
بطاقة تعريف الكاتب:
أحمد محمد ضحية أحمد
السودان

مواليد مدينة كوستي نوفمبر 1971
دبلوم الترجمة كلية( الآداب والعلوم )– جامعة أم درمان الأهلية.
كاتب وصحافي مقيم بالقاهرة.
* محرر بصحف (أخبار اليوم –الأسبوع – الأزمنة – الدستور : 1998- 2002).
- كاتب مشارك بصحيفة الصحافة 2000- 2001
مسئول النشاط الثقافي ببيت الثقافة لخرطوم 2002
عضو دائرة الأدب والنقد (المجلس الأعلى لرعاية الثقافة والآداب والفنون)
2002
- رئيس قسم التحقيقات بالصحافي الدولي (2001 – 2002).
- رئيس القسم الثقافي بالصحافي الدولي (2001- 2002).
- مسئول تحرير نشرة"إضافات" – مركز الدراسات السودانية 2003
* مساهمات في الندوات الأدبية والفكرية كمحاضر 1998-2004(الخرطوم - كوستي–
القاهرة ).
إصدارات:
- دروب جديدة – أفق أول (بالاشتراك مع مجموعة من القصاصين) منشورات نادي
القصة السوداني
بالتعاون
مع دار نشر الشريف الأكاديمية (2002- الخرطوم).
- مار تجلو – ذاكرة الحراز (رواية) عن دار عزة للنشر الخرطوم.
- الاثنية والديموقراطية (بالاشتراك مع كتاب آخرين) عن مركز الدراسات
السودانية الخرطوم 2003
تحت الطبع:
- لانجور – مناخات التحفز (رواية) .
-
لا وطن في الحنين
(رواية من جزأين).
- نافذة للحنين – نافذة للشجن – مجموعة قصص قصيرة .
-
السرد والرؤى
(دراسات في القصة القصيرة السودانية).
كتابات منشورة في العديد من الصحف والمجلات السودانية والعربية . والصحافة
الاليكترونية.
 


نماذج من أعماله

قصص قصيرة
أصدقاء ..
على حافة الحلم المنهار , في زمن متداع , تعرفوا عليه , وتعاهدوا في
صمت على " معنى الصداقة " . ربما , ما يحكى عن صولاته وجولاته في السياسة
وكتابات الهتاف , هو ما دفع ثلاثتهم لمصاحبته ..
بعد أن أطلق الأمن سراحه , من آخر اعتقال , منذ صادقهم . فوجىء
باختفاء الصديق الأول , ونقل إليه الصديقين الآخرين :" انه يحرص على نفى اى
صلة جمعته بك !" .. فلم يعلق .
أفصح عن انزعاجه من عدم معاودة خطيبته له , منذ خرج من المعتقل .
وبعد تردد طويل , من صديقه الثالث , -الذي كانت عيناه تحملان إفادات غامضة
عن سبب عدم زيارتها له -.اخبره :" لقد تركتك , لخوفها من عالمك غير المستقر
. وعما قريب ستعلن خطبتها على صديقك "..انطوى على حزنه , وآلمه أن يفقد
صديقين , فاخذ ينظر إلى الصديق الثالث , بعينين لا قرار لهما , ويراقب
محاولاته الدءوبة لإثبات انه ليس كالصديقين الآخرين .
القاهرة سبتمبر 2004
لاجىء ..
فتح باب الشقة , وهو يعتقد إنها تنتظره كالعادة . فوجىء بأنها غير
موجودة . انتظرها وهو يكاد يتميز من الغيظ .
بعد منتصف الليل بقليل دخلت .. باغتته بالارتماء على حضنه وهى تقول
: " كنت في حفل وداع إحدى الصديقات , اللائي سيسافرن غدا إلى أميركا
..وحدثت جريمة قتل .. صديقة أخرى قتلت حبيبها في الحفل .. و .."
انتزع نفسه من أحضانها مأخوذا :" قتل ؟!.." .
" اكتشفت أثناء الحفل انه يخدعها ولن يضيفها إلى ملفه في إعادة
التوطين عبر الأمم المتحدة .كما وعدها , بعد أن آوته وعملت في البيوت
لتصرف عليه في هذه الغربة القاتلة ..خانها مع أخرى , أضافها لتسافر معه
بدلا عنها , فقتلته ..
ابتلع ريقه الجاف , وهو يبعد نظراته عن وجهها الذي بدا له خبيثا جدا
..
القاهرة أكتوبر 2004
أطفال..
في مثل هذه الساعة من كل يوم , يمر غريبا بينهم . فيصرخ فيه الأطفال
الأشقياء : " بونقا .. بونقا .. شيكولاته .." ..
ويسأله آخر :" عمو الساعة كام ؟ .. " ...
يفهم أن المقصود هو أن ينظر إلى لونه الأسود . يضحك الأطفال في
سعادة , دون أن يتدخل أهلهم ..
وأحيانا , في المترو , في وضح النهار , وهو منتصب بلونه الأسمر .
يتهامس شابين أو ثلاثة : " هي الدنيا ضلمت كدة ليه .." ..
فيتذكر وطنه وهو يتمتم : " انه ثمن الغربة .." ..
القاهرة 2003
نوبل..
كلفه مدير التحرير بإجراء حوار مع الكاتب الحائز على نوبل . وبعد أن
حصل على رقم التليفون , اتصل به .. و عند اقتراب مواعيد المقابلة وهو متوجه
إلى الحي الذي يسكنه الكاتب الكبير .. تنازعته مشاعر وأفكار شتى , عن جيران
الكاتب " لابد أنهم يحبونه كثيرا " ..
وعن سكان الحي " لابد أنهم يعرفونه كلهم .." ..
في أول الحي سأل احد المارة بثقة :" عايز بيت الأستاذ.. "
" أنت متأكد انه يسكن معنا هنا ؟!" ..
شعر بالإحباط وسؤاله يتكرر بطول الحي وعرضه حتى تملكه التعب واليأس.
وبعد ان اهدر وقتا طويلا وجد شخصا واحدا فقط يعرفه !..
الخرطوم 1999
   
الصفر..
(إلى صديق جميل . عارف بأسرار الصفر : علاء الدين بشير..
محبة وود .. إنها , لك .. أنت , وحدك .. لا شيء ..)
قالت لها العرافات : (ستخرجين من عتمتك إلى إشراق , يملؤك بالنور .
فلا ترين سوى دربا اخضر , وجدر تسلقتها نباتات الخريف, وبين بين نهرين من
اللبن والخمر , على ضفافيهما تنهض أشجار المانجو , التي تغرد بين تلا فيفها
الطيور الملونة , وتجلس تحتها الطواويس والغزلان ..
ستخرجين من عتمتك إلى بوح ندى , يخاطبك الناس بالشعر , فتتكلمين
بلغة العصافير , وتدركين أول الأنبياء .. تحكى له عن طي الزمن , والمسافات
, والوجوه المغبرة , وعكرة خلفتها وراءك . فيبادلك الحكمة , ويبتسم ثم يسجد
..
تنتظرينه وتنتظرينه , لكنه لا يرفع من السجود . فتغادرين إلى
الإشراق .. ) ..
خرجت خديجة من الغرفة المعتمة , دون أن تعير ولد العرافة الصغير ,
المتكيء على مواربة الباب , التفا ته . مضت في الدرب الملتوي , تتجنب
المستنقعات والبرك الصغيرة , في الزقاق المظلم . وتخشى أن تهاجمها كلاب
الحي على حين غرة ..
وهى تخلع ثيابها حائلة اللون , لترتدي قميص نومها الداكن , الخشن ,
سألتها أمها بلامبالاة :
* أين تأخرت كل هذا الوقت ؟!..
فأجابت باقتضاب وهى تستلقي على سريرها :
* اخذتنى مريم إلى جدتها العرافة ..
كانت صديقتها الوحيدة مريم , قد ألحت عليها , بالذهاب معها إلى
جدتها العرافة , ذات المهارات المتعددة __ ( فهي تخط الودع , تقرا الكف ,
تضرب الرمل وتفتح الكتاب .. بعد أن تضع أعواد البخور , على المباخر العديدة
المنتشرة في الغرفة الضيقة , الصغيرة , بضؤها الكابي , الموحى .. ليتصاعد
الدخان السحري , محيلا الرؤية إلى ضبابية , متقشعة . مسربا الخدر ,
والإحساس بالوجع اللذيذ . الخفي . في كل شيء ..حتى قطع الأثاث العتيقة ..
كانت مريم دهشة للسؤال الذي يطرحه حال خديجة , فهجست بالإجابه عن
هذا السؤال . بإحضارها إلى جدتها , ولية الله الصالحة بنت يونس , التي ولدت
مختونه , وعزفت عن طلب الرجال , إلى أن تقدم بها العمر , وصارت من القواعد
.. لكنما , ماء شبابها , كأنه لم يغيض . إذ لا تزال نضرة , لم يغشاها غضن ,
ولم يخط عليها شيب .. وعندما حدثت مريم جدتها . تبسمت الجدة عن أسنانها
الناصعة ,المكتملة , ولم تنبث ببنت شفة ...)__ في البدء رفضت خديجة الذهاب
, ثم لانت . كأن قوة خفية نهضت فجأة , لتدفعها دفعا .. وعندما خرجت من غرفة
الجدة , كانت مريم قد اختفت من الصالة , حيث تركتها قبل أن تدخل على الجدة
, التي مضت بها في دروب ذلك العالم البرزخى , تدفعها دفعا لقطع وهاده
وسباسبه , إلى أن توقفت عند شجرة ( اللألوب) في المنتهى .. فتركت خديجة
تسير وحدها , كطيف سابح في بحر من النور الكلى ..
لم تبحث خديجة عن مريم , وغادرت بيت الجدة في عجلة , وهى تتعثر في
قطع الأثاث بطريقها . دون أن تشعر بها . إلى أن لفحها تيار هواء بارد ,
فأدركت أنها بمنتصف الزقاق المفضي إلى الشارع الرئيسي ..
كانت خديجة منذ طفولتها كغزالة نافرة , فعندما تبدأ الفتيات في لعبة
( الحجلة أو عريس وعروسة , الخ ..) تقصى نفسها ك ( وزينه ) على ضفاف بحيرة
شاسعة . لا تريد التوغل .. تتركهم يمرحن وحدهن . وتراقبهن وهى تنشد :
( الزار عينا في كبد البوصة .. ني , ني .. مونجيض ,,
الطير كلى البر سوسة ...
الزار عينا في كبد الغابة .. ني , ني .. مونجيض ,,
الطير كلى الورتابه .. )
وظلت هذه الأنشودة , تعزية وحدتها . منذ ذلك الوقت . وكانت حين ترغب
في فصل نفسها عن العالم حولها , تتوغل متسحبة إلى داخلها وتدخل في حالة لا
شعورية , وتبدأ في ترديد أنشودتها المحببة , بصوت عميق , ملؤه الأسى
واللوعة . كأن طقسا بكامله , تؤديه جوقة من الرهبان .. إلى أن يخترق صوت
مريم كالمعتاد , في كل مرة عالمها الطقسى :
( الناس عر سو .. أنا في النميم يا يابا ... )
هكذا تشرخ مريم عالمها في كل مرة , فلا تملك سوى أن تنظر إليها
بمحبة , وتمسح حبات العرق من وجهها , وتبتسم دون تعليق ..
سنوات غربتها تمضى بخطى وئيدة , كتسحب الشمس شيئا فشيئا , قبل أن
تغيب . وطفل مريم الذي أرسلت لها صورته - في السنة الأولى لولادته - يكبر .
يصير صبيا , وسيما . تطل شقاوة أمه من عينيه . تبتسم خديجة عند هذا الخاطر
, وتدخل أخر الصور -التي أرسلتها لها مريم قبل شهر , للصبي الذي صار شابا
أليف الملامح , صبوح الوجه - في إطار مذهب حذاء التسريحة ..
في غربتها المترفة تنفتح حياتها على بوح قديم , ظنت إنها خلفته
وراءها .. بوح يطل برأسه من رحم الماضي , بين آونة وأخرى .. يخز رغباتها
الغامضة : التي ليست لديها فكرة واضحة عنها , فقط محض رغبة في التلظي
والتشظى .. تخرج منها إلى صلوات سرية طويلة , تختمها بتلك الأنشودة التي
تحبها , دون أن يخترق صوت مريم عالمها الطقوسى ويشرخه ...
تتفجر كوامن شجنها لوجه غامض , تعرفه ولا تعرفه . يجيء بملامحه
المبهمة , من خلف ضباب المغيب , لحظة ما قبل الفجر الغامضة ..
يصبح كيانها كله مشدودا كوتر كمان , عميق الجرح والآهة , أسيان كندى
فجر شاحب .. يخرج ابن مريم من الصورة , يعزف حتى تكل يداه من العزف المنفرد
, فيتوقف عن العزف , وتخرج مريم , من سطور الخطاب .. تشد الوتر - وجدان
خديجة - وتعزف نغما مألوفا , عن الشجن والترقب , فتهتف فيها بكل التحفز
العميق : ( انه هو ) !.. فتتوقف عن العزف .. تستند على ساق النخل ,
كالمنهارة . تدخل فيه , تتلاشى !!.. وعبثا يطول انتظارها لخروج مريم ..
كانت مريم قد احتضنت ابنها , وغابت في سطور الخطاب ...
تعيد خديجة الصورة إلى التسريحة , تلوكها الهواجس والظنون , فتحترق
بنيران الأسئلة , إلى أن يأخذها النوم , وتمضى بها الأحلام إلى عالم مضيء
.. تتلفت حولها لترى مصدر الضوء , وعبثا تبحث .. فاضاته من اللا مكان : لا
شرق . لا غرب , لا شمال أو جنوب ..تتسلق حائطا اخضر . يبدو لها ناعما .
وتسبح بعده في نهر الخمر . تتشرب مسامها بالخدر . وتتسع رؤاها ورؤيتها . ,
فتدرك الضفة الأخرى منهكة , وهى بين الصحو والنوم , تحط على كتفها يمامة ,
وتقترب غزالة , لتجلس إليها في حنو . تحكى لها عن الذي وجدته ملقى على
شاطيء البحر , وحيدا , ينضح بالعذاب . فسقته من ثديها ( كان ينضح بالعذاب
!) .. تؤكد , فتقول اليمامة : ( العذاب غسول الصالحين ) .. وتحلق , تحلق ..
لتجد خديجة نفسها بين منزلتين ...
لطالما حلمت في تلك النهارات البعيدة , بوجهه غجري الملامح . يأخذها
من قلب حلقة ( الذكر ) , ويمضى بها في مسارات غائظة بالتوجس , مشحونة
بالمغامرة , بين احتمال موت جدير بحياتيهما , وحياة لا تدركها تلك الهواجس
, التي عانتها في أسى والتياع , بانتظاره المضني !!!...
كطاقة بعث - كانت حياتها - تخرج من قلب دهاليز التاريخ وأزقته
وحواريه , في مدنه المدفونة .
طاقة تتفجر هكذا , كبركان . تجتاح حممه كل شيء . لتدفعها دفعا
لارتياد عوالم لا تدركها . فقط تحسها . وتكاد تتلمسها . بأناملها التي ترى
ما لا يرى !!!.. ..
حاولت أن تغلق قلبها دونه , لكنه ينفتح على شبح وجهه , غامض الملامح
. وجهه المحزون . بخذلان حوارييه . وخيانة الصديق القريب .
وجهه المندفع من عالم سرمدي , بعيد , بعيد . لا تدركه الأبصار . ..
فتهتز خديجة كنخلة , في مهب الريح , يحاصرها التساب .في غمرة الإدراك
لوجودها غير المدرك ..وتمضى في رحاب عالم تصله ولا تصله . وإذ تصله لا تجده
. وهو فيها . وهى فيه . يتماهيان . فلا يصبحان واحدا . بل صفرا . مركزا
للواحد . . وواحدا على هامش الصفر .. ( تتوحد ) فيه , للتلاشي , معا . ولا
يعود لهما وجود : ( صفر ) .. وخز شفيف وشقي , يجبرها على طرد هذا الخاطر ,
وخز يتكون كدمل . يتحفز للانفتاح على نافذة متربة . بتعاقب الفصول . ..
لثمة خفية تنزعها من مكانها , تتلفت حولها , وتستكين . خدر , بلسم
يهديء صبوتها .. عذابها الجرح .. فتترقب وجهه أكثر , وجهه الغامض يلوح من
شفق المغيب , فجأة , كما صعد فجأة , تاركا صالبيه : حيارى , وهم مروعين مما
شبه لهم , في ذلك الفجر الذي ينذر بالمخاوف - .. يمضى بها , يعلق أحلامها ,
ويعزف على الكمان , أغنية الانتظار - للتي طال انتظارها الجرح العذاب -
لمخلصها من عذابات الوصول (العذاب .. العذاب , غسول الصالحين ..) .. تضج
بانين الشجن , وتأوهاته , الم الغربة , القاحلة واحتراقاتها .. هذا الموت
الذي يدنو منها , ليقودها إلى ( الفناء ) , مبددا تصوراتها ..
ذاك الوجه الغامض , الذي يتبدى عن أوتار الكمان , وتلافيف الشجن عصى
البوح .. يقلق وحدتها .. تتشظى به , فيمضى أكثر لوعه والتياع , ويمضى ولا
يجيء .. يغيب في سرمديته ...
وتحت وطء الانتظار تغوص , في أرخبيل شائك . يدفعها الشوق . تعبره
ملأى بالجروح المتقيحة , تتمدد تحت نبات( اليقطين ) .. تتشكل معها ( هوية
واحدة ) : - محض نور ...
اطل وجه العرافة المقعدة , كانت منتصبة . تتقدم تجاه خديجة ببطء ,
تعبر إليها من مكان بلا ملامح , حيث تقف في الغياب .. تبدل وجه العرافة ,
حل محله وجه ابن مريم شابا فتيا , متلفعا ببردة الكتان , الناصعة ذاتها ..
تقدم منها فاتحا ذراعيه .. لحظتها كانت أحلامهما ( هي ومريم ) قد غلب عليها
الغموض و الألق ..
كان قد اقترب منها .. استحالا إلى لا شيء . تبددا في الضؤ , الذي
يغمر أسقف البيوت الواطئة , الشجر , أوكار الطيور , جحور القوارض , حظائر
الحيوانات الأليفة , ووجوه المارة .. عابري السبيل ...
تتلاشى ذكرياتها القديمة , لتتشكل اللاذكريات . يتلاشى الحنين إلى
الحنين . ذكريات الطفولة , شارع البيت , أشجار الحوش الكبير , قهوة منتصف
النهار , الطريق إلى محطة المواصلات وعاصمة بلادها الملبدة بالحذر ..
حنينها لأسرتها , لعالمها ذاك .. الناس والأشياء .. يتلاشى كل شيء .. يتشكل
فقط وجه الحبيب , في بردته الكتان , الناصعة . يقترب شيئا فشيئا إلى سطح
عالم الحنين المنهار .. ليحل مركزا لوجودها وكيانها وحسها .. يلعبان اللعبة
ذاتها : يكر فتفر . تفر فيكر .. ويدهمها ليلا ليخطف منامها , ويقطف وردة
جرحها , ليغذى الحنين من بوح تلك اللحظات الغامضة , التي ربما عاشاها أو لم
يعيشاها معا أو عاشتها خديجة لوحدها !.. فقط تشعر خديجة بمريم , تتقمصها ,
وابنها يحتضنها حتى تئن ضلوع خديجة . ويغلبها التمزق والإرهاق , فتغرق في
النوم ...
احلامهما ( هي ومريم ) غلب عليها الغموض والتوجع , المستمد من أعماق
غربتيهما , ركاميهما , البلى الذي حاصرهما , وكل التخثر الذي حاولتا تمزيق
أغشيته , للإفلات من تبدد الزمن والمكان , والشروع في الحلم ...
القاهرة ابريل 2004
   
تجليات الميرم كلتوم
عثر الحلاج , ولم يكن في زمانه من يأخذ بيده ,
ولو أدركته لأخذت بيده .
الإمام عبد القادر الجيلاني.
---------
كنت واقفا أمعن فيهما النظر , إلى أن تلاشيا في الشارع الخالي إلا
منهما . فرددت بصري ,وأنا أشعر بميدان التحرير يمتليء فجأة بالناس , ويهيمن
الضجيج على شارع القصر العيني . والزحام يعيق حركة المرور , في الشارع
المفضي إلى طلعت حرب .
كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها , في اللحظة التي تهشمت فيها
طبيعتي , بعد أن دهستني عربة النقل الكبيرة وساوتني مع الإسفلت .. و حتى
الآن لا أدري , هل ما حدث أمامي حقيقي , أم هو وهم تخيلته .. هل الميرم
كلتوم , التي عرفتها في طفولتي , هي ذاتها الشيخة كلتوم التي اختفت أمام
عيني قبل قليل ؟؟ هل هي ذاتها , التي غيرت حياتي , عندما دخلتها فجأة في
ذلك المساء , عند مدخل ضريح السيدة زينب ؟!.. هل هي ذاتها هذه التي غيرت
حياتي مرة أخرى , لحظة رأت عبد الرحمن ود التوم , فاقتربت منه , ومدت
أناملها تخاصر أصابعه ,ومضيا معا , ليتلاشيا في شارع القصر العيني ؟!..
كانت الشيخة كلتوم منذ عرفتها , تكتفي عن سؤالي بالنظر إلى بؤبؤ
عيني , تعبره إلى جوفي , فتدرك حقائقي وتلوح لي بها ..
فكنت أرى نفسي في رقائقها , التي تعبر بي تلك المسافة الكامنة في
عجز اللغة وقصورها , عن ترجمة نفسي بهذه الدقة المتناهية, التي تلوح في
إيماءات الشيخة وإشاراتها , التي تفكك ما استغلق داخلي , وتبوح برموز باطني
, المفعم بالتلويحات , فأرى نفسي كالشمس : ساطعة - وحياتي تنساب فيها من
الميلاد إلى المنتهى , عند شجرة اللألوب , التي خيمت عندها الميرم , تناجي
ود التوم و غرابها الأشهب , وأنا اقترب منهما حاملا قلبي على كفي .. تنساب
حياتي هكذا بإيجاز ورحابة , محاطة بمكاشفات الوصول , المنزهة عن مزالق
اللغة , و سباسبها ووهادها ومضايقها الوعرة !! – إذن هكذا , كان ما بيننا
من أمر من المبتدأ إلى المنتهى !!..
أول مرة جلست فيها إليها , غابت عني كأنها ترتحل في عالم لا نهائي .
لا يمت إلى هذه الدار بصلة .. كانت هائمة . مغتربة في الزمن والمكان .
لاشيء منها سوى ثوبها الصوف المطرز بالريش وألياف الشجر .. لا أدري إن كان
هذا الثوب يخفي داخله الشيخة كلتوم , أم يخفي شخصا آخر !!..
كنت قد التقيت الشيخة قبل أيام عند ضريح السيدة زينب , واستقبلتني
قبل قليل في دارها , وبعد لا تزال التساؤلات تتفاعل داخلي . ترى هل هي
الميرم ذاتها : تلك الدرويشة , التي كنا نجلس إليها , في الطفولة , بعد أن
نعبث مع الغراب الأشهب في شجرتها" اللألوب", والذي كانت ترعاه .. كنا
نسألها ما يعن لنا من أسئلة , فتبتسم وتحكي لنا عن طي المكان والزمان , و"المسيد"
و"حيران" (الشيخ كوكاب العنقرة) .. هل هي الميرم كلتوم ذاتها , أم يخفي هذا
الثوب , الذي أجلس إليه الآن شخصا آخر , لم تسبق لي معرفته .. كنت مرتبكا ,
وخائفا .. وحائرا , ربما ..وربما مذهولا ومسحورا . وذاكرتي تحاول أن تستعيد
, تلك الحكايات المتناقضة عنها , في تلك الطفولة البعيدة ..
حلت الميرم كلتوم على حينا فجأة , واتخذت من تقاطع الشوارع, في قلب
الحي مكانا لكوخ صغير , لا ندري متى شيدته .. فجأة رأينا الكوخ الناهض في
قلب ميدان التقاطع!!! ..
كانت الميرم ذات جمال ملائكي, وعينين اجتماعيتين , ووداعة وسمت
شبابها الذي تجاوز سن العشرين بقليل – وقتها - وقد أضفى عليها ثوبها المزيج
من الليف والصوف والريش - وبشرتها القمحية المشربة بغبار السفر المستمر ,
الذي لم يستطع إخفاء يناعتها, كزهرة بريّة مرت عليها عاصفة دون أن تذروها
أو تكسرها - .. كل ذلك أضفى عليها غموضا وسحرا غريبين !!!..
هذا الغموض والسحر هو ما أثار الأسئلة, التي حملتها إليها لجنة الحي
, فردت عليها بهدوء ولطف :" أنا الميرم كلتوم بنت دور شيت السلطان – ولكنني
أيضا لبنى وليلى وبثينة , فلم يكنّ سواي يوما ." .. أستهجن أعضاء لجنة الحي
إجابتها لكنهم عملوا – مع ذلك – على أن يتقبل الحي وجودها .. تذمر الناس في
البدء . ثم خفتت أصواتهم شيئا فشيئا , ثم تقبلو الأمر على مضض, فصار وجود
الميرم أمرا واقعا في الحي . خاصة أن أحد أعضاء اللجنة من (أهل الحل
والعقد) قد عرض عليها الزواج - على نحو غير معلن - , فرفضت وعرض عليها آخر
أن يفرد لها غرفة في داره – سرا - , فرفضت ذلك أيضا .. وأخيرا تعاطف معها
كل أعضاء اللجنة, بدفع من الرجلين اللذين قدما عروضهما السرية للزواج
والمساكنة – هذه العروض التي لم تخرج إلى العلن إلا بعد اختفاء الميرم -
على نحو غامض !!..
تعاطف أعضاء اللجنة معها وعملوا على دعمها , فأدخلوا بعض التحسينات
على كوخها , واشتروا لها ثيابا لم تلبسها مطلقا , واتاحوا لها حمامات
بيوتهم ..
وهكذا أصبحت الميرم كلتوم جزء من النسيج الاجتماعي للحي , ومعلما
بارزا فيه بشجرتها "اللألوب" وغرابها الأشهب, الذي لا يفارق الشجرة أبدا –
كانت شجرة "اللألوب" هذه قبل أن تنصب "الميرم" كوخها تحتها: يابسة وجافة
منذ وقت طويل , وبمجيء الميرم أخضرت الشجرة وجاء هذا الغراب بلونه الأشهب ,
فاعتبر بعض عقلاء الحي المتبحرين في العلم , أن تلك كرامة ولية صالحة –
صارت الميرم إذن جزء من الذاكرة العامة للحي , الذي بدت كأنها ولدت فيه ..
أخذت الميرم" تخط الودع" للصبيان والصبايا, الذين يزورون كوخها .
وتبيع "النبق" و"القنقليس" و "الدوم" للأطفال الذين يتجمعون في العصارى
حولها , خارج الكوخ , فتحكي لهم كل الحكايا التي حكتها لهم من قبل , مرارا
وتكرارا دون أن تكل أو تمل ..
فجأة بدأت الحكايات حول الميرم تنطلق , لا أدري : هل تزامن انطلاق
هذه الحكايات بعد حلولها المفاجيء بقليل , أم بعد ذلك بوقت ليس بالقصير ,
إذ روج الرجال – خاصة أولئك الذين في لجنة الحي – أن الميرم نزحت من ارض
بلادها ,بعد أن ضربها الجفاف والتصحر – و بسبب الحرب الأهلية أيضا - فعندما
مات أهلها بسؤ التغذية لم تجد بدا من مغادرة ديارها الخطرة , فضربت في
الأرض, حتى أستقر بها المقام في هذا الحي , إلى آخر الحكايات من هذا القبيل
, والتي تم اعتمادها رسميا, كحكايا صادرة من السلطة العليا للحي .
لكن كانت هناك حكايات أخرى فاعلة ومؤثرة , رغم أنها لا تعبر عن وجهة
النظر الرسمية للحي , هي حكايات النسوة اللائي أخذن يؤكدن أن الميرم حلت
بالحي كلعنة , فهي هاربة من القتل , بعد أن أحبت احد حيران الشيخ (كوكاب
العنقرة) , في بلدتها التي في نواحي كردفان , وقرر أخوتها ثأرا لشرفهم
قتلها – لكنها هربت – بعد أن قاموا بقتل "الحوار" ..
وحكت نساء أخريات , أن "الميرم" ليست من نواحي كردفان , بل من الغرب
الأقصى في دار فور .. حيث النساء متحررات , يمكنهن السفر إلى أي مكان, وفي
أي وقت دون "محرم" , وإنها جاءت إلى هنا لتخطف أحد "أولاد البحر" من زوجته
, فقد رأته في أحدى رحلات عمله ,كسائق لعربة نقل بضائع , فأحبته وأحبها ,
وبعد سفره قررت اللحاق به , وبحثت عنه طويلا , إلى أن حلت بهذا الحي,
لاعتقادها انه يسكن فيه , وأن بصرها سيقع عليه لا محالة , وهكذا نهضت قصص
النسوة في الحي, عن الميرم على أساس أنها , تبحث عن رجل ما , فاخضعن
أزواجهن وأولادهن لتفتيش يومي ومراقبة صارمة ..
ولذلك عندما اقترب الشاب الغض, والغامض المنكفيء على نفسه والمتوحد:
عبد الرحمن ود التوم من حياة (الميرم كلتوم) , وأصبح لا يفارق مجلسها ,مع
الصبية الذين يصغرونه كثيرا , ثارت حفيظة الصبايا, وشاعت شائعة بين النسوة
في الحي :أن الميرم وود التوم قد وقعا في المحظور !!..
ثم بدأت النسوة يحاصرن الميرم بأطفالهن , فيوعزن للأطفال, بان
يهشموا قيلولاتها, برمي شجرة "اللألوب" والغراب بالحجارة , وألا يجلسوا
إليها , ورميها هي ذاتها بالحصى الصغيرة .. وكنت أراقب كل ذلك بصمت , دون
أن أقوى على فعل شيء . كنت مشدودا إليها , لكنني لم أقوى على فعل شيء
!!..إلى أن اختفت الميرم فجأة كما ظهرت فجأة , وتعددت الحكايات والروايات
حول اختفائها المفاجيء ..
لكن كل الروايات أجمعت بين متناقضاتها, أنها فجر اختفائها كانت تحمل
"صرّة" كبيرة , منسوجة من الريش الأشهب على ظهرها .. وظللت بعد ذلك لوقت
طويل أتساءل عن مصيرها , إلى أن غادرت البلاد والتقيتها فجأة في هذه البلاد
,عند مدخل ضريح السيدة زينب الذي كنت أتردد عليه بانتظام , كل جمعة لأكثر
من عامين ونصف , وأخذت أتسائل : هل هي الميرم كلتوم ذاتها , أم شبهت لي
فاستمرأت هي الأمر ؟!.. وكأنها أدركت تساؤلي , فخرج من الثوب الذي كنت أجلس
إليه صوت رقيق مفعم بعذوبة الموسيقى :
سقاني حبيبي من شراب ذوي المجد + فأسكرني حقا فغبت على وجدي
وأجلسني قربه في قاب قوسين سيدي + على منبر التخصيص في حضرة المجد
حضرت مع الأقطاب في حضرة اللقا + فغبت به عنهم وشاهدته وحدي (*)
ثم تنهدت بعمق وزفرت ثم ألتفتت إليّ :" عذرا يا علي .." ..
- لا داع للاعتذار يا شيختي .
لم أتوقف من زيارة الضريح, إلا منذ تلك الأمسية, التي التقيتها فيها
عند المدخل , وأنا في طريقي إلى الخروج .. تعرفنا إلى بعضنا واستعدنا بعض
الذكريات البعيدة , وركبنا معا الأتوبيس ذاته إلى "العتبة" حيث افترقنا,
على وعد أن أزورها في شقتها , التي ما أن استقبلتني فيها , حتى دخلت في تلك
الحالة من الغياب ..
ومنذ ذلك اللقاء الأول عند الضريح , أصبحت الشيخة كلتوم صديقتي
الوحيدة , في هذه البلاد الغريبة .. كنا قد تقاربنا, كأننا أصدقاء منذ وقت
بعيد , جمعتنا ذكريات منصرمة , وبقايا أطياف حميمة ..
ارتدنا سوح شاسعة , تعرفنا خلالها على أدق حقائق أنفسنا .. تلك
الحقائق التي لا تبين ,إلا في الارتحال والغوص بعيدا في منابع النور ..
هكذا سرنا معا بأقدام الصدق , والتجرد عن الأكوان الظاهرة, وتلك
الذكريات المحزنة : وهي تنسحب إلى داخل كوخها, لتنجو من الحصى, التي يرميها
عليها الصبية , أو تسد أذنيها, حتى لا تسمع الضجيج في شجرة "اللألوب",
عندما تضرب الحجارة فروعها ..
طارت بي الشيخة كلتوم, بأجنحة المحبة ,مخترقة سماوات الأحوال
والمقامات , ولم تحط رحالها أبدا , حتى هتف بها هاتف :
وتظهر للعشاق في كل مظهر + من اللبس في أشكال حسن بديعة
ففي مرة لبنى وأخرى بثينة + وآونة تدعى بعزة عزت
ولسن سواها لا ولا كن غيرها + وما أن لها في حسنها من شريكة (*)
ما وطد علاقتي بالشيخة كلتوم هو تلك العفة, والرقة .التي تسم
حياتها.. وكلامها في الجد والمزاح , وتلك الأحوال التي ترتادها , فتغيب عني
, لكني أراها في خاطري : أين تمضي – فتدهشني تلك المشاهدات, وذاك الحضور
الذي تغيب فيه . كنت أدرك أن روحها وقلبها ,يتوقان إلى تلبية نداء الشوق ,
والتنعم بالوصال , وما أن تنتفض وتسترد ذاتها الغائبة, متصببة بالعرق
والغبار والطين, وتجدني لا أزال قربها ,حتى تفتر شفتيها عن ابتسامة هادئة
وتقول :" أوصيك يا علي بالسخاء والرضا – الصبر والإشارة – الغربة ولبس
الصوف – السياحة والفقر ." .. فأضحك وأنا أرد عليها :
- يا شيختي , لا أملك سوى قلبي , وهذه الثياب , ولا أظنني أرضى .
فقد تركت بلدي لأمر , وأصبحت في شأن آخر , وأظنني صبور على هذا الابتلاء .
ولا أظن ثمة غربة أكثر من البعد عن الأهل والأوطان , ولا من هو أكثر غربة
مني, في الذات والأرض . وما عاد الصوف يصلح لحياة هذا الزمان , الذي زهد
فينا .. ومع ذلك , تطبع أكلي ومشربي وكسوتي خشونة الفقر .. يا شيختي ,
الوصايا لمن يستطيع نفاذها , إذا أنطبق الحال والمقال .".. فتضحك :
- يا علي القلب إذا صفا , تجلت عليه سطعات الأنوار الشهودية , حتى
يصبح مجالا للوسع النوراني , فكيف تقول أن الزمان زهد فينا ؟!.. والزمان لا
يزهد !!..
فأبتسم وأشعر أن عروق قلبي تنتفض , وتمضي بعيدا , تخترق الطبقات
والحجب لتزرع في اللانهاية , فتستردني :" يا له من قلب !!" ..
سألتها عن الحوار الذي أحبت, وتلك الحكايا التي تناقلها الحي عنها ,
فتنهدت :" كان ذا وجه صبوح وابتسامة , كلما ضاقت اتسع نورها !.. الوحيد
الذي لم يكن يخشاني , ويحضر الطعام إليّ , تحت شجرة اللألوب , ولا ينهض إلا
بعد وقت طويل .. كان فتىّ صالحا مليء بالإشراق ولا يعرف ذلك , لكن القوة
التي شدته اليّ ,هي ذاتها القوة التي شدتني إليه , كطرفين يلتقيان ,
ليخلفان وراءهما عذوبة الماء السلسبيل .. تلك كانت أول الحكايات وأخرها ,
فليس في حياتي حكاية سواها .. حكايتي وعبد الرحمن ود التوم , وكل ما عداها
من حكايا محض أكاذيب من نسج خيال الحي .
كنت أتآنس به ويتآنس بي تلويحا وتلميحا , فالصبي – ود التوم – تغلب
على مراهقته بصلاحه ونقاء قلبه , وذاك هو الإشراق .. لكن أهل حيك ضربوا
علينا الحصار , دونما سبب يبرر ذلك طردني سكان حيك , بعد أن قتلوا غرابي
الذي اعتنيت به وجاورته , طردوني بعد أن احرقوا شجرة "اللألوب" .. فافترقنا
ولم نلتق بعد ذلك أبدا . لكنني كنت اعلم أنه سيموت كمدا كما ستموت أنت ,
وكما سأمضي وإياه, إلى شجرة اللألوب في المنتهى , لنقيم في كوخنا تحتها ,
نلهو مع غرابنا الأشهب الوديع .. تركت الحي دون ضغينة حتى لا أقتل
كاللألوبة والغراب , ولم يتبق لي سوى ذكريات الأيام الخوالي . يا علي أنبل
الذكريات , تلك التي تخلو من الضغينة ...
... وما أن لها في حسنها من شريكة ..
.. وقتها كنا في قلب ميدان التحرير , قبالة التمثال , ومع آخر كلمات
الهاتف , بدأ ميدان التحرير فارغا إلا منا وشاب بهالة ملائكية يتهادى في
مشيته من بعيد , باتجاهنا من قبالة الشارع المفضي لتمثال طلعت حرب , رأيت
في طيفه عبد الرحمن ود التوم , وأدركت انه هو من ارتباكها ..
نعم , كانت صديقتي الوحيدة الميرم كلتوم مرتبكة , ومتنازعة تقلب
بصرها بيني وبينه . ثم حسمت أمرها فمضت باتجاهه , إلى أن اقتربا من بعضيهما
, وتخاصرت أصابعهما ,ومضيا في شارع القصر العيني ...
كنت واقفا أمعن فيهما النظر ,إلى أن تلاشيا في الشارع الخالي إلا
منهما .. فرددت بصري ,وأنا أشعر بميدان التحرير يمتليء فجأة بالناس ,
والضجيج يملأ شارع القصر العيني , والزحام يعيق المرور, في الشارع المفضي
إلى تمثال طلعت حرب ..
كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها, في اللحظة التي تهشمت فيها طبيعتي
, فآخر- ما التقطته عيناي : عربة نقل كبيرة قادمة نحوي بسرعة - ثم لم تلتقط
أذناي بعد ذلك سوى صرير عجلاتها وهي تطأني ..
........................
(*)
الإمام عبد القادر الجيلاني.
سبتمبر 2005 القاهرة
   
أغنية لطائر
الحب والمطر..
كنت متكئا على عصاي عندما غفوت على الكرسي .. انتبهت اثر تحطم العصا
بعد أن تحول جوفها إلى دقيق ناعم . بفعل السوس والأرضة .. تماسكت في اللحظة
الأخيرة , متجنبا السقوط عبر ثقب الليل . كانت الأرضة اللعينة قد كررت ذات
فعلتها مع سقف وأثاث البيت , قلت في نفسي يجب أن أجد حلا , وإلا تحول البيت
كله إلى رماد .
أتت( إيمى) تحمل قمرية , مدتها لي : ( احد الأطفال الأشقياء حطم
جناحها ..).. أمسكتها برفق وودت لو بقيت إيمى .. كبرت كثيرا , وصارت (ملظلظة
).. تذكرت طفولتها الشقية . والتصاقها الدائم بي . كانت دائما تتسبب في
الكوارث التي تنسب إلى في خاتمة المطاف . فأنال بسببها العلقات الساخنة ,
دون أن أقول الحقيقة فأشي بها ....
وددت لو أقول لها شيئا الآن , فلم استطع .. اشعر أحيانا أن خالتي
تعلم خفايا عقلي وقلبي , تجاه ابنتها .. حاولت أن أنسى , فتشاغلت بالقمرية
الصغيرة .. حدثت نفسي (حديثة عهد بالطيران على ما يبدو ..)..
تابعتها بنظراتي وهى تتسرب بجناحيها في الفضاء اللا متناهي : تتضاءل
, تتضاءل , تتضاءل ...ثم تغيب في الأفق الشفقى الوريف ..
شربت الشاي من يدي إيمى , ورحلت في عينيها إلى أخر المساء .. كانت
الشمس مجرد هالة خابية , خلف السحب الغائمة .. تشتت بين عيني ايمى وإيغال
المساء ...
وقع خطى الليل الثقيل , يبعث في النفس نوع غامض من الرهبة والتحفز
.. عوالم من البوح والتردد تتداخل , لتتلوى في داخلي شيئا من أشواق و مشاعر
لم تفصح عن نفسها بوضوح ..
كان الوقت متأخرا . طلبت منى خالتي اصطحاب ايمى للتسوق .. أحسست
بنفسي سعيدا كطفل غرير يوهب حلو ى أو لعبة يحبها .. طلبت منى ايمى أن نسير
على أقدامنا . بحثت في جيوبي عن حلوى لأهديها لها .. عثرت على بقية أحلام
طفولية ولم اعثر على حلوى .. ونحن بمنتصف الطريق , أحسست بها تود قول شيء
بعد نفاد صبر طويل , وأحست بي كذلك أود قول أشياء لفها صمت سحيق , مذ كنا
صغارا ...
تمدد الطريق على المسافة الإلتوائية النادرة إلا هنا.. استوعبته ,
بنظرة خاطفة واشتعل احساسى في صحن عيني إيمان .. كنت أغوص فيهما عميقا ,
عميقا .. وكانت السماء مورقة , ووريف عينيها يورق سحبا ملبدة بالغيوم ..
كانت سماء عينيها لا تعكس سوى ما اصطحبنا من أحاسيس عميقة منذ كنا صغارا ,
تلك الأحاسيس السرية , الصاخبة عميقة الغور ..
أتتنى العيد المنصرم توفى بالوعد الذي قطعته على مذ عالجت جناحها
المكسور .. كانت بعد صغيرة لا تعتقد بالتئام الجرح . وانسداد الشرخ الشرشفى
في قبة السماء , التي غيبتها أخر مرة ..أنفقت زمنا في معالجتها , ثم
أطلقتها للريح , ومنذها أصبحت تنفق أياما من كل عيد معي .. تهبط على
النافذة حين تجد غرفتي ممتلئة بمن أحب واكره .. وحين تخلو الغرفة إلا منى ,
وعلاقتي المتجددة بها . تهبط على راس مخدتي أو عند حافة السرير .. اقبل
جناحيها .. أذيب لها السكر في الماء ..انثر لها الحب .. نثرثر معا .. اضحك
, ثم ترحل , لتات في عيد آخر .. سبعة سنوات ولم تتغيب أبدا , لا أدرى ما
الذي أخرها هذا العيد عن المجيء !؟!..
الطريق الملتوي كثعبان يشعل في النفس احاسيسا متداخلة .. أطلقت
عربتان السباب بينهما , وانحرفتا على نحو مفاجىء ووقعت مقدمة أحداهما على
حفرة .. كنت أحيط خصر إيمان بإحدى يدي وجذبتها بالأخرى , تحسبا لأي خطر .
حين انقشع الخوف عن الطريق الالتوائي .. لم انتبه إلا وهى على صدري ..
استعدت حواسي المغمدة في الدفء ..
مذ كنا نرتدي السراويل بعد وبيننا علاقة مبهمة . يفهمها الجميع ولا
يجرؤن على تسميتها . أتذكر كيف كنا نتركهم يتحدثون بتكرار ممل عن أحداث
القرية : القادمين والذاهبين .الذين توفوا مؤخرا . الذين اغتيل احدهم
برصاصة طائشة . والذين بعد لم تدلقهم مدن البتر ودولار , على دروبنا
المنهكة .. المغتربين لأجل أنثى تضمد جراحات أيامهم . وتلملم شظاياهم لتصوغ
منها أنشودة طويلة لا تحكى كالمعتاد أحزان المغترب ..نعم اذكر كيف كنا نهرب
لنزهو بعيدا عن عوالمنا البهية , سنين من الحب المكبوت !! والمشاعر البريئة
...
سكبت على مؤخرة العربة المقعية على الحفرة ذكرياتي الطفولية . وأنا
انسحب من المكوث بين شسوع عيني ايمى .. احتوانا الشارع كأشياء صغيرة اعتادت
إهانته كل يوم بأحذيتها .. كان الشارع قد اخذ يخلو شيئا فشيئا إلا من بعض
السابلة والمارة المتفرقين , على مسافات متباعدة هنا وهناك .. مسحت السماء
ببصري. كانت قد شنت في الآونة الأخيرة حملات لا هوادة فيها على مدينتنا ,
قلت لإيمى : ( نزر كارثة أخرى , بيوت المدينة المتهالكة لم تعد تحتمل ؟!..)
نظرت إلى وابتسمت :( أين كنت بالأمس . انتظرتك طويلا ؟!) .." كنت هائما
اغزل في القلب مخلاة لحب جميل " ... تضرج وجهها بحمرة لامست سواد الليل في
الكبد ..وسادت فترة من الصمت الحميم .... آه لوتدرين ايمى كم اشتاق ضحكتك
المطلة على عوالم تدفن نفسها بالصمت , أسرنى العشق واتسع جلبابه وفاض ,
وتمددت في شوق وحنين ..بدأت خيوط المطر ترفو أثواب الهواء الطليق . ثم تدلت
تتكوم على الأرض .. لم تعد رزازا بل وابلا لاسع الوخز..ثرثرت في أذنى العيد
الماضي وقلت لها : ( مدينتنا تكره الغرباء ! ) فعبست , فأضفت :(أنت لست
غريبة ) فغردت وانطلقت من غنائها تنبؤات الزمن الآت . كانت تود أن تفعل
شيئا لأجلى . هكذا أحس بها كل عيد , وكنت مسكونا بايمى . لا أدرى لماذا
تأخرت هذا العيد ؟!..على حين غرة اشتد المطر .. أرسل مواويله المرعبة
..سحبت ايمى إلى مظلة على حافة الطريق.. كان الشارع قد خلى تماما من المارة
, والليل ينذر بالتوغل في خفاياه .. اخذ المطر يعبث بوجه إيمان , فتطاولت
بقامتي لاحميها . تجرا على ظهرها فخلعت سترتي . وأمرتها :( ارتدى خذي هذه
لئلا تصابى بالبرد ) ( لكنك... ) .. أصررت , فتعنتت, فكشرت لها عن انيابى .
استسلمت وهى تضحك في غبطة .. " تبقى على حماية الجبهة الأمامية". تطاولت
أكثر لأحمى وجهها . لم اشعر بوقع حبات المطر على ظهري , كانت عيناها
تتماوجان بإحساس دافق , تهيجت مكنوناتي كلها , وتراكمت في داخلي شعلة من
الأحاسيس والمشاعر الفياضة . رعدة قوية اهتزت لها المظلة . جعلت إيمان
تندفع عميقا عميقا لتختبىء في صدري !!..
تنبهت إلى شيء يحط على كتفي . أزحت وجهي عن تنفس إيمان المنتظم ..
أفلتت إيمان بذعر .. كانت القمرية تفرد جناحيها على كتفي . مددت لها يدي
فهبطت على راحتها . مددتها لإيمان .. كان الفرح يطل من عيني القمرية ..
طارت من كف إيمان لتحط على كتفي .. غلفنا الصمت للحظة .. كان المطر قد توقف
منذ وقت ليس قصيرا .. حنت إيمان رأسها في حياء . غردت القمرية كما لم تغرد
من قبل . ثم طارت .. تابعتها بنظراتي وهى تتسرب بجناحيها الفضاء اللامتناهى
.. تتضاءل أكثر فأكثر ..غابت تماما واحتوانا الطريق...
كوستي 1997
----------------------------------------
أضيفت في 17/02/2006/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب
   
النوة...
لم اعد أقوى على احتمال المضايقات أكثر من ذلك ..
*.. إذن ستهاجر ؟ .
* انا بصدد ترتيب ذلك ..
* وعائشة ؟!..
*.............
* أفكارك لن تروقهم .!...
منذ أجبت على أسئلة صديقك الوحيد إبراهيم , والحصار يشتد , ومع الحصار تعبر
الملامح عن نفسها . تكشف عن أشلاء عائشة التي مزق طيفها الحصار ...!...
اتخذ محمود مقعده جوارك في البص الهرم . ولم يلبث أن نهض لامرأة مسنة .
اقترب بنظراته المتسللة لزحام البص , المكتظ , من مفاتن الفتاة التي لم تجد
مكانا للجلوس . ودنا يلاحقها بين الزحام والعرق , إلى أن اقترب كثيرا من
الفتاة التي كانت قد نهضت ................
ذكريات صداقتكما المنهارة .. نهضت من بين الأطلال , مشاعرك المائية تجاهه .
في السكة التي جمعتكما الآن . كصدفة , ربما غير مرغوب فيها ..نتف من
اللحظات البعيدة الهائمة , محطة أخرى وينتهي الأمر !.........
كنت تظن انك ستهدم العالم وتشيده على نحو مختلف , وها أنت تستعد للنفي
الاختياري والرحيل . تمضى كنبي طريد , تترك خلفك المزاعم والهواجس والظنون
. وكمهزوم تمر عبر ثقوب التاريخ , تصطحب الدراويش بلباسهم المرقع , وتتسلل
مسارب الايدولوجيا . في قاع المدينة . تقودهم إلى ميدان جامع الخرطوم
الكبير
تلتفت خلفك : " لا احد " .. تعزى نفسك بأشلاء طيف تتلاشى في الذاكرة ,
لتبقى في الوجدان قبض الريح !... تخاله شيئا من الحنين إلى الحنين , أو
لوعة مختلسة فتوغل في الرحيل .........
وكبرق يضيء فجأة وينطفىء . تمضى عائشة تخلف وراءها أشتات من الرماد , وبوح
يتلف الدواخل ........
كانت عائشة الورد والسنابل والمطر الأليف . دون رعد أو صواعق . .. تواصل
لميلاد أشياء يلفها الصمت ويحويها الأمل , ونهايات جديدة .......
شهد على لقاءنا الأول عصفور الجنة الملون , في الفناء الخلفي . فامتلأت
دواخلنا بالأغنيات .. بحنا للجهنمية الحمراء .. فداعبت وجهينا بغصنها
الفارع .........
* سأنجبك أطفالا بعدد هذه الأوراق ...
تقول فتضحك عائشة بخفر ودلال ....
* سأسمى البكر محمود . .. صديق أخى ..... صديقي .......
*لا سأسميه إبراهيم على صديقي أنا ...
وتقرصك في عضلك فتعضها في حلمة الأذن .. تنثر الجهنمية الحمراء الطل .
تتساقط أوراقها. وبقايا من شذا سرى يضوع في العروق والأوردة .. يتهشم قصب
عش القمرية في قلب الجهنمية . وتداعب أغصانها وجهيكما ... شذا لا مبال
تختلسانه في غبطة حميمة .........
بحنا للغفير العجوز بسرنا الذي ولد فجأة . يعلن عن ارق بواح . للأفاريز ,
النجوم . الشجر . والحبيب الحبيب .. انسحب الغفير إلى كوخه أقصى سور الفناء
. تاركا خلفه ابتسامة واسعة . لقلب توحد في ماض بعيد . أحاطنا به . تقلص
القلب .. يبصم على فضاء المكان .. تقلص أكثر فأكثر , يوحدنا في رحمه ..
تمتص غرفه الدم المندفع أكثر فأكثر ليرتخي القلب شيئا فشيئا
.........................
لكن كان الطريق لاتجاه واحد . كحلزونين تؤم , قذفهما الموج . يكابدان حر
صيف لاهث . طاردتنا الشائعات .. تناثرت الأقاويل . اشتد حر الصيف على آكام
فناء مهجور , يفضى إلى شاطيء منحسر , تهورت عائشة .. غاصت في اللجة ..
انحسرت دون أن تمسك بالنداء ........
كان العوازل يقودهم محمود قد لغموا كل مكان . نظر غفير الفناء بوجهي في حزن
وأسى . رمقني الجيران في الحي بارتياب وقلق .ورفض جارنا الملتحي أن يدس يده
معي في الطعام ..كنت مثخنا بالجراح كنبي طريد , يتوهم غربته في نوة . تجذبه
إلى مركزها . فيهيم في اختناق آخر المعجزات !...
ما أن جلست على مقعد البص . حتى جلس محمود جواري . كنا كشخصين لم يحدث لهما
أن عرفا بعضيهما أبدا . وددت لو أساله لماذا فعل بنا ما فعل .. فداهمني
بالسؤال :
* سمعت انك تركت العمل ؟ !..
*..............
وعلى سفر.. لماذا ....
* لأنه الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله حتى لو تآمر الآخرين لمنعي ....
كان البص يسير ببطء . والزمن بداخلي يتسحب , والذكريات تمضى بخطى وئيدة .
وعائشة كتظاهرة عرمرم , يملا هتافها راسي .. قلت لإبراهيم
* أعادت عائشة خطاباتي . وأعطيتها الفراشة المحنطة التي أهدتها لي . عندما
التقينا أول مرة ..
* بهذه البساطة ؟
* ............
* وصديقكما محمود ؟..صديق العلاقة ......
|