الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | الرعاية والإعلان | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

محجوز لدار نشر

أوربية كبرى

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

كتب                                  السرد و الرؤى - دراسة

 

 

 الفصل الثالث

الفصل الثاني

الفصل الأول

السرد والرؤى - مقدمة

  الفصل الرابع

الفصل الخامس

 

 

 

 

 

السرد والرؤى...

"مدخل لدراسة تجربة السرد في القصة القصيرة والرواية السودانية"

بقلم الكاتب: أحمد ضحية

اهداء ..

أجمل أطفالنا لم يولدوا بعد, أجمل الايام لم تأت بعد  ..الي زوجتى  وهي تكابد مرارة الفقد , لذلك الجنين الذي لم يكتمل..

أحمد 

 

مقدمة:

 

عندما كتبت قرائتين نقديتين لروايتى الاستاذ محمود محمد مدني ( جابر الطوربيد - والدم في نخاع الوردة ) ,  وقراءة ثالثة لرواية بذرة الخلاص ل ( دكتور فرانسيس دينق ) , لم تكن بعد قد تبلورت لدي ,  فكرة اصدار هذه القراءات في كتاب .. فقد كتبت  القراءات الثلاث ,  في الفترة بين عامي 2000 - 2002 . وكان الدافع الاساس لكتابتها, الاحتفاء بكتاب لم يحظوا سوى بالاهمال والتجاهل. أو القراءات الملتوية . ولذلك بدأت في قراءة عدد من النصوص الروائية - وأيضا القصصية بعد ذلك _ من موقع القاريء .  وكنت  قد قدمت بعض هذه القراءات, في فعاليات مختلفة , فقد قدمت  القراءة في رواية ( الدم في نخاع الوردة ) في منتدى بيت الثقافة الذي كنت مشرفا عليه في العام 2001.

وقدمت  القراءة في رواية ( بذرة الخلاص )  ضمن فعاليات ندوات مركز الدراسات السودانية, احتفاء بدكتور فرانسيس دينق كرمز فكري وأدبي , بقاعة اتحاد المصارف - الخرطوم . في العام 2002.

ثم رأيت فترة اقامتي في القاهرة , في منتصف العام 2004 ان اصدر هذه المجموعة, من القراءات في كتاب _ على الرغم من كونها تعد ناقصة , اذ ان القراءات التي قدمتها في الفترة من 2000- 2002 في فعاليات مختلفة في منتدى المحامين بام درمان, ومركز الدراسات السودانية, ومنتدى بيت الثقافة : حول الطريق الى المدن المستحيلة لابكرادم.  والزندية لابراهيم بشير. والطواحين لبركة ساكن. وعصافير اخر ايام الخريف لحمد الملك الى جانب ورقة نظرية عن الرواية والتاريخ , نشرت اسوة بهذه القراءات في الصحافة, والصحافي الدولي والايام وصحف اخرى  : كل هذه القراءات لم اضمنها هذا الكتاب _  ولشعوري بأن ما اقتصر عليه هذا الكتاب, من قراءاءت حول السرد الروائي , سيكون جهدا غير كاف , لضرورة القاء الضؤ على التجربة السردية  ككل" في السودان"  . من خلال رموز او  كتاب ينتمون لاجيال مختلفة في القصة القصيرة ,  تضاف الى ما أنجزته من قراءات في الرواية كما اشرت سابقا.

 وهكذا ضممت الى ما تجمع لدي, قراءة   كنت قد أجريتها في العالم القصصي للاستاذ عثمان علي نور : رائد القصة القصيرة في السودان , قدمتها للمرة الاولى في ندوة مركز الدراسات السودانية 2002 , احتفاء  ببلوغه سن التاسعة والسبعين . الى جانب  دراسة نظرية  كنت قد كتبتها  عن السرد في السودان ,  قدمتها في منتدى مجلة ( أدب ونقد )  في مستهل العام 2004. بالاشتراك مع الصديق الناقد المصري أحمد الشريف .الذي تولى  الجانب التطبيقي بينما توليت الجانب النظري . أضفت الى هذه القراءة , قراءة اخرى كنت قد قدمتها في ورشة الزيتون,  حول اعمال دكتور طارق الطيب السردية والشعرية , بمشاركة الصديق الشاعر عفيف اسماعيل والصديق الناقد المصري شعبان يوسف و وآخرين من النقاد والكتاب المصريين الاشقاء  في خواتيم العام2003..

والى جانب ما تقدم من قراءات , قمت باجراء قراءات نقدية جديدة  , لنصوص قصصية قصيرة اتخذت من الاستاذ عيسى الحلو - علي المك - محمد ابراهيم الشوش - مختار عجوبة  - زهاء الطاهر - عادل القصاص - احمد الجعلي " ابو حازم " - صديق الحلو - ارثر غابريال - اغنيس لوكودو - استيلا قاتيانو - منال حمد النيل , نماذجا لها . كقراءات تطبيقية , تعطي فكرة محدودة ,-  متصلة بما قالته القراءة المتعلقة بعثمان علي نور - ولكن  عامة وواضحة , عن القص في السودان .خلال من اشرت اليهم بانتمائهم لاجيال مختلفة( من الستينيات مثل عيسى  الحلو مرورا بالسبعينيات مثل زهاء الطاهر وانتهاء باواخر القرن الماضي مثل استيلا ومنال حمد النيل ) . وذلك  لشعوري ان  واحدة من مشكلات القصة القصيرة في السودان , انها لم تحظى سوى بالتجاهل النقدي .  وهو ذات الاحساس الذي جعلني اشعر, بضرورة نشر هذه القراءات , في كل من أدب ونقد والثقافة الجديدة  وفصول للنقد الادبي  والمحيط الثقافي . اذ وجدت ترحيبا حارا من قبل هذه المجلات . وكان بعضها قد نشر في كتابات سودانية وبعض المواقع الثقافية في الشبكة الدولية . كما ان صحيفة الصحافة السودانية - وانا اشارف على انهاء الفصل الاخير من هذا الكتاب  -قامت بنشر بعضالقراءات الواردة بهذا الكتاب في ملفاتها الثقافية , واسعدني هذا الاهتمام والمتابعة , لفصول كتاب نقدي لم ترى كل اجزاءه النور بعد ..

من هنا تحاول هذه الدراسة ان تضيف الى الخط البياني الاولي الذي رسمه د. مختار عجوبة و الاستاذ معاوية البلال لمسيرة السرد في السودان , فهذه القراءات , تتصل  بما سبقها - أعني تحديدا هنا الدراسة القيمة لدكتور مختار عجوبة " القصة الحديثة في السودان ودراستي المركز  الاعلامي السوداني اللتين اشرف عليهما الاستاذ معاوية البلال " كتابة الجنوب / جنوب الكتابة  و الانثى كذات كاتبة وكموضوع للكتابة ", وقبل كل ذلك كتابه القيم الشكل والمأساة .  فقد افدت من هذه الدراسات كثيرا خاصة في الفصل الاول . كما افدت من دراسة  دكتور عجوبة بوجه خاص في  الفصل الثاني  - في سبيل الكشف عن الانحناءات والمنعطفات في تجربة السرد في السودان .

ولذلك تظل هذه الدراسة مجرد مقدمة اولية, لابد من متابعتها, من خلال الممارسة النظرية. للنقاد والمبدعين السودانيين  , في سبيل تشكيل حركة نقدية فاعلة  , عبر التراكم  الكمي فالنوعي - للنقد والابداع معا - لتنطلق من هذا التراكم , بوصفه ممارسة تنجز رسم خط تطوره  - الابداع  والنقد معا -  وانعطافاته  وانقطاعاته, من خلال القدرة على التحرر, من  سلطة السائد ..

وهنا لابد لنا من ادراك الفضاء العام الذي يتحرك فيه السرد في السودان لزمان طويل . فالسودان عبارة عن افريقيا المصغرة .. افريقيا التي تقاطع عندها كل المحمول الحضاري الثقافي العربي الوافد , مع ثقافات وحضارات افريقيا العريقة.. واذا كان السرد العربي الحديث , منذ بداياته , يسعى في اصرار لا يلين , لان يكون مرآة المجتمع المدني الصاعد وسلاحه الابداعي , في مواجهة نقائضه , التي لا تزال الى اليوم مقترنة بتخلف التعصب والتسلط والتطرف , متواصلة مع تراثها السردي العربي في ابعاده المناقضة للاتباع والنقل , محاورة غيرها من روايات الدنيا العريضة التي قاسمتها الهموم (1)..  فان السرد الافريقي هو الشكل الفني الادبي الوحيد , الذي دخل عن طريق الاستعارة الخالصة وفرض - فوق هذا - على تطور النموذج المحلي , ونهض في التأسيس لارضية ذات اتصال واستجابة شخصيين , بصورة ملموسة .

وقد قام السرد في افريقيا بتكملة الرؤية الفنية للعالم , بل ادمج هذه الرؤية - بمعنى اكبر واهم - جماليات التقاليد الشفاهية , التي لم تنتم اليها اطلاقا . ونتج عن التفسير الاوروبي لها بعد ان طوره التفسير الافريقي المحلي , مايسمى اليوم باسم السرد الافريقي , والذي كان تطوره عن طريق الممارسة , ابتداء من التعبير المباشر , المسطح الفج , الى التجربة المتقنة (2)..

وبلادنا  - السودان - بحكم انها الملتقى لثقافة العرب وافريقيا . نجد ان السرد فيها حمل ما حمل من سمات الثقافتين . كما يعكس تطوره منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى الان . شيئا من منعطفات ومنعرجات السرد في بلاد العرب وافريقيا .. في مسيرته بين نتوءاتهما , وعلى تضاريسهما الاجتماعية والثقافية .. ليتخلق كسرد سوداني له قوامه الخاص , الذي يحمل ما يحمل من جرح السودان وهمومه ..

ثمة مقولة ل " طراد الكبيسي " في كتابه " شجر الغابة الحجري " . لا يزال سياقها العام - ومنذ وقت بعيد - يحاصر فضاء ذاكرتي .  اذ لا تربط بين الابداع العظيم والتمزقات الكبيرة , التي تحدث في المجتمعات فحسب , بل تتسامى حتى بهذه التمزقات  . مما يقترح اسئلة محددة , بخصوص الكتابة في شروط مثل شروط السودان ؟!.. هل هي كتابة معاناة .. ام كتابة تنفذ الى الجوهر الاشكالي الانساني .. وهل ترتقي - او تتضاءل - الحالة الابداعية , في مثل هذه الشروط , وهذا المناخ .. ام تتجاوز الحالة الابداعية كل ذلك , اذ لا يمثل احد شروطها ؟!!.. بمعنى ان تكون المعاناة ذهنية ومعنوية لا ترتبط بمحفز , اجتماعي او قيمي او ثقافي .. وبالتالي مفتوحة على الانسان , تحقق منه وفيه حضورا انسانيا وجماليا عاليا - لكن كيف يمكن لذلك ان يتم بمعزل عن شرط الثقافي الاجتماعي ؟!-  دون أن تؤطره جغرافيا , او حدود حضارية لهذه الجغرافيا ...

لكن يبقى ما ارتبط بالتاريخ الانساني كعلامات بارزة , ربما تضيء لنا التعرف على بعض ما يحيط بالكتابة .. وبتركيز خاص: السرد . واكثر خصوصية : الرواية . وبتعبير بارت " انها موت ( " اذ " تصنع من الحياة معبرا . ومن الذكرى فعلا مفيدا . ومن الديمومة زمنا موجها .ودالا . لكن هذا التحويل لا يمكن ان ينجز الا في عيون المجتمع , فالمجتمع هو الذي يفرض الرواية . اى يفرض مجموعة من الاشارات (3)  ولأن الابداع عموما ينهض في الخيال , فالحيوات التي تتخلق في الرواية , هي في الواقع تتخلق من سقط الافكار وركام الحياة . فمن بين كل انواع التشظي هذه , تتخلق البنى الحكائية لتبني عالما شاسعا , داخل الفضاء العام للحياة الواقعية . عالما ينتمي لهذا الفضاء ولا ينتمي اليه في آن !! .. فبين انتمائه للواقع ونهوضه في الخيال , خط وهمي رفيع لا نستطيع الامساك به او تحديده . مهما قلنا بالتقنيات والنظريات . و .. و... لأن لحظة التجلي التي تمظهرت عنها هذه الرواية او تلك , هي القانون الاساسي الذي  من خلاله يمكننا العبور الى واقعية هذا النص . لكنها - ويا للسخرية - اللحظة ذاتها هي القانون ايضا , الذي يؤكد نهوض هذا النص في الخيال !!.. اذن من هنا تمثل محاولة التفسير او التاويل , المأزق ذاته !!..

تأثر مجالنا الثقافي السردي ب" الواقعية الاشتراكية " لوقت طويل ,- كما تأثر بالوجودية ايضا ولكن بعد ان تمت معادلتها في هذا المناخ الاستوائي - كان ذاك  من الاوقات الخصبة لجنس الرواية  . وكذلك في الاوقات التي بدأت فيها الرواية في السودان تدخل في مأزق الواقعية الاشتراكية , كغيرها من روايات العالم الثالث . وهو يستقبل جنسا اوروبيا لم ينتجه تطوره الحضاري  , ويتاثر بالتطورات التي تطاله كل يوم..

 اذن ما هو مأزق الواقعية الاشتراكية ؟!.. اذا غضضنا النظر عن تحويلها للشخصيات الى محض رموز ايديولوجية , بما ينعكس على مفهوم الشخصية " الانسان " , بصرف النظر عن وضعه الاجتماعي او الطبقي .. اذا صرفنا النظر عن ذلك يمكننا التوقف عند جملة المفاهيم الشمولية الاممية البائدة , التي حملتها هذه الرواية . اذ حاولت الغاء ذلك الخط الوهمي  الفاصل بين المستوى الواقعي والمستوى الخيالي في النص المكتوب . هذا الجدل بين الواقعي والوهمي استحوذ على الاهتمام عند النظر للواقعية السحرية .. هذا الجدل  المفقود فيما انتجته السوفياتية باستبدادها وصلفها - يتغنى الان البعض بالتقاليد الديموقراطية القديمة لروسيا القيصرية - بما عبرت عنه - الكتابات المنتجة : غوركي  - تشيخوف - من تمزقات كبيرة , وبما اشبعت في وجدان الامة الروسية . لما حملته هذه الكتابات من احزان وهموم ومآس ..

صحيح ان الثورة البلشفية لم تنتج غوركي وتشيخوف , لكن بمجايلتهم لها حاولوا - مع اقرانهم - التعبير عن حلم منخفض الكلفة الانسانية , ولا يمت لمدنية الدم والحضارة العسكرية بصلة . . وكانت تلك واحدة من لحظات التمزق الكبرى في مسيرة الكتابة السردية . التي يتحاور فيها الواقعي / الوهمي ليعبر عن الانسان المحض دون ان يحوله الى رمز ايديولوجي , او يضع له مصيرا مسبقا ..

لحظة التمزق هذه على مستوى الكتابة , هي تجل  لتمزق اكبر على مستوى المجتمع . فاعظم مبدعي فرنسا - في وقت ما - مالارميه , شاتوبريان بلزاك , الخ .. انتجتهم تناقضات مجتمعاتهم , وتمزقات المجتمع الفرنسي بالدرجة الاولى . فعندما كتب ريجيس دوبريه (غير المرغوب فيه ) - في العقود الاخيرة للقرن الماضي - كان ذلك بمثابة خروج عن التناقضات التي اثقلت التاريخ الفرنسي بعد الثورة التي  التهمت ابناءها . كذلك هي الميثولوجيا الخاصة بدوبريه , وعالمه السري واحباطاته . وتمزقه الفكري وذكرياته اليسارية وقلقه الغارودي . لذلك مثلت " غير المرغوب فيه " علامة مهمة على مستوى الواقع , وفارقة جديرة بالتوقف عندها , باعتبارها مرآة عكست التمزق الثوري في " فرنسا الحرة " وتقلصات وتداعيات الخط الديجولي  رغم كل شيء  .   وهزيمة التطبيق امام النظرية , والطموح لجيل عنيد حمل حلم فرنسا الشعارات الانسانية النبيلة . لكنها تنهض على مستوى الخيال , بكل  أسى الغربة وجمال الحزن , ولوعة الاحلام الكبيرة لعاشقين , مطاردين , راحلين في الابدية - النضال - في سبيل زمن خاص وأجمل ومكان خاص وأجمل ..

وكانت التمزقات الانجليزية ,  والامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس , تتداعى الى محض جزر في الارخبيل العريض , احد دواعي الشعور بالانتماء الذي عبرت عنه , الوجودية الجديدة واليسار الجديد , وتجلى لدى كولن ويلسن في " ضياع في سوهو " كتطبيق للا منتم , بمعضلاته النفسية ومشكلاته المعقدة , ازاء حياة واقعية قاسية لحد التفاهة , حيث الاشياء اكثر انسانية من الانسان !!..

وعندما اخل النفط بقوانين البنى الاجتماعية , واحدث اختراقات ثقافية عميقة في الفضاء الاسلامو - عربي . واهتز الواقع الافتراضي / الماضي .. الراهن .. الذي ظل يعيشه العرب والمسلمين . في العالم الثالث . ونقلهم - العرب - بذات الوقت بمنجزاته - النفط - الى حدود ارخبيل كوني , لا يرغبون بالغوص فيه , ويريدون - مع ذلك - الاستمتاع بمنجزاته , لضغوط البنى الاجتماعية - الهشة مع ذلك - والمعبأة بالمتناقضات , والمقيدة بالتقاليد السحيقة .. هكذا اذن اضحى الواقع مزيجا من الواقع والمتخيل , وما بينهما معنى التحول : ممزقا التاريخ والناس والاشياء . وجابهت تصورات الواقع الافتراضي .. الواقع الفعلي , بتصوراته المختلفة للحياة والعالم والكون . فتوترت المفاهيم وتساقطت الرؤى . فكان التحفز السري للجنس , والالحاد والقلق الوجودي للانسان . فكان عبد الرحمن منيف , والابداع المغاربي بعد طول كمون وصمت على التواطؤ السافر للداخل والخارج والحرمان من الحقوق الاساسية والحريات المشروعة كما في (مدن الملح) .. والبحث عن يوتوبيا في الصحراء كما عند الكوني في (نداء الوقوق والمجوس ونزيف الحجر  ): انه الحلم المشروع والمتضاءل بالمشرق الكبير والمغرب الكبير .. وتلاقي الاطراف . لكنها الهزيمة امام مهام ما بعد الاستقلال , بما مثلته: نزيف الحجر للكوني و نوار اللوز لواسيني واللاز لوطار والمنعرج للفاسي .. وما حملته من تأزمات المثقفين والطلائع الثورية المزعومة , والكادحين وجماهير الشغيلة الذين بلا هوية محددة , في جهاز القيم الهرمي - في عالم الزيني بركات الذي يتهاوى للغيطاني - سوى التوصيف لاوضاعهم الاجتماعية الرثة التي تتناقض ووعيهم .. وادمان الفشل الكبير والبحث عن الذات  كما في " ايام من عدس لبهوش يسين " والف وعام  من الحنين لبوجدرة كقضية مطلوبة على المستوى الواقعي , ومزعومة على المستوى الخيالي , بابطال مزعومين..

ورغم الفارق الزمني بين هذا السرد وذاك , الا انها   ك " سرديات " ( اعادة تكوين - وفق تزامن الاحداث - لزمن وبعد ) وتجانس هو زمن السارد الذي يربك صوته الخصوصي الاحداث بحوادث سهل التعرف عليها  . عملية الكشف عن التاريخ بواسطة وحدة طفيلية . ويعطي للرواية التباس شهادة قد تكون مزيفة (4).. تظل عالقة اقصى حدود فراغاتنا , فتساؤلات محمد عديم اللقب في الف وعام من الحنين , هي شيء من احزان تلك البيوت الواطئة لمحمد زفزاف وهي ذاتها تداعيات العم صالح الزوفري في البراريك , وبعيدا عنها حيث التهريب والاخطار . انها كتابة بين المتوهم والمزعوم والحقيقي والواقعي ..

ولذلك  أصر على ان هذه الدراسة, لهي مجرد مدخل. لقراءة تجربة السرد في السودان - ضمن الفضاء السردي الذي اشرنا اليه سلفا , فاى نص هو نتاج حوارات مع نصوص اخرى من مختلف انحاء  العالم -. ولذلك حين اصر على كونها مقدمة , فذلك لانها لا تتصف بصفة الشمولية, لكل المنجز السردي , وانما تكتفي بنماذج سودانية  متفاوتة, في مستوى جودتها الادبية والابداعية , في ازمان مختلفة . وهي نماذج يسيرة , لاتعكس كم المنجز , ولكن تعبر_ مع ذلك_ عن المناخ العام وفضاءات هذا المنجز السردي وموقعه من منجز العالم والاقليم  _ تعبر عن السودان بمجاله الافريقي والعربي - ..

خاصة أن المنجز المنشور قليل ولا يتناسب مع الانتاج الفعلي , وفي معرض ذلك يقول الروائي ابراهيم اسحق " الادب  العربي الآخر ليست لديه هذه الاشكالات التي نتحدث عنها , مثلا الكتاب العرب يكون البعض منهم ليست لديه فكرة عن كتابة الرواية  ولا خلفية عن ذلك , وفجأة ينشر ثلاث روايات او رواية من ثلاثة اجزاء , لكن بقوة الدفع الثقافي لبلده , وانتماء القطر الثقافي في الساحة , يعطيه الدفع ويجد التقدير حتى لو كان هذا العمل متواضعا , لكن الكتاب السودانيون يحتاجون لأن يقيموا  أعمال بعضهم العض"..

 وهي لحظة مناسبة للبدء في هذا المشروع. اذ ان النقد في السودان لا يزال في مراحل تطوره الاولى.  منذ وضع اسسه محمد عثمان ابوساق وأحمد حمداي  وعباس صبحي, في  خمسينيات  القرن الماضي.  وارسى دعائمه في مراحل مختلفة رافقت التحولات الحداثية  كل من : دكتور مختار عجوبة, والاستاذ عبد القدوس الخاتم, والاستاذاحمد طه امفريب. ومعاوية البلال,  واحمد عبد المكرم . فمرورا بكل هؤلاء واولئك, ممن  اشرنا او لم نشر اليهم. نجدهم قد اسسوا لعلاقة مباشرة مع النصوص الادبية المختلفة , تتجاوز اطاراتها المباشرة , كي تستطيع الوصول الى القدرة على التنظير, والادراج ضمن حركة نقدية فاعلة, في وسط ثقافي فاعل ( بمعني التداول الواسع, عبر المؤسسات للنص الادبي. لقراءته وتحديد قيمته) .

ما سبق كان هو الموضوع المركزي للفصل الاول , والذي تتصل به الفصول التالية لقراءتنا. التي استهللناها بقراءة حول: الاستاذ عثمان علي نور ( رائد القصة القصيرة في السودان ) وذلك لان الاستاذ عثمان علي نور " واحد من قلة من الكتاب السودانيين , نذروا ابداعهم. لفن القصة القصيرة.  ومن هؤلاء ابو بكر خالد , جمال عبد الملك ( ابن خلدون ) علي المك , عثمان الحوري , ابراهيم اسحق ابراهيم (..) ان الخط البياني للقصة القصيرة. يوضح بجلاء مساهمات كتاب مثل:  معاوية نور , وعبد الله رجب  وعثمان علي نور ومحمد المهدي بشرى ومبارك الصادق وبشرى الفاضل وغيرهم (5)" ولكن عثمان علي نور, يتميز عن كل هؤلاء بمختلف اجيالهم , بانه الرائد في هذا الجنس من الابداع.  ولم يطلق عليه  هذا اللقب الا لانه ربط  مصيره بمصير القصة في السودان. كما اكد الناقد عيدروس " كان على القصة القصيرة الانتظار بعض الوقت , بعد فترة الثلاثينيات . ريثما يظهر كاتب ينذر نفسه للقصة, ويتوفر على الاهتمام بها . كان هذا الكاتب هو عثمان علي نور (6)" وربما لكل هذه الاهمية  لعثمان علي نور كتب القاص زهاء الطاهر بأسى  :  لو كنا في دنيا غير هذي الدنيا , وفي أرض غير هذي الارض , وفي قارة لا كهذي القارة . وفي بلد غير بلاد الجن , وديوك الجن . لكنا اقمنا لك تمثالا من  ياقوت واخر من زهر الماء , وكنا اقمنا لك شهبا تحكي بضياء عن ضياءك يا نور . لكنا ملأنا الارض عنك وردات وازهار برية , وعصافير جوابة ومناديل عذراوات , وقناديل وقواديس وقوافي , وملأناها وفاء , وكنا زهونا بك زهوا , وقدمناك للدنيا وأهل الدنيا , وبارينا بك مواسم كل عطاء . ونفحناك من شغف القلب أوتار غناء , وضمخناك بكل عطر جال, في الاسماء. او جاء في الاسماء.. هذاالقرن الذي مضى خاننا  اجمعنا . هادننا . قبلما سقانا من كأسه المترعة (7).. ولكل هذا افردنا للاستاذ عثمان علي نور وحده فصلا كاملا هو الفصل الثاني من هذه القراءة .

ولذلك يجيء الفصل الثالث, كقراءات تطبيقية. على خلفية ما تمت الاشارة اليه. في الفصل الاول والثاني . كالمعطوف .

ونلاحظ على بعض القصص موضوع القراءة في هذا الفصل - الثالث -  والذي يليه  - كذلك الروايات موضوع الفصل الاخير لهذه القراءة ( روايات  : ابراهيم اسحق , محمود محمد مدني ,مختار عجوبة , فرانسيس دينق , مروان حامد الرشيد , طارق الطيب ) -  بصورة عامةأن الاتجاه الواقعي السحري, يهيمن  على فضاءات القصة والرواية بشدة. كما عند الاستاذ مدني واحمد ابو حازم وغيرهم  .. بما هي - الواقعية السحرية - تعبير عن رؤية كونية سحرية للعالم . رؤية لا تاريخية , تنمحي فيها الحدود بين الاحياء والجماد , او بين الثقافة والطبيعة . حيث تكتسب الاشياء والظواهر خواص وقدرات مميزة , وحيث نشاهد جانبا من هذا الواقع, السابق على مباديء العقل والمنطق وقوانين السببية (8) ربما بسبب بكارة ارض البلاد الكبيرة - السودان - بغاباتها العذراء وسهولها الشاسعة, ونيلها الذي يشقها من اقصاها الى ادناها, وناسها المعجبين بانفسهم _ الذين ليس كمثلهم ناس!!! _  وتنوعها الثقافي وتباينها الحضاري الخ , الخ ..  ربما لحضور التنوع في كل شيء حتى العقائد ..  والخصوبة  المدهشة للخيال في ظل هذا المناخ الثقافي  .. ربما ان كل ذلك هو ما جعل البلاد الكبيرة - السودان - مصدر الهام لا يضاهى .. ومن هنا جاءت السحرية , اكثر من كونها نتاج اتصال باداب اميركا اللاتينية ..

فالتراث المتنوع للسودان , والذي نهض فيه الشعر والدراما , اللذان ظلا يؤديان وظيفتهما داخل التقاليد الشفاهية , هو ما انتج الرواية والقصة  في السودان - طبقات ود ضيف الله - والتي اتخذت شكلها الحديث, من شكل وتقنيات الرواية الحديثة (9) فالرواية بشكلها الحديث, تعتبر فنا ادبيا  حديث العهد في تربتنا الثقافية , ولا يزال خاضعا على المستوى التشكيلي, للمثل الذي تقدمه الرواية الغربية . هكذا نستطيع ان نكتشف, الكثير من المدارس الادبية الاوروبية في رواياتنا وقصصنا . ونلاحظ عدم تشكل هذه الاجناس في مدارس ثابتة . اذ تمت استعارتها انتقائيا , وتهجين بعضها في سبيل محاولة تمثيلها جميعا. حتى تستطيع التعبير, عن صوت الروائي او القاص (10)"..   

ما هو الاطار النقدي العام الذي اعتمدته هذه القراءات  - سواء في الرواية أو القصة _ لتفصح عن نفسها ؟ .. أعتمدت على بعض المفاهيم البنيويةالتكوينية(لوسيان غولدمان) والبنائية ( تحديدا التحليل السيمولوجي فيها ), وكذلك بعض المفاهيم  المنهجية, في التأويل. كأداة استشعرت انها أكثر قدرة, على سبر كنه هذه النصوص " التأويل مع شيء من التجاوز  - مرادفا للادب بمعناه القديم , وهو الاخذ من كل علم بطرف .. لقد برزت التأويلية , كمعرفة تسعى الى استقطاب, نماذج الاختصاصات في مجال النقد . متسلحة بتاريخها الطويل , متخذة عناصر قوتها, من انغراس جذورها. في النصوص المقدسة أولا. وفي أمهات التراث الفلسفي من جهة اخرى .. انها مجرد منهج تسلكه بعض المعارف ومطية تركبها العلوم (11)..

 واعتمادي لهذا المنهج المزيج, جاء نتيجة_  لشعوري كروائي وقاص _ ان المناهج دوما عاجزة عن الاحاطة بالنص , ذلك لان المنهج اكثر قدرة على الاشتغال في المادي القابل للتموضع  , لكن النص الادبي مادة هاربة عن الموضعة , لذلك يصعب على المناهج العلمية ضبطها بادواتها , التي تصلح لضبط العلوم الاخرى  , ولكنها مع ذلك تكفي في لهاثها خلفه - النص الادبي -   للامساك ببعض تلافيفه.. وآخيرا .. هذه القراءات هي اسهامات من موقع القراءة اكثر من كونها اسهامات من موقع النقد .. القراءة التي تملك معرفة , ففي تقديري هي النقد الحقيقي ..

من جهة اخرى تأتي أهمية هذا الكتاب , في أنه لم يكتف بقراءة كتاب شماليين , بل ومن الجنوب ايضا ..

واخيرا أجد انني مدين لزوجتي بالشكر والتقدير . فلها كل الحب .

احمد ضحية القاهرة - السيدة زينب  يونيو 2005

هامش:

(1)   د . جابر عصفور . زمن الرواية .مهرجان القراءة للجميع 200 طبعة ثانية . ص : 12

(2)علي شلش . الادب الافريقي.عالم المعرفة آذار1993 ص : 141

(3) رولان بارت . الدرجة صفر من الكتابة . ترجمة محمد برادة . مطبعة المعارف الحديثة . الرباط. ص : 57

(4 ) السابق . ص : 100

(5) كتابات سودانية " كتاب غير دوري " . مركز الدراسات السودانية .العدد 22 ديسمبر 2002 . ص : 35-36.

(6)السابق  : ص : 36.

(7) نفسه : ص : 39.

(8) حسين عيد . جارسيا ماركيز وأفول الديكتاتورية ." دراسة في خريف البطريرك " .الهيئة المصرية العامة للكتاب 1988. ص : 52.

(9) علي شلش . السابق.  ص : 141.

(10) الياس خوري . تجربة البحث عن افق "مقدمة في دراسة الرواية العربية بعد الهزيمة ". منظمة التحرير الفلسطسينية " مركز الابحاث " 1974  " . ص : 110

(11) مجلة الرافد . أغسطس 2004 . ص : 87.

"مأزق الكتابة هو مأزق المجتمع نفسه . وكتاب اليوم يستشعرونه ,

 فبالنسبة لهم يكون البحث عن لا - اسلوب .

 او عن اسلوب شفوي . او عن درجة صفر او عن درجة متحدث بها عن الكتابة ,

 هو اجمالا استباق لحالة يكون المجتمع فيها متجانسا كل التجانس .

 ومعظم الكتاب يدركون بانه , لا يمكن ان تكون هناك لغة كونية ,

 بدون ان تكون هناك كونية ملموسة ,

 ليست صوفية ولا اسمية للعالم المدني ."

رولان بارت

          

 

الفصل الاول: مداخل لقراءة تجربة السرد في السودان

 

ارتبط السرد فى السودان، سواء فى جنس القصة القصيرة أو الرواية، بالعلاقة الجدلية بين الإنسان , والتاريخ الذى شكله، بوقائعه وأحداثه.. ولأن السودان - إلى حد كبير - جزء من المجال الثقافى العربى، أخذ عن العرب، الاحتفاء بالتاريخ «إن توحد التاريخ والحضارة فى المخزون الثقافى للوعى الاجتماعى العربى، أنتج وعيا مبدداً، بالتاريخ والحضارة معا(1)..» وهو ما نلاحظ انعكاساته، فى العلاقات الإشكالية، التى تربط إحداثيات النصوص السردية، خاصة فى المقولات التى تنطلق منها (وهى مقولات إجمالا تتعلق بمتناقضات البنى الاجتماعية = الرؤى المختلفة = الدين، العادات، التقاليد، الأساطير، إلخ.. = سؤال الهوية وعلاقة الذات بالآخر..)، وهى مقومات تنهض فى التاريخى، بالمعنى اللوكاتشى.. «التاريخى بالنسبة للوكاتش، هو اشتقاق الشخصية الفردية للشخوص، من خصوصية عصرهم التاريخية.. فالهيمنة الفنية على التاريخ، تعنى إمكانية المبدع فى تقييم خصوصية الحاضر المباشر، بإيلاء الأهمية الملموسة للزمان والمكان والظروف الاجتماعية، والنظرة إلى الإنسان بوصفه نتاج نفسه، ونتاج نشاطه فى التاريخ، مما يؤدى بالضرورة إلى اعتبار فكرة التقدم الإنسانى قانوناً تاريخياً وفلسفياً محسوسا(2)"..

وفى هذا الإطار ظلت تجربة السرد في السودان، مسرحا لتداول الرؤى المتباية، التى يتقاطع عندها التاريخ, والمجتمع والإنسان، بهاجسه اليومى، وأسئلته الوجودية، والكونية، المحيرة والحارقة.. وتمزقاته فى واقع مبنى على الاختلاف (التنوع) والخلاف (إقصاء التنوع) = (القطيعة)... لتمثل حركة السرد فى السودان خلال مسيرة تطورها منذ طبقات ود. ضيف الله (فى شأن الأولياء والصالحين) مرورا بملكة الدار محمد عبد الله وإبراهيم إسحق إبراهيم والطيب صالح ومحمود محمد مدنى وكل الأجيال المتعاقبة منذ الأربعينيات، حتى اللحظة الراهنة، اتصالا لهذا التوتر والقلق الإنسانى الجمالى، المصنف سردا..ً.

كما أثر غياب مفهوم الوسط الثقافي، عن المشهد الثقافى فى السودان، سلبا على تجربة السرد فى السودان (عائقا أمام حوار نصوص الأجيال المتعاقبة، بحيث يخلق هذا الحوار تجربة سردية متصلة، يمكن قياس تطور تجربة السرد من خلالها) إذ إن عدم وجود مؤسسات، لتداول المنتوج السردى على نحو واسع، وتقييم العمل السردى، وتحديد قيمته، أسهم فى خلق حالة من الإبهام والارتباك, إزاء تطور التجربة السردية، وهنا أيضا تبرز علاقة التاريخ بالغياب الفاجع لمفهوم الوسط الثقافى! إذ ارتبط هذا الغياب, بقمع أجهزة الدولة الأيديولوجية منذ 1956 حتى الآن..

 ما دفع المبدعين للبحث عن متكآت أخرى، مثلت انفتاحا للسرد فى السودان. على السرد فى أمريكا اللاتينية والغرب( سواء باللغة الانجليزية او لغة الترجمة الى العربية )، ومما لا شك فيه أن السرد فى السودان، قبل انفتاحه على السرد فى الغرب وأمريكا اللاتينية، كانت له تجربة حوار عميقة ومتصلة مع السرد فى مصر، والمشرق العربى بصورة عامة..

 وما يبرز كعلامة واضحة أن السرد فى السودان، - إلى حد كبير - مثل إعادة إنتاج للسرد العربى، بحيث غاب أثر السرد فى أفريقيا عنه، إلا قليلا.. وهنا يبرز سؤال الهوية مرة أخرى، ليطل برأسه كأحد الأسئلة الأشد حرقا....

ومنذ خواتيم القرن الماضي، أخذت تتبلور رؤية جديدة حول اتصال التجربة السردية، وإيجاد مؤسسة تعبر عن هذا الاتصال، تمظهرت هذه الرؤية فى تجربة نادى القصة السودانى الذى تأسس فى العام 2000 وأصدار ابتداءً من العام 2001م مجموعة ضمت ثلاثين قصة لعشرة كتاب ينتمون لأجيال مختلفة، تتراوح بين الثمانينيات والتسعينيات، وحملت هذه المجموعة اسم (دروب جديدة - أفق أول) ، كما كرر النادى ذات التجربة في العام 2002، بإصداره لأفق ثان لعشرة كتاب آخرين.. وما يميز هذه التجربة ملمحان أساسيان::

اعتماد مفهوم العمل الجماعى..

الاهتمام بالصوت السردى الجنوبى..

وهكذا نجح نادى القصة الوليد فى التأسيس لتجربة, فشل الآباء والأجيال الذين أعقبتهم- باستثناء رائد القصة عثمان علي نور _ منذ الأربعينيات فى بنائها..

 هجست القصة القصيرة فى السودان، بصورة أساسية، بطرح السؤال : كيف يكون الإنسان، أكثر إنسانية، ليرى كل شىء، فيشيد من هذه الآلام العظيمة، حياة أفضل، وهو نفس ما عبرت عنه نظرة تشيخوف للحياة التافهة فى روسيا.. ومثل هذا السؤال الخلاصة، التى تتقاطع عندها كل الأسئلة الحارقة، ابتداءً من الأسئلة، الخاصة بقضايا المرأة، مروراً بسؤال الهوية ومتناقضات اليومى المعاش....

جنس القصة القصيرة:

انطلقت القصة القصيرة فى السودان من خلال مجلتى الفجر والنهضة، منذ أربعينيات القرن الماضى، وولدت وقد هيمن عليها الاتجاه الواقعى الرومانسى والوجودى، وقد عبرت عن  هذه الهيمنة، الكتابات السردية القصيرة، لرائد القصة القصيرة فى السودان (الأستاذ عثمان على نور)، الذى نشر أول مجموعة قصصية قصيرة (غادة القرية)(3)، وقد اتسمت قصصه وقصص الجيل الذى جايله وتلاه مباشرة، باعتماد الحبكة على التعمية والمفاجآت ما جعلها تبدو مفتعلة، وتقريرية أحياناً.. ومنذ عثمان على نور(4) وحتى اللحظة الراهنة مرت القصة القصيرة فى السودان بمسيرة طويلة ومعقدة من التلاقح والتطوير والاستلهام، برزت خلالها أسماء عديدة مثل صلاح أحمد إبراهيم فى مجموعته «البرجوازية الصغيرة»، وعلى المك فى «حمى الدريس» و«هل أبصر أعمى المعرة» , وعيسى الحلو فى «ريش الببغاء» و«وردة حمراء لأجل مريم» وبشرى الفاضل فى «حكاية البنت التى طارت عصافيرها» و«أزرق اليمامة» وصديق الحلو فى «الفصول» و«غصة في الحلق»  وسلمى الشيخ سلامةفي ( مطر على جسد الرحيل )، وعادل القصاص في ( لهذا الصمت صليل غيابك ) ومبارك الصادق، وأحمد ضحية، وزهاء الطاهر، واستيلا قاتيانو , ومنال حمد النيل، وبثينة خضر مكى.. وغيرهم تقلبوا بين مختلف الاتجاهات والتيارات والمدارس، خلال أكثر من نصف قرن من الزمان، تعبيراً عن سيرورة إنسان يمضى فى اللانهاية، بحثا عن قيم الخير والحرية والجمال...

إن ما أنجز من قصة قصيرة فى السودان، لهو كثير مقارنة بحداثة تجربة كتابة القصة _ في شكلها الحديث _، كجنس غربى وافد إلى السودان، وتعتبر ملكة الدار محمد عبد الله، من الرواد الأوائل فى هذا المجال.. إذ إن أول مسابقة للقصة القصيرة أجرتها إذاعة أم درمان 1947، فازت فيها هذه الأديبة بالمرتبة الأولى عن قصتها «حكيم القرية»(5)، ومنذ الأربعينيات حتى الآن. تطورت القصة القصيرة فى السودان. تطوراً كبيراً فى ظل مناخ التنوع الثقافى الخصيب بإيحاءاته، الغنى فى دلالاته وبيئاته الغامضة..

 وإذا كان لكل نص بنيتان، واحدة ظاهرية هى بنية المتعة_ متعة الحكى_  والثانية بنية خفية تحمل رؤيا العالم.  نجد أن القص السودانى غنى فى بنيتيه : الظاهرية والخفية، بغنى مناخاته وفضاءاته, المتنوعة. فالقصة القصيرة منذ موباسان وتشيخوف, حدثت لها تحولات وتبدلات كثيرة ، واستطاع القاص السودانى، استيعاب كل هذه التحولات والتبدلات، فجاءت قصته دينامية الشكل والمضمون، خالية من المواقف السكونية..

جنس الرواية:

تعتبر ملكة الدار محمد عبد الله من أوائل الروائيين فى السودان، إذ كتبت روايتها الفراغ العريض فى العام 1952، وصدرت هذه الرواية فى العام 1970م، عن المجلس القومى للآداب والفنون، والمعروف أن أول رواية سودانية هى رواية «تاجوج» لعثمان محمد هاشم فى 1947، تليها رواية «إنهم بشر» لخليل عبد الله الحاج فى 1962م. واتسمت الروايات فى هذه الفترة، برصانة اللغة، إلا أن تقنيات الكتابة يُلاحظ فيها ضعف واضح، وقد مرت الرواية السودانية منذ الخمسينيات حتى هذه اللحظة الراهنة بمحطات عديدة، تقلبت فيها بين الواقعية، كما عند ملكة الدار والواقعية السحرية كما عند الطيب صالح ومحمود محمد مدنى وعيسى الحلو. وإذا كان جيل الستينيات، أرسى دعائم تقنيات حديثة, وشق السبيل إلى تطبيقاتها العملية, فى سردياته الروائية من خلال: «موسم الهجرة وبندر شاه وعرس الزين» للطيب صالح ودومة ود حامد "، أو «جابر الطوربيد والدم فى نخاع الوردة» لمحمود محمد مدنى أو أعمال الليل والبلدة وحدث فى القرية، وأخبار البنت مايا كايا ومهرجان المدرسة القديمة»، لإبراهيم إسحق إبراهيم،  فان ثمرات تقنيات هذا الجيل تتجلى في اعمال الاجيال اللاحقة مثل : «الجنخانة» لعمرو عباس و«مسرة» لبشرى هبانى و«الزندية» لإبراهيم بشير ابراهيم  و«مارتجلو ذاكرة الحراز /  ولانجور مناخات التحفز» لأحمد ضحية.. ..

 وهنا تجدر الإشارة إلى أن كثير من الروايات في تسعينيات القرن الماضي, هجست بالاحداث الكبرى, سواء كانت سياسية او طبيعية, و بالتاريخ والحاضر السياسي الممأزق, بفعل تجربة الديكتاتورية المستمرة ..، فهى تاريخية - رواية التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة _ بالمعنى العام للرواية بوصفها فنا يتعذر على بنيته التكوينية أن تعادل الراهن وتزامنه, دون أن تخترقه تعاقبيا، وتاريخيتها تتصل برؤيتها, أكثر مما تتصل بأحداثها وتقنيتها القادرة على تفريد العام، أى اشتقاق الشخصية الفردية من خصوصية عصرها التاريخى, وما يتولد عن ذلك, من طابع ملحمى, قادر على استحضار صورة صراع المصائر الفردية، بالتقاطع مع المصائر الوطنية(6)...

 وقد مثلت كل هذه الروايات (بما فى ذلك صباح الخير أيها الوجه اللامرئى الجميل لعيسى الحلو، المتهمة بأنها إعادة إنتاج لموسم الهجرة) حضورا إنسانيا عاليا، قاسمه المشترك، التاريخ الذى تتمحور فيه التجربة, بحضورها الحى ونكهتها المميزة، لكأنها تجربة طازجة، راهنة.. فالذاكرة المشتركة للنص /  القاريء , تلتقط كل ما هو جوهرى في المقولة والشكل والمضمون وتكثف كل ذلك, فى إبداع روائي فذ منذ الستينيات «الوظيفة المعرفية للنص ثمرة تحقق الوعى فى الممارسة بغض النظر عن درجة قدرة الوعى على تحقيق التطابق أو التغاير كدال يطمح إلى احتواء مدلوله, والسير عليه فنيا ومعرفياً ودلالياً»(7)، من هنا كانت للتجربة الروائية فى السودان أهميتها الخاصة، إذ تقاطعت فيها أحدث التقنيات، كما انشغلت بتوطين قيم الحداثة والتنوير، إذ نهض القول الروائى من مواقع عدة : التحديث والردة.. قضية المرأة والسلطة الذكورية القابضة ومشكل الهوية وسؤال المركز، الهامش.

المهاجرون والسرد:

إذا كانت الكتابة مقاومة للموت، فالسرد وطن الكاتب، ومن الأمور اللافتة للنظر فى السودان، ظاهرة الكتاب المهاجرين و  المغتربين، فكثيرون وجدوا أنفسهم مضطرين لترك البلاد الكبيرة و  الاغتراب اوالهجرة ,إلى منافٍ بعيدة، أو وجدوا أنفسهم بهذه المنافى : فى أمريكا وأوروبا والعالم العربى. وكتبوا كثيراً من الأعمال الرائعة فى مجال القصة والرواية، بحاجة لإفراد دراسات وأبحاث بكاملها، لاكتشاف القوانين التى تتحرك فيها.. بعض هذه الكتابات كتب باللغة العربية وبعضها الآخر بالإنجليزية، وبعضها وصل السودان وأغلبها لم يصل ومن أشهر هؤلاء المهاجرين والمغتربين  لدى القارئ السودانى ليلى أبو العلا وإبراهيم بشير وأمير تاج السر وأحمد محمد الأمين وعبد الفتاح عبد السلام وطارق الطيب - لكن هذا الاخير يعتبر حالة خاصة سنتعرض لها في حينها -، وقد مثل هؤلاء سفراء للسرد السودانى فى البلدان التى نشروا فيها أعمالهم الرائعة، التى ينقصها النقد فى السودان، لإحيائها كجزء من نسيج التجربة السردية فى المشهد السردى السودانى ...

السرد فى جنوب السودان:

أحد أهم الأسئلة التى طرحها السرد فى الجنوب: سؤال الهوية، ويواجه السرد فى جنوب السودان مفارقة كونه مكتوبا باللغة الإنجليزية، لقارئ إن لم يكن أميا (ويكاد يكون أميا فى الجنوب) فعلاقته ضعيفة باللغة الإنجليزية- باستثناء المتعلمين بالطبع وهم قلة مقارنة بغير المتعلمين _، إذ إن القارئ فى السودان بصورة عامة لغته الرسمية سواء التى يتحدث بها أو يمارس بها حياته اليومية - بل ويفكر ويحلم بها -، هى اللغة العربية..

 وأبرز ما اعتمدت عليه البنى الحكائية، فى السرد الجنوبى كتيمات أساسية : الهوية، قضية المرأة، الطقوس، الأساطير، الحكايا الشعبية وعلاقة الإنسان بالمكان، واتسم السرد الجنوبى بتوظيفه للتقنيات الحديثة أسوة بالسرد فى الشمال، كالأسلبة الاجتماعية وانعكاس المرايا لبث التاريخ الذاتى، إلى آخره من تقنيات مثل الفلاش باك والفلاش  فور وول كما وسم العديد منها الأسلوب الأرسطى الموباسانى كما عند جوناثان ميان وألينو رول دينق -    (8)، ونجد أن السرد فى الجنوب والشمال يسير فى خطين يتقاطعان عند نقطة واحدة تمثل مشتركا إنسانيا كونيا فى جوهره : سؤال العلاقة بين الذات والآخر!.. ومن أبرز الكتاب الجنوبيين: :

 تعبان لينفق «الكلمة الأخيرة» 1968، و«مات زنجى آخر» 1968 

 جاكوب جل أكول: «عودة العاصفة» مجلة الخرطوم 1995 

 أغنيس لوكودو: «الربيبة» مجلة سوداناو 1995

 ألينورول دينق: «نهاية القحط» صحيفة الصحافة 1978، «حفيد كاهن المطر» مجلة الإذاعة والتليفزيون 1976، «الشجرة العرجاء» سوداناو 1976

 فرانسيس فيليب: «من أجل محبةاياي» 1976 

أيتم آياك: «حياتان» 1976

 فرانسيس دينق: «بذرة الخلاص وطائر الشؤم» 1994، وقد صدرت الروايتان فى مركز الدراسات السودانية القاهرة. 

ويُلاحظ عند تناولنا لفرانسيس دينق، أنه منذ أخذت الرواية فى السودان توظف التاريخ فى إطار تحليلها للظاهرة الاجتماعية التى تشكل المحتوى السردى بأحداثه ودلالاته.. أصبح التاريخ بُعداً أساسياً فى الفضاءات التى تحيل الرواية إلى ملابساتها وبهذا المعنى كونت ملابسات التاريخ فى موسم الهجرة للطيب صالح (شخصية مصطفى السعيد) كشخصية منبتة، ووسمت هذه الملابسات مستر سعيد بآثار عميقة كما لم يكن التاريخ بعيداً عن الغرباء الذين حفلت بهم رواية أحمد حمد المك «عصافير آخر أيام الخريف» المحتشدة بحكايا الذاكرة الشعبية، الناهضة فى الشفاهى والأسطورى والفانتازى، وهى تبحث بين كل هذه العلاقات التى تربط الغرباء وتحكم علاقاتهم فى الجغرافيا....

 وفى بذرة الخلاص لفرانسيس دينق نجد الالتباس بين مستوى الحكاية ومستوى القول، يربك المتلقى فى تحديد الجنس الذى تنتمى إليه هذه الرواية التى تعالج التاريخ. إذ يتداخل ما هو حكاية / تاريخ / سياسى. مع ما هو روائى بالمعنى الروائى!(9)..

 هناك أيضا القاصة استيلاقاتيانو، التى يأتى تميزها من كونها الصوت النسوى الذى يكتب باللغة العربية_ الى جانب ارثر غابريال وآخرين  _، بين الأصوات الجنوبية، وهنا يدخل مفهوم شمال / جنوب فى مأزق لدى التعامل مع استيلا قاتيانو وارثر غابريال ، فالكتابة إنسانية وكونية، لا تنهض فى الانتماء الاثنى، ولكن تأخذ حيويتها وخصوبتها من هذا الاثنى الذى تنهض فيه ثقافة مغايرة لثقافة الشمال..

 إذن فاستيلا وارثر واغنيس  بقدر ما ينتمون للجنوب اثنيا، كذلك هم  من الشمال، الذى منحهم  ذاكرة أخرى، ووجدانا ثقافيا آخر، إلى جانب ذاكراتهم ووجدانهم الذى شكله الجنوب. فاللغة العربية التى تكتب بها استيلا واخرين غيرها ، ليست أداة تواصل وتفكير فحسب، بل هى الأسلوب الذى تحلم به وتحيا به وتمارس به الحياة اليومية أيضاً.. وهو ما يسهم أيضا فى معالجة مشكل الهوية, بالإجابات اللازمة عن طريق هذه اللغة باتجاه تصحيح علاقة الذات بالآخر (الشمال/ الجنوب) وصولاً لكونهما ذات واحدة تشظت إلى ذات وآخر بتأثير عوامل متباينة...   

المرأة والسرد:

باكتمال حلقات الوعى الاجتماعى والوطنى فى الأربعينيات والخمسينيات. ارتفع الصوت النسائى من خلال كتابات الأديبة: فاطمة عبد الرحمن فى مجلة الفجر، فى ظل مناخ صراعى حاد. بين قوى التقدم, التى تناصر قضايا المرأة, وقوى التخلف المناهضة لحقوق المرأة، وبرزت القاصة: آمال عباس العجب، فى مجلة صوت المرأة، وآمنة أحمد يونس، واستمرت المرأة القاصة فى السودان, تعبر عن همومها وقضاياها, فيما تبدع من سرد قصصى وتطور من أسئلتها، ليفضى السؤال فى رحلة الإجابة، إلى أسئلة أخرى، شائكة ومعقدة، قد تفضى لأسئلة الوجود الكبرى : الموت، الحياة، وعلاقة الإنسان بالوجود، كما عند زينب عبد السلام المحبوب وسلمى أحمد البشير، وزينب بليل التى نشرت أعمالها فى مجلة المنار 1957م...

وقد اتسمت الكتابة النسوية فى هذه الفترة «الخمسينيات» بالتقليدية. فالبناء السردى محكم وفقا للمنظور الأرسطوطاليسى، ولكن اللغة تقريرية يغلب عليها الوصف وتحاول عكس الواقع والوقائع كما هى مكرسة لخدمة أغراض أيديولوجية وتربوية...

ومنذ السبعينيات أصبحت الكتابة النسوية فى السودان, ذات سمت يميزها، ككتابة مهمومة بالدرجة الأولى, بالخطاب التحرري الحداثى، انطلاقا من مفهوم: أن المرأة تعيش نفيا وجوديا، وبرزت هنا سلمى الشيخ سلامة، وسعاد عبد التام، وآمال حسين، وفاطمة السنوسى.. وهكذا أشرع الطريق. بعد أن أرسى قواعده الرائدات منذ ملكة الدار محمد عبد الله، وزينب بليل، مروراً بسلمى الشيخ سلامة وصولا إلى منال حمد النيل، واستيلاقاتيانو، وأميمة عبد الله...

 ويُلاحظ هنا أن الكتابة النسوية منذ السبعينيات حتى الآن، استفادت من تقنيات الكتابة القصصية الحديثة، كما برزت اللغة القصصية فى النصوص، كلغة تقترب كثيرا من تخوم الشعر. حيث تجد المفردة ملأى بالإيحاء, ومكثفة ومتعددة الدلالات، كما برزت تلك الوشائج الحميمة, التى تنطلق منها المرأة الكاتبة, فى تأسيس إبداعها. انطلاقا من تجاربها الذاتية. ومن وعيها باختلافها. واستقلاليتها, وتصديها لآليات القهر المختلفة، التى تريد إحكام السيطرة على جسدها وعقلها "ومنذ هذه الفترة يمكن الحديث عن كتابة مختلفة للمرأة فى السودان عن كتابة الرجل، وكذلك يمكن الحديث عن أن لكل قاصة صوتها الخاص(10)"..

خاتمة:

ظلت بنية السرد فى القصة القصيرة، والرواية فى السودان، منذ استقر هذان الجنسان, بين أجناس الكتابة فى السودان.. ظلا يكشفان عن المفارقة التاريخية للذات المتشظية إلى آخر, وهى تتحسس مركزية القمع الذى يطال كينونتها.. حيث لا تملك إزاءه سوى انكسارها  الروحى والاجتماعى وجرح هويتها  المشكوك فيها، وأسئلة المهام التاريخية للتحرر الوطنى التى ظلت حبيسة الأضابير ولم تنجز..

وقد تجلت هذه المفارقة, بدرجات متفاوتة. على مستوى القصة أو الرواية, منذ الميلاد في مجلتى الفجر والنهضة. فى ثلاثينيات القرن الماضى، مروراً بمجلة القصة التى أسسها: عثمان على نور, أبو القصة القصيرة فى السودان.. 

وأخذت الأسئلة الحارقة, تتطور وتنضج إثر كل جيل.. تبلغ ذروة نضوجها، فيما اعترى البنى الاجتماعية فى السودان. من تمزقات وتشظ باعتلاء النظام الكولونيالى الإسلاموعربى منذ 1989 لدست الحكم ووقوع البلاد في حقبة من حقب الانحطاط التي لم يسبق لها مثيل ....

وبين كل هذا الركام من التمزق والتشظى نهض السرد الجنوبى, وسرد المرأة. كعلامتين بارزتين فى هاجس الكتابة. وهى تسعى لتأكيد ذاتها، من موقع الحوار بين الذات والآخر..

وإذا كانت فترة السبعينيات, هى فترة سيادة الشعر بلا منازع، فإن فترة التسعينيات من القرن الماضى, وأوائل القرن الجديد. هى فترة سيادة الرواية كجنس ينهض فى تحليل التاريخ وإعادة إنتاجه، فى سبيل خلق واقع أفضل, من واقع افتراضى متخيل.. هذه الرحلة الطويلة منذ ثلاثينيات القرن الماضى حتى الآن (بالنسبة للقصة القصيرة والرواية)، لهى رحلة شاقة. استلهمت فيها الكتابة من التراث تيمتها. ومن الواقع خصبه. ومن الأشكال الحداثية الغربية تقنياتها, المبدعة.. وتحاورت النصوص فى السودان مع النصوص الأخرى فى مصر, والعالم العربى مشرقه  و مغربه ؛ وأفريقيا، وأمريكا، وأمريكا اللاتينية وأوروبا.. تحاورت حواراً بناءً. أنتج تجربة ناضجة فى خاتمة المطاف:  شكلا ومضمونا، عبرت عن خصوصية السودان كمفترق طرق، تلتقى وتتقاطع عنده حضارات أفريقيا العريقة, وحضارة العرب. وثقافة الغرب الكولونيالى....

الهوامش:

(1) محمد  جمال باروت والدكتور عبد الرازق عيد : الرواية والتاريخ، طبعة أولى 1991م دار الحوار للنشر والتوزيع ، اللاذقية ص5 

 نفسه ص93  2) )

(3) مجلة  الثقافة الجديدة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، فبراير مارس 2004 ص93

 (4) ثقافات  سودانية، إصدارة المركز السودانى للثقافة والإعلام القاهرة، العدد الخامس 1999م ص76 

(5) نماذج  من القصة القصيرة النسائية فى السودان، المركز السودانى، طبعة أولى 2002 ص21 

(6) دراسات  لأحمد ضحية حول محمود مدنى

نشرت بصحيفة الصحافى الدولى 2002، وأعيد نشرها فى مجلة كتابات سودانية (جابر الطوربيد + الدم فى نخاع الوردة) 2003م.. أهمية هاتين الروايتين تأتى من كون مسكوت الحديث الروائى يأخذ مشروعيته من استمرار شروط هموم ومشروع التحديث وبناء الدولة الوطنية الحديثة والقوانين التى لا تزال تسوق المجتمع إلى الخلف : الضرورات التى أنتجت قوى التحديث.. فهما روايتا وقت راهن، مثلما عبرتا عن مناخ حركات التحرر فى العالم الثالث إبان الأربعينيات والستينيات...

(7) محمد جمال باروت : عبد الرازق عيد، الرواية والتاريخ : ط1/ 1991م دار الحوار اللاذقية، ص11 

(8) كتابة الجنوب وجنوب الكتابة، المركز السودانى للثقافة والإعلام، القاهرة ط1/2002 ص18  

(9) احمد ضحية : دراسات السابق

كتابات سودانية ، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، مارس 2003 ص102  (10 )

          

 

الفصل الثاني: عثمان علي نور: رائد القصة القصيرة في السودان

 

الخطأ ينبع من اعتقادنا, أنه لا يجب أن نلتزم, الا من أجل قضايا نموذجية . عادلة .

فيلسوف الغيرية: بول ريكور 

مقدمة:

منذ تاسيسه ، ظل نادي القصة السوداني, مهموماً بتكريم كبار الكتاب السودانيين, الذين أسهموا في تشكيل, الكتابة الإبداعية في السودان. بأجناسها المختلفة.. .

وفي هذا الإطار قام النادي بتكريم الأستاذ /إبراهيم إسحق ، بإعلانه عن مسابقة حملت إسم هذا الروائي الفذ في العام ( 2001 م – 2002 م ) وأعلن في حفل توزيع جوائز هذه المسابقة باليونسكو / الخرطوم عن مسابقة أخرى حملت إسم الروائية ( ملكة الدار محمد عبد الله ) في محاولة منه لإرساء ( أدب ) التكريم للأسماء التي شكلت بإسهاماتها وإضافاتها, كتاباتنا الإبدعية الحديثة في السودان .. وتجيء هذه الورقة إتصالاً لما سبق من مجهودات في هذا الإطار. وإسهاماً في إحتفالات مركز الدراسات السودانية بالأستاذ / عثمان علي نور ( أب القصة القصيرة في السودان ) في سبيل تكريمه على ما قدم  من إسهامات فعالة ومؤثرة  ،في جنس القصة القصيرة..

هذه الورقة هي محاولة عابرة, للكشف عن شيء من مسيرة الرجل المبدع الإنسان الرمز : عثمان علي نور . فالمرحلة التي كتب فيها الأستاذ عثمان علي نور أبرز مجموعاته, تمتد من الأربعينيات حتى الستينيات ، وهي مرحلة بعيدة.. لكنها خصبة: بثوراتها التي لا تزال تلقي بظلالها

على الراهن.. وبتحولاتها التي لم تكتمل حتى الآن.. وبتشظياتها وتمزقاتها, التي تسم واقعنا الممتد من غور ماضٍ / راهن في راهن / ماضٍ نزامنه الان!!..

ربما ذاك هو ما جعل قصة عثمان علي نور يتداخل فيها الرومانسي بعزلته الشاعرية, مع الواقعي بتعقيداته الإجتماعية ... ففي تلك المرحلة كانت الكتابة الإبداعية في السودان.. تمشي بإتجاه النضج في ظروف غليان ثوري ، ومهام لم تنجز ، وتصورات منطقية, يحول دون تطبيقها شوك القتاد ! ... ومن هنا تعثرت خطى النضج إسوة بكل شيء آخر ، فاليومي الإجتماعي, يتداخل مع الوطني العام ، وخلال هذا الركام, والسقط من الأفكار تنهض القصة القصيرة, مشبّعة بمجتمع يتكون في التشظي والتمزق.. تستلهمه وتعبر عنه رؤيا لواقع ما -  والقصة القصيرة بوقوفها بعيدة عن قلب المجتمع تمضي للقفز والتواثب على الطريق الطرفية وغير المركزية ، وتسجل في صورة آنية الأصداء المتلاشية من نشاطه الذي لا ينقطع ، وتكشف عن رؤية هذا القلب الإجتماعي ، إنها تخمنه فقط ، والقاريء هو الذي عليه أن يعيد تكوينه ، ومن هنا النزعة الرمزية, الإلزامية لدى كل أقصوصة وتعبيراتها الموجزة ، وحالات صمتها وتلميحاتها الآيديولوجية ( 1 ) -  فهي  تطمح لتشكيل وعي ما ، لإنجاز تصور ما..  والوعي الذي هيمن على جيل عثمان علي نور, يتعلق بهموم التحديث والبناء وشروط الانتقال الى المدينية  ، اللذين أساسهما التنوير .

 وتجلت هذه الهموم في إتجاهات مختلفة ، وسمت قصة كاتبنا في التوتر والقلق, بين الرومانسية والواقعية والوجودية ، كإتجاهات بارزة شكلت ملامح القصة القصيرة في السودان ، وهي تمضي في مسيرتها السيزيفية الطويلة, حتى الآن ! ... إلى جانب التأثير الواقعي الإشتراكي النافذ الذي عبر – عنه – عن مناخ التحولات والثورة والتحرر والتمرد والمقاومة للمستعمر, والنظم الإستبدادية والطائفية التي تلت الإستعمار ، ومع ذلك -  لكأن هذه الأيديولوجيات التقدمية ( ..... ) قد أخفقت في توجيه الوعي الإجتماعي .... إذ لم ترث مشروع ( المنوّر ) الغربي بقدر ما إنقلبت عليه ( 2 ) -  ، إذ لا زالت الخطى في أجناس الكتابة المختلفة متعثرة ، ولا زالت مهام ما بعد الإستقلال لم تنجز ، ولا تزال الكتابة غير قادرة على الإسهام في تحولات إجتماعية أساسها الحداثة والتنوير ، فمساحات الشفاهي * لم تتقلص بالقدر الكافي ، والإنقطاعات القسرية وغير القسرية, في حلقات التواصل بين الأجيال تعمل بفعالية ، سواء نتاج لعوامل ترتبط بالسلطة والعسف ، أو لنزعات إدعائية وإستعلائية  من بعض " الكتبة النقدة  - الديناصورات " الذين نصبوا انفسهم بليل  كالانقلابيين , اوصياء على الثقافة والابداع وحراسا لقصعة فارغة , حري ّ بهم الاسهام مع الآخرين بملؤها . وهنا يحضرني حوار ابراهيم اسحق الذي اشرت اليه فيما سبق ! .. ومع ذلك يظل مشروع القصة القصيرة في السودان مفتوحاً على مشهد غني ينتظر الإلهام والإستلهام لبعث وإغناء وتكريس قيم الحرية والحق والجمال.....

عثمان علي نور.. التجربة والزمن:

ولد عثمان علي نور في العام 1923 م بأم درمان ، وأصدر أوّل مجلة للقصة في العام 1960م ، إستمرت لعامين فقط ، توقفت بعدها عن الصدور . لم يكن عثمان علي نور مهموماً بالنشر لنفسه ، بقدرما كان مهموماً بجنس القصة القصيرة ومستقبلها في السودان ، وإتاحة أكبر قدر ممكن من فرص النشر للممبدعين الآخرين في جنس القصة القصيرة . يقول عنه د / مختار عجوبة : (إذا كان ( موبسان ) يعد أباً للقصة القصيرة الفرنسية ، و( جوجول ) أباً للقصة القصيرة الروسية ، و ( محمود تيمور ) أباً للقصة القصيرة المصرية أو العربية ، فإن ( عثمان علي نور ) يعتبر وبحق اباً للقصة القصيرة السودانية ، لا في مجال الإبداع الفني ، ولكن في مجال النشاط العملي ، أما بإصدار مجموعات من قصصه, وأما بإتاحة الفرصة لغيره. ليجدو مجالاً لنشر أعمالهم (3)..

ومن المجوعات القصصية لعثمان علي نور : ( غادة القرية ) ، ( البيت المسكون ) ، ( الوجه الآخر للمدينة ) أصدرها في الفترة من 1953 م – 1961 م . ويقول بروفيسور علي المك :( أن لعثمان علي نور الفضل في كتابة القصة القصيرة في السودان, بصورة جادة وتفرغ تامين ، إذ لم يجرب قلمه فناً آخر من فنون الأدب. وهو أوّل من نشر مجموعة قصصية قصيرة هي ( غادة القرية ) ( 4 )  ويضع د/ مختار عجوبة عثمان علي نور بين رواد الرومانسية والذين تغلب الإتجاه الواقعي على كتاباتهم منذ أوائل الخمسينات ( وكتاب الرومانسية في هذه المرحلة كانوا أقرب إلى وجدان الشعب ، وكانوا أساساً من الطبقات الشعبية ( ..... ) لذلك جاء وصفهم للحب للتنفير منه, وأوصافهم لا تنبع من واقع البيئة السودانية ، وهذا جانب من الشكل الذي تأثروا به وأخذوه عن القصة في المرحلة السابقة ، أو أخذوه عن طريق ( دار الخيالة ) وما كانت تعرضه من أفلام ( .... ) وما كانوا يقرأونه من كتب(5)"..

عثمان  علي نور بين الرومانسية والواقعية:

أسهم الأستاذ عثمان علي نور بصورة كبيرة في تشكيل الإتجاه الرومانسي للقصة القصيرة في السودان ، ولم يكن الرومانسيين السودانيين كرصفائهم العرب ، ميالين للعزلة ومناجاة الطبيعة ، هرباً من واقع عجزوا عن تغييره ، فبقدرما عبرت القصة القصيرة حينها عن الرومانسية إلا أنها حملت من الواقعية من أدوات تعبير فني ما حملت ، للتعبير عن الشعب وآماله وتطلعاته . تستلهمه وتعبر عنه ، فكان في ( إتجاهه الرومانسي يجهد نفسه في إحكام الحبكة القصصية, القائمة على التعمية والمفاجاءات. حتى يبدو الإفتعال ظاهراً في أعماله القصصية ،  وخاصة في مجموعتيه ( البيت المسكون ) و ( الحب الكبير ) وعندما تخلص من هذا الأسلوب, أصبحت قصصه مجرد حكايات سردية طويلة ، كما أنه يختار موضوعات طرقت من قبل, ولا يضيف إليها جديداً من ناحية المعالجة ( كما في ) القصص التي نشرها على صفحات مجلة القصة, التي كان يصدرها ويرأس تحريرها : ( الحقيبة ) ، ( حكاية ضائعة ) ، ( كسوة العيد ) ، ( النار المقدسة ) ، ( أخي أحمد ) ، ( الدنيا بخير ) ( 6 )  ويتسم أسلوبها بعاطفية فضفاضة ، كما أن الوعظ شكل سمة أساسية من سمات قصص الرومانسيين ، فلم تعبر قصصهم عن تجارب حب صادقة، بل أتت غامضة ومبهمة ، ويلاحظ ذلك على ( غادة القرية ) ، ويتساءل د / مختار عجوبة هنا بأنه لا يدري ( لماذا كان الكتاب في هذه الفترة يطالبون المومسات بالوفاء وعدم الخيانة ، وإذا خانت الواحدة منهن بطل القصة إنقلبوا عليها يلومونها ( ..... ) ومن هنا يعممون أحكامهم على المرأة بصورة عامة, سواء كانت   شريفة  أم مومساً ، ليس هناك سوى تعليل واحد هو أن حرمان هؤلاء الكتاب من أي علاقة بالمرأة, خارج هذا النطاق. هو الذي جعلهم يرفعون من مستوى المومسات الأخلاقي ( 7 ) ..

 فالمدن السودانية كانت إلى وقت قريب ( مجتمعات مغلقة ولا سبيل للإختلاط فيها بين الجنسين, إلا في دور البغاء.

 والقاريء العالم بقصص عثمان علي نور, يتفق معي أن عثمان علي نور إكتشف منذ وقت مبكر. تقنية متقدمة على زمنه ( في السودان ) : القطع المشهدي ، وتوظيف المفارقة ، وهذه الإستنتاجات لدكتور عجوبة ، شيدت أساساً على مماثلة القصة للواقع ، بينما القصة تعبر عن واقع إفتراضي ينهض في الخيال, بالتالي ليس ثمة جدوى من مقارنتها بالواقع لإكتشاف مدى مطابقتها له- فعثمان على نور هنا لا يساءل الا على مدى الصدق الفني في قصصه وفقا للقدر الذي تتركه في القاريء من أثر  - ، لأنه لا يتعين عليها بالضرورة مطابقة الواقع ( إن قيمة النص الأدبي تقوم في علاقة هذا النص بمراجعه التي يحيل عليها . وهذه العلاقة بين النص وما يحيل عليه تنهض عند القاريء, على مستوى المتخيل ، أو الذاكرة ، ويظهر معادلها الجمالي بواسطة قاريء يقيم علاقة / علاقات بين النص وما يحيل عليه ( العالم ، الحياة في وسعها وتعقدها ) ، على أن العلاقة التي يقيمها القاريء ليست هي تماماً ، أو بالضرورة ، العلاقة نفسها التي  تبني النص من قبل الكاتب , بهذا يبدو النص الأدبي نصّاً متغيّر الدلالات وفق علاقة النص بموقع القراءة / القراءات(8)..

ومن الجانب الآخر للمجتمع في السودان فهو لا يزال شفاهياً * وعلى مستوى الغناء لا تزال الحقيبة ( الكهف السري ) تشد وجدان المغنّي إلى زمن سحيق , لا علاقة لها بتوظيف التراث  ، في حركة عكس إتجاه الزمن, وبالتغاضي عن الإشارات السابقة يمضي د / عجوبة في تحليل قصص عثمان علي نور . إنه يقسو على البغي ولا يتنبأ لها بالخلاص ولا يذكر لنا أسباب سقوطها ، وكأن المرأة فطرت على الخيانة ، أو أنها تمارس الخيانة, بدافع غريزي فقط والرجل ضحيتها دائماً ، وفي قصته ( المخدوع ) : ( تزوج ( خ ) أفندي مومس كان يتردد عليها هو وصديقه ( ف . ع ) وبعد الزواج وثق فيها تماما,ً وأخلص لها ولكنه في يوم من الأيام تقع في يده مجلة قصصية. ويقرأ فيها قصة عن رجل خدع في مومس وتزوجها. وتظاهرت له بالوفاء. ولكنها في الحقيقة لم تف. فيعقد بطل القصة مقارنة بين الموقفين. ويراوده الشك في زوجته. وعندما يعود إلى المنزل. ولا يجدها. يقرر البحث عنها فيذهب إلى منزل صديقه, فإذا به يجدها بين أحضانه فيطلقها ..  ويمضي عجوبة في الحديث عن هذه القصة ( شأنها شأن قصص عثمان علي نور سردية بالرغم من أن تعدد الأحداث وكثرة المفاجاءات تلعب دوراً أساسياً إلا أن الكاتب يحاول أن ينهيها نهاية سليمة فيختار الزواج حلا  للموقف أو الطلاق حلاً له ، ولا يلجأ أبطاله للقتل ولكن هناك قصص تتسم بالعنف والنهاية الميلودراماتيكية ، فدموية الأحداث تشكل عاملاًهاماً في بناء القصة(9).. وما يلفت الانتباه هنا عبارة :( نهاية سليمة ) اذ ليس هناك معيار لقياس نهايات النصوص , من حيث مدى سلامة هذه النهاية او تلك , التي تبناها الكاتب ؟!..

ولا يؤخذ على عثمان علي نور أن قصصه سردية ، فالذي يميز جنس القصة أنها عبارة عن بنية سردية ، كما أن إستخدام أدوات التعبير الفني وتوظيفها نصياً رهين بعوامل عدة منها ما يتعلق بالقاص نفسه والشروط التي أنتجته وعاش فيها ، ومنها ما هو ذو صلة مباشرة بمدى التبيئة التي حدثت للقصة القصيرة وهي ( بشكلها الحديث  فن غربي وافد ) ، في هذا المناخ - السودان – بالتالي مدى إبداع القاص في توظيف هذه الأدوات التعبيرية . أيضاً يركز د / عجوبة على أن الموضوع الذي تم تناوله في قصص الإتجاه الرومانسي ، إشتركت فيه القصة الرومانسية شرقاً وغرباً وهو ( أن يحب الشاب فتاة حباً شريفاً ولكن تحول ظروفه المادية بينه وبين الزواج منها ، فتكون النتيجة إنتحار أحدهما أو هيامه بالطبيعة وجنونه وإبتعاده عن الناس ( ..... ) كما في ( غادة القرية ) (10) ) ، وبالطبع ليس في ذلك غضاضة ، فالمخزون الإنساني  مشترك و ينهل منه الجميع ، فقط يختلفون في التعبير عنه عبر أدوات التعبير الفني وهم يوظفونه من واقع لآخر عبر التاريخ

ومع ذلك,

يظل عثمان علي نور دون شك ، أحد رواد القصة الرومانسية والواقعية ، وأباً للقصة القصيرة السودانية بلا منازع..

العالم القصصي لعثمان علي نور بعد اسبوع - نموذجا :

توطئة

ما جعلني أختار هذه القصة ( بعد أسبوع ) هو أنها من القصص التي إختارها القاص الراحل بروفيسور علي المك_  وذلك لتميزها على العديد من قصص عثمان علي نور _، ونشرها في مختاراته ، يقول علي المك ( بدأت القصة السودانية القصيرة في مجلتي النهضة والفجر ولم تكن لتماثل المقالة أو الشعر, وفي الخمسينيات جعل شأن القصة يعلو حين خصصت جريدة الصراحة, عدداً أدبياً شهرياً فتحت فيه صدرها لكتاب القصة, وشجعتهم ، وتطورت تطوراً ملموساً في زمان وجيز . وإستطاع الطيب صالح بجموعة ( دومة ود حامد ) وروايتيه ( موسم الهجرة إلى الشمال ) و ( عرس الزين ) أن يخرج بالأدب السوداني إلى الآفاق العالمية . وغير عثمان علي نور والطيب صالح باقة منتقاة لكتاب القصة السودانية ، تظهر فيما تظهر ، أصالة محببة ، وتشير إلى مذاهب فنية شتى (11) ... وإذ أختار ( بعد أسبوع ) كنموذج يمثل العالم القصصي لعثمان علي نور ، أيضاً يمثل هذا الإختيار إطلالة على عالم جيل كامل يمثله ( أب القصة القصيرة في السودان)...

الحكاية في بعد اسبوع :

حكاية شاب ريفي ظل يحلم لوقت طويل بالزواج من واحدة من بنات الخرطوم ( آه بنات العاصمة ، الفساتين القصيرة ، الكعوب العالية ، الباروكات التي تجعلهن كالملكات ، الحديث الناعم ، الظرف ، الرقة، لقد وجد نفسه مفتوناً بكل هذا ، بل مجنوناًَ به (12) ، ووجد ضالته في زواج أحد زملائه فذهب إلى والدها وتمت الخطبة ، ولم يمر سوى إسبوع على هذه الخطبة ، حتى ساقته ( الصدفة المحضة ) إلى حديقة الريفيرا ، ليفاجأ بصوت خطيبته يتناهى إليه من أحد الموائد مع أحد الشبان ( كان يتجول بين الموائد عندما سمع صوتها .. صوتها الذي يعرفه جيداً ومع ذلك كذب أذنيه ، تسمر في مكانه .... (13) .... فثار وصفعها وإنتزع خاتم الخطبة وأرغى وأزبد وهو ينطلق كالمجنون لمقابلة والدها ( جيت أفسخ الخطبة .... لقيت بتك في الريفيرا مع راجل غريب (14) .......

 وتتكون  هذه الحكاية من ثلاث مستويات من التأليف:

المستوى الأوّل:

إستباقي يبدأ من ذروة الأحداث ( كان يبدو كالمجنون ... بل أن سائق التاكسي ظنه مجنوناً فعلاً عندما رآه يخرج من باب حديقة الريفيرا وهو يأتي بحركات هستيرية ( .......) بعد أسبوع .... بعد أسبوع واحد يا مجرمة (15)..

المستوى الثاني:

أسترجاعي Flashback، يستعيد فيه بطل القصة الأحداث التي مرت به قبل قليل ، قبل أن يركب هذا التاكسي الذي إنطلق به لمقابلة والد الفتاة . فمن خلال قطع مشهدي يبدأ المستوى الثاني في التأليف في حديقة الريفيرا ( حول مائدة عليها زجاجات الليمونادة وأكواب الشاي كانت تجلس فتاة فاتنة وهي تتبادل نظرات الذهول مع شاب يجلس معها حول المائدة، كان كل منهما لا يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول وأخيراً كان الشاب هو الباديء بالحديث وسألها : أهذا هو ؟! ...(16) ثم يبدأ..

 المستوى الثالث والأخير:

 وهو يمثل اللحظة الحاضرة وبطل