جائزة مجلة مارشا . وهي قصة على لسان طفل . بها تحولات سردية عميقة . وبيري روسي تستخدم حيلا مرئية , وتمزج النثر بالشعر . وتهدف الى السخرية من البرجوازية , خاصة الفتيات اللائي ينشأن محاطات برعاية مبالغ فيها . نشرت في 1970 " علامات ذعر" وهو مجموعة من 46 قطعة ادبية وقصة قصيرة وقصائد ومقالات وامثال تعبر عن سمات عصر القمع في ارجواي . وفي 1971 نشرت اول ديوان شعري لمجموعة قصائد حسية تحتفل بجسد المرأة . في 1975 نشرت ديوان " وصف حطام سفينة " تركز قصائده على النفي السياسي والحب . على النقيض من ذلك في 1983 نشرت " متحف المساعي العبثية "   الذي تناقش فيه محاور معاصرة مثل العزلة والتحليل النفسي والحرب والقمع السياسي . وفي 1984نشرت " سفينة الحمقى " وفي 1986 "آلام ممنوعة" .

(13) غاستون باشلار . جماليات المكان . ترجمة غالب هلسا .  المؤسسة الجامعية.2000 . بيروت  الطبعة الخامسة . ص : 35

(14) كتابات سودانية " كتاب غيردوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد 22 ديسمبر 2002. ص : 129/130

(15) فصول للنقد الادبي " مرجع سابق " ص : 25 

(16) تقول الاسطورة ان نارسيوسي ( وهذا هو اسمه في الاصل اللاتيني ) هو ابن احدى حوريات النهر اللاذوردية الشعر . انجبته من اله النهر . فهو كائن مائي تتبعه الحوريات العاشقات , لكنه لا يستجيب لهن فتحكم عليه الالهة استجابة لدعاء احدى عشيقاته , بان يقع في شراك حب لا يخرج منها فائزا .

واذ يحس نرسيس بالعطش ينحني ليشرب من ماء النبع , فيرى صورته وقد انعكست على صفحة الماء , فسحرته ووقع في غرام طيف حسبه جسدا , وهو لا يعدو ان يكون ظلا . وحاول تقبيل وجهه المنعكس على صفحة النبع , وحاول ضم خياله . وتورد الاسطورة هاجسا يحاور نارسيوسي " اى نار سيوسي ! ايها الصبي الساذج , فيما محاولتك الامساك بصورة خادعة ؟ ان ما تبحث عنه ليس له وجود حي , ولو انك استدرت لغاب عنك هذا الذي تهيم به . ان ما تراه ليس الا خيال نشأ عن انعكاس صورتك على الماء .."..

  .. واذ يكتشف نرسيس الحقيقة يدرك وهمه قائلا : " ان هذا الصبي الذي يتراءى لي , ليس غيري . ان صورة وجهي لا تخدعني . انني احترق بنار حبي لنفسي . ويموت نرسيس حزنا , وتبكيه حوريات الغابة بنواح حزين . واذ تختفي  جثته تظهر مكانها زهرة النرجس التي ستظل ترمز الى الاعجاب المرضي بالذات .  لقد غدا  الماء المرآة التي يبحث فيها نرجس عن ذاته التي حسبها شخصا آخر . ولذا اقترن ذكر المرايا بالماء او الظل .

(17) فصول للنقد الادبي " مرجع سابق " . ص : 33.

(18) كتابات سودانية " مرجع سابق " ص : 129

(19) السابق . ص : 130/131

(20) نفسه ص : 132

(21)  نفسه ص : 134

(22)  نفسه  ص : 136

(23) سحر سامي . اكثر من سماء .مركز القاهرة  لدراسات حقوق الانسان . ص : 40.

 http://www.sudanjournal.com/Reports/Story4.htmlحمى الدريس ) :  ) .  (24) علي المك

(25) سحر سامي . أكثر من سماء . " حقوق الانسان في الفنون والاداب "  مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان . ص : 30.

(26) السابق . ص : 32.

(27) محمد ابراهيم الشوش . وجوه واقنعة .مكتبة مصر . الطبعة الاولى 1989.

(28) السابق : ص : 21.

(29) السابق : ص : 22.

(30) السابق : ص : 23

(31) السابق : ص :30.

(32) الثقافة الجديدة . قصور الثقافة . العدد 173 . نوفمبر 2004. ص : 110.

(33) محمد ابراهيم الشوش . مرجع سابق . ص : 85.

(34) السابق . ص : 90 .

(35)  السابق . ص : 208.

(36) الثقافة الجديدة " مرجع سابق " ص : 110 .

(37) زهاء الطاهر . وجه جالا يتجلى - كتابة . مركز الدراسات السودانية  . الطبعة الاولى 2002.

(38) معاوية البلال . الكتابة في منتصف الدائرة . الشركة العالمية للطباعة والنشر . ص : 162.

(39) معاوية البلال . الشكل والماساة " دراسات في القصة القصيرة السودانية " . الشركة العالمية للطباعة والنشر . ص : 80.

(40) كتابات سودانية ." كتاب غير دوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد العشرون يونيو 2002. ص : 105.

(41)  د. صلاح فضل . نظرية البنائية في النقد الادبي . مكتبة الاسرة .مهرجان القراءة 2003.  ص : 20 .

(42) السابق . ص : 199

(43) زهاء الطاهر " مرجع سابق " ص : 7

(44) السابق ص : 10

(45)  نفسه : ص : 12.

(46) نفسه ص 12

(47) نفسه ص 8

(48)فصول للنقد الادبي . المجلد الخامس . العدد الرابع . يوليو اغسطس سبتمبر 1985 ص : 43

(49)  زهاء الطاهر " مرجع سابق " ص : 7

(50)  السابق ص 9

(51) محمد السيد محمد ابراهيم . بنية القصة القصيرة عند نجيب محفوظ " دراسة في الزمان والمكان " . الهيئة العامة لقصور الثقافة . 2004.  ص : 347.   

(52) كتابات سودانية ." مرجع سابق " ص : 107

(53) عادل القصاص. لهذا الصمت صليل غيابك.  الشركة العالمية للطباعة والنشر 2002 . ص : 23

(54) كتابات سودانية " كتاب غير دوري " العدد 22 ديسمبر 2002 ص :123

(55)  ثقافات سودانية " كتاب غير دوري " المركز السوداني للثقافة والاعلام .العدد الخامس 1999. ص : 108.

(56) د . صلاح فضل . نظرية البنائية في النقد الادبي . مكتبة الاسرة مهرجان القراءة 2003. ص : 295

(57) عادل القصاص " مرجع سابق " . ص : 23.

(58) نفسه ص : 31/32

 

 

الفصل الرابع: قراءاءت في بنية القصة عند

 

(1) أحمد ابو حازم.(2) صديق الحلو.(3) محمد خير عبد الله.(4) ارثر غابريال.(5)اغنيس لوكود.(6) استيلا قاتيانو.(7) منال حمد النيل.

 

حين يجد المرء نفسه على ارتفاع عشرة امتار من الارض. فوق شجرة باباي في منتهى الهشاشة. وتوشك في الانقضاض في كل لحظة, لتلقي بك بين اربعة كلاب " مولوس",  بأنيابها المشرعة. كلاب لا يملك مثلها الا اولئك الناس الذين يسكنون الفيلات, ضخمة, شرسة, باختصار: متوحشة .. تتواثب في جهد يائس تريد تمزيقك, وهي تزمجر كرعود أفلتها وراءك سحرة حاقدون ..على ارتفاع عشرة امتار من الارض, ومثانتك تكاد تنفجر بما فيها لتغسلك بالبول والعار ,تتويجا لحالة مضحكة كفيلة باذلال أيّ سيء حظ يجد نفسه في مثل هذه الورطة ,حينذاك, يمكن للمرء أن يزعم, دونما أن يخشى المبالغة, أنه في وضع حرج. كل هذا من أجل حبة باباي: يا للسخرية !..

القاص الكاميروني: سيفرين سيسيل ميشيل مبيغا - قصة الباباي 

 

(1) " بنية المشهد" :  عند القاص أحمد أبو حازم :" يناير بيت الشتاء _ نموذجا " ...

 

القاص أحمد الجعلي " أبو حازم ". من  كتاب القصة القصيرة المميزين جدا . ويعتبر نسيج وحده . بتجربته الجمالية المتفردة , التي تحاول الافصاح بما هو عصي على البوح . وقبل ان نقدم قراءتنا لقصته يناير بيت الشتاء , نرغب في قراءة عامة, وعابرة لنصين من نصوصه , تساعداننا في تفهم المناخ النفسي العام, لعالم ابو حازم القصصي , هما نص " المسارات السرية للظلال " و  النص : " غربة " ..

(1) المسارات السرية للظلال:

في قصته " المسارات السرية للظلال " , والتي يوطيء لها ابو حازم, ببيت شعري لابو الطيب المتنبيء ( تتخلف الاثار عن اصحابها حينا   +   ويدركها الفناء فتتبع ) , بما يحمله هذا البيت من معان لفناء الاحياء , واثارهم في خاتمة المطاف _ مهما تركوا  من اثار بقيت على مر الدهور_ , ففي نهاية الامر ستفنى هي الاخرى .!!..

هذه الرؤية الكافكاوية التي تتصدر قصة: " المسارات السرية للظلال ",  بمثابة المفتاح لعالمها السري, الموغل في الرمادية .. فالراوي المتواري منذ مطلع القصة , يبدا يحدثنا: عن مدينة غبراء ازمعت,  الا تعرف الاشجار " تذهب الظلال كلها متوشحة حدادها , واحتجابها وتختفي .. عند مغيب الشمس تختلس الظلال اشكالها ويتلبسها سمت شبحي , وهي تسلك مسارها السري الغامض(1)" ..  ليتوقف الراوي بعد ذلك عند شجرة وحيدة, تحتضن الجميع وتدثرهم بظلالها , ثم يسترجع_ الراوي_ ما فعله كلاب السلطات بالاشجار " مساحو الارض , كلاب السلطات , دفعوا الظلال نحو مدار مجهول , عجنوا لهذا الغياب بفؤوسهم الحادة , وقدموه لها على طبق من شفرة ماضية . نزعوا الاشجار من جذورها , فذهبت اخشابها, اما محترقة كوقود , او كمصنوعات كسولة, وبليدة تقبع طيلة الوقت. في ردهات لا يشغلها احد. الا لماما (2) " .. لينتقل بعد ذلك ليحكي - الراوي - عن احد سكان هذه المدينة الغبراء - شاب . وراق . يتاجر بالكتب القديمة تحت هذه الشجرة - تربطه بها علاقة حميمة " اول القادمين  الى المدينة هو . واول نشاطه ان يسقي الشجرة قبل الماء بشوقه (3) " .. ويبدا الراوي في الكشف عن المناخ السيء, الذي يعمل فيه هذا الوراق , الذي كثيرا ما يداهمه كلاب السلطات . يطأون  كتبه ,  و يمارسون عليه هوايتهم في القمع. دون ان يجرؤ على الاحتجاج .. مسلطا الضؤ على المسئولين, وعمالهم , ثم ينتقل بنا الى لحظة حاسمة في مسيرة وقائع واحداث " المسارات السرية للظلال ": حينما قرر المسئولون اقامة كشك, شرطة تحت الشجرة " عند الغسق وقبل شروق الشمس . كان هناك وكانت الشجرة واقفة مكانها . وتحتها يتربع الكشك الحديدي, بالقرب من جذعها. كالبصاق البذيء . وبعد ان حفروا له عميقا , ولا شك انهم اصابوا عروقها بسؤ (4)" ..ويمضي الراوي واصفا فظائع ما يجري: " انين الارصفة الدائري وبكائها المتحشرج, وهي ترزح تحت ثقل الاقدام المنتظرة في هجير الشمس ..(5) " وفي هذه اللحظات العظيمة من التمزق, ينهض تواصله بالشجرة في محنتهما المشتركة , لينتهي النص باختفاءه في قلب الظلال " دفعه الفزع للقفز عاليا , حينما تدفقت نظرته العجولة للاسفل , ولم يجد ظله . تراكض هنا وهناك والصراخ الداوي يسبقه ويشق المدى شقا , والاسئلة المضطردة تلاحق خطاه التي ضلت نواحي بوصلتها انها الظلال وقد اخذته معها في مسيرها السري الغامض  (6) " ...

(2) غربة:

وفي قصته " غربة " .. قصة: العصفور الطليق داخل الانسان المحاصر .  يستعير الراوي صوت طائر , يحكي عذاباته مع فصائل طيور اخرى - بشر اخرون - " كانوا خمسة ملونين وكنت سادسهم . وجدتني بينهم لست من الفصائل النادرة . لكنني كنت لتكملة العدد. ولاشياء تبدو غامضة بالنسبة لي ! .. اما الخمسة الملونين فانه من الواضح, جيء بهم الى هنا. في دفعات, اظنها ثلاث .. ذلك لان كل اثنين منهم, تتشابه الوانهما ..(7) .. يتملك هذا الطائر الاحساس بالغربة, والضيق. ازاء هذا الاعتقال , ويفشل في التواصل, مع الخمسة الملونين, المعتقلين معه - الالوان رمزية للالوان السياسية - فينحسر نحو ذاته , و لا يصبح معتقلا داخل القفص فحسب. بل داخل ذاته ايضا!!.. بسبب الحصار الذي يفرضه حوله, الخمسة الملونين: زملاء المعتقل .. وهكذا تمضي هذه القصة جائسة في اغوار النفس وعذاباتها المضنية .. محاولا - هذا الطائر - تفكيك الحصار المضروب حوله " على ما اظن يقولون اني غريب الاطوار , فضولي متطفل , بل ويذهبون ابعد من ذلك (8) " .. ويستعيد الطائر ذكريات حياته السابقة , عندما كان طليقا " كنت  وسرب فصيلتي نقوم بطلعات مرحة تحت الغيمات النائمة, بتراخ واستسلام فوق رؤوسنا , ولا نبالي بها ان اصابها الصحو وانهمرت علينا (9) " ..ويمضي في تداعياته وصولا الى اللحظة التي تم اسره فيها, من قبل طفل شقي , ليجد نفسه بين الخمسة الملونين , الذين اطلق سراحهم دونه , فتتناهبه الافكار بالانتحار او الاستمرار, في البقاء على قيد الحياة  , ثم يبدا في النضال للخروج من اسره " هذا هو اليوم التاسع وانا ما زلت امارس تنفيذها بمنقاري , وساواصل النقر على مكان واحد من السلك النملي , حتى لو اقتضاني الامر العمر كله , حتما سيلين , وتتقطع اسلاكه الشائكة اخر الامر , اني على يقين (10) "..

(3) يناير بيت الشتاء:

والقصة موضوع قراءتنا التطبيقية  : " يناير بيت الشتاء .." , كنا قد تداولنا , في نادي القصة السوداني , مسودتها الاولى - قبل ان تنشر بعد ذلك في الرافد الاماراتية وكتابات سودانية  بوقت طويل - . واذكر أنها أثارت ابتداء من عنوانها , موجة من التساؤلات : بكآبتها الملتاعة, وجرأتها على التحرر مما هو سائد في القص في السودان .  , والعالم فوق الطبيعي الذي تحيل اليه , مستكنهة أكبر اسئلة الوجود " الموت / الحياة " , بكل ما تمتلك اللغة الشاعرية عند أبو حازم, من قدرة على التعبير  في -  وحول -  هذا السؤال الوجودي الكبير , ليشكل _ سؤال المصير هذا _  مفصلا أساسيا في " بنية الحدث " .. وقتها تباينت انطباعاتنا حولها , وما كان ذلك سوى دليل آخر على أن " يناير بيت الشتاء .." استطاعت ان تلقي حجرا في بحيرة ساكنة , وقالت  دوامة هذا الحجر , في التموجات على سطح هذه البحيرة , شيء ما , خلف ما خلف من أصداء !!..

حاول بعضنا في ذلك الوقت ان ينظر الى هذه القصة القصيرة من وجهة نظر فنية محضة , ليرى فيها نزوعا ادبيا لاقتفاء أثر الكافكاوية , وآثر  البعض الاخر رؤيتها من منظور نفسي , في محاولة للتفتيش في التجربة الذاتية لابوحازم - تجربة الاعتقال السياسي والسجن - .. ولكن كل هذه الملاحقات للنص " يناير بيت الشتاء" , ظلت قاصرة, عن الاحاطة بشيء مما انطوى عليه: من ابعاد فكرية وجمالية " ولكن كيف يكون الاقتراب النقدي, من كاتب تجاوز مستويات الانتماء الى بيئة أو طبقة أو وطن , طموحا الى تقص روح الانسان, في مواجهة العالم ؟ وبأى معيار يتم تقييمه , وهو الرافض لرؤى تجاوزها العصر . والواعي بقصور تلك الرؤي - " البعثية " التي عرفها -  عن احتواء العالم, وعجزها عن اعادة السلام الى روحه . ان الهدف من الكتابة هنا عن يناير بيت الشتاء,  ليس الدعوة لما تم اكتشافه , ولكن الاعلان بكل درجات الصوت والصمت. عن عذاب البحث عن يقين (11).. في هذا الواقع الملتبس , الذي يشككنا في موت الاحياء  وحياة الاموات , وفقا لتشكيل لا يخلو من السريالية والعبث !!.  خلاصة القول السردي في يناير بيت الشتاء , بكل مدلولات الشتاء الكئيبة !!..

الحكاية في يناير بيت الشتاء :

تتكون القصة يناير بيت الشتاء من حكايتين , تشكلان معا حكاية واحدة .. ولنتمكن من قراءة"بنية المشهد " في هذه القصة, لابد لنا من محاولة شرحها اولا, لاستكناه معناها العام , مع ادراك أن  ..  النص الذي كان يدين فيه المعنى للمبدع أصبح لا يحمل دلالة جاهزة أو معنى نهائيا , وانما امكانا من امكانات  معان النص , ويظل المعنى مجرد احتمال, الى ان يكونه القارىء بالفعل , عوض أن نفترض تحققه بالقوة , لتكون كل قراءة - طبقا لعلي حرب - في نص ما , هي حرف لألفاظه , وازاحة لمعانيه . فليست القراءة مجرد صدى للنص . انها احتمال من بين أحتمالاته الكثيرة والمختلفة (12)...

الحكاية الاولى:

وبطلها كاتب قصة " الذاكرة المعطوبة "( مأمون ابراهيم علي) .. فهذا الكاتب بعد نشره لقصته " الذاكرة المعطوبة " في احدى الصحف , يفاجأ بدعوى مرفوعة ضده . اذ يتضح, أن اسماء شخصيات قصته, مطابقة لاسماء حقيقية في الواقع. والوقائع كذلك .. "  يسألك المحقق : - الاسم : مأمون ابراهيم علي . السن : اثنان وثلاثون عاما .. وتنهمر الاسئلة , فتجيب باقتضاب . ثم يشير ناحية الرجلين . والفتاة دافعا اليك بالسؤال المباغت : - هل تعرف هؤلاء الناس ؟ . تلتفت بذهول , وتجيب بصوت كأنه ليس لك : - كلا , لم التقيهم في حياتي من قبل, يسحب صحيفة قديمة ويقرأبصوت مكتبي آمر لا يخلو من تهكم , عبارة محددة يضغط على كلماتها ببطء ويردد بلا مبالاة : الذاكرة المعطوبة .. الذاكرة المعطوبة .. الذا .. هل تتذكر هذه العبارة ؟..- نعم , فهي عنوان لآخر قصة قصيرة كتبتها . - هل تعترف بأنك كاتب هذا الكلام ؟ . - نعم . . (13)" .. وفي التحقيق معه اثر تقديم الشخصيات الحقيقية لشكوى ضده يصاب بالذهول لهذه المصادفة الغريبة , ويصر على انه لا يعرف هؤلاء الناس , وأن ما كتبه محض خيال , فيتم حبسه على زمة التحقيق "فيسيطر عليك الذهول والحيرة , وتحاول أن تجد تفسيرا ملائما لوجودك هنا , وما علاقة كل الذي يجري - بهذا النص القصصي !!.. يعاجلك بسؤال يعيد اليك صوابك : - كيف انك لا تعرف هؤلاء الناس ؟!. - ما زلت اؤكد انني لم التقيهم قط في حياتي !.  - مهمتي كمحقق,  تقتضي ان اعرفك بهم ,  فهذا الرجل الاشيب ذو الوسامة الهاربة , هو عبد المجيد خضر . اما هذا الرجل فهو السيد على زيدان سائق التاكسي رقم خ أ 6485 تاكسي الخرطوم وهذه هي رخصة القيادة , وبطاقته الشخصية , والذي أطلق ساقيه للريح كما تزعم في قصتك .!!...

أما هذه الفتأة , فهي الاستاذة نادية عبد المجيد خضر , المحامي وموثق العقود أمام المحاكم الجنائية والمدنية . ماذا تقول في هذه البراهين والحيثيات ؟ . عند ذلك كان المحقق مبتسما , وهو يفرك يديه, والغبطة مرتسمة على سيمائه, اعلانا بانتصاره عليك (..) ومن بين ركام التلعثمات, تستنكر الورطة وتجيب بجدية غريبة : - ان هذا الا محض خيال صادف الحقيقة . - اذن ماذا تقول في الوصف التفصيلي. والعنوان الكامل, لمنزل السيد عبد المجيد خضر ؟ . - ثم ماذا تقول عن الرقم الحقيقي , لسيارة السيد علي زيدان؟ (14)..

الحكاية الثانية:

وتتمثل في قصة الذاكرة المعطوبة نفسها, بشخصياتها الرئيسية: " نادية " ووالدها عبد المجيد خضر, وسائق التاكسي علي زيدان , الذي يصطحب الفتاة نادية , في وقت متأخر من الليل, ليقلها الى منزلها ".. الناس تهاب أجرتها الباهظة, في مثل هذا الوقت من الليل . أ شارت له بالتوقف , وبمحازاتها تماما اوقف السيارة , ودون أن تسأل فتحت الباب الامامي , ورمت بجسدها الجميل, الموغل  قليلا في السمنة على المقعد (..) -  الحي الرابع لو سمحت شارع 13..  ولأنها كانت ترتعش من البرد , يرمي اليها بمعطفه ليدفئها قليلا " .. بنخوته أحس أنه يجب ان يفعل ما يفعله أى رجل شهم مثله , خلع معطفه وألقاه ناحيتها ..- يمكن ان ترتديه , فالبرد لا يحتمل . هكذا قال وتابع النظر باهتمام, في جسد الشارع(15)" .. ويصل بها الى العنوان, الذي أعطته اياه " باب أسود ضخم, ذو مقبض نحاسي , علقت فوقه لافتة صغيرة, بيضاء. مكتوب عليها 64 شارع 13 الحي الرابع منزل عبد المجيد خضر .(16) " .. وتفاجئه بأنها لا تملك الأجرة الآن , وتطلب منه أن يحضر في صباح اليوم التالي, لأخذ أجرته " - يؤسفني ان لا احمل نقودا الآن , ويخجلني أن أرهقك بالقدوم الى هنا صباح الغد, ولا مناص من ذلك . فأنا اسمي نادية عبد المجيد خضر , وهذا هو منزلنا (17) .. وعندما يحضر في الصباح التالي , يفتح له الباب رجل عجوز , وتبلغ هنا الحكاية ذروة تعقيداتها فالرجل العجوز يصر عليه انه اخطأ في العنوان " - لا لم أخطيء العنوان, فقد انسربت بهدوء وثقة داخل هذا البيت . وقرأت انا اللافتة, المعلقة فوق الباب , لا شك أنك السيد عبد المجيد خضر . - نعم انا هو . ولكن لي بنت وحيدة , ومقعدة منذ يناير الماضي . - ولكني متأكد من دخول تلك الفتأة هنا , فقد انتظرت حتى اغلقت الباب خلفها (18) " .. وهكذا يمضي الحوار بينهما.. ينفي العجوز, بينما يصر سائق التاكسي على التأكيد " أقول لك ان لي بنت واحدة ومقعدة , وتقول لي أن احداهن قد دخلت هنا , ماهذا الهزيان الصباحي الذي اسمعه ؟ .. - حسنا , لفك هذا الطلسم هل يمكنني رؤية ابنتك هذه . كان العجوز حريصا على انهاء هذه التقطيبة الصباحية . - لا مانع من ذلك , ولكن ان لم تجد ضالتك, ارجو ان تذهب على الفور. دون ان تقلق صباحنا أكثر من ذلك (19)" .. وعندما يرى السائق الابنة المقعدة " فادية " يتضح له انها ليست التى اقلها, في ذلك الوقت المتاخر, من ليلة البارحة .. لكن يسقط في يده وهو يهم بالخروج, ونسيان هذا الامر , اذ يرى في هذه اللحظة صورة فتأة البارحة, معلقة على الجدران "   شد انتباهه  اطار ضخم, لصورة كانت معلقة على الجدار. خلف المقعد, الذي كان يجلس عليه. تسمر السائق محدقا في الصورة ثم هتف : - أنها هي التي اوصلتها  بالامس!! , وقد تذكرت اسمها , انها نادية عبد المجيد خضر!!..

لكنه سمع شهقة, كانها خروج الروح من مكمنها , فالتفت ليرى العجوز, وقد هبط جسده المهدود, كالخرقة البالية, على احد المقاعد ., اما الفتاة فقد ادارت عجلتها, واختفت في دهاليز  المنزل . ثقل اللسان , فخرجت الكلمات واهنة. وبطيئة من فم الرجل العجوز : - تقول أن اسمها نادية عبد المجيد خضر ؟!.. - نعم . - أأنت متأكد من ذلك ؟ . - نعم . - لابد انك قد اصبت بمس من الجنون . - لا ياحاج , انا في كامل رجاحتي العقلية . - انا مضطر لاخطار الشرطة لهذا الاقتحام الغريب . - لماذا يا حاج ؟ - لأن تلك التي تحدثت عنها, قد ماتت منذ الشتاء الماضي, في منتصف يناير (20)" .. ولا يصدق انه كان يقل فتاة في واقع الامر ماتت منذ عام!!! , فيصر على رؤية قبرها , فياخذه والدها الى قبرها " هنا تحت اشجار السدر, ترقد فلذة كبدي نادية .

كانت احدى أشجار السدر , قد غطت القبر تماما, ومالت فروعها المخضرة, على جانبي القبر  , أزاح العجوز الفروع النائمة على الشاهد . فقرأه السائق برهبة أقرب الى الخشوع . أما الرجل العجوز, فقد بدأ يزيح الاغصان , لتجلية القبر قليلا , وهنا بان المعطف بوضوح, راقدا على ظهر القبر قليلا (21)" ..ولدى اكتشافه أنه كان يقل فتاة ميتة منذ يناير الماضي يطلق ساقيه للريح ..

بنية المشهد:

تتكون يناير بيت الشتاء من 12 مشهدا . 5 مشاهد بطيئة, ابتداء من المشهد الاول وحتى الخامس . وسبعة مشاهد درامية  سريعة,  ابتداء من المشهد السادس  وحتى نهاية القصة في المشهد 12 .

اذ  أعتمد " احمد ابو حازم " في هذه القصة تقنيتين في بناء السرد , من حيث الايقاع الزمني ..  تقنية التتالي السريع للاحداث, مجسما في التلخيص . ابتداء من المشهد السابع : والذي يبدا من لحظة وقوف سائق التاكسي, صباح اليوم التالي,  امام منزل عبد المجيد خضر , ليأخذ اجرته من ابنته نادية , فيدخل مع عبد المجيد خضر, في حوار مطول, ينفي فيه عبد المجيد ان لديه بنت تكون قد  اقلها سائق التاكسي, ليلة الامس الى هذا المنزل . حيث تتلاحق الاحداث في المشهد الثامن.  في محاولة اخيرة للوصول الى تسوية للوضع. اذ  يدخل سائق التاكسي مع عبد المجيد, لرؤية ابنته الوحيدة المقعدة. فيستوثق سائق التاكسي عند رؤيتها, انها ليست فتاته المقصودة _ وقبل ان يراها يجول ببصره في الصالون, فيرى صورة عبد المجيد وزوجته  " جلس السائق على احد المقاعد. وكان ثمة اطار مذهب عليه صورة لعروسين, في غاية البهاء ,. والرونق .هي نفس ملامح الرجل العجوز, لكنها هنا منحازة لشاب ذي نضارة لا تضاهى . ايقن السائق انها صورة زفاف ذلك العجوز , في زمان سحيق, مضت ايامه في متاهة الذاكرة , لم يأبه السائق لما تبقى من صور (22) -  ويتداخل هذا المشهد مع المشهد التاسع.. في حوار آخر بين عبد المجيد والسائق, الذي يفكر في الاعتذار عن الوضع. وقبل ان يفصح عن ذلك. يقع بصره على صورة لفتاته المقصودة , فيترتب على ذلك حوارا, يمضى بالاحداث في منعرج آخر. ليبدأ المشهد العاشر - الذي هو امتداد للمشهد الذي سبقه -  يتشكك السائق.. وتهتز مسلمات الاب عبد المجيد , فيحاولان معا, الوصول الى يقين. بالذهاب الى مقبرة ابنته .. وهكذا يبدا المشهد قبل الاخير بوصف للمقابر " قطعت السيارة عدة تقاطعات , ثم انسابت عبر طرق ملتوية , وغير معبدة حتى وصلت ذلك المكان الموحش , الغارق في لجة صمت الابدية .. ترجلا من السيارة . عبرا دروبا صغيرة متعرجة , تجاوزا عدة قبور (23) "  ثم يبدأ المشهد الاخير, استرجاعا للمشهد الاول الذي تم استهلال القصة به . لحظة وقوف الكاتب امام المحقق...

يلاحظ على المشاهد السابقة, انها تقع في فترة زمنية متعاقبة,  ومحددة تحديدا مكثفا , ومشحونة بالانفعالات ..  يقول برسي لوبوك: يعطي المشهد للقاريء احساسا بالمشاركة الحادة في الفعل . اذ انه يسمع عنه معاصرا وقوعه , كما يقع بالضبط وفي نفس لحظة وقوعه , لا يفصل بين الفعل وسماعه, سوى البرهة التي يستغرقها صوت الراوي, في قوله. لذلك يستخدم المشهد  للحظات المشحونة . ويقدم الراوي دائما ذروة سياق من الافعال وتأزمها في مشهد (24).. ويلاحظ ايضا ان المشاهد السابقة, مثلت وعاء للاستطرادات والتشعبات والاستباق, والوصف والملاحظات المباشرة, من الراوي التي تحمل ما تحمل من تحليل نفسي واجتماعي .. ما جعل هذه المشاهد غنية بزخم التقنية .. خاصة انها تحاول توصيل فكرة محددة, تتعلق بماهية ما رآه سائق التاكسي: هل هي المرحومة نادية عبد المجيد - التي أصيبت أختها فادية بالشلل,  في ذات فترة موتها في يناير الماضي ,  وعلاقة الحركة للتمتع بمباهج الحياة "  في السهرات - مثلا " بفقدان القدرة على الحركة بسبب الشلل بالنسبة لفادية  -  .. ام هي روحها الهائمة, تحاول ايصال رسالة ما لاسرتها .., ام انها شيء آخر .. ولعل السبب في  التفكير في مثل هذا الموضوع. كموضوع لقصة قصيرة. تلك الرغبة المتزايدة لدى احمد الجعلي في مسرحة الاحداث , وعرضها دراميا, لتمويه الممارسة الفانطاستيكية , وحجب نواقصها . وايضا لمحاولة التخلص من سلطة الراوي ذو الصوت المنفرد وغير المقنع دراميا, وفسح المجال لتعدد الاصوات في النص السردي الواحد . فالمشاهد السبعة, التى اشرنا اليها, اثبتت قدرتها على كسر رتابة الحكي, بضمير الغائب, الذي ظل يهيمن على اساليب الكتابة السردية (25) ...

وفي اعتماد احمد ابوحازم على تقنية التتالي البطيء . ابتداء من المشهد الاول ,  الذي يصور كاتب القصة في الزنزانة , والمناخ النفسي الذي يحيط به " العرق ينزف باصرار الجرح الجديد, والدهشة والارتباك يصكان اوصالك , ينفتح لك الباب, ذي الصرير العالي . والمرهق كالانين. تأخذ طريقك بصعوبة, عابرا الاجساد المكدسة , كاكياس.. تتلقاك رائحة البول . تصاب بانقباض طفيف . وشعور بالتقزز حاد, وعلقمي. كالصدأ يغزو دواخلك (..) تخرج لتدخل عدة ابواب, بعدها تعبر دهليز خافت الضؤ , لتجد نفسك في نهاية المطاف, وجها لوجه امام المحقق. وثمة رجلين وفتاة يجلسون بهدؤ , ولكنهم يتفحصونك بنظرات غريبة , وتكاد عيونهم تشربك (26).. ويستمر هذا المشهد النفسي, الى ان يبدا التحقيق في المشهد الثاني , ليقفز بنا المشهد الثالث الى  اللحظة السابقة لركوب نادية التاكسي . ليبدأ المشهد الرابع  بركوبها التاكسي, واستهلال الحوار بينها وبين السائق " فتحت صدفة الصمت , فخرج صوتها ذو التكسرات الخشبية الغريبة  لتقول : - انه يناير بيت الشتاء وصوت الريح .. التفت ناحيتها (..) - انه قلب الشتاء ونبضه ..قالت :- انه وحشي كنثار الزجاج تحت الاجساد المتعبة . - قال : اننا نحس فيه بمعنى الدفء , ونستدرك ان اجسادنا مكتملة . قالت : بالعكس فانه يشعرنا بالكابة والحزن . انه قاس وقاتل .- قال انه يشعرني بالاستقرار والانتماء . - قالت : انه يشعرني بالتيه والموت . انه يناير الوحشي عليه اللعنة والطعنات المرة (..) - وواصلت هي حديثها, بنفس الصوت الخافت والنبرة الغريبة : - ما اقسى ان تموت في الشتاء!!!.. (27)وهكذا تختم  الفتاة بهذه الجملة المشهد الخامس, ليبدأ المشهد السادس في وقوف سائق التاكسي, يلاحقها ببصره حتى تدخل الى منزلها ...

فضلا عن الوظيفة الاساسية للمشهد السردي , فهو يقوم بدور حاسم في تطور الاحداث, وفي الكشف عن الطبائع النفسية والاجتماعية للشخصيات . وهو ما نلاحظه في الحوار بين السائق والفتاة الذي عبر - الحوار - عن شخصيتين متناقضتين في مفهوميهما للحياة والموت ..

والوظائف التي لعبتها هذه المشاهد يمكننا اجمالها في : محاولة الراوي ايهامنا بالواقع - ثمرة  قول الراوي - التحام المشهد بفعل القص من خلال الصراعات  والحوارات والوصف _ هذه العملية المعقدة في الانتقال من تقنية الى تقنية اخرى - حيث تضمن هذه الافعال الانتقال من السرد الى الحوار والعكس .. فالمشهد والحوار متماهيان .. ففي المشهد او الحوار يكتب الاديب ما لا ينطق به (28).. وهو ما يوحي باننا نكاد نشعر باننا ازاء حركة كاميرا , تضعنا في الحدث , بحيث نصبح جزء منه . فقد استخدم ابوحازم هنا , تقنية المونتاج السينمائي , ما اعطى القصة يناير بيت الشتاء حيوية, وجعلها مفتوحة على تاويلات مختلفة ...

(2) " بنية الزمن "  عند صديق الحلو ...

الاستاذ صديق الحلو , من كتاب القصة النشطين في اتصال انتاجهم . ويتميز بقدرته على التواصل مع مختلف أجيال المبدعين . وأهتمامه بتلك الافكار حول بناء مؤسسات للادب . حتى يتم تداوله وتقييمه على نحو واسع . وقد اسهم عمليا في تأسيس  الرابطة الادبية بكوستي  في ثمانينيات القرن الماضي . كما اسهم في تاسيس نادي القصة السوداني بالخرطوم في خواتيم القرن الماضي ..

وتتميز قصة صديق الحلو بلغتها الشاعرية , وأستلهام الحكاية الشعبية , والقص الديني ,  في كثير من نصوصه  .. وربما لذلك تقلب في توظيفه للزمن بين مختلف التقنيات سواء كان تعاقبيا أو استرجاعا او استشرافا .. وفي هذه القراءة سنتناول الزمن كموضوع لقراءتنا في مجموعته " غصة في الحلق " ..

ونجد ان أحد ابرز تقنيات الزمن عند صديق الحلو هي  تقنية الاسترجاع , وهي تكنيك خاص بترتيب الاحداث وتسلسلها داخل القصة , حيث يترك الراوي الشخصية الاولى ويعود الى الماضي ليصحب الشخصية الثانية , ثم يلتحم مستوى القص الاول مع الاسترجاع , ويستمر سيره بعد ذلك . وهذا النوع من الاسترجاع يقل استخدامه في النص التقليدي , لانه يحافظ على التسلسل الزمني داخل زمن القص . وفيه يترك القاص مستوى القص الاول , ليعود الى بعض الاحداث الماضية , ويرويها في لحظة لاحقة لحدوثها (29)..

قراءة عامة في الاسترجاع عند الحلو..

غصة في الحلق : نموذجا

ولابد لنا هنا من الاشارة لبعض التقنيات, في بناء الزمن عند صديق الحلو, في مجموعته" غصة في الحلق" , كما تتمثل هذه التقنيات ابتداء, في القصة التي استهل بها مجموعته " أحلام المواطن جار النبي قسم السيد " . ففي هذه القصة يعالج الراوي , التحولات التي تطرأ على السلوك الانساني , عندما يرتبط بالسلطة وتحولاتها , فجار النبي قسم السيد ( رجل في الخمسين بادي الوسامة.. في الايام الخوالي اتى مديرا للادارة من العاصمة, منقولا . انفه المستقيم , شعره المسبسب . عيناه غزيرة السواد (..) دهاء يقاوم الخروج وحيل كثيرة تود الظهور (..) الموظفات بهر عقولهن (..) راح يحدثهن في اول لقاء له, عن حقوقهن المهدرة ..(30) " ..

 الزمن في هذه القصة تعاقبي , بطيء , اذ نمضي في تتبع حياة جار النبي قسم السيد , من خلال راوي مهيمن , يعالج سلوك جار النبي تجاه رؤساءه وموظفيه " تقلبت الايام خريف فشتاء (..) صار يمارس هوايته في  القسوة عليهم بجبن , اصبحوا يحتقرونه.  لقد سلبهم كل شيء حتى امل النصر (31)

ويظل جار النبي غارقا في الصراعات والاوهام الى ان يتم اعتقاله " انتهى جار النبي قسم السيد وقوة مدججة بالسلاح جاءت لاعتقاله بتهمة اختلاس المال العام (32)..

 كذلك في قصته " الهرة المتوحشة " وهي من القصص التي تسفر عن تعاقبية في الزمن منذ لحظة  صحو الراوي " نهض ذات صباح مثقل . ارتشف كوب الشاي الدافيء ..(33)  لتستمر في ايقاعها التعاقبي البطيء حتى الخاتمة .. وفي قصته " الخل الوفي " , و " زهور لا تعرف الزبول " و  " مهر الاميرة " و " غابت الزهرة "  و " النور والنهر " و " ايام للتضحية .. ايام للوطن " واللعبة "  و " القافلة "  في كل هذه القصص وغيرها, نجد ان الزمن تم بناءه على اساس تعاقبي . وربما يعود ذلك لمحاولة القاص توظيف الحكاية الشعبية, في القصة القصيرة , مثلما تحيل قصة " الخل الوفي " و " غابت الزهرة " و  " "مهر الاميرة " و" القافلة "  ,  الى مرجعياتها في الذاكرة الشعبية  , او نتيجة لهيمنة الراوي مثلما في قصة " زهور لا تعرف الزبول " كذلك نجد تعاقبية الزمن في " النور والنهر " التى نشرت بمجلة حروف العام 1993.

وفي قصة " سارة تموت مرتين " , نجد ان الزمن يتماهى في تقنية انعكاس المرايا " وانت يغزوك الحرمان والصد وهجر الحبيب .. في الوطن غربة صهدتك التباريح ابداعا  (34)" .. حيث يتبدد الزمن في صوت الراوي المخاطب , وهو يتنقل بين محطات حاسمة, في حياة سارة التي يحب حينا " كانت سارة حلوة الاماني . متزوجة من فتاها العاشق (35)" وحياته حينا آخر " تظل تبحث عن الدروب الموصلة عن غيمة تطرز منها ياقات تلاميذ المدارس (36)"..

 وفي قصة عيون لا تعرف الغفو, يتحرك الزمن في مسارين . مسار اساسي هو انعكاس المرايا من خلا ل المخاطب  " التقيتها..  صار للعشق لون قوس قزح وللحياة دوران اخر وانداح المدى الاخضر في ذاتك التي تعج بالبوار (37) يتخلل هذا المسار الزمني الاسترجاع من خلال نفس الضمير  " ما بنيته البارحة, جرفه الموج في تعريشة منزلها, الجهنمية الحمراء تزداد احمرارا في الاصيل , تاتي نحوها.. تقترب وفي ذاكرتك ليلة مضت (38)"..

وفي قصته " عبر الصحراء الى ليبيا " , على الرغم من ان البنية الاساسية تعاقبية , الا انه يتخللها استرجاع بضمير المتكلم  , و باستخدام العبارات المباشرة " قبل حضوري الى هنا, قالت لي والدتي الحاجة . لقد اخبروني بانك ذاهب الى ليبيا . اذهب على بركة الله (..) وفي الطريق وانا  على الجسر الضيق المليء بالعابرين, وجدت صديقي التوم (39) "

 وتهيمن تقنية الاسترجاع على قصة " وتبعد المسافات " التي يستهلها الراوي المهيمن, ببث تجاربه الذاتية " فشل يحوطك .. اجمل سنوات عمرك مرت كهباء منثور . صديقك الحميم افتقدته كثيرا . وشرخ اصاب حياتك والدنيا كربات لاتنتهي .. ملل احتواك (40)  مستعيدا - الراوي - بعض التجارب " قالت عفاف انك لا تصلح لشيء . صمتك الزائد . بلاهتك البائنة . اسئلتك الكثيرة . الوقت يمر بطيئا( 41) " وهكذا تتحرك بنية الزمن  على هذين المستويين ( التداعي - الاسترجاع ) ..الى ان تنتهي القصة .. 

وفي قصته " حكاية بنت اسمها خدوج " . نجدها ايضا كسابقتها , يتحرك الزمن فيها على مستويين : زمن تعاقبي تقليدي , يحكم بنية الحكاية التي يرويها راو مهيمن .. وزمن استرجاعي تكشف عنه الحاشية  التي تضع النص ازاء هذا السؤال : ما اذا كان الراوي يحكي عن خدوج بطلة القصة . ام ان خدوج وزميلاتها يناقشن قصة في هذا المعنى مع زميلهن القاص ؟!..

ونجد ان من  قصص الاستاذ صديق الحلو التي اعتمدت تقنية الاسترجاع في هذه المجموعة: " وردة بيضاء لعيني ومضة " و " ايام للحزن ايام للشجن " و " الحلقات " و البدايات والنهايات " و " رياح الجنوب النديانة " و " متاهات لا تنتهي "  و " امونة بت حمودة الراجل " و" الخروج من القوقعة " و " الجذور " التي تعود الى سعينيات القرن الماضي . وكذلك قصة " جنوح نهى " و قد نشرت هذه القصة بصحيفة " صباح الخير التونسية 1992...

وفي قصة " الذئاب " نجد ان بنية الاسترجاع  تتشكل منذ استهلال الراوي, في كشفه عن خلاصة ما يريد ان يرويه " لعلك عرفت ان المرأة الاضافة  لم تخلق بعد .. ام حسبت ان الحب يضمد الجراح (42)" ليعود الراوي بعد ذلك الى الماضي الذي جعله يتوصل الى هذا  الحكم " قلبن له ظهر المجن وتحولت سهير من بلسم شافي, الى جرح نازف , صار  الحنان صحراء بقيع  (43)" " جاءت ايام الجذر .. تراجعت ام سهير بعد ان راته يرفل في سندس اخضر نامي (44)"..

ان استخدام تقنية الاسترجاع في القصة القصيرة, يحقق عددا من المقاصد الحكائية, مثل ملء الفجوات التي يخلفهاالقاص  وراءه , سواء باعطائنا معلومات حول سوابق شخصية جديدة دخلت عالم القص , او باطلاعنا على حاضر شخصية, اختفت من مسرح الاحداث ثم عادت للظهور من جديد . وهاتان الوظيفتان تعتبران من اهم الوظائف التقليدية لهذه التقنية الزمنية . وهناك وظائف اخرى للاسترجاع اقل انتشارا ولكنها ايضا ذات اهمية كبيرة , مثل الاشارة الى احداث سبق للسرد ان تركها جانبا , واتخاذ الاسترجاع كوسيلة لتدارك الموقف, وسد الفراغ الذي حدث في القصة , او العودة الى احداث سبقت. بغرض اثارتها او التذكير بها , او حتى لتغيير دلالة بعض الاحداث الماضية . سواء باعطائنا دلالة لما لم تكن له دلالة اصلا . او لسحب تأويل واستبداله  بتفسير جديد . وكل ذلك يجعل الاسترجاع, من اهم وسائل انتقال المعنى داخل العمل السردي . ويمكننا بالتالي التحقق مما يرويه السرد, عن طريق الاسترجاعات, التي تثبت صحته او خطأه (45)..

بنية الاسترجاع عند الحلو:  في  (دروب جديدة ) ..

سنحاول ان نتناول هنا بتفصيل اكثر _ تطبيقيا _ بنية الاسترجاع في قصص الحلو الثلاث التي نشرت في مجموعة دروب جديدة : افق اول ( منشورات نادي القصة السوداني ) وهي قصة :

 (1) عشوشة تفتقد الصواب (2) الخالة سكينة (3) البرينسيسة ..

ابتداء يمكن التمييز بين نوعين  اساسيين من الانظمة , او كما يقول توما تشفسكي في كتابه عن نظرية الادب " يتم وضع العناصر الموضوعية طبقا لاحد مبدأين : فاما ان تخضع لمبدا السببية , وتنتظم داخل نوع من الاطار الزمني , واما ان تعرض بشكل لا يخضع لمنطق الزمن , ولكنه يتتابع دون مراعاة السببية الداخلية " ويطلق على النوع الاول اسم " النظام الزمني " . كما يسمى الثاني " النظام المكاني " ..

وعلى خلفية ذلك يمكننا قراءة الاسترجاع في القصص الثلاثة موضوع تطبيقاتنا العملية (46)"..

(1) الحكاية في عشوشة تفتقد الصواب:

انها حكاية شيخ- سليمان - عاشق لزوجته " كانت تحبه وكان يضللها,  والحياة بينهما شد وجذب (47).. يعالج الراوي في هذه القصة, احدى مظاهر السلوك الانثوي السلطوي " فقدت عشوشة صوابها, وهي تأمره ان يبني لها قصرا, من الريش يفوق ما اتى به الاولين طرا (48)".. والحكاية في تأويلها , اسقاط لقصة( سليمان الحكيم مع بلقيس ملكة سبأ) ..  فعندما جاء الهدهد بعد تأخر طال , كانت اجابته "  - ذهبت احصي عدد النساء اكثر ام الرجال .. قال سليمان : - وماذا توصلت ؟ قال الهدهد : - وجدت ان النساء مع الرجال الذين يسمعون رايهن اكثر , عندها فهم سليمان ! .. وامر جموع الطير بالعودة الى وكناتها . طارت الطيور وفي زحمة طيرانها تساقط الاف الريش, الذي يشيد قصرا فاكثر (49) وتنتهي القصة بامتلاك سليمان معرفة جديدة فيما يخص النساء , تكون دليله للتعامل مع زوجته عشوشة . ولكن ايضا تحصل عشوشة على مرادها- بالمصادفة -  " كانت عشوشة المشتهاة تسند رأسها على راحتها وفي عينيها دفء دلال , مليء بالرضا . ما احلى الولوج ببطء, في متاهات الاحلام. في شتاء ليل طويل . لقد ارخت لحلمها وما تشتهي. وبذرت بحماسها والغنج نبتة مورقة, واستراحت .. وتابع سليمان سرب الطيور المغادرة, حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (50)"..

 تعتمد هذه القصة في دلالاتها, لا على الذاكرة المشتركة على مستوى المجال الثقافي العام ( قصة سليمان الحكيم ), بل وعلى مستوى احد مستويات هذا المجال ( السودان :  اذ تسمى فيه احدى العصافير النزقة بعشوشة ) ..

(2) الحكاية في الخالة سكينة:

وهي حكاية عائلةيكيد افرادها بقيادة امهم المستبدة لزوج اختهم " الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن زوج ابنتها سميرة , انك تثير المشاكل وسوف تقابلك نتائجها .. من يومها وهي تنفخ في المزمار , بناتها يصفقن لها ويرقص الجميع على انغام ديسكو خفي بلا حياء  . انه شخص لايرجى منه , قالت الخالة سكينة . بخيل وقذر. ارسلت الخالة سكينة لحسن اهوالا باظافر وانياب (51) ويشارك الام " الخالة سكينة " زوجها ضعيف الشخصية " قال زوج الخالة سكينة الذي دائما ما يتظاهر بانه يفهم كل شيء(..) سميرة الضعيفة تحضر نقودها من المدرسة لتنفقها  في منصرفات المنزل المتعددة (52)"يحاول الراوي في هذه الحكاية, معالجة ازمة عائلية , بالكشف عن اسبابها المتمثلة في خيبة امل هذه الاسرة, ذات الاحلام المحلقة , في واقع حال هذا الزوج الذي لا يلبي هذه الاحلام العريضة . فيتضارب واقع حاله مع احلامهم , ويبداون في تسريب كل ما يسيء اليه ومن هنا ينشب الصراع بينه وبين هذه العائلة التى تفسد حياته الزوجية , الى ان تصل الامور بينه وزوجته الى حد الانفصال . فيشعر بانه خسر الرهان " غام العالم في عيني حسن . لقد خسر الرهان . ضيق الم به وعرف ان المكائد وصلت ذروتها (53)" ..

ونجد قصة البرينسيسة هي بمثابة اعادة انتاج لهذه القصة ..

(3) الحكاية في البرنسيسة:

لكن تختلف قصة البرنسيسة عن الخالة سكينة في انها تسلط الضوء اكثر على زوايا اخرى من ازمة يعيشها زوج وزوجته الى حد الانفصال عن بعضهما بسبب تسلط الام " الام البرنسيسةتتحدث كالعواء . ازماتها النفسية والاخفاقات  قالت لنا ان ننسى كل تلك المرارات ورددن خلفها بناتها الثلاث في غضب وتحدي (..) ريم اختهن التي بالعاصمة سكبت كثير من الماء المراق على امل ضائع (..) والدهن المترهل رغم امراضه العديدة الا انه مكابر (..) اماني كالبغلة تهدده بالطلاق (..) قال لاخته العجوز ليأتي احمد وياخذ ابناؤه (54)" وهكذا تحاول هذه القصة تسليط الضؤ على النفسية المعقدة لافراد هذه الاسرة , التي جعلت زوج ابنتهم " احمد " يبتعد ليحلق في سماوات لا تطالها اجنحة احلامهم ..

الزمن والاسترجاع:

في التصور الفلسفي الزمن هو: كل مرحلة تمضي لحدث سابق الى حدث لاحق.. على حين ان غيوم  ينظر الى الزمن على انه " لا يتشكل الا حين تكون الاشياء مهيأة على خط بحيث  لا يكون الا بعدا واحدا هو( القول) "  وقد يكون الزمن من المفاهيم الكبرى, التى حار الفلاسفة والعلماء والرياضيون, في الاجماع على تعريفها , مما يدع الباب مفتوحا لكل مجتهد وما يفترضه من تعريف . ولكل مفكر وما يتمثل له من تحديد . ويبدو ان اللغة البشرية لا تزال عاجزة عن عكس مفهوم الزمن حين يراد الدلالة عليه بشيء من الدقة والصرامة . فاللغة يرضيها ان تتحدث عن هذا الزمن في المستوى التقريبي , تاركة المبادرة لالات القياس الزمنية الجديدة التي تحاول الدلالة عليه . والزمن مظهر وهمي يستغرق الاحياء والاشياء , فتتاثر بمضيه الوهمي غير المرئي .

فالزمن مظهر نفسي لا مادي , ومجرد لا محسوس , ويتجسد الوعي به من خلال تاثيره لا من خلال مظهره في حد ذاته . لكنه ياخذ مظهره في الاشياء المجسدة (55) ومما يساعد العلماء على تصور النظام الزمني ربط الزمن بالحيز , حيث لا يرون اى وضع حيزي الا مصبوبا في وضع زمني , كدوران الة من الالات او محرك من المحركات , فان الحركة تدل على الزمن و( تظرف) فيه . اذ يستحيل حدوث اى حركة خارج نطاق النظام الزمني المتسلط (56)..

 ونجد ان الزمن السردي - خاصة -  أنه هو الزمن الانساني الواقعي . كما أنه  الزمن الباطني المتدفق بحيث يشكل ذلك الجانب الغامض في التجربة الشعورية , وهكذا يرادف معنى الزمن في السرد معنى الحياة الداخلية , معنى الخبرة الذاتية للفرد . ورغم تغلغلها في اغوار النفس البشرية فهي خبرة جماعية , والزمن السردي هو الصورة الحقيقية لهذه الخبرة . ومن ثم فالزمن السردي زمن نفسي , بمعنى انه لا يعني الزمن الموضوعي الذي يتم الاهتداء اليه بمعالمه الفلكية (..) لم يعد الزمن مجرد خيط وهمي يربط الاحداث بعضها ببعض ..

 اصبح السرديون يرهقون انفسهم في اللعب بالحيز واللغة والشخصية , فاصبحت الاعمال السردية فنا للزمن (57) ومن هنا نجد ان الحلو في قصته" عشوشة تفتقد الصواب " التي يستهلها  بزمن المضارع المستمر " الطرق العاشقة والعشب ذو النكهة المارقة على مد البصر وعشوش  تحمل قلبا يضحك مع الضحى , تكفكف اساورها , وتتمنى لسدرة روحها ان تثمر , والشيخ صلى ركعتين , وشرب مزيج  القرنفل والنعناع , ومسبحته تتساقط قناديلا من الاحلام لمساء رائع (58) يعمد الى استخدام مسنويات زمنية مختلفة , اذ يتداخل  زمن المضارع المستمر مع مستوى زمني اخر , هو مستوى الزمن " الاستباقي " " اخبرته زوجته عشوش ان يبني لها قصرا من الريش يفوق ما اتى به الاولين (59) ثم تمضي القصة بصوت الراوي , لتلج مستوى زمنيا اخر هو مستوى الزمن الحاضر " حل الاصيل  جاء الهدهد منتفش الريش , يبدو الاجهاد على محياه (60): الى ان تنتهي القصة في المضارع المؤكد بالافعال ( تابع - يطير - يسقط - تزيح - تجعل - تفيض - يشعلن - تسبح ..) في خاتمتها " وتابع سليمان بنظره سرب الطيور المغادرة حين راى الهدهد في زيل السرب يطير دون ان تسقط منه ريشة واحدة (..) انها الجذوة والنساء يشعلن بالتهجي حكايات الشجن القديم . عشوش تسبح في موج لهوها في قصر من ريش (61) "..

كذلك في قصته " الخالة سكينة " , التي يستهلها بالاسترجاع " الخالة سكينة وجهها الشبيه بوجه جرز هرم , تدير المكائد : قالت لحسن ... (62) " وينتقل السرد من هذا المستوى الزمني الى مستوى اخر هو مستوى " الاستشراف " " كن يحلمن به يمتلك السيارات المحملة والبوتيكات الممتلئة ذات الاضاءة المتلالئة ليلا (63)"ليعود مرة اخرى  لمستوى الاسترجاع " مرت بخاطر حسن سكينة عند حضورها لابنتها في وضعها الاول (64)" لينتقل من هذا المستوى الى مستوى الاستباق " ضيق الم به . عرف ان المكائد وصلت ذروتها (65)"..

  لنجد من خلال  ما تقدم ان الحلو يوظف تقنية الاستباق او  الاستشراف , في اطار سياق زمن الاسترجاع .

ونلاحظ على قصته " البرنسيسة "أنه  قد وظف الاستشراف في سياق الاسترجاع " ناسيات ان الدنيا تعقبها اخرة وان الايام مصيرها الى زوال (66)" وما نلاحظه على التقنيات الزمنية المذكورة طبقا لما تقدم , ان الزمن بصورة عامة يتجلى عند الحلو في اللغة , لغة الوعي واللاوعي والاحساس الذي يذكي الخيال فينقلنا من لحظة الى اخرى ومن لذة الى لذة , حينما نسترجع حدثا جميلا مر بنا كالبرق الخاطف , فعبر سماء حياتنا الموحشة في لحظة هي اقصر من اللحظة وقد ينقلنا الخيال من الم الى الم عندما نشعر بفقدان عزيز او ضياع ثمين .

 وهكذا تحاول الذات المبدعة باسترجاع الماضي الجميل وصنع المستقبل البديل , ايقاف الزمن واللحظة الهاربة , عن طريق الكتابة للتمتع بها او للتحسر عليها . وبهذه الطريقة يتم تمديد لحظة الاحساس قصيرة العمر , حتى تصبح اطول عمرا بزمن القراءة , الذي قد يشغل حيز صفحات كاملة .

ان اللغة هي التي تعبر عن كون الزمن يشكل بحضوره المستمر خلفية التجربة , لذا فالزمن داخلي وكامن في طبيعة اللغة المعبر بها في الخطاب , فبنية الكلمات هي البنية العامة الوحيدة لفكرة الزمن الداخلي (67)...

(3) المكان والفضاء المكاني عند :(1) محمد خير عبد الله.(2) ارثر غابريال.(3) اغنيس بوني لاكو .

(1) محمد خير عبد الله:

محمد خير عبد الله قاص ذو رنين خاص . استطاعت قصصه ان " تثير " كثير من الاسئلة حول القصة القصيرة , والقصيرة جدا , او تلك القصة التي يطلق عليها بعض النقاد هنا _ في مصر _ قصة " الومضة " .. استطاعت قصص محمد خير, استكناه التفاصيل القصوى للوعي واللا وعي. في تكثيف يؤكد على براعته في امتلاك ادوات القصة القصيرة .. ونتناول هنا في هذه المساحة " المكان " في ثلاث نماذج قصصية له . وهي تلك التي نشرها في كتاب " دروب جديدة " :

 (1) دم ومسبحة وعشق - (2) سيجارة - (3) حذاء .

اذا كان الفن السردي في المقام الاول فن زماني. فانه من الجانب الاخر فن مكاني . فالمساحة التي تقع فيها الاحداث, والتي تفصل الشخصيات بعضها عن بعض , بالاضافة للمساحة التي تفصل بين  القاريء, وعالم الاعمال السردية , لها دور اساسي في تشكيل النص السردي . فالقاريء عندما يمسك بالعمل السردي , ينتقل من موضعه الى عوالم شتى . الى عالم خيالي من صنع الكلمات . فالعمل السردي رحلة في الزمان والمكان على حد سواء .. السرد لا تتحقق له صفة الادب دون مكان وفضاء مكاني . فالادب يتناول المكان والفضاء , فيصف الامكنة والدور والمناظر الطبيعية, وهو بذلك ينقلنا في خيال كما يقول بروست - حول قراءته في مرحلة الصبا - الى مناكب مجهولة , توهمنا في لحظة القراءة, باننا نرقد عبرها ونقطنها , فالباقي من اثار قراءتنا لاى عمل ادبي - خاصة السردي - يمثل غالبا في امرين مركزيين :

(1) المكان .(2) الشخصية التي تتحرك في هذا المكان . بكل ما يتولد عن ذلك من اللغة التي تنسج الحدث(68)"...

ما يلفت الانتباه في قصص محمد خير عبد الله . قدرته الفائقة على السخرية واللامبالاة والاستخفاف بكل شيء حوله . الى جانب قدرته على التكثيف , عبر استخدام تقنيات حداثوية عديدة ببراعة فائقة . ففي قصته دم ومسبحة وعشق , التي يحاول فيها معالجة حالة انسانية, لكاتب يعيش حبيس غرفته ( المكان) التي هي ملاذه الآمن . الذي يلجا اليه, كلما شعر بحصارات الاخرين . يحاول هذا الكاتب وهو في غرفته كتابة قصة قصيرة عن  علاقة تربط بين شاب وفتاة . يرى الاخرون انها لا تناسبه ويحاصرونه بارائهم السالبة فيها .. ما يؤثر على قدرته في اتخاذ قرار حاسم لصالح هذه العلاقة او ضدها .. وتتماهي في هذه القصة شخصية الراوي المتواري, في شخصية الكاتب المتوحد في (غرفته ) بما  يوحي سلوكه في هذا المكان, عن حالته النفسية المحبطة"جال ببصره ومسح  بلا مبالاة , بين الستائر المتسخة واطراف المقاعد التي علاها الغبار , وبعض الاوراق على المنضدة . جلس على اقرب كرسي ومسح الغرفة للمرة الثانية . مد يده وتناول القلم  وبدا يعالج قصة قصيرة (69)" .. ونلاحظ ان المكان هنا ليس محايدا او عاريا من الدلالة . فالتلاعب بصورة المكان من خلال وصف الستائر واطراف المقاعد , الخ .. تم استغلالها لاسقاط الحالة الفكرية, والنفسية لشخصية الكاتب , على المحيط الذي يوجد فيه (الغرفة ) . ما يجعل للمكان دلالة تفوق دوره المالوف, كديكور او كوسيط دلالة يؤطر الحدث .. ويلاحظ ذلك من علاقته المعقدة بغرفته التي اصبحت تحاصره مثلما يفعل الاخرون,  لبطل قصته التي يزمع على كتابتها ..  فكل شيء حوله اصبح باهتا " التوق الى الاشياء وهن . القراءة . وهي الركن الذي يهرع اليه , عندما تتصارعه الاحباطات (70)".. فيستعيد في احباطاته هذه, وجه والده وحواراته معه حول الفتاة التي  يحبها , وفي سياق ذلك يستعيد اراء الاخرين "  تذكر والده وضحكته الخبيثة, وهو يقذف بوصيته في وجهه : - لا تتزوجها !.. سأل الامام فانتهره .. سأل استاذ التاريخ الذي يوده (71) "ونلاحظ ان صورة المكان هنا, بما يبعثه من احباط , تكتسب دلالة نفسية  من خلال عكسها بمفاهيم معينة , هي مفاهيم هذا القاص الذي يدور حول نفسه مستاء, من الستائر والمقاعد والتلفيزيون..  متنازعا بين آراء الاخرين, ممن يحبهم كوالده واستاذه.. وممن تجمعهم به  علاقات المجتمع السلطوية, كامام الجامع.. وممن هم بمثابة الاصدقاء , الخ ..فالفضاء المكاني هنا, من خلال الاسترجاع  لوقائع ما هو خارج الغرفة. يحمل معه جميع الدلالات الملازمة له, والتي ترتبط بالثقافة العامة, لاسرة ومجتمع هذا الكاتب. التي  تنطلق من مفاهيم قيمية, في تقييم علاقته بهذه الفتاة. بالتالي تنطلق من رؤيا خاصة, ومحدودة للعالم يرغب القاص محمد خير, في الكشف عنها. بحركة الكاتب بطل قصته في المكان ( الغرفة ), وفضاء هذا المكان من خلال الاسترجاع .. اذ نجده على الرغم من حبه لهذه الفتاة, لا يصل الى يقين يدفعه لاتخاذ قرار حاسم, بعد ان بلبل الاخرون افكاره , فما ان يخرج من غرفته, ليلتقيها حتى يفر هاربا منها , لائذا بغرفته " ورجع لغرفته الرحيبة كمحيط, وتعرى وجهها يتماوج (72)" ليبدا في كتابة قصته معها " وقال لنفسه هل اسميها ايمان بوصلة الحب (73)" من خلال هذا المكان " الغرفة " يستعيد الكاتب افكار قصته متماهيا في الراوي ..

وفي قصة محمد خير ( سيجارة ) .. نلاحظ للحظة الاولى غلبة الحوار على السرد" - اعطني سيجارة . وقف البائع وناوله واحدة . - هل يمكنني ان اشعلها . - انت حر .- انا حر ؟!..(74) "  هكذا يداهمنا منذ اللحظة الاولى   بالحوار  . حيث تنطلق احداث القصة من مكان ما . عام . يمكن ان يكون اى مكان . سوق . دكان في الحي .  كشك على ناصية الطريق .

 اذ تعتمد هذه القصة على فضاء المكان بشكل اساسي, من خلال المكان الذي انطلق فيه الحوار, بين بطل القصة والبائع .  حيث ينطلق من هنا - بطل القصة - بحثا عن مكان آمن, يدخن فيه سيجارته. دون ان يصطدم بالسلطات , التي تمنع التدخين في شهر رمضان .. فيما يتصل بالاعمال السردية الواقعية فان المكان يقوم بدور مهم, في تجسيد المشاهد. مما يكسب هذه الاعمال, جزء كبيرا من واقعيتها (75) " .. ولذلك هذه الاهمية تقل, كلما انتقلنا الى اشكال سردية اخرى, تدور فيها الحركة في الذهن, بدلا من المكان . حيث يقل فيها تصوير الاحداث والحركة , اذ تتحول هذه الحركة الى اذهان الابطال..  فهذه القصة تحدد زمنها الداخلي بشهر مقدس " رمضان " ليعالج الراوي خلاله سلوك اجهزة السلطة الدينية تجاه " غير الصائمين " . هذا السلوك الذي يدفعهم للهروب من الاماكن العامة, الى ملاذات آمنة , يتضح لهم بعد ذلك انها هي الاخرى غير آمنة . وتكمن مفارقة القصة هنا, ان مسئولي وعمال اجهزة السلطة الدينية أنفسهم " غير صائمين" . وعلى مستوى قول هذا النص : فهى قصة البحث عن مكان . . فالمكان هوالبطل وهو الحدث الاساسي ...

وفي قصته" حذاء" يستهل الراوي بصوت الانا المتكلم, قصته مستعيدا وقائع مأزقه, كما يتمثل هذا المأزق في حذاءه - وفقا لتصوره - ومظهره . اذ تسبب كل ذلك, في ان يتم رفضه من قبل حبيبته الجديدة , مثلما تركته حبيباته السابقات . فيقرر بيع كتبه, وترك الثقافة والمثقفين , وتغيير مظهره حتى يصبح مقبولا لدى النساء .. اهمية هذه القصة تنطلق., من كونها تناقش العلاقة الاشكالية/  الجدلية بين الجوهر والمظهر , واسقاطاتها القيمية, بما يحدد السلوك او الذوق العام. ممثلا كل ذلك بصورة مفتاحية في دلالات " الحذاء " !! .. فبعد ان رفضته حبيبته, يدخل في مغالطات مع كل شيء حوله , حتى التاريخ "بنت الكلب كيف ترفض حبي ؟ .. أف  على التاريخ هذا الكاذب الاكبر.. كل الكتب كاذبة .. بل ميتة وجدتي حية .. وهي لم تسمع بدفترداركم هذا .. (76) " وهكذا يستمر في الهذيان " انتم احرار .. لكن بنت الكلب, لن ادعها تحادث ذلك الشاب (77)" .. ومن خلال تقنية الاستباق, يبدا في تخطيط مكائد ضد اصديقه " اما صديقي عبد العليم الذي يجيد الشماتة .. سارشوه (78) " ويستمر في هذيانه محاولا التوصل, عن طريق تحليله الذاتي , معرفة سبب رفضها له " بنت الكلب سابيع كتبي ما نفعها .. حاورت عنها وبها واقنعت واقتنعت , الا بنت الكلب لم تقتنع . لا بأس من لم يقنعه الكتاب يقنعه الحذاء غدا سابيعها واشتري حذاء اه  لو كان معه بنطال جديد  وقميص (79) " ...

(2) ارثر غابريال ياك : (حكاية مشنقو - نموذجا )..

اذا كانت سيزا قاسم تقرر: عدم وضوح الرؤية في النقد العربي, بين مصطلحي المكان والفضاء , فان حميد لحمداني في دراسته " بنية النص السردي .. من منظور النقد الادبي " يعلن : " لم نصادف ضمن الابحاث التي اطلعنا عليها , دراسة تميز بشكل دقيق, بين الفضاء والمكان " (80) ويبدو ان التمييز بين كل من المكان والفضاء ضروري. حيث ان تحديد ووصف الامكنة, في الاعمال السردية. عادة ما ياتي متقطعا, لاتصالها بلحظات الوصف , وهي لحظات متقطعة ايضا تتناوب في الظهور, مع السرد ومقاطع الحوار , ثم ان تغيير الاحداث, وتطورها يفترض تعددية الامكنة . بل يتعداه الى تعدد صورة المكان الواحد , بحسب زاوية النظر التي يرى منها  هذا المكان . وحتى في الاعمال السردية التي  تحصر احداثها في مكان واحد , نراها تخلق ابعادا مكانية في اذهان الابطال . انفسهم . ومجموع هذه الامكنة, هو ما نطلق عليه الفضاء السردي . وهو العالم الواسع الذي يشمل مجموع الاحداث السردية(81)..

والفضاء السردي بهذا المعنى شمولي. يشير الى المسرح السردي بكامله . والمكان  يمكن ان يكون - فقط - متعلقا بمجال جزئي, من مجالات الفضاء السردي . ومن هنا فان الفضاء السردي هو: المكان او الاماكن المضمنة. التي تظهر فيها كل  من المواقف, والاحداث والسياق الزمني المكاني, للحكي . انه الاطار المكاني المحيط بحركة السرد, كله بما يتجاوز حدود الامكنة المحددة ...

ومن هنا فان المكان عند ارثر غابريال ياك , من خلال قصته ( حكاية مشنقو ) , نجده فضاء فسيحا وعاما , ربما يكون قرية او مكانا طرفيا , او على الشارع العام او المدينة او عنبر الباطنية في المستشفى , الخ .." قطيع من الاغنام مر امامه ... جمع من سكان الحي والمارة, التفوا حولهم وخرج الاطفال, من الاكواخ بثياب ممزقة ... هرعنا الى المستشفى و وجدنا عنبر الباطنية ذا الرائحة الكريهة ... , الخ (82 )".. وحكاية مشنقو حكاية  فانتازية , اذ يدخل فيها الايهام : هل مشنقو في تلك اللحظة التي مات فيها , تبدى عن وجه ميري؟!.. ام ان الراوي  وحده الذي انتج وجه ميرى عبد الرحمن الفكي , ورآه كأنه وجه مشنقو في ختام حياته؟!..

يستهل الراوي هذه القصة بنداء مدام خميسة لمشنقو , طلبا لدينها منه " مشنقو مشنقو .. انا دايره دين بتاى (83) " . وكان مشنقو واقفا بمظهره الرث, لا يأبه لشيء " لم يأبه لمدام خميسة التي كانت تناديه , ولم يلق بالا, الى الاطفال الذين كانوا يعيرونه (84)" ويمضي السرد في تحليل شخصية مشنقو , كشخصية قريبة الشبه من ابطال الاساطير, والحكايات الشعبية " يا مشنقو هل انت مسئول عن اصلاح هذا الكون ؟ .. وطن واهل ودين وهوية .. ماذا يعني كل ذلك في غياب الحرية .. احترنا جميعا في امر مشنقو هذا , لا صديق له ولا تذوره زائرة .. كان يعرف معظم لغات قبائل الجنوب , احيانا يحدث نفسه بلغات غريبة .. ويقرأ كتبا حروفها متعددة الاشكال " ولد دي اجيب خلاص!" قالها جدي وهو يغرغر فمه بالماء, ثم واصل اندهاشه (85) " ..هكذا تمضي حياة مشنقو الى ان يتناهبه النزع الاخير في مستشفى واو " ابونا . ابونا . برئني من الخطيئة الاصلية .. سأل القس انريكو فاجاب الصوت " ما.. ما ..   رسم القس اشارة الصليب وهو يتمتم بايات من انجيل لوقا .. امر الطبيب التمرجية ان ياخذوا الجثة الى المشرحة (86)" ...

(3) أغنيس بوني لاكو :( زواج نابورو - نموذجا ):

والمكان والفضاء المكاني عند اغنيس بوني لاكو, من خلال نموذج " زواج نابورو" لايختلف كثيرا عن طريقة توظيفه عند ارثر غابريال . فمنه يتشكل الفضاء المكاني الذي تدور فيه وقائع واحداث هذه القصة " صحبه عدد من اولاد القرية, لكنهم جميعهم تركوا المدرسة, وعادوا الى القرية (87) فهذه القصة( زواج نابورو) تحكي عن الزعيم " مودي " الذي اشتهر بتعدد زوجاته, الى درجة انه كان " لا يستطيع التمييز, بين زوجاته الاصغر سنا وبناته , ومع ذلك لم ينجب الا من زوجته التاسعة , حيث رزق بطفلين ولسؤ حظه ان الطفل الاول, توفى في الرابعة من عمره وبقى " لادو" الطفل الثاني (88)" وعندما وصل لادو السابعة من عمره يقرر الزعيم مودي, ارساله الى  المدرسة رغم اعتراض مستشاريه " كانوا يريدون ان يقوم بتعليمه هو نفسه حتى يكون صورة من والده (89) " ويستمر لادو في المدرسة رغم الصعوبات ", ولم يفكر قط في الهروب (90)" وعندما نجح  لادو في دراسته وعاد الى اهله تجدد فيه شجن الطفولة تجاه " نابورو " التي تركها صغيرة, ولابد انها اصبحت صبية ناهدة, بعد كل هذه السنوات . فيسال عنها اقرانه الذين يؤكدون له: انها هربت قبل شهر " مع شاب من احدى القرى المجاورة لعزبة مانولا (91) ".. والمكان هنا كما نلاحظ يتشكل كفضاء واسع, يشمل القرى المجاورة لعزبة( مانولا) كما يشمل حلبة الرقص, والمدرسة الاولية, والوسطى وتوريت الصناعية.. واذ يتشكل هذا الفضاء من خلال العالم القصصي يحمل معه جميع الدلالات, الملازمة له. من دلالات ثقافية وحضارية .. ونجد سواء ارثر او اغنيس ,  قدما حدا ادنى من الاشارات الجغرافية , التى شكلت نقطة انطلاق لقراءتنا: في المكان والفضاء المكاني  ...

(4) الزمكان / المكان .. السرد,  في العالم القصصي ل:(1) استيلا قاتيانو . (2) منال حمد النيل .

المكان والزمان , يشكلان كلا واحد ..  هو الاطار للحدث . وبينما يبدو المكان,  بكل ما يرتبط به, وكأنه يمثل فلسفة البناء القصصي , نجده لا يكتسب اهميته,  الا بوصفه وعاء للزمن , وفي اطار بعدي المكان والزمان, تسعى الشخصية القصصية, وتدب فيها الحياة, واحساس الانسانية بالمكان والزمان, هما اساس الشعور بالتواجد. والكيان الفردي والاجتماعي. وقد يستخدم المكان, للدلالة على الواقع النفسي, للشخصية القصصية , بحيث يتآزر الزمان والمكان, في تفسير حاضر الشخصية, من خلال ماضيها , او باسقاط الماضي. على الحاضر. لبيان وتصوير فعل المكان, في الشخصية (92)... والمكان عند استيلا قاتيانو, من خلال هذه النماذج, التي نقرأها لها : دائما مكان عام : بلدة .. شارع ..  سوق ..الخ .. ما يجعل مشاركة الاخرين, في  احداث هذا المكان امرا ممكنا . وهي تلتقي هنا مع قصص( الجيتو الاقريقي الاسود) التي تعني بحياة المعزولين في المجتمع , ونعني بالتحديد, هنا قصتها " خرائط لعوالم مجهولة" ..  من خلال تصويرها لحياة المشردين , هذه الفئة المعزولة في المجتمع .. حيث يشير النوع العام للمكان هنا , للخلفية التي تقصد استيلا اجراء الاحداث, وصراعات الشخوص عليها , كما يشير البعد المكاني وزمانه, الى عالم الراوي او المحاور, وهو بالضرورة جزء من عالم النص كله ...

 استيلا قاصة سودانية متميزة . تمتاز بقدرة فائقة على السرد والحكي , وانتقاء الكلمات العذبة, الاكثر قدرة في التعبير, عن مدي جرح عالمها القصصي . والنماذج التي سنتناولها لها هنا هي :

 (1) خرائط لعوالم مجهولة .(2) بحيرة بحجم ثمرة الباباي .(3) وليمة ما قبل المطر .(4) في ليلة قمرية .(5) كل شيء  ها هنا  يغلي ...

 وهي قصص قد نشرت سابقا في كل من ( نماذج من القصة القصيرة النسائية في السودان - الانثى كذات كاتبة والانثى كموضوع للكتابة )  و ( مجموعة دروب جديدة _ نادي القصة السوداني ) و: ( كتابات سودانية ) ..

(1) خرائط لعوالم مجهولة:

وهي قصة صبي مشرد في الثامنة من عمره, .بينما هو غارق في نوم عميق, توقظه شقيقته, التي تكبره بعامين. بلكمة قوية. فيسترجع الراوي , من خلال الفعل المضارع المستمر, كل وقائع واحداث الليلة التي مضت . عندما قرر الافتراق عن شقيقته , بسبب شجارهما المستمر وحياتهما المعذبة , ولكن لا يستطيع الاستمرار في الافتراق عنها , فيعود ليبحث عنها, بحثا مضنيا حتى يجدها..  وهي نائمة فيستلقى قربها, بعد ان يغطيها بارتاق من القماش , ويصحو في الصباح, اثر لكمتها القاسيةعقابا له على تبوله على سرواله , ويبدا في استعادة حياتهما معا  واحداث الليلة الماضية : الاسباب التي جعلته يتخذ قرار الافتراق عنها " قام وهو يعاني من نعاس يأبى اطلاق سراح جفنيه (..) عند استيقاظه رأى الخريطة التي رسمها تبوله الليلي .لابد انها بلاد يحلم بزيارتها يوما (93) " ويمضي الراوي كاشفا عن الحياة المأساوية, لهذا الصبي المتشرد " يمشي على امشاط قدمه اليمنى , مقاوما الالم الناتج عن تشقق باطن قدميه , يتجه الى المسجد قاصدا الحنفيات , التى اصطف امامها الناس مثل جنود يتلقون تعليمات من قائدهم . يصب الماء على سرواله لازالة اثر البول (..) يعود ادراجه (..) حيث اصطفاف المتسولين بصورة مقززة , يفكر : كل شيء بقايا واوساخ يجب ان تلقى , فنحن قاذورات البشر يجب ان تلقى على الرصيف (94)".. وهكذا يستمر الراوي, في القاء الضؤ على عالم التشرد والمشردين . هذا" الجيتو الاسود" المعزول على هامش المجتمع .  من خلال الحياة البائسة  لهذا الفتى وشقيقته"  اطفال يفتك الرمد بعيونهم (..) كبار السن يتآكلون تحت وطأة الجذام, وسائر الامراض (..) ثياب تجيد فضح العورات اكثر من سترها , واواني سوداء هضمها الزمن (..) ذانك الطفلان (..) لا يدري احد ما اصلهما او فصلهما , دائما يتشاجران على بقايا طعام بائت (..) فضحه ذلك الشق الهائل, في خلفية سرواله ,  يظهر  غباش ردفيه (95)" ..

وتستعيد الصبي من هذه المشاهد نظرات شقيقته , التي تسترده من رصده للوقائع والاحداث حوله, في عالمه البائس , ثم يمضي الراوي, في تشريح علاقة هذا الصبي بشقيقته " كان يحملها على ظهره , خلال جولاتهما حول المدينة , بحثا عما يسد الرمق (..) وكانت مهمتها النشل (..) كثيرا ما كانا يتشاجران لعدم عدل شقيقته , في تقسيم النقود بينهما (..) ويستمر كل منهما في امتنانه على الاخر , وينتهي الشجار بان تضربه بقسوة وغلظة (..) كان يبكي ويعلو صوته (96) " .. هذه العلاقة المعقدة بينه وبين شقيقته , تدفعه للتوحد مع ذاته , حيث يستعيد  في حواره مع هذه الذات المعذبة , تاريخه وحياته " اختي قاسية مثل ابي , الصلة التي كانت تربطني به يده الثقيلة , التي كان يقبض بها على كتفي (..) كنت انطلق به بين السيارات الفارهة , واخرى تقل ركابا , فينطلق لسانه, بسيل من الدعوات لمن يعطيه ومن لم يعطيه . وكثيرا ما لا يعطيه احد. ولا يثير ما يقوله من دعوات شفقة, او يحرك ساكنا (..) كنت اغتاظ منه . لو دعا لنا كل هذه الدعوات لتغير حالنا (..) كنت ادعو في سري, دعوات مضادة لما يقوله ابي (97)" ويمضي الصبي المعذب في احلامه البريئة, عندما يرى السيارات .. يحلم باقتناء سيارة .. ويتساءل : لكن من حينها سيقود والده ؟!.. فتتبخر احلامه ..

 ولكن سرعان ما تعاوده هذه الاحلام " تصبح لي سيارة  كبيرة حمراء . اقودها . اتوقف عندما تضيء الاشارة حمراء . لن ارفع زجاج سيارتي في وجه ابي (98)" .. وينتزعه من هذا الحلم سيارة عابرة , تكاد تحطم سيارته( اللعبة) التي يسحبها . فيفلت اصابع والده ويهرب , فيلقى والده حتفه " حتى الان اذكر تطاير دمه على الاسفلت (..) هل كنت احب ابي ام لا ؟!(99) "  ويحطم الصبي سيارته اللعبة . بسبب هذه التجربة القاسية , التي تشكل وجدانه لسنوات قادمة .. كان خائفا في طريق عودته الى المسجد " هاجمتني اختي : اين ابوك ؟! (..) بكت . تجمع حولها المتسولون (100)" ...  ويدفعه التفاف الناس حول اخته للعدو والهرب , اذ يرى في هذا المشهد, ذات مشهد التفافهم حول جثة والده ..  ففي لحظة هروبه وقع مكروه لوالده!! والان  ايضا يهرب , فقد يقع مكروه !!.. وعندما يتعمق الشجار بينه وبين شقيقته, يقررالافتراق عنها " ذهب والتقى ببعض المشردين . قضى معهم بقية اليوم. وعندما تاخر الوقت تذكر شقيقته, فتناهبه القلق , فمضى للبحث عنها في كل مكان , فهو لا يريد ان يحدث لها مكروه, بسببه كما حدث لوالده " كان خائفا اذا سأله احد : اين اختك ؟!.. وجدها مستلقية وتتنفس بانتظام (101) " فيشعر بالاطمئنان عليها, ويغطيها برتق من القماش. ويستلقى قربها الى ان توقظه صباحا, بتلك اللكمة المميزة. بعد ان وجدته قد تبول, على سرواله اثناء النوم ..

الزمان هنا في هذه القصة, لحظات قصيرة. تمتد من اللحظة التي تم ايقاظ الصبي فيها, من النوم حتى خروجه الى المسجد. مباشرة للاغتسال , واستعادته لوقائع  علاقته بشقيقته ووالده, والعالم الذي ظلوا يعيشون فيه, منذ حياة والده , بتحديداته لهذه العلاقة البائسة ..

 والمكان هنا كما اشرنا اليه -  في استهلال هذه القراءة -  يشكل مع الزمان , نموذجا للزمكانية . حيث يندمجان معا, ليشكلان كلا واحدا. يصعب فصله .. رغم وسع المكان . باعتباره مكانا عاما. لكن الاحداث تدور في ذهن الصبي. من خلال تقنية الاسترجاع, اكثر مما هي تدور, في الواقع المكاني الواسع, الذي يشكل فضاء المكان. في القصة بما هو يتكون من: الطرقات , المسجد , السوق , الخ ..

 ومع ذلك ليس ثمة مكان محدد, يخصهما.. وياويان اليه . وذلك لطبيعة حياتهما., كمتسولين , بحيث يتماهى مضمون القصة, مع شكلها.. وتوظيف المكان , الذي رغم شسوعه, لا يملكان فيه حيزا يخصهما , ليكون فعلا اطارا محددا لخصوصية اللحظة الدرامية, المعالجة لاحداث ووقائع حياتهما , فالحدث لا يكون في لا مكان , وهنا يكشف المكان عن وظيفته الاساسية " الخلفية الدرامية للنص " (102)"...

(2) بحيرة بحجم ثمرة الباباي:

تتضح العلاقة بين الزمان والمكان " الزمكانية " في الوصف او الصورة السردية , حيث ان الوقفة الوصفية, في النص السردي تمثل وقفة زمنية , ولذلك يلاحظ بهذا النص, نوع من التوتر بين دفع مستوى القص الاول للاحداث, الى الامام على خط الزمن , وبين جذب المقطع الوصفي, الذي يشد النص نحو الاستقصاء والسكون. حيث يستطيع الوصف, جذب النص وتجميده الى ما لا نهاية. ومن هنا نستطيع في( بحيرة بحجم ثمرة الباباي) تبين اتجاهين :

 (1) اتجاه  يخضع لدفع الزمن فيزمن المقاطع الوصفية , اى يحول المكان الى زمان .(2) واتجاه  يستسلم للاستقصاء, فيمكن الزمن او يحول الزمن الى مكان (103)" ..

 ولتوضيح ذلك نلاحظ ان زمن هذه القصة قصير . اللحظة التى تكفي - فقط - لاستعادة بطلة القصة ذكرياتها مع جدتها التى توفيت " كل شيء فيها يذكرني بشجرة الباباي المنتصبة في فناء بيتنا الواسع (104)" .. فمن خلال المكان الذي يحدث فيه استرجاع هذه البطلة لذكرياتها .. الذي هو مكان ما في الجنوب , اذ تم التعبير عنه من خلال رموز وعلامات , تكفي للافصاح عن هويته الجغرافية " شجرة الباباي , الخبرة والسلوك الاجتماعي اليوميين في التعامل مع وقائع الحياة اليومية , الخ .." " ذات يوم ذهبت لتقضي حاجتها في العراء (..) يبدو ان افعى لدغتني , فاخذت مشرطا وفصدت موضع اللدغة (..) صنعت خطين على ظهر يدي وكذا على قدمي (..) هذا حتى لا تجرؤ تلك الحبال المتحركة على لدغك (105)" ,, كذلك من خلال الاسماء المميزة, لا للفواكه فحسب. بل للناس ايضا, يتم تحديد المكان " انت يا ربيكا ابنتي (.) وانت يا ماريو فقد قتلك التحدي (106)" .. وهكذا ياخذ المكان ملامحه, لا من خلال تحديده جغرافيا , بل من خلال الرموز والعلامات, التي تشير الى هذا الحيز الجغرافي, الذي تدور فيه احداث القصة, وفضلا عن ذلك يتم تحديده بدقة اكبر " في كل مكان  . حتى في فناء بيتنا الواسع, المليء بالاشجار والخضروات, وشجرة الباباي (107)" ..

 وهكذا تعمل مع هذا التحديد الادق , البنية الزمنية لتحدد مستويات الزمن مع العلامات والرموز التى تعمل داخل هذا المكان . لتشكل بنية " زمكانية " تجري خلالها الوقائع والاحداث .. فبعد ان تستعيد هذه الفتاة تفاصيل علاقتها بجدتها , تحاول تسليط الضؤ, على بعض الاحداث المؤثرة, التي وقعت لها مع جدتها , للكشف عن ابعاد شخصية هذه الجدة " لا المس في جدتي اى جماليات . كنت اراها قبيحة كالغوريلا (..) كنت ارى الافق عبر ثقب اذنها الهائل (..) في انفها الافطس .. ثم مساحة كبيرة من لثتها (..) عيناها كانتا حمراوتين , الشيء الذي عرفته عن جدتي , ان لها مقدرة فائقة على تحمل الالم (108) " ..

هذه القصة تنهض في العلاقة الحميمة والمعقدة, بين الجدة وحفيدتها , والذكريات المشتركة بينهما, لليتم والترمل وفقد الاحباب . وتنهض في هذا العالم الما ورائي, الذي تنهض فيه العقائد الافريقية الاحيائية القديمة, متحكمة في حياة الناس , والذي - هذا العالم الماورائي -  يتصل بالجدة. ويصعب على حفيدتها تصديقه " قالت هذه الافعى نزير شؤم (..) رأيت جدك قبل ايام .. - في الحلم .. - لا في الواقع .. - ولكن يا جدتي جدي قد مات!! .. (..) رايته في صورة تمساح (..) لا ادري الى ماذا ساتحول , لكن اتمنى ان اتحول الى نسر . ومنذ ان ماتت جدتي, وعلاقتي بالنسور قوية . كلما المح واحدا اتامله في تحليقه . عسى ان اجد بعض صفات جدتي : ثدي بحجم ثمرة الباباى , عيون حمراء وجفون منتفخة , ولبن بطعم الملح ...

(3) وليمة ما قبل المطر:

وفي هذه القصة يحدد الراوي منذ اللحظة الاولى المكان في زمن سابق " " اولير " .. اسمه يعني العراء . ذلك لان امه انجبته هناك , عندما داهمها المخاض وهي تحتطب . بلدته محاطة بالغابة والسماء (109)" ف "   أولير " الان قد بلغ سن الشباب وهو فتى قوى وذكي , لكن كل وقائع حياته تم تحديدها منذ بلغ سن السادسة , فمنذها تشكلت مسيرته . ففي  تلك السن التي يستعيدها الان. حيث  يتوقف عند ذلك  اليوم المشؤوم و تلك اللحظة التي كان يغط فيها في نوم عميق . " ركض صديقا اولير , طفلين في السادسة من العمر (..) اتجها نحو خالتهما لتوقظه لهما حتى لا تفوته وليمة ما قبل المطر (110)" .. وترفض الجدة ايقاظ اولير , فيمضي صديقيه وحدهما ليلهوان بجمع الثمار قبل هطول المطر " انهمك الصديقان في التقاط الثمار.  عازمين على التقاط نصيب صديقهما النائم (111)"  لكن الصاعقة تقتلهما, وهما في لهوهما البريء " تفلت جدة اولير لعابا داكنا, بفعل التمباك على رأس حفيدها المحبوب قائلة : اشكر من جعلك تنام في هذا الوقت بالذات , فقد انقذك النوم من موت محقق (112) " . وتقوم الجدة بطقس ترصد فيه اولير , لتحميه مدى حياته من الصواعق . بان يجعله هذا الرصد ينام, كلما اوشكت الامطار على الهطول ".. ماتت الجدة بسرها . كبر اولير . كان يغرق في لعنة جدته كلما هطلت الامطار . وفي نومه كانت الاحداث تتواتر على ذهنه (113)" واصبحت المشكلة التي تزعج حياته, هي عدم قدرته على غلبة النوم عندما تهطل الامطار , فتاخذه امه الى العرافة, لتعالج له هذا الامر. الذي ينقص عليه حياته . وفي اليوم الذي تنجح فيه العرافة, في فك رصد جدته تهطل الامطار بغزارة, ويموت اولير غرقا ومصعوقا.. " ابتلعته الامواج والنهر, مثل حيوان ضخم يتقلب في مرقده, مبتلعا كل شيء حتى جذوع الاشجار. , واولير في احضان الطبيعة يتحول الى طفل في السادسة , يتنهد في حجر جدته, ذات الرائحة النفاذة, وهو يراقب قملة تزحف متكاسلة , ثم تندس بين طيات تنورتها , وذلك اللعاب الداكن يثقل فروة رأسه . فأس يهوي من السماء. شاطرا شجرة الى نصفين. ثم نزيف دخاني وسائل اخضر , جثث تتدحرج وقبر متشقق.. تركوه هناك نائما نومته الابدية , غارقا في لعنة جدته, والنهر ياخذه بعيدا, بعيدا.. عن انشودة المطر , بعيدا عن القرية, المحاطة بالغابة والسماء . بعيدا عن البافرا وورق الموز (114)" ويلاحظ على القصة عند استيلا, بصورة عامة أنها  تتميز بالحرص على روح المشاركة الجماعية,  مثلما فعل الطفلين صديقي اولير. بتفكيرهما فيه. عند جنيهما للثمار. اذ حرصا على نصيبه . وكذلك مثلما فعل اولير بمساعدة زملاءه الشبان, على عبور النهر. حتى لم يتبق سواه فغرق .. كذلك روح التكافل, كما في قصة(  خرائط لعوالم مجهولة) , فالعلاقة التي تربط بين الشقيقين, المشردين فضلا عن كون الفتاة اخت بطل القصة, الا ان العلاقة التي تربطه بها, تكافلية ايضا .. وتلك هي سمة المجتمعات الافريقية , فبالرغم من الانقسامات, وتعدد الطوائف. وصراع الطبقات, الذي يفرز التشرد كناتج ثانوي, لعمل راس المال . بالرغم من كل ذلك - او بسبب ذلك - تتعمق روح المشاركة الجماعية والتكافل ..

(4) في ليلة قمرية:

الحدث الاساس في هذه القصة, هو حريق شجرة في احدى القرى الجنوبية .. شجرة تعني لسكان هذه القرية, رمز يشكل معنى وجودهم " كانت تلك الشجرة, مقر لمهمات وهزليات البلدة , كانت مجلس للسلاطين, وكبار رجال البلدة (115)" .. يتم حرق هذه الشجرة, في ظروف غامضة. اثر زيارة ثلاثة شبان من القرية المجاورة, وتعاركهم مع ثلاثة شبان من هذه القرية . ومع ذلك تعود هذه الشجرة المحروقة, للحياة مرة اخرى. كطائر الفينيق. كأن  هذه الشجرة ترمز للشعب الجنوبي,_  الضارب بجذوره في ارض السودان _ , والى   انبعاث امجاده فيما يشبه الاستبصار  " وفي يوم  كنا نجلس تحتها, ونتذكر الايام الحلوة التي قضيناها قربها ونلعن الشبان الثلاثة , لابد ان لهم يد في الحريق . ورفعت رأسي انظر اليها , كأني اريد اعادة الحياة لها , فتخيلت , بل لمحت هناك فرعا صغيرا اخضرا , بين الفروع المتفحمة, لا يكاد يرى , نهضت من مكاني, كانني اريد الطيران , كأن شيئا لسعني , وتسلقتها دون ان ارد على اسئلة اصدقائي المقلقة , حتى وصلته . نعم انها مخضرة . انها حية . الشجرة لم تمت . صرخت بهذه الكلمات دون وعي . والدموع تسيل على خدي . احتضنت الفرع كأنني احتضن جزء مني , واحتضن اصدقائي الجذع, كانهم يحتضنون اما عادت بعد غياب (116)" وهذه القصة مثل  قصص استيلا السابقة, التي اشرنا اليها, من حيث علاقة الزمان بالمكان .. المكان الذي ينطوي على  نفسية الاشخاص, وفقا لمسيرة الوقلئع والاحداث, في  اللحظة الزمنية ,  نفسياتهم باشكالاتهم  المعقدة .. ونستطيع ان نستقرأ هنا انه من العسير على القاص الجنوبي, كتابة قصته دون ان يستشعر التفوق الشمالي , بل لا يستطيع انتاج قصته سردياته  بمعزل عن تشجيع ذلك ..  ففي القصة الاولى " خرائط لعوالم مجهولة " نرى التشرد وما يستتبعه كناتج من نواتج السلوك السياسي الشمالي, ازاء الجنوب لوقت طويل . والطفل وشقيقته  بعلاقتهما المعقدة رمزالبراءة وكون المستقبل ضحية وضياع, كما ان الاب رمز لضياع الحاضر وكونه ضحية ايضا للماضي في آن !! ..

(5) كل شيء ها هنا يغلي:

 وفي قصتها كل شيء ها هنا يغلي , تحدد استيلا ابتداء " زمكانية " احداث ووقائع قصتها " المكان : حي شعبي (..) الزمان : زمن النزوح .. زمن الحرب (117) " فالزمن لا يأخذ تحديده هنا الا مما وقع فيه " الحرب" , فيتم تزمينه في الحدث " الحرب " باعتبارها حدث اساس , وما يحدث لبطل القصة واسرته الصغيرة, نواتج ثانوية لهذا الحدث الاساس .. فهي قصة عن الاثار الصحية والاجتماعية والاقتصادية والانسانية , التي تترتب على ( الحرب) . ومن هنا - في القصة - ترتبط الحرب بنتائجها .. ما افرزته من معسكرات واحياء طرفية للنازحين " الشعار مرفوع هنا :" بيتك للكل , لان الكل في بيتك , بيتك في الشارع والشارع من تراب (118) "حيث تنعدم هنا الخصوصية , وحيث ينهض سؤال الملكية , والمآلات النهائية للانسان والاشياء ( الى تراب ) .. _ لكأنه سؤال كوني صوفي  عن : لماذا يتحارب الناس لطالما ان مآلهم الى تراب ؟!_ فمن خلال اسرة صغيرة (اب وزوجته وطفليه التؤام ) , نزحوا بسبب الحرب , وسكنو ا في معسكر,  او حي شعبي خارج التخطيط , باطراف العاصمة .. من خلال  تشريح علاقات هذه الاسرة باعضائها , وعلاقاتها في مجتمع النازحين , وعلاقة كل ذلك بالمكان, والسلطة الرسمية  , تبرز استيلاء  القوانين الدقيقة, التي تعمل في هذا الفضاء الزمكاني , بالوقائع والاحداث الفادحة, التي تجري فيه , وبالصور والمشاهد المعذبة: في تداع بطل القصة , واسترجاعاته لحياته البائسة .. تحكي استيلا عذابات هذه الاسرة , لتكشف عن مدى البؤس والجرح , في مجتمع النازحين والمهجرين  من مناطق الحرب . " انت تعيش هنا بعد ان فقدت كل شيء هناك . وتحلم بالعودة قريبا , لذا تفعل كل اشياؤك بصورة مؤقتة (119) فتيار الحياة بكامله في مجتمعات النازحين متوقف , فهو رهين العارض - غير الجوهري - المؤقت , السطحي الذي لا يضرب بجذوره في اعماق الارض , بعد ان افقدتهم الحرب الديار التي يملكون فيها كل شيء : ذكرياتهم , واحلامهم الانسانية .. ومن هنا يتم حصر الصراع في اليومي في سبيل العيش .. ما يؤدي الى اصابة رب الاسرة بمرض السل " الدرن " , ليعاني عذاب اسرته وعذابه في  غرفته الوحيدة الموحشة :  بؤس الحياة في هذا الجيتو الاسود " المعسكر المعزول باطراف العاصمة " " ترى الاطفال عراة وحفاة وهم يتمرغون في القذارة (..) فوضى الامهات والاباء , يتجهون حثيثا نحو الجنون والسجون والموت . ترصد  هذه الحلقات كل يوم . حلقات شجار بالالات الحادة , وحلقات الرقص التي تتكون في العادة اكثر من بقية الحلقات (120)".. فالرقص هنا يتجاوز لحظات الفرح , ليشمل كل الاحداث , حتى الموت . " يصلك كل ما في الشارع من احداث , لانك تقريبا تسكن في الشارع (..) يصلك صوت تبول احد السكارى, على جدار غرفتك . وتقيؤ ذاك امام بابك , وتدحرج اخر, مقاوما الدوار . ترى النسوة في نشاطهن اليومي ينقلن الخمور (121) " ..

 وهكذا يمضي الراوي في تشريح الحياة اليومية للنازحين ,. حاكيا سيرة عذاباتهم التي لا تنتهي , مركزا عدسته على هذه الاسرة الصغيرة , كمرآة تنعكس عليها كل الجراحات عميقة الغور في مجتمع النازحين من مناطق الحرب , الى المعسكرات العشوائية في اطراف مدن الشمال ... فزوجة بطل القصة ( مع ملاحظة ان البطولة في هذه القصة للاسرة ) بعد مرض زوجها, تبيع الخمر البلدي, لتلعب دور الزوج المريض, ودورها في آن لاعالة الاسرة .. يترتب على احساسه بالمرض - الزوج - , واشفاقه من تحميل زوجته فوق طاقتها , شعور معذب بالالم , يصيب روحه بالوهن " لم تستطع ان تقي جسدك وعقلك ومعنوياتك من هذا الدمار , الذي حل بك . انت صورة لكثيرين . لكنهم فقط يندسون خلف زجاجات الخمر , حتى لا يطحنهم هذا الحاضر المرير (..) كل الاسئلة لها اجابة واحدة : لا خيار!! (122)" .. فالنازحون لا يشعرون بالامان لحياتهم البائسة . ليس لضيق سبل العيش فحسب , بل ايضا لحصار السلطة الرسمية  وتهديدها الدائم لهم - دون ان تطرح هذه السلطة بدائل  لمهنهم , او تحاول معالجة اوضاع سكنهم _ " تدك الارض لاخفاء الاثار حذرا من " الكشة " غدا . وفي النهار تنساب بين الزبائن ملبية طلباتهم( 123). ويمضي الراوي ليكشف لنا عن مزيد من دقائق الشعور النفسي - بالتحليل - لبطل القصة رب هذه الاسرة المريض, وتاثيرات هذا المجتمع الذي يعيش فيه (تأثيراته على نفسيته )" كل هذا يتم حول رأسك . انت مغتاظ لدرجة الموت من السكارى الذين يحيطون بك , من حين لاخر . واصفين لك وصفات مذهلة للعلاج (..) كل هذا وانت عبارة عن عين ترصد فقط (..) ها هي قادمة نحوك , نحيفة تتلاعب داخل ثوبها كالملعقة في كوب شاي (..) ترفع الوسادة التي تحت رأسك , واضعة النقود (..) تضعها دون اعتبار لأى راس ملقى هناك , كأنك والوسادة شيء واحد (..) يتبعها سعالك,  فتنتبه لوجودك وتسندك بيد (..) خلال مخاطبتها مع احدهم (..) وتلقمك بعض الطعام (..) ليس بينكما لغة فهي تتحاشى النظر الى عينيك (124)"..

وينتقل الراوي الى حياة الطفلين داخل هذا المناخ الخانق والمعقد . فهما لا يدخلان بيتهما, الا ليلا. فالنهار ملك للزبائن " يذكران ذلك اليوم الذي ضربتهما فيه الأم  ضربا مبرحا , عندما دلفا وتلقفهما السكارى (125) " فالأم تعمل بصناعة وبيع الخمر البلدي, حتى تجنب هذه الاسرة عذابات وذل السؤال , كما تخشى عليهما من الصدقات - فالسكارى يشعرون انهم مسئولون عن الطفلين ويحاولون مساعدتهما - " انتم افضل من هؤلاء الاطفال الذين يلعبون في الشارع .. منذ ذلك اليوم , اذا ارادا شيئا وقفا هناك حتى تبصرهما . فتاتي . وفي احايين اخرى لا تبصرهما (126) " .. هذا المناخ الفاجع لهذه الاسرة , يدفع بطل القصة للانحسار داخل ذاته , فها هو  _ الى جانب كل ذلك _ يسمع زوجته تقول لجارتها " انها ادخرت النقود الكافية لتأخذه غدا الى المستشفى , لانك اذا مت فأنها لن تغفر لنفسها ابدا . فتتكور انت الما (127) " ..

 استيلا تسلط في هذه القصة الضؤء على " الانساني" في  اجزاء مهمة من حياة يومية لفئة( مهمشة) . اذ تتسامى بهذا الانساني وتصعده الى اقصى مدياته , ليصبح هو الحدث المركزي, الذي تدور احداث ووقائع هذه القصة حوله ...

حدثان اساسيان في حياة معسكر النازحين يثيران الضجيج والهرج والمرج , احدهما يدفع بالسكان الى الفرار منه  ( الكشة ) والاخر يدفع بهم الى الركض تجاهه ( الاغاثة ) فوصول الكشة يعني: الانتهاكات و الخراب والدمار  واعتقال المواطنين, الذين يعملون في صناعة الخمر وبيعه , كذلك اعتقال متعاطي هذه الخمور . ووصول الاغاثة يعني :  مد عمر الطمأنينة الغذائية للنازحين , بما يوزعه عليهم عمال الاغاثة الامريكية من مواد غذائية . والمفارقة هنا ان السودان سلة غذاء العالم - نظريا - واحد الد اعداء اميركا- فقرى الجزيرة التي لم يرد ذكرها في خرائط الجغرافيا لطالما رفعت شعارات التحذير لاميركا _ , ومع ذلك تضع اميركا على عاتقها اغاثة النازحين من مناطق الحرب ؟!!..  وبين هذين الحدثين الاساسيين اللذين, تتحرك في في اطارهما الحياة الانسانية للنازحين نجد الكتائب المسلحة لحفظ النظام العام ومحاربة الرزيلة (والحرام)   وللترويض ايضا(128)" كما  نجد التباس الوعي   " كانوا لا يفرقون بين المصيبة والمصيبة _ مصيبة الكشة ومصيبة الاغاثة _ (..) 

(129) " " انها لفضيحة ان يموت الانسان جوعا في بلد هو سلة غذاء العالم (130)" ..

يعالج الراوي هذه الافكار التي تتداعى في خاطر رب الاسرة المسلول, وهو يشهد البوليس يعتقل زوجته, ونساء المعسكر اللائي يعملن مثلها في بيع الخمور , وكذلك اعتقال المتعاطين . " كان طفلاك معهم. لأن زوجتك لم تنج هذه المرة , كنت تراقبها. عندما نبش ذاك الارض ووجد مكان مخبئها , واخرج الخمور وسكبها على ارضية الغرفة . كانت تتمتم وعيناها زاهلتان : فقط لو اتوا الاسبوع القادم (..) عاد طفلاك الى البيت. ووجدا فوضى الاواني المبعثرة , والاسرة المقلوبة والخمور المهدرة (..) ترى طفلتك التي تحس في هذه الاثناء , انها يجب ان تحل محل الام .. فصارت حازمة .. وزامة شفتيها , حتى لتبدو اكبر  من سنينها (131)" في مثل هذا المناخ الموجع, الذي يحيا فيه النازحين ,  وعندما يغيب العائل الوحيد لاسرة ربها مريض وما تبقي من اعضائها اطفال , عندما يغيب عائل الاسرة , بسبب الكشة او يغيبه المرض . يصبح ليس ثمة بديل للاستمرار, في الحياة سوى الاغاثة - خاصة بعد ان  لا تتخلى السلطات الرسمية عن هؤلاء النازحين فحسب , بل وتحيل حياتهم الى شقاء وضجر لكن المعسكر باكمله يصبح تحت تهديد اليات الحكومة " بعد عدة ايام ظهرت جرارات من على البعد (..) تم هدم كل البيوت التي كانت قائمة (..) حتى غرفتك الوحيدة ذابت تحت وطأة الجرارات (132) " وهكذا يفقد بطل القصة كل شيء : بيته واسرته في مواجهة جرارات الحكومة وثورة الطبيعة : بعواصفها وامطارها ..  ويفقد كل هؤلاء النازحين المأوى ...

(2) منال حمد النيل:

منال حمد النيل , قاصة ذات ايقاع خاص . تفيض قصصها بعذوبة الانثى . ولاتزيد بعض  قصصها, عن اسطر قليلة , نلحظ فيها قدرة عالية على التكثيف , حتى لا نعد نميز, سوى اصداء لصوت بعيد , هو صوت الشخصية, التي تتحرك خلف هذه الاسطر ..فكتابات منال تقع في المنطقة الوسط, بين الشعر  والنثر والقص . , حيث تضج في هذه المنطقة بالغربة واللوعة , الناهضتين في عالم اشد التياعا وعذاب . . حيث لا راوي سوى الايحاء الدال عليه .. هكذا , دون تحديد اجتماعي او نفسي - اقصد هنا قصصها القصيرة جدا - مجهول تماما , الا من فيض المشاعر والاحاسيس , المحملة بالاسى والضعف والتحدي كذلك ...

نعتمد في هذه القراءة - الى جانب قصصها المنشورة في كتابات سودانية , ومجلة الثقافة الجديدة"المصرية" - على قصص اخرى , قمنا باستخراجها من الشبكة الدولية للمعلومات * (133) .. حيث نلاحظ على قصصها القصيرة  بصورة عامة التحرر من الشكل الصارم للقصة القصيرة  الذي تقابله في قصصها المطولة مثل" غربة "  و" حبيبات مطر "   بشكل الحكاية المفتوح, المتحرر من الحيل الفنية المألوفة , ومزج الشعر بالنثر , ونجدها بذلك قد مالت في كل من القصة القصيرة والقصيرة جدا الى الغنائية, لتخلق اسلوبها الذي يميزها. اذا اتفقنا ان شكل التعبير هو ما يحدد نوع النص , لان العرف الجمالي الذي يشاركه فيه , هو الذي يصوغ شخصيته , الى الشكل الخارجي والشكل الداخلي - وهذا النوع هو ما وضعه( جان كوهين) بين طرفي الخط الواصل بين الشعر والنثر , بمعنى التفاوت في درجة شعريته كما ونوعا _ تحديدا هنا , اعني قصصها القصيرة جدا - والذي هو موضوع الشعرية اليوم في السرد , اذ لم يعد موضوعها الشعر بحده المعروف تقليديا , بل الادب كله (134) ومن هنا يمكننا استهلال هذه القراءة بقصصها القصيرة جدا , المنشورة  ب ( كتابات سودانية - سبتمبر 2004 )..

(1) قصص  قصيرة جدا:

في قصتها ( مدينة بوح ) نلمح اثرا لاثنين : فتى وفتاة . رجل وامراة , ربما .. انسان وانسانة .. في مكان ما .. زمان ما . يبوحان لبعضهما " اتفقا على تكوين مدينة للبوح خاصة بهما , لا يعبآا فيها لقوادم الايام , يلحقا بها هناءتهما , متكررة الهروب (..) وليصبح الخليط المتكون في الكأس عصارة قلب وقلب(135)" .. وهكذا يحاولان ان ينسجا من بوحهما معنى لوجودهما : فقط هذا كل شيء .. لكنه كل شيء , حقا !..

وفي قصتها ( تفاؤل ) نجدها تحكي عن امرأة لكل العصور . ذات حضور طاغ في المواسم . ورجل متأفف متذمر . بسبب حياته التي وسمها الشقاء . يلتقيان وعندما يعرفها عميقا , يكتشف انها اكثر الناس الما , على الرغم من تفاؤلها " تمتد منها شعاعات التفاؤل , دوافق لتشمل مجالسيها (136)" فيتغلب على احاسيسه الرمادية .. لقد علمته معنى ان يبتسم ...

وفي قصتها (هزيمة ) التي تنطلق من الحاضر, للتعبير عن فكرة ما فيه . تشمل المستقبل " (كنت) اعلم انك ( ستكون ) هازمي امام نفسي, وامام كل شيء (137)" تتبدى الاستمرارية بفعل الهزيمة , ورغم هذه الاستمرارية, تقرر بطلة القصة عدم التراجع . فهزيمتها تتمثل في انقيادها لقلبها. وعواطفها. وبانحيازها لعقلها, تقرر خطا آخر في حياتها " لانني اصر دائما ان اكون (انا) قررت ان اطرح القلب شلوا . ان ادفنه لادفن هزيمتي " ونلمح هنا التحدي الانساني , في محاولة قهر ثرثرات القلب ..

وفي قصتها (حب) نجد انثى تتحدث عن اول شخص احبته  , واجمل الايام التي صنعها هذا الحب , بعد جدب طويل . لكنه لم يدرك مدى صدق هذا الحب الذي ربطهما , فتخلى عنها يخامره, ما يخامر الرجل الشرقي, من احاسيس واوهام " ظن ان رجلا غيره حرث هذه الارض , وهيأها للعطاء .. تخلى عنها (138) " .. تنهض هذه القصة, في العلاقة المعقدة بين الرجل والمرأة, في المجتمع الشرقي ..

وفي قصتها ( انحناءة ) نجد امرأة اخرى, تحني رأسها للعاصفة ذات مرة . لكنها منذ تلك المرة, لم تحنه ابدا فقد. اتخذت قامتها شكل الانحناء . وهي قصة في السياق العام للقصص السابقة . اذ تمكنت فيها منال من تكثيف المعنى, باختصار الالفاظ والدلالات الفائضة, الى اقصى حد ممكن . لتعبر عن معنى التحدي "  أحنت رأسها يوما تتقي شر عاصفة (..) كانت قامتها, قد اتخذت شكل الانحناء, منذ تلك المرة (139)" ..

وفي قصتها ( امرأة لفكرة أخرى ) . نجد امرأة . محض امرأة مقهورة , حد الوجع . حتى ان قهرها نفسه يلوذ .. فحاولت ان تحيا كامرأة - رغم كونها امرأة - بألا تحب . فالآخرين يرونها امرأة , لكنها كالنعامة . لا ترى ذلك " قررت أن تخرج عنقها من الرمل (140) لكن ما ان احبت , حتى " اصبح ضؤه نشازا في داخلها .. انها قصة حرمان المرأة من الحب .. فهو ليس من( حقها) . فقد تم تقييده بترسانة الفكر الجبري, وسلطة العادات والتقاليد والعرف فالحب في مجتمعها قضية ليست ثمة من استعداد للدفاع عنها  !..  وعندما تنتزع هذا الحق ( حقها في ان تحب), تتصور أنه  ربما يحدث لها مثل هذه المرأة. التي يضج في حقيبتها: الف عام من الوجع " كانت قد ادركت, انها اخطات رجلها الهلام (141)" ..

وفي قصتها ( وحين أحبت ) نجد تلك العلاقة المعقدة, بين المرأة وذكور عائلتها الكبيرة .. المتسلطين على نساء العائلة . ما يجعل الشعور بالحاجة للقهر متاصلا فيها " وحين احبت, تمنته قويا يخضعها لارادته (142)" ..

وفي قصتها ( كان هنالك في وجوه المارة ) . نجد أنثى تكره المجتمع والناس , ولا تؤمن بالحب . لكن عندما أحبت. تغيرت مشاعرها تجاه كل ذلك " لم تعد ترى في المارة بشاعتهم , ليس لانهم صححوا فكرتها القديمة , بل لانها باتت تراه في وجوه المارة (143)" فالحب لخص لها كل الحياة في حالتها الشعورية - بحيث صارت ترى كل شيء, خلال هذه الحالة .. هذا الحب - وغير نظرتها للعالم والناس والاشياء ...

وفي قصتها (رحيل ) نجد اثنين , رجل وامرأة ربما .. " لم يكن يعني لها -  منذ الوهلة الاولى  - اكثر من كونه رجلا يضاف,  الي بقية معارفها من الرجال (144) .. وفي اللقاء الثاني تدرك انه ليس رجلها المنشود " انه رجل لا تكفيه امرأة واحدة , من اولئك الرجال, الذين يردمون هوة فراغهم بكثير من النساء . بدأت تلملم اشياءها استعدادا للرحيل (145)"  فمن  خلال لقائين فقط . ادركت( بغريزة الانثى) , انه ليس رجلها . فهي قصة الغريزة الانثوية, كأداة تحليل لجوهر فكرة الرجل عن المرأة ..

 ونلاحظ على القصص السابقة , التي وسمتها منال ب " قصص قصيرة جدا " .. اكبر قدر ممكن من الكثافة - كما اشرنا من قبل - التي تنطوي - فقط تنطوي - على صوت مقابل صوت - غالبا صوت ذكوري مقابل صوت انثوي - او هو صوت انثى تتداعى فيه  خيباتها او انتصاراتها , في وحدتها القاتلة - تسفر هذه الاصوات عن هاجس محدد ( هو هاجس الحب / الحياة ) .. ولا نلمح سوى هذه الاصوات, التي كأصداء متلاشية ..

الازمة العاطفية  في الواقع الفعلي , لا تنفصل عن الازمات الاجتماعية, بل هي تستمد تأزمها من: الاجتماعي الثقافي والنفسي والاقتصادي , الخ .. كل ذلك عبر أصداء بعيدة,  حتى لتبدو متلاشية لمصدر الصوت الاصلي ,  لدرجة  اننا لا نميز ملامح محددة (  في بناء الشخصية ) .. فشخصيات منال في هذه القصص , هم مجردون من كل شيء _ الا من  دفقات مشاعرهم الدافئة او الاسيانة -  حتى الاسماء ... فالقصة عند منال حالة تعبير عن انسان , كل ما يملكه  ويميزه هو كونه انسان . هكذا دون حاجة لاسم او لقب ...

(2) قبلك .. كان:

وفي قصتها ( قبلك .. كان ) تعبر منال عن لحظة انسانية مكثفة الحزن واللوعة , بمثابة القانون الذي يحكم حياة فتاة / أنثى لوقت طويل . قبل ان تلتقي بمن تحب , فتتغير حياتها " تسكن العتمة أرجاء روحي , كما الليلة . تحاصرني الوحشة من كل حدب وصوب . لم استطع فكاكا من سجن شعوري الحلزوني , رغم محاولاتي الجادة " وتجاهد هذه الانثى المحزونة في التحرر من العوامل , التي ادت بها الى هذا الاحساس الفاجع بحياتها . فلا تجد ملاذا يحررها سوى البكاء .. سوى الضعف الانساني , الذي يعبر - ايضا عن منتهى قوة الانسان - منتهى قوتنا " أبكي .. أبكي , ايتها المرأة الاكذوبة . ابكي ايتها المرأة اللاموجودة (..) هيا مارسي انهيارك . احترمي ضعفك (..) وفي الصباح لا أرى في الضؤ غير كائن متطفل . يدخل عيني . دون استئذان . ارى بقاياي مكومة على السرير , فأجرجر جسدي لأبدأ يومي . قبلك  هكذا كانت أيامي (*)" ...

لدى قراءتنا( غربة) و(حبيبات مطر) , تخطر على ذهننا بعض المفاهيم المنهجية, التي تتعلق بالسرد , الذي يمكن تمييزه - السرد - بين نمطين : سرد موضوعي  وسرد ذاتي . ففي نظام السرد الموضوعي, يكون الكاتب مطلعا على كل شيء . حتى الافكار السرية للابطال . اما في نظام السرد الذاتي, فاننا نتتبع الحكي من خلال عيني الراوي او ( طرف مستمع ) متوفرين على تفسير كل خبر : متى وكيف عرفه الراوي او المستمع نفسه

ففي الحالة الاولى (السرد الموضوعي ) يكون الكاتب مقابلا للراوي المحايد الذي لا يتدخل ليفسر الاحداث,  وانما ليصفها وصفا محايدا كما يراها او كما يستنبطها في أذهان الابطال . ولذلك يسمى هذا السرد موضوعيا . لانه يترك الحرية للقاريء ليفسر ما يحكى له  ويؤوله (146)..

وفي الحالة الثانية لا تقدم الاحداث الا من زاوية نظر الراوي , فهو يخبر بها ويعطيها تأويلا معينا , يفرضه على القاريء , ويدعوه الى الاعتقاد به .. والحالة الثانية هى التى نحن معنيون بها في( غربة) و(حبيبات مطر) لان منال في قصصها المطولة تلجا للسرد الذاتي ...

غربة:

وفي قصتها القصيرة غربة يحدد الراوي بصوت- ضمير الغائب- ابتداء: الزمان والمكان ( غرفتها في تلك البلاد التي اغتربت اليها )  " تشير الساعة الى الواحدة بعد منتصف النهار من ظهيرة الثلاثاء (..) منذ قدمت الى هذه البلاد , التي تشبه الحياة فيها الوقوف على قنبلة مضغوطة (..)كثيرا ما تصبح أكثر غربة من الطير في بلادك , حين توصد فيها الابواب "..  وهكذا يأخذ المكان بعدا جغرافيا نفسيا معقدا - غربة - فالاحساس به ليس مجرد اسقاط للغربة فحسب , بل هو علاقة بطلة القصة بذاتها المشروخة ايضا - ابناء وطنها في المهجر - ذاتها التي تتمثل في ابناء وطنها والذين وجدتهم ليسوا ( ذاتا ) بل (آخرا) .. وهي محض (موضوع ) للمساءلات الاخلاقية  لهذا ( الآخر ) اللذي لا يريد ان ينظر اليها ك(ذات)  مثله . . من جهة أخرى هي (ذات ) بالنسبة ل(الآخر ) الغريب عنها , في هذه البلاد  - الاخر بمعنى الساكن الاصلي لهذه البلاد - وبين هذا الاخر وذاك , ( في منطقة اخرى ليست وطنها ) ينفجر الصراع وتجري احداث القصة (غربة ) فهي قصة عن الذات او الآخر بما هو نقيضي , وشرط وجودي او العكس . فقد يكون الاخر شريكا او غريبا . وقد يكون صديقا او عدوا . وهذه الثنائية قد تخفت حدتها أو تزداد , وقد تبدو ظاهرة للعيان, أو قد تكمن فتبدو خافية, غير مرئية أو محسوسة . تبعا لعوامل كثيرة: داخلية وخارجية.. وتبعا لشروط اجتماعية وتاريخية متعددة (147)" ..

والقصة غربة , تهيمن عليها في هذا السياق ,اجواء ومناخات الغربة. منذ الاستهلال وحتى الخاتمة . فبطلة القصة تصحو من نومها, على سريرها في غرفتها ذات يوم , وتبدأ في استرجاع تجربتها المريرة, بهذه البلاد الغريبة عنها .. حيث تشاركها هذه الغرفة, استشعار الغربة بصورة اكثر حدة . بل تعمق فيها هذا الاحساس بالغربة.. بفوضى اشياءها الانثوية المبعثرة في كل مكان , وبالفوضى التي عبر عنها شعرها  الغاضب, والاغنية المنبعثة من الريكوردر .. كل شيء رمادي وكئيب, وينطوي على غضب مكبوت !!..  تركت بطلة القصة بلادها, بعد ان اوصدت في وجهها كل ابواب العمل , وجاءت (مغتربة) لتعمل (جليسة أطفال) , حتى تستطيع سداد فواتير ايجار منزل اسرتها, حتى لا يتعرضوا للضرب مثل مرات راسخة في الذاكرة , وحتى تستطيع سداد فواتير الحياة الكريمة .. ولكن بني جلدتها (الآخر ) العاملين في هذه الغربة , يستنكرون عليها الخروج للعمل خارج بلادها ( وطنهم ) ويشككون في أخلاقها , بل وينفون انتمائها لبلادهم التي يكوّنون عنها - بلادهم - صورة مثالية , لا توجد سوى في اذهانهم كنوع من التعويض النفسي المرضي , لمجابهة قصورهم الاخلاقي - كما حددته الثقافةالتي ينتمون اليها  بمعناها الشمولي   - " يغلظون الايمان ويحلفون الطلاق , ويراهنون على جنسيتها في تبرؤ واضح , وينسبونها الى اقطار اخرى , فتزداد غربتها .. وتبدا في الكشف عن عوامل اغترابها " أما غربة طفولتها فهي وعيها المبكر , بمعنى الحرمان . وأما غربة مراهقتها , فهي الاحساس بمدى الفجوة, والتفريق في المعاملة بينها وبين نديدها الذكر , وأما غربة شبابها فهي الاصطدام بارض مليئة بالوعورة والاشواك (..) فتقرر السفر " لمواجهة احتياجات الحياة المعيشية لاسرتها, ولمواجهة احتياجاتها كذلك . بعد ان فشلت في ايجاد عمل ببلادها على الرغم من انها خريجة, احدى الكليات الحديثة في تخصص عملي مرغوب . " تذكرت معاينات العمل التعجيزية التي دخلتها , يوم طلب منها تلاوة (سورة النور ) للحصول على وظيفة مدنية (..) صورة صديقتها ورفيقة طفولتها دامعة . تحكي لها كيف ان مسئول عرض عليها الحصول على وظيفة لقاء تغوله على جسدها (..) كانت قد حادثتها منذ يومين فقط, تطمئن على حالها .. علمت انها لم تتوظف بعد . رغم انه مر على تخرجها ستة سنوات(*) ."..

 وتستمر بطلة القصة بتعابير ملؤها الاسى واللوعة, في استرجاع محطات فارقة في حياتها , وهي تحادث نفسها , او تحادث صورة والدها المتوفي, منذ أكثر من عشرين عاما . وكيف انها تلجا الى الصمت في الواقع , كسلاح تتحدى بهذا الاسترجاع  بؤس حياتها . تعوض في أحاديثها مع نفسها , ومع صورة والدها .. انها قصة الغربة والوحدة -  كذلك - مثلما هي قصة الذات / الاخر -..  الغربة والوحدة, اللتين تعيشهما هذه الفتاة, بمواجهة الاخر الغريب,  في البلاد الغريبة والاخر الرجل . والاخر ( ذاتها المتشظية ) وهي قصة تسعى بحق, لفتح الحوار واسعا بين ( الذات)  و( الاخر )  بغرض الكشف عمن يكون هو الاخر وعمن تكون هي الذات؟!! , وكيفية تشكلهما واسباب ذلك .. مع ملاحظة ان الاطار الموحد, من الفكر والسلوك والثقافة الموروثة , كل ذلك بمثابة الشرط لانتاج المفاهيم المتعلقة بالذات والاخر . وهو الشرط الذي انطلق منه بني جلدتها في الحكم عليها,  والتبرؤ منها ونسبتها الى اقطار اخرى !! .. كيف كانوا يرون انفسهم؟! .

 ذاك هو السؤال .. فعلى اساس الاجابة, نظروا اليها. وهم يرونها بطريقة معينة , تحدد هويتها في نظرهم. وتميز هويتهم - ثقافتهم المتعالية - عنها !! .. فمن خلال الانعكاس المفترض, لهاتين  الهويتين , يتفجر الصراع داخل هذا النص - النص يطرح ايضا السؤال حول: العوامل التي ادت في الاصل الى   اغتراب الناس عن بلدانهم, للحصول على فرصة للحياة, يفتقرون اليها في بلدانهم ! ففي هذا السياق  تجري الاحداث " ان الخبرات المشتركة , التي يحصلها الانسان , ومن ثم الجماعة. تكوّن في النهاية بنية تصوغ رؤية الانسان لنفسه, والجماعة لذاتها , وللكون والحاجات والعلاقات الانسانية من ناحية . كما تشكل ايضا - في الوقت ذاته - مرجعا للتفسير ودليلا للسلوك , واطارا للانتماء . بمعنى انها هي التي تكون وعيا اجتماعيا ثقافيا ديناميا , ويمكن تسميته مجازا بعقل الجماعة (148)"..

حبيبات مطر:

القص كظاهرة ادبية يتميز بنوع من التعقيد , يأتي من تعدد مستويات التوصيل . التي احدها تفويض القاص لراوي تخييلي, يأخذ على عاتقه عملية القص ويتوجه الى مستمع تخييلي ايضا, يقابله في هذا العالم . فالقاص يتقمص شخصية تخييلية . تتولى عملية القص . وسميت هذه الشخصية " الانا الثانية للكاتب " . وقد يكون هذا الراوي غير ظاهر في النص القصصي, وقد يكون شخصية من شخصيات القصة . ودراسة مظاهر حضور الراوي, تعني اقتفاء اثر صوت الراوي داخل الحكي(149)"وللتطبيق العملي لهذه المفاهيم على القصة( حبيبات مطر) . نجد انها تبدأ بضمير المتكلم , الذي يتخذ منه الراوي وسيلة لتعبيره في المضارع المستمر " ( اراقب) حبيبات المطر المتكوره علي زجاج نافذه السياره وهي تنزلق بسرعه ... في طريقها الي اسفل النافذه...ثم تقف فجأه بطريقه لا تتناسب وايا سرعتها الاولي...وكأنها تتردد في الانزلاق منتحره ...لتمتصها الحافه السوداء(*)".. فنلمح نوعا من الضجر يدفع راوية القصة لفعل المراقبة ..  و مسترجعة لافعال اخرى قامت بها هذا الصباح  , بالغوص عميقا في ذاكرتها  تحلم بحبيب غائب .. "حين وقفت امام المرآة عارية الا من امتلائي بك...اتفقد نعومتي والتفافاتي - كما لم افعل قط - وكأني اخشي ان تكون البلادة والتجمد اللتان تحيطان بي ههنا قد التهمتا منهما شيئا...وهرعت اتغطي - قبل ان اتأكد - حين التقت عيناي بعينيك... فقد كانت صورتك قبالتي بالتسريحه...فأدرتها علي ظهرهاهل تغار؟! (*) و هكذا يمضى الراوي - الانثى - مستعيدا التياعاته في هذا البعد المضن عن الحبيب البعيد .. ليس لها سوى الوحدة وصورته التي تمثل عالمها . كل عالمها فتحادث هذه الصورة , ويمضي الحوار بينهما ( الراوي - الصورة).. ليكشف عن عالم هذه الانثى الحلمي اللذيذ , بجرأة وترقب"انت الرجل الذى يترك فى فمى طعمين : هزيمة ونصر .. ويحىّ فى كل ضعفى .. يوقظ فى امرأة غجرية.. تقدم من ادغال ذات طقوس استوائية ..امرأة لم اعهدها فىّ قبلا .. او بالاحرى ما افرجت عنها قط كما تحرضها انت الان فتية ويانعه ..تملى على نضج حاجاتها .. امرأة تترنح زهوا .. يعج فى اعطافها , جنون قبيلة من النساء (*)" ثم لا تلبث ان تخرج من عالمها الحلمي اللذيذ الى عالم اللحظة الحاضرة التي انطلق منها السرد في استهلال القصة ".. اراقب حبيبات المطر المتكورة على زجاج نافذة السيارة , المتردد فى الانتحار عند الحافة السوداء ..واخرج من تأملاتى على صوت مكتوم جراء كبح الاطارات ..وكأنه يذكرنى بضرورة ممارستي لهواية كبح مشاعرى (*)" لتتبدى لنا شيئا فشيئا خلفية هذه الانثى التي تعوض في استدعائها لطيف الحبيب الغائب ومناجاتها لصورته  وحدتها وحرمانها في الواقع .. الى ان تنتزع بصوت    "ايقظنى للمرة الثانية صوت زميلتى تؤكد لى انا قد وصلنا ..القيت نظرة اخيرة على حبيبات المطر المتكورة على زجاج نافذة السيارة والمترددة فى الانتحار على الحافة السوداء ..وكأننى ارتبطت بها لامتزاجها بافكارى (*) " وارتباط تداع هذه الانثى بتداع حبيبات المطر على نافذة السيارة التي تقلها هي وزميلتها يشكلان هنا _ حبيبات المطر وحالتها الشعورية _ رمزية  الخصب بدلالة المطر والشوق بدلالة استدعاء هذا الحبيب الغائب , ومناجاة الذات في حوار مشحون بالظمأ والاشتياق . ومحاولة التحرر من كبح الذات " ترجلت ..ورغم انى ارتدى فستانا انثويا بسيطا , معرى الصدر , والجو بارد نسبيا , الا اننى , تمنيت ان تلامس زخات المطر , جسدى .. عله يخفف من زخم مشاعرى ويغسل غربتى ووحشتى(*)" وهكذا تعود مرة أخرى للغوص في داخلها ومناجاة حبيبها وذاتها "

وانت ؟..انت .. طفلى الاروع.. طفلى الرجل.. الذى يعيد الى الدماء ويشعل ساحاتى املا ووعدا , غنى الاخضرار(..)..

واشعر بشوق دافق لان الامس تلك الحبيبات كطفلة .. تنتابنى احاسيس شتى , اوضحها حلمى بك , وافتقادي لك علمت دوما انى امتلك ينابيع مشاعر .. عاطفة دافقة .. اختزنتها لرجل احتل روحى منذ ملايين السنين .. يفترسنى بحب التهامى الطبع ..نازى النزعه , جعل رضاى وانسجامى مستحيلا .. كلما اطل فى الافق طارح غرام..

فرغم عدم وضوح معالمه وملامحه داخلى , الا اننى شعرت به دوما , كلما اقتربت من شفافيتى ورهافتى ..واتوغل انا بعدا , كلما ولجت عتمة حزنى ومادية تفاصيلى ..الا انه كان دوما هناك ..يرقبنى , ويسكننى ..رجل لم التقه قط ..ولم انتظر هبوطه هكذا على حين غرة , ودون سابق انذار(*)" وهكذا تستمر هذه القصة التي هي مزيج من لغة الشعر والقص , مستخدمة تقنية انعكاس المرايا لبث تجربتها الذاتية في انتظار هذا الرجل الذي يملأ كيانها ويشعل فيها الحرائق والجنون .. 

خاتمة:

 كيف نرى البنية الخفية " بنية المتعة ", التى رسمتها في تلقينا هذه المشاهد , التى  كونت بنية السرد في رائعة احمد ابو حازم ( يناير بيت الشتاء). لا شك أن  الادب  هو تجسيد للصراعات الدائرة, باستمرار بين ايديولوجيات متشكلة ضمن البنية الثقافية والاجتماعية , وهو في ذلك تجسيد للصراعات على مستويات أخرى ضمن البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية  والفكرية واللغوية , ومن هنا يكتسب اهميته, لا من كونه بنية ذهنية, أو مكونا في البنية العليا , بل من كونه أحد المكونات الرئيسية, للبنية الكلية للحياة الاجتماعية . يتشابك ويتفاعل مع المكونات الاخرى لهذه البنية: الاقتصادية والسياسية والدينية والاجتماعية واللغوية , وهو بهذا التحديد أقرب الى أن يكون ممارسة بالمعنى الذي يتحدث عنه ألتوسير (150) ..

وعلى خلفية ذلك يمكننا في( يناير بيت الشتاء) رؤية الحكايتين اللتين تتكون منهما , كقصة للاعتقال لمجرد التعبير عن الواقع .. فهي قصة الذهول أمام مدى تطابق تصوراتنا الخاصة , لهذا الواقع , مع حقيقته الفادحة . حتى ليبدو الواقع الحقيقي فانتازيا أكثر مما قالته تصوراتنا , التي كنا نتصور أنها خيال محض !.. فيلتبس علينا كل شيء , فلا ندري أهي " ذاكراتنا معطوبة " أم ان الواقع  الذي نعيش هو المعطوب !!.. وهل الواقع هو نتاج تصوراتنا بكل ما تشتمل عليه من قصورات , ام تصوراتنا هي نتاج هذا الواقع المعطوب !.. هكذا خواطر تتداعى الى ذاكرتنا , ونحن نرى الفتاة " نادية " بملابس السهرة تنتظر تاكسيا يقلها , بكل ما تحمله عبارة " ملابس السهرة " من دلالات ترتبط بالحياة / العيش .. تفريغا للاحباط الانساني . او محاولة الابتهاج والمرح = التمسك بالحياة ومقاومة هذه الوحشة القاتلة , والبرد الذي داخلنا بالاستمرارية الانسانية -التي تتناقض في ذات هذه الشخصية " نادية " طبقا لما كشف عنه حوارها مع سائق التاكسي -  .. هذه الشخصية الكئيبة التي تبحث عن المرح .. هذه الشخصية المزدوجة وما تنطوي عليه من رغبة في الاستمرار ضد" بيت الشتاء" , ضد صوت الريح.. ضد هذا الاحساس القاتل بالفناء , الذي تحمله موجات البرد في( يناير) .. وبانحسار موجة البرد وسطوع الشمس تتجدد الحياة . من وقائع الامس الموحش , لتأخذ الوقائع, منحنى جديدا في سير الزمن , لا يخلو من ارتباكات الوعي, واسقاطات اللاوعي . حيث تصبح الحقيقة خيالا والخيال حقيقة , ليتمدد الخيط الرفيع الفاصل بينهما, كانشوطة تتدلى لتحيط بعنق هذا الراوي, قبل ان يقترب من تخوم اليقين بصدق ما يروي. او تحيط بعنق الكاتب في نفيه لمصداقية ما يرويه الراوي . والراوي يرحل بذاكرته, حتى يتماهى في شخصية الاب العجوز, الذي يروي عنه . فيتضخم الشك في هذه النفسية المزدوجة : السائق / المسن ..الامس / اليوم .. الشتاء ببرودته الموحشة وما ينطوي عليه من  شمس ودفء , تنقشع عنه شيئا فشيئا .. انها حكمة الوجود الانساني / الكوني .. الذي تنهض في نهاياته وفي مكان ما فيه " سدرة المنتهى " .. فاتحة الوجود .. حيث تولد البدايات الجديدة من النهايات في لجة الصمت والابدية ...

ومثلما يسير الزمن الى الخلف مستجلبا تجارب الماضي, بواسطة الذاكرة , فانه يركب اللغة. ويتجاوز لحظته الانية.  ليستجلى الممكن التخييلي, تنبؤا واستباقا , وهو ما يفسره( جيرار جينيت) ان الاداة اللغوية طيعة, وقادرة على ان تعلن عن مخبؤ المستقبل ومكتومه - بغض النظر عن درجة الصواب والخطأ , او الصدق والكذب - فالاساس هو: كفاءة اللغة لاستقدار زمن ما زال بعد في حكم المجهول . ونحن هنا امام مقارنة حرجة مع الاسترجاع حيث يتدبر القاريء زمنا قد اكتمل , اى موضوعا ثابتا قابلا للفحص الموضوعي تماما كالظاهرة المادية .

اما في الاستباق فاننا ندرس زمنا زئبقيا , اى موضوعا متغيرا , مغالطا غير مضمون النتائج ويعرف( بول ريكور) الاستباق بقوله " السبق فوق انه سرد حدث قبل اوان وقوعه, هو الخبر المعطى قبل وقت حدوثه " فالمستقبل اذا هو تقدم قص حدث سابق عليه, في الترتيب الزمني , يكون استباقا . اى عندما لا تترجم الاسبقية الزمنية ... ولعل ابرز خصائص السرد الاستشرافي هي كون المعلومات التي يقدمها لا تتصف باليقينية , فما لم يتم قيام الحدث فعلا , فليس هناك ما يؤكد حدوثه .

وهذا ما يجعل من الاستشراف شكلا من اشكال الانتظار .. والاستشراف يقترن بخطاب الشخصية المباشر, فالقص بضمير المتكلم, ينسجم مع الاستشراف اكثر من اى نوع, كما لاحظنا على القصص التي تم توظيف الاستشراف فيها. فيما تقدم.. والاستشراف ياتي ملتحما بالقص , مشحونا باحلام الشخصية وعواطفها ونواياها, المتعلقة بالزمن القادم , لذلك لا يحتاج الاستشراف الى عبارات غالقة او فاتحة , بل يندس في طيات السرد , وكانه قطعة من الحاضر ولعل ذلك يعود الى ضمور مساحة الجملة الاستشرافية عند صديق الحلو على سبيل المثال  ..

وبينما نجد القصة عند صديق الحلو لا تخلو من فائض في الدلالات والالفاظ  فاننا نجدها عن ابو حازم - كل قصصه التي تناولناها هنا -  تقتصر على فائض الالفاظ .. ومن الملاحظات التي في اطار حوار النصوص مع بعضها البعض . نجد  تقنية - في يناير بيت الشتاء , على مستوى الفكرة - سبق ان استخدمها( ماركيز في: خريف البطريرك) ,  و(وليم  فوكنر في: الصخب والعنف) , تتعلق بهذه الفتأة الميتة منذ عام / لكنها حية .. فعندما يبدأ( كونتن) يستعرض ذكرياته يكون قد مات بالفعل ويفسر( جان بول سارتر) ذلك بقوله :" وحينئذ يتفسر كل شيء , وفي المقام الاول لا عقلانية الزمن : فما دام الحاضر هو اللامنتظر , فان العديم الشكل لا يمكن ان يتحدد شكله, الا عن طريق حمل ثقيل من الذكريات . كذلك فاننا نفهم لم يشكل الزمن " تعاسة الانسان الخاصة " : اذا كان المستقبل واقع ما . فان الزمن يبعدنا عن الماضي ويقربنا من المستقبل . فان الزمن لا يعود الا ما يفصل , وما يقطع الحاضر عن نفسه (151)..

 فنادية التي تعود الى الحياة لهي مستوى من مستويات تعبير اسرتها عن الخوف من المستقبل , الخوف من الموت فالموت حادثة تقع داخل الحياة نفسها . هو حد للحياة . بيد ان الموت هو النتيجة النهائية للاحالة المادية, وهو يحدث في الزمان داخل العالم الموضوعي (152) وهو لا يقف بالنسبة لنادية عند هذا الحد فهو تعبير عن خوفها هى قبل كل شيء - فهي تحب الحياة والسهر - وعندما تعبر عن خوفها هذا, تكون قد ماتت فعلا واصيبت اختها بموت جزئي _ الشلل _ ..

 واعطاء ابو حازم لشخصية نادية هذا البعد الاسطوري , الذي يجعلها كطائر الفينيق, هو حيلة قصصية ذكية للتلاعب بفكرة الموت " لكن الاسطورة لا نصيب لها من النجاح في اعطاء الانسان قوة مادية للسيطرة على البيئة , مع ذلك تعطي الانسان وهم القدرة على فهم الكون , وانه فعلا يفهم الكون , وهذا بالغ الاهمية , لكنه مجرد وهم بالطبع (153)..

ان( يناير بيت الشتاء) واحدة من مميزاتها التقنية  اعتمادها على القطع المشهدي , وهي تقنية سينمائية ارتبطت بالمونتاج , بالمعنى السينمائي الذي يشير الى مجموع الوسائل, التي تستخدم لتوضيح تداخل الافكار او تداعيها . اما المونتاج الزماني: هو ان يظل الشخص ثابتا في المكان على حين يتحرك وعيه في الزمان والمونتاج المكاني هو العكس - كما اشرنا الى ذلك سابقا - . فالمكان الاساسي الذي تجري فيه احداث القصة, هو غرفة التحقيق التي يتحرك خلالها  كاتب القصة : " ذاكرة معطوبة " عبر الزمان حيث تجري كل احداث قصته ..

ان ابو حازم يمنحنا نوع من الميثولوجيا, في عالم الارواح, يعاود الظهور  في الواقع الفعلي, مهما اختفى بفعل تطورات الاحداث ووقائع المغامرة العقلية للانسان , ما يذكرني هنا ب (الدونا فلورا وزوجاها الاثنان : لجورج امادو) ." النقطة الهامة حقا هي اننا في كامل ميتولوجيا العالم باسره نصادف الوهيات وقوى خارقة للطبيعة تلعب دور الوسيط بين القوى العليا والقوى الانسانية الادنى منها (154)..

ومن الملامح الاخرى التي تحملها قصص ابو حازم هو ذلك الامتياز بالروح الديموقراطية - في قصته غربة مثلا - حيث تتحسس مركزية القمع المعمم الذي يطال الكينونة الانسانية ذاتها , وهي لا تملك سوى انكسارها الروحي اجتماعيا وتدمير هويتها الانسانية سواء كان في المسارات السرية للظلال او غربة .._ وفي غربة بالذات _ يحاول ابو حازم التعبير عن الواقع المتشظي هذا الواقع النثري , نثيرات العالم السفلي للبشر العاديين الذين يتحركون في قاع المجتمع , ويمضون يصنعون الحياة من تحت افراحهم  واحزانهم واعيادهم وزيجاتهم وانجابهم واهوائهم وكدرهم وسخريتهم وتهجمهم . لابد من ان يجدوا انفسهم , فهذا هو تاريخهم الشخصي, الذي ينبثقون منه كعصافير حالمة بالحرية, او كجماهير شغيلة ووراقين , في مجتمع ريعي ينبعثون من بين شقوقه كتيم ليحتلو مكانتهم الملائمة (155)..

وتمهد مشاهد ابوحازم في يناير بيت الشتاء, لكل حدث بمناخاته الشعورية , ويختتمه - ابو حازم - بتلفيعه ببطانته الوجدانية , فيتظلل الحدث بظلال الاحاسيس, فيكسبه شفافية وحنانا داخليا. في نسيج الفضاء القصصي. ليصبح عالمه الجدب المتجهم القاسي والفظ, نوعا من النداوة والدفق الداخلي, الذي يجعل الحياة اكثر احتمالا, والشخوص اكثر قدرة على مواجهة مصائرهم الماساوية (156)..

وتلتقي قصص استيلا واغنيس وارثر مع القص الافريقي في تصوير اسلوب الجيتو الاسود في الحياة اليومية سواء كان بانتخاب شخصية( كمشنقو) او الطفلين في( خرائط لعوالم مجهولة) او ابن الزعيم مودي في( زواج نابورو)..

والطابع الغالب على قصة الجنوب خلال اغنيس وارثر واستيلا هو بطولة القرية او البلدة  , هذا الجيتو المعزول , ازاء ما يعكسه الشمال من سيطرة المدينة , التي تزداد فيها  تشعبا مساحات التعقيد النفسي والفوضى والازمات والجريمة  , وتقوم بالدور الاساسي في المجتمع ..

والتجريب في توظيف الزمن  والمكان عند هؤلاء , وانعكاسات ذلك على شكل ومضمون القصة ( استيلا - ارثر ) ليس معزولا عن الظروف السياسية المضطربة, وازمة الحرية والبؤس في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية .. فهي ما صرفتهما عن الاشكال التقليدية للقص , التي لا تستطيع التعامل مع الظروف المحيطة بحرية . ولكن ثمة اشكال تقليدية تستطيع ان تواجه الموقف بمرونة,  مثل توظيف الحكاية الشعبية كما عند اغنيس واستيلا . او العقائد الاحيائية القديمة كما عند ارثر واستيلا او الحكاية الشعبية كما عند استيلا واغنيس ..

بينما تهتم منال في قصصها القصيرة جدا بتصعيد الازمة - في علاقة الرجل بالمرأة - الى المستوى الاجتماعي . كذا جعل المشكلة العاطفية مشكلة اجتماعية .. نجدها ايضا تركز الضؤ على الغربة النفسية والجسدية للمرأة  في مواجهة ظاهرة الاغتراب و علاقة الذات بالاخر . وعلى عكس قصص استيلا واغنيس وارثر المتسمة بروح المشاركة الجماعية.. نجد منال تركز على فردانية الانسان , واثر ذلك على الجماعة . وربما جاء ذلك من  استخدامها للسرد الذاتي كما اشرنا اليه سابقا - فالسرد عند استيلا وارثر واغنيس موضوعي, وان كان لا يخلو من هيمنة للراوي احيانا بحيث يتعمد الكاتب تسريب افكاره الخاصة, ولغته دون ترك مساحة لشخصياته, للتحرك بحرية لتعبر عن افكارها هي بلغتها  ووعيها هي, الذي تحدده خبراتها في الحياة وتعليمها , الخ - اذ ان هناك حالتان  اما ان يكون الراوي خارجا عن نطاق الحكي . او ان يكون شخصية حكائية موجودة داخل الحكي , فهو راو ممثل داخل الحكي . وهذا التمثيل له مستويات ( فاما ان يكون الراوي مجرد شاهد متتبع لمسار الحكي . ينتقل عبر الامكنة ولكنه مع ذلك لا يشارك في الاحداث . واما ان يكون شخصية رئيسية في القصة (157) كما هو الحال عند راوي منال في غربة وحبيبات مطر .   

هوامش:

1) دروب جديدة ." منشورات نادي القصة السوداني " . الشريف الاكاديمية الطبعة الاولى 2001 . ص : 15

(2) السابق : ص : 16

(3) السابق : ص : 16

(4) السابق : ص : 17

(5) السابق : ص : 17

(6) السابق : ص : 18

(7 ) السابق : ص : 19

(8) السابق : ص : 22

(9) السابق : ص : 24

( 10) السابق : ص : 26

(11) مجلة الرافد الأماراتية . دائرة الثقافة والاعلام . الشارقة . العدد 84 .أغسطس 2004. ص : 86.

(12) السابق . ص : 87 .

(13) كتابات سودانية ( كتاب غير دوري ) . مركز الدراسات السودانية. العدد 22 . ديسمبر 2002 . ص : 116.

(14) السابق :  ص : 122 .

(15) نفسه  :  ص : 118 .

(16) نفسه :  ص : 118  .

(17) نفسه :   ص : 119 .

(18)  نفسه : ص : 119 .

(19) نفسه :  ص : 120 .

(20)  نفسه : ص : 121.

(21) نفسه :  ص : 121 .

(22) نفسه : ص : 118 .

(23 ) نفسه : ص : 119 .

(24) محمد السيد محمد ابراهيم . بنية القصة القصيرة عند نجيب محفوظ ( دراسة في الزمان والمكان )الهيئة

 العامة لقصور الثقافة . طبعة اولى 2004  .  ص : 149 .

(25) السابق : ص : 151 .

(26) كتابات سودانية . مرجع سابق :  ص : 120 .

(27) السابق :  ص : 119.

(28)محمد السيد محمد ابراهيم . مرجع سابق : ص : 154.

(29) مجلة فصول للنقد الادبي . المجلد الخامس . العدد الرابع . يوليو أغسطس . سبتمبر 1985.  ص : 57.

(30) محمد السيد محمد ابراهيم ."مرجع سابق".  ص : 80

 (31) صديق الحلو . غصة في الحلق . دار جامعة ام درماالاسلامية للطباعة والنشر . الطبعة الاولى 2001 .  ص :  1

(32) السابق :  .  ص: 1

(33) السابق :  . ص : 3

(34)  السابق . ص : 11

(35) السابق :  ص : 5

(36) السابق :   ص : 4

(37)  السابق :  ص : 4

(38)  السابق :  ص : 6

(39) السابق :  ص : 7

(40)  السابق :  ص : 18

(41) السابق :  ص : 25

(42) السابق :  ص : 25

(43) السابق :  ص : 21

(44) السابق  :  ص : 21

(45) السابق :   ص : 22

(46)  محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " :   ص : 81

(47) دكتور صلاح فضل . نظرية البنائية في النقد الادبي . مكتبة الاسرة . 2003.  ص : 280

(48) دروب جديدة مرجع سابق. ص : 71

(49) السابق :  ص : 71

(50) السايق : ص: 71

(51) السابق : ص : 72

(52)   السابق :  ص : 73

(53) السابق :  ص : 73

(54) السابق :  ص : 74

( 55 ) السابق :  ص : 74

(56)  محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " : ص : 67

(57) السابق :  ص : 68

(58 ) السابق :  ص : 69

(59) دروب جديدة " مرجع سابق " :  ص  :  71

(60) السابق :  ص : 71

(61) السابق :  ص : 71

(62) السابق :  ص : 72

(63) السابق :  ص : 73

(64) السابق :  ص : 73

(65) السابق :  ص : 74

(66) السابق :   ص  :  74

(67) السابق :  ص : 74

(68)محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " :  ص : 72

(69) السابق :. ص : 227

(70) دروب جديدة مرجع سابق . ص :122 

(71 )السابق :    ص : 122

(72)السابق :  ص :123.

(73)السابق : ص :123.

(74) السابق : ص :124

(75)السابق  : ص :124

(76)محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " ص : 230.

(77)دروب جديدة " مرجع سابق " : ص : 125

(78) السابق : ص: 125

(79)السابق : ص : 126

(80) السابق : ص : 127

(81)محمد السيد " مرجع سابق " : ص : 236

(82)السابق : ص : 239

(83) ثقافات سودانية . " كتاب غير دوري " . المركز السوداني للثقافة والاعلام . العدد الخامس . 1999. ص : 104

(84)السابق : ص : 103.

(85) السابق : ص : 104.

(86) السابق : ص : 103

(87) السابق : ص : 104.

(88) نماذج من القصة القصيرة النسائية في السودان . الانثى كذات كاتبة والانثى كموضوع للكتابة . المركز السوداني للثقافة والاعلام . الطبعة الاولى 2002. ص : 151.

(89)  السابق : ص : 151

(90)نفسه : ص : 151

(91) نفسه : ص : 151

(92) نفسه : ص : 152.

(93)محمد السيد " مرجع سابق " : ص : 341.

(94) نماذج من القصة القصيرة النسائية " مرجع سابق " : ص : 118.

(95) السابق : ص : 119.

(96) السابق : ص : 119 .

(97) السابق : ص : 120 .

(98) السابق : ص : 121.

(99) السابق : ص : 122 .

(100)السابق : ص : 122 .

(101) السابق : ص : 123.

(102) السابق : ص : 124 .

(103)  محمد السيد محمد " مرجع سابق " : ص : 342.

(104) السابق : ص : 343.

(105) دروب جديدة. " مرجع سابق " : ص : 57 .

(106) السابق : ص : 58 .

(107) السابق : ص : 58.

(108) السابق : ص : 58 .

(109) السابق : ص : 58 .

(110) السابق : ص : 62 .

(111) السابق  : ص : 62

(112) السابق : ص : 63 .

(113) السابق :  ص : 64 .

(114) السابق : ص : 65

(115) السابق : ص : 67 .

(116) السابق : ص : 68

( 117) السابق : ص : 69 .

(118) كتابات سودانية " كتاب غير دوري " مركز الدراسات السودانية . العدد 29 . ديسمبر 2004 . ص : 138.

(119) السايق :  ص  : 138 .

(120) السابق : ص : 137 .

(121) السابق : ص : 137 .

(122) السابق : ص : 138 .

(123) السابق : ص : 138 .

(124) السابق : ص :  138.

(125) السابق : ص : 139 .

(126) السابق : ص : 139 .

(127) السابق : ص : 139 .

(128) السابق : ص : 139 .

(129) السابق : ص  :  140 .

(130) السابق : ص : 141 .

(131 ) السابق : ص : 141 .

(132) السابق : ص : 140 .

(133) السابق : ص : 141.

(134)*  www.masarat.org/modules/news/index.php?storytopic=2-30k

-www . beghdad-bangkok.net/iraqi_lady/iraqi-writters.htm-72  -      

-www.adbyat.com/vb/show threat.php?t=3930&goto=newpost

www. wedyan.net/vb/show   threat .php?goto=lastpost&t=1465-72k-supplementalresult

(135) طراد الكبيسي . جماليات النثر العربي - الفني . دار الشؤون الثقافية . بغداد . 2001. ص : 6.

(136)  كتابات سودانية . " كتاب غير دوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد 29. سبتمبر 2004 ص : 83

(137) السابق : ص : 83.

(138) السابق : ص : 84 .

(139) السابق : ص : 84

(140) السابق : ص : 84 .

(141) مجلة الثقافة الجديدة . العدد 174 . ديسمبر 2004 . ص : 86.

(142)السابق : ص : 86 .

(143) السابق : ص : 86 .

(144)السابق : ص : 86 .

(145) السابق : ص : 86 .

(146) السابق : ص : 86 .

(147) محمد السيد محمد ابراهيم " مرجع سابق " . ص : 345

(148)   سيد اسماعيل ضيف الله . الاخر في الثقافة الشعبية . مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان . 2001. ص : 8

(149) السابق : ص : 9.

(150)محمد السيد محمد " مرجع سابق " ص : 346.

(151) حسين عيد . جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية . دراسة في رواية خريف البطريرك . الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988. ص : 24   /    25.

(152) السابق : ص : 47.

( 153) كلود ليفي شيتراوس . الاسطورة والمعنى . ترجمة صبحي حديدي . الحوار للنشر . اللاذقية . الطبعة الاولى 1985. ص : 19 .

(154) السابق : ص : 30 .

(155) د. عبد الرازق عيد . محمد جمال باروت . الرواية والتاريخ " دراسة في مدارات الشرق " . الحوار للنشر . اللاذقية . الطبعة الاولى 1991. ص : 14.

(156) السابق . ص : 18.

(157)محمد السيد محمد " مرجع سابق  : ص : 347

 

 

  الفصل الخامس: قراءات في نماذج روائية:

 

(1) ابراهيم اسحق ابراهيم. (2) محمود محمد مدني. (3) مختار عجوبة. (4) فرانسيس دينق. (5) مروان حامد الرشيد. (6) طارق الطيب.

 

طبيعة الألم هي الألم مرتين وشرط العذاب الجارح الشرّه هو العذاب مرتين ووظيفة العشبة الطاهرة هي العذاب .. مرتين وأكتمال الرفاه هو ألمنا مضاعفا

قيصر باييخو - قصائد اسبانية

 

(1) ابراهيم اسحق: السرد السوداني القادم ..

قراءة في عالم ابراهيم اسحق الروائي : اخبار البنت ميا كايا - نموذجا

حول العالم الروائي لابراهيم اسحق :                                                                                   

التجربة الابداعية لابراهيم اسحق , لهي تجربة غنية . تجعلنا نتوقف عندها طويلا , ونحن نحاول سبر اغوارها , العصية في لغتها وتقنيات سردها وتنوعها الحكائي , الذي يتقاطع فيه الاسطوري  مع الواقعي  مع السحري  ..

القامة الابداعية لابراهيم اسحق لا تقل عن قامة الطيب صالح . فاسحق دون المبدعين الاخرين, الذين كتبوا  منذ الستينيات. وعاصروا مرحلة التحولات الحداثية , شكلت كتابته نسيجا حداثويا منذ الوهلة الاولى على مستوى استخدامات اللغة والتقنيات . وربما استخداماته للغة هي ما جعلته يعتني بشرح المفردات الواردة في متن روايته اخبار البنت مياكايا _ على سبيل المثال - حتى لا تحول هذه الاستخدامات ومفرداتها في تلقي هذا النص الروائي المدهش .

والولوج الى عالم ابراهيم اسحق الروائي,  لهو امر تحفه المغامرة , لذا لا نملك امام اعماله الشاهقة, سوى ان نأمل في التمكن - فعلا - من الكشف عن بعض القواعد الاساسية , التي ينهض فيها عالم ابراهيم اسحق الروائي, من خلال هذه الرواية البارزة: اخبار البنت مياكايا والتي يقول عنها :" كل الذي فعلته انني اخذت قصة شعبية صغيرة ووسعتها من خلال الدراسة التاريخية (..) ووضع صورة واقعية لتلك القصة الشعبية , ومواجهة الاسئلة الملحة التي تفرضها احداث رواية كهذه , في كيفية الاستطاعة على التفاهم  وقبول الاختلاف بين العرب والشلك (1 )" .. ويكشف هذا المجتزا من كلامه عن مدي ادراكه لتوظيف الاسطوري في العمل السردي , بما ينطوي على اهداف نبيلة تعني بالحراك الاجتماعي , وعمليات التشكيل القومي, من خلال المعرفة الجمالية التي نتحصلها من النص دون تواطوأت ايديولوجية ..

يحاول ابراهيم اسحق, عبر توظيفه للاسطوره. هدم هذا العالم - المحيط بمياكايا .. بنا - واعادة بناءه من جديد ,  محاولا ابراز اسهام البسطاء البدائيين  - اذا جازت التسمية -  في صناعة هذا العالم الجديد والمعنى الاجتماعي العام لوجودهم ووجود الاخرين فيه . فهم, يمتلكون قدرة تامة على التفكير اللانفعي , اذ يتحركون بدافع الحاجة, او الرغبة في فهم العالم المحيط بهم .. في فهم طبيعته وفهم مجتمعهم من جهة اخرى ,  كما نلاحظ - لاحقا - في علاقتهم بالتماسيح وافراس البحر والارواح , الخ ..

وهكذا نجد هؤلاء الذين تخيم عليهم, اجواء الاساطير والوعي الاسطوري..  هؤلاء العالمثالثيون المنسيين , الذين عبرت عنهم اخبار البنت ماياكايا , استطاعوا ان يمضوا في حياتهم, عبر وسائل فكرية ووجدانية , لا تقل اهمية عن وسائل الفيلسوف او العالم (2)..

وبهذا الوعي التام من قبل ابراهيم اسحق, لمعنى الاسطورة. وما تحمله من معرفة مختزنة, منذ الاف السنين , بما يصوغ الانسان في اللحظة الراهنة. على نحو ما وفقا لما كان عليه اسلافه - بهذا الاسقاط - تعاصر الرواية فضاء البلاد الكبيرة - خاصة ان احداثها ووقائعها تجري في مساحة واسعة على امتداد النيل الابيض من قلبه  وصعودا الى ادغال الجنوب فهذه المساحة الواسعة من الوسط والجنوب  هي  جفرافيا  التمازج بين السكان الاصليين والوافدين , ومنبع سؤال الهوية !! -  باساطيرها التي شكلت وجدان انسانها, وصاغت قوانين استمراريته, وطرق تفكيره وممارسته اليومية  ..

ان اعتناء ابراهيم اسحق بالاسطورة في اعماله الابداعية المختلفة, يعكس الحاجة الملحة لتفسير الحاضر عبر هذا الماضي الذي ينطوي عليه حاضرنا بصورة من الصور , ولذلك نجد الاسطورة  في شخصيات مثل  الزاكي ود بخيت, الذي اشتهر لدى الاتراك واعوانهم, باسم راصد القيزان وصار طريدا مطلوبا, من قبل السلطة التركية (3)  فالزاكي نموذج للبطل الخارج من قلب الجماهير الشعبية , والذي لديه القدرة على الاتيان, بضروب من الشجاعة والبسالة, الاسطورية التي تستعصى على سواه , والزاكي ببطولته هذه يتبدى عن قانون  اجتماعي ونفسي, حول الشخصية السودانية واستجاباتها لموضوعات صراعها الوجودي, قانون حكم مسيرة شعب( اللوّة) العظيم بقيادة نيكانج في هجرته البطولية  مصارعا الطبيعة وعابرا البحر الكبير , الى ان وصل الى تخوم الجنوب وشكل قبائله المختلفة  .. ذات القانون يمكننا ملاحظته في شخصية اسطورية  مثل  مرين(4) الطفل الصغير الذي اتسم بالشجاعة, والجرأة الى الحد الذي جعله يواجه المفتش الانجليزي .. هذا القانون الذي يتخذ مظاهره المختلفة يرتبط في اعمال اسحق بصراع الانسان ضد قوى الطبيعة -  الناهضة في قلب الليل بكل ما يحتوي من هيبة المبتدأ و رعب القرون الماضية -  وتوسله للماورائيات والاسطورة والسحر..حينا كما في اخبار البنت ماياكايا أو  بتصعيد البطولة في الاشخاص العاديين, الذين ينتمون الى عامة الشعب - كالزاكي ودبخيت ومرين -  , وتحويلهم الى ابطال .. بهذه الاستخدامات أغنى اسحق نصوصه وأثراها ...

ما اشرت اليه اتصور انه من  السمات الاساسية لعالم ابراهيم اسحق الروائي, الغني بالمعرفة بالتاريخ واللغة في بنيته الظاهرية والرؤيا الثرية للعالم في بنيته الباطنية .

ففي اخبار البنت ميا كايا على المستوى الظاهري للنص ,  نتعرف على كثير من الالفاظ غير المألوفة لاذننا  التي شكلتها ثقافة الوسط , ونتعرف على أسماءالعديد من الاماكن, والمواقع الوظيفية في جهاز القيم الهرمي, بل ونكاد نمتلك شجرة نسب , نمضي على هداها مستكشفين اغوار الرواية.. تماما مثلمانكتشف على المستوى الباطني الرغبة في هدم  هذا العالم, الناهض في قلب الظلام بسحره وشعوذته , وبناء عالم اخر جديد متحرر من سلطة الظلام على كل شيء حتى قصص الحب الجميلة ..

هذا الظلام الكثيف الذي يخيم على فضاء الرواية - وهو ما لاحظه ايضا الصديق الناقد المصري أحمد الشريف -, الذي هو  مثير الذكريات , ومتكأ الانسان عندما تهتاجه الانفعالات والاشجان ..هو ملك الزمان , وهو الرحم الذي  خرجت منه البشرية الى فجرها.. وهو رمز الصراع الدائم على قاعدة الاضداد الثنائية : الظلمة / النور .. الخير / الشر .. ولطالما ارتبط بالسحر والخرافة والاساطير , وظل مكمن خوف الانسان , ورمزية لا شعوره.. هذا الظلام الذي تكون فيه الانسان جنينيا بمثابة الرحم , الذي ينطوي على النور ,  بمثابة الرحم للوجود الانساني في الصراع الدائم لاجل الاستمرارية والبقاء .. لقد وظف اسحاق الليل كثيرا, في هذه الرواية . على هذه القاعدة, التي يقابل فيها الاسود/  الابيض .. ولقاء الاضداد عموما ظل يشكل محورا للابداع الانساني باجناسه المختلفة ومن هنا يمكننا الزعم - على مستوى التأويل -ان الظلمة او الليل في اخبار البنت ميا كايا تطرح سؤلا مستمرا : هل هو ليل الانسان ام الليل  الناتج عن الحركة الظاهرية للقمر المضيء حول الارض .. . ام هي تلك الافكار التي تنبع ليلا من اللاشعور اشبه بالاساطير فللاساطير ملامح حلمية والليل هو لا شعور السلطة كما الريف ايضا حيال المدينة , وكما بلاد المستعمرات حيال المراكز الاستعمارية .. لكن هل  النهار هو مفتاح المعرفة ومعراج الرقي تركيز اسحق على تعاقب الليل والنهار في هذه الرواية   لا يتوقف عند الاحالة الى ليل  الاساطير .. ليل مايكايا المطرود في اعماق اللاشعور حيث القدرات العجائبية.. ربما ليل الانسان الراهن , بعد وقت طويل من فجر ميكايا ..

اخبار  البنت مياكايا:

اخبار البنت ميا كايا ياتي اختلافها عن اعمال اسحق , الروائية والقصصية الاخرى, في كون مسرحها هو النيل الابيض , فاحداثها التاريخية, والمستلهمة من وقائع حدثت في القرن السادس عشر, تجري على امتداد واسع, من اطراف الجزيرة ابا الى مقرن السوباط وبحر العرب -  ويمكن الاحالة هنا ايضا,  الى مقرن النيلين الابيض والازرق , موطن الشلك الاول "توتي " - .  على عكس مسرح الاعمال الاخرى لابراهيم اسحق : ام درمان اوقري وحلالات غرب السودان..

عالم هذه الرواية " اخبار البنت مياكايا ", محتشد و متشابك ومكثف .  تنساب فيه اللغة بكل شاعريتها  ومحتوياتها التاريخية , لتتدفق عبرها الازمنة والحكايات التي لا تخلو من شجن : عن اسلافنا وتاريخنا " الشخصي " -  هذه الحكايات الخرافية والتي " ليست خرافية "-  والتي كانت جداتنا" تحجينا" بها كل مغرب بعد ان نشرب الحليب استعدادا للنوم, مع ابراهيم اسحق في اخبار البنت ميا كايا تتداعي الى اذهاننا كل حكايا طفولاتنا , لنخرج من قلب هذه الطفولة الى اللحظة الراهنة التي اراد ان ينقلنا اليها اسحق , ويتركنا عند مفترق اسئلة عن الامس واليوم ونحن 

ان ابراهيم اسحق يستعيدنا الى لحظات عزيزة علينا, تعود الي عهد براءتنا ودهشتنا البكر , فنرقب معه الان التحولات التي طرأت علينا , فنشعر بالمرارة لاندثار مؤسسة الجدة " الحبوبة " صحيح انها رواية قصيرة, لكنها متخمة بالاشياء والعوالم التي تعبر عن البدايات في قلب عالم يمور بالاساطير والخرافات, التي تعطي الحياة لكل شيء في هذه الجغرافيا التي يرتبط فيها الانسان بالطبيعة البكر حيث تعكس حال الاشجار والنهر , والهمس السري  وهمس اللغة , ما يعتمل في النفوس  " من جهة النهر هدأ الحال تماما , فلا شجار  ولا غزل الا غرغرة الماء  على الجروف , كالابد  يهمهم الدفاق باسرار كونيةكالطلاسم (5)".. يهدا كل شيء وتبقى الطبيعة / الانسان وحدها , متحفزة  للتواصل ..

اخبار البنت مياكايا غنية بنهوضها في اللغة والتاريخ والذاكرة الشعبية , التي عندما نقرا تقاطعاتنا فيها نكتشف مدى ما فقدناه من حنين .. فهي رواية تتستعيد , الحنين الهارب منا , مرة اخرى الى داخلنا ., ليتخذ شكلا معذبا وملتاعا, في الحكي  المشحون بالرموز, والدلالات والاساطير والاقنعة ..

اذ يوظف اسحق كل ذلك وفقا لالية التضمين, من خلال اصطناع عدد من الاساليب المحايثة , في السرد , حيث نجد ان اراء طبيعة النفس الانسانية - ايحاء -  والانسان البدائي,  والتمازج بين العرب والسكان الاصليين..  كل ذلك نجده دون تنظير, بقدر ماهو معرفة عميقة بالتاريخ والذاكرة الشعبية, تحملها  الرؤيا الباطنية للرواية  .. ربما هي الحاجة الملحة عند اسحق, في محاولة تدمير القوالب, والديمومات والرتابة,  دعته الى اقتراح هذا الشكل الروائي اخبار البنت مياكايا(6)" .. هذه الرواية المتمردة في شكلها ومضمونها على ما هو سائد , وتشكل بنضجها خط شروع جديد للرواية الاستيهامية , في السودان ..

من خلال اللغة الاشارية بين غانم العربي, وماياكايا ابنة رث الشلك, يتعرفان على بعضهما- في الليل -  وتنشأ العلاقة بينهما لتفضي في نهاية المطاف الى الزواج . لتنهض في لغتهما الاشارية اسئلة اللغة/ الثقافة/ التنوع  ..  مثلما تنهض لغة الرواية ذاتها, بتعابيرها غير المألوفة لثقافة وسط السودان التي ينتمي اليها غانم .  لتفضي الرواية في التحليل النهائي الى سؤال الهوية : هؤلاء العرب الوافدون, واختلاطاتهم بالقبائل الاصلية من خلال علاقة غانم بميا كايا .  وحول هذا السؤال يخلق ابراهيم اسحق الحوار الداخلي للنص, بين مكونات الانواع السودانية المختلفة , محيلا عبر  لغة السرد الروائي الى القوانين التي صاغت انسان هذا المسرح الواسع , الممتد من الجزيرة ابا حتى قلب الجنوب . 

تحتشد اخبار البنت مياكايا ببنى حكائية - صغرى -  عديدة  تتشكل من الاساطير . مثل اخذ التماسيح لجثة زوج اينابور " يقولون ان جدتهم تمساحة فهي تستلم اولادها من كل جرف .. واهلها هن افراس البحر(7) "والوعي الاسطوري يهيمن على فضاءات الرواية, من خلال محاولات الاستفادة, من علاقة القرابة بافراس البحر , الخ " فرس البحر التي تمرن اولادها على الشط الشرقي اغتاظت لمرورها . ترنمت امامها وتعذرت لها بكلام حفظته عن ابيها , فما اجدى يقولون انها وكل القرابات الدنيا تنسى علاقتها احيانا بالشولو(8)" الخ من اساطير تشكل البنى الحكائية الصغرى الى جانب البنية الحكائية المركزية ( علاقة ميا كايا بغانم ) ..

منذ أول فقرة في الرواية, نلحظ تشابك وتعدد الرواة والشخصيات, وهو ما اشارت اليه, دكتورة اسيا محمد وقيع الله, في بحثها القيم عن الاسطورة, في عالم ابراهيم اسحق الروائي (9) " كما نلاحظ  الروي الذي يتوسل صيغة الراوي/ المتكلم " جليل يغالطني يا حازم, من الذي يعرف هذه الأعاجيب هنا غير عمر وعبدالقادر. يقول لي, ولا أجدني أرضى, أقول له يا جليل أقول لك حكاها لي رجل في محطة لواري على الرمال وراء ود عشانة تحت القمر والليل صاف وحلة المساعد  تكركر فوق اللهيب يحيكها لنا ذلك الحساني القادم من بادية الدويم(10)".. فهذه الرواية حاولت ان تلقي بكل اعباء المواقف  والاحداث على شخصياتها , دون سلطة قابضة للراوي او المؤلف , وقد نجحت في ذلك .

نلاحظ ايضاان نتؤات الجغرافيا وتعرجاتهاالاجتماعية والنفسية , التي وسمت الانسان حملتها لغة السرد فاتسمت بها , فجاء السرد معقدا , وانعكس ذلك وظيفيا  على التقنيات المستخدمة ( اعني بالتفاعل الوظيفي هنا التاثير المتادل بين السرد والتقنية السردية ) والاستخدامات اللغوية غير المألوفة- كما اشار احمد عبد المكرم في بحثه القيم عن فتح مغاليق عالم ابراهيم اسحق الروائي الى وعورة السرد  في اعمال ابراهيم اسحق , وهي ملاحظة قريبة الشبه من ملاحظتنا  -(11) . فادب ابراهيم اسحق ينزع باستمرار-  نحو البحث عن قيمة اكتشاف, او تحليل شارح لواقع ما: كما يقول عبد المكرم - .. واقع ملتبس غائب او معزول تسعى النصوص في تكاملها الى تبيانه او تجليته..

أسلوب ابراهيم اسحق,شديد الايجاز والثراء .. ثراء موضوع  هذه الرواية , التي تنهض تيمتها في الطبيعة الفسيحة جغرافيا والمعقدة انسانيا , لكنها رغم ( كونها شائكة بهذا القدر) تختلف رؤيتها من زاوية اخرى بسيطة , فهؤلاء الذين ارتبطوا بها " يتصارعون كالجواميس وبشراتهم تجمرت  مثل أكباد الإبل ووجوههم عندما تشوه تصبح كالذي تمضغ في أحشائه الأفاعي, وهم حذرون ينسابون على تعاريج الشط كالثعابين, يتحركون عندما تموت الشمس ويهبط الظلام على الكون, يحيط بهم عواء الذئاب والثعالب والصقور التي تداوم على خطف الأرانب والقطى والجديان. عندما ترجع الشمس وتكشف أماكن الأنهر والبحار ومجاري الأودية وغابات السنط والجبال وجذوع الاشجار والبردى في المستنقعات وطين الماء الضحل, يمكثون في قطياتهم حتى  يظلم الليل لمثل لون الغراب(12) هذه اللوحة التشكيلية , تشير الى تقنية محددة لجأ اليها اسحق عبر توظيف الوصف في السرد التشكيلي بهذه الرواية , اذ نرى لوحة كاملة لانسان بدائي وحياة برية , بطبيعتها الخلابة التي تنطوي على غموض الطبيعة وقوتها ومخاوف الانسان .. فكل شيء في هذه الرواية يحدث باتفاق مع الطبيعةالتي يحيطها الليل في رحمه, وظواهر هذه الطبيعة القابضة على فضاءات الرواية فحتى علاقة الحب بين غانم ومياكايا ترعاها هذه الطبيعة اذ تنشأفي ليلها المدلهم  .. حيث يتم كل شيء في الرواية على قاعدة الاضداد الثنائية  - على مستوى المضمون - كذلك على مستوى الشكل نجد  تزاوج التراثي والحداثي  و الثقافي والشعبي التاريخي واليومي و العامي والفصيح و  الايقاعي والسردي وذلك في سياق التفكك والتشظي وكسر النموذج وزواج غانم من مايكايا هو الايحاء بقصة كليلة وددمنة عن الليل والنهار والجرذين الذين يتناوبان قرض الحبل : الحياة والموت(13) فالحياة والموت كليهما مظهر من مظاهر هذه الطبيعة , وسمت به ابناءها  فحملته حياتهم وسلوكهم  .. ومثلما الشمس تموت لتحيا  الدنيا باسرها تولد من جديد  " كأن الدنيا بأسرها ولدت من جديد عندما عوعى الديك(14)".. هذا الثنائي في خروج الحياة من الموت.. والموت من الحياة . وخروجهما كليهما من مصدرهما الاساسي : الطبيعة  , يدفعنا الى المجازفة بزعم ان النص يقيم حوارا مع التفسير الديني للخلق ..

(2) جابر الطوربيد  لمحمود محمد مدني ..

رؤية نقدية: في الدلالة والسياق الرمزي ..

حول الرواية:

الروائي محمود محمد مدني , من الروائيين الذين لا يقلون أهمية عن الطيّب صالح وابراهيم اسحق . وتعتبر روايته ( جابر الطوربيد )(15) من أكثر الروايات السودانية تميّزاً في العشرين سنة المنصرمة , وسط حركة روائية سودانية لم تأخذ بعد مسمّى ( الحركة ) تماماً ! لقلة الإنتاج الروائي الكمي والنوعي , و  لعدم وجود رؤى محددة بوضوح في الحديث الروائي للعديد مما صدر, لولا روايات قليلة هي كتابة لإعادة ترتيب العالم   بحق .. .

صدرت ( جابر الطوربيد ) للمرة الأولى  عن الشارقة في 1984م . واستند حديثها الروائي على الأطفال كتيمة أساسية, خلال عملية جدلية يتفاعل فيها الأطفال مع مؤسسات التعليم , البني الاجتماعية والوطن الفوضى ..

وإذ تنطلق خلال كل ذلك رواية جابر الطوربيد , عبر روح مدني التجريبية المغامرة , بما يجعل مسكوتات النص متعددة ومتباينة ومتنوعة : ومشحون ــ النص ــ بالرؤى المتراكبة والمتجلية في مستوياته المختلفة, عن ثنائيات متنازعة كالأضداد ومتفاعلة في آن : الحياة , الموت , الخير , الشر , الانتصار , الهزيمة , المثال , الواقع ,. مروراً بالطفولة /الرجولة وانتهاءً بجدل الحياة / الواقع , لتشكل خلال كل هذه الثنائيات , المأساة في أفدح صورها . ومع ذلك يأتي الانتصار على قهر الطبيعة : الجفاف .. وعلى الموت . موت الطفل المبارك ,وعلى السلطة التي تفشل في اقتلاع الشجرة ( جابر ) من جذورها .. والغزاة والاستبداد , فيتشكل الطفل المبارك مرة أخرى في الشجرة , في جابر في رقية ويفيض البحر ليعلن اللقاح ــ فينهزم الجفاف وتبدأ دورة الحياة أكثر حيوية , بموت رمز الفساد ناصر الخزّان "..

من أخطر أزمات الفنان المعاصر أنه يعاني الآن أكثر من أيّ وقتٍ مضى , مشكلة التعبير عن موقفه إزاء المجتمع الذي يعايشه , ورغم أن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم , فقد ظل الفن على مدى العصور, محاطاً بأسلاك شائكة من السلطات أو الشعوب أو العقائد الشائعة, أو ثلاثتها جميعاً غير أن العصر الحديث. قد ورث خبرات كل ما سبقه من عصور, في الوقوف من حريّة التعبير موقفاً معوّقاً لرسالة النص (16) , خاصة في ظل اللحظة التاريخية الروائية التي ظل السودان يجتازها منذ موسم الهجرة 1966 م وحتى مارتجلو .. ذاكرة الحراز 2003م مروراً بصباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل 1997 م.. .

فإذا كانت لوقت طويل, صناعة اللحظة قد ارتبطت بالطيب صالح , إبراهيم اسحق , عيسى الحلو وآخرين مثلوا مع الأستاذ محمود محمد مدني أعمدة مهمة في تاريخ الرواية السودانية وحاضرها . لحظة استمرت بشروط جديدة, فيما أثمرته للحظة أخرى يمثلها بلا شك دكتور عمرو عباس , إبراهيم بشير , أحمد حمد الملك , دكتور  مروان حامد الرشيد سيف الدين محمد صالح وآخرين .. فاللحظة الأولى لم تستكمل حديثها الروائي , و هي لحظة مهمة تفرض علينا التوقف عند امتداد ديناميكيتها, وتبين آثارها على اللحظات اللاحقة. التي تخللتها أو تعدتها ... ولهذا عندما نقرأ جابر الطوربيد , نضع في اعتبارنا تعدد مستويات الحديث الروائي , بتعدد لحظاته في جيل مدني عموماً جيل الستينيات .

 فبينما كشف لنا الطيب صالح عن القوانين الدقيقة التي تحكم في الشمال, من خلال تكوين القرية للوجدان الثقافي لإنسانه . مضى إبراهيم اسحق للكشف عن الغرب , بينما اهتم عيسى الحلو بالتعبير عن المثقف المأزوم والمهزوم في الخرطوم  . وهذه اللحظات المهمة بصرف النظر عن الفواصل الزمنية , بينها طالت أو قصرت تقودنا للحديث عن جابر الطوربيد كمثال لمحاولة اكتشاف الذات خلال التاريخ في أكثر جوانبه تعقيدا .. !

فعندما كتب الطيب صالح موسم الهجرة إلى الشمال لم تك ( الشمالية ) هي ذاتها كما هي الآن, ومع ذلك هي الآن - لحد كبير -  كما لحظة الكتابة فيها وعنها .. من الناحية المتعلقة بقوانين البنية الاجتماعية, وعلاقاتها بعوامل التردي والحرب والهجرة والنزوح والاغتراب والأمية الأبجدية والثقافية والجفاف والتصحر إلخ.. ...

ومع ذلك لم تفلح هذه الهزات - الا- في  احداث تغيير بطيء وضئيل , فالزمن يبدو ثابتاً, والتغيرات سطحية. ليست عميقة. فعلى مستوى السلوك لم يحدث التغيير نتاج قرار اجتماعي , كما أن التغييرات العمرانية ليست نتاج نمو اقتصادي, وكذا المؤسسات ليست نتاج مؤسسية, وحاجات مجتمع بقدر ما هي نتاج قرارات سياسية لانقلابات مدنية أو عسكرية, بالتالي مؤسسات فوقية لأغراض ايديولوجية ودعائية, فما تم منذ لحظة الستينيات وحتى الآن نتاج لمثل هذه الأشياء وأشياء أخرى معقدة ومتشابكة عديدة, اسمها المشترك ( التخريب للإنسان )-  إلى حد كبير-  تقف وراءها أحاسيس العجز لأسباب مختلفة , وربما يكون أحدها الفشل لحظة التخريب ..

 ومع ذلك تظل اللحظة ذاتها تعيد إنتاج نفسها مستمرة ومستعمرة للروائي .. فهي لحظة المستعمر الذي يرتدي ثوباً وطنياً , والوطن المهدم وتنمية الإنسان التي لم تنجز, رغم تقادم العهد. وهي لحظة الهجرة لإشباع الرغبات الناتجة عن الحرمان, والتطلعات الناتجة عن الاستلاب, والغربة في الوطن وعن الذات..

الثنائية في اللغة والدلالة والعلاقات الاستبدالية:

وعلى قلة الروايات السودانية المنشورة- حتى  مستهل تسعينيات القرن الماضي -  نجدها بشكل أو بآخر, تلامس هذه الجراحات التي أصبحت كالقوانين التي تتحكم في فضاء الكتابة في السودان , والتي غالباً تبدأ بالهروب إلى الريف كوعي برئ وبدائي, لتمر بأزمات المثقف لتلتقي بسؤال الهوية ( التاريخ / وعي الذات ) وسؤال الذات يجد ما يبرره في فضاء الحالة الإبداعية السودانية (17) وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى جابر الطوربيد , ككتابة روائية تنزع عبر الماضوية, للبحث عن الأصالة والهوية الخاصة بالأنا.. المدفوعة بوطنية حماسية ( إن المثاقفة أو التغريب كمحط عناية جماعة ونقد أخرى وصورة المستعمر والمستعمر اللتين تتعرضان لمواجهة حادة, مسودة الوعي الممكن الغارق في المثالية (18) ) كل ذلك تعبير عن الأزمة الحضارية في الإبداعي في أعلى مستوياتها الجمالية إلحاحا,ً على التاريخ المجيد للشعب . ومن السمات المميزة لهذه اللحظة عموماً, التي نراها خلال جابر الطوربيد ( دائرية الزمن ) فحرب الجراد تنتهي لتبدأ مرة أخرى وهكذا دواليك , ومع ذلك ثمة انتصار في ختام الرواية على المستعمرين / الغزاة ... الذين يريدون تحويل مجرى النيل .. هذا الانتصار يتحقق عبر بعث جابر كمخلّص ومُنقذ, وعبر أدوات المعرفة النبيلة  ومؤسساتها ــ الأطفال , المدارس , الأمل الذي يزرعه الكاتب منذ البداية,  ويجعله يتنامى بكل ما لمفردة مدارس, من  محتوى معرفي يتعلق بالعالم الذي يحكي عنه  الرواة -  رغباتهم في البطولة والتاريخ المجيد لشعبهم.. .

ووفقاً لتطور شخصية جابر الطوربيد, كشخصية منبثقة عن الفضاء التاريخي والنفسي  لسنار القديمة, وصيرورتها إلى لحظة قيادة الحرب ضد الجراد, بما كان يمكن أن نطلق عليه إسقاط الحاضر في الرواية على صيرورة المستقبل , بما يقدم فلسفة منبثقة من صميم التكوّن الحضاري والثقافي ومحتوياته المعرفية التي تعود إلى زمن بعيد ( العديد من الآمال تقول لنا بحاجة الإنسان الدائمة إلى التعرف على تاريخه , مهما اختلف الناس في تفسير أحداثه (19) بما لا يخلو في الحاضر من ضرورة استمرار شروط المقاومة من عناصر الماضي الإيجابية , باعتبارها المعادل الموضوعي الذي تفتقده خلال الضياع وسط حصار المفاهيم المتباينة والتي لم تنتج أو تتباين في سياقنا الحضاري ( ولعل الأفكار الفنية الثلاثة : الحلم الخيال والمستحيل أكثر الأدوات التعبيرية قدرة على نسيج الأسطورة الرومانسية ,فالحلم الرومانسي ليس تفسيراً للأحداث أو تغييراً للمواقف وانما هو تجسيد موازٍ لها , أي أنه بمثابة المرآة ( الحاضرة ) لكل ما يدور في العالم الرومانسي .. إن الحلم هنا لا علاقة له بالفلاش باك أو التداعي الذهني , فهو ليس من أدوات التعبير عن الماضي , بل هو من عناصر الحضور . أما الخيال فهو ليس من عالم الوهم إلا إذا اعتبرنا الوهم من عناصر الواقع الرومانسي (20).. هذا الحضور المثالي ..

 شخصية جابر الطوربيد , والتي  نجدها في جوانب أخرى دائمة الحركة dynamic والإدراك دون اعتبار حتى لمناخات سنار القديمة بحكاياتهاو بأولياءها وصالحيها , إذ نلاحظ على استجاباته ( السرعة , والقدرة العالية على التأثير ( بنتك حوصة زوجة لي على سنة الله ورسوله ) .. ( والجمعة القادمة يا عمّي تكمل إجراءات الزواج انني أكاد أسمع غرغرة طفلي , ولدي ... ألا تسمعها مثلي ؟! يا لهذا الهناء ) ... انصرف جابر الطوربيد , ذلك اليوم أصيب محمد أحمد مخارق بالحمّى ( ... ) وعندما فرغ جابر الطوربيد من التمتمة , أخذ جابر يعصر ثديه الأيمن حتى غطى نصف الإناء , بعد ذلك أخذ جابر الإناء وأجلس الشيخ الذي كانت الحمي قد أكلته تماماً وطلب منه أن يشرب (21) وفي اتجاه آخر من هذا الجزء نلاحظ التوليد الذي قام به محمود محمد مدني , إذ ولد عن مناخات الطبقات ما ينفي حكاية مثل الهميم وإدريس الأرباب , إلخ ... إذ أعاد إنتاج هذه الحكايات على نحو كولاجي وصيّرها بديلاً لها وهذا ينطبق على اللغة المستخدمة أيضاً . إذ لا تخلو من علاقات استبدالية ( parachgmatiques ) جف ريق الغزالات الجميلة / نشف / يبس .. وفي المنتهى يزاوج بين العقرب والنهر / العطش / اليباس ... وهذه العلاقات يتحدد فيها الحاضر بغياب الآخر ( الغائب ) .. وهذي بذلك تنسجم تماماً مع فكرة غياب جابر في حضور المبارك...

وما نلاحظه على الأبنية القاعدية intra stractures : الدلالات significations والأبنية الفوقية . الدوال في هذا المضمار , أن حكايات الأولياء والصالحين كما وردت في كتاب الطبقات ( وإن كانت وردت في تصورها الذهني / المرجع . فإن الدال عليها ما قدم من إشارات مختلفة مطابقة لها كما في المرجع / الطبقات ) بحيث أعطت ما نحن بصدده من مدلولات خاصة بالتاريخ والناس والكون والأشياء , وبالإحالة لديماس ( ربما كان التاريخ مشجباً عظيماً لكي تعلق عليه كافة أشيائنا ) بالتالي ( الماضي لم يكن أداة تعبير عن قضية أكثر شمولاً من الماضي , وإنما كان الماضي مجرد ملجأ يحتمي به الأديب من مشكلات الحاضر وأزماته , إن معالجة الماضي القريب شيء بالغ الأهمية , بالنسبة للأجيال التي لم تعايشه بكل ضراوته وعفويته (22)"....

مكي إدريس العطشان , والعطشان هذا لا علاقة له بذلك الجفاف وانما انحدر إليه من عطش جده الأكبر لعجيزات النساء النصف أيام كان اللحم أرخص من التراب (23). )

العطشان: علاقة ندرك فيها معاني الظمأ والجفاف , إلخ

الجفاف: علامة ندرك فيها معاني القحط والمحل والجوع , إلخ

المدلول الرسالة الحقيقيّة للنص

الدال : علامة النص

المرجع: الطبقات وإذا عدنا مرة أخرى للعلاقات الاستبدالية, نلاحظ صياغة المألوف من لغتنا اليومية, على محور صرفي فصيح : ( جاء الطوربيد مشغولاً مع ابنه ( 24)  مطر كأنه مصفى من ثاني وثالث وعاشر أوكسيد الكربون .. وهشاشة التهجين (25) وبذات المستوى التوليف في الجملة الصرفية للمفردة العامية بحيث لا نلحظ إنها لغة مؤلفة ( دارجة / فصحى ) ( منذ أن شالت السحابة الصبية الأولى وهو يعلم أن النهر فعلها ) واللغة المؤلفة هي ( لغة الخرطوم ) لغة الخلاصة المثقفة من سكان السودان الذين تركوا بواديهم القبلية وتوطنوا هنا وقد أضفى عليهم موقعهم العاصمي سانحة نادرة من التعرض لتيارات الحضارة الوافدة عبر شريط النيل والمستقرة نهايته لديهم . هي لغة قاعات الدرس , ولغة مقابلات الإذاعة والتلفزيون وجعجعة السوق العربي , كما يقول إبراهيم اسحق في أحد الحوارات معه . وفي مستوى آخر تتفتح اللغة عن إمكانياتها وطاقتها الشعرية كلها لتعبر عن مأساتنا الاجتماعية ( ضاقت حلقة الرجال الجراد على رقية بنت حمد النحلان حتى أحست بالرائحة الزنخة تخترق خلاياها .. ارتجفت سرة الماء وقبضت الأيدي الأظافر الوسخة الطويلة على الجسد الرقيق الصغير , راقت صفحة النهر , وقع ثور الساقية على الأرض من التعب وكثرة الدوران وهجم ثعبان أسود ذو أظلاف على عش القمرية الوحيدة التي  بعثت  من عهد اليوم القديم . مزق الرجال الجراد لحم الجسد الرقيق الصغير لرقية بنت حمد النحلان فاختلط الشعر بالدم , بالتراب , بالمخاطر , بالعرق , بالشوك . وبما تبقى من الثياب همد كل شئ.. الرغبة في كل شئ.. نام الثعبان الأسود ذو الأظلاف في عش القمرية وفي أعلى النهر كانت مجموعة من التماسيح تعبث بجثث آدمية متعفنة , مجهولة وعندما غادر الرجال الجراد ضفة النهر لم يتركوا سوى جثة رقية بنت حمد النحلان عارية مثقوبة كأنها ضربت بمدفع رشاش , وبالقرب منها ثيابها الطفولية البسيطة (26)..).

ولا تتوقف اللغة عند هذا الحد في التعبير عن إمكاناتها الشعرية , بل عن جوهر الحدث نفسه بما مثلته اللغة كدلالة حافة على الجنس في اكثر مستوياته عنفاً ... الاغتصاب ... بحيث نشعر بالطبيعة حولنا كلها متهتكة على ضوء تلك الأحاسيس التي تشغلها لحظة انتهاك لوليتا / فلاديمير نابوكوف . وليست جثة رقية بنت حمد النحلان فقط . بل الهتك كفعل عنف ضد الإنسان متجاوزاً سياقه الجغرافي والتاريخي المحدود إلى الكوني المستمر المرتبط بالأشياء حوله , والعالم . المأساة الاجتماعية ( أحد عناصر هذا التخلف الرهيب ) ( مأساة المجتمع تنحصر في أشكال العلاقة الإنسانية بين الأفراد والطبقات والعصور ولكن مأساة الحضارة هذه تتجاوز الأسوار , تتخطاها إلى معالم الوجود الإنسانية الأكبر في كفاح الإنسان البطولي لاكتشاف سر الأسرار , لاكتشاف معنى حياتنا (27)على خلفية ذلك نجد أنه اذا كانت حكاية حمد النحلان بمثابة مسلمة في الطبقات, فهي على مستوى التوظيف الروائي في جابر الطوربيد , أعيد إنتاجها في علاقات استبدالية جمالية.. .

إن إستنهاض محمود محمد مدني لقيم الماضي , بعد هدمها وإعادة بنائها على نحو ملائم للحاضر في سبيل مقاومة الرجال الجراد , كقضية أساسية مطلوبة في رسالة النص , وكقضية تشترطها معاناة ( مناخنا الحضاري ويلات البتر والتمزق أو ما يمكن تسميته بمركب الانفصال التاريخي في عصر العطاء العظيم , كما يعاني ويلات التخلف الحضاري المرعب وغياب التقاليد الديمقراطية في أسلوب الحكم والقهر الإستعماري الرهيب ــ فإن عناصر الإيجاب متمثلة في الهبات الثورية ومحاولة الانبعاث الفكري والأدبي والفني تجد نفسها محاصرة في مأزق تاريخي لا تحسد عليه (28)هذا الانبعاث هو انبعاث الانسان قبل كل شيء , انبعاث جابر ليمضي , كمغامرة جمالية معقدة في العقل والوجدان .. وبالإنتقال إلى سيرة جابر الطوربيد نفسه , نجد أنها لا تخلو من مأساوية , كأسطوريته المحاصرة بثنائية الغياب ... الحضور , عبر الإحالة لإلتواءات الدلالة بما تتبدى عنه من تعبئة للنص بكل ما يرتبط بالجغرافيا والتاريخ كما رسمهما ذلك العقل التحتي الذي يستمد نظم إشتغاله من العرفان والحكايات الشعبية كأحد

عناصر البنية الإجتماعية الفاعلة أو الرموز العقددية الأخرى ... فحائط المبكى جزء من جراحات التاريخ العقدي ( الكتابة الأدبية مثل الفن الحديث برمته , تنطوي في آنٍ على استلاب التاريخ وعلى حلم التاريخ , فهي بصفتها ضرورة تشهد على تمزق اللغات المتصل بتمزق الطبقات وبصفتها حرية تكون هي وعي هذا التمزق والجهد نفسه الطامح إلى تجاوزه ولأن الكتابة تحس نفسها بإ ستمرار مذنبة بعزلتها الخاصة فإنها تكون أيضاً مخيلة متلهفة على تحقيق سعادة من الكلمات فتهرع نحو لغة تحلم بها , ستجسد طراوتها بنوع من الإنبثاق المثالي , إكتمال عالم آدمي جديد , حيث لن تكون اللغة بعد مستلبة (29) لذلك عندما يبكي جابر الطوربيد على الحائط , لا يعبر عن حالة جنون ولا عن تلك الحالة التي إعترت النحلان كما كان في الطبقات فهزئ منه الناس , بل عن حالة أعمق بكثير , حالة تعبر عن فداحة المأساة / التمزق ... ولاشك أن لكل موقف داخلي معادل موضوعي , يربط اللحظة الداخلية ويرتبها إلى جانب شقيقاتها في الواقع الموضوعي , ليتحدد المجرى العام لحياة جابر الطوربيد والحركة الجدلية للدلالات الصريحة والمضمرة والإيحاءات المنصهرة في تفاعلات  حادة , متضادة وغير مصرح بها لغاية محددة تتمثل في تداول  الرؤى بين لغة مدني الشاعر واحتمالات لغة النص الموازي , بإيجاد طريق ثالثة ( غير تلك الضاربة في التقليد أو الضاربة في المحاكاة , لهذا فهو يصارع خطيئته وينزع نحو الممكن عاكساً للهزيمة والأمة والصراع داخل تجريبه الفني أنه يمثل الخاطئ كما يمثل الحقيقة , حقيقة الفشل وحقيقة الإنتصار (30) ..  كما تتجلى النقوش التي على الماء في  مستهل الرواية .. ( هنا تصبح الكلمات مجرد نقوش على الماء ــ عاد الرعب والخوف جثم تجاه حائط المبكى يبكى : قول لي مجنون .. ) وفي هذا الفضاء الرؤيوي الستبطن لإثواءات واسقاطات بعضها تاريخي وبعضها ذو ارتباطات عقدية يتجلى ماهو شاعري صوفي حميم , كحضور انساني للنص . يتشكل  مما هو متراكم من دلالات واشارات فاتحاًَ الفضاء على المأساة الإنسانية العميقة ( الطافح ) بها النص والغامضة غموض الأقدار .. فمن هذه الدرامية المستفزة لأبعاد المخيلة واحتمالات اللغة وميكانيزمات السياق التعبيري الرمزي في جدليته/ المستمرة تنتسبح أسطورة جابر الطوربيد كآخر الأساطير المأساوية الحية ,و كمعادل مضوعي للطريق الثالثة في إطار معالجة التاريخ الذي يعيش أزمة المؤسسات والمجتمع لأنه شفوي إرشيفي مزيف رسمياً . كما أنه عمل مكتوب من مستعمر وهو بالتالي في حالة ولادة يحمل في داخله كل مخاطر التاريخ ولهذا يجد مدني نفسه مضطراً لإفتراض طريق ثالثة عبر عنها جابر الطوربيد ( يا عمي الشيخ أنت تعرف ان نظر المحب للمحب سلام والصمت بين العارفين كلام . تلعثم الرجل حتى تبين له أن القابض على ذراعه هو جابر الطوربيد . ما الأمر يا جابر , هل اصبت في عقلك ؟ لا لم أصب في عقلي  وانما اصبت في سلسلتي الفقرية (31) يا عمي الشيخ أنت تعلم ... تلعثم الرجل .. ــ ما الأمر يا يا جابر ؟ ... ( .. ) حسناً أوجز فأنا لاحق بالصلاة .. ) واذ تتفجر المفردة عن محمولاتها المعرفية والأيديولوجية وذلك النوع من الأحاسيس المربكة ... لما لا يحتمل فيها ــ المفردة ــ من حرقة , إذ تتفاعل . تنشطر من مجرد مفردة صمت للعارفين إلى ما تتبدى عنه من عالم يتجاوز حدود الصمت الذي يضمر الود والإرهاق الحميم  لتلك الرعشة الحميمة والحارقة في السلسة الفقرية , كاشفاً ــ الخطاب ما لم يختزنه مباشرة عن جابر الطوربيد-  , كشخصية اسطورية تعمل في تاريخ مفترض .. ( جابر الطوربيد بدأ يتمتم ببعض الكلمات ) كان كمن يخاطب كل الأزمنة والأمكنة وكل الناس والبيوت والأشجار والأنهار الجارية والتي جفت والنار والزيتون والجبال والسهل والأرحام والغناء والدوبيت والقوافل التي ضلت طريقها والتي وصلت وكل خطوط الطول والعرض . كلام يصل عصفور الكناري بسمكة القرش في دورة ومضية خاطفة (32) وهكذا رغبة جابر هي رغبة الطبيعة ذاتها في تفاعلها وتفاعل كائناتها , رغبة الجغرافيا في الإلتئام فما جرده مدني من رموز طبيعيه في سياقها الرمزي تشير للخصب والنماء , الخصب بما يعطي دلالات تعبر عن القضية المطلوبة ( النماء ) . بدءً بتماهي الخصب في الطبيعة كرمز وإنتهاءً به كفعل إنساني . وإذ يحيل مدني مفهوم الإنزياح عن الأمكنة والأزمنة بإعطائها ذاكرة لتجربة الخصب مطلقاً ولفعل الخصب في ذات الوقت على مستويات متعددة تتفتق عنها الدلالة الإيمائية إذ تصل الأرحام بالغناء والدوبيت والقوافل التي ضلت طريقها تنتظر الوصول إلى حيث يتلفت القلب لحبيب يقتله الشوق والإنتظار .. ضلت طريقها بكل ما للمتاهة من رعب وإذكاء للإحساس بالضياع يحيل للإمتلاء اللاشعوري برغبة الحياة وغريزة البقاء . بالتالي الوصول والتواصل . هذه الرغبة / الغريزة التي تجعل المستحيل ممكناً إذ تصل عصفور الكناري بسمك القرش فهي إرادة الإستمرار قبل كل شئ . إرادة جابر الطوربيد.. .

بنية موقع التحديث في رواية: " الدم في نخاع الوردة "

مقدمة:

هذه الرواية(33), عبرت عن زمنها .. زمن الاحلام الكبيرة , والمشاريع التي داعبت خيال حركات التحرر في العالم الثالث , وامتدت في الخمسينيات والستينيات , في هموم المستنيرين , حول ازاحة المفاهيم البالية , المتحكمة في البنى الاجتماعية . واحلال الاخرى الجديدة محلها . بما هي قيم تغيير وتنمية لخير الانسان .

هذه الرؤية الحداثوية , تجلت في " موسم الهجرة الى الشمال - للطيب صالح " , كرواية تنتمي لذات زمن هذه الرواية , بما حملت من قول حداثوي , تمثل في عودة مصطفى سعيد , ومحاولاته توطين قيم الحداثة وتنمية الانسان ( تجربة الجمعية التعاونية , ادخال محاصيل جديدة , تطوير نظام الرى ,الخ ..) . ومثلما حاول مصطفى سعيد تحويل فراغه الوجداني , وهزيمته في الغرب الى طاقة تغيير في تلك القرية , عند منحنى النيل . تحاول هنا الشخصية المركزية (الطبيب احمد حامد الماحي ), تحويل  مرارة هزيمتها الاسرية والعاطفية , الى طاقة تغيير ..

ومثل كل المحاولات , في تجارب التغيير , في التاريخ الانساني , تصطدم القوى الجديدة , بقيمها الجديدة بالقوى القديمة , ومن هنا ينهض القول ويتنامى الفعل الروائي , كاشفا عن متناقضات هذه القرية , بما يعيد الى الاذهان , تصدى اهالي " ود حامد " في مجموعة الطيب صالح ( دومة ود حامد ) لرياح التغيير , بالتفافهم  حول الدومة , للحؤول دون قطعها لتنفيذ المشروع التحديثي .

اذن رؤيا العالم في الحديث الروائي ل " الدم في نخاع الوردة " , لا مناص من قراءتها , بشروط الزمن الذي كتبت فيه  هذه الرواية نفسها ., والهموم الفاعلة التي كان المستنيرون يتمسكون بها ويلتفون حولها . ومن هنا تأتي اهمية الدم في نخاع الوردة التي كتبت قبل اكثر من  ربع قرن من الزمان .كنص روائي ينهض القول فيه من موقع التحديث والتغيير , في اكثر المواقع تخلفا " الريف " , بما  تلقيه من ظلال التحولات المدينية .. ومقاومة حراس التخلف لقوى الحداثة والتنوير والتمدين , حفاظا على مصالحهم التي ارتبطت بالمفاهيم والقيم القديمة , التي تأخذ أعلى تجلياتها هنا في شخصية الشيخ " الضو "  الدجال , والشيخ " فرحان " , كعناصر محتمية بتوظيفات الديني . وشخصية سعيدة بنت ابراهيم وزوجها حسان الممرض , كعناصر ردة , ينقض التغيير والتحديث مصالحها ..

وهكذا يتنامى الفعل الروائي , كاشفا عن  متناقضات العلاقات ,  وتوازياتها وتقاطعاتها في ( وحول) التغيير , في حالة من الشد والجذب والمفارقة . خلال الاسترجاع للماضي , والتداعي فيه .. الماضي كمنبع تعمل فيه الهزيمة فعلها .. وكذلك الاستباق , كشفا عن لحظة  ربما هي حاضرة , انتصرت فيها ارادة التغيير بقوة الفعل الانساني , المضاد لدجل وشعوذة  شيخ الضو .  فالدرة الصبية الصغيرة , تصير الان مديرة مدرسة فاعلة في التغيير الاجتماعي , منتصرة بذلك على مرارات البيئة المظلمة , التي انتجتها .. منتصرة على الماضي المرير لحياتها الاولى , وكذا , بما مثلته حياة الاسى والعذاب لأمها ..

واذ ينهض القول الروائي للدم في نخاع الوردة , من موقعين . موقع التحديث , والموقع النقيض . تختلف هكذا كتجربة عن كثير من الروايات , التي ينهض فيها الحديث الروائي مغلقا عن فضاء  الممكنات ..

موقع الراوي:

بدء ينهض القول الروائي في " الدم في نخاع الوردة " , من موقع الراوي . ومن جهة اخرى من موقع الشخصيات التي يختبيء خلفها الراوي , الذي يسرد الاحداث , التي تجري في القرية , مكان هذه الاحداث , استباقا " اللحظة التي يبدأ فيها النص "  بشيخ فرحان محمولا الى المستشفى , كتعبير عن هزيمة الموقع النقيض للتحديث .

وينقلنا  الراوي عبر الاسترجاع الى مشهد اخر , يتحاور فيه الطبيب احمد حمد الماحي وامل ابن المهندس خالد وزوجته فريدة , وهكذا يمضي الراوي تقديما وتأخيرا , وتداعيا في لحظة ماضية .الى ماض ابعد . او اقرب . حتى تنتهي الرواية , بانتصار مفاهيم وتصورات قوى التغيير والتقدم , بما يمثلها الطبيب والمهندس والمعلم " الجيل الجديد " والاهالي البسطاء , الذين اقتنعوا بهذه التصورات والمفاهيم , بمواجهة قوى الردة التى تحاول سحبهم للخلف . و التى يمثلها الشيخ فرحان وسعيدة وحسان , الخ .. لتصبح المستشفى هي المكان الذي يتقاطع  عليه صراع الموقعين .. موقع التحديث والموقع النقيض له . فتتسامى المستشفى من محض توصيف لمكان معالجة الامراض البيولوجية , الناتجة عن التلوث والجفاف والامراض المنقرضة تاريخيا الا هنا . . تتسامى ايضا  الى مؤسسة لمعالجة الفساد والتلوث الروحي والنفسي وامراض الواقع ..

دلالات الهزيمة - اليأس - الموت:

الطبيب احمد حامد الماحي , الذي يقود التغيير هو غريب عن القرية . يأتي اليها هاربا من ماضيه الذي يطارده ( هزيمته العاطفية ازاء صافيناز) , التي يسميها اليأس , و الذي يتحول الى امل , فتتحول الهزيمة الى انتصار .. وحكاية المهندس لا تختلف كثيرا عن حكاية الطبيب , اذ يهرب مهزوما من نظام تفكير والده , التاجر الماضوي , الذي يقصي " صافية " بنت الجنايني , عن حياة ابنه , مقترحا زيجات مبنية على مصالحه الخاصة  في السوق وسعيه لادخال ابنه في عالم السوق ,( وتزويجه لثريا شقيقة خالد من ثري عجوز جاهل) . . تتراكم كل هذه الهزائم , فيهرب خالد ويتزوج كيفما اتفق , من فريدة التي تنجب له , وليد فيموت . وبموته يموت جذر الهزيمة . والهروب , مفسحا لنمو الجنين الثاني : امل . فيتخذ الموت هنا بعدا مفاهيميا , متجاوزا الاطار المادي للموت . فنور حفيدة الشيخ فرحان , ومعشوقة مصطفى موظف البريد , بتوكيل القرية . تموت مثلما ماتت ستنا ام الدرة . ليمثل موتها نقطة تحول في حياة ابنتها .. يمثل موت نور تحولا لصالح ميمونة ابنة الشيخ فرحان , ويمضي مفهوم الموت الى التسامي ليأخذ بعدا معرفيا خاصا . ليس هو النقيض للحياة , بقدر ما هو اندثار للماضي , وموت للبالي : مفاهيم الردة , لصالح ميلاد ونمو الامل , ومفاهيم التقدم . فموت على الاطرش الغامض . على الاطرش بنزوعه المديني . . موته يفتح التأويل على احتمالات عديدة ترتبط بخرق النظام الاجتماعي , وترتبط بنظام خاص ابتدعه الشيخ فرحان ..هكذا ينفتح التأويل على احتمال غسيل العار , لكنه ينطوي ايضا على الغدر والخيانة والسرقة . مثلما ينطوي على العتق  والتحرر لميمونة , بانهيارات البنى المتخلفة , تحت ضربات معاول قوى التغيير والتحديث , باستسلام اخر معاقلها , ممثلة في الشيخ فرحان ذاته . لمبضع الجراح , كما في المشهد الاول من الرواية ...

رمزية الغريب:

ارتبط التحديث والتغيير في هذه الرواية بالغريب المديني , الوافد الى القرية . وفكرة الغريب شهيرة في الرواية السودانية والعربية عموما . فهي فكرة المنقذ المنتظر , الذي يملا الارض عدلا بعد ان ملئت جورا " .. دخل القرية رجلا غريبا , لا يحمل من متاع الدنيا الا صفارة بوص طويلة , ومخلاة بها قليل من الزاد . حيا الغريب الرجال والنساء , وسأل عن الحزن الذي يملأ العيون حتى تفيض بالحسرة (..) شرب طويلا , ثم بدأ ينفخ صفارته الطويلة (..) ظهرت آلاف الفئران الضخمة (..) كان المنظر كأنه جزء من حلم عائم فوق مياه الترعة , التي لا تتوقف مطلقا عن الجريان (..) كان يمضي بتلك السحابة السوداء من المخلوقات , نحو الشمس . ومضى غريبا دون ان يلقي تحية الوداع  (34)" .. وفكرة الغريب والمنقذ , فكرة ثاوية في اعماق التراث الانساني , لارتباطها بالعقائد القديمة , وتبرز في فترات الانحطاط , لتمثل محور تماسك للمظلومين والمقهورين والمحرومين , فتعزيهم . هذه الفكرة , هنا تتسامي الى ما اشرنا اليه ولا  تأتي في سياق مقاومة الفئران بالمبيدات , كمنجز تحديثي للسيطرة على مخاطر اختلالات البيئة , وهو ما عنيناه بهموم مشروع التحديث , في ازاحة المفاهيم السالبة واحلال الاخرى الموجبة البديلة  المرتبطة بتقدم الانسان محلها ...

تداخل الأزمنة:

ضمن هموم مشروع التحديث للعقل العربي , انهاء حالة تداخل الازمنة  الثقافية في نظم تفكير هذا العقل , هذا من وجهة النظر المعرفية .هنا على مستوى القول الروائي , يتجلى التداخل , لا كتقنية رواية , بقدر ماهو تعبير عن حالة تداخل ارتبطت بالهزائم التى  تم التعبير عنها في شخصيات الشخوص.. ويأخذ تداخل الازمنة اقصى تعبير له في  اللحظة التي يجلس فيها المهندس خالد قرب زوجته فريدة , التى كانت تتصفح  مجموعة من كراسات تلميذاتها ( باسطة امامها مجموعة من كراسات التلميذات للمراجعة والتصحيح (35) ففي هذه اللحظة تنساب وتتداخل ذكرياته , منذ لحظات الاحساس باليتم والحرمان مرورا بالهزيمة وميلاد امل ووليد .. تتداخل حياته الماضية كلها , لتخرج من ركامها صافية وسارة تعابثان فريدة , ليمثل الانعتاق من بوح ومواجد هذه اللحظة  والهروب الى طاقة مواجهة وتغيير ...

مختار عجوبة : صالح الجبل ...

قراءة في استراتيجية العنوان في رواية صالح الجبل لدكتور مختار عجوبة ..

مختار عجوبة , فضلا عن كونه قاص (36) وروائي , هو احد اهم الذين انجزوا  قراءة بيانية للقصة السودانية , منذ مرحلة البدايات حتى خواتيم الستينيات (37) و تعتبر مجهودات معاوية البلال النقدية -  التي اهتمت بتقديم قراءات مبدعة -   (38) مكملة لما بدأه عجوبة من مشروع رصد  وتتبع نقدي لمسيرة القصة الحديثة في السودان .

ولادراك ماتنهض عليه رواية دكتور عجوبة: " صالح الجبل " , تستوقفنا بدء رمزية الجبل ذاتها "اذا كان الادب نظاما من الرموز, له شفرته الخاصة ويشبه النظم الدالة الاخرى, مثل اللغة المنطوقة والفنون والاساطير, فانه يختلف عنها, باعتماده على بنية اخرى هي اللغة , ولهذا فهو نظام دال من الدرجة الثانية , اي انه نظام ايحائي , واذا كانت اللغة هي المادة الجوهرية, في تشكيل وحدات النظام الادبي , فهي تنتمي الى المستوى التعبيري . ولا تفقد معناها  الخاص بالدخول في هذا النظام (39).. ومن هنا يمكننا ان نأخذ " الجبل "في  رواية(  صالح الجبل).. كرمز يسيطر مركزيا على التركيب الادبي في الرواية .. خاصة ان" الجبل ينتمي" الى مجموعة  الرموز التي تتردد في ثقافات مختلفة, ليس بينها علاقة تاريخية. محافظة على قيمتها فيها جميعا .. ورمزية الجبل نجدها في السرد العربي في اعمال العديدين .. على سبيل المثال استخدام الجبل والحجر ( كرمز كوني ) في اعمال ابراهيم الكوني الروائية , التي تجعل من الصحراء ككائن حي موضوعا لها  ..

وعلى ذلك فان  العنوان ( صالح / الجبل ) -  الدال على احد شخصياتها- " الدال :( الجبل) على هذه الشخصية: (صالح )  " ..  ينطوي على وعي صالح "بجبليته" .. بمعنى  الذات التي تتكشف في تضاعيف النص عن معان حارقة : وعيها بتفاصيلها الانسانية والتاريخية .. هذه  الذات  التي تتماهي في لغة السرد المحملة , بمكبوتاتها واحلامها ووعيها  ..

فهذه الرواية لا تركض خلف السائد في السرد الروائي في السودان -  بمعنى الشعرية في السرد -  .. كما لا تقع في غواية بنيتها,  كنص يستلهم التاريخ  الغابر .. والمتخيل .. ولا تقدم تصورا لعالم مثالي - من وحي المخيلة - اذ تدرك نهوضها كنص - في التحليل النهائي - في الخيال .. الذي يحاكي الواقع ويكونه لكنه لا يكونه في آن .. وبذلك عالمها يكتفي بتصوير الواقع والتقاطع معه, في اكثر مناطقه المظلمة, ذات الصلة بهوية الانسان  - بماهي ( هذه الهوية) : تاريخه -  , كما لاتطرح رواية صالح الجبل نفسها , كتشكيل سردي مفارق , اذ تكتفي بما تنطوي  عليه, من وعي حاد , قادر على اصطياد البنى الحكائية , واحيائها سرديا , في وعينا. دون مفارقات او تجريدات ذهنية  او مقولات , ومن هنا تتسم رواية صالح الجبل, بالبساطة الاسرة. تاسيس عجوبة لهذه الرواية في تيمتها الاساسية, على قاعدة الاثري الحفري , بما هو التاريخ الغابر , بابعاده السياسية واسقاطاته على الراهن , سمح لعجوبة ان تتأكد نوازعه الفكرية  نفسها, في اطار يسمح لبساطة تركيبه لهذه النوازع ,  دون الارتطام بجدران الواقع , ومحاولة فكها وتحليلها , اما على المستوى التشكيلي فقد سمحت للاداة الروائية , بالاشتغال في نسج الرواية بهدؤ ودربة فجاءت كنسيج محكم التماسك , يتحرك الشخوص على احداثياته بسهولة ويسر وهو - ربما -  ما جعل الروائي الفذ : ابراهيم اسحق يصف هذه الرواية, بانها اكثر نضجا من اعمال اخرين معاصرين لعجوبة.. .يقول الاستاذ ابراهيم اسحق حول صالح الجبل " في  منتصف السبعينيات , ظهر نمط ثالث للرواية السودانية , رواده اولئك الكتاب الذين عاشوا في الجو الاكاديمي لجامعة الخرطوم , واحسوا باهتمام الوسط الثقافي بكتابة الرواية , وانه  يمكنهم ان يدلوا بدلوهم في ذلك من خلال تجاربهم .. مثل دكتور ابراهيم الحاردلو وروايته عربة الروح . والتي كانت اشبه بسرد تجربة ذاتية لم تكتمل لها تماما ادوات الصنعة الفنية للرواية . ومثلها رواية فضيلي جماع " دموع القرية " وصالح الجبل لدكتور مختار عجوبة .. وربما احسست وانت تطالع هذه الاعمال كان اصحابها استعجلوا تجربة كتابة الرواية او انهم لم يستعدوا جيدا لتجربة كتابة رواية بمقاييس حديثة ... ولا شك ان دكتور عجوبة كان افضلهم , فلديه من قبل مجموعة قصصية ( عندما يهتز جبل البركل ) ورسالته للماجستير عن القصة .. لهذا كانت روايته انضج فنيا(40)"..

ومن  خلال شخصية صالح الجبل , تتقدم الرواية في عرضها, لنماذج حية تتفاعل بالتجربة الانسانية, وتصل بها الى معنى الالتزام, من خلال الانتماء الى حركة المجتمع .. في محاولة مقاومة العمدة,الذي يسعى لدفن التاريخ (المقبرة الاثرية), حتى لاتنتزع منه الارض .. بحيث تطرح هنا مسألة التاريخ المتآمر  عليه .. التاريخ بما هو ثقافة , وذاكرة .. بما هو الضحية الاساسية التي تتلوى تحت سياط الواقع .. لكنها  تبقى صامدة , تبين كلما تم طمر جثتها بالتراب .. فمهما تم دفنه - التاريخ - من قبل السلطة الرسمية, يطل شيء منه ليذكرنا بانه باق ..

نلاحظ    تكرار بعض شخصيات الرواية, التي نجد لها ملامحا في شخصيات مجموعته القصصية:" عندما يهتز جبل البركل" , لكأن الرواية صالح الجبل تقيم حوارا على مستوى الشخصيات مع هذه المجموعة القصصية - لا نريد ان نقول انهما اعادة انتاج لبعضعما البعض - , وهو ما اقتربت منه ملاحظة الصديق الناقد المصري احمد الشريف,   عندما قارن شخصية( فتح الرحمن السلفي في صالح الجبل) ( بشخصية ودحبوبة في المجموعة القصصية:  - قصة  اذكروا محاسن موتاكم -)"..

 ولا شك ان صالح الجبل من الروايات ذات القول المميز , اذ اشتغلت في هموم مشروع التحديث , واتصور ان المفتاح لسبر اغوار الرؤيا في هذاالنص (صالح الجبل)  يكمن في رمزية الجبل نفسه - فالجبل يتكرر كعنوان للمجموعة القصصية والرواية , كما يرد كثيرا في  نسيج التيمة القصصية والروائية , بما يشكل مفتاحا للرؤي التي تحملها هذه الرواية, التي تجد مرجعيتها في المجموعة القصصية - فالجبل ليس مجرد  ,  موطن للعنج    " في هذا الجبل يسكن قوم من " العنج " يملكون سواقي من الذهب والفضة (41)"..

 فهو كرمز اكثر من ذلك .. فهو رمز الاستقرار والحنين الصوفي - عزلة الزهاد - , والقوة والباس , والصلابة التي تجد جذرها في الصبر والصمود . انه الجبل صالح, الذي يحيلنا بازليته الى الاسلاف , الملكة ناصرية اخر ملوك العنج  - والتي تتقاطع مع شخصية سمرتوية في مجموعته القصصية - ويحيلنا الجبل ايضا الى مكونات الطبيعة الاخرى التي ينهض فوقها, مثلما يحيلنا  الى هذا الوجود المنفي, في التاريخ بمؤامرة وتواطؤ الدفن للمدينة الاثرية .. وهو  منفى الذات والبحث عن وجه لهوية, دائما ما تقع في  اللاشعور. ولا تمكث في لحظة الشعور,  الابوصفها مقبورة بالتآمر .. صورة لا تنفك عوامل الطبيعة تزيح عنها الركام فتظهر , لكنها تغمر من جديد فلا يجد لها علماء الاثار اثر .. صالح الجبل تطرح  سؤال حيوي :  اين تنتهي الميثولوجيا ؟ اين يبدا التاريخ ؟  لدينا حالة جديدة تماما هي: حالة تاريخ شعبي  غير مدون وتجلياته في كرامات الاولياء والصالحين, وعلاقاته بالمدينة الاثرية  , انه مجرد تراث لفظي يسود الزعم بانه التاريخ في الوقت نفسه, ولدينا تواطؤ عليه كذلك, حتى لا يخرج الى العلن رسميا..   

صالح الجبل بحث روائي عن الهوية  التي لايسعها- الرواية -  ان تجدها في هذا المكان , فهي في مكان اخر " عندما ناتي الى هذا العالم فاننا لانخلع في واقع الامر عن جذورنا , بل نحمل في انفسنا في واقع الامر: الانفصال عن الجذور , وهذا الوجه الذي سنحاول طيلة حياتنا ان نلصقه بجلدنا حتى لو ادى الامر الى فقدان هويتنا الاولى , سوف يكون بناء نتولاه عبر دروب تفضي الى لا مكان  : "  .. فذهبت الى النيل وكانت مياهه أكواما كالقطن المتراكم او السحب التي حملتها الرياح في عنف تتدافع وتتسابق وكان مندفعا قويا تغير طعم مياهه العذبة حين تكون هادئة صافية(42)".. هذا  الفضاء الطبيعي التاريخي يتشكل فيه الحنين , وتواطؤ الماضي على الماضي , وصراع هذا الماضي مع الحاضر - صراع العمدة رمز السلطة السياسية والاب رمز السلطة الابوية في ان .. هذا الصراع ضد السلطة الزمنية المتغيرة .. هذا التواطؤ ضد التاريخ ( المدينة الاثرية ) في سبيل مكاسب آنية محدودة تفتقر لقيمة  الخلود , هو ما يشكل الفضاء الروائي لصالح الجبل ..

بهذا  المعنى صالح الجبل رواية كبيرة تصور المجتمع, في تنوع ممارساته اليومية, متنازعا بين قيمتي الشر والخير , ومن هنا لا يحضر العالم الروحي والداخلي لشخصياتها, الا بقدر تحققه في وقائع واحداث  وعلاقات الحياة , اي بقدر تحققه روائيا في بنى مشهدية سردية وصفية  -   وهي البنى التي تشكل مقومات الخطاب الروائي .. وبمعنى  اخر لا ينكشف هذا لاالعالم, الا بقدر تفاعله  مع الواقع الموضوعي  - علاقات الحياة -  الذي يترك بصماته الحادة الحاسمة على مصائر الشخصيات . اذ يشكل هذا الواقع مرجع خصوصية الشخصية الروائية وتميزها , ومرجع ايهامنا بانها من لحم ودم. وليس الواقع الموضوعي هنا, سوى اسم اخر لعلاقات الحياة, التي تضطلع بدور حاسم, في تحديد مصائر الافراد, والمجتمع بشكل عام وتوجيهها (43)..

استطاع عجوبة في هذا النص الروائي, توظيف تقنية الحكي الشعبي, بعوالمه الصوفيه والاسطورية, ولم تقتصر ظاهرة التناص عنده, على الاستلهامات الفلكلورية, وحسب وانما تعداها ليتناص مع تراثات غابرة , الى جانب توظيف العناصر الشعبية, ما جعل هذه العناصر الشعبية: امتدادا لعناصر الثقافة الغابرة , ممثلة في ما انطوى عليه انسان( مكان الرواية) من ثقافة تلك المدينة الاثرية - ما يلغي الحاجة لاكتشافها, فهؤلاء القوم الماثلون احفاد سكانها الغابرين,  وينطوون على شيء مما تمثل في اجدادهم  الغابرين, هم ايضا جزء من الاثر , ببسطائهم ومثقفيهم !! ..

صالح الجبل هي قصة السودان: بفقراءه المعذبين في الارض , واساطيره وخرافاته وتاريخه التليد, تلادة الجبل . وتلادة انسانه .السودان الكوني الذي لا تتقاطع  عنده عناصر الطبيعة المختلفة  فحسب. بل بشره ايضا بسحناتهم المختلفة , وسلوكياتهم المختلفة .. سودان المثقفين الخرطوميين المأزومين , باسئلتهم الوجودية, القاصرة عن انتاج اجابات للاسئلة التي يطرحها الواقع الشائك, الذي لا يخلو من خذلانات عميقة للانسان والجبل.. الانسان الاثر الصامد كالجبل  , رغم كل شيء  ..

(3) الكتابة في  رواية " بذرة الخلاص "  لدكتور فرانسيس دينق , بين المقولات  وأسئلة التاريخ ..

توطئة:

منذ أخذت الرواية في السودان , توظف التاريخ في اطار تحليلها للظاهرة الاجتماعية , التي تشكل المحتوى السردي , بأحداثه ودلالاته .. منذها أصبح التاريخ , بعدا أساسيا في الفضاءات التي تحيل الرواية الى ملابساتها . وبهذا المعنى كونت ملابسات التاريخ في " موسم الهجرة الى الشمال " للطيب صالح , شخصية مصطفى سعيد .كشخصية " منبتة " !! ووسمت هذه الملابسات مستر سعيد , بآثار عميقة .

كما لم يكن التاريخ بعيدا عن " الغرباء " الذين حفلت بهم رواية " احمد حمد الملك " : ( عصافير آخر أيام الخريف ) , المحتشدة بحكايا الذاكرة الشعبية . والناهضة في الشفاهي , والاسطوري والفانتازي . وهي تبحث بين كل هذه العلاقات , التي تربط الغرباء , وتحكم علاقاتهم في الجغرافيا , التي يوجدون فيها . كذلك اولئك الرجال " الجراد " في رواية " محمود محمد مدني " ( جابر الطوربيد ) , وما وسم علاقاتهم من عنف وعنف مضاد .( وقد أشرنا الى ذلك في مقدمة هذا الكتاب )..

وقد ارتبطت ملابسات التاريخ في الرواية في السودان , برمزية " الغريب " , الذي يرتبط بالتغيير والتحديث . الغريب الوافد . فهي _ هذه الفكرة _ شهيرة في التراث الابداعي الانساني , ونجد أن مدياتها قد توسعت في السرديات العربية , وكذلك السرد في السودان . لارتباطها باثواءات وجدانية عميقة . فهي  صنو المنقذ " المنتظر "أو المخلص الذي حملت اسمه في رواية فرانسيس دينق ( بذرة الخلاص ),   ذلك المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت  جورا !!..

وهو ما يمثله " فارس " , بطل هذه الرواية " بذرة الخلاص " , بكل ملابسات تأريخ جده " رزق " الذي استرق ولم يعد تأريخه , وتواصله مع أسلافه سوى حنين بعيد ..

وبذرة الخلاص , لم تقل عن طائر الشؤم, رواية فرانسيس دينق الاولى  , في اثارة الاهتمام بالقول الروائي الجنوبي الصاعد , منذ  عقد تسعينيات القرن الماضي , بما مثلته هذه الرواية , من حالة التباس .  بين مستوى الحكاية ومستوى القول , ما أربك المتلقي في تحديد الجنس الذي تنتمي اليه هذه الحكاية. كما عبر الكثيرون . .  ربما يأتي هذا الالتباس ,  من هيمنة الراوي / الكاتب , على شخصياته , في كل دقائق العلائق التي تربط  بينها , والقوانين التي تحكم وتصوغ أفعالها وردود أفعالها . بما انسحبت هذه الهيمنة على التكنيك , وتقنيات السرد والشكل . فكان الزمن تعاقبيا , كزمن الرواية الكلاسيكية , والسرد حرا مباشرا , لقول يلتبس في الحكاية , وحكاية تلتبس في القول -  استنادا الى بعض المفاهيم المنهجية ليمنى العيد  -  لكنه قول مميز . يتماهى في الحكاية , بحيث يشكلان معا حالة الالتباس بين مستوى الحكاية ومستوى القول , وصعوبة التمييز بين الحكاية والقول , تعود هذه المشكلة  في بنية الرواية الحديثة وفي جانب هام من هذه الصعوبة , الى تراجع الحكاية , أو الى كونها حكاية لها طابع التبدد والتكسر . .. وقبل البدء في الحديث عن بذرة الخلاص , وأستراتيجياتها النصية , كانت تلك هي محاولة الاجابة على السؤال المشروع : لماذا لم يقم دكتور دينق , بتوظيف الحقائق التاريخية المجردة , عبر الحيل الروائية التي ترحل بها ( الرواية ) من حقل التاريخ السياسي , الى جنس الرواية؟! ..

تركز اللعبة الروائية في الرواية الحديثة على القول , من حيث انه الصياغة للحكاية , أو اقامة بنيتها الروائية , وبالتالي من حيث هو مجال التقنية , وكيفية السرد أو شكله , ويتراجع الاهتمام بالحكاية , من حيث هي فعل لاشخاص تربط بينهم علاقات وتحركهم حوافز , تتحكم بنمو هذا الفعل , وتقوده الى عقدة فيه , ومن ثم الى حل لها (غالي شكري  )  فالرواية تأخذ اسمها بمقدار ما تهتم بالشكل والتكنيك , كتجربة فريدة تسم النص .. تتوحد فيه وتشكلان معا , هذا الجنس القلق ..جنس الرواية .. ومن هنا ربما نغامر بالاستعانة ببعض المفاهيم المنهجية التى تنتمي لادوات تحليل الرواية كما اشرنا اليها سابقا في يمنى العيد وغالي شكرى .

استراتيجية القراءة:

تنتمي بذرة الخلاص , ككتابة سردية, الى جنس الرواية السياسية , التى تستلهم التاريخ في مادتها ان جاز لنا هذا التصنيف . والتي تحاول مقاربة الواقع كما يتصوره الشخوص , الذين هم في المحصلة النهائية , يمثلون تصورات فرانسيس دينق- كما أكد هو ذاته في التقديم _  , بحرمان تام من اى تصورات تخصهم , وحدهم . كشخصيات ذات سمات وملامح , وبناء نفسي معين !! .. والتحليل الناهض , المتخيل في بذرة الخلاص .

فبذرة الخلاص ربطت بين التاريخ وأثره في تشكيل الشخصيات , على النحو الذي بدوا فيه ..

يشير امبرتو ايكو عندما كتب روايته "اسم الوردة " الى وجود ثلاث طرق لسرد الماضي : " الماضي الرومانسي " أى الحكاية الخيالية , وحكاية المغامرات العنيفة , والرواية التاريخية , التى لا تقتصر على الاسباب الماضية للأحداث , بل تتبع العملية التي مرت بها هذه الاسباب , حتى بدأت ببطء في احداث آثارها .

واذا كانت الرواية هي بحث هذا العالم " المتفسخ " " الممسوس " , خلال المسيرة المأساوية ل"رزق " الذي  أسترقت أمه عندما كانت حاملا به , فاسترقت بدلا عن شقيقها , زعيم القبيلة الاسير . ثم تم عزل رزق عنها . الامر الذي يؤدي الى ان تشكل ذكريات الاسترقاق ,  والعبودية مسيرة حياة رزق , ومن ثم حياة ابنته " ارادة " وحفيده فارس ( شخصية فارس خيالية محضة , وكذا بقية افراد أسرته , ولكن هذه الشخصيات جميعها , انما هي تجسيد للتطورات , التي حدثت في مفهوم الهوية (44) ومع ان هذا السرد , كما يقول دكتور فرانسيس دينق ( بعض الفصول خيالية , وبعضها تركيبة بين الحقيقة والخيال (..) فبالرغم من ثبوت هذه الاحداث ,  المرتبطة ببعض الشخصيات في هذه القصة (..) تعبر عن حقيقة اساسية , ترتكز عليها العوالم المختلفة , التي يعيش فيها السودانيين عامة (45) الا ان هذا السرد يأخذ طبيعته الجدلية , من موقعه بين الطرفين , اذ ان هذه الرواية بقدر ما تستمد من الوحدة الجوهرية للبطل والعالم , وهي الوحدة المفترضة في كل الاشكال الملحمية . تستمد من ناحية أخرى من تمزقها القاهر . ان وحدة البطل ووحدة العالم ,  ليست هي التي لا ترتبط بمعايير الكاتب أو القاريء , وانما تنتظم عالم الرواية , وهي تختلف من رواية لأخرى .. ففارس العربي / الافريقي بطل هذه الرواية , يتحرك  في أحداثيات النص , تبعا لقوانين التفسخ الذي يعتري العالم حوله , وما يتمظهر من تردي الاوضاع السياسية ..

 وأيا كان الامر , فان لوكاتش يعتقد تماما.  ان الرواية بقدر ما هى ابداع خيالي ,  لعالم متفسخ , فان هذا التجاوز, لا يمكن ان يكون اكثر من تجاوز متفسخ ومجرد ومفهومي , لا يمكن ان نلمسه بوصفه حقيقة مجسدة . ومن هنا تكون الاستراتيجية النصية , التي اراد دينق التعبير عنها , عبر هذه الكتابة السردية , هي ما أكد عليه في المقدمة ( السؤال المهم عندي , هو هل تعطي هذه القصة , بابرازها وجهتي النظر في قضية السودان , وتوضيحها الخرافة التي بنى عليها كل فريق فهمه للهوية السودانية . هل تعطي فكرة عملية مغايرة , أو نموذجا مختلفا يتقارب من خلاله الطرفان (46) . هذه الاستراتيجية النصية ليست ضرورية بالتأكيد عليها , كتصور منطقي في المقدمة , بقدر ما هي ضرورية يتكشف النص عنها . والافصاح بها دون الحاجة لتأكيدها , على النحو الذي جاءت فيه , كما أسلفنا . فالرواية تنهض في الخيال , لا الواقع , ولهذا السبب بالذات , تصعب موضعة مقولاتها,  على مستوى الواقع , فذاك شأن التصورات المنطقية للفكر السياسي , والعلوم التطبيقية . ومن هنا توجهنا الاغواءات التى حملتها المقدمة ,. ورغب دكتور دينق ان يوجه بها طرائق تفكيرنا , في تلقي النص عبرها , لنراه من خلالها , لا من خلاله كنص !...

اذن, سنحاول الاكتفاء بما يقوله النص , وهو ما قالته المقدمة التي عملت على مصادرة تأويل المتلقي للنص .

وكما اسلفنا ان اندماج " شخصية الكاتب في الراوي" , أسهم في حالة الالتباس ,  بين مستوى الحكاية ,  ومستوى القول . في بذرة الخلاص . فهي ككل رواية , تصوغ حكاية فتبنيها قولا مميزا . لكن ينهض القول في بذرة الخلاص , متماهيا في الحكاية , بحيث يصبح الفصل بينهما تبديدا للاستراتيجية النصية , التي تأسست عليها الحكاية / القول . وبالتالي تبديدا للحكاية والقول معا !.. وتأتى ذلك من صعوبة التمييز بين الحكاية والقول ( نتيجة ) لتماهي الخيالي في حقائق التاريخ القريب , باسماء أماكنه وشخصياته , ومواقعهم في الاحداث البارزة , التى مر بها السودان  منذ الفترة التركية حتى ابريل 1985, والشخصيات التى لعبت أدوارا مؤثرة في هذه الفترة , كادوار راسخة في الاذهان, كل ذلك مع عدم العناية بلغة الرواية  , بما تشكله من حضور عال للحكاية / القول بذرة الخلاص ..  فبذرة الخلاص تعالج ملابسات التاريخ براوي مهيمن , وسرد  حر مباشر , وزمن تعاقبي . ترتب على كل ذلك أن أخذت بعد الوثيقة  التاريخية ,  السياسية ذات الطابع الفكري , على حساب عمقها الفني والجمالي والتكنيكي ...

اذن اعتمدت هذه القراءة استهلالا بالتوطئة , جدلية التاريخ والدلالة , كآليات تعمل في البنية الحكائية في بذرة الخلاص , في محاولة لاستنطاقها وسبر اغوارها . وكشف كنه آليات عمل هذه البنى خلال العاطفي / الاجتماعي "..

ان المشكلة العاطفية - بتعبير غالي شكري - مشكلة اجتماعية في جوهرها , وليست فردية على الاطلاق . كما انها ليست شذوذا أو استثناء . وانما هي ظاهرة حقيقية في المجتمع .. هي مشكلة اجتماعية بالمعنى الواسع العميق , الذي يحتوي ويستوعب مختلف الطبقات وفئاتها المتنوعة , وهي مشكلة اجتماعية عن طريق اتصالها الوثيق ببقية المشكلات , التي يموج بها المجتمع " وقد أشرنا الى ذلك عند قراءتنا قصص منال حمد النيل . فسواء كان ما تعيشه المرأة من نفي وجودي اجتماعي , او ما يعيشه الجنوبي من هذا النفي , تظل المشكلة (النفي) عند كلاهما مشكلة اجتماعية  ..

فالبنية الروائية التي تنهض أحداث الرواية فيها , تنهض من موقع اجتماعي في العاطفي , كمحظور باكراهات الرق واسقاطات نظام القيم في السودان ,  بصلته بالنظام الدلالي العربي , الذي يفضل اللون الابيض .. وتتمظهر ملابسات هذا الموقع الاجتماعي على المواقع الاخرى التي تمثلها البنى الحكائية الاخرى .. ابتداء بملابسات زواج العبد " رزق " من حبيبته " آمنة " العربية . مرورا بزواج حفيدته " ارادة "   والدة فارس المرفوضة من قبل واقع ثقافي مغاير .. انتهاء بمسيرة حياة فارس , الذي يحاول احداث الانسجام بين هذه المواقع الثقافية المختلفة . والنظم الاجتماعية المتباينة , في تكوينه النفسي والعاطفي والاجتماعي .. ومن هنا تتعاطى هذه المواقع في دلالاتها مع عنوان النص : " بذرة الخلاص " .. كتعبير عن فعل التحرر " الخلاص " والخصب " البزار " . وطرفي العنوان ينهضان في الاجتماعي الانساني . يتحركان في النص ويتسعان في مدياته , كآليات للدمج والتواصل والتماهي , الذي نوياته " رزق " - " ارادة " - " فارس " : المحاصرين بفكرة الفتأة القربان , التي " خلصت " شعبها , حتى يتمكن من عبور النهر العظيم .. هذه الفتأة التي تتماهى في أم رزق , التي قدمت قربانا لاجل"  خلاص  شقيقها " من الاسر لانه أمل شعبه .. انها " ارادة " ذاتها !! .. التي تتمكن منها حكايا الاسلاف , وأفكار المخلص التي يتشكل وفقا لها فارس , وهكذا تنطلق استراتيجية العنوان لتعمل نوياته في متن النص ..

ولعل الافكار الفنية الثلاث : الحلم , الخيال , والمستحيل من أكثر الادوات التعبيرية قدرة على نسيج الاسطورة الرومانسية - على حد قول غالي شكري - فالحلم الرومانسي ليس تفسيرا للأحداث- كما أشرنا سابقا _ , أو تغييرا للمواقف , وانما هو تجسيد مواز لها . أى انه بمثابة المرآة الحاضرة , لكل ما يدور في العالم الرومانسي . ان الحلم هنا من عناصر الواقع الرومانسي , ومن هذا الرومانسي , العاطفي الذي ينهض فيه ابطال الرواية , تتشكل فكرة الزواج : الخصب - الخلاص , الخلاص بما هو ليس خلاصا من العربي بالافريقي النبيل , بل في ذلك الهجين الذي يمزق الوعي الملتبس !! ويفك التباسات التاريخ , ويعيد الذاكرة المنفية الى موقعها في الذات المنتمية( ان واجب كل سوداني ان يسأل نفسه , من نحن كشعب . وان يحدد في ذهنه العوامل البناءة, التي تقرب وتوحد بيننا جميعا (..) كثيرا ما نحاول أن نؤكد على عوامل جزئية في هويتنا , لا تعطي الحقيقة كلها (..) اذن , لماذا نصر على نصف هوية لا يعترف بها العالم الخارجي ؟! وتقف مانعا لبناء وحدتنا في الداخل !!.. (47)..

اذن بذرة الخلاص هي , قصة التوتر الفكري والقلق الميتافيزيقي , واسئلة الهوية ,  ومعاناة الانسان في استرداد الذاكرة والذات . فرزق الذي تستهل به هذه الحكاية , ولد في الأسر .   كانت أمه حبلى به عندما  قرر قومها استبدالها بشقيقها الاسير !!  و بعد أن وضعت حملها " رزق " انتزع منها وصار " منبتا " أعيد انتاجه في " وسط عربي " . وبتر رزق عن والدته , ودلالات البتر عن الجذور الثقافية والاجتماعية والنفسية , بكل ما  لمحتوى البتر من آلآم  ومحتوى تعسفي وقسري وقهري وعنيف . هذا الاحساس بالبتر , هو ما جعل رزق يتفوق ويحاول بناء  شيء يوازي عالمه المفقود او يتقاطع معه !!..

يتزوج رزق  من آمنة , التي تشكلت من موقع اجتماعي مشابه لموقعه : ( لون بشرتي كما ترى , يختلف تماما عن الوان بقية أفراد أسرتي , لدرجة يتعذر معها الحكم اني من جنسهم (48) .. فآمنة تعاني من كراهية أسرتها للونها الأسود - والدها تحديدا , أو هي تعتقد ذلك - , وهو ما يدفعها للهرب , بعد اكتشاف والدها لعلاقتها برزق , واثر مجابهة رزق له . يتزوجان رغم أنف والدها,  الذي يتطلع لزواجها من عربي أبيض اللون!! . . وهكذا يجد رزق نفسه ممزقا بين موقفين اجتماعيين , فالعرب ينظرون اليه كعبد  أفريقي أسود . بينما الأفارقة ينظرون اليه كعربي , فهو  محض " مندكور " تمت اعادة انتاجه وأنبت عن جذوره ( سأل رزق نفسه : لماذا يعتقدون أنني عربي . فأنا دينكاوي أما وأبا , ولا أقل سوادا أو طولا من أى واحد منهم . فهل يعقل أن يكون لون بشرتي , أو تقاطيع وجهي هي السبب !!..(49) .. ويتعرف رزق على تاريخه الشخصي , عندما تشاء المصادفة أن يلتقي  والدته ,  التي تخبره وتحتضر مباشرة . فيحمل معه حكايتها , وأسطورة الجد المؤسس , وروح الأسلاف , منذ عبور النهر العظيم , وتقديم القرابين لروح الفتأة الخالدة , التي تتماهى فيما حدث لوالدة رزق , كمخلصة لشعبها . تحدث هذه الحكاية اثرها في نفسية رزق , لتشكل بعد سنوات طويلة حياة ابنته ارادة . كخلاصة للتجربة الانسانية والبيولوجية , لفارس الذي يجسد سؤال الهوية في السودان ,  وهو يقف بين مفترقي طريق .. ففارس الخليط من الدينكا والنوبيين والفور والعرب , والذي تنسجم فيه كل هذه العناصر بمؤثراتها الجينية والثقافية والاجتماعية وقدراتها الخلاقة . يمثل خلاصة القول الذي تأسست الحكاية بذرة الخلاص عليه , وتماهت فيه ..

(4) الاستهلال ومورفولوجيا الزمن ..  وحركة السرد...

 في رواية: الغنيمة والاياب لمروان حامد الرشيد..

هذه الرواية:

ينطلق عنوان هذه الرواية - استراتيجيا - من استرداد الذات كغنيمة بحد ذاتها , فهو ينهض في العودة ( الاياب ) من الماضي , كي تستمر الحياة رغم المرارات والجراحات والفقد . فهؤلاء الشخوص المعذبين - ابطال الرواية - انطلقوا في رحلة البحث عن ذاتهم . سواء كان بالانتماء لتنظيم سياسي , او لحبيبة , او عائلة او بالبحث عن الجذور السلالية ..

تعج هذه الرواية بالهجين والغرباء: الذين من بلدان اخرى ( مصر , كينيا , انجلترة ,..) لتؤول في النهاية الى التعبير, عن لحظة واحدة فقط .. لحظة كونية .. هي لحظة الانسان المنتمي لذاته , والذي من خلال هذا الانتماء , يحاول صنع حياته بعيدا عن مخلفات الماضي وجرائره ..

( الغنيمة والاياب) عنوان جذاب  , لرواية لا تخلو من الالتباس .. و تنطوي على غواية فاتنة , اذ تاخذنا الى فضاء شاسع شسوع ذكرياتها, وملتاع التياع الحنين الى الحنين .. رواية لا تخلو من الاستيهامى الساحر, بطقوسه الوثنية والصوفية .. كطلسم يعبر عن ميتافيزيقيانا الشخصية , في الحب والبحث عنا نحن  في عالم يتهاوى .. وتتهاوى معه الذات الانسانية , باغترابها وشجنهاالشجي, وبحثها الدؤوب عن الذات ازاء الاخر .. الذات التي  لم يكتمل بناء ادراكها لكنه هذا الاخر ..

عددا ليس بقليل من الروايات السودانية,  تناولت  العلاقات التي تحكم عمل القوى السياسية , وصراعات الاعضاء داخل تنظيماتهم . حيث كشفت هذه الاعمال  - الزندية - الطريق الى المدن المستحيلة او مارتجلو.. ذاكرة الحراز,  مثلا - التهرؤات التي اعترت الابنية السياسية, والفكرية .. والتشظيات التي لحقت بالتنظيم , وصراعات الشخوص المنتمون اليه,  باحلامهم وتطلعاتهم وانكساراتهم الوجدانية والنفسية .. واساهم , واسئلتهم الوجودية حول :  الذات والهوية  ..

الفضاء العام للرواية:

هذا هو الفضاء العام, الذي تجري فيه احداث هذه الرواية, الممتعة لدكتور مروان حامد الرشيد , ففي هذا السياق يركز دكتور مروان على منطقة محددة, من الصراع والتهرؤ السياسي : هي منطقة الحياة الطلابية ..

ولدت هذه الرواية من رحم القمع العنيف للانسان,  الذي لايملك ازاء مواجهة هذا القمع, سوى براءته الوجدانية ومشاعره المعذبة , التي تمثل زاده, في التمرد على النسق الشمولي المغلق ..  فهي رواية تسلط الضؤ على منطقة غامضة, في التاريخ السياسي لليسار السوداني .. هي اللحظة التى سبقت وعاصرت انقلاب مايو 1969, وتعدته لترسم اخاديدا عميقة في مستقبل البلاد, منذ تسعينيات القرن الماضي ..

وموضوع القمع الذي مارسته القوى الاستبدادية , يمثل تيمة مركزية لكثير من الروايات العربية فقد   " تشكلت رمزية" العسكري الاسود"  ليوسف ادريس ووطأة" تلك الرائحة" لصنع الله ابراهيم . كما تشكلت اليجوريات جمال الغيطاني في " الزيني بركات" و "وقائع حارة الزعفراني" . والطاهر وطار في "الحوات والقصر" و"عرس بغل" . ورضوى عاشور في" غرناطة" . وبهاء طاهر في" الحب في المنفى" (..) فالقمع حولنا في كل مكان تتعدد اسبابه وتتنوع تجلياته واشكاله وتتكاثر اساليبه كالعنف الذي يسري في" مدن الملح" (..) ان زمن الرواية يولد حين يغدو التمرد, على الانساق المغلقة بداية انهيار هذه الانساق , وحين يواجه الوعي الابداعي, ما يعوق تقدمه , وحين تولد رغبة التحرر العارمة (50)..

الزمن الواقعي لهذه الرواية هو الفترة, التى سبقت وتلت انقلاب مايو 1969.الى الانقلاب العسكري في 1989 وما تلاه - وهي فترة طويلة جدا, لاحداث الرواية.. حيث مضت فيها, ترقب وتحلل وتشرح: التحولات التي اعترت السلطة والناس ,  والاثار العميقة التي تركها هذين الانقلابين  على اليسار والوطن والانسان ..

وتدور أحداث الرواية في الفترة من خروج الراوي لزيارة صديقه الشاعر في المستشفى  وحتى الفترة التي تلي وفاة هذا الصديق .. وبينما يستعين دكتور مروان بالتسجيلي والحرفية نهض - مع ذلك - الخيال والماورائي كاشفا عن مدى جماليات هذا النص العميق بموقفه من قضايا الانسان .. الانسان فحسب .. الانسان الاكثر ذاتية , والاشد عمومية . فمن خلال انهيار عالم باكمله بعلاقاته الوجدانية والاجتماعية والسياسية والفكرية , الخ .. تنهض هذه الرواية من اطلال وركام هذا الانهيار , لتقول شيئا ما . وتنجح في القول ..

تتحرك شخصيات - الغنيمة والاياب-  في هذا السياق المحتشد بزخم الذكريات اليانعة ,  بكل ما تحمله من فشل واحباطات ومرارات وهزائم وجراح, اورثت القلب اعباء لم يستطع التخلص منها, رغم مضي سنوات طوال . فظل الشخوص حبيسين لهذه الذكريات , التي تعود الى ايام صباهم في  مرحلة حياتهم الطلابية .. كل ذلك من خلالهم - هم الشخوص  الغرباء - بقومياتهم المختلفة, التي تمت اعادة انتاجها في وسط عربي  , او بهوياتهم الهجين " لماذا تتحدثين معي بالانجليزية ؟(..) - لا تنس انها لغة امي .. العربية لغة ابي (..) مثل الشاعر (51)..

العنصر الاساسي المركزي , الذي يحكم العمل الفني في هذه الرواية : علاقة  الطاهر ( الشاعر) بهويته النوبية , وعلاقة خالد ( التركي) بهويته الغامضة  من جهة , وعلاقته بصفية بنت البلد" المؤصلة" . وعلاقة حسين( الراوية), الذي يتنازع بين انتماءه لجده لامه ( قدح اللبن ) الشيخ الولي الصالح وجده لابيه فضل السيد (الفرخ), الذي لم تتحدد هويته او مآله , فيمضي في رحلة,  شبيهة برحلة الكس هيلي . للتعرف على حقيقة تاريخه الشخصي   " الراجح ان فضل السيد ونفرا ما من اهله او قبيلته , كانوا مسترقين في مكان ما في الشمال (52).. وعلاقة كل هؤلاء بجراح هوياتهم وانكساراتهم الروحية ب(عبده) عم (صفية ) - احد القيادات الانتهازية في التنظيم - "  يفضح عدم انتماء عبده للتنظيم (..) التنظيم نفسه اصبح في مفترق طرق , بعد ان اهتزت مصداقيته السياسية, واصيب  نفوذه الادبي والاخلاقي اصابة بالغة(53)..

الاسطورة الاصولية , هي الاسطورة ذات الاصل الواقعي , يأخذها الكاتب من الواقع الانساني المحيط به , تدور دائما حول شيء او حدث جزئي , يتوقع وجوده او حدوثه , الا ان الكاتب يسلط عليه من الاضواء ما يساعد على تفخيمه , وجعله مختلفا عن الواقع مع انه قريب منه(54) , وابرز مثال لذلك (فضل السيد) والد حسين الراوي , والكيفية التي جاءت بالشاعر الى هذه الحياة .. الى جانب استخدام الكاتب للاسطورة الكونية , بمعنى استفادته من الغيبيات , التي سمع عنها وسمع بدورها الذي تؤديه في الحياة(55) .. كما في تصعيده لشخصية (قدح اللبن ) و( مومبي) الكينية ..

ويمثل سؤال الهوية لدى شخوص الرواية سؤالا مركزيا تقابله (الذات) التي يبحثون عنها "أغربة العرب (..) سحيم , خفاف , نسيب بن رباح , سليك ابن السلكة وعنترة بن شداد (..) شعرهم تناول موضوعين متصلين اتصالا وثيقا ببعضهما البعض , وهما العبودية والسواد (..) كانوا ينحدرون من اباء عرب احرار وسادة في قومهم , وأمهات من اصل افريقي في الغالب الاعم كن حبشيات (56) " جازاك الله يا تركي . لقد حسمت الى الابد قضية الانتماء ومسألة الهوية . كرهنا العيش في هذا البلد من كثرة الحديث واعادة الحديث (..) عرب ام افارقة , افارقة ام عرب ؟ عرب  بالافريقية وافريقيون بالعربية ؟" مولاي انت غراب عرب !انت حفيد اغربة العرب..(...) ان صفات الخليط ( الهجين ) من النادر ان تثير الاعجاب لكن التزاوج بين العرب والاهالي (الزنوج) انجب سلالة منحطة , سلالة اشد مكرا من الزنوج لانها اكثر ذكاء . فكر : من هم " العرب" هنا ؟ هل هم عرب الجزيرة . المهاجرون الاوائل ؟ ام عرب البلاد ايام حرب النهر بعد ان اختلطت دماؤهم بدماء السلالات الزنجية ؟(..) ومن انحط بمن ؟ (57) ..

ويلعب الوعي الاسطوري كذلك - كما اشرنا -  دورا مركزيا من خلال عالم الطاهر (الشاعر) منذ ما يسبق ميلاده" في فلكلور آل داؤود ان الطفل ظل مبتسما اسبوعا كاملا , كان معجبا اكثر من غيره بالكيفية التي هبط بها الى العالم(..) في اليوم السادس لميلاد الطفل نام خاله عبد القادر حاج طاهر على الخيرة , فجاءه ابوه حاج طاهر العالم في المنام (..) همس في اذنه : ولادة حفيدي طاهر معجزة (..) وقبل عثمان داؤود اسم طاهر على مضض وهو الذي ظل ينتظر الولد بنتا اثر بنت حتى كاد ييأس (..) فالطاهر النوبي الذي يعاني مشكلات اللغة مثل كل الناس الذين لديهم لغة( أم) , يحاول التغلب على مشكلاته مع اللغة العربية "  مرة دفعه الغضب الى الذهاب الى المدرسة , لمقابلة ذلك الناظر . وحسبما رواه الطاهر الذي حضر المقابلة , فان والده لم يتورع عن اثارة نفس شكوكه حول اهمية اللغة العربية ونفعها الحقيقي , وقال للناظر ان الانجليز لا يتكلمون العربية ومع ذلك هزموا الالمان ويحكمون العالم وهم سادة العالم  (58) " والاسئلة الحارقة المتعلقة بالذات تطال كل شخصيات الرواية , خاصة التركي " سئلت واستفسر عني : من انا ؟ هل لي اخوة اكبر مني ؟ اصغر مني ؟ هل انا من اهل العاصمة اصلا , او ان اهلي نزحوا اليها من مكان اخر ؟ ومن اين جاءوا ؟ وماهو التركي : لقب ام اسم ؟ ولماذا التركي وانا لا اشبه الاتراك من قريب او بعيد ؟ وهل صحيح ان والدي قتل في احداث التمرد الشهير ؟ ثم السؤال الذي وجهه ثلاثة او اربعة من اكثر الزملاء فضولا : هل امي جنوبية ؟ ومن اى قبيلة (59) ومن قلب اسئلة الذات تنهض اسئلة التغيير لهذا الواقع الرث بقوة السلاح, لتكون النتيجة ان محاولات مقابلة العنف بالعنف , تجابه بمزيد من العنف المضاد  "  عبد الحميد ! اتذكره بدقة (..) بعد سنوات , يوم ملأوا جسده بالرصاص في اعقاب الانقلاب العسكري المعروف ب " المؤامرة العنصرية المسلحة " والذي اتهم عبد الحميد بالمشاركة في التخطيط له وتنفيذه وانه كان لبعض يوم احد سفاحيه (60) وفي تمزق الوعي البريء , تنشأ مفاهيم التحرر الطامحة لانسانية الانسان عبر المثالي والحالم الذي يليق بالشعراء" اعرف , ما عندك بطل واحد . ابطالك من المنظرين مثلك , الطوباويين الحالمين , سبارتاكوس والحلاج وتروتسكي . ابطالك شهداء التاريخ من الحسين بن علي الى تشي غيفارا (61) " انقطعت عن جلسات الاستاذ عبده عندما انقطع الشاعر العدواني (..) هل سمعت ما قاله لصفية ؟ لا احد يستطيع ان يشتريني بالعواطف والكونياك " هل هذا كلام شاعر ؟ كل الذي قالته له ان عمها يريده في نقاش هاديء في بيته (62) .. فالشاعر الذي امتلك مبكرا قدرة الكشف عن تهرؤات السياسي يرفض التعامل مع عبده الانتهازي . وفي غضون ذلك تنشب الازمة في علاقة تركي بصفية , حيث تسفر انتهازية ووضاعة عبده عن وجهها بوضوح باجهاضه لهذه العلاقة واشياء اخرى  " قال لي الشاعر ان اطرف تعليق اعجب  سارة , صدر من جدتها الاسكتلندية (..) لا استطيع ان افهم اهل بلدكم هذا ابدا . تزوجت امك رجلا من بلد اخر وقارة اخرى , رجلا لونه مختلف عن لونها ودينه عن دينها ولم يتعد رد الفعل الرافض لزواجها من بعض الاهل والجيران سوى مصمصة الشفاه وتريد فتأة هنا ان تتزوج من فتى من نفس المدينة فتكاد تنشب ازمة دستورية ؟!(63).. وتنهار علاقة  تركي  بصفية , رغم الطقس الافريقي الناهض في الدم . الذي اجرته لهما مومبي الكينية , حتى يلتقيان مهما باعد بينهما الزمن والمسافات " صورة مومبي بعينيها الباكيتين عشية سفري الى بريطانيا , وهي تحاول ان تنتزع مني وعدا صادقا , ان احمل معي قميصي المصبوغ بدم صفية (..) اى نوع من الافريقيين انتم كيف لا يعني الدم لكم شيئا  ام انكم نسيتم كل معنى بفضل قطرات الدم العربي التائهة في عروقكم ؟ (64).. ومن بين كل هذا الركام في انهيار الانساني  يتبدى حسين عن اصرار كبير في معرفة جذوره السلالية   بكل ما يحيطها من غموض " لا اقدر اجزم . انا ما كسرت اسنان اللبن وهو صبي اول ما رأيته (..) قبل داك بسنة او سنتين او اكثر (..) قال بعضهم جاء من جهة ام درمان (..)  هل ولد فضل السيد بالشمال ؟ (..) بعد ما اختفى فضل الفنجري كترت الاقتاويل والحكاوي (..) راودتني فكرة ان يكون اسم فضل السيد من اختيار قدح اللبن (65)..

حركة السردومورفولوجيا الزمن والاستهلال:

تحدد حركة السرد كل العلاقات التي اشرنا اليها , بوقائع حياة ابطالها, وما وقع لهم من احداث .. حيث تتداخل المذكرات التي كتبها حسين الراوية, عن فترة حياتهم الطلابية . مع الوقائع والاحداث التي تجري, اثناء قراءة خالد التركي لهذه المذكرات , في زياراته المتكررة  للطاهر الشاعر, الذي يلازم المستشفى على فراش الاحتضار .

 ومن لحظات الموت.. يبدآن معا في محاولة استرداد, او استعادة الماضي, كمحاولة لطرد شبح الموت - عنهم جميعا - الذي يحاصر فراش الطاهر, احد الشخصيات المركزية في هذا النص المتميز .." اخبرني الطاهر انك تقرأ له من وقت لاخر, مذكرات كتبها احد اصدقاءكما ايام الجامعة (66)" كنت اريد ان اعرف ما صححه الشاعر من معلومات (..) قبل شهور كما ذكر  لك الشاعر اعطاني الراوية مذكراته (..) اقرأ فيها هذه الايام تسجيلا, لاحداث تلك السنوات (67)..

ووسط هذا التاريخ - المذكرات - تتضائل الصراعات السياسية, الى محض تشظي للذات الانسانية, ممثلة في شخصية حسين. وانسلاخ الوعي الذي يعانيه, بانتقاله من الريف الى المدينة . وخالد بهزيمته في حبه لصفية, والشاعر بقلقه وتوتره الفكري, وجرح الهوية الناهض بين كل هذا الركام, من الاسى واللوعات ..

الرواية في رحلة  البحث عن هوية لها داخل مجتمع ينقسم على نفسه , فيتمزق حاضره بين تقاليد ماضيه وآفاق مستقبله , بالقدر الذي تتمزق به هوية هذا المجتمع . بين تراثه الذي يشده الى حلم مثالي , عن عهد ذهبي  للماضي , وحضارة الاخر الاجنبي, الذي يشده الى حلم مثالي مناقض في وعد المستقبل . هذا البحث عن الهوية  هو الذي جعل الرواية تنطلق من مفارقة التغير التى تفصل الماضي عن الحاضر (68)..

تبدا الرواية بضمير المتكلم الفرد , وبواسطة الفعل المضارع تجري احداثها ووقائعها المثيرة .. حيث يتكرر فعل الرؤية والسمع المضارعين, بكثرة في الاستهلال , للتأكيد على أهمية هذه الرؤية  " ارى طفلا (..) اراه بوضوح (..) (..) اراه يتنبه (..) اراه يمشي (..) وأنا أرقبه (..) لكني أرقبه. اراه يمشي  (..) أراه يضع يديه (..) أراه  يلتفت مزعورا (..) ثم اسمع صوتا آخر. اصغي  (..)أرى لهبا أزرق (..) أصغي فأسمع (..)  أ صغي لكن الصوت لا يكمل (69)..

تعود مشكلة الزمن في القصة, الى الفرق بين زمن الحكاية,  وزمن القول . فبينما يسير زمن القول في خط طولي,  في معظم الاحيان . نجد ان زمن الحكاية متعدد الابعاد . اذ يمكن في الحكاية, ان تجري حوادث مختلفة, في الوقت نفسه , لكن القول القصصي, ينبغي ان يضعها واحدة اثر الاخرى, بالضرورة , وبهذه الطريقة يعرض شكلا معقدا في خط مستقيم (70).. وهكذا يلاحظ منذ الاستهلال , استخدام الروائي لفعل القص المضارع . بمعنى استمرارية الاحداث , الماضية التي يحكي عنها ..

مع تطور الرواية الحديثة ازدادت اهمية الحاضر بالنسبة للروائي , وأدى البحث عن تجسيده, الى تطور واضح في طريقة معالجة الزمن في الرواية , والى محاولات ابتكار اساليب, وتقنيات جديدة للتعبير عنه, وتثبيت هذا الحاضر ومده (71),  والحاضر المستمر يجعل الاستعانة بالماضي والذاكرة امرا مستحيلا:

الحاضر        الماضي        المستقبل  

خط الزمن

حاضر           ماضي         مستقبل       حاضر               ماضي        مستقبل        حاضر

من خلال المخطط اعلاه نحاول توضيح مورفولوجي الزمن, في رواية دكتور مروان حامد الرشيد (الغنيمة والاياب ), التي تبدأ بلحظة استرجاعية حلمية . فالراوي ضمير المتكلم الفرد, كشخصية رؤية خارجية. لا يعرف الاحداث. مثل اى شخصية من شخصياته , بل اقل منها معرفة . فيكتفي بوصف ما يمكن رؤيته او سماعه, دون ان يدخل الى وعي, او يتعمق في ضمير . مستفيدا من بعض الحيل التقنية  السينمائية, في المشاهد الذكية الغنية, عن التعليق والتأويل , وعمل مونتاج محايد لها (72). لكن نلاحظ انه رغم ان تقنية( الروي هذه ) - رؤية الشخصية -  الا ان الرواية تقوم  بصورة اساسية, على هيكل ذهني , يستحيل فيه الزمن الى تيار وعي, بحيث يصعب تتبع العناصر المكونة له, بمعزل عن بعضها . فالراوي ضمير المتكلم الفرد ينطلق من لحظة الاسترجاع الحلمية , وسط عالم ضبابي, وكل حواسه مشرعة في هذا العالم الذي يحاول تحسسه " طفل يمشي مترنحا داخل البناء الطينى (..) ويتحسس بأذنيه الاصوات المنبعثة من وراء الظلام (..) ثم اسمع صوتا أخر (73)ويتحسس بقدميه الطريق خلف هذا الطفل " امشي خلفه في اتجاه الصوت المتوسل الباكي (74)..

وفي حواس السمع واللمس والبصر, ينهض استهلال الرواية , ليكشف عن ابعاد هذا العالم الحلمي  موحيا - الراوي - بالتعبير عن عالم الايديولوجيا المثالي (الحلمي ) في لحظة من تاريخ السودان .. هي اللحظة التي حاول فيها اليسار الاستيلاء على السلطة, عبر الانقلاب العسكري .

وتقترح هذه الرواية هنا حوارا مع عالم الصديق بركة ساكن في ( الطواحين) - لتقاطع الفضاءين الزمنيين, والحركة المشابهة للشخوص - يستفيق الراوي من هذا العالم الحلمي الى الحاضر الحقيقي " تجحظ عيناي فأجدني سابحا في عرقي محدقا بلا بصر في ظلام الغرفة (75) ومن ثم ينهض الراوي المتكلم الفرد ليلحق بمواعيد زيارته, لصديقه الشاعر في المستشفى , مستخدما تقنية الاستشراف " لا احتمل التاخير عن الثامنة وهو يعتبر وصولي عندها شيئا مفروغا منه (76) ..

للاستهلال وظيفة كبيرة بهذه الرواية, فهو  لا يفسر سير القص فحسب . بل يعمل على ادخالنا في عالم مجهول , عالم الرواية التخييلي بكل ابعاده باعطائه الخلفية العامة, لهذا العالم. والخلفية الخاصة لكل شخصية, ليستطيع ربط الخيوط والاحداث, التي ستنسج فيما بعد ..

يعتمد الاستهلال هنا على مستويين زمنيين  اساسيين : الحاضر والماضي .. وتعدد الاصوات  في هذا الماضي . وهكذا منذ هذه اللحظة الحاضرة, يبدأ الراوي بالغوص بعيدا, عبر الية الاسترجاع في الحكي عن هذه الاصوات, مبتدا بهذا الصديق - الطاهر , الشاعر - الذي سيزوره . فنبدأ في التعرف على شخصيات الرواية " لكنني الوحيد الذي يزوره بانتظام كل مساء . حتى علوية تجبرها الظروف القاهرة للتخلف عن الزيارة من وقت لاخر . حتى الراوية الذي كان يكتب اليه , عن طريقي انقطع عن الكتابة . لعله أحس بأن الشاعر لا يقرأ كتاباته , وان أحس بالفعل , فان احساسه صادق تماما (الشاعر والراوية وصفية وأنا ) (77)  فيتركز استهلال هذه الرواية, في الخروج من الحلم الحاضر, الى عرض الماضي ثم العودة الى الحاضر, وهكذا دواليك .. مستعرضا خلال الحوار في الحاضر, والاسترجاع في الماضي: المقولات الاساسية, التي تنطلق منها الرواية , فنلمح الغياب الفاجع للمثقف من خلال غياب رجل الشارع وتغييبه , حتى لكأنه لم يعد موجودا " من هو رجل الشارع ؟ شخص حقيقي ؟ مخلوق اسطوري ؟ اين هو الآن ؟ (78) بسبب حالة الوطن كنموذج مأزوم " تركنا الكلام في حضارة الكلام (79) لتبدأ بعد ذلك  شخصية الشاعر, في التصعيد فنلمح في مرضه, تجربة العديد من الشعراء - والمناضلين السودانيين - الذين انتهوا بالمرض والفقروآثار التعذيب !!" سمعته يخوض في لجج الذاكرة . رأيته يسبح في بحور الباطن , فكان يغضب ويرضى ويبكي ويضحك ويصالح ويخاصم احيانا . اسمعه يتحدث عن اشياء لم تحدث ابدا , مثلما حدث قبل ايام حين زعم ان احد قتل حسينا . وان الحكم قد صدر لمصلحة صفية , لكن حسينا حي يرزق والمحكمة لم تنعقد اصلا (80).. وهكذا يسقط الراوي على شخصية الشاعر, مأساوية حياة بدر شاكر السياب , معتمدا على تقنية الايحاء " الليل يطبق مرة اخرى فتشربه المدينة . صوت الشاعر العراقي يأتيني عبر عقود من الزمن . والمقبرة هنا مثل مقبرته . صارت جزء من المدينة (81)"عمياء هي المدينة والليل زاد لها عماها . عند زاوية المربع الذي يقع فيه المنزل , اتذكر رائحة الحيوان الميت (82)..

 ونلاحظ ان الرواية هنا أخذت من تيار الوعي تقنيته في توظيف الزمن . فالاستهلال جزء لا يتجزأ من  متن النص . وهو هنا ليس استهلالا بالمعنى الذي نجده في الرواية الواقعية . فماضي الراوي هنا لا يتجزأ  عن حاضره , ولا ينفصل عنه . فهو منسوج في ذاكرته , ومخزون فيها . تستدعيه اللحظة الحاضرة أولا بأول , على غير نظام او ترتيب . ولذلك لا تكتمل احداث( الغنيمة والاياب) في تسلسلها الزماني , سوى في نهايتها - الرواية - , حيث يعاد ترتيبها في مخيلتنا , فلا تظهر الاحداث الماضية مركزة في كتلة نصية متكاملة , لها خصائصها الفنية . ولكن نراها انتشرت ونثرت على النص كله, واصبحت مهمة تجميعها في صورة متكاملة , هي مهمتنا كقراء (83) وهو ما يفسر لنا اختلاط الاحداث, التي تدور في ذاكرة الراوي , بالاحداث التي يكتبها في الرواية - مذكرات الراوية -..

تستهلك الافتتاحية فصلا كاملا (ضمير المتكلم الفرد ), حيث الراوي المتكلم بضمير الانا ( احد شخصيات الرواية = خالد التركي )  يلي ذلك فصل :( من أوراق الرواية= مذكرات حسين الراوية  ) ثم عودة مرة اخرى الى ذاكرة المتكلم . ليبدأ الفصل الرابع في عرض تفاصيل كل شخصية- اشتملت عليها ذاكرة المتكلم (الراوي) ومذكرات صديقه حسين - الى ان تنتهي فصول الرواية . ومنذ الفصل الرابع, نبدأ في التعرف على مسيرة حياة الطاهر الشاعر( الشخصية المركزية) في النص ..  وكذلك الشخصيات المركزية الاخرى , فهو نص يتميز بتعدد الاصوات السردية(البلوفونية) .. ليعيدنا بين ان واخر - الراوي - الى ذاكرته . ليحدد لنا شخصيته ليس كسارد للاحداث فحسب  , وانما كأحد ابطالها الاساسيين حيث يحاول الراوي _ خالد التركي_ استعادة الماضي , فيكتشف ان ذلك غير ممكن " لا أحد يستعيد الماضي . هذا واضح بالنسبة لي الان . اعرف أكثر من أى وقت مضى, ان هذه  هي الحقيقة . الماضي ليس نقطة بعينها او لحظات محددة (84) وينعتق الراوي من ماضيه, المثقل بالمرارات وحبه الاسطوري ( لصفية ) بعلاقته بسارة التي يرى فيها وجه حبيبته ( صفية) , كأنه ات من بعيد "تفلت منها ضحكة تطرق الاذن المتنبهة , لكأنها استجابة من زمان ومكان غابرين . كأنها نداء اقدم بقرون طويلة , من صاحبته الحالية لكن صاحبة الضحكة تستجمع شتات ذاتها في اعقاب النداء البدائي ثم تقرب يديها من وجهها حتى تحجبه عني خلا الجبهة والعينين (85) " ان صديقتكما خلطت قليلا من دمك بقليل من دمها ثم أجرت طقوسا تعويذية على الخليط ثم نقطته في قميص لك وثوب لها واخذتما العهد وكلما شرع احدكما في .. قصدي اذا اتيح لاحدكما ان يفكر في  خيانة العهد , تذكره رائحة  دم الاخر (86)" قالوا انك حطمت قلبها . تنكرت للعهد وتزوجت خواجية . قالوا ان احدى بنات اهلك - بنت احد اعمامك - ارسلت لها صورة الخواجية بالبريد , واخبرتها في الرسالة انها زوجتك , وطلبت منها ان تتركك وشأنك . سمعت من بعض زميلاتي انك فعلت ذلك - قصدي الزواج من امراة انجليزية - لتبطل العهد , عهد الدم وانك بالفعل طلقت الانجليزية بعد مدة قصيرة . بعد ما ادت الغرض . لا ادري كيف ..؟ (87). وتقيم هذه الرواية هنا حوارا مع رواية سحر خليفة " عباد الشمس" ,  من حيث موقع الراوي .. اذ تتميز هي الاخرى بتعدد الاصوات ولا ينفرد فيها شخص واحد بالبطولة  . وهو ما تطلق عليه يمنى العيد " ديموقراطية التعبير الفني "..

ورواية الغنيمة والاياب  , بمثابة قصة  عن الحب أكثر من كونها قصة حب - , تذكرنا باسطوريته- الحب -  في الزمن الذي مضى. انها بقايا من الحزن والوجع القديم , علقت بقلب خالد التركي فاحالت حياته الضجرة الى نظرة رانية للغد تشتاق مواصلة الحياة رغم كل شيء .. رواية عن الحب احالت عالم هؤلاء الاصدقاء القدامى الى عالم مستمر كأنه البارحة , وكأن تلك السنوات لم تمض ابدا ..

(5) قراءة في السرد والشعرية عند طارق  الطيب  .. وبعيدا عن الذاكرة المشتركة...

السيرة الذاتية - الشعرية والسرد:

ربما يسمع الكثيرون في السودان عن اسم( طارق الطيب) الذي تردد كثيرا في الملفات الثقافية في الصحافة السودانية, كاحد الاسماء الابداعية المشرقة في وسط اوروبا- لكن للاسف لا يتردد الاسم الا اثر حصوله على جائزة في التشكيل او الرواية , كخبر منقول عن وسائط الاعلام العالمية فقط , دون التعرض لتفاصيل عن هذه الشخصية التي ورد  عنها الخبر ؟! -  , ولذلك نحن مضطرون هنا  للاسهاب قليلا,  في تعريف القاريء السوداني , بهذا الاسم اللامع , والذي يعتبر مصدر فخر ثقافي للسودان..

طارق الطيّب من أب سوداني من مدينة( كوستي -  على النيل الابيض ) وأم من أصول( سودانية) مصرية. الطيب من مواليد القاهرة 1959 (حي باب الشعرية العتيق). عاش طفولته في حيّ عين شمس (مدينة الشمس عند الفراعنة) محل سكن والدته حتى اليوم؛ متنقلاً في الصيف, بين حيّ البيومي في منطقة الحسينية حيث عاشت جدته لأمه، ومنطقة "أبي صقل" (أبو سَجَل) في شمال سيناء, حيث عمل والده في سلاح الحدود, التابع للجيش المصري حتى المعاش والوفاة. ضاع بيت العريش هذا في حرب يونيو1967 ..

تعلم في كتّاب الشيخ علي, بعين شمس. قبل أن يلتحق بمدرسة( الأمام محمد عبده الابتدائية) وبعدها( النهضة الإعدادية) بعين شمس أيضاً، ثم مدرسة ابن خلدون الثانوية بالحلمية. تخرج في عام 1981 في كلية التجارة - جامعة عين شمس- مصر.. ويقول طارق الطيب عن رحلة الخروج من الوطن  الام ( السودان ) :  " كانت بداية هذا الخروج من الوطن قبل نصف قرن؟ حين خرج هذا الشاب الصغير الطيب (أبي) في أوائل الخمسينات من قلب السودان إلى مصر، ليرى تلك الفتاة الفاتنة, التي سيغادر بسببها كل دنياه السودانية, ليخرج باختياره هو مصحوباً بلعنات الأب (جدّي), لهذا النأي الغادر من الولد الوحيد, الراغب في الزواج من امرأة من نساء الشمال، ليخرج هذا الطيب الشاب, محروماً من المباركة. والميراث الضخم لولدٍ وحيدِ جدّه الميسور, الذي تزوّج ثلاث عشرة مرّة, في عمره الطويل. ثم يتزوّج الطيب الصغير, في القاهرة، في منتصف الخمسينات، زيجة واحدة: هنيئة, موفقة. لينجب من زينب ثلاث بنات وثلاثة أولاد... 

لم يكن يعلم هذا الجدّ– الرحّالة الرافض– أن أحفاده ومن سيأتين ويأتون, فيما بعد سيسحبن ويسحبون جذوره, إلى قارات ثلاث أخرى غير أفريقيا. ولم يكن ثمة منفى, في رحيل هذا الشاب الصغير. رغم قسوة قبول فكرته. وحينما طرقت أنا الطارق الجديد, ذات الباب بعد طرْقةِ أبي بثلاثين عامٍ ونيّف (أي قبل عشرين عامٍ تقريبا من اليوم – نحن الآن في عام 2003) لم يُبدِ الرجل أيٍّ تبرُّم، بل على العكس كان مشجّعاً, وأباً لي في الخروج والنأي, إلى رحاب     العالم الواسع. وكنت محظوظاً بخروجٍ لا لعنة عليه، وإن كنت فقط أشابه أبي, في الخروج دون أيّ سندٍ من مال.. 

مهّدتُ الآن لأن أقول: أنني سأكون بالفعل منتحلا صفة المنفيّ, إن وصفت حالي بها؛ فقد خرجت باختياري, وكان يمكنني أن أبقى إن شئت. رأيته قراراً صائباً منـّي وما زلت. أعود أدراجي إن شئت. أو أبقى في منزلي الشمالي الذي أحببت. لا بطولة هنا ولا أسى. لم أترك إلا بعض الحنين, لذكريات في خزائن الزمن. لا علاقة لها بتغيير المكان، وحنيناً لأمكنة, غارت أيضاً مع الزمن. وكثير من رأس مال براءة الطفولة..  

صحيح أنني حملت جسدي, ورحلت عن مكان. وما زلت طوال عمري, مسحوباً إليه بحبل سُرّة طويل, مربوط بالمنشأ الأول، وهي حال في رأيي ليست "سيزيفية" جبارة. وليست يأساً. وإنما تنطوي, على اكتشاف وجرأة. ليست ثمة عنتريات ساذجة, في دواعي الرحيل، ربما جرأة بالخروج عن المألوف المُمل الذي قد يصير إلى حال أكثر كآبة, أو يسير في طريق إبداع وخلق، وكل إبداع جرأة وكل خلق خروج عن المألوف...

صرتُ في منأى لا منفى. صرت بعيداً بالجسد. نأيت إلى مكان أردت أن أواصل فيه, ما لم يمكنني هناك مواصلته. كان طموحي متأججا، خفت أن تتشيّط جذوته أو تتشتت أو تذوى؛ فهِمتُ بهذه الجذوة إلى فيينـّا رأساً. لماذا فيينـّا؟ سؤال يتكرر دوماً– يبدو للآخرين كأنني لو سافرت إلى لندن, أو باريس لكان الأمر أكثر فهما.ً أو قبولا لديهم. حتى لا أنزلق لتفسيرات على هذا السؤال الفرعي. الآن. وأخرج من قضبان الموضوع، أعود إلى وصولي إلي فيينـّا ذات شتاء أوروبي صارم, صادم. بحقيبة ثقيلة معبأة بخمسة وعشرين عاماً. ليحدث "شرخ مكان في مغرب الزمن (88).. وفي معرض رد طارق الطيب على ندى منزلجي ( صحيفة الزمان اللندنية ) حول الكتابة يقول: 

" الكتابة إبداع، والإبداع مغامرة الوصول إلى الذروة، الغوص في أعماق لذات الحياة, الدنيا. وسنا خيال الآخرة .. الكتابة بحث عن صلة  مع الواقع  المخلوقات "بالكتابة". الكتابة هوى الإدراك  الكتابة متعة. دفق ينسال هنيا، يتكون حرفا فحرفا.. فكلمة, فجملة.. فمعنى فوصولا. أن تمت الحلقة، عادة  الكتابة متعة ودفقا ينسال من جديد هنيا. لا أستبعد أن يكون هناك, من يستعذب العذاب. ومن هو مجبر على العذاب. لكني أري دروب الإبداع أوسعالكتابة ليست حاجة فهي ليست عوزا، ربما يكون الكاتب معوزا, وهذا وأرد في أغلب الأحيان، أن كانت الكتابة – الحاجة هي مهنة أكل عيش، وسيط ووسيلة، ودربها يختلف, لكننا في عصر أصبح فيه الأمر مخلوطا مغلوطا. ولابد هنا من التفريق بين الكتابة الإبداعية والصحافية، لا لإعلاء واحدة على أخرى، بل لأن الأولى – في رأيي المستمر – هواية، بينما الأخيرة حرفة، فالصحفي يحصل على مقابل لموضوعه ماديا، بينما الأديب، مثلا، يحصل على فرحته وفرحة أهله التي يعتقدها الناشر أو صاحب الجريدة، والذي قد يتبجح أحياناً بأنه يقدمه للجمهور ويقبل بعرض منتجات له مجاناً(89)".. بعد  ان تعرفنا على طارق الطيب ومفهومه للكتابة . نستهل هذه القراءة.. بملاحظات عامة حول السرد والشعرية في اعمال طارق الطيب...

حول العالم الشعري والسردي لطارق الطيب:

هذه القراءة ليست لعالم طارق الطيب السردي والشعري, بقدر ما هي قراءة حول هذه الاعمال  ,  وهي عبارة عن  النص  الكامل للورقة التي قمت بتقديمها في منتدى ورشة الزيتون , احتفاء بحضوره الى القاهرة في العام 2003.. واجد نفسي هنا اخوض غمار مغامرة حقة ,  بسبب اضطراري لمزيد من الاضافات, على النص الكامل للورقة , ما جعل هذه الاضافات تكاد تضاهي, النص الاصلي  الذي قدمته سلفا لضرورات هذا الكتاب ..

وطارق الطيب من مبدعي السودان العالميين الذين , لم تتاح لهم الفرصة لسبب او لاخر, بالبقاء طويلا في السودان-  في بواكير سنوات  عمرهم- , للتزود بمعين الذاكرة السودانية الملهمة, الغنية بثقافات السودان وعقائده ومناخاته المتباينة - بكل محمولات الحياة الطقسية لاثنياته - , من خلال التجربة الحياتية والواقع الحي المعاش  . ومع ذلك ظلت اسهاماته الابداعية, تحاول ان تجوس بعيدا الى الخلف تمند جسور الحنين  , لاستكناه تلك الذاكرة التي تبدو ضبابية , وموغلة البعد.. يدفعها الحنين والحنين وحده كما نلاحظ على مجموعتيه " الجمل لا يقف خلف إشارة حمراء"(90), و" اذكروا محاسن"(91) وروايته " مدن بلا نخيل (92) ..  كتب الروائي الطيب صالح, في مقدمة  المجموعة القصصية القصيرة لطارق ( الجمل لا يقف خلف اشارة حمراء ): 

" كون طارق الطيب مغتربا فهذه  ميزة للكاتب المرهف الحساسية أما أن يكون مغترباً ليس في لندن أو باريس بل في فيينا فهذه في ظني ميزة عظيمة. ذلك أن الأدب العربي, قد عرف كُتاباً تأثروا, بالثقافة الفرنسية. والثقافة الانجلوسكسونية، لكنه لم يعرف إلا نادراً – حسب علمي – كُتاباً تأثروا بالثقافة الألمانية. وهي ثقافة لا تقل ثراء و أهمية..

ومن حسن  حظ هذا الكاتب, أنه يستطيع أن يقرأ في أصولها الألمانية, الأعمال الروائية العظيمة لكتاب مثل: توماس مان وهيرمان هسه وقُنتر قراس . ناهيك بالشعراء الكلاسيكيين العمالقة, امثال قوته وشلر. ناهيك بالتراث الألماني الضخم في الفكر والفلسفة...

هذه المؤثرات المتعددة المتباينة، من شانها توسيع إدراك الكاتب, وتذكي جذوة الإبداع لديه. وعلينا أن نتابع أطوار هذا الكاتب الشاب, لنرى كيف ينعكس كل هذا في نتاجه"..

 ويقول طارق الطيب في حواراجراه معه الصديق الشاعر عفيف اسماعيل (93) عن كونه سوداني مصري نمساوي" لا أحب كلمة الهوية في هذا المجال. لكني ببساطة ابن لرجل سوداني, وأم سودانية مصرية. عاشا عمرهما كله في القاهرة, حيث جئت للحياة؛ فعشت ربع قرن سعيدا في هذا المكان, ومازلت أتردد عليه باستمرار. حصلت على جواز سفر نمساوي يمثل: "هوية سفر وحرية حركة" وعضوية دائمة في عالم وسط أوروبا. ولا حاجة لي لإثبات الانتماء للأصول؛ ولم تصبح عيوني زرقاء بعد, ولم يشقر شعري..

مشكلة هذه التركيبة ليست عندي, بل عند الآخرين. في النمسا يقول السودانيون: "طارق الطيب سوداني!" فأرد هذا صحيح. ويقول المصريون: "لا، طارق الطيب مصري!" وأقول نعم هذا صحيح. ويخرج عليهم النمساويون بأن طارق الطيب نمساوي فييناوي, وأقول هذا أيضا صحيح. لدي ثلاثة: لن أقول هويات بل رحاب أعيش فيها, فما هي المشكلة. لا أقول هويات. لأن الهويات ضيقة, تنزع إلى الانفصال والعزلة محدودة الأفق..

 وهكذا تتضافر مصادر الثقافة والمعرفة الاوروبية , والمصرية  بحكم ميلاد ونشأة الكاتب -  وترعرعه لاكثر من ربع قرن  في مصر- , تتضافر كل هذه العناصر مع ما يحمله حنين الذاكرة السودانية المشتركة , ليخلق  ابداع طارق الطيب, في الرواية والقصة والشعر .. ما يجعلنا هنا  - على الرغم من اشتغال هذه الورقة في السردي- كما يفترض -  مضطرين للتعرض للشعري عند طارق - حيث نتناول تجربته بحذر , فامتلاك القوانين التي يتحرك فيها العالم الروائي في روايته ( مدن بلا نخيل ), شديد التشابك والترابط مع اعماله اشعرية  النثرية والقصصية - على الاقل على مستوى اللغة والسرد - وواحدة من الامور التي تلفت الانتباه, احتفاء طارق الطيب في اعماله السردية بالتفاصيل, والتشكيل , والوصف الدقيق دون ان يترك لنا مساحة لاكمال, المشاهد وفقا لتأويلنا  , بمعنى مشاركتنا كقراء في انتاج النص ..

تخليصات حس:

 لقد درج البعض فى السودان , على اطلاق عبارة :( عصر سيادة الشعر ), على سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى .. لتحتل القصة القصرة و الرواية, هذا الموقع منذ تسعينيات القرن الماضى, وحتى الان. وتاتى المجموعة الشعرية( تخليصات حس ) لدكتور طارق الطيب الان اسهامامقدراينضاف الى الانتاج الشعري الحديث  فى السودان .. ولا اقول بهذا التوصيف, لاحدد موقع دكتور طارق كسودانى, او سودانى مصرى. فذلك عندى كالتفتيش فى الاوراق السرية للشاعر..

 فالكتابة ايا كان جنسها تنزع للكونية, ولذلك اقول بهذا التوصيف, من موقعى كقارىء, تركت فيه تخليصات حس اثارا حميمة .. وهو  يحاول- القاريء -  الاقتفاء فى الفاصل بين الشعرى والسردى, بعيدا عن هموم الذاكرة المشتركة, للكتابة الشعرية فى السودان. وقبل كل ذلك اود ان اؤكد على ان( تخليصات حس)  ياتى والسودان , لا يزال يغيب عنه مفهوم الوسط الثقافى, كمجال حيوى لتبادل المنتوجات الثقافية والفنية, عبر الوسائل المتعارف عليها- وسائط الاعلام والمؤسسات, التى تسمح بالتفكير الجماعى, وتداول المنتوجات الثقافية, فى وسط كبير لتحديد قيمتها- ربما يفسر ذلك عدم قراءة دكتور طارق الطيب -  فى السودان كما شكى  لنا   قبل قليل -   وتحضرنى هنا تجربة التيجانى يوسف بشير, نقلا عن الصديق القاص عبد الحميد  البرنس, فالتجانى كانموذج للشاعر الفذ مضى وقت طويل قبل ان تتم قراءته .. يحكى عنه احد الذين كتبوا مذكراتهم مؤخرا, انهم فى حضارة السودان, التى كان يملكها السيد عبد الرحمن المهدى, بينما كانوا يجلسون حضر شاب شديد" الخضرة",  يرتدى ثياب وعمامة من الدمورية, فتعامل معه ببرود, وعرف فيما بعد, ان هذا الشخص هو( التيجانى يوسف بشير) فقال بعد ذلك انه اصبح يحقد عليه, وفى معنى تبريره لذلك, ان التيجانى كان يحلق فى سماء, ليس لديهم الاجنحة الكافية للتحليق معه فيها !!!!! ..  كان التيجانى يؤمن, ان مصر قد تحتفى به وبعبقريته, عندما ظلمه ذوى القربى. وقد صدقت نبؤة التيجانى فى شهر فبراير2003 , اذ اصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب,  ديوان التيجانى( اشراقة )  ضمن سلسلة افاق عربية, وتمت اعادة الاعتبار اليه من الاخوة فى مصر, وبصورة لم تحدث له فى السودان حتى الان !.. ما اود ان اقوله لدكتور طارق بالضبط - في هذه الجلسة الحميمة -  ان الافراد المبدعين فى السودان, يجابهون اقدارا ماساوية .. اشياء مفروضة عليهم فرضا, كانها تتحرك عبر ريموت كونترول, وفى ذات الوقت هناك نسبية, فى مواجهة هذه الاقدار من مبدع لاخر .. والاهم من كل هذه المجابهات, ان الكتابة الجادة تظل محفورة فى التاريخ, مهما اهملت. اذ ان وقت قراءتها ياتى يوما ما ! ليكتسب منها الناس معرفة جديدة, وذاك هو حال ديوان التيجانى يوسف بشير( اشراقة )...

إن كتاب (تخلصات حس او ارهاب العين البيضاء  ) تحتشد فيه الكثير من الحيوانات والطيور , التي في حالة تواصل مع بعضها البعض  و كنت قد اشرت فى مستهل هذه المداخلة للفاصل السحرى بين الشعرى والسردى فى تخليصات حس ... السردى كما نجده فى النص : ثمة ناس لا شقاء لهم

وبعد عام ونصف من تعلمى الالمانية

دفعتنى دعوة لذلك المكان , كانا غارقين فى اناقة الضحك

رجل وامراة , يتهكمان

على ملابس الخلق وقلة زينتهم وعلى مشرد دخيل

بالخطا

فهنا استهلال لحكاية بما تحمله بنيتها الظاهرية من متعة وبما تحمله بنيتها الباطنية من رؤية عميقة للحظة من اللحظات الانسانية لرجل وامراة هكذا دون تسمية محددة .. رجل وامراة يمارسان موقفهما الوجودى

لكن هذا الاستهلال السردى ينطوى على الشعرى ايضا:

_ ثمة ناس لا شتاء لهم

ولا مظلات

ولا بلاطى ولا احذية شتاء

ولا دفايات

ناس بلا مارونى ولا نبيذ (94)..

كذلك فى امراة تحدث قهوة وعصيرا اذ يسيطر الحوار:

صرخت فى همس : انا

لا اشرب القهوة

علا صوتها قليلا

لابد ان هناك خطا

همست من جديد

ام هى لى بالفعل

هل اشرب القهوة فعلا (95)..

وهكذا فى ارهاب العين البيضاء النص الاستراتيجى للنصوص:  تخليصات -  ولسنا بحاجة لتكرار ان الشعرية اليوم هى موضوع كل الاجناس حتى السرد-  نجد ان هذه النصوص كنماذج  وظفت السردى,  بما انطوى عليه من شعرية, فى تعميق دلالات الشعرى, ليشكلان معا نصوصا عميقة متميزة, هى النصوص التى حملها ديوان, تخليصات حس او ارهاب العين البيضاء..

شىء اخرالاحظه على نصوص الديوان .. انها تتراوح فى تقنياتها بين النص القصير, المكثف. الشبيه بالهايكو اليابانى, والنص المسترسل. مما يثير السؤال القديم الجديد حول السردى والشعرى كما اشرنا اليه سابقا : السؤال عن خصائص النص الشعرى, وهل يصلح عنصرا التكثيف او الاسترسال وحدهما لتصنيف او تحديد ما نطلق عليه شعرا ؟ الحداثة تحدد نوعا من التواصل بين النص, كطرف فى علاقة من طرفين. طرفها الاخر هو القارىء لهذا النص. باعتباره- اى القارىء -  طرف متغير فى الزمن والمكان, ازاء نص ثابت(لكنه دينامي  في عالمه وعلاقاته الداخلية ) .. وهنا بالطبع يحددالقارىء بتاوله لنص, ما مدى تواصله مع هذا النص, وان توارى النص خلف رؤى رمزية عميقة مثلما فى النص ولادة:

على حافة الموت

هى

هو

على حافة الحياة

بصرخاتهما

داخل الغرفة الضيقة

يتقاسمان الحياة من الموت(96)..

بما تنطوى عليه  هذه الرؤى, من اسئلة وجودية كبرى, كالموت والحياة.  ومفهومى المكان والزمان , فى هذه العلاقات الوجودية : الانسان ولد ليحيا, واجمل ما فى الحياة, هى الحياة ذاتها.. هذه المعانى العميقة الكثيرة, حملتها لنا كلمات قليلة جدا, مكثفة ومركزة فى النص( ولادة) حتى لتكاد كل كلمة تكون دالة بذاتها, دون الدخول فى علاقة مع كلمات اخرى, انه الجوهري الانساني.. حيث لا عارض او عابر خارج التاريخ :

هى

هو

بصرخاتهما

من الموت

 تقاطع الشعري / السردي في نصوص طارق الطيب, بمختلف اجناسها. التي تنتمي اليها , بحد ذاته تأكيد على انهيار الفواصل, بين هذه الاجناس .وما استشعرناه من سرد في النصوص الشعرية, التي استعنا بها نستشعره بطريقة اخرى  - شعريا - في نصوصه السردية.. ويقول طارق الطيب حول هذا التشابك بين لغة السرد ولغة الشعر : "الكتابة مثل الولادة لا تأتي من فراغ. أكتب حين يأتي طلق الكتابة وما يخرج مني لا أحدده مسبقا (هذا في البدايات) قد يخرج في شكل قصة أو مقطع من رواية أو قصيدة أو مقالة، بل قد يخرج في شكل رسم. أترك الحرية لهذا الطفل الفطري, ليعبث كما يحلو له وأعدل ربما فيما بعد قليلا أو كثيرا حسبما يقتضي الحال..

ولا أري البتة أن هذا التنوع عيبا (لا أسميه تعددا؛ ففي التنوع تباين وثراء وفي التعدد كم متشابه في الغالب) ولا أراه محاولات ساذجة بل الفنون تكمل بعضها, بشرط أن تكون واعيا لما يريد أن يخرج منك. ولا تغتصب الكتابة في شكل, لا تستسيغه ليبدو على شاكلة لم تكن لها...

لا أعرف ما يقولني بشكل أفضل، لكنني أعرف تماما, ما أفضّل أن أقول. المتلقي قد لا يستريح لنص لي. أو لقصة أو لا يروقه مقطع من رواية, بل تروقه لوحة لي. أنا في كل ممارساتي, أدخل بهوى كبير. وأعشق ما أعمل حد الوله, إلى أن انتهي منه, فتصير حالة انفصال ضرورية, وصحية في آن. حتى أستطيع رؤية المكتوب عن بعد, وحتى أتفرغ لعمل جديد(97)...

مدن بلا نخيل:

يستهل الطيب مدن بلا نخيل بمشهد للراوي / المتكلم وهو في حال نفسية متردية , نقلتها لنا اللغة بمشحوناتها الشعورية والوصف الدقيق بانفعالاته الجائشة "جالساً على حجر أمام دارنا المبنية من الطين، ماسكاً في يدي عوداً يابساً، إلى طرف منه تسري أفكار كثيرة متزاحمة، وفي طرفه الآخر تعبث يدي بخطوط وحروف غريبة، فأرسم على الأرض حروفاً وأشكالاً تعني ربما ما لا أعني، فأنا غارق في أفكاري الحزينة...

أضغط بالعود اليابس على الأرض المتشققة الجدباء، في غل وغضب، وثورة عنيفة في داخلي تستقر مرارتها في حلقي، فأبصق على الأرض لاعناً هذا الفقر وهذا الجدب الذي حل بنا بلا رحمة، وأتنهد متذكراً أبي وما فعله بنا، فأبصق مرة أخرى. إني أكرهه كرهاً لا حد له، وأكيد أنه يكرهني ويكره أمي وأختي الصغيرتين أيضاً، وإلا فلماذا تركنا بعد أن تزوج من امرأة أخرى، ولم نسمع منه شيئاً. مرة يقال لنا إنه في سوق الخرطوم يبيع المرطبات، ومرة يقال إنه يعمل في السكة الحديد بوادي حلفا، ومرة نسمع أنه ذهب إلى مصر حيث يعمل نادلاً في أحد المقاهي .."...

 من خلال هذا الاستهلال المتوتر لرواية مدن بلا نخيل نتوغل في اعماق الرواية فنتعرف في الراوي على متناقضات حياته واحساسه المرير بهزيمة الاب للاسرة.. حيث تتبدى رمزية النخيل الذي اخذت هذه الرواية اسمه  "  تطير إحدى سعفات النخيل التي تسقف دارنا المسكينة، أمسكها بأطراف أصابعي، وأفكر وأبصق وأفكر، ألفها على طرف بنصري وأضغط بها عليه بلا شعور، يجرحني طرفها الحاد، أدس أصبعي في التراب كما تعودنا جميعاً حين كنا نلعب ويجرح واحد منا في قدمه أو يده. كان يدسها سريعاً في التراب حتى يقف نزيف الدم ثم نمارس اللعب مرة أخرى".. فالنخيل في هذه اللوحة اذا كان على المستوى الظاهري يلعب دور السقيفة ,فهو على مستوى الرؤية يلعب دور الصمود امام الريح العاتية .  لتظل هذه الرمزية تلاحق الراوي في مدن المهجر الخالية من هذا النخيل , فيتصاعد النخيل المتسحب الى الذاكرة, منذ الطفولة ليغذي في الراوي طاقة الحنين .. والنخيل رمز للكبرياء والانتصاب .. والنخلة رمزية ايضا للتاريخ التليد عميق الجذور,  الذي ترك بصماته واضحة على  الشخوص " كنخلة بجسده العملاق. حين يدخل الغرفة يملأها. صدّقت جدتي وأنا بصحبتها حين رأيت تمثال رمسيس الثاني, في ميدان رمسيس للمرة الأولى. قلت لها:"هما الفراعين كانوا كبار كده زيّ رمسيس؟" قالت: "أيوه، كلهم كانوا زيّه كده وأكبر كمان!". يومها ظللت أمشي مشدوداً بيدها, وعنقي ملتوية إلى الخلف، أراه طوال سيرنا في الميدان. حتى اختفى عن عيني، حين دخلنا شارع الفجالة. لكنه لم يختف عن نظري, طوال عمري. كان في رأسي سؤالان: لماذا لا يلبس حذاء؛ وماذا كانوا يأكلون وهم بهذا الحجم .."...

مدن بلا نخيل هي رواية الحنين الى مكان ما ثاو بقاع الذاكرة ."  وأتذكر حين كنت صغيراً، ألعب جوار بعض النخلات وأحمل في يدي كوزاً من الصفيح، وفي يدي الأخرى كيساً من النايلون السميك، فيه كمية لا بأس بها من الحجارة والزلط، أقذف بها أعالي النخيل، فأصيب منها ما أصيب من التمر الأخضر، الذي لم ينضج بعد. كنت ألتهم معظمه وأعود بجزء منه إلى صديق لي، أمنحه بعضه ليعطيني طوقاً ألعب به ساعة من الزمن، لكنه كان لئيماً، يتركني ألعب حتى ينتهي من أكل التمر، ثم يأتي إلى مسرعاً مستعيداً طوقه مرة أخرى، فأعود صاغراً إلى النخلات، وأظل أقذفها بالحج رة والزلط، حتى تتخدر ذراعي الصغيرة. يأتي الغروب، فأعود إلى البيت حاملاً معي التمر الأخضر، عازماً إعطاءه إياه في اليوم التالي، بعد دقائق قليلة أبدأ في أكل التمر وأقول: "لا يهم، غداً سأصيب من التمر أكثره، فلأ سبع أنا الآن..". فهذا الثاو بقاع الذاكرة تتبدى ملامحه شيئا فشيئا للراوي من خلال احساسه بالمقابر كرمز لما انطمر في الذاكرة وتراكمت عليه اتربة النسيان ..  وتشعل الغربة هذا الحنين اللاهج بالاشواق واللوعات , اكثر فاكثر , فكل شيء فيها يثير تلك الملامح الضبابية لذلك المكان البعيد ," انها مشكلات الاجانب والمضطهدين في كل بقاع الارض (98)" .. فكل المشاهدات والصور الواقعية اليومية تثير الحنين وتجعل تفسير سلوك الاخر على خلفية الغربة , يتلائم وهذا الحنين الى الوطن .. مثل حنين حمزة المغلف بهمومه واحزانه الكبيرة , في سبيل تحسين حياته.. فالحنين في العلاقة الجنسية بالحبيبة (حمزة / حياة)   هذا الحنين الذي يثمر طفلا طبيعيا, من علاقة آثمة بين حمزة وزوجة رب عمله حياة .. كما حملت هذه الرواية آثار اللغة الشعرية , لطارق الطيب , فيما يشبه تداخل الانواع الذي نجده في شعره , فربما لكون طارق تشكيلي وشاعر , جعلت - هذه المواهب المختلفة - القصة او الرواية عنده تحمل آثار التشكيل والشعر ..

صلاح الدين النوبي : " تسع سنوات وأربعة أشهر بالتمام، معقوداً بعقد سخيف لِلَمّ مال أسخف 

عدت. أول أسئلتي كان "أخبار صلاح إيه؟"

"صلاح مين؟"

(99) "صلاح عباس"

في هذه القصة ومنذ اول لحظة في الاستهلال , نتعرف على الشخصيتين المركزيتين ( صلاح الدين النوبي / والراوي المتكلم ).. وطبيعة العلاقة الحميمية التي هي اكثر من مجرد علاقة دم بين اقرباء , هذه العلاقة التي تربط بين الراوي وصلاح , والتي من اهم تقنياتها على مستوى البناء النفسي للشخصية  تصعيد طارق الطيب للانساني الى مدياته القصوى  "اقترب من السرير لأري صلاح الدين النوبي. ذاك الطويل العريض العملاق الذي كان يملأ الغرفة مثل رمسيس الثاني، الآن لا يكاد يغطي ربع السرير. كم كان وجهه فرحاً حين رآني! وكم كنت في دغل من الأحاسيس الملخبطة. تبادلنا كلاما متشابكاً لا أذكر منه كلمة واحدة....أراد أن يقوم من مكانه. اقتربت منه وضممته إلى صدري بمحبة خاشياً أن أهشم وهن عظامه. اختفى الكلام منه ومنى للحظات ونحن ننظر كلانا للأخ" .. ويتماهى هذا الانساني في  لحظات الضعف الانساني بسبب المرض , او الانكسار النفسي جراء احاسيس الهزيمة ومشاعرها المؤلمة , وهي تنهض في اجواء النكسة التي خيمت فيها مناخات الهزيمة والانكسار" صلاح يحكي في كلمات لا أعرفها: الحرب، النكسة، مائير، ديان، حرب الاستنزاف، الانسحاب، الضفة، القنال، عبد الناصر، الهدنة، وكلمات أخرى كثيرة لا أفهم منها سوى ثلاث كلمات: مائير الذي اعتقدت أنه الجار خطاف الطيارات، وأنه له علاقة وسبب في ما يسمونه بالنكسة؛ ثم جمال عبد الناصر الذي أراه أيضاً عملاقاً مثل صلاح وأحب أن أرسم وجهه "البروفيل" من الجرائد والمجلات وألصقها طوال الوقت على حيطان البيت. ولما كانت خالتي تخلعها كل حين لتضعها على المائدة. ألجأ للرسم مباشرة على الحيطان. توبخني خالتي في عتاب رقيق أفهم منه أنه يجوز لي الرسم لكن ليس بهذه الكثرة وهذا الجنون".. صلاح الرمز الانساني الذي ربما يكون هو اى شخص يمشي بيننا او نراه في الطريق العام .. لا تخلو هذه القصة من الحس الفانتازي , الي يسم شخصية صلاح , الذي هو امتداد لاسلافه النوبيين في اخصب عهودهم ( عهد رمسيس الثاني )...

الجمل لايقف خلف اشارة حمراء  .. و اذكروا محاسن:

وفي قصته ( طفو فوق الذكريات ) يقول  الرجل المغترب الذي ادركه الشيب , وهو بعد لم ينجز مشروعه في الحياة بل وعند مفترق طرق " هويتي ضاعت . حائر اقف في منتصف الطريق , احمل رأسا مخضبا بالذكريات(100) " حيث نلاحظ هنا مدي الشعرية التي تخللت السردي ..  ومن الاشياء التي نلاحظها دون عناء تشابه بعض الشخصيات في المجموعتين القصصيتين والرواية , فشخصية حمزة و في مدن بلا نخيل نجدها تتكررفي المجموعتين  بشكل من الاشكال من خلال ( خليل الناس ) في اذكروا محاسن . وشخصية جاب الله في المجموعة( الجمل لا يقف خلف اشارة حمراء  - قصة رب البنات).. وشخصية صلاح الدين في قصة صلاح الدين النوبي . فالشخصيات الثلاث هي شخصيات انتقالية تربط بين مرحلتين او عالمين ..  رؤيا العالم في الجمل لا يقف خلف اشارة حمراء , حددت في اكثر من قصة  بالموقف من العنصرية "عد الى بلدك واشتم هناك كما (101 )" .. حيث تكشف العديد من القصص عن احزان ومعاناة المهاجرين في الغرب.. من خلال اسلوب مباشر في رواية الاحداث , ويجيء الاسلوب انتقاليا ايضا مثل الشخوص اذ سرعان ما ينتقل الى مستوى اخر يتمثل في  الاسلوب الدرامي الذي  لا يخلو من الاثر التشكيلي والسخرية ,والفنتازيا والاسطرة كما في شخصية صلاح الدين التي كجسر بين عالمين يقف الراوي في منتصف المسافة بينهما ..  ونلاحظ  وتكثيف اللحظة الانسانية لدى الشخوص , بكل ما يعتمل في داخلهم من احساسات حبيسة واشواق مثالية, احد اهم تقنيات طارق الطيب السردية , .. وحيث ينهض الجنس , كاحالة لهذا العالم بنوازعه المتناقضة , خلال ذكريات طفولة الراوي( قصة في آن - مجموعة اذكروا محاسن) انما يجيء الجنس كتعبير عن الذات, وتنبيه الاخرين لوجود هذه الذات .. كذلك وظف طارق الطيب الاساطير و الحكي الشعبي , بعوالمه الغنية التي اختزنتها الذاكرة لقرون عديدة - ربما ...     

خاتمة:

يأخذ مسكوت الحديث الروائي , في " الدم في نخاع الوردة ", للاستاذ محمود محمد مدني , مشروعيته بالدرجة الاولى من الحاجة التي لا تزال ماثلة لمشروع التحديث الذي لم ينجز ..  فالضرورات التي انتجت قوى التحديث لا تزال ملحة , في ظل استمرار القوى التى تحاول صياغة المجتمع الى الخلف .. لذلك فهي رواية الان  وغدا, قبل ان تكون رواية عبرت عن الهموم, التي تمثلت في مقولات حركات التحرر في العالم الثالث , في زمنها التاريخي ..

اذا شبهنا الرواية بنهر متدفق, يتكون باطنه من دوائر تتواصل, لتتخذ في النهاية شكلا دائريا. بينما يكون سطحه زمن السرد الروائي, الذي ينساب منذ بدء الرواية, حتى نهايتها لتتوالى  فيه الاحداث,  وتتطور الى الامام باستمرار. ليصبح الوسيط الوحيد, الذي  تتفتح فيه الحياة الانسانية. وتحقق ذاتها (102)..

من الجانب الاخر فاننا - فيما يتعلق ببذرة الخلاص -  نجد ان مصطفى سعيد ليس عطيلا كما قال عن نفسه فعلا , بمعنى انه ليس امكانية تواصل  مستحيلة, في الواقع العملي , انه امكانية لا تواصل مبدئي . يدخل اوروبا ويخرج منها كما يدخل ليل الكابوس , ويستفيق ليجد نفسه في قرية معزولة , وفمه يمضغ شعرا انجليزيا , ويموت ضحية الكابوس , وليس ضحية ديدمونة ," ولكن الى ان يرث المستضعفون الارض وتسرح الجيوش ويرعى الحمل امنا بجوار الذئب , ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر , الى ان يأتي زمان السعادة والحب هذا , سأظل انا اعبر عن نفسي بهذه الطريقة الملتوية " هذه الجمل الشرطية تلخص قطيعة البطل وعدم قدرته على الاندماج(103) . فتحيله الى مأساة فردية , وذاك هوالمأزق الاشكالي لبطل بذرة الخلاص نجده في استعاضة فرانسيس دينق بالحركة الخارجية للنص, بدلا عن الحركة الداخلية . وعن عقدة الرواية بفلسفة في الحياة وتفسير لها(104) _ الحياة من واقع اسطورة الهوية   القومية _ انطلاقا من ايديولوجيا محددة  تمثل مشروعه الفكري كما طرحه في " صراع الرؤي " , وتمثل من الجانب الاخر مقلوب فكرة مصطفى سعيد. وبالاحالة لتعليل سارتر في حديثه عن الصخب والعنف ( وليم فوكنر ) .. لحالة مشابهة يقول :" اعتقد ان علينا ان نبحث عن سبب ذلك في الشروط الاجتماعية لحياتنا الحاضرة . ان يأس فوكنر يبدو لي سابقا لميتافيزيقياه .. ان المستقبل بالنسبة الينا جميعا مسدود . ان كل ما نراه , كل ما نعيشه يحثنا على القول ( هذا لا يمكن ان يدوم ) ومع ذلك فان التغيير لا يمكن  حتى ان نتصوره تصورا الا بشكل كارثة . اننا نعيش في زمن الثورات المستحيلة , وفوكنر  يستخدم فنه المدهش, في وصف هذا العالم الذي يموت من الشيخوخة, وفي وصف اختناقاتنا (105) .. ( فهذا لا يمكن ان يدوم ) هي خلاصة الحافز الايديولوجي لبطل رواية( بذرة الخلاص) ..

وفي توظيف فرانسيس دينق للاسطورة( عبور النهر العظيم / الفتاة القربان / واسقاط ذلك على افتداء ام بطل القصة لشقيقها من الاسترقاق بنفسها ) بحيث جعل الاسطورة جزء من واقع حي, شكل تاريخ بطل الرواية وحياته  " تعتبر الاسطورة - كما يرى توماس مان - اساس الحياة وهيكل الوجود اللازمني , والصيغة المقدسة التي تنساب فيها الحياة, عندما تنساب وراء خطوط الشعور (106) وهكذا يعتبر مفهوم الاسطورة مثل مفهوم الشعر : نوع من الحقيقة , او معادل لها . ليس منافسا للحقيقة العلمية او التاريخية , بل رافدا لها (107 ) فمعضلة بطل بذرة الخلاص هي علاقته بهذا الاسطوري _ احساسه بهويته - ويقول كلود ليفي شيتراوس في هذا السياق :" لم يسبق لي ان ادركت  الاحساس بهويتي , وما ازال كذلك . انني ابدو لنفسي في صورة المكان , الذي يحدث فيه شيء ما . ولكن ما من "أنا" او "أنني" جميعنا مفترق طرق , تحدث فيه بعض الاشياء . المفترق سلبي تماما , يحدث شيء ما هنا , يحدث شيء مختلف له نفس الاعتبار في مكان اخر .. مسألة مصادفة فقط (108) .. لكن بطل بذرة الخلاص لا يتسامى الى هذا القدر الفلسفي في تعامله مع مأزقه الوجودي, فالشعور النوستالجي يهيمن عليه, فالشعور المتأثم نحو التاريخ. وتلك الرغبة في العودة الى الجنة , الرحم , الغناء (التاناتوس) ولد وعيا مأزوما نحو الماضي , يرى في الزمن انحدارا من الذروة الى القاع السفلي , ويرى في الهزائم المتلاحقة عقابا قدريا .. ولذا يظل وعيه يطارد لحظة الجنة هذه - لحظة استرداد هويته - وامتلاكها , لكنها تستعيده وتمتلكه بدلا عن ذلك , على شكل كائن تراثي يعيش في بطن التاريخ , في رحم الماضي , خشية ملاقاة الحاضر ومواجهة التاريخ, الذي توقف عن صنعه وضاع في تلافيفه وثناياه , فهو يريد استعادة الماضي فيستعيده الماضي , وان يمتلك التاريخ فيمتلكه التاريخ . ان يتخطى الحاضر, فلا يجد فيه الا جحيما يقذفه بحممه , ويدفعه نحو ملاذ ميتافيزيكي ليرميه حيث جنته القائمة.. حيث معا بد الماضي , واضرحة التاريخ ومقابر التراث (109) وهذه الصورة هي ما يجابه بها الجنوبي اليوم مشروع السلام .. هي ذاتها ..اذا استثنينا تجربة جورجي زيدان بكتابة الرواية التاريخية , فان الطموح الى الهيمنة الفنية على التاريخ روائيا, كانت شذرات مبعثرة لا يمكن ان ترتقي الى مستوى الظاهرة .. لكن التاريخ المكتوب روائيا عند زيدان لم يكن الا مستودعا للاسماء والازياء والحكايا والسير (..) ومشوق لحفظ وقائعه واحداثه لا لتملك القانونية التاريخية, التي تحكم شرطية الحدث بسببية داخلية, موضوعية. تحتكم الى مرجع نشاط وفعالية المجموع البشري في الواقع والمجتمع , كونهم انتاج انفسهم وانتاج فعلهم في التاريخ (110)  وواحدة من مستويات القول في بذرة الخلاص ولادة وعي جديد بالهوية والتاريخ فحواه انبعاث انبعاث الرؤية الشعبية الديموقراطية, والنظرة الى التاريخ بمثابة تجربة جماهيرية , وتاريخا للوعي الاجتماعي بتياراته الفكرية والفلسفية والسياسية والابداعية..

 فكان التاريخ يحضر في الممارسة بوصفه تاريخ مجتمع ملموس , ينتج فكره وثقافته كمحصلة للتجربة المعاشة للبشر , وليس تجليا للفكرة المتعالية المطلقة (الترانسندتالية) (111).. فبذرة الخلاص تحاول اذن عبر المتخيل الروائي صياغة المعنى العام لحياتنا,  فالتخييل الروائي ليس مرغما على صياغة واقع معادل ,عبر استحضار القانونيات العامة. التي حكمت حبكةلاحداث الاثر بالواقعي . بل ان التخييل هنا قادر على التغذي من الحاضر الراهن كونه استمرارا مباشرا يمكن المبدع من الهيمنة الفنية عليه دون مخاطر الانزلاق باتجاه التجريد والتذهين والشكلانية المفتعلة

لكن اللحظة المفتعلة او المستعادة هي على درجة من التبعثر والتشتت والغياب , الى الحد الذي تبدو فيه غافية في سبات ماض قديم جدا . مما تتبدى وكانها طيف من اطياف التراث .

 لم يمارس العقل الماضوي السلفي الديني والسلفي القومي اساءة لروح الامة, بمقدار ما اساء الى تاريخها الوطني الحديث والمعاصر . فامام ابتهالاته البلاغية المقدسة نحو الماضي الديني والقومي القبلي, راح ينظر الى الحاضر, بوصفه نثرا تافها من نثريات الحياة اليومية المبتذلة , التي لا ترتقي الى مستوى ميتافيزيكية المتعالي, في خطابه البياني وفصاحته البلاغية الشعارية , التي لا تكاد تنزل الى الحاضر - على الاقل تجربة يونيو 1989 الايديولوجية الاسلاموية  في بناء دولة عروبوية, ترتكز على واقع افتراضي - حتى تتحول الى رماد بارد واصداف فارغة جوفاء ..

وانطوت بذرة الخلاص على كل ذلك , كملحمة ذات طابع صراعي وطني.. وهذا يكون له بالضرورة هدف واضح ومحدد , ويغدو الدافع التقهقري بوصفه الحركة الضرورية على طريق مقاومة اهداف الفرد ورغباته , والضرورة التاريخية التي يشير اليها لوكاتش , انما تتمثل بنظام اجتماعي انساني , يحمل في طياته القوة الضرورية لتلاشيه , اى تتبدى على شكل ضرورة تراجيدية  لانهياره (112) ...        

هذه الحكاية / القول ( بذرة الخلاص ) تمثل قصة الانفصام التي يعيشها عدد كبير من السودانيين , كعرب و أفارقة  في آن !.. وبقدر ما هى حالة فصامية , بقدر ما هي مأساة اجتماعية , تقف خلف التخلف الرهيب , الذي  تنحصر  احد عناصره  في اشكال العلاقة الانسانية بين الافراد والطبقات والعصور . ولكن مأساة الحضارة تتجاوز هذه الاسطورة - بتعبير غالي شكري - وتتخطاها الى معالم الوجود الانساني الاكبر في كفاحه البطولي , لاكتشاف سر الاسرار . لاكتشاف معنى حياتنا ..

وفي مسيرة البحث عن معنى لهذه الحياة , يمضي رزق ومن بعده  ارادة وفارس , للاسهام في اجابة على أسئلة لا نهائية , هي لحمة الانفصام و أس الجرح في الرواية , والازمة في الواقع.. ولبنة الهاجس الذي يماسك عرى ومفاصل الفشل السياسي والاجتماعي , وأنهيار مشاريع التحديث والتنمية ...

ورواية دكتور مروان حامد الرشيد ( الغنيمة والاياب ) هي ثمرة تلاقح خصيب , بين التجربة السياسية المنظمة والاساطير والواقع . ولذلك تجيء رؤيتها للفرد متجاوزة كل شيء سوى الانساني الجوهري ..

ولكنها لا تخلو من العبارات والدلالات المتطرفة - طبيعة عنفوان المشاعر  التي تنهض فيها حيوات شخوصها - يميز جيرار جينيت بين السرد والوصف , وقوام هذا التمييز أن السرد يقدم الفعل والحدث , على حين ان الاشياء والشخصيات تقدم عبر الوصف .

ويرى ان الوصف يشكل عنصرا اساسيا لا غنى عنه في القصة أكثر من السرد , لانه اسهل علينا أن نصف , من أن نقص دون ان نصف , ويضيف جينيت " ربما لأن الاشياء يمكن ان توجد بلا حركة , لكن الحركة لا يمكن ان توجد بلا اشياء " .. الان روب غرييه يرفض الاستعارة باسم الوصف , ردا على اندريه بريتون , الذي كان يرفض الوصف باسم الاستعارة , لأن غرييه يرى أن " الاستعارة ليست بريئة ابدا " وهي تكشف عن موقف ميتافيزيكي من الكون , فتشخيص الاشياء ينم عن الاعتقاد بالقوى الغيبية الاسطورية الكامنة  وراءها او فيها .

وجان ريكاردو يرى في الاستعارة , انها ,دائما , على وجه من الوجوه ذات طبيعة اغرابية , لأنها تضم ال" هنا" الحاضر المشبه , الى ال " هناك" , الغائب , المشبه به مما يؤدي في رأي دعاة الرواية الحديثة الدرامية الى الوصف الحيادي لاحلال الغائب محل الحاضر ال " هناك" بديلا ال"هنا" المشبه به مكان المشبه والمشبه به بالنسبة لريكاردو ودعاة رواية الحداثة ليس الا الغلاف الهيولي الخارجي العابر الذي يتلاشى فور بروز المشبه , وفور انجاز الترجمة البلاغية (113)  اعني هنا الكثير من العبارات الوصفية التي حملتها الرواية  مثل :" شرج التاريخ " ..

قليلة هي الروايات التي تحمل قولا  مميزا . فخلال العقود الاخيرة من القرن المنصرم " وخلال السنوات الاولى من هذا العقد قذفت المطابع بعشرات الاصدارات الروائية في جميع انحاء الوطن العربي , وبات هذا الانتاج الروائي الكمي ملفتا , مما دفع البعض لأن يصفه على انه " انفجار روائي " كما ان بعض النقاد ارتأى ان الرواية تعيش عزها وهي - دون الشعر - ديوان العرب الان (114) وكذلك على مستوى السودان حدث هذا " الانفجار الروائي" منذ  منتصف تسعينيات القرن الماضي , وتعتبر هذه الرواية في هذا السياق واحدة من الروايات القليلة المميزة , من بين ركام هذا " الانفجار " ...

القاهرة يونيو 2005

هوامش:

(1) كتابات سودانية . " كتاب غيردوري " . مركز الدراسات السودانية . العدد الثاني والعشرون . ديسمبر 2002 . ص :82

(2) كلود ليفي شيتراوس . الاسطورة والمعنى . ترجمة صبحي حديدي . دار الحوار طبعة اولى 1985. ص:18

(3) ابراهيم اسحق . وبال في كلمندو .مركز الدراسات السودانية 2001.

(4) ابراهيم اسحق . مهرجان المدرسة القديمة .ادارة النشر الثقافي .طبعة اولى1976 .

(5)ابراهيم اسحق . اخبار البنت مياكايا. مركز الدراسات السودانية . 2001.

(6) السابق . ص 17

(7) السابق ص :5

(8) نفسه ص : 6

(9) كتابات سودانية . مرجع سابق . ص :73

(10) ابراهيم اسحق ." مرجع سابق " . ص 9

(11) كتابات سودانية مرجع سابق . ص :95

(12) ابراهيم اسحق .مرجع سابق .. ص : 63

(13) مجلة ابداع . العدد العاشر اكتوبر 1997. ص 54

(14)ابراهيم اسحق مرجع سابق .. ص 13

(15) محمود محمد مدني . جابر الطوربيد المسار . الشارقة الطبعة الاولى 1984.

(16) غالي شكري . معنى المأساة في الرواية العربيةى . الافاق الجديدة بيروت .ص :17.

(17) سعيد علوش . الرواية والايديولوجيا في المغرب العربي .الكلمة بيروت ص : 10

(18)  نفسه .

(19) غالي شكري " مرجع سابق " . ص : 111.

(20)نفسه . ص : 118

(21) محمود محمد مدني . مرجع سابق . ص : 10 .

(23) غالي شكري . مرجع سابق . ص : 154.

(24)  محمود محمد مدني . مرجع سابق . ص : 28 .

(25) السابق . ص : 28.

(26) نفسه . ص :   3 .

(27) نفسه . ص : 77

(28) غالي شكري " مرجع سابق " ص . 153.

(29) السابق . ص 111

(30) هبرماس . القول الفلسفي للحداثة . ترجمة فاطمة الجيوشي. دمشق  1995 ص : 110 .

(31)غالي شكري " مرجع سابق " . ص : 111.

(32) محمود محمد مدني " مرجع سابق " ص : 7 .

(33)  السابق . ص : 7

(34) محمود محمد مدني . رواية الدم في نخاع الوردة . النادي الادبي السوداني بابوظبي . 2000

(35) السابق . ص : 34.

(36) نفسه ص : 61.

(37)  مختار عجوبة . عندما يهتز جبل البركل. " مجموعة قصصية " . مركز الدراسات السودانية .2002.

(38)  مختار عجوبة . القصة الحديثة في السودان . مركز الدراسات السودانية . طبعة ثانية 2002.

(39) معاوية البلال . الشكل والمأساة . الشركة العالمية للطباعة والنشر .

(40) د .  صلاح فضل . البنائية في النقد الادبي . ص  : 312

(41)  كتابات سودانية .العدد الثاني والعشرون . ديسمبر 2002  ص : 83

(42) مختار عجوبة . عندما يهتز جبل البركل . ص : 16

(43 )  مختار عجوبة . صالح الجبل . " رواية ". مركز الدراسات السودانية . 2002  ص : 52

(44) د . عبد الرزاق عيد . محمد جمال باروت . الرواية والتاريخ . " دراسة في مدارات الشرق " دار الحوار طبعة اولى 1991. ص : 71

(45) فرانسيس دينق . رواية بذرة الخلاص . مركز الدراسات السودانية . ص : 8 .

(46) السابق . ص : 8 .

(47) نفسه ص : 7

(48)  نفسه ص : 183

(26) نفسه . ص : 35

(27)  نفسه ص : 47

(49) دكتور جابر عصفور . زمن الرواية .مهرجان القراءة 2000 ص : 17.

(50) دكتور مروان حامد الرشيد . رواية الغنيمة والاياب . دار قضايا فكرية للنشر والتوزيع . الطبعة الاولى 1995. ص :242

(51) السابق ص : 290 .

(52) نفسه ص : 220.

(53)كتابات سودانية " كتاب غير دوري" مركز الدراسات السودانية. العدد 22  _ ديسمبر2002 ص : 75

(54) السابق . ص : 78

(55)د . مروان حامد الرشيد " مرجع سابق " ص : 41

(56)نفسه ص : 48 - 49 - 210

(57) نفسه ص : 85 - 86 - 89

(58) نفسه ص : 104

(59) نفسه 107

(60)  نفسه ص : 120

(61) نفسه ص : 123

(62) نفسه ص : 235

(63) نفسه . ص : 244.

(64) 287 - 290

(65) نفسه . ص : 236.

(66) نفسه ص : 238.

(67) دكتور جابر عصفور " السابق " ص : 37.

(68)  مروان حامد الرشيد " مرجع سابق " ص : 9.

(69) د صلاح فضل . نظرية البنائية في النقد الادبي .مهرجان القراءة 2003. ص : 282.

(70) دكتورة . سيزا قاسم .بناء الرواية " دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ" مهرجان القراءة 2004. ص : 40.

(71)  د ز صلاح فضل " مرجع سابق" ص: 292

(72) مروان حامد الرشيد " مرجع سابق" . ص : 9

(73) نفسه . ص : 10

(74) نفسه . ص : 10 .

(75)  نفسه ص : 11.

(76) نفسه ص : 11.

(77) نفسه . ص : 20

(78) نفسه ص : 21.

(79) نفسه . ص : 22.

(80) نفسه . ص : 33.

(81) نفسه ص : 34.

(82)  دز سيزا قاسم " مرجع سابق " ص : 46.

(83) مروان حامد الرشيد " مرجع سابق" . ص : 251.

(84) نفسه . ص : 243.

(85) نفسه . ص : 246.

(86) نفسه ص : 249.

(87) حسين عيد . جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية ." دراسة في خريف البطريرك" . الهيئة المصرية العامة 1988. ص : 23.

88) السابق .)

 (89) طارق الطيب . الجمل لا يقف خلف اشارة  حمرا ء" مجموعة قصصية ". الحضارة للنشر . القاهرة

 (90) طارق الطيب . اذكروا محاسن "ططط مجموعة قصصية .دار مشرقيات . القاهرة .1998

(91) طارق الطيب . مدن بلا نخيل .الحضارة للنشر . القاهرة . الطبعة الثانية 1994.

(92) www.rezgar.com

(93) طارق الطيب . مدن بلا نخيل .الحضارة للنشر . القاهرة طبعة ثانية 1994 ص : 36

(94) طارق الطيب . تخليصات حس . ص : 57 .

(95) السابق ص : 20

(96)السابق . ص : 185

(97) www.rezgar.com

(98) طارق الطيب. مدن بلا نخيل. " مرجع سابق " ص :36

(99) طارق الكيب . قصة صلاح الدين النوبي . صدرت في مجلة امكنة في الاسكندرية شتاء 2003

(100) طارق الطيب الجمل لايقف ..." مرجع سابق " .ص 63

 (101) طارق الطيب . السابق . ص :144

( 102)  الياس خوري . تجربة البحث عن افق " مقدمة لدراسة الرواية العربية بعد الهزيمة " . مركز الابحاث . منظمة التحرير الفلسطينية . يونيو 1974. ص : 26.

(103) حسين عيد ." مرجع سابق " . ص : 25.

(104) السابق : ص : 29 .

(105) السابق : ص : 65.

(106) السابق : ص : 67 .

(107) كلود ليفي شيتراوس . الاسطورة والمعنى . ترجمة صبحي حديدي . الحوار اللاذقية الطبعة الاولى 1985. ص : 7 .

(108)  د. عبد الرزاق عيد - محمد جمال باروت . الرواية والتاريخ . دراسة في مدارات الشرق . الحوار  اللاذقية الطبعة الاولى  1991. ص : 6

(109) حسين عيد " مرجع سابق " : ص : 8 .

(110) السابق : ص : 9

(111) نفسه : ص : 41

(112) د. عبد الرزاق عيد _ محمد جمال باروت . الرواية والتاريخ " دراسة في مدارات الشرق " الحوار للنشر . اللاذقية .الطبعة الاولى 1991. ص : 15-16

(113) مجلة الرافد . دائرة الثقافة الشارقة . العدد 84. اغسطس 2004. ص: 90

.http://web.utanet.at/eltayeb موقع طارق الطيب على شبكة المعلومات الدولية . (114)

 

أضيفت في 02/03/2006/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية