الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 01/02/2009

دراسات أدبية - الأدب الفلسطيني / الكاتب: د. حسان رشاد الشامي

المرأة في الرواية الفلسطينية

 

لقراءة الدراسات

 

 

الدراسات

المرأة والوطن 

 المرأة والمجتمع

 المرأة والواقع

المرأة في الرواية 

نموذج المرأة الثورية 

نموذج المرأة المثقفة 

نموذج المرأة التقليدية 

نموذج المرأة البغي 

المرأة فنيا / الشخصية

 المكان والزمان

  السرد

 خاتمة

 

المرأة في الرواية الفلسطينية

بقلم الكاتب: د. حسان رشاد الشامي

 

الإهداء

إلى الذين بدّدوا لي وحشة الطريق وملؤوا حياتي حباً وأملاً وعطاء

إلى أميّة.. أنس ونور..

 

الروايات التي بُني البحث عليها مرتبة وفق تاريخ نشرها أول مرة

1-ما تبقى لكم: غسان كنفاني، دار الطليعة، بيروت 1966.

2-سداسية الأيام الستة: إميل حبيبي، عربسك، حيفا، 1969.

3-أم سعد: غسان كنفاني، دار العودة، بيروت 1969.

4-السفينة: جبرا إبراهيم جبرا، دار النهار، بيروت، 1970.

5-برقوق نيسان: غسان كنفاني، دار الطليعة، (ضمن الآثار الكاملة مج 1) بيروت، 1972 "نص غير مكتمل.

6-أيام الحب والموت: رشاد أبو شاور، دار العودة، بيروت 1973.

7-الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل: إميل حبيبي، دار ابن خلدون، بيروت 1974.

8-البكاء على صدر الحبيب: رشاد أبو شاور، دار العودة، بيروت 1975.

9-الصبار: سحر خليفة، مطبعة الشرق التعاونية، القدس 1976.

10-العشاق: رشاد أبو شاور، دائرة الإعلام في م.ت. ف بيروت، 1977.

11-البحث عن وليد مسعود: جبرا إبراهيم جبرا، دار الآداب، بيروت 1978.

12-بوصلة من أجل عباد الشمس: ليانة بدر، دار ابن رشد، بيروت 1979.

13-الصورة الأخيرة في الألبوم: سميح القاسم، دار ابن خلدون، بيروت 1980.

14-عباد الشمس: سحر خليفة،دار الفارابي، بيروت 1980.

15-نشيد الحياة: يحيى يخلف، دار الحقائق، بيروت 1985.

16-أخطية: إميل حبيبي، مجلة الكرمل، نيقوسيا، قبرص، العدد 15، عام 1985 ص6-66.

17-الرب لم يسترح في اليوم السابع: رشاد أبو شاور، دار الحوار، اللاذقية، 1986.

18-مذكرات امرأة غير واقعية: سحر خليفة، دار الآداب، بيروت 1986.

 

 

المقدّمة

 

حظيت المرأة العربية، ولا سيما الفلسطينية، باهتمام الكثير من الكتّاب والأدباء على اختلاف اتجاهاتهم وتعدّد اهتماماتهم. وشغلت حيزاً بارزاً في نتاجهم الأدبي، سواء أكان شعراً أم نثراً. وكانت الوتر الحساس الذي يتأثر بحركة الواقع، ويؤثر فيها.

وقد كان الروائي الفلسطيني على وعي بمدى ارتباط حركة المرأة العربية الفلسطينية بالمجتمع وبالقضية الوطنية، بوصفها قوة فاعلة ومؤثرة في مسار حركة البناء والتحرير، إضافة إلى كونها نبعاً فنيّاً ثرياً بالدلالات الموحية والمعبرة.

 

ولذلك كان اختياري موضوع: "المرأة في الرواية الفلسطينية 1965-1985 "للوقوف على صورة المرأة العربية الفلسطينية، وإبراز مكانتها ودورها، وهي تقف إلى جنب الرجل تشاركه رحلة الكفاح، وتؤازره في معركة الصمود والتحرير. ثمّ الوقوف على صورة المرأة العربية التي ظهرت في بعض الروايات التي بني عليها البحث، كما هي الحال في روايتي جبرا إبراهيم جبرا: "السفينة، والبحث عن وليد مسعود" اللتين تناولتا المرأة العربية العراقية، ولا سيما المرأة التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية.

 

ولقد تبيّن لي من خلال الدراسات والبحوث التي تناولت الرواية الفلسطينية بالدراسة والتحليل، أنّ هذه الدراسات، على أهميتها، لم تعن بصورة مستقلة بدراسة هذا الموضوع، ومَنْ حاول دراسة المرأة في الرواية الفلسطينية، فإنّ دراسته لم تتجاوز رواية، أو اثنتين، وجاءت موجزة، وغير وافية بطبيعة المكانة التي تحتلها المرأة في الرواية العربية الفلسطينية.

ومن هذه الدراسات، دراسة عفيف فراج "الحرية في أدب المرأة"(1975) التي ألقت الضوء على رواية "الصبار" لسحر خليفة في سياق دراسة بعض الأعمال القصصية والروائية لبعض الكاتبات العربيات. ودراسة خالدة شيخ خليل: "الرمز في أدب غسان كنفاني القصصي" (1989) التي تناولت بعض الشخصيات النسوية في روايات كنفاني،، مثل "أم سعد" و"مريم". ودراسة إيمان القاضي: "الرواية النسوية في بلاد الشام"(1992) التي درست بعض الروايات الفلسطينية لسحر خليفة وليانة بدر، وتناولت بالدراسة والتحليل بعض النماذج النسوية. وتأتي أخيراً دراسة مصطفى الولي: "الغائب المنشود- الفلسطيني في روايات جبرا إبراهيم جبرا"(1995) لتلقي الضوء على الشخصية الفلسطينية في أعمال جبرا، وتعلل أسباب غياب المرأة الفلسطينية في أعماله. ويضاف إلى تلك الدراسات بعض المقالات التي نشرت في بعض الدوريات العربية، ومنها: مقالة الدكتورة ماجدة حمود: "المرأة في روايات سحر خليفة" التي نشرت في العدد (373) من مجلة المعرفة السورية لعام 1994، ومقالة الدكتورة بثينة شعبان "سحر خليفة ومذكرات امرأة غير واقعية" التي نشرت في العدد (212-213) من مجلة الموقف الأدبي لعام 1988.

 

أمّا على صعيد البحوث التي أفردت لدراسة صورة المرأة في الرواية العربية، فيأتي كتاب الدكتور طه وادي "صورة المرأة في الرواية العربية المعاصرة"(1971) وقد اقتصر على دراسة المرأة في الرواية المصرية منذ النشأة عام 1914 حتى عام 1954. وتناول الكتاب بالدراسة والتحليل التغيرات الاجتماعية والأدبية والسياسية والفكرية، التي برزت آثارها في الرواية المصرية آنذاك، وانعكست بدورها على الصورة الفنية للمرأة. انطلاقاً من أن حركة المرأة والمجتمع في مصر كانتا متوازيتين في مسارهما سلباً وإيجاباً. وخلصت الدراسة، بعد أن عرضت لصورة المرأة في بعض الروايات الرومانسية والواقعية، إلى إبراز صورة المرأة ومدى ارتباطها بالواقع وعلاقتها بالمجتمع، ودلالتها الفكرية والفنية.

 

مما تقدم يمكن القول: إن ميدان البحث في موضوع "المرأة في الرواية الفلسطينية.." ما زال بكراً وخصباً وبحاجة إلى من يخوض غماره، ويتولى دراسة أبعاده، ويرصد تطوّر الرؤية الفكرية والجمالية والفنية للروائي، ويسد ذلك الفراغ في مجال الدراسات الأدبية، التي تناولت الرواية الفلسطينية.

ومن هنا كان موضوع هذا البحث الذي يتناول بالدراسة والتحليل واقع المرأة العربية ولا سيما الفلسطينية، كما جسده الروائيون، ويقف على مجمل القضايا والمفاهيم والأفكار التي عالجوها، ليخلص فيما بعد إلى دراسة المرأة فنياً.

 

وتشمل مادة البحث أهم الروايات الصادرة بين عامي (1965-1985) التي تبرز فيها صورة المرأة، بصورة واضحة، ويعود السبب في تحديد هذه الفترة إطاراً زمنياً للبحث إلى أمرين: الأول، يأتي استجابة لدواعٍ منهجية يقتضيها البحث، بغية الإحاطة بجوانب الموضوع ليتاح فيما بعد الخروج بنتائج مرضية. والثاني، يعود إلى ما شهدته تلك الفترة من نضج فكري وفني واضحين في مستوى الرواية الفلسطينية، وقد ترافق ذلك مع جملة من الأحداث والتحولات الكبيرة التي حدثت خلال تلك الفترة، وتركت بصماتها على الرواية الفلسطينية خاصة، والعربية عامة. وتبدأ هذه الأحداث بقيام حركة التحرير الفلسطيني عام (1965)، ثم نكسة حزيران عام 1967، وتنامي حركة المقاومة بعد النكسة، فأحداث أيلول 1970، مروراً بحرب تشرين التحريرية عام 1973، ثم الحرب اللبنانية 1975، وانتهاء بالاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وترحيل المقاومة، وما أعقب ذلك.

 

أما الروايات التي بني عليها البحث، فهي ثماني عشرة رواية، لثمانية روائيين، وكان اختيار هذه الروايات خاضعاً لبعض المعايير، أهمها: النضج الفني للرواية. وبروز شخصية المرأة فيها. وصدورها في المرحلة المحددة للبحث، وإن خرج عن ذلك ثلاث روايات، وهي: رواية "برقوق نيسان" غير المكتملة، وقد درستها لأنها تمثل تطور رؤية الكاتب الشهيد غسان كنفاني لنضال المرأة العربية الفلسطينية المثقفة داخل الوطن المحتل، وهي رؤية مبكرة ومتطورة على هذا المستوى. ورواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع" الصادرة عام (1986)، لرشاد أبي شاور وقد أشار في نهايتها إلى أنه كتبها خلال عامي (1984-1985) وانتهى منها في مطلع 1986، ولذا كان لا بد من دراستها للوقوف على تطور رؤية الكاتب الفكرية والفنية للمرأة الثورية، ودورها في تلك المرحلة الصعبة التي واجهتها الثورة عام 1982. وكذلك كان لا بد من دراسة رواية سحر خليفة "مذكرات امرأة غير واقعية" الصادرة عام 1986، بغية الوقوف على رؤية الكاتبة لأبرز قضايا المرأة العربية عامة، بعيداً عن القضية الوطنية.

ولقد راعيت التوزع الجغرافي للروائيين، لتقف الدراسة على نتاج بعض الروائيين داخل الوطن المحتل وخارجه، ولتجيء الدراسة شاملة إلى حد ما لوضع المرأة العربية- الفلسطينية. وقد حرصت على أن يكون لبعض الروائيات نصيب في دراسة بعض أعمالهن، للوقوف على خصوصية الرواية التي تكتبها المرأة، وخصوصية تصويرها أيضاً للمرأة في رواياتها.

 

أما منهج البحث، فيقوم على إعطاء الأولوية للنص الروائي للوقوف على بنيته الداخلية وتحليل دلالالته، وتتبع صورة المرأة بكل ما تثيره من أسئلة وقضايا وإشكالات. وكان الهدف أولاً وأخيراً الولوج إلى عالم النص الروائي.

 

ولكنّ الاعتماد على النص الروائي، لم يمنع من الإفادة من معطيات مناهج أخرى ولا سيما المنهجين الاجتماعي والبنيوي. وقد استعنت بالمنهج الاجتماعي في تحليل الشخصية الروائية في ضوء الواقع الروائي الذي تتحرك فيه، وهو واقع مناظر للواقع الخارجي، وإنْ لم يكن مطابقاً له.

كما برزت أهميّة المنهج البنيوي التكويني في الدراسة الفنية، إذ استعملت بعض مصطلحاته، بعيداً عن التقيد الصارم به. وكان للدراسات التي تناولت بناء الرواية العربية، ومهدّت لذلك بدراسة نظرية مستفيضة حول بعض المكونات الروائية، أثر بارز في الدراسة الفنية، في هذا البحث.

 

ومن هذه الدراسات نذكر: كتاب الدكتورة سيزا قاسم "بناء الرواية، دراسة مقارنة لثلاثية نجيب محفوظ"(1985)، وكتاب حسن بحراوي "بنية الشكل الروائي"(1990)، وكتاب الدكتور سمر روحي الفيصل: "بناء الرواية العربية السورية"(1995).

ويتألف البحث من مقدمة، ومدخل، وثلاثة أبواب، وخاتمة، وملحقين، يتناول المدخل نقطتين: الأولى الرواية العربية الفلسطينية والواقع، والثانية واقع المرأة العربية الفلسطينية وخصوصية وضعها.

أمّا الباب الأول: المرأة والواقع، فيدرس واقع المرأة كما جسدّه الروائيون الفلسطينيون، وجعلته ثلاثة فصول، يدرس الفصل الأول العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة وخارجها، وتعدد أوجه تلك العلاقة وتنوعها. ويتناول الفصل الثاني: المرأة والمجتمع، فيقف عند الكثير من القضايا الاجتماعية والفكرية التي تهم المرأة، وتؤثر في حركة تقدّمها، سلباً وإيجاباً. ويدرس الفصل الثالث: المرأة والوطن، فيقف عند نضالها داخل الوطن المحتل وخارجه، ويبرز أشكال هذا النضال وصوره.

أمّا الباب الثاني: نماذج المرأة، فيدرس أبرز النماذج النسوية التي جسدها الروائيون في أعمالهم، تبعاً لتفاوت مستويات وعي المرأة، وتعدد انتماءاتها، وتباين مواقفها، وجاء في أربعة فصول.

وأما الباب الثالث: المرأة فنياً، فيدرس بناء الشخصية النسوية، وعلاقته بالمكونات الروائية الأخرى، كالمكان والزمان والسرد. وانتهى البحث إلى خاتمة تضمنت خلاصة البحث، وأبرز ما تمّ التوصل إليه من نتائج.. وذيل البحث بملحقين: الأول تناول التعريف بالروائيين الفلسطينيين الذين وقفت الدراسة على أعمالهم الروائية. والثاني تناول رصد الروايات الفلسطينية الصادرة من عام 1946 إلى عام 1996، وإعداد ثبت بتلك الروايات تبعاً لتاريخ صدورها.

-آمل أنْ أكون قد وقفت -بعض التوفيق- في تناول جوانب هذا الموضوع، واستعطت أن أفي المرأة، التي ترسم بمداد قلبها طريق النور والحرية للأجيال القادمة، بعض حقها، وحسبي أنني أخلصت النيّة، وبذلت كلّ ما استطعت من جهد، لتعطي هذه الدراسة الثمرات المرجوة منها.

والله ولي التوفيق

 

 

 

المدخل

 

 

1-الرواية العربية الفلسطينية والواقع:

الرواية هي الجنس الأدبي الأقدر "على التقاط الأنغام المتباعدة، المتنافرة، المركبة، المتغايرة الخواص لإيقاع عصرنا"( )، ورصد التحولات المتسارعة في الواقع الراهن.

ومن ناقل القول الحديث عن نشأة الرواية العربية( ) لكثرة ما قيل وما كتب في هذا الموضوع، فعلى "الصعيد الأدبي، تعد الرواية، بمعناها الحديث.. جنساً جديداً علىالأدب العربي، وليس في ذلك خدش لكرامة تاريخنا العربي، ولا للغتنا وأدبنا العربيين. ولا يلغي تلك الحقيقة.. محاولة إيجاد الصلة بينها وبين الحكاية.. والمخيلة الشعبية في ألف ليلة وليلة أو التغريبة، إلى حد الإدعاء أننا أسبق الأمم في الرواية، لأنه من وجهة نظر جميع النقاد والمفكرين هناك إجماع على حداثة الرواية"( ) في أدبنا العربي.

وتعد البداية الحقيقية للرواية العربية الفلسطينية، بعد النكبة، بعد أن استفاد بعض الكتاب من التجارب الغربية والعربية السابقة، وتمثلوها، واستطاعوا صياغة الواقع فنياً، إذ "أصبح الهم الوطني يحتل مساحات الصفحات كلها التي تطمح إلى التعبير عن تجربة الاقتلاع والنفي.. إلا أنّ مجمل الإنتاج الأدبي الذي أفرزته تلك المرحلة، ظل موسوماً بالحدة الانفعالية التي تجللها حالة من الحزن، ويطفو عليه إيقاع الحنين الرومانسي إلى المكان المفقود، والإصرار المباشر الشعاري، على العودة إلى الأرض"( ).

وقد بدأت الرواية الفلسطينية، منذ بداية الستينيات، تنحو منحى  واقعياً واضحاً، إذ أدت عوامل كثيرة متضافرة إلى تبلور هذا الاتجاه لدى الكثير من الكتاب، ونذكر من تلك العوامل، سيادة بعض الأفكار والمفاهيم الجديدة، ونمو حركات التحرر في العالم الثالث، وانطلاقة حركة التحرر الفلسطيني عام 1965. مما أدى إلى سيادة الاتجاه الواقعي على مجمل النتاج الروائي ( ).

 

وظهرت على الساحة الأدبية، بعض الأعمال الروائية ذات الصبغة الواقعية، التي تناولت القضية المصيرية بعمق ورؤية واعية متأنية، وبتقنية فنية متطورة، كما هو الأمر في روايات غسان كنفاني.

وبما أنّ الواقعية "تلقي على الكاتب مهمة إنسانية يتطلب النهوض بها معرفة عميقة بقوانين الحياة والتطور، وفهماً صحيحاً للصفة التاريخية للحوادث، وموهبة قادرة على استشفاف المشاعر الإنسانية، واكتشاف الأفكار التي تعتمل في أعماق المجتمع.."( ) فإنّ الروائي الفلسطيني كان على قدر المسؤولية في استيعاب الواقع، ورصد حركته وتحولاته، فهو على الرغم من انشغاله بقضيته الوطنية، لم ينطو على ذاته، ولم ينغلق على عالمه وهمومه، بل تجاوز ذلك إلى الاهتمام بقضايا الإنسان وصراعه مع ظروفه القاسية، سواء أكان رجلاً أم امرأة.

 

2-المرأة الفلسطينية وخصوصية وضعها:

نشأت المرأة العربية، ولا سيما الفلسطينية "في مجتمع بني جزء أساسي من تاريخه الحديث على الصراع ضد الاستعمار والصهيونية، لذلك كان لا بد وأن تحتل قضية تحرير الوطن وقضايا الديمقراطية، المساحة الأكبر في النضال من أجل بناء مجتمع فلسطيني قائم على أسس العدالة والمساواة لجميع أبنائه رجالاً ونساء"( ) وكان من الطبيعي في ظل تلك الأوضاع الصعبة التي عاشتها المرأة الفلسطينية بعد النكبة، ألا تنفصل قضية تحررها عن القضية الوطنية.

 

وقد تميزت ظروف المرأة الفلسطينية، سواء داخل الوطن أو خارجه، بخصوصية معينة، تبعاً لحركة الواقع الفلسطيني، والعربي عموماً، والتحولات الطارئة على مسار القضية المركزية. فقد عاش الفلسطينيون في الشتات "ظروفاً استثنائية في ميداني السياسة والتعليم. ففي السياسة كانوا خاضعين لأمزجة الأنظمة العربية، ومواقفها المتذبذبة من القضية... أما في التعليم، فلم يتلق الفلسطينيون تعليماً موحد المناهج والأساليب، فهم تابعون لأنظمة التعليم السائدة في الأقطار العربية التي استقروا فيها"( ) وكان لذلك كله أثره الواضح في الشخصية الفلسطينية، ولا سيما شخصية المرأة، بالإضافة لتأثير الظروف الاجتماعية والاقتصادية، وتعدد الاتجاهات الفكرية، وتباين أنماط الحياة اليومية بين هذا البلد أو ذاك، مما كان له أبلغ الأثر في التجمعات الفلسطينية، وفي وعي المرأة، ودرجة تجاوبها مع المستجدات.

وعلى الرغم من ذلك كله، نجد أن "المخيمات لعبت دوراً كبيراً في المحافظة على الشخصية الفلسطينية من الناحيتين العاطفية والنفسية. وهذا الدور هو نتيجة كونها تضم أكبر التجمعات الفلسطينية وأكثرها وحدة وانسجاماً على مستوى العلاقات الاجتماعية، والحس السياسي والوطني"( ).

 

أمّا الفلسطينيون الذين عاشوا تحت الاحتلال (1948-1967) فكانت معاناتهم بالغة القسوة، ومن الصعب على المرء أن يدرك مدى المعاناة التي تعيشها المرأة الفلسطينية، والشعب بأسره، ما لم يعش ذلك الواقع الممض، حينئذ تتجلى له الحقيقة: "حقيقة الألم الإنساني الهائل الذي يصقل ويحرق ويضيء... حقيقة الحزن الباهظ الذي يكابده إنسان استيقظ ذات يوم، فإذا هو أقلية مسحوقة في وطنه، بعد أن كان شعباً مشحوناً بالحياة، يعمل ويبني، ويعد للمستقبل.."( )، فأصبحت الحياة عبئاً ثقيلاً حين أصبح غريباً مضطهداً، يعاني التمييز في تفاصيل حياته اليومية، وهذا ما جسدته رواية الأرض المحتلة بصورة عامة.

 

وعلى الرغم من هذه الخصوصية التي تميّز المرأة الفلسطينية عن شقيقاتها العربيات، كان "نشاط المرأة العربية الفلسطينية ودرجة تقدمها يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بنشاط وتقدّم المرأة العربية في كافة الوطن العربي، على اعتبار أنّ التقاليد والعادات المتوارثة، والحقوق والواجبات التي حصلت عليها المرأة، والظروف الاجتماعية التي تعيشها تكاد تكون متقاربة باستثناء بعض البلدان المحافظة"( ).

 

وقد قدمت الرواية الفلسطينية خلال العقدين التاليين لقيام منظمة التحرير "مشاهد حية من تجربة الشعب المعاني، فيها من التفصيل والصدق والتمثيل لوجهي الحقيقة الخارجي والداخلي أكثر مما يمكن أن تقدمه أية وثائق تاريخية.."( ). كما قدمت معظم النماذج النسائية التي زخر بها الواقع، وتناولت صورة المرأة وقضيتها من خلال إبراز علاقتها بالقضية الوطنية، وبالعالم من حولها، من جهة، وبالرجل من جهة ثانية "تلك العلاقة التي ستظل المفتاح الرئيسي للحياة الإنسانية"( ).

وفيما يلي يدرس البحث واقع المرأة كما جسّده الروائيون الفلسطينيون، وأهم القضايا والمفاهيم والأفكار التي تناولوها بهذا الصدد، وأبرز النماذج النسوية التي استحوذت على اهتمامهم، وشغلت حيزاً مهماً في رواياتهم. ومن ثم يخلص إلى دراسة المرأة فنياً، فيقف على بناء الشخصية، وعلاقتها بالمكونات الروائية: المكان والزمان والسرد.

 

 

 

الباب الأول المرأة والواقع

 

الفصل الأول :العلاقة بين المرأة والرجل.

الفصل الثاني : المرأة والمجتمع.

الفصل الثالث :المرأة والوطن.

 

الفصل الأول العلاقة بين المرأة والرجل

 

لا شك أن العلاقة بين الرجل والمرأة على الصعيد الواقعي "هي عنوان كبير لإشكاليات التقدم والتخلف والتطور والارتقاء"( )، ولكن رصد هذه العلاقة في الرواية الفلسطينية قد لا يشكل مؤشراً، أو دليلاً كبيراً على حركة تنامي الواقع وتطوره، ذلك أن الروائي الفلسطيني - والروائي عامة -حين يعرض الواقع، فإنه لا يقدمه كما هو، وإنما يحاول "إعادة ترتيبه بما يتناسب مع آمال الشعب وأهدافه، فالنظرة الواقعية عنده ليست استنساخاً بليداً للواقع، وإنما هي اكتشاف وغزو خلاّق لقسماته الأساسية القائمة الممكنة، إنّها اكتشاف للملامح النمطية والنموذجية في الحياة، والمعبرة عن جوهر صراعاتها ومواقفها وحركاتها النشطة، بكل ما تتضمنه من عذابات وانتصارات ومشاق وإمكانات منهارة أو متولدة"( ).

من هذا المنطلق صور الروائيون الفلسطينيون شتى العلاقات بين المرأة والرجل، ووقفوا في معظم رواياتهم على صور إيجابية كثيرة لعلاقات سليمة ومعافاة، وصور سلبية قليلة لعلاقات مريضة مأزومة، ولكن كثرة هذه، أو قلة تلك ليست إلا تعبيراً عن رؤية الكاتب الفنية للواقع الفلسطيني. تلك الرؤية التي تحمل من الشجن والطموحات ما تحمله من الرؤية الواقعية.

وسنحاول فيما يلي أن نستعرض العلاقة بين المرأة والرجل كما صورتها الرواية العربية الفلسطينية، راصدين مختلف جوانبها وسماتها، سواء أكانت داخل الأسرة أم خارجها.

 

أولاً- العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة:

عنيت الرواية الفلسطينية بتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة، وإبراز المكانة التي تحتلها المرأة في عالم الرجل، ولا سيما المثقف الثوري، على حين لم تعن أكثر الروايات بتصوير العلاقة بين المرأة والرجل التقليدي السلبي، بوصفه يشكل إحدى العقبات الأساسية في طريق تحرير المرأة وتطورها اجتماعياً وفكرياً وسياسياً وعملياً، ولذا كان حضوره باهتاً في أغلب الروايات التي شملها البحث.

على حين شهدت الرواية الفلسطينية حضوراً مميزاً للمرأة التقليدية، التي لم تكن مدانة في معظم الأحيان، ذلك لأنها تجسدت -غالباً- في صورة الأم- المثال، التي "تحاط  بهالة من التقدير تبلغ حدّ التقديس أحياناً"( ) هذه الصورة المثالية للأم، انعكست في الرواية الفلسطينية، لدى معظم الروائيين الفلسطينيين، فـ "على نفس القدر من الجلال الذي تحتله الأم في واقع الحياة، يأتي التصوير المعبر"( ). ولما كان الواقع اليومي في المجتمع الفلسطيني، ولا سيما مجتمع الأرض المحتلة، يتسم بالمعاناة الشديدة، والضغوط الحياتية بمختلف أنواعها، كان لا بد أن ينعكس هذا الواقع المؤلم على الأسرة الفلسطينية وعصبها الأساسي (الأم)، فأي أثر تركته الأم في علاقتها بكل من الزوج والأولاد؟

يلاحظ الباحث في الرواية الفلسطينية حضوراً مكثفاً للمرأة الأم، وبالمقابل انحساراً ملحوظاً لدور الرجل- الأب في الأسرة، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن المرأة- الأم تشكل قيمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية في عقلية الإنسان العربي، وهي تنطوي على قدرة غير محدودة على العطاء والتفاني( ). إلى جانب كونها رمزاً للوطن، وللأرض والخصب، ولها اليد الطولى في تدبير أمور المنزل وتربيية الأطفال وتنشئتهم وتوجيههم وتعليمهم وتزويجهم.

 

1-الأم وأولادها:

تطالعنا في رواية "العشاق" لرشاد أبي شاور، صورة الأم الفلسطينية المكافحة بعنفوانها وكبريائها، وبقوة إرادتها، وعظمة إيمانها بالمستقبل، وطول صبرها، لم يربكها غياب زوجها الذي قتله حراس الحدود الأردنية، وهو يعبر ليقوم بعمليات فدائية داخل الأرض المحتلة. ولم يضعف عزيمتها على الصمود، وهي تجد نفسها تتحمل أعباء فوق طاقتها، بل تواجه مسؤولياتها نحو ولديها، فتظلهما بحبها ورعايتها، وتغمرهما بحنانها ودفئها،وتصمد في وجه الأيام الصعبة بشجاعة نادرة. ومن خلال شريط الذكريات، نقف على علاقتها بزوجها "سلمان عبّاس". ويبدو أنّها كانت زوجاً متفهمة محبة وفيّة واعية. يظهر ذلك من خلال تضحيتها بذهبها، ليشتري زوجها ذخيرة، ولكنه قتل، فعانت بعد مقتله ظروفاً بالغة القسوة، بعد الهجرة الأولى عام 1948، من الخليل إلى أريحا. ويتذكر ابنها محمود تلك الأيام السوداء، وأمّه التي صمدت: "لقد عشنا على التمر والخبز الأسود. خبز الشعير، وخبز الذرة، ونادراً خبز القمح. تلك الأيام السوداء أرهقنا بعدك (بعد والده)، لكنها صمدت تلك المرأة الشجاعة، أمنّا.. أيام التمر. أيام البطانيات السوداء الخشنة، نصنع منها اللباس والأكفان والغطاء والفراش. أيام العيش على الخبيزة والأعشاب البرية. نسابق الحيوانات على اقتلاعها.. ها نحن نعيش، راحت أيام التمر.. ولكن الذكريات السوداء، وهدير الطائرات والملابس الملطخة بالدم، والبيوت المهدمة لن تتلاشى"( ).

لقد حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدم الأم الفلسطينية، في إطار إنساني وفني بديع ومميزّ، إذ قدّمها إنسانة مكافحة، متفائلة بالمستقبل، محبّة للحياة وللأرض والعمل. فلم تستسلم للواقع المزري الذي فرضه عليها الاحتلال من جهة، وفقد الزوج من جهة ثانية، بل عملت وكافحت، بكل ما أوتيت من قدرة على مغالبة الشدائد، والصمود أمام جبروت الاحتلال للضفة والقطاع عام 1967، وما جرّه من ويلات، لكي تؤمن لأولادها ولنفسها الحياة الحرة الكريمة. فأم محمود الطيبة الوديعة، التي استشهد زوجها، وتركها وولديها الصغيرين بلا مال ولا بيت ولا أمان.. تقف على قدمين ثابتتين، وتتمكن من تربية ولديها بشرف وكرامة، وتحرص على تعليمهما، فيصبح ابنها البكر معلماً في مدارس وكالة الغوث، على حين يحزُّ في نفسها أن ابنها الثاني (محمد) لم يتم دراسته، وأنّه يصرف وقته في الغناء، ضارباً على عوده الأثير، فتصفه بالمغنواتي، وتخشى ألا تتيسر له حياة لائقة مثل قرنائه، فيقترب منها، ويمسح على رأسها، ويقبل شيبتها قائلاً:

"تحزنيني عندما تفكرين بي وكأني طفل صغير، لقد اخترت مستقبلي. هذا العود يا أمي هو السراط الذي سأسير عليه إلى الوطن. أنا لن أكون عالة على أحد. سأذهب إلى الحياة ومعي عودي"( ).

 

وليس إصرار "أم محمود" على تعليم ولديها أكثر من إصرار "أم حسن" على الهدف نفسه، فهي تكد وتعرق في سبيل أبنائها. تعمل في صنع الآجر من الطين والتبن، فتبني بيتها، وتعلم ولديها.

يتحدث محمود لصديقه عن أم حسن بقوله: "أتدري؟ مرة راقبتها عن بعد وهي تعمل، نصبت جذعها وسط جبلة الطين، بدت مثل زيتونة جبلية صغيرة، ولكنها قوية، هذه المرأة - هكذا قلت لنفسي يومها- لا تصنع الطوب من أجل الربح، إنها تستمتع بخلق هذا الطوب وبأن الناس يبنون بيوتاً، من عرقها وجهدها"( ). هذا الجهد هو الذي ساعد ابنها حسن على أن يدرس الجغرافيا في جامعة دمشق. وساعد أخاه على إتمام دراسته في مدرسة قلنديا.. على الرغم من اعتقادها بأن "الصنعة جيدة، أفضل من التعليم وهمه"( ). فقد أصرت على تعليم ولديها.

 

ونلتقي في "البكاء على صدر الحبيب"(1975) لأبي شاور أيضاً بصورة موحية للأم المكافحة الصابرة التي ضحت بشبابها وسعادتها من أجل ولدها الوحيد "زياد" بعد أن فقدت الزوج والمعيل جراء استشهاده دفاعاً عن القرية، وترك لها طفلاً، لما يتجاوز السادسة من عمره، فهاجرت من أريحا مع طفلها، إذ بدأت رحلة الشقاء والكدح في سبيل تربية الولد ورعايته وتعليمه، إلى أن شب وأصبح كاتباً مسرحياً وشاعراً، بعد أن أنهى دراسته للأدب في جامعة القاهرة( ).

*

وفي "الصورة الأخيرة في الألبوم " لسميح القاسم (1980)، ترتسم ملامح "أم أمير" من خلال تصرفاتها وسلوكها وكلماتها وحنوها على أولادها، فتبدو امرأة طيبة بسيطة، تعاني مشاق الحياة، ولا سيما بعد وفاة زوجها الذي صودرت أرضه الخصبة، فعمل في البناء، وهو غريب عن هذه المهنة، فسقط عن السقالة من الطابق الرابع، فشطرته أرجوحة أطفال في الدور الأرضي إلى نصفين، فوجدت عزاءها بأولادها، وبذلت ما في وسعها لتعليم "أمير" و"علي" وإبقاء البيت مفتوحاً، بإسهام ولديها الكبيرين. وبصبرها وعطفها على الأسرة، استطاعت أن تجمع شمل الأخوة، وتوحد كلمتهم، وتزرع المحبة والإخلاص فيما بينهم. وتحاول قدر المستطاع التخفيف من الام "أمير" وعذابه والتضامن معه، وهو الذي يعاني من البطالة على الرغم من حصوله على درجة الماجستير في العلوم السياسية. فإذا به يضطر للبحث عن عمل داخل الكيان الصهيوني، لكي يؤمن به لقمة العيش. تقول: "لا يهمك يا روحي، سافر والله معك. إذا وجدت عملاً، كان به، وإن لم تجده للقرد. طعام واحد يكفي اثنين، وإن لم يسعك البيت، وسعتك القلوب، نحن كلنا قدامك، أخوتك يعملون، والصغير ناجح في المدرسة والحمد لله، ليس ضرورياً أن تشتغل. أبوك الله يرحمه سيفرح في ترابه حين يعلم أن بيته مفتوح، وأنك تستقبل الناس في مضافته، لا تحزن يمّه. يا حبيبي"( ).

 

وتعرض الرواية صورة دالّة لأم أمير وقد تلّقت نبأ تفوق ابنها الأصغر "علي" وحصوله على أعلى الدرجات في الشهادة الثانوية، فهي ترى أن تعليم ابنها سيفتح لها ولأبنائها نافذة على الحياة الحرة الهانئة الكريمة. وهو "ينظر إلى التعليم كهدف نضالي.. يغامر من أجله ويلحق به حيث يكون"( ): "ذهل حين استدارت أمه نحوه وراحت تحدق فيه جامدة.. تخطى عتبة الباب، ووقف قبالتها.. إنّها جامدة.. وتفجرت الدموع بغزارة من عينيها المنهكتين.. ولكنها لا تبكي.. لا صوت، ولا نأمة.. مجرد دموع غزيرة تنهمر وتتدافع على الخدين المغضّنين.. تتعرج الدموع في مسارها.. ترتعش الشفة قليلاً.. تلتقي الدموع عند غمازة الذقن الغائرة.. تمثال يبكي.. ارتعاشة الشفة تنتقل كالعدوى إلى سائر تضاريس الوجه المُرهق.. ترتفع اليدان ببطء.. وقبل أن تتحرك أمه يكون علي قد سقط على رأسها بصدره الضامر المرتعد.. ويشهقان وتتصلّب الأذرع الوالهة، وكأنها تسعى لخلق موازنة ما مع تصلب الحياة المطبقة كالكماشة على بقايا الأسرة المتشبثة بأحلامها، وبحقها في حياة حرّة سعيدة”( ).

ففي هذا المشهد المؤثر، ومن خلال الوصف الدقيق لقسمات الوجه، وعبر اللغة الروائية التي لا تخلو من الشفافية، يرسم سميح القاسم، بدقة وبراعة، صورة معبّرة للأم الطيبة، ولهيكلها المرهق الرحيم، ولوجهها الإلهي الذي طالما منح ابنها الثقة والحب الآمل.

***

ولم يقف اهتمام الأمهات بالأبناء في الرواية الفلسطينية، عند حدود تعليمهم وحسب، بل حاولن تزويجهم، أيضاً، لأن ذلك يمنح الأمهات الشعور بالراحة والاطمئنان على مستقبل الأبناء. فأم محمود في "العشاق" تبارك علاقة ابنها بـ "ندى" وتعبر عن فرحتها إزاء قراره بالزواج منها، وتعلق على ذلك قائلة: "أنا موافقة طبعاً.. على بركة الله.. منذ زمن بعيد لم يدخل الفرح بيتنا"( ). كذلك تبارك "أم حسن" علاقة ابنها بزينب، وتتمنى الإسراع بزواجهما، فتخاطب محموداً صديق ابنها قائلة: "أنا مستعدة أن أدفع المهر لوالد زينب غداً، وأزوجه خلال أسبوع"( ) .

*

ويعرض أبو شاور موقفاً للأم من زواج ابنها في "البكاء على صدر الحبيب"، فأم زياد تلح على ابنها بقبول الزواج، لتراه مستقراً في حياته: "آه يا يما، متى أراك عريساً وأراها بجوارك فتاة حلوة مثل القمر. أرى لك أطفالاً؟.. يا ولدي، يا حبّة عيني، ليس لي غيرك، حملتك وهربت بك من عيون الناس، شقيت، وانتظرت كل هذا العمر كي أسعدك، أريد أن أغمض عيني، وأن أرى لك بيتاً وزوجة وأطفالاً، ألا تعجبك ولا بنت في كل المخيم؟ أم أنك تخفي أسرارك عن أمّك العجوز"( ).

فالأم إذاً، كما صورتها الرواية الفلسطينية، تعي بمنطقها السليم، معنى أن يتزوج الابن، وينجب أطفالاً. وها هو أحد الأبناء يعبّر عن أهمية الزواج والإنجاب للإنسان الفلسطيني بشكل خاص. فالزواج بالنسبة إليه ليس ضرورة إنسانية وطبيعية واجتماعية فحسب. بل هو إلى جانب ذلك وغيره، واجب وطني، يقول محمود: "كيف لا ننجب؟ ذلك يعني أننا لا نستحق أن نكون مواطنين. شجرة الموز تثمر وتعطي، والأشجار الصغيرة تنمو بجوار ساقها، تموت الشجرة الكبيرة، وتتقدم إحدى الشتلات الصغيرات فتأخذ دورها، وهكذا. الشتلة الأقوى، الأكثر تشبثاً بالحياة، الأكثر عطاء، هي التي تأخذ دور أمها، الشتلات الأخريات تنقل إلى حفر أخرى، والتي تنمو وتعيش تثمر وتعطي، وهكذا. بعض الشتلات تموت، ليكن، بعض الشتلات تعيش وتنمو، هذه هي الحياة. والدي قتل وهو يجتاز الحدود، وها نحن نعيش.."( )وكأنه يقول: ها نحن نكمل مسيرة الوالد، نحن امتداد له.. وهذا ما تريده أمنا، وهذا ما يتطلبه الواقع الفلسطيني النضالي، من أجل استمرار الشعب، وتناسله، وقدرته على الصمود والبقاء. ولا بد من التنويه إلى أن رواية "العشاق" هي من أبرع الروايات الفلسطينية تصويراً لعلاقة الأمهات بالأبناء، تلك العلاقة التي قامت على الحب والاحترام والتفاني، في جو يسوده الاضطهاد والحرب والدماء. ومع ذلك، لم تكن هذه العلاقة الحميمة لتتأثر سلباً بما يحيطها من معاناة وظلم ونفي وتشرد، فكثيراً ما نرى الأمهات يمزحن مع أبنائهن وأصدقائهم. ونرى الأبناء يمزحون مع أمهاتهم. فهذا محمود يمزح مع أمه يوم خرج من المعتقل فيناديها، كما كان يفعل دائماً:

"أم محمود، تعالي، ماذا تفعلين أيتها العجوز؟

أنا عجوز يا ولد، أي والله لو شئت لتزوجت قبل بنات اليوم"( ).

وها هي "أم محمود" تمزح مع ابنها الأصغر "محمد" فتقول له:

"-آه يا محمد يا هامل

انتهرها بود:

-امسكي هذا العود يا عجوز. وإذا اقترب منها، أمسكت العود بيسراها وأهوت بيمناها على رقبته.."( ).

إن هذا المرح كان بمنزلة "السر الروحي، أو السلاح الذي يحمي الحياة الفلسطينية من الاندثار تحت وطأة الهم واليأس"( ).

 

2-الأم الشاملة:

ولا تقف علاقة الأمهات بالأبناء عند هذا الحد، فالألم الفلسطينية القروية الكادحة- كما قدمها الروائي الفلسطيني- ليست كسائر الأمهات. أمومتها تشمل شباب الوطن الواعدين، فهي تعطيهم الحب والحنان والعطف والرعاية والحماية، وتحظى منهم بالاحترام والتقدير والمحبة. ففي اللوحة الثالثة من رواية "أم سعد" 1969، وعنوانها في قلب الدرع يقدم كنفاني صورة للأم الفلسطينية في أعظم تجلياتها. حين يحاصر سعد مع بعض رفاقه الفدائيين في موقع داخل الأرض المحتلة ويطول الحصار أياماً عدة يعانون خلالها الجوع والإرهاق، وتمر بهم آنذاك امرأة قروية فيقول سعد: "ها قد جاءت أمي"( )ويعلق أحد الفدائيين بأنه لا بد قد جن، فكيف يمكن لأمه أن تأتي إلى هنا؟ ولكن سعد يصر على أنّها أمه بينما يعترض رفاقه وهم يعبرون عن خشييتهم من أن تذهب وتشي بهم إلى قوات الاحتلال وينادي سعد : "يا يما ردي علي.. أنا هون يما.. أنا سعد، يا يما جوعان" ( ). ويدنو سعد منها أكثر فأكثر، وحينما يصبح مواجهاً لها تضمه إلى صدرها بلهفة وإعجاب... وتجلب له ولمجموعته الفدائية الطعام طوال خمسة أيام حتى تخبرهم بفك الطوق.

"وتكتسب هذه اللوحة شاعريتها الرائعة، ليس من المرأة الفلسطينية الأخرى تقدم لهم العون كأم. ولكن من أن سعدا يصر، أنها أمه فعلاً، وهي فعلاً أمه. لأن كلتا المرأتين واحدة في الجوهر والمعنى. وحين يعود سعد لأمه يقول لها: إنه رآها هناك، وأنها لو لم تطعمه لمات جوعاً. ويقول لها: إنه يراها هناك دائماً. إذا فنداؤه لهذه المرأة التي أطعمته، ليس حادثة منفردة، فهو دائماً يرى أمه داخل فلسطين، لأن أم سعد موجودة داخل فلسطين وفي المنفى. وحين تحكي أم سعد للراوي ما حكاه لها ابنها ثم تستدير لتخرج، يجد الراوي نفسه يناديها فجأة "يا يما" فتقف، وهكذا تكتمل الدائرة. فأم سعد هي أم الجميع، إنها الفلسطينية داخل فلسطين، وهي أم الفدائي الذي شب على أرض المنفى"( ). إنها باختصار، الأم الشاملة التي ينتمي إليها أبناء فلسطين وغيرهم من الأوفياء لأرضهم، لتاريخهم لأرواح شهدائهم.

*

ويقدم إميل حبيبي في لوحة "أم الروبابيكا" في روايته سداسية الأيام الستة" (1969) نموذجاً للأم التي "لا تتوقف.. عند حدود الخاص بل تظل محافظة على العام الذي تجسده"( ) فهي لا تكتفي بالعناية بأبنائها فحسب بل نراها تعتني بأبناء الوطن جميعهم، تقف إلى جانبهم ساعة الشدة، فتوكل لمن سجن معهم محامياً، وتزوره في السجن، وتحمل إليه السجائر وتغسل قمصانه.

*

ويرسم أبو شاور في "العشاق" صورة للأم الفلسطينية القروية البسيطة التي هي أم الجميع، فأم حسن، إحدى أمهات العشاق، هي أم لكل الشباب المناضلين الواعدين. أم لكل عشاق فلسطين، فها هي تستقبل أحدهم، وهو صديق ابنها، ساعة خروجه من السجن، بالأحضان بعد أن ناداها "يما أم حسن! رفعت رأسها فرأته. قفز عن حافة الحفرة، فانتزعت جسدها من الطين، وفردت ذراعيها، أسند رأسه على كتفها، فأخذت تتأرجح مع جسده وهي تقبله، وابتعدت عنه، وعادت تقبله (قائلة) السجن لا يميت الرجال. وأخذت تتحسس منكبيه.."( ).

وهذه "أم محمود" تستقبل أحد الشباب الثوريين من أصدقاء ابنها، بعد أن خرج من السجن: "دفع الباب، وتوقف. أدار عينيه في أرجاء البيت، طلعت أم محمود من المطبخ فرأته واقفاً، بهتت، عقدت الدهشة لسانها. فتح ذراعيه وأمال رأسه وأعلن: بالأحضان أيتها الأم الطيبة. تحركت كأنها تسير نائمة، وانفجرت بالبكاء، تركته وتراجعت مبتعدة عنه، وبصوت أجش طافح بالأسى قالت: ماذا فعلو بك يا زياد؟ هز رأسه، ثم عاد وعانقها: كنت أتذكرك أكثر من أبي وأمي"( )وفي "بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر (1979) تطالعنا شخصية" سليمة الحاجة" الأم البسيطة الطيبة التي شملت بعطفها وحنانها أطفال الوطن وشبابه، من المناضلين الثوريين. فحين اعتقل ابنها إثر حوادث أيلول مع ثلة من رفاقه، بذرت شيخوختها على أعتاب الدوائر الحكومية في عمان، طالبة الإفراج عن ابنها وعن رفاقه( ). فأمومتها لم تقتصر على ابنها فقط، وإنما شملت جميع أبناء الوطن.

ونقع في الرواية نفسها على شخصية "أم محمود" التي تتجاوز بأمومتها حدود البيت والأسرة، لتشمل أولئك الذين يعملون دون كلل أو ملل، من أجل أبناء وطنهم المنفيين في مخيمات الأسى والشقاء، فإذا بهم يلوذون بأمومتها الدافقة حين تكسرهم الغربة والوحشة، وإذا بصوتها الدافئ الحنون ينزع عنهم آلامهم وتوجساتهم، كما يتجرد الموج على الشاطئ من زبده وطحالبه( ).

***

على هذا النحو كانت العلاقة بين الأم الفلسطينية وأبناء الوطن، نابضة بالحب والمودة والاحترام والصدق الإنساني. فمع الأم الفلسطينية وتحت أجنحتها الملائكية، يتحول أبناء الوطن إلى أسرة متماسكة، تنشد هدفاً سامياً هو تحرير الأرض من مغتصبيها.

هكذا حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدم بأمانة ودقة، صورة واقعية للأم الفلسطينية الصابرة المضحية المحبة للحياة والأرض والعمل. المفعمة بالحميمية المطلقة تجاه الوطن وأبنائه الشرفاء. الوفية المخلصة للزوج، المربية الصالحة للأولاد. القادرة على القيام بشؤون أسرتها على أكمل وجه، وتحت أعتى الظروف وأشدها قسوة ومرارة. فلم يقدمها ضحية ارتضت بما انتهت إليه ولم يصورها سلبية تحافظ على المتعفن من الموروث، وتحرص على عدم الخروج عليه فتفضل الذكر على الأنثى، وتستجيب لأوامر الزوج المتعسفة ونواهيه، إلا نادراً( ).

 

3-الأب وابنته:

شهدت الرواية الفلسطينية انحساراً ملحوظاً لصورة الرجل التقليدي -بعكس ما رأيناه من حضور واضح لصورة المرأة التقليدية -ولا سيما "الرجل الذي يصدر عن ذهنية ماضوية متكئة على الموروث الذكري الذي صاغه (الأجداد)، وكرسوا من خلاله عبودية المرأة واستلابها وسلبيتها ودونيتها لأنها ذات عقل ناقص وجسد فاضح"( )، إذ لم تفرز الطبقة الكادحة في الرواية الفلسطينية، أمثال  هذا النموذج إلا ما ندر، إذ نقع في "العشاق" على شخصية أبي حسن الرجل المزواج، السادي، الذي كان يعرّي نساءه، وينهال عليهن ضرباً، ولا يتورع عن اللجوء إلى زواج المبادلة، فيزوج ابنته من فتى في القرية، ليتزوج أخت ذلك الفتى. ولكن هذا الورم الذي حاول أن يشوه الجسد الفلسطيني الكادح، وجد من يستأصله، فيحد من تفاعله، ويثبط نشاطه. إذ ترفع "أم حسن" إحدى زوجاته، صوتها في وجهه. وتعلن تمردها على سلطته أثناء ممارسته لنزعته السادية على نسائه. فتنهال عليه ركلاً، وتمسك به من بين فخذيه، فتجبره على الطلاق، وتكسر هيبته أمام زوجاته، وبذلك استطاعت أن تكسر شوكته، وتشل قدرته على ممارسة أي نشاط عدائي سلطوي على نسائه الأخريات( ).

 

في حين أفرزت الطبقة البرجوازية، هذا النموذج من الآباء، الذي يقوم بدور المتسلط الظالم، فيعيق مسيرة الفتاة، ويقوض أحلامها منذ الطفولة، ويغرس فيها بذور التناقض بين ذاتها الفردية والذات الجماعية التي يباركها المجتمع ويتقبلها أفراده( ). ولعل رواية "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة. وهي واحدة من الروايات الفلسطينية القليلة التي اهتمت بهذا النموذج من الآباء، ولكنها أيضاً، من أبرز الروايات استيعاباً لقضية المرأة العربية التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية، وما يؤرقها ويقض مضجعها منذ الطفولة إلى ما بعد الزواج. وقد عزت الروائية كل ذلك إلى دور الأب التقليدي والمجتمع المتخلف، فحملتهما جميعاً أزمة البطلة "عفاف" وضياعها في حمى الغربة ولجتها. صحيح أن الأب لم يكن شخصية حاضرة في الرواية، إلا أننا نراه ونسمع صوته بشكل مكثف عبر ابنته عفاف، إذ تصفه بأنه متحجر القلب، متجلد القسمات، متجهم الوجه كان "يحب الكيف.. وتدريجياً كلما كبرنا تجهم وجه الوالد، وأصبح أكثر تزمتاً ورصانة، وصار ينهرنا حين نفتح الراديو بحثاً عن أغنية عاطفية، أو مقطوعة راقصة"( ).

 

ترصد سحر إذا، علاقة الفتاة بأبيها منذ الطفولة، في مجتمع الطبقة البرجوازية، فتصور موقف الوالد من الصداقة القائمة بين طفلته وابن الجيران. فهو رافض لمثل هذا النوع من الصداقة، وفي رفضه ذاك يعبر عن عادات متوارثة، وقيم اجتماعية متعارف عليها، قائمة على الفصل التام، والتمييز الصارخ بين الجنسين. ها هي ذي عفاف، تتحدث عن موقف والدها يوم رآها تقفز تحت المطر بمرح وسعادة مع ابن الجيران: "وفجأة ارتطمت بوجه الوالد، كان قد أقفل سيارته، وفتح مظلته السوداء، وهو يهرول نحو الدار. نظر إلي من تحت المظلة، توقفت عن الركض والضحك، وتحت نظراته، أحسست أني أقوم بعمل مشين، فبدأت أنتفض من البرد، قال باقتضاب: عفاف!"( ).

وقد تنامى هذا الإحساس لدى عفاف حين أصبحت فتاة شابة، وشعرت أنها متهمة بأنوثتها، "متهمة مسبقاً وأصلاً لانتمائها للجنس العاجز"( ). والذي فجر  حبها لديها هذا الشعور، وقوف أهلها في وجه حبها البريء. "أحببت ولداً كان يقول بنفور (لست ولداً أنا رجل)، وكنت أضحك من هبله، وكنت أدعه يمسك بيدي فأحس بأني أمه وأخته وملاكه. وما أحسست أني وقحة. أو ربما وقحة من نوع آخر. نوع لا يخيفني بل يخيفهم، فقتلوني"( ). لقد قتلت حين حكم على حبها واختيارها بالموت قبل أن يرى النور. وبات عليها القبول بزواج معد سلفاً والقبول بواقع فرض عليها دون إرادة منها، فقاومته من الداخل، ولكنها أخفقت في تخطيه "فبقيت ممزقة بين العالم الذي ارتأته لنفسها، والعالم الذي فرض عليها. بين الحلم والواقع، فتقضي العمر موتاً بطيئاً. تعتمل في داخلها مشاعر الحب والحلم والحياة، دون أن تستطيع تحقيق ذاتها"( ).

وثمة مسوغات لدى الكاتبة في لجوئها إلى تعرية علاقة الأب بابنته، في الطفولة، ومرحلة الفتوة، وتصويرها لسلبية هذه العلاقة، وأثرها على طبيعة التكوين النفسي والاجتماعي والفكري للفتاة. ذلك أن من الأهداف الرئيسة التي تتوخاها الكاتبة في روايتها، كشف بعض سلبيات المجتمع التقليدي المتخلف، ونظمه الجائرة، التي تتعامل مع المرأة، بوصفها ضلعاً قاصراً. ولما كان والد عفاف، هو أحد ممثلي هذا التخلف، والمسؤول عن ضياع ابنته، كان من المنطقي أن تقف عنده الكاتبة، وهو الذي ينتمي إلى الطبقة المتوسطة سليلة الإقطاع. التي أدانتها في مجمل رواياتها. إذ نجدها في ثنائيتها (الصبار، وعباد الشمس) تسخر منها على لسان أحد أبنائها، وهو "عادل الكرمي" الذي يميط اللثام عن عيونها، ويعري مواقفها الجوفاءء، ويكشف زيفها وتناقضاتها، وتداعياتها من الداخل( )، حين يتحدث عن والده الوجيه، الذي يصر على تزويج ابنته "نوار" من الدكتور "عزت" الذي يملك مالاً وفيراً، "ويقف الزبائن أمام عيادته كالذباب"( ). وهو يفضله على ابن أخته "أسامة" الشاب الثوري طريد العدالة والمخابرات الإسرائيلية، كما يصفه، من غير أن يأخذ في الحسبان رأي ابنته، ومن تريد.

***

وعلى العكس، من ذلك، نجد الروائي الفلسطيني يعلي من شأن الطبقة الكادحة، التي يعول عليها الكثير من الآمال في مسيرة الكفاح والتحرير. فعشاق "رشاد أبو شاور" ينتمون جميعاً إليها، وهم لذلك يؤمنون بالحب، ويدعون إليه، الحب بمفهومه الإنساني والوطني، الذي يجعل الإنسان جديراً بإنسانيته. لذلك، لا عجب أن نرى أبا خليل، والد "ندى" ذلك القروي البسيط، يكن لابنته المتعلمة والمعلمة، كل الحب والاحترام والتقدير. فلا يجبرها على الزواج ممن لا ترغب فيه، ولو كان ابن عمها. فحين يعرض حبيبها محمود عليها الزواج، ترجوه أن يؤجل طلبة حتى انقضاء عام على وفاة أمها، احتراماً لذكراها، ورأفة بوالدها، وتطمئنه بأنها ستكون صاحبة الرأي الأول والأخير في اختيار شريك حياتها. وتقول له ممازحة: "ربما يطلب أحدهم الزواج مني.. عندئذ أرفض. (يسألها) ووالدك؟ (تجيب): والدي يحبني ويحترمني، ولذا لن يفرض علي الزواج من أحدهم"( )وهكذا تبدو الطريق مفتوحة أمام محمود لخطبة "ندى" فحين يتقدم من والدها طالباً يدها يجيبه: "أنا موافق، ولكن يبقى الرأي لها، أليس كذلك؟"( ).

لقد استطاع كل من رشاد أبي شاور، وسحر خليفة، أن يصورا جانباً هاماً من العلاقة التي تربط الفتاة بأبيها، وما يميز تلك العلاقة. فكان هناك جوانب إيجابية وأخرى سلبية. أفرزتها طبيعة المجتمع، والطبقة التي ينتمي إليها كلا الأبوين. فوجدنا أن سليل الطبقة البرجوازية يتعامل مع ابنته في إطار مصالحه الشخصية، وفي ظل علاقات تقليدية بالية. فيبعدها عمن تحب، ويكرهها على الزواج ممن لا ترغب فيه ولا تجده كفواً لها. في حين يتعامل الأب الكادح البسيط مع ابنته بأسلوب أكثر مرونة وانفتاحاً، وأصدق تعبيراً على ثقته وحبه واحترامه لابنته، ولرأيها في اختيار شريك حياتها وبناء مستقبلها، ولذا فهو يبارك علاقتها البريئة، ويدعمها، ويشجعها على الزواج من الشاب الذي ترتضيه لنفسها، ويناسبها اجتماعياً وخلقياً وفكرياً. حتى إذا ما غاب الوالد عن الحياة، لم يتحول غيابه إلى محض ذكرى أليمة في ذاكرة الابن أو البنت وحسب، بل إلى حافز للأولاد على مواصلة الكفاح من أجل التحرير(*) .. وبمعنى آخر: ليس الأب المنحدر من الطبقة الكادحة "صنماً اجتماعياً بل قدوة يستلهم منها الابن كل إقدامه وشجاعته على التضحية"( ).

 

4-العلاقة بين الإخوة والأخوات:

وإذا ما رصدت الرواية الفلسطينية علاقات الأباء والأمهات بالأبناء والبنات، فإنها لم تهمل علاقة الاخوة والأخوات فيما بينهم. وقد شهدت هذه العلاقة تبايناً وتنوعاً، تبعاً لطبيعة المرحلة التي يتناولها الكاتب وطبيعة رؤيته، وكذلك تبعاً لطبيعة الشخصية ومستواها الفكري والاجتماعي.

 

ففي زمن النكبة وما بعدها، ولد جيل من الشباب الفلسطيني المفجوع، الذي اكتوى بنار النكبة، وتجرع مرارة البؤس، ولكنه لم يستكن لواقعه. فجاءت "ما تبقى لكم" عام (1966) لتعبر عن هذا الجيل الذي يمثله الأخوان مريم وحامد، اللذان ولدا في يافا. وقبل النكبة بأيام قليلة قتل والدهما، وحين أرادت الأسرة النزوح إلى غزة، حدث أن تأخرت الأم عن اللحاق بولديها، فأصبح حامد وأخته، التي تكبره بأعوام، في غزة، ولم يعرفا ما مصير أمهما، إلا بعد مرور أعوام، حين عرفا، من خلال المذياع، أنها في الأردن عند شقيقها. وكانت مريم آنذاك تعيش مع أخيها تجربة الشتات المرة، والحرمان من الأم، بعد أن توفيت الخالة، وبقيت تكابد معاناة البؤس والقلق والانتظار الممض، انتظار الأم والزوج، وقد بلغت من العمر الخامسة والثلاثين، أما حامد الذي بلغ الخامسة والعشرين، فقد أصبح مدرساً في المخيم. وعلى حين أخذت مريم تحصي ما انقضى من عمرها، من الساعات والأيام والسنين المهدورة في لجة الانتظار المر، وهي تقوم بدور الأم بالنسبة لحامد. نجد حامداً، قد بات رجل البيت المحرم: "لقد كان دائماً رجلاً رائعاً.. ولكنه لم يكن أبداً إلا أخي. ومرور الزمن لم يكن يعني لديه شيئاً، فيما كان بالنسبة لي موتاً يعلن عن نفسه كل يوم مرتين على الأقل. بالنسبة له كنت أتحول كل يوم إلى مجرد أم، وكان يتحول كل يوم بالنسبة لي إلى رجل محرم، ولم يدرك قط طوال عمره أن لحظة ارتطام واحدة مع رجل حقيقي ستودي بنا معا. وأيضاً بعالمنا الجميل الصغير التافه الذي أجبرنا أنفسنا على اختياره. عالم تافه غير مستعد لقبول عانس أخرى.."( ).

 

وتجتمع مريم مصادفة مع زكريا (النتن)، وهي بصحبة أخيها (حامد)، وكانا زميلين يجمعهما العمل في مدرسة المخيم، فيعجب زكريا بجمال مريم، وتناسق جسدها، ويحاول اصطيادها، بعد أن أدرك نقطة ضعفها الكامنة في حاجتها إلى رجل، قبل أن يفوتها قطار العمر. وتقع مريم فريسة سهلة في شباك زكريا، وتحمل سفاحاً، فيضطر حامد للموافقة على زواجها مكرهاً، بعد أن اعترفت له بعلاقتها مع زكريا. ويهرب "حامد" بعيد العرس من البيت، متجهاً من غزة إلى الأردن عبر الصحراء، باحثاً عن أمه، رمز الطهر والأمان والخلاص من دنس الحاضر.

 

وينطلق حامد متجهاً إلى الأردن، مخترقاً صحراء موحشة، من غير خوف أو تردد يدفعه شعور بالغضب والحزن والضيق، وكانت مريم الملوثة بدنس السقوط بقرب زوجها، تحصي خطوات حامد على دقات الساعة خطوة خطوة، وقد فارقها النوم، وسيطر عليها الخوف والترقب.. حتى باتت تشعر بالانشطار بين زوج كريه يطالبها بالإجهاض، هرباً من تحمل المزيد من الأعباء، وحرصاً على جسدها من الترهل، وأخ هارب يضرب في مجاهل الصحراء. بين ماض حزين يحمل معه الألم والمرارة، وحاضر بائس تعيس( ).

وهكذا فقد استحوذ حامد على تفكير أخته، ومشاعرها، ولم يبرح وجدانها لحظة واحدة. فقد عاشت معه، وله طوال تلك السنين التي أعقبت النكبة. ربتة صغيرا، وشهدت تفتحه ونضوجه، وكابدت معه الحزن والألم والانتظار. كان بالنسبة إليها الأخ والابن والصديق. أما هو فقد كانت بالنسبة إليه الأخت الطيبة الوفية التي تستحق منه التضحية والإخلاص، كما "كانت بمثابة أم له، ولكنها حين تزوجت بات على حامد أن يرتد باحثاً عن أمه الضائعة. غير أنها هي الأخرى يحتمل أن تكون قد تزوجت فما العمل؟ الالتجاء إلى الأرض كحل للإشكال، ولكن الأرض مدنسة بالاحتلال هي الأخرى. فكان لا بد لحامد من مواجهة عالم كله دنس، وأن يرتطم بهذا العالم بصورة فاجعة"( ) فكان التوجه نحو الأرض هو الحل المنطقي لأزمته.

 

وبما أن الأرض ملوثة أيضاً، كان لا بد له من حمل السلاح (السكين) أخيراً كحل وحيد للمشكلة. وهذا ما حصل فعلاً. إذ اجتاز حدود الأرض المحتلة في الليل، وواجه أحد الجنود الصهاينة في الصحراء، واستطاع أن يأسره. وفي الوقت نفسه، كانت مريم في بيت الزوجية في غزة، تعيش حالة من القلق والضياع بجانب زكريا النتن، ويساورها شعور بالخوف على حامد تقول: "واجتاحتني رعشة مفاجئة، فأخذت أنتفض، لقد حدث شيء ما له، في هذه اللحظة بالذات.. سيقول عني مجنونة لو أيقظته (تعني زوجها) وقلت له: "حدث شيء لحامد هذه اللحظة". لقد أحسست ذلك في أعماقي. وفي اللحظة ذاتها دفعني الفراش، فقمت وتحسست طريقي إلى المطبخ.. شربت فقط لأقوم بعمل أي شيء.. وهناك تحرك (الجنين) مرة أخرى. تلك الحركة الصغيرة الغاضبة، العابرة ولكن التي لا تنسى، فتوقفت متكئة على الباب، وسميته حامداً، وأخذت أبكي.."( ).

وفي اللحظة التي يشهر فيها حامد سكينه اللامعة في وجه عدوه الصهيوني، ينشب بين مريم وزكريا شجار يكون النقطة الفاصلة بين الحياة والموت. يقول زكريا لمريم شاتماً، ناكراً عليها حقها في الأمومة: "هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي لي ولداً أيتها العاهرة؟.. إذا لم تستطيعي إسقاط ذلك.. الصغير فأنت طالقة.. هل تسمعين؟"( ) وتعلق مريم: "وانسد حلقي فجأة، فخيم صمت ثقيل مشحون بانتظار مر.. وفي اللحظة التالية جذبني إليه، ثم دفعني إلى الجدار، وقبل أن يستدير ارتطمت بالحائط، ولمعت أمامي بنصلها الطويل المتوقد فوق الطاولة، فردني الجدار إليها كأنني لعبة مطاط واحتوتها قبضتاي معاً.. واندفعنا مرة واحدة. ونحن ننظر في عيني بعضنا مباشرة، كان النصل مندفعاً من بين كفيّ المحكمتين الإغلاق وأحسست به حين ارتطمنا يغوص فيه"( ).

 

وهكذا، تقتل مريم زكريا رمز الخيانة، وتتخلص مما لحق بها من ذل وعجز، على حين يواجه حامد الجندي الصهيوني فيجرده من سلاحه، متحيناً الفرصة المناسبة لقتله، فيسجل الأخوان بذلك، انتصاراً على نفسيهما وحياتهما الذليلة في وقت واحد. وفي لحظة مصيرية واحدة.

*

ونقع على نوع آخر من العلاقة بين الأخت وأخيها في "أيام الحب والموت" (1973) لرشاد أبي شاور. وهي علاقة قد تتعدى إطار الاخوة لتصل إلى حدود التقديس.

تعالج الرواية "الماضي الفلسطيني قبل وأثناء 1948 حيث توزع هذا الماضي بين أيام للحب قليلة وأخرى للموت كثيرة. كان الحب متمثلاً في تلك العلاقة الحميمة القائمة بين المواطن وترابه، وتلك اللحظات الإنسانية المليئة بالود والحنان البريئين بين أفراده. أما الموت فقد جاء مع الهجمة الشرسة التي قادها الإنكليز متواطئين مع الحركة الصهيونية إعداد للبلاد وطناً قومياً لليهود على حساب أهلها وترابهم القومي"( ).

 

يبدأ أبو شاور الحديث عن الأخوين بقوله: "كان لمحمد أبو عمران أخت اسمها حلوة، وكانت البنت مثل النقطة في المصحف. لها وجه كما البدر، وعينان دعجاوان، وقامة مثل النخلة، وصدر ممتلئ فائر، وكانت حلوة في حوالي العشرين، تصغر شقيقها بخمسة أعوام"( ). وكانت تتمتع بشخصية قوية ومؤثرة، ونظرات قاسية، وعزيمة لا تلين.. لقد أطارت بجمالها "لب أكثر من رجل، وتقدم لخطبتها أكثر من رجل، لكنها كانت ترفض قبل أن يتزوج شقيقها، وتجد رجلاً- قد حاله- توافق على أن تكون له زوجة، وكان الشيخ هاجم يلاحق حلوة بنظراته، لكنها ما كانت تعيره انتباهاً. وكانت نظراتها القاسية تنغرس في وجهه وعينيه، فتجمّده وتجعله يرتبك، ويلوي رأسه، وهو يتأوه ويداعب شاربيه.. متفكراً"( ). وحين يقف محمد أبو عمران "أخو حلوة" محرضاً الرجال على الثورة ضد طغيان هاجم ورجاله.. تؤازره حلوة في اليوم التالي، وتستثير عزيمة رجال القرية ونخوتهم. فبعد أن حضر هاجم ورجاله "اقتربت حلوة منه، حددت نظراتها في عينيه، فابتسم لها، لكن وجهها كان يقطر سماً، أطلقت صرخة هائلة، جعلت هاجم يجفل، وبدنه يرتعد: وين الرجال.. باطل، نسوان أنتو وإلا رجال... رفعت ثوبها عن فخذيها الناصعتين.. صرخت: باطل يا رجال.. اركضو راحت، عرضكو راح.. انقض محمد أبو عمران صارخاً كما الرعد: أنا أخوكي يا حلوة.. وغرس خنجره في صدر هاجم، وانقضّ الرجال على جماعة (هاجم) بالخناجر والعصي والفؤوس، وسال الدم، وتطايرت الرؤوس.. ودارت المعركة حتى انتصف النهار.. ويحكى أن حلوة حملت شقيقها الجريح على ظهرها حتى وصلت إلى قريتهم "ذكرين" وما إن وصلت حتى كان الرجل قد فارق الحياة، فحفرت له قبراً ودفنته في أرضهم قبل أن تحضر جماعة هاجم، ويأخذوا الجثة ويمثلوا بها"( ).

 

وأقامت حلوة فيما بعد مقاماً حول القبر، كأنه مسجد، ولكن بدون مئذنة،... ولما كبرت، ووخط الشيب رأسها، وصارت ملامحها وقورة، تقدم لخطبتها سلمان عارضاً الزواج عليها أمام أهل القرية، وكان صديق شقيقها، عندها "أجالت حلوة نظراتها في الرجال الواقفين حولها، وظلت ساكتة برهة من الوقت، ثم قالت: أقبلك يا سلمان أنت صاحب أخوي، ورجل بتحب الأرض والناس، وشهم.."( ).

هنا تتجاوز علاقة الأخت بأخيها حدود النسب، ورابطة الدم، حدود العلاقة العادية، والصلة الاجتماعية التي تجمع الأهل، عادة، تحت سقف واحد، وحول مائدة واحدة، فلم تعد محض علاقة اجتماعية وعرض وثأر وكرامة، بل أصبحت رمزاً للوفاء للأرض والوطن من جهة، وإدانة صارخة للعمالة والخيانة من جهة أخرى. أصبحت علاقة الأخت بأخيها علاقة قريبة من الرمز وقيمته، حين تلتحم بالأرض وتتوحد بها، وتتشبع بعبيرها، وتغوص في ترابها، لتزرع فيها بذور البطولة والتضحية والفداء. فمقام الشهيد أصبح نبراساً، ودليل هداية، وعلامة مضيئة لكلّ الأبطال الحقيقيين الذين يريدون العبور نحو فلسطين، نحو أرض حرّة من كل أشكال الإرهاب.

*

وإذا كانت "أيام الحب والموت" قد وضعت علاقة الأخت بأخيها في إطار شبه رومانتيكي، مثقل بـ "نفس تراثي مؤثر، يتجلى بعضه في تقاليد الفروسية العربية.. حين تستنهض المرأة همم الرجال لأن يثوروا لكرامة أعراضهم"( ) فإن رواية "العشاق" قدمت العلاقة الأخوية في مستويات متعددة، فهناك العلاقة العادية، الخاضعة لمنظومة القيم والتقاليد الاجتماعية، وتمثلها علاقة أم محمود بأخيها المختار. فأم محمود، أرملة الشهيد، مضطرة للخضوع للقيم وللأعراف الاجتماعية، وما تفرضه عليها بشدة، فهي تدرك أن أخاها المختار على صلة باليهود، وبأجهزة الشرطة وبالمخابرات، وأنه المسبب في حبس ابنها "محمود" لكنها تتظاهر أمام الناس بغير ما يعتمل في صدرها، فترحب بالعميل المتواطئ على الرغم من احتقارها له ضمنياً( ). فابنها محمود "يعرف أن أمه لا تمحض خاله (المختار) احترامها. لكنها تتظاهر أمام الناس. إذ لا يجوز أن تحتقر المرأة أهلها"( ).

 

وعلى الخلاف من ذلك، نجد علاقة "أم حسن" بأخيها أبي نعمان، تتجاوز حدود العلاقة الأخوية العادية، الخاضعة لأطر العادات والتقاليد، لتصبح علاقة أمومة وأبوة وبنوة وصداقة، وحب للأرض والوطن، يقول حسن:"لم يكن خالي أبو نعمان مجرد أخ لها، كان صديقها وشقيقها ووالدها وابنها"( ). والذي عمق صلتها به، وعلاقتها معه إلى درجة الانصهار والالتحام، هو حسه الوطني الرفيع، ومواقفه الشجاعة الصلبة، ورفضه الخنوع والخذلان والتواطؤ. فحين كان يعمل في حراسة مخازن توزيع المؤن في وكالة الغوث، رفض مراراً السماح لمدير المخيم ومساعده بنقل المسروقات، كانوا يعطونه إجازة، ليتخلصوا منه فيعود في الليل "ويظل يدور حول المستودعات (ويقول) أنا حارس.. آكل خبزي من حراسة حقوق الناس، ولن أسمح بالسرقة حتى لو طردت، ألا يشبعون؟ إنهم يحصلون على رواتب عالية، ومع ذلك يلاحقون اللاجئين على حفنة الطحين، وقطعة الصابون، ولحسة السكر"( ). وعندما فاض الكيل بلصوص المخيم من أبي نعمان ومواقفه النزيهة، اعتدوا عليه غدراً، وشجوا رأسه، محاولين قتله، ومع ذلك لم يستسلم لهم. حتى إذا ما اشتعلت الحرب كان أبو نعمان، مؤذن المسجد، وحارس مؤن الجياع، أول الرافضين للهجرة، بقي في قريته إلى أن جندلته رصاصة الغدر الصهيوني، وهو يؤذن في الجامع، فإذا بأخته وشقيقة روحه، وصديقته وشريكته في الخلق والاستقامة والنزاهة والشجاعة والحس الوطني الحي.. تتحدى الحزن الذي استوطن كيانها، وتعلو على آلام الفقد، وتستوعب بشجاعة نادرة حقيقة الظرف الذي تعيشه، ورهبة الموقف الذي هي بصدده، فتنخرط مع ابنها وصديقه، بصبر وشجاعة، في حفر قبر أخيها الشهيد، وتعاونهما في تسجية جثمانه في الحفرة، وإغلاقها، وإهالة الطين والتراب والحجارة عليها، ووضع الشاهدة التي لا تحمل اسماً، وتلاوة الفاتحة بأسى وحزن ولوعة، تدفعها إرادة قوية على الاستمرار والمضي قدماً في طريق الكفاح.. وإذا بها بعد أن خلفت المقبرة وراءها تتأهب لإعداد الشاي لأحبائها المناضلين، برأس معصوبة، وعينين محمرتين أقسمتا على نيل الثأر، ونجد "حسن" امتداداً لأمه في مناهضة الظلم والقهر، وفي علاقته مع أخته "حسنية" وموقفه منها، ومؤازرته لها، ووقوفه إلى جانبها، حين يستدعي الأمر.. فنراه رافضاً لتصرفات أبيه المزواج، ولبعض العادات والتقاليد البالية، المتمثلة في زواج المبادلة، وما يترتب عليه من سلبيات، وإجحاف بحق المرأة. فيقف موقفاً إيجابياً من أخته التي زوّجها والدها لفتى من القرية، وتزوج أخت ذلك الفتى. فحين طلب منه إجبار أخته على مغادرة بيت زوجها، لأن زوجته هجرته، وفضحته أمام ذوي أمرها، يرفض قائلاً له: "أختي ليست خرقة، إنها تحب زوجها، وهو شاب، أما أنت، فمقصّر في حق زوجتك"( )

*

ومع امتداد الزمن، وتطور الحياة، وتفتح الوعي، تأخذ العلاقة الأخوية طابعاً أكثر ديمقراطية وتحرراً. ففي ثنائية الصبار وعباد الشمس (1976-1980)، تتابع الكاتبة سحر خليفة، التطورات الطارئة على البنية الاجتماعية والاقتصادية في الضفة الغربية، وما واكب ذلك من تطور في بعض المفاهيم الاجتماعية و"المواقف الفكرية السياسية للجيل الجديد، الذي ملك وعيه في ظل القهر الإسرائيلي.. (الذي) أصاب النظام الاجتماعي الفلسطيني التقليدي بهزة عنيفة، وإن لم تكن مدركة بوضوح"( ). وخير مثال على ذلك ما آلت إليه الطبقة البرجوازية، سليلة الإقطاع، من تهتك وانهيار وجمود وعزلة، متمثلة بأبي عادل الكرمي الذي يعيش بفضل (الكلية الصناعية) ويحيا على أمجاد الماضي. إنه "بقية البرجوازية الفلسطينية التي تتشبث بموقعها غير متنبهة للزمن الذي تغير ونبذها، والكاتبة تصورها مكروهة حتى من ورثتها الطبيعيين، لا لأنها ضد الفطرة، وإنما لأنها ضد الواقع المتغير"( ). يصف عادل الكرمي دار العائلة بقوله "هذه الدار الهرمة لا تنتج إلا المرض والجبن"( ). و(يضمر الابن الأصغر "باسل".. الكراهية والتحدي لهذا الأب، ولكل صور الخنوع والعجز. أما نوار فتصف مؤتمرات أبيها الصحفية بأنه "يتسلى")( ) وتصف دارها بأنها "لا تجاري روح العصر"( ).

هذا التطور الذي طرأ على المفاهيم الاجتماعية في الأرض المحتلة، يتجلى بصورة واضحة حين يحاول "أبو عادل" ممارسة سلطته ليفرض الزواج على ابنته "نوار" من الدكتور عزت، فيتصدى له كل من عادل وباسل، ويقفان إلى جانب أختهما، داعمين موقفها، فيقول عادل لأبيه: "دع الفتاة تدافع عن حقها في الحياة، دعها تتعلم كيف تجابه الأمور بحزم"( ) ثم يردف معبّراً عن احترامه لأخته- وللمرأة- ولرأيها واختيارها "أرجو أن تدافع الفتاة عن كرامتها، وإذا لم تفعل فهي لا تستحق الكرامة، ولتدخل عالم الحريم غير مأسوف عليها"( ). ويقف "باسل" الشاب الثوري الذي عرف طريقه، فانضم إلى صفوف المقاومة داخل الأرض المحتلة، موقفاً أكثر جرأة وثورية، حين يبارك العلاقة العاطفية القائمة بين أخته "نوار" وصديقه صالح. يقول لها: "أتظنين أني لا أعرف قصتكما، الجميع يعرفون، فكيف لا أعرف أنا؟ ولا تنسي بأنه لا أسرار في مدينتنا.. طأطأت ولم تعلق.. قال مشجعاً: صالح رجل لا كأي رجل، وهو جدير بكل التضحيات، ولكن هل ستواظبي على الكتابة إليه، وزيارته بالرغم من كل الاحتمالات"( ) إنه يتفهم بوعي الإنسان الثوري المثقف، طبيعة العلاقة التي تربط أخته نوار بصديقه "صالح"، فيشجعها برحابة صدر، ويعبر عن ثقته بهما، ويحثها على مصارحة والدها، والتشبث برأيها والدفاع عن اختيارها مهما كانت النتائج. وها هو ذا يحاول استفزازها بعد ما رأى من خنوعها وضعفها ما دفعه إلى إعلان الحقيقة أمام والده بكل جرأة وتحد: "وفجأة بدون مقدمات سمع نفسه يقول بصوت تقريري كمن يقرأ نشرة أخبار: نوار الكرمي تحب صالح الصفدي. لكنها لا تعترف بهذا. وقد وعدته بانتظاره طوال مدة سجنه، هذا إذا استمر الاحتلال، أما إذا لم يستمر فستتزوجه بالرغم من كل واحد فيكم، وبالرغم من والدها قبل الجميع.. نوار الكرمي تحب صالح الصفدي ولا ترغب في الزواج من أي رجل آخر، ولكنها جبانة، أجبن من أن تواجه الآخرين بذلك.. وواصل.. بنفس اللهجة التقريرية: نوار الكرمي تحب صالح الصفدي وتكتب له الرسائل.. وتزوره في السجن.. ولن تتزوج من أي رجل سواه.. ولا أعرف كيف يحب أي مناضل فتاة مائعة كنوار الكرمي. وصاحت نوار وهي تهب واقفة: بلى سأتزوج منه. أنا لن أتزوج إلا من صالح حتى ولو انتظرته مئة سنة"( ).

 

***

هكذا "تؤدي ثورة الأهلين في الأرض المحتلة إلى تثوير العلاقات الاجتماعية"( ) و"هكذا كان على الرجل الثوري حقاً إما أن يعيش موقفه الثوري بمصداقية، بما في ذلك موقفه من المرأة، وإما أن يعلن انسحابه من المعركة ككل، الأمر الذي يعتبر بدون شك خزياً وطنياً واجتماعياً"( ).

وفي ضوء ما تقدم يمكن القول: إن الروائي الفلسطيني برع في تقديم صورة مشرقة معافاة وصحيحة للعلاقة الأخوية التي تسودها روح المحبة والاحترام، وتنتفي منها كل معاني السطوة والظلم والقهر والتبعية والكبت والذل.

 

فبدت الفتاة، هنا، كأخيها، إنسانة حرة واعية نقية عفيفة محبة للأرض والوطن، وفية للأسرة، تمارس حقها المشروع في التعبير عن رأيها اتجاه القضايا التي تهمها، تستنهض الهمم، وتثير الحمية، وتستعمل السلاح حين يتطلب الموقف الوطني ذلك، فإذا ما بدرت منها ذلة أو سقطة، سارع أخوها إلى إنقاذها وتوعيتها والأخذ بيدها، بأسلوب مفعم بعبق الأخوة الحقيقية النقية الأصيلة.

 

5-العلاقة بين الأزواج:

يستطيع دارس الرواية الفلسطينية أن يميز نوعين من العلاقة الزوجية: النوع الأول، يتسم بالمودة، والرحمة والألفة والانسجام. أما النوع الثاني، فيتسم بالقلق والتنافر والجفاء، وفيما يلي سنفصل الحديث عن هذين النوعين، كل على حدة.

 

أ-علاقات مودة (حضوراً وغياباً):

يرى الباحث في الرواية الفلسطينية أن المساحة التي شغلتها العلاقات بين الأزواج، لم تكن كبيرة قياساً إلى المساحة التي شغلتها علاقة الأم بالأولاد. والسبب في ذلك يعود إلى أن الأسرة الفلسطينية، منذ ما قبل النكبة وما بعدها، لم يقدر لها أن تعيش بسلام، فالانتداب البريطاني، ومن ثم الاستيطان الصهيوني، وما جر ذلك من ويلات وفجائع، حتّما على الأزواج أو رجال فلسطين الحقيقيين، حمل السلاح للدفاع عن حياتهم وأرضهم وشعبهم( ). فكان أن استشهد الكثيرون مخلفين وراءهم ثكالى ويتامى، مما حتم على الأم الفلسطينية القيام بواجب إضافي هو الأبوة( ).

 

فسلمان عباس في "العشاق" يدرك أن لا مستقبل له إلا على أرضه، لذلك يقرر الجهاد، ويسقط مع كثير من المجاهدين في صدام مع الرجعية العربية، وقوات الاحتلال الإنكليزي والصهيوني، فيقتل على الحدود عام 1955، ويترك خلفه زوجة وأطفالاً صغاراً بلا معين، بلا مال أو بيت أو أمان، ولكن الزوجة تصبر وتصمد، وتنذر نفسها لولديها، دون أن تتزوج، فتستطيع أن تربيهما خير تربية إلى أن أصبحا شابين واعدين. فموت الزوج مبكراً إذا، لم يدع مجالاً للوقوف بشكل مفصل على العلاقة القائمة بينه وبين زوجته، إلا من خلال تداعي ذكريات ابنهما محمود، ومن خلال هذا التداعي، نستطيع رسم صورة مشرقة لهذه العلاقة الدافئة، التي يغمرها الحب والتفاهم والتضحية والإيثار والإخلاص والاحترام والوفاء.( ).

*

ونقع على مثل هذا الغياب للزوج في "أيام الحب والموت" إذ يستشهد عبد الله الشتايرة على يد البريطانيين، بمساعدة عملائهم المحليين الممثلين في الإقطاعي "داهم العواونة" ويستشهد محمد المرابع، وعبد الله سلمان (الفلاح) على يد اليهود بمساعدة البريطانيين. وفي الحالتين تتم الشهادة دفاعاً عن الأرض. مخلفين وراءهم زوجات وأبناء، يحاولون هم أيضاً حمل شعلة الكفاح، ومواصلة طريق النضال.

*

وفي "الصورة الأخيرة من الألبوم" يرتسم أمامنا شكل آخر من أشكال الموت الفاجع، فعندما صادرت سلطة الاحتلال الصهيوني القطعة الخصبة من أرض والد أمير "تحول والده من مزارع صغير إلى عامل بناء، كانت هذه الصنعة جديدة عليه، لذلك لم يسيطر جيداً على توازنه فوق السقالة المعلقة على جدار الطابق الرابع في نتانيا.. وهبة الريح الشتائية تلك كانت كافية للتطويح به من أعلى السقالة ليهوي على أرجوحة الأطفال المنصوبة حديثاً في حديقة البناية الجديدة.. شطرته الأرجوحة المعدنية شطرين... ابتلعت الريح الشتائية صرخة رعبه المنفجرة في الفضاء كعبوة ناسفة، وابتلع التراب الباقي من جثته الممزقة..."( ) غير أن المأساة التي حلت بالأسرة، لم تثن الأم وأبناءها عن التشبث بالحياة، والعمل البناء، بعزيمة وطيدة.

*

ونلتقي في "البكاء على صدر الحبيب" بأرملتين أخريين، هما أم زياد، وأم غالي، ونتعرف على استشهاد زوجيهما من خلال ذكريات أبنائهما. يقول زياد: "كنت في السادسة، أذكره جيداً، كان يرتدي بذلة كالتي يرتديها الجنود، أذكر أنها كانت خشنة مثل لحيته التي لم يكن يحلقها في تلك الفترة، حملني بين يديه، وقبلني في جبييني، ثم في خدي، ضغطني إلى صدره، وقال لي: وفي عينيه حزن يمتزج بالفرح، كن شاطراً.. ثم أنزلني من بين يديه، ولصق جسده بجسد أمي، كانت أمي تتشبث به، تريد أن تصير عضواً في بدنه، لكنه أبعدها عنه. إني لأذكر جيداً. قال لها بلهجة آمرة فيها رجاء: ديري بالك عليه.. ورحلنا... وظل والدي هناك، أخبرونا فيما بعد أنه.. مات مع الرجال"( ). أما غالي فيعرفنا على موت والده من خلال مخاطبته لصورته: "كنت تذهب وتعود، ومعك نقود وملابس لي ولأمي، ثم رحت ولم ترجع، وجاء من يقول لأمي: البقية في حياتك. أنت تعرفين أنه كان يعمل مع مجموعات الاستطلاع، لقد استشهد."( ).

***

فغياب الأزواج إذاً، ظاهرة لافتة للنظر في الرواية الفلسطينية، وليس من الضروري أن يكون هذا الغياب ناتجاً عن الموت الطبيعي أو الاستشهاد، فقد يكون الزوج حاضراً غائباً في الوقت نفسه، نتيجة لظروف اجتماعية تعانيها الأسرة في ظل ظروف سياسية معينة، فزوج أم سعد في رواية "أم سعد" حاضر أشبه بالغائب، بل لعل غيابه يمثل راحة لزوجه التي عانت من جفائه وسوء خلقه، الشيء الكثير. فعالم الهزيمة يشد عليه الخناق ويحكم الوثاق، أما الفقر وبطاقة الإعاشة فيزيدانه رهقاً. وأم سعد تعي كل ذلك، ولهذا تصبر وتتحمل، إلى أن تأتي البنادق إلى المخيم، وقتها فقط، تنهار العلاقات القديمة بكل قبحها وقسوتها، لتصنع الثورة علاقات من نوع آخر، أكثر دفئاً وحميمية ونضجاً.

*

وفي "سداسية الأيام الستة" وتحديداً في اللوحة الثالثة، نقع على شكل آخر من أشكال الغياب وفرقة الأزواج، فعلى حين أصرت أم الروبابيكا على البقاء مع والدتها المقعدة زمن النكبة، نجد زوجها قد نزح مع أولادهما في سفر الخروج الأول، وحين توفيت والدتها بعد خمس سنين من ذلك، رفض الزوج التعرف على زوجه، وأعلن عدم رغبته في عودتها إليه، أما هي فأظهرت عدم رغبتها في الهجرة من بيتها.. وظلت طوال "عشرين سنة في دارها، في حي وادي النسناس بحيفا.. مؤكدة انتماءها للوطن، تماماً، كما أكدت ولاءها للأبناء وللماضي- تاريخاً وتراثاً- حيث راحت تجمع المخلفات، وتبيع كل شيء، وتبقي على الكنوز"( ).

وبعد الخامس من حزيران، تلتقي أم الروبابيكا بزوجها وابنها اللذين عادا ليمارسا جميعاً طقس العشق الحقيقي، عشق الأرض والوطن. وتتباحث مع زوجها فيما تستطيع أن تقدمه من مساعدة لإطلاق سراح ابنهما المعتقل، وهو طبيب شاب متحمس، اتهم بتوزيع المنشورات في القدس القديمة. ولا تخفي "أم الروبابيكا" إعجابها بزوجها، وحبها له، إذ استطاع تربية ابنهما خير تربية، إلى أن أصبح طبيباً وثائراً( ). ضاربة الصفح عن الماضي وأخطائه، متجهة نحو آفاق جديدة، وهي تنشد معهما تحقيق الذات، وتأكيد الهوية، وتحرير الأرض.

*

وبرشاقة وعذوبة عميقتين، وببساطة محببة وإعجاب كبير، يحكي "يحيى يخلف" في "نشيد الحياة" (1985) عن الأزواج الطيبين المخلصين، سواء منهم من كان غائباً أو كان حاضراً، فأبو كامل يتزوج "زليخة" ثم يهجرها سنوات طويلة لا تدري عددها، ويبيض شعرها، دون أن تدري أين ذهب ولماذا وكيف؟ "في البداية حقدت عليه. كرهته. تمنت له الموت البشع. لكن مع مرور الأيام، بدأت تشفق عليه، بدأت تحزن. صارت تتمنى عودته سالماً.. اعتقدت طويلاً أنه سيأتي ذات يوم تسبقه عكازه.."( ) وعدت أولاد الحارة بالحلاوة، لوهم بشّروها بعودته. كبر الأولاد وأصبحوا شباباً ولم يعد، غاب مع من غاب من الأهل والأحباب ومهج القلب( ).

 

إن حالة (الانتظار والأمل في أن تحدث معجزة، ويأتي مع الأيام الشيء العزيز الذي طال انتظاره، يشكّل نغمة رئيسية في "نشيد الحياة")( ). ولكن أبطال هذه الرواية لا يستسلمون للحلم والانتظار، إنهم يعيشونه، ويمارسون، في الوقت نفسه، دورهم الفاعل على أكثر من صعيد. فزليخة تعيش أقسى حالات الانتظار، ها هي تنام بعد أن هدها التعب والنعاس، لترى في منامها زوجها.. أبا كامل "جاء بعد غياب طويل يسبقه صوت عكازه. دق الباب ففتحت له. دخل مهيباً رزيناً، واسع الصدر.. مد إليها يده، فتناولت اليد، وانحنت لتقبيلها. سحب يده، ومسح بيده الأخرى على رأسها فبكت. وجثت على ركبتيها، جلس لكي يخلع الحذاء، ثم قال لها.. سئمت الغربة والتجوال، تعبت من الرحيل المتواصل، وقررت العودة إليك يا زليخة. قررت أن أعود، وأقبل شعرك الأشيب، وأقضي بقية عمري رهن إشارتك، قررت أن أطلب منك الصفح والمغفرة، لقد تحملت الكثير، وأنت تنتظرين عودتي أيتها المباركة، فليغفر الله لي، لأنني هجرتك طوال هذه المدة.. واستيقظت فجأة.. على صوت الريح.. على الخواء والفراغ واليأس، تبدد الحلم.. وانخرطت في بكاء علني، لماذا ذهب سريعاً. لماذا لم ينتظر حتى تقول له، إنها بكت حتى لم يبق في عينيها دموع"( ).

 

لكن الزوجة تستطيع بقوتها، وإيمانها وصبرها، أن تخلق توازناً مع الحياة، فهي تعيش الأمل، وتمارس العمل. تربي دجاجاتها الثلاث، وكأنهن بناتها. تطلي حيطان منزلها "بالشيد" الأبيض، ليبدو جميلاً ناصعاً. تشارك في مراسم تغسيل رجل مجهول الهوية، قتل أثناء عملية قنص، ولا تتردد في المشاركة في تشييعه إلى مثواه الأخير، مع بضعة رجال آخرين. تهتم بمنزلها، وتزرع في ساحته النعنع والعطرة، وشجيرات الورد، معبرة عن حبها للحياة والجمال والناس، تماماً كحبها لزوجها وإخلاصها له وحنينها إليه.

مثل هذا الحب والإخلاص، والحنين للأزواج، نقع عليه في جنبات الرواية كلها، فالشايب الرجل الذي لا ينام. لا تفتأ تمر بخاطره ذكرى زوجته الوفيّة الطاهرة، صاحبة القلب الكبير، والروح المباركة، التي لم يشأ لها القدر أن تنجب، ومع ذلك كانت -كما يراها زوجها- خصبة في شخصيتها الكريمة، وأخلاقها النبيلة، لذلك عاش لها، وكانت هي أسرته. وبعد أن رحلت صارت الثورة أسرته. ومن خلال ذكرياته، نستطيع الوقوف على طبيعة العلاقة الحميمة التي كانت تربطه بزوجته، كما نستطيع الوقوف على السمات البارزة في شخصيتها المميزة.

*

ومثل هذا الوفاء للزوجة، نجده لدى أبي خليل في رواية "العشاق"، إذ يخلّف فراق زوجته في قلبه لواعج الحزن، ومرارة الأسى، فيعيش على ذكراها الطيبّة، عازفاً عن الزواج، مكرّساً ما تبقى من عمره لخدمة أبناء قريته الثوريين، من موقع عمله الذي ارتضاه لنفسه. وهو حين يجبر على الرحيل من مخيمه إلى مخيم آخر، بعد حرب حزيران 1967، نجده يحرص على الاحتفاظ بملابس زوجته، فيضعها بحرص شديد في حقيبة الملابس، وينزل صورتها عن الجدار بعناية، ويدّسها بين الملابس في الحقيبة، وينحني عليها بعد أن أغلقها، "كأنمّا ينحني على جثة عزيز"( ).

إن ما يُراد تأكيده، من خلال الحديث عن ظاهرة غياب الأزواج -وهو الغالب- أو الزوجات في الرواية الفلسطينية، هو أن الأسرة الفلسطينية، أبداً، مفجوعة بأحد قطبيها، منذ ما قبل النكبة، إلى ما بعد الغزو الصهيوني للبنان 1982، وربما إلى يومنا هذا.

ومع أنّ الروائي الفلسطيني، لا يسعى إلى تقديم صورة قاتمة أو مأساوية للأسرة الفلسطينية، وقد فجعت بأحد قطبيها. إلا أنه يبقى محكوماً بالواقع السياسي والنضالي للشعب الفلسطيني. هذا الواقع الذي يتطلب من الأسرة الفلسطينية دفع المزيد من التضحيات الجسام يومياً. ولذا فإن الصورة المشرقة للأسرة بوجود قطبيها على قيد الحياة، قلما نجدها، وإذا وجدت، فهي لا تستمر في الغالب، إلى النهاية.

*

فعلى سبيل المثال، حاولت سحر خليفة في ثنائيتها (الصبار وعباد الشمس) أن ترسم لوحة واقعية للأسرة الفلسطينية. داخل الأرض المحتلة ممثلة في سعدية وزوجها زهدي وأولادهما. أسرة يسودها الحب والتفاهم والإخلاص والتعاون، على الرغم مما تعانيه هذه الأسرة، وسواها من الأسر، من ظروف بالغة القسوة نتيجة للسياسة القمعية اللاإنسانية التي تتبعها قوات الاحتلال.

 

ويأبى واقع الاحتلال إلا أنْ يضع بصماته على هذه الأسرة، وكل الأسر الفلسطينية. إذ يجد الزوج نفسه في السجن، بسبب ضربه للعامل الإسرائيلي (شلومو) الذي استفزه وأهانه. وتعاني الزوجة والأولاد، مرارة غياب رب الأسرة، ويعاني هو بدوره، صعوبة الفراق، وقساوة الحياة في زنزانة البؤس والشقاء. ويبقى الحلم يراود زهدي بالخروج إلى "عالم الحرية والناس. والشوارع المتوترة بالحياة والحركة. والشجر ونوار أيار. ورائحة العشب الساخن، وأشعة الشمس تحتضن الوجود"( )ويتحقق حلم زهدي، بإطلاق سراحه، فينطلق نحو بيته بخطواته الواسعة، يقفز الدرجات، وقلبه يضرب، يدفع الباب بقدمه، ويدخل.. "كانت سعدية. تشق الباب وتنادي: مين؟ دفع باب الحمام والتحم بالجسم الساخن المبلل بالماء. وشهقت سعدية، وبكت، وتأملت وجه زوجها من خلال سحابات البخار والرعب مرسوم على وجهها الملفوح بسخونة الحمّام وحرارة الانفعال.. وأخذ يقبل اللحم الساخن، ويغرز أنفه في عبير الصابون، وأمواج الأنوثة. دعيني أنسى.. حلمت كثيراً، حلمت، حلمت، لكني لم أحلم بلقاء أسخى وأكرم. هذا الصدر، وتلك العجيزة، شواطئ الأمان اليتيمية في بلد محتل.. وهذا الكنز يذكرني بقلاع لا يغزوها دخيل. والأرض الخصبة تتلقف البذار، وتحيله غزارة في الإنتاج والاستهلاك. وعندما يتغيب المنتج عن موقعه تجوع أفواه في مواقع أخرى، وتتساقط الأساور عن الزنود المكتنزة. أين الأساور يا سعدية؟ طارت جميعها؟ سأشتري لك غيرها، وسيأكل الأولاد كثيراً. غداً أنزل غرباً أبحث عن عمل. ما زالوا بحاجة لأيدينا، يضمنون سكوتنا. ولكنّي تعلّمت كيف أسكت بحذق، وأتكلم بحذق.. آه يا سعدية. لماذا لا يتركني العالم لشأني.."( ).

 

هذه الحياة البسيطة المتواضعة التي تحياها الأسرة، على الرغم مما يكتنفها من مشاق وقهر، باتت حلماً لدى زهدي وأمثاله من الطيبين المسحوقين، لكثرة ما يلاقيه الإنسان الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال، من عنت وقسوة في تأمين متطلبات الحياة والصمود، في ظل الأساليب القمعية التي تمارسها سلطات العدو، بما فيها من قتل وتهجير واعتقال، وتجهيل، ومصادرة الأراضي، وهدم البيوت، وغير ذلك.

 

ففي مثل هذه الأجواء المتوترة الضاغطة، المشحونة بالقلق والخوف، الحافلة بالتحدّي والصمود، يصبح الاستشهاد في سبيل الأرض والقضية والكرامة، هو الحل الأمثل لدى زهدي، ولا سيما بعد أن دخل السجن إنساناً بسيطاً طيبّاً، وخرج منه مناضلاً، يحمل وعياً جديداً.. وهكذا يُقتل زهدي بأيدي الجنود الصهاينة، أثناء إحدى العمليات الفدائية، مخلفاً وراءه زوجة وعيالاً ووعداً برحلة شقاء جديدة.

*

وفي "نشيد الحياة" يقدّم يخلف صوراً متنوعة للأسرة الفلسطينية المتجانسة والمتماسكة، على الرغم من الهموم التي استطونت في أعماق القلوب، ورغم المحن التي انتشرت في جنبات البيوت، والكآبة التي حطّت فوق الصدور، فزادت الروح وجعاً على وجع. فها هو ذا الزهيري، فرّان المخيم. يعود إلى بيته بعد يوم حافل بالعناء والأحداث، وهدير الحوامات المعادية، وذلك قبيل الاجتياح الصهيوني عام (1982)، فتستقبله زوجه بكل الحب والمودة، وقد هيّأت له كل وسائل الراحة: الماء الساخن، والثياب النظيفة، والطعام الجيد، والبيت النظيف.. اغتسل الزهيري طارداً الدبق والرطوبة والتعب، وبعض الغيوم السوداء من صدره. "أكل وشرب الشاي، ثم قدّمت له (زوجه) سيجارة وأشعلتها، كما تناولت سيجارة أخرى، وأشعلتها لنفسها.. إنّها لا تدخن ولكن عندما يكون المزاج رائقاً، تدخن معه سيجارة على سبيل الدلع. ثم قبلته في خده، كانت صغيرة.. قطة، وكان كبيراً وضخماً، فتكاد تضيع في صدره. قال لها: والآن أريد أن أنام. السرير نظيف ومرتب، الوسائد المطرزة نظيفة ورائحتها طيبّة. الأغطية مغسولة وشديدة البياض.

 

-رائحة غسيلك الطيبّة تفوح كالعطر

-وفي البيت رائحة حنّوك"( ).

هذا الحب الصادق المفعم بالمودة والرحمة والدفء والإخلاص، يبذله الأزواج بعضهم لبعضهم الآخر، في مجتمع متحاب ومتعاضد. يحلم أن يعيش في أمن وسلام وطمأنينة تحت سماء زرقاء وأشعة شمس دافئة. ولكن قوات الحقد الصهيوني تأبى إلا أن تأكل بأسنانها الحادة اللحم البشري، وتبقر بطن الأرض، وتدوس بأظلافها الفضاء الساكن، وتكبل الأفق، وتشعله باللهب، وتزرع القنوط في الوجوه، وتعيد من جديد دورة التهجير والظمأ والموت البشع الذي ليس له مثيل( ). الموت البشع الذي انتهى إليه الزهيري حين وقع في كمين نصبته له قوات الاحتلال الصهيوني، بالتعاون مع بعض الخونة المحليين، بغية الحصول منه على بعض المعلومات، لكنه يظل صامداً دون الإدلاء بما يريدون، فتكون عاقبته، أن يدفعه أحد الجنود إلى الخارج، ليعاني من سياط برد ما بعد منتصف الليل، وهو في حالة عري تام، إلى أن تهاوى "جثة هامدة بوجه أزرق تيبست كل عضلة فيه.. وجه صامت أو غاضب، هادئ أو عاصف مثل رياح المحطات، الأصابع متشجنة.. واقفة مثل مشط من الرصاص، والأنف الذي تعرض إلى اللكمات سال من فتحتيه دم تجمد.. العينان المفتوحتان فيهما زرقة، حزن، صمت، دهشة، لعلهما عشيتا من طول انتظار الدفء، أو هجوم الأدغال الخضراء"( ).

هكذا بدت الأسرة الفلسطينية في الرواية الفلسطينية، مفجوعة دائماً بأحد أعمدتها أو قطبيها، إنها بقايا أسرة، ولكنها بقايا صامدة، تحاول جاهدة التشبث بأحلامها، وبحقها في حياة حرة كريمة.

 

ب-علاقات قلقة:

وهي العلاقات القائمة على أسس غير سليمة، منها: عدم التكافؤ، والتفاهم والانسجام بين الزوجين، وأكثر ما نقع عليها في أوساط الطبقة البرجوازية، التي تناولها بالنقد والتعرية كل من سحر خليفة وجبرا إبراهيم جبرا.

 

ففي "مذكرات امرأة غير واقعية" تتناول سحر خليفة، من جملة ما تناولته في الرواية، العلاقة الزوجية المأزومة بين عفاف وزوجها. فقد أكرهت على الزواج من رجل لا تحبه، ولا ترغب فيه، دون استشارتها ورغماً عنها. كان الزواج عقوبة لها لأن أهلها اكتشفوا بين يديها رسالة غرام و"خلال شهرين كانت الدنيا قد انقلبت عاليها سافلاً.. حبست في الدار، قدمت امتحان التوجيهي كدراسة خاصة، بالكاد نجحت، لم يبق لدي أي مبرر لرفض الزواج من رجل يملك مال قارون، ووسامة كمال الشناوي.. تزوجت وتعذبت"( )وقد أدرك الأهل خطأهم الفادح بعد سنتين من الزواج، إذ اكتشفوا ماضيه وحاضره ومستقبله "وعرفوا أنهم تسرعوا في الحكم، وأنهم عاقبوني على وقاحتي بما هو أشد من القتل"( ). وتتساءل عفاف عن السبب الذي أوقعها في فخ الزواج "ألأنني واحدة من قطيع بنات غير مرغوب فيهن، فاستغلوا أول فرصة للخلاص وتخلصوا؟ ألأنني كنت مراهقة صعبة تحلم أحلاماً كبيرة، وتقرأ كتباً كبيرة..؟ أو ربما لصغر سني واهتزازي العاطفي، وعدم ثقتي بنفسي وبتصرفاتي المدانة دوماً، كبوت ووقعت وغرقت؟"( ).

 

لقد انتهت مرحلة استلابها كفتاة، لتبدأ مرحلة جديدة من الاستلاب وهي استلابها كزوجة. زوجة قبلت مرغمة بالنصيب وما استطاعت أن تقول لا، لأنه ما كان في وسعها أن تقول نعم. فغرقت في مستنقع الزوج الآسن.. وعانت في دنياه شتى صنوف القهر والذل والحرمان والوحدة القاتلة.

وبسبب فقدانها لمشاعر الحب والدفء والألفة، في أسرتها، ثم في بيت زوجها، ونتيجة لظروف القهر والاستلاب التي تعانيها من جراء تبعيتها المطلقة للزوج، ولي الأمر، لجأت إلى التعويض عن طريق تعلقها بقطتها عنبر "قطة عفاف جميلة لأبعد حد، بيضاء منفوشة.. وكانت تغيظه تعيي حيلته فيغضب، يضربها.. فتطير، وترتطم بجدار الحمام، أسمع صوتاً مكبوتاً لفرو وعظم. أبكي سراً ثم أغافله وأحضنها، وأهمس ضربك؟ فتقول: ناو، الحيوان ضربك؟ فتقول: ناو، وأنا يضربني، وأغرس وجهي في فروتها وأبكي أكثر"( ).

 

إن لجوء عفاف إلى الاستكانة والرضى القسري بحياتها الزوجية، ومن ثم التمرد العشوائي عليها، جعلها تدفع الثمن غالباً، فكانت هي الخاسرة الوحيدة في معركة خططت، خطأ، لخوضها، وحلمت، عبثاً، بالخروج منها منتصرة، بعد أن أجهضت حملها وأصبحت عقيماً. فأهرقت سني عمرها بلا عاطفة وسارت في موكب الرازحين بدون تمرد.. وتواطأت مع طريقة في العيش تحتقرها: "من أنا؟ امرأة اعتاد وجودها رغم العقم، تنظف بيته، تطبخ له، تستسلم لنزعاته البهيمية والسادية، ولا تلوم أو تعاتب بعد أن اعتادت ويئست. لكن حبي للأطفال يتزايد مع تزايد وحشتي ويأسي وتساقط السنين"( ).

 

لقد عزز العقم إحساسها بالفراغ والقلق والضياع والاغتراب، ذلك أن الأمومة بالإضافة إلى كونها حاجة عضوية جسدية، وحاجة نفسية واجتماعية، قد أصبحت لدى المرأة المقموعة المستلبة تعويضاً عما تعانيه من حرمان وخيبة أمل في علاقتها الزوجية، فالأمومة هي الملجأ الذي يحميها من حياة الظلم والقهر والتعاسة، وتبدد بعضاً من أحزانها، وتشعرها "بأنها إنسان، وتلقي على منكبيها ثوب الكرامة الذي طالما ضن به عليها مجتمعنا الاضطهادي"( ). ومع ذلك ضحت الزوجة بأمومتها في سبيل حريتها، كانت تحلم بالطلاق، ولكنه لم يتحقق، لأن مصير الزوجة، ربة المنزل، في مجتمعنا هو بيد الزوج، فهو يمتلك الحق لنفسه بالاحتفاظ بزوجه، على الرغم من معرفته لحقيقة مشاعرها نحوه. فحين يتساءل الزوج "لماذا لم أطلقها يا رب؟" تجيب في سرها، وتكشف سر احتفاظه بها: "لأن طبيخي أزكى طبيخ، واسمي أحلى اسم، وبيتي مثل اسمي، كالفل"( ).

 

وبالإضافة إلى ذلك، تطرح الروائية الفلسطينية المشكلات التي يخلفها الطلاق، فهو برأيها ليس الوثيقة المثلى التي تنال بها المرأة المضطهدة حريتها، وتستعيد كامل حقوقها، وكرامتها المهدورة، وتثبت وجودها وهويتها، فالطلاق يجر الكثير من الويلات على المرأة، ولا سيما إذا كانت لا تحسن عملاً، ولا تتقن مهنة، وغير مستقلة اقتصادياً كعفاف، مما يكرس تبعيتها للرجل، ولذا يكون طلاقها أشد وطأة عليها، إذ لا تجد بيتاً يؤويها، ولا دخل يحميها ويقيها الحاجة. وتبقى عرضة لألسن الناس.. إضافة إلى مشكلة الأولاد- إذا وجدوا- وتشتتهم ما بين الأبوين المنفصلين "ما عدت أفكر بالطلاق كحل لمشكلتي، أصبح يتهددني بخوف، لا يجاريه إلا خوفي من الزواج نفسه. فماذا أفعل بدون زواج؟ سنوات من عمري مرت ولا مهنة لي إلا هذه المهنة. حتى هذه المهنة لم أجدها حسب مواصفات الزواج الناجح.. فماذا أفعل لو تطلقت؟ أين أعيش وكيف؟"( ).

 

وبما أن "عفاف" غير منتجة، لا تجيد عملاً ولا تحسن مهنة، كان من الطبيعي أن تنتهي ثورتها الداخلية من حيث بدأت، إلى الضياع والوحشة والفراغ القاتل. فعند سفرها بمفردها إلى عمان تلتقي مصادفة بحبيب الطفولة، المتزوج التعيس، فتصل ما انقطع بينهما من مودة وإعجاب، وتحس بكل الحب، وكل العطف وحنان الروح فتقول: "وامتلأت بكل ما بحثت عنه طوال العمر، وجدت دفئاً غمر العالم كله بفيض من زرقة تفتقرها حتى السماء"( ) وتحاول أن تبدأ معه من جديد، وهي واهمة حالمة، لتعوض ما خسرته طوال عمرها.. فتمضي معه بعض الأوقات السعيدة المسروقة من زوجها، وهي تنتقل بصحبته من ناد إلى آخر، يتبادلان القبل اختلاساً، ويستمتعان بسماع الموسيقا، وتتشابك أيديهما خوفاً من الإفلات والغربة ثانية( ). وتمني النفس بالتحرر من زوجها لتكون له، وتبوح له بمخططها البسيط، فيتهرب منها، إنه من ذلك النوع البرجوازي- كما تصفه صديقتها نوال- الذي "يعبث بالمرأة ولا يحترمها"( ).

 

ولكن "عفاف" التائهة، الراغبة في تحطيم القيود، لا تأبه لنصيحة صديقتها، ولم تستطع فهم الواقع آنذاك، لأنها كانت غارقة بالحب والمغامرة العابرة، وهي تشعر باللذة والارتياح حين تكون لأول مرة الفاعل لا المنفعل. وتعبر عن هذا الشعور بقولها: "كنت أجد لذة كبيرة، وأنا أتصور حال الزوج المهجور لأول مرة. لأول مرة تنقلب الصورة، وأكون الهاجر لا المهجور. تلك الصورة السحرية التي ما فتئت تثير في أحاسيس البطولة والشماتة. وكان الانتقام لذيذاً، والتشفي بلسماً أغترفه فتتبرد جروحي. وما كنت على استعداد لأن أسمع تفسيراً آخر للصورة. فخرجت لا ألوي على شيء، إلا المزيد من التكسير"( ).

 

لقد كان الانتقام بديلاً عن التغيير، انتقام من الماضي، ومن كل ما لحق بها من استلاب، وكبت وحرمان وقهر وتسخيف، ولكنه لم يكن ذا جدوى، بل ارتد عليها بمزيد من الخطأ.. والضياع إنه انتقام المرأة من سلطة الرجل، وعسفه وتناقضاته، ومن ظلم المجتمع التقليدي المتخلف، وبعض نظمه وتقاليده البالية. ولذا نرى "عفاف" تتمادى في التعبير عن سخطها، وهي تكثر من شرب الأنخاب، وتقول بسخرية مرة: "وشربت كثيراً.. وتماديت في شرب الأنخاب، نخب الوالد المفتش، واحد، نخب الإخوة الأشاوس، اثنان.. نخب بلد علمتني كيف أرضى بالقهر وأسميه ستراً وواقعية.. نخب ونخب.. تساءلت وأنا أنظر في عينيه الخائفتين الحزينتين: وأنت يا حبيب العمر ألن تشرب الأنخاب معي؟.. كان يستوعب كلماتي ويمضغها بصمت، وربما كان قد بدأ يراجع موقفه مني"( ).

 

وتعود إلى بيت الطفولة، وقد هزمتها الدنيا أكثر من ذي قبل، زواج فاشل، حب فاشل رغم الإحساس، وصدق القلب، ولا شيء كبير: لا أهل تستند إليهم، لا مهنة، لا تخطيط، ولا أحلام.. تموت في اللحظة، وتعيش لها، حتى باتت عاجزة كنبات البابونج بين العشب.( ).

***

وتأخذ العلاقة الزوجية في روايتي جبرا إبراهيم جبرا "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود" منحنى آخر، حيث الأزواج والزوجات غير فلسطينيين( ). ينتمون إلى الطبقة البرجوازية السطحية، في المجتمع البغدادي، وهم، في مجملهم، مثقفون ثقافة عالية، مقبلون، بل متهالكون "على مباهج الحياة بشغف، وحاجة الجسد هي ذروة اللذة الحسية"( ) لديهم. يعانون بعض الأزمات النفسية والاجتماعية والفكرية، يتسمون بعدم القدرة، بل بالعجز عن التغيير، ويسقطون أخيراً في أتون الميوعة والتناقض والفوضى والتمزق والتوترات النفسية( ).

 

ففي روايته المتميزة "السفينة" (1970) التي تجري أحداثها على متن السفينة اليونانية "هيركوليس" أثناء إحدى الرحلات في البحر الأبيض المتوسط، يعالج جبرا مجموعة متشابكة من العلاقات بين شخصيات الرواية، إذ "يشكل الماضي عبئاً ثقيلاً على كل الشخصيات، رغم لحظات السعادة والهناءة التي عاشها بعض منها، فالمحصلة لا يمكن احتمالها، لأن ثقلها النفسي لا يطاق"( ).

 

لقد اختار جبرا "السفينة" لكونها "مكاناً ممتازاً للقاء هذه المجموعة الكبيرة من الناس"( ) ولكونها وهي تشق طريقها في البحر "تسمح.. للعلاقات الإنسانية بأن تأخذ مداها الكامل، تتفاعل، تتحاور، تتصادم في محاولة لاكتشاف مبرر الوجود. ولمراجعة الذات بشكل جماعي ومتحرر من الضغط الاجتماعي، فالعلاقة العابرة التي تشد الشخصيات ببعضها تسمح لها بالتعبير بجدية كبيرة"( ).

 

أما البحر، فهو، كما أشار جبرا في بداية روايته، "جسر الخلاص". وربما كان "عبارة عن ستارة خلفية هادئة لهذه النشاطات التي تقوم بها الشخصيات"( ). وما يهمنا من هذه النشاطات والعلاقات تلك العلاقات القائمة بين الأزواج، وتحديداً، فيما بين الدكتور فالح حسيب ولمى عبد الغني.(*) .

ينتمي الدكتور فالح إلى الطبقة البرجوازية التي تنتمي إليها "لمى" وهو طبيب جراح، تربطه بأهل "لمى" أواصر قربى، ويحظى لديهم بمكانة بارزة، ولذا يلقى طلبه يدها قبولاً وترحيباً من الأهل، وترغم "لمى" على الزواج منه بعد تخرجها وعودتها من اكسفورد( ). أما هي فكانت قبل زواجها على علاقة عاطفية جسدية مع صديقها وحبيبها "عصام السلمان". وقد استمرت تلك العلاقة طوال فترة دراستها في إنكلترا، وامتدت إلى ما بعد زواجها. ويعود السبب في عدم زواجهما إلى وجود ثأر بين العائلتين. وبحكم العادات العشائرية السائدة في بعض أوساط المجتمع العراقي آنذاك (1985)، حكم على العلاقة بين لمى وعصام بالموت. وبدافع الإحباط واليأس "أقدمت لمى.. على زواج يتوافق مع المصالح الاجتماعية"( ) لكلتا العائلتين، إذ تزوجت الدكتور فالح، ولكنه كان زواجاً تعيساً لما بين الزوجين من تناقض صارخ في المشاعر والاهتمامات والأفكار. ولأن كلاً منهما كان يحمل في داخله بذور الانكسار والخيانة والسقوط، فقد كان المصير فاجعاً.

 

فمنذ الصفحات الأولى في الرواية، تتكشف أمامنا صور شتى لعلاقات اجتماعية مأزومة ومشبوهة، ونفوس مشبعة بالانكسار والألم، تشي بهشاشة هذه الطبقة التي تنتمي إليها معظم شخصيات جبرا، وتداعيها من الداخل. كل منها "عنده مشكلة، كل هارب، كل يعيش في الوهم وفي الذكريات، كل يبحث عن أسباب مأساته: السلطة، التقاليد، الأرض، السياسة، الحرية، الحب، فلسطين، العدالة.. أما الحل فكان عن طريق.. الكلام، الذي حوّل السفينة إلى مسرح للعبث. ومن خلال هذا العبث، انبعثت شهوة الحياة وشهوة الموت: الجنس والحب والانتحار. لا حدث ينمو، ولا حديث ينمو، الوهم وحده ينمو ويكبر. فجر هذا الوهم حدثاً واحداً: انتحار فالح. إلا أن هذا التفجر كان آنياً، وعابراً. أما الرحلة فقد استمرت تبحث عن الخلاص من خلال الوهم"( ). تبحث "عن مخرج بطريق عبثي نابع من انهزامية في مواجهة الواقع"( )وأكثر ما تجلت هذه الانهزامية في شخصية الدكتور فالح زوج لمى، فهو "سوداوي، كثير العزلة.. ناقم على العالم وعلى نفسه، ممزق.. مغترب.. يرى العالم مملوءاً بالدود"( ) يقول: "إنني ألعن هذا العصر.. كل إنسان منا، كل واحد منكم مسيح ويهوذا معاً... دودة تلتهم دودة. إننا في مملكة الدودة"( ). وقد أدرك أحد أصدقائه سر نقمته إذ يقول: "من الواضح أن له من الذكاء ما يجعل لنقمته أوجهاً عديدة، ومعاني كثيرة، وإن تكن زوجته.. السبب الأول في هذه النقمة. فالح.. متزمت.. ولكنه أصر على الزواج من امرأة توحي بالحرية والانفلات واللذة. ولها.. من الذكاء ما يجعل لجمالها ألف وجه ومعنى إزاء نقمته على الحياة"( ).

 

ولعل أحد أسباب هذه النقمة يكمن في عدم الثقة بزوجه، فعندما تنعدم الثقة بين الزوجين، وتضرم الغيرة نيرانها في صدر الزوج، يصبح كل شيء بينهما مضطرباً ومعرضاً للانهيار. ولهذا فهو يلازمها ويراقبها، ضارباً حولها دائرة سحرية تمنع الآخرين من اقتحامها.

وإذا كان لجمال "لمى" وفتنتها ذلك الأثر البالغ على الرجال من حولها، فتجذبهم إليها وتثير في نفوس بعضهم مشاعر متباينة، فيها الإعجاب والرغبة والشهوة والغيرة والامتعاض والحسد والكراهية.. فإن ذلك كان مصدر قلق واضطراب وشقاء بالنسبة لزوجها.

ولقد تنبأ "فرنندو" الإسباني بالفاجعة، قبل وقوعها، وهو يتحدث مع عصام السلمان عن الحب والجمال، وأثر ذلك في الإنسان العربي، وكان يقصد بحديثه الدكتور فالح: يقول: "العرب والإسبان من دم واحد.. يقتلون من أجل المرأة، ويقتلون المرأة عشقاً وغيرة وشرفاً، والعرب والإسبان وحدهم.. يعرفون عبادة الجمال في المرأة.. أما السنيوريتا "لمى" فلن يكون لجمالها من نهاية إلا المأساة"( ).

 

ويصدق حدس "فرنندو" وتبدأ المأساة تنسج خيوطها حول الزوج الخادع والمخدوع في آن معاً، وذلك حين تندفع "لمى" للرقص على أنغام أم كلثوم، فتتثنى وتتلوى، بينما يحدق الجميع في جسدها البديع المتفجر بالأنوثة والرغبة، داخل الفستان الضيق "فلا يعرف المرء، في أي عضو يركز النظر.. كانت ترفع يدها، هازلة إلى شعرها بحركة الإغراء تلك التي تحترفها الراقصات.. وكان الطبيب يتتبع تماوجها، واستدارتها بعين الفخور آنا، وبعين المحرج آنا.."( ).

لقد كانت تلك الرقصة هي الحكم عليه بالموت، إذ أحس بطعنة دامية، أصابته في كبريائه وكرامته، وأجهزت على كل ما تبقى لديه من مكابرة، وتجمل بالصبر والاتزان، مما زاد في انشطاره النفسي وكآبته، وسوداويته وإحساسه بتفاهة العالم من حوله. وضاعف مأساته، شكه بزوجه، ومن ثم يقينه بخيانتها له مع عصام السلمان، بعد أن رأهما معاً خارجين بنزهة.. في أحد شوارع نابولي.. فبات يعاني شعوراً حاداً بالكآبة واليأس، وأصبح يكثر من الشراب ولا يعود لقمرته إلا مخموراً، وقد قارب السكر، حينئذ يستطيع الاختلاء بها.( )

 

و"ترسم (السفينة) صورة مقيتة لعلاقات الحب والزواج.. الحب يتحول إلى قيمة متدنية، يستهدف الخلاص عن طريق الطرف الآخر. ويبنى على حب الجسد، وحب الخيانة. حب فالح لزوجته لا يقصد منه الحب نفسه، بقدر ما يقصد منه أن يجد فالح في لمى جسراً لخلاصه. وكذلك حب إميليا لفالح هو بحث عن الخلاص من أزمة اليأس"( ).

وإذ تسلط الرواية الضوء على جانب هام من تلك العلاقة اللاأخلاقية التي تنشأ في بعض أوساط الطبقة البرجوازية السطحية، فإنها تعري زيف مثل تلك العلاقات التي تقوم على المجاملة والخداع والخيانة وتنطوي على الفجيعة. فتكشف الرواية هذا التقابل والتبادل بين خيانة كل طرف للآخر. ففي الوقت الذي تخون فيه لمى زوجها مع عصام، كان فالح يخونها مع عشيقته إميليا، فيمارسان الحب في قمرة الأخيرة. وكذلك حين كانت "لمى" تصطنع المرض لتتخلف عن مشاركة زوجها في الرحلة إلى "كابري" كان فالح يمكر بزوجه أيضاً، فيحول رحلته من كابري إلى نابولي لينفرد بعشيقته الحسناء "إميليا"، ومن أحد مطاعم نابولي يشاهد زوجه عبر النافذة وهي تتأبط ذراع عشيقها عصام، وهما يهرولان نحو المدينة.

 

وهكذا يتلقى الزوج صدمة عنيفة تفقده توازنه، وتزيد من تمزقه ومعاناته، وتسرع في تنفيذ قرار الانتحار الذي سبق أن اتخذه، تعبيراً عن سخطه واستنكاره وغيرته، وخلاصاً من حالة القلق والانشطار التي كان يعانيها بشكل حاد. وهذا ما كشفت عنه مذكراته واعترافه الذي تركه لزوجته: "إنني أحببتك حباً هو أقرب إلى العجز، ولكنه حب شغلني ومتعني، وفي بعض الأحايين عذبني"( ).. "كنت أطلب فيك ملجأ لتوزعي وانشطاري، ولكنني انخذلت فيك. كنت جداراً عجزت عن اختراقه"( ). وفي الوقت الذي كان يضع حداً لحياته المعذبة. كانت "لمىى" في غرفة "عصام" تمارس الحب بشغف وعنف، لقد "استطاع جبرا من خلال السفينة أن يدين الواقع العاجز المتمثل في طبقة مثقفيه البرجوازيين، وجعل من ثقافة هذه النخبة ثقافة عاجزة، لا تزال تبحر في وهمها وزيفها"( ) وجعل من السفينة "صرخة من أجل الوعي، وعي العجز، والخروج من هذا العجز.. صرخة تدين الانهزامية والاستسلام للذكريات، ودعوة لتحمل المسؤولية من أجل المواجهة والتجاوز"( )

ويأخذ التناقض بين الأزواج شكلاً أكثر بروزاً واتساعاً في "البحث عن وليد مسعود" إذ تبدو العلاقة بين الزوجين (هشام الصفار ومريم الصفار( ) متوترة، مأزومة، تلفها الخيانة بسبب الخلل الكامن في شخصيتهما، وفي علاقة بعضهما ببعض. فمريم "مصابة بنوع من الأرق الدائم والصداع الشديد، تعيش أزمة اغتراب، بسبب التناقض الناجم بين الظاهر والباطن، فالظاهر هي زوجة هشام، الرجل ذي المركز المتنفذ. تملك بيوتاً وسيارات... تقوم برحلات وإجازات وتسافر كثيراً. والداخل: غير سعيدة مع زوجها، فزوجها رجل صنعته الوظيفة، تافه، غير مقتنعة به، ولا تنسجم معه جنسياً، حياتها مبنية على الكبت.. تشعر بوحدة مطلقة. وباتت غريقة الوهم"( ).

 

أما زوجها هشام، فهو كما يصفه صديقه طارق رؤوف: ".. شديد الانضباط.. شديد التفاهة. لا أحسبه كان يجد هدفاً في حياته أعظم وأبهى من الكرسي الجلدي الأسود، وراء منضدة خشبية.. ومريم كقطعة من جمر، تتأجج في البيت عاطفة وخيالاً، وتحرقاً للحياة. يقابلها رجل لا يتمتع إلا بتهرؤ مؤخرته على مقعد سلطة موهومة، إزاء كتبة وملاحظين ومدراء"( ).

وإزاء هذا التناقض، أخذت تتسع الفجوة بين الزوجين، ويزداد انجراف كل منهما وراء رغباته ونزواته، جاعلين من الفجور أسلوباً لهما في الحياة. لم تكن "مريم" لتشعر بالسعادة والاستقرار يوماً. فقد كانت تمقت زوجها، ولا تحفل بما يريد من الحياة. كانت ردود فعله على تصرفاتها مع الأصدقاء تتسم بالعصبية، وتتحول فجأة إلى العنف والتهديد بقتلها أو الانتحار.. وأكثر من مرة استعمل قوته العضلية معها، وأخذها اغتصاباً.. حتى باتت تكره اقترابه الجنسي منها. كانت غيرته تدفعه إلى بلاهات في القول والفعل، وصارت هي، فيما بعد، تشجعها عامدة( )، وكأنها تريد بذلك، أن تسوغ، أمام الأصدقاء، تصرفاتها المنفلتة، فتظهر أمامهم بمظهر المرأة الضحيةة وهو الجاني، لكي تبدو تصرفاتها مبررة، فلا تشعر بالذنب أو تأنيب الضمير، ومن الطبيعي إذاً، أن تنتهي العلاقة بين الزوجين إلى الانفصال، ولكن هذا الانفصال لم يكن ليحقق للزوجة حريتها الحقة كما توهمت. لقد جعلها تسقط مرة أخرى في دوامة الشقيقة والألم، حيث سقطت أخيراً حصونها وانهارت أسوارها( ).

***

هكذا تضعنا روايتا جبرا أمام علاقات زوجية مأزومة، متناحرة، متناقضة. لا مجال للتوافق بين طرفيها (الزوج والزوجة)، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة التكوين النفسي والمزاجي والفكري لكل طرف، ومن ثم إلى طبيعة العلاقات الاجتماعية المتفسخة في أوساط المجتمع البرجوازي الأرستقراطي... الذي يعيش أفراده على هامش الحياة العامة، يعانون تناقضات شتى.

فالسقوط المدمر الذي مثله "فالح" (كان ذروة المأساة.. وانتحاره لم يكن انتحاراً يائساً. إنه جنون. فعدم القدرة على التواصل مع الآخرين، والضغط الاجتماعي الذي يقذفه خارجاً، يدفع به إلى تدمير ذاته، بعد أن عجز عن تدمير العالم"( ) أما زوجه لمى، فقد مثلت "اليأس من الواقع، والرضوخ له في آخر المطاف"( ). على حين مثل إخفاق زواج هشام ومريم الصفار، وانهيار علاقتهما وضياع مريم، ضياع طبقة أعلنت عنه تلك الشخصيات في روايتي جبرا( ). وجاء انتحار الدكتور فالح لينبئ عن انهيارها فيما بعد.

 

ثانياً- العلاقة بين المرأة والرجل خارج الأسرة:

لم ينحصر اهتمام الروائيين الفلسطينيين في رصد العلاقة بين المرأة والرجل داخل الأسرة وحسب، بل انسحب اهتمامهم بتصوير حدود هذه العلاقة إلى خارج الأسرة أيضاً، فرصدوا أنواعها، وتتبعوا أشكالها ومستوياتها، والمواقف التي تنم عنها، والقيم التي تطرحها، معبرين، من خلال ذلك كله، عن رؤاهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والفنية.

ويستطيع الباحث في هذا الجانب من العلاقات، والصلات، أن يميز نوعين من العلاقات فثمة علاقات عاطفية صادقة، ويتجلى أكثرها في صفوف المناضلين والمثقفين الثوريين، ممن ينتمون إلى الطبقة الكادحة، وثمة علاقات زائفة، تكاد تكون محصورة في بعض الأوساط البرجوازية المثقفة، وفي صفوف بعض الثوريين المزيفين.

 

1-علاقات عاطفية -صادقة:

لكي يحقق الروائي الفلسطيني التوازن بين الحياة العادية للإنسان الفلسطيني، بما فيها من آمال والام وتطلعات من جهة، والمآسي التي يخلفها الصراع مع عدو ادْمن ارتكاب المجازر منذ عشرات السنين من جهة أخرى( )، لجأ إلى الإعلاء من شأن الحب، والعواطف النبيلة، بالقدر الذي يحمي شعبه من السقوط في حمأة اليأس والقنوط والعطالة، ويشحذ عزيمته، ويدفعه إلى الصمود والتحدي والمواجهة، والتشبث بالأرض تحت أعتى الظروف، وأشدها قهراً وجبروتاً.

ولعل أبرز الروائيين الذين تناولوا هذه العلاقة، هو رشاد أبو شاور في رواياته "العشاق" و"البكاء على صدر الحبيب" و"الرب لم يسترح في اليوم السابع".

ففي "العشاق" تظهر ندى الشابة الفلسطينية المتعلمة، التي تربطها علاقة حب بالشاب الثوري "محمود" فتظهر جرأة واضحة في التعبير عن مشاعر الحب الذي تكنه لمحمود، ولا تكترت كثيراً بمن سيراها برفقته، فحين يسألها: "ألا تخافين أن يرانا الناس معاً؟"( ) تجيب بتحدٍ يجلله عشق وحنين وفرح ودهشة: "ليرنا الناس معاً". وتعلن عن رغبتها في تقبيله في الشارع، وأمام الناس. أما هو فيظهر بعض التحفظ إزاء آراء حبيبته، معبراً عن وعي سليم لمعنى الحب، وواقع المجتمع. إذ لا يرى فيه محض نزوة شخصية، أو رغبة فردية، بل يراه خلاصاً للمجتمع كله، وهو خلاص لا يتحقق بقرار، إنما يتحقق مع الزمن، وعبر مهمة شاقة وطويلة، تتطلب التعليم والبناء الصحيح للإنسان. ولذلك لا ينساق وراء مشاعر "ندى" واندفاعها، إذ يدرك أن ذلك محض نزوة واندفاع، وكسر لقيمة اجتماعية، لا ضرورة لكسرها، وإن كان ثمة ضرورة حتمية لإصلاحها، من خلال الحب الذي يؤمن به إيماناً عميقاً. فهو يرى أن هذه العاطفة الإنسانية السامية، هي التي تجعل للحياة طعماً، وتسمو بالنفس، وتهذبها، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يجعلها شرطاً أساسياً على معلم الأجيال أن يتحلى بها، ليتمكن من ممارسة دوره التعليمي البناء( ).

*

وفي "البكاء على صدر الحبيب" نقع على عاشقين مثقفين ثوريين، يمثلان امتداداً متطوراً لشخصيتي "ندى ومحمود" هما "فجر وزياد" و"فجر" شابة أردنية من الكرك، انضمت إلى أحد التنظيمات الفلسطينية المسلحة في عمان، وتنقلت بين عواصم عربية: بيروت وعمان ودمشق. أحبت -فيما مضى- صديقاً لها في المقاومة، ومنحته أغلى ما تملك بعد أن وعدها بالزواج، فصدقته، وظنت أنه يستحقها، ولكنها، وبعد فوات الأوان، تكتشف خداعه، وتدرك أنها تورطت مع رجل مزيف قذر، يعيش هو وأقرانه على دم الآخرين. "يمتص الثوريين الحقيقيين، ويحولهم بدورهم إلى اسفنجات تمتص غضب غيرها"( ). صعقت "فجر" حين أدركت الحقيقة، ولكنها أظهرت قدرة كبيرة في ضبط النفس، واستعداداً لتحمل مسؤوليتها تجاه تجربتها المرة، دون أن تفقد ثقتها بنفسها، وبمن حولها، رافضة شفقة "زياد" رفيقها في السلاح والمقاومة، الذي أحبها من جانب واحد، منذ فترة طويلة، وعرض عليها الزواج، فاعتذرت، لارتباطها العاطفي بذاك الرجل (دكتور الاقتصاد). وها هي تقول له بصوت راعش واهن: "يهيمن عليه الأسى والانكسار: أنا يا زياد.. لست عذراء( )"و"بإمكانك أن تتركني. إنني لا أريد شفقة. أنا لا أستحقك يا زياد"( ) فيجيبها بصدق المحب الثوري الأصيل، معبراً عن استعداده للصفح والمغفرة، وتجاوز تلك النظرة التي تعد المرأة جسداً فاضحاً، على الرغم مما يعتصر قلبه من حزن وألم وغضب. يقول: "أنا متألم الآن، لا أريد أن أكذب عليك. أنا مقهور الآن. ليس لأنك فقدت عذريتك مع ذلك القذر. إنني أشعر وكأنه اغتصب أمي أمامي، لقد أهانونا كثيراً، ولكن لكل شيء نهاية"( ).

هكذا يعلن المثقف الثوري الحقيقي عن انسجامه مع نفسه وفكره وواقعه، رافضاً أي نوع من أنواع الازدواجية. فيغلب القيم الجديدة التي تسهم في تقدم المجتمع وتحرره، على ما عداها، ويقف إلى جانب المرأة، وإن زلت قدمها، ويساعدها على تجاوز أخطائها، معترفاً بإنسانيتها، ومساواتها له، مستوعباً في ذلك ظرفها الاجتماعي والنفسي، بصورة تدعو للإعجاب والتقدير.

 

وإذا كان "زياد" قد تجاوز كبوة حبيبته "فجر" تلك الكبوة التي لم تكن بدافع الانحلال أو التعهر، بل كانت بسبب خدعة أجيد نسجها، من جانب أحد الثوريين المزيفين، فإن صديقه "غالي" في الرواية نفسها، يتجاوز سقطات "هناء" رفيقة "فجر" وهي كاتبة، وصحفية، تعاني أزمة نفسية، فيصفح عن ماضيها الملطخ بعلاقات جنسية عابرة، بعد أن خفق قلبه بحبها، وها هي تعبر لصديقتها "فجر" عن ندمها وألمها، ومقدار ما تعانيه من تعذيب للنفس، عما ارتكبته من آثام بحق نفسها وروحها وجسدها. تقول: "أنا انتهيت يا فجر.. إنني.. أشبه ما أكون بمومس حتى .. خفت أن أكون مريضة.. أنا لا أصلح أن أكون زوجة لأيما رجل مهما كانت قيمته. كنت أريد دائماً أن أؤكد إنني امرأة، وإنني حرة.. قرفت.. يجب أن أتطهر لأستعيد احترامي لنفسي"( ).

 

لقد حاولت الانتحار، أمام صديقتها، لتتخلص من عذاب النفس، وتبكيت الضمير، بعد أن بلغت من الحزن واليأس شأواً بعيداً، إلا أن لقاءها "غالي" المثقف الثوري، المرح الحزين الذي جاب العالم، هارباً من أخطاء قيادة تنظيمة، ثم عاد، لأنه لم يستطع الانسلاخ عن واجبه الوطني، كان له دور بارز في تغيير مجرى حياتها. فها هي تصارح "فجر" بقولها: "أنا مفتونة بهذا الولد. أعشقه، كأنني صوفية، وهو المطلق. آه من الوجد، في حضرة من أهوى يمتلئ العالم بالورد والعصافير، يدور بي زورق الحب السكران في بحر من عطر الورد، وأريج الياسمين.. إذا لم أكن له، ويكون لي، فالموت الجميل. سيأخذ روحي"( ).

هكذا تصالحت المثقفة الضائعة، مع نفسها ومحيطها، واستعادت احترامها لذاتها، واستردت كرامتها المهدورة على عتبة الانطلاق والتحلل، إذ كان لموقف غالي الواضح والجريء، الأثر البارز في مساعدتها على تغيير مجرى حياتها، والتطهر والخلاص مما تعانيه.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: إذا كان "غالي" وهو من كانت له سقطاته، أيضاً فيما مضى، قد تجاوز سقطات "هناء" وتقبلها لأنها مثله. فهل يصفح الكاتب أو المجتمع عن مثل تلك السقطات؟ إن من يقرأ الصفحات الأخيرة من الرواية، يجد الإجابة عن هذا السؤال، إذ تنتهي "هناء" بمصرعها في حوادث المدينة الرياضية في بيروت عام 1973، وهي تحاول أن تلحق بحبيبها "غالي"، لتشارك إلى جانبه في القتال، فتموت موتاً مجانياً عبثياً. هكذا تكون النهاية المنطقية لحياة فتاة عاشت شبابها منطلقة متحللة من الكثير من القيم والضوابط الاجتماعية والأخلاقية لم تميز بين الحرية والانطلاق والتحلل.

أبو شاور، إذاً، يدين هذا النوع من السلوك الحياتي، وهو يفرق بين التحرر بمعناه الدقيق، والانحلال، فبقدر ما يدعو للأول، ويدافع عنه، نجده يدين الآخر ويشجبه، مساوياً في ذلك بين سلوك المرأة والرجل. ومن هنا ينتهي غالي، كما انتهت هناء، بمصرعه في أحداث المدينة الرياضية، فيموت هو الآخر بشكل مجاني، بعد أن تحول إلى كتلة من الحقد والغضب والصراخ المجنون، إثر مشاهدته مصرع حبيبته أمامه. على حين يتابع كل من فجر وزياد مسيرتهما معاً، وهما يخططان للزواج، وإنجاب الأطفال.

وإذا كانت "البكاء على صدر الحبيب" قد سلطت الضوء على بعض العلاقات العاطفية الصادقة التي نشأت، وتوطدت دعائمها بين عدد من شخصياتها، في مرحلة من أخطر المراحل التي مرت بها المقاومة الفلسطينية، بدءاً من أحداث عام 1970، وصمود المقاومة، ومن ثم تبدد شمل المقاتلين، وانتهاء بأحداث بيروت في أيار 1973، فإن رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع"( )، قد وقفت بصورة أكثر شمولاً وعمقاً على العلاقة ذاتها، بين "رشيد وزينب" في مرحلة هي الأخطر من نوعها في تاريخ المقاومة الفلسطينية، وربما في تاريخ الصراع العربي- الفلسطيني والصهيوني في المرحلة الراهنة.

 

تحكي الرواية عن ترحيل المقاتلين من بيروت إلى تونس، عقب الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982. ونلتقي في الصفحات الأولى من الرواية شخصية "رشيد" وهو كاتب وصحفي ومقاتل وعاشق، كان يعمل قبيل الرحيل مذيعاً في إذاعة صوت الثورة. أعجب بزينب، ومن ثم أحبها. وكانت "زينب" قد انضمت إلى صفوف الثورة إثر عودتها من أمريكا، لتشارك في القتال. يخاطبها رشيد في سرّه قائلاً: "أحب الشريطة الحمراء حول شعرك الأسود. أحب ضفائرك الفوضوية، ووجهك الأسمر وعينيك.. أنت حلوة، وسيمة، مفرحة بالكاكي،.. وبعض الغبار على زغب عنقك.."( ).

 

وحين يلتقيها ذات صباح تسأله بصراحة وجرأة: ماذا تريد؟ فيجيبها: "أريد أن آخذك معي على جواد، أنت تغنين، وأنا أشرع صدري للريح، نمضي حتى آخر الدنيا"( ). وليست علاقة رشيد بزينب أحادية الجانب، فهي تبادله مشاعر الحب والإعجاب والتقدير، إذ كانت تحدّث عنه زميلاتها بإعجاب، وتذهب إلى الاحتفالات والندوات التي يلقي فيها محاضراته، كما تتابع قصصه وبرامجه الإذاعية، ومقالاته الصحفية بشوق ولهفة.

 

وعلى الرغم مما تكنه له من مشاعر الود والحب والإعجاب، فهي لم تصارحه بها في بداية الأمر، ربما لأن الوقت العصيب الذي جمعهما معاً، لا يسمح بالكشف عن المشاعر العاطفية الخاصة، فالغزو الصهيوني، وما جرّه من فظائع وويلات، حال بين المحبين والتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم المتأججة.

وحين يرّحلان مع جموع المقاتلين، على متن الباخرة "سولفرين" تتوطد العلاقة بينهما أكثر فأكثر، وتتعمق مشاعر الحب، ويغدو الحلم بالوصال هاجساً يسكن قلبي العاشقين. فها هي تتساءل، وهي داخل قمرتها، وجسدها المتعب يطلق آهته ابتهاجاً بالاستحمام، والماء الدافئ يترقرق على رأسها، ومنكبيها مع عبير الصابون، فينعش روحها: "..لو أنا ورشيد في كابينه واحدة معاً، وننتقل بين جزر الحب اليونانية التي سمعنا عنها، ونعيش كباقي خلق الله أياماً سعيدة، بلا حرب، ولا رحيل.. ولا طائرات تقصف أحلامنا. آه رشيد.. لكنّا معاً، أستحم أمامه، ربما أغسله كطفل صغير.. وأجفف جسده، أنسيه ثدي أمّه الذي اخترقته الرصاصة.. أنسيه الحليب والدم، أنجب له أطفالاً وطفلات، يكونون له أبناء وإخوة وحياة"( ).

 

هكذا تحلم "زينب" بحقها في الحياة، كأي امرأة، كأي إنسان طبيعي سوي، بالحب والزواج والأولاد، بالاستقرار والأمان والسلام والحرية والعدل. هذه المفاهيم التي جندت لها نفسها وحياتها، وحملت السلاح مع سواها من الثوار الفلسطينيين من أجل تحقيقها. ولكنّ حلمها سرعان ما يصطدم بالواقع المأساوي، وهو على الرغم من مأساويته، لا يستطيع أن يغتال الحلم، أو يصادر الفرح والأمل من نفوس العاشقين والمرحّلين.

ويلمس الباحث، أثناء تتبعه لعلاقة زينب برشيد، مقدار ما تتميز به شخصيتها من عفة واحتشام، ليس في علاقتها مع حبيبها فقط، وإنما في علاقتها بأصدقائها أيضاً، إذ تتجنب إثارة أي انتقاد من رفاقها حول مظهرها وتصرفاتها وأخلاقياتها، فتحاسب نفسها، وتحترم مشاعر الآخرين، ولا تخرج عليهم بما لا يليق بمناضلة ثورية، ولذا تؤجل ارتداء الفستان الذي أحضرته معها، إلى حين الوصول.

 

كذلك، يقف الباحث على هذا الكم الكبير من الحنين والشوق للأرض والوطن، والإخلاص الكبير لكل ما هو مأثور وشعبي (الدبكة، الزي الفلسطيني، الميرمية، خبز الطابون..) ويتجلى ذلك من خلال الحوار الثري الذي يدور بين زينب ورشيد من جهة، وعشاق الثورة والأرض من جهة أخرى.

فمن خلال تلك الحوارات العذبة الدافئة التي تنضح بالشوق والحنين، نرى كيف تمزج الرواية بين العشق بمعناه القريب والخاص، والعشق بمعناه العام.. تقول زينب للعجوز أبي العبد، أحد الثوار المرحلين: "الوطن هنا يا عم.. ودقت بيدها على صدرها. وهنا.. ثم مررت أصابعها حول جسدها، كأنما تتبع الدورة الدموية، ورددت.. وهنا.. وهنا.. فقال رشيد (معلقاً) آمين.. هذه صلاة صباحية جميلة"( ).

 

وحين توغل السفينة في البعد، وتغيب بيروت عن الأنظار، يمسك رشيد بيد زينب، ويمشي معها بهدوء، وينظر بعيداً، ويسألها: "والآن في أي الجهات فلسطين.. أين هي"( ) فتبتسم له، وتضع يدها على الجهة اليسرى من صدرها وتقول: "هنا، في هذه الجهة (ويسألها): وأنا؟.. (تجيبه): "في داخلها"( ).

هكذا دأب الروائي الفلسطيني رشاد أبو شاور، في مجمل رواياته، على المزج بين الحب الشخصي، وحب الوطن، فالأول لا يمكن له أن ينمو ويحيا إلا في ظلال الآخر. كذلك دأب على أن يجعل الحب مشروعاً حتمياً للزواج. ليس إيماناً منه بالمواضعات الاجتماعية، والقيم الأخلاقية التي يباركها الدين والمجتمع وحسب، بل إيماناً منه أيضاً بأن الزواج والإنجاب بالنسبة للفلسطيني واجب وطني. يقول رشيد لزينب، حين تسأله عن سبب تأخره في الزواج: "عقلي يقول: الفلسطيني يجب أن يتزوج وينجب، لأن شعبنا يخسر المئات والألوف في المعارك، يجب أن لا ننقرض أو نتناقص"( ).

 

وهكذا، فلقد رسم أبو شاور العلاقة العاطفية الصادقة بين الرجل والمرأة في إطار الأرض والوطن، فكانت الأرض هي القاسم المشترك بين مختلف العشاق أو المحبين، ومحور تفكيرهم وسلوكهم.

*

وثمة علاقة عاطفية صادقة من طرف واحد، تطالعنا في رواية "عباد الشمس" لسحر خليفة التي ترصد أبعاد تلك العلاقة من خلال تناولها لقضية المرأة العربية عموماً، والفلسطينية خصوصاً، وكل ما يتصل بهذه القضية من مشكلات اجتماعية ونفسية وفكرية. إذ ترصد الروائية العلاقة العاطفية الأحادية الجانب بين "رفيف وعادل"، وتثير عبر هذه العلاقة، موضوعات على جانب كبير من الأهمية، تتعلق بالمثقف العربي، وموقفه المتناقض من المرأة.

ورفيف شابة فلسطينية في الثلاثين، تعمل صحفية في مجلة البلد في الضفة الغربية، أحبت صديقها في المجلة "عادل الكرمي" ابن الإقطاعي الوجيه، وهو شاب مثقف، منسلخ عن طبقته المهترئة، بسبب ظروفه الحياتية الصعبة، وكثرة المسؤوليات الملقاة على عاتقه نحو عائلته. وهو ذو فكر يساري، أعجب برفيف، ولكن إعجابه بها لا يصل حد الحب، أو التفكير بالزواج منها، أحياناً كان يحس بالرغبة فيها، لكنه يراها "فتاة عربية تريد الحب، وهذا ما لا يقدر عليه"( ).

 

وتحتدم مشاعر الرغبة لديه حين تعيش معه لحظات من فرح الطفولة والعذاب، وقتها فقط يحس أنها قريبة جداً، ويشعر بأن "العالم دافئ، له طعم النبيذ"( )، فيتمنى لو يحتويها، ويقول لها أشياء حميمة، ويقبلها، وينام معها على الحشيش، ويستمر معها في الطيش والجنون والنسيان( ). لكن هذه الرغبات تبقى أسيرة التمنّى لديه، فهو لم يحاول خداعها، أو التغريز بها، كما أنّ "رفيف" ليست من ذلك النوع المنفلت الذي يسعى وراء اللذة، وإشباع رغبات الجسد، ولكنّها من النوع الذي يسعى لإقامة علاقة متكافئة مع من تحب. تحافظ من خلالها على إنسانيتها وكرامتها وصدقها وعفويتها. علاقة تمنحها الحب الحقيقي، وتمهد أمامها الطريق للزواج، وإنشاء الأسرة، وتحقيق الاستقرار.

 

فحين "شدها إلى صدره، محاولاً امتصاص حزنه وحزنها، اختبأت لحظات، وانسحبت بعنف... استدارت بوجهها عنه، فهي تعرف أنّه لا يحبها، وأنّه لا يحتاجها، وأنّ حاجته إليها لحيظة مؤقتة.. وهي ترفض هذا، ترفض أن تبني علاقات عابرة سطحية. العلاقة يجب أن تكون عميقة. كل شيء يجب أن يكون عميقاً، حاداً، يجعل للدنيا معنى وطعماً ونتيجة. كل شيء يجب أن يقرّب الإنسان من قلب الدنيا، من موطن الدفء، من رحم الحياة، وهناك تكمن الحريّة"( ).

 

وإذا كانت "رفيف" تجد في ارتباطها العاطفي الحقيقي بمن تحب دفئاً وحرّية، فإن عادلاً يرى في ذلك الارتباط عبئاً ثقيلاً، يزيد في أعبائه، وليس باستطاعته احتماله. بل يراه صكاً للعبودية. ويرى أن فتاة الوطن العربي حين تطالب بالعواطف، وتقيم لها وزناً، تكون "حرمة تعيش في دوامة الروتين. بينما يعتقد أن المرأة العصرية، حين تندمج في المجتمع والعمل، فإنّها ستتغلب على إحساسها بالعزلة، ومن ثم يمكنها الاستغناء عن العواطف.

هذا الموقف المتناقض الذي يقفه "عادل" من المرأة، يكشف عجزه من فهم واقعها، وطبيعة تكوينها النفسي والعاطفي والاجتماعي والأخلاقي، ويُفصح عن عدم انسجامه مع الأفكار والمفاهيم التي يثيرها، وينادي بها. مما يستفز "رفيف" ويغضبها ويدفعها إلى صبّ جام غضبها على كل شيء. على كلّ الشعارات التي يحتمي وراءها عادل وأمثاله. ومن الطبيعي أن تعيش رفيف هذه اللحظات الأليمة، فهي تعرف أن شوقها يذلها، وإحساسها بالتبعية يسحقها، وانشغالها به عن قصائدها أوقف نموها الأدبي( ). ولكن هل تستسلم لهذا الواقع؟ فإذا كانت قد تعثرت، فإنها تدرك عثرتها، وتعي خطأها، وتؤمن بضرورة النهوض والمواجهة والتغيير، وهذا ما يميزها عن العديد من النساء اللواتي استمر أن العيش في أتون الجهل، واستسلمن لواقعهن القاسي، وارتضين الرضوخ والاستكانة والتبعية، نظاماً بديلاً عن حياة تسودها الحرية والمساواة والعدالة بين الرجل والمرأة.

 

وتعبر "رفيف" عن مشاعر الخيبة والأسف، بعد تجربتها العقيمة مع "عادل": "أكره تجربتي معك.. لأنك كرهتني بنفسي، أفقدتني احترامي لها، جعلت مني واحدة من المعذبات الساذجات.. مذ رأيتك، وقلبي في وجع دائم. وماذا نلت من كل هذا؟ لا المتعة، ولا ضبط النفس، وتحقيق نظام يساعدني على الإنتاج أكثر، ولا الحصول على المزيد من الاستنارة والارتقاء.."( ).

 

ولكنها، بعد إدانتها له، ورفضها لمواقفه المتناقضة اتجاه المرأة، سرعان ما تلتمس له الأعذار، فتراه "مجرد رجل.. مشوه، مقموع مثلها تماماً، ومثل الآخرين، مهشم، هشمته الدنيا، وبلدته التجارب، بدون عواطف؟ لا، العلة تكمن فيما هو أعمق، ولماذا لم تستطع الوصول إلى علته لتعرف؟ الشرق؟ والده؟ الاحتلال؟ العروبة؟ الخذلان والإحباط وتعقيد الحياة؟"( ).

وانطلاقاً من موقف "عادل" المترجح، فإن رفيف ترفض أن تصبح تابعاً له، وأن تستسلم لعواطفها حتى في أكثر اللحظات دفئاً وشاعرية، بفضل قوة شخصيتها وتماسكها، وبفضل تسلحها بالوعي، وبالقيم الأخلاقية والاجتماعية والفكرية. وهكذا تستجمع قواها، فتغلب عقلها على عواطفها، معلنة: أن الموت أرحم من رؤيته لها وهي تنهار.

وتستطيع رفيف التغلب على مشاعرها تجاه من تحب، وتتمكن من التحرر من هيمنته عليها، فتشعر بفرح الانتصار، إذ امتلكت حريتها وكبرياءها وأصبحت سيدة نفسها، أما هو فشعر بالبرودة والخواء، "معها كان يحس بأن باستطاعة الإنسان أن يتخفف من أحماله وأوزانه.. كانت في الحياة لحظات دفء.. وها هي رفيف قريبة منه، لكنها عنه بعيدة، أصبحت حرة"( ).

لقد آمن عادل أخيراً بـ "أن العواطف ليست شوائب تضعف الإنسان وتعرقل ثورته، إنّها إنسانية الإنسان، فحين يستجيب لها لن يفقد حريته كما كان يعتقد، وإنّما سيزداد قوة وفاعلية.. إذاً، بفضل الإحساس يكف.. المثقف عن التيه في علاقاته الإنسانية، كما يكف عن أنْ يكون إناء مضغوطاً بالكلام والسفسطات، ليصبح أكثر حرارة وصدقاً وإبداعاً، فيتسع أفقه، إذ يحس بالواقع ونبضه، فينطلق منه بعيداً عن حرفية أفكار مستوردة، قد تعرقل مسيرة تحرر المرأة أكثر مما تدفعها إلى الأمام"( ).

هكذا تعلي سحر خليفة من شأن العاطفة، فلا تعدّها نقطة ضعف، وفي الوقت نفسه تؤكد دور العقل الواعي في توجيهها، والسمو بها بعيداً عن الانسياق وراءها، والتردّي في مهاوي الخطأ والفساد.

 

2-علاقات زائفة:

قلّما نقع في الرواية الفلسطينية على هذا النوع من العلاقات، وهو إن وجد يكاد يكون محصوراً في أوساط بعض المثقفين الرجعيين أو الثوريين المزيفين. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الرواية الفلسطينية، هي أولاً رواية تهتم بالقضايا السياسية، ذات المضمون الوطني النضالي، وكثيراً ما تأتي العلاقات الاجتماعية فيها في المرتبة الثانية، وهي مشدودة بخيوط متينة إلى الإطار السياسي الذي يحيط بها، ويؤثر فيها. من هذا المنطلق، ومن منطلق ازدراء الروائي الفلسطيني للزيف، ولمن يجسده من الشخصيات، التي تحاول من خلال سلوكها المشين، ومواقفها السلبية، أنْ تعيق مسيرة الثورة، وتشّوه شخصية الإنسان الفلسطيني وصورته، كان لا بدّ من كشفها وفضحها. فما تفعله القلة القليلة لا يشين الكثرة، ومن هنا لم يشغل رصد تلك العلاقات المزيفة حيزاً هاماً في الرواية الفلسطينية، إلاّ بمقدار ما يُستفاد من دروسها، وكثيراً ما يقع الباحث على تلك العلاقات من خلال تيار وعي الشخصية، أو عبر مذكراتها أو اعترافاتها، أو منولوجاتها الداخلية.

*

ففي البكاء على صدر الحبيب لأبي شاور، نقع على شخصية "فجر" الثورية المثقفة، وقد أحبت  قيادياً زائفاً، حصل مؤخراً على درجة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي، "كان شقيقه أحد الكبار، فبدأ في مهاجمة شقيقه وعلاقاته مع -بعض الأنظمة الرجعية- وأفكاره اليمينية المتخلفة.. ثم أخذ نجمه يلمع.. ندوات، كتابات، مقالات، حوارات.. استقطاب الشباب الرافض، فإذا به اسفنجة تمتص غضب الشباب من جهة.. وإذا به يحول الجميع إلى درج يصعده إلى فوق"( )، لقد خدع ونافق، وأرسل العشرات إلى الموت في عمليات إرهابية فاشلة في الخارج، وشوه الأفكار التي حلم بها الشباب الرافض.. وكانت "فجر" أولى ضحاياه، على الرغم من إخلاصها الشديد له، وحبها الكبير، ذلك الحب الذي دفعها في لحظة ضعف مسروقة منها. إلى أن تهديه شمعتها فأحرقها، وحطم جدارها المقدس، وولى هارباً إلى فتاة أخرى، تاركاً "فجر" غارقة في بحر الأسى والانكسار. تخاطب "فجر" صديقها زياد: "التقيت به في عمان عند سوق الصاغة قبل أيلول بحوالي شهر، رأيته يصطحب فتاة معه، حاول أن يشيح وجهه عني، لكن كان الأوان قد فات، إذ التقت عيوننا، وأدركت أن ثمة في الأمر شيئاً.. عرّفها عليّ: فجر من أخواتنا الأردنيات اللواتي يعملن معنا، صعقت. كنا نعد العدة لإعلان خطوبتنا في ذلك الإسبوع. ثم قال: خطيبتي جنان الجوادي. تركتهما دون أن أنبس بكلمة"( ).

ولكن "فجر" استطاعت بما أوتيت من شجاعة وقوة وإرادة، أن تتغلب على إحساسها الحاد بألم الخيبة، وذل الانكسار، وتستعيد ثقة الآخرين بها، ولا سيما "زياد" صديقها الوفي الذي أحبها بصدق وإخلاص، ووقف إلى جانبها ساعة المحنة، واستطاع أن يزرع الفرح في عينيها الخضراوين، فإذا بالدم يهدر في العروق، وإذا بالقلوب الظامئة للحنان والراحة يعلو وجيبها، وإذا بالسعادة ترفرف فوق رؤوس العاشقين، وتطهر نفوسهم( ).

*

وإذا وجدت "فجر" من يقف إلى جانبها، وينسيها مرارة الخيبة، فإن "نوال" في "مذكرات امرأة غير واقعية "لسحر خليفة لم تجد من يعزيها بحبيبها الضائع، لكنها تابعت مسيرة حياتها وحيدة، بعد أن بحثت طويلاً عن الطريق الصحيح، فحققت استقلالها وحريتها، بالعمل والكفاح.

ونوال سليلة أسرة لها تاريخ مع الاعتقالات والتعذيب، وغرف التحقيق. أحبت وطنها بصدق ووعي وإخلاص، ولأجله انخرطت في العمل الثوري. أحبت رجلاً ثورياً، كانا يشتركان معاً في توزيع المنشورات السياسية، وأحبها هو بدوره، لكنّه حين أراد أن يتزوج، اختار "ابنة عمّه، فتاة صغيرة لا تفقه شيئاً"( ). ضارباً بالحب والوعود عرض الحائط. وتصاب نوال بنوبة هيستيرية من البكاء وهي أمام صديقتها، تحكي لها قصتها وفجيعتها بمن أحبته، وآمنت به، ولم تكن بالنسبة له سوى "عابرة الطريق رغم الرفقة والرفاق، وخيوط القضية"( ). لكن هذا البكاء لم يكن إلا تطهيراً للنفس الملتاعة، والروح المصدومة. فعزم "نوال" (لبلوب اخضرار شديد الألق"( )، وإرادتها صلبة كالفولاذ، وثقافتها ووعيها وعملها موظفة في المصرف، إضافة إلى عملها في المنظمة، كل ذلك ساعدها على تجاوز محنتها ووحدتها، وعلّمها كيف تضحك حين يشتد الألم ويقسو.

*

ولا يقف الزيف والخداع على تخوم العلاقات العاطفية فحسب، بل يمكن للصداقة أن تغدو جسداً مطعوناً بحراب المخادعين المزيفين، وهذا ما نقع عليه في رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر، التي تتناول أحداث أيلول عام 1970، وما تبعها من أحداث في لبنان، من خلال حشدها لعدد غير قليل من الرجال والنساء، ولكنّها تولي النساء اهتماماً خاصاً، فتروي حكاياتهن، وتضيء عالمهن المليء بالخوف والدهشة والشوق والظلم والفجيعة، وتصوّر معاناتهن من شتى صنوف القهر والإذلال والإبادة داخل الأرض المحتلة وخارجها. ولكنّها لا تخفي في الوقت نفسه، حماسهن وتحررهن وثوريتهن، وقدرتهن على مواصلة العيش والصمود، ومواجهة الصعاب في شتى الأحوال.

تحكي الرواية عن العديد من الفتيات الثوريات، وغيرهن، وعلاقاتهن بالأرض والوطن والثورة والرجل والمجتمع.. هذه العلاقات التي لم تكن بمنأى، في بعض الأحيان، عن الانزلاق في مهاوي الإخفاق والخيبة، كعلاقة "شهد الصمدي" بماجد عبد الباهي الذي قدمته الرواية إنساناً متناقضاً عاجزاً عن فهم المرأة واستيعاب ظروفها وواقعها. فهو شاب مثقف، عصري وذكي، خريج جامعة اكسفورد، يدرس في معهد للإناث. وكثيراً ما كان يتحدث عن مشاريعه الحديثة في تطوير المعهد. أعجب بشهد، إحدى تلميذاته، وهي فتاة ذكية، مثقفة، ومتحررة، رومانتيكية منفتحة على الجميع. أعجبت به، وبثقافته وذكائه. قال لها يوماً: "أتمنّى لو أصبحت علاقتنا حميمة. أجابته بفضول محايد: ليس ما يمنع هذا، فأنا صديقة للجميع.

-ولكنك نوع نادر مختلف عن الأخريات. أحسك تعاملينني بطيبة الأصدقاء القدامى"( ).

دعاها في أحد الأيام في زيارته، فلبّت الدعوة بطيب خاطر، وثقة بالنفس دون تردد، واشتركت معه في إعداد الطعام. "وعندما أراد أن يكرمها، ويصنع لها فنجاناً من القهوة وثبت "شهد" إلى المطبخ، وقامت بغلي القهوة، دون أن تترك له الفرصة للنهوض من مكانه، ثم تناولت كتاباً من مكتبته، وأنشأت تتحدث عنه بطلاقة، وإدراك تفصيلي لجزئياته.."( ).

وإذا كانت "شهد الصمدي" تتعامل مع أستاذها "ماجد عبد الباهي" بصدق، وحسن طوية، من منطلق الصداقة البحتة، ويحلو لها أن تتجاذب معه أطراف الحديث، وتطرح عليه بعض الأسئلة، فإنه لم يكن ينظر إليها إلا من منطلق الشهوة والرغبة، بوصفها صيداً، يحلو له أنّ يقتنصه: "قكّ أزرار قميصه الأولى: الحر الخانق، تأفف وقال: سألته بوداعة ولطف: هل أفتح الشبّاك؟ لا. لا داعي، كيف تكون البداية مع هذه الفتاة؟ قام وشدها إلى صدره في عناق عنيف. أشياء كثيرة حدثت، فهل يذكر جمود عينيها وبحلقتها المفاجئة؟ أم صرخة الذهول التي أعقبها فكاكها من يديه وجريانها إلى باب البيت، وهي تتقلص تدريجياً متحولة إلى صرخات متتابعة مختنقة‍"( ).

هكذا تتكشف الخديعة أمام شهد، وتنهار الأقنعة، وإذا بماجد عبد الباهي يلوي وجهه عنها فيما بعد، فيتحاشى التحدث إليها، ويتجاهل كلماتها في الصف، ويرمي بأسئلتها بعيداً، كلما عنّ لها أن تماحكه، متغافلاً عنها، وهو الذي حدّثها يوماً عن طيبة الأصدقاء القدامى.

وبعد نخلص إلى القول: إنه لدى دراسة العلاقة بين المرأة والرجل، ولدى الوقوف على العلاقة بينهما داخل الأسرة، تبين لنا حضور المرأة الأم بصورة متميزة في مجمل الروايات الفلسطينية المدروسة، وبروز دورها الفاعل على صعيد الأسرة. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الأم تشكل في الوطن العربي قيمة اجتماعية ونفسية وأخلاقية عالية، وتنطوي على قدرة غير محدودة على العطاء والتفاني، إضافة إلى ما تحمله من دلالات ورموز موحية ثرة.

ولدى تتبعنا بالتقصي والتحليل علاقة المرأة- الأم بأفراد الأسرة، لمسنا حرص الروائي الفلسطيني على أن يقدّم، بأمانة ودقة، صورة واقعية حيّة للأم الفلسطينية الكادحة الصابرة الوفيّة المضحيّة، المحبّة للحياة وللأرض وللعمل. المفعمة بالحميمية تجاه الوطن وأبنائه الشرفاء. المربيّة الفاضلة للأبناء. الوفيّة للزوج، حاضراً وغائباً. المعينة له في شؤون العائلة، بل الحاملة همّه ومسؤوليته أحياناً، بالإضافة إلى مسؤولياتها تجاه الأولاد، متجاوزة بذلك حجم الرجل وقدراته، كما هو الحال لدى "أم سعد" في الرواية المعنونة باسمها.

ولدى تتبع علاقة الأب بابنته، تبيّن أن الروائي لم يعنَ كثيراً برسم صورة الأب التقليدي- السلبي، ربما لأنه يعيق مسيرة الفتاة في تقدمها وتطورها اجتماعياً وسياسياً وفكرياً.. لذا جاءت صورته باهتة المعالم، وبدا تأثيره في مجريات الأحداث ضعيفاً، باستثناء الصورة التي رسمتها سحر خليفة لذلك النمط من الآباء في "مذكرات امرأة غير واقعية" وقد حددت هذا النمط طبقياً، إذ ينتمي إلى الطبقة البرجوازية التي أدانتها في معظم رواياتها، على حين بدت علاقة الأب الذي ينتمي إلى الطبقة الكادحة، مع ابنته أكثر ودية وانفتاحاً، فكان يتعامل معها من منطلق إنساني صرف. يحترم اختيارها، ويبارك مواقفها، ويشجعها على الزواج ممن تحب، ويناسبها أخلاقياً واجتماعياً وفكرياً.

ومن خلال الوقوف على العلاقة بين الاخوة والأخوات، لاحظنا براعة الروائي في تقديم صورة مشرقة معافاة وصحيحة للعلاقة الأخوية، بما يسودها من محبة واحترام وتفاهم وتراحم.

ولدى دراسة العلاقة بين الأزواج، استوقفتنا ظاهرة غياب الأزواج، وقد عللنا ذلك، وتبين أن الأسرة الفلسطينية، كما أظهرتها الرواية، كانت أبداً مفجوعة بأحد قطبيها، ويغلب أنّ يكون الزوج. وكأنه كتب عليها أن تمارس طقوس الموت والفجيعة والحزن والأسى، منذ ما قبل النكبة إلى ما بعد الاجتياح الصهيوني للبنان، ولا تزال. إنها بقايا أسرة، ولكنها بقايا صامدة. تحاول جاهدة التشبث بأحلامها وبحقها في حياة حرة كريمة.

وبعيداً عن الإطار السياسي النضالي، تم الوقوف على شكل آخر من أشكال العلاقة الزوجية. عالجته سحر خليفة في "مذكرات امرأة غير واقعية"، إذ بدت العلاقة الزوجية ذبيحة على عتبة القهر الاجتماعي، والتسلط الأبوي الذكوري. على حين ظهرت هذه العلاقة في روايتي جبرا إبراهيم جبرا، بعيدة إلى حد كبير عن الجدية والإخلاص والوفاء. فبدت في تفككها وتمزقها وتوترها وعجزها، صورة مصغرة عن عالم تلك الطبقة التي تنتمي إليها شخصيات جبرا، والتي حرص على تعريتها من الداخل، وكشف زيفها وتفاهتها وتناقضاتها وانهيارها.

ولدى دراسة العلاقة بين المرأة والرجل خارج الأسرة، وقفنا على مستويين لهذه العلاقة، إيجابي وسلبي: تجلى الأول في أوساط المناضلين والمثقفين الثوريين الحقيقيين. فعلى حين رسم أبو شاور هذه العلاقة في إطار القضية الوطنية، فمزج بين الحب بمعناه الخاص، والحب بمعناه العام كحب الوطن والأرض، وجدنا سحر خليفة، رسمت العلاقة ذاتها في إطارها الاجتماعي الذي يتناول قضية المرأة العربية عموماً، وما يتصل بها من قضايا وأفكار ومفاهيم عديدة، وأمراض اجتماعية مختلفة. ولكن كلا الكاتبين أكد أهمية الحب، بوصفه عاطفة إنسانية رفيعة، تسهم في بناء الأسرة وحمايتها لتكون بدورها لبنة صالحة في بناء المجتمع والوطن.

وتجلى المستوى الثاني (علاقات زائفة) في الأوساط البرجوازية، والثورية غير الحقيقية، ولم يشغل حيزاً هاماً في الرواية الفلسطينية، وجاء رصد هذه العلاقات بقصد إدانتها، والدعوة إلى تجاوزها، والاستفادة من مغزاها.

 

 

 

الفصل الثاني المرأة والمجتمع

تمهيد

على الرغم من سيادة الهم الوطني على الرواية الفلسطينية، لم يمنع ذلك، الروائيين الفلسطينيين من الالتفات نحو قضايا مجتمعهم، فألقوا الضوء على بعض الآفات الاجتماعية التي أسهمت ظروف الاحتلال والتشرد في إبرازها وتفشيها، وصوبوا سهام النقد على السلبي من العادات والتقاليد. وصوروا مظاهر التطور والتجديد التي طرأت على المجتمع الفلسطيني، بعد قيام الثورة الفلسطينية المسلحة، واتساع مدها بصورة خاصة، فتتبعوا أثر ذلك كله على المرأة. ورصدوا في الوقت نفسه حركة نهوضها وتجاوزها للكثير من الأوضاع السلبية، ومشاركتها الرجل في مختلف ميادين الحياة.

 

1-المرأة والآفات الاجتماعية:

نسجت المأساة الفلسطينية خيوطها حول المرأة الفلسطينية- وكذلك الإنسان الفلسطيني عامة- داخل الأرض المحتلة وخارجها، مخلفة في نفسها جرحاً دامياً، ما فتئ يؤلمها، وينغص حياتها، كلما امتد بها الزمن، وهي بعيدة عن أي شكل من أشكال الأمن والحماية والاستقرار.

كذلك ألقت على كاهلها مزيداً من الأعباء الحياتية، فأصبحت لقمة العيش، ولا سيما في السنين الأولى للنكبة، هي شغلها الشاغل في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي واكبت النكبة وأعقبتها، وفي ظل غياب الرجل الذي حمل سلاحه، وغاب مع من غاب، دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة.

وقد تفاوت الروائيون الفلسطينيون في تصوير حالة الشظف، وواقع البؤس والشقاء الذي عاشته الأسرة العربية، داخل الأرض المحتلة وخارجها.

*

ففي "العشاق" قدم أبو شاور، صورة، معبرة، ومؤثرة عن معاناة المرأة الفلسطينية لظروف الفقر والقهر، وتجرعها المرارة مع أبنائها الذين شبوا وترعرعوا في بيئة انخفضت فيها فرص الطمأنينة والأمل والحياة المستقرة. ورصد هذا الواقع الذي يرشح حزناً وألماً، على لسان أحد الأبناء، وهو يسترجع ذكرياته بحرقة وغصة: "لقد عشنا على التمر والخبز الأسود، خبز الشعير، وخبز الذرة، ونادراً خبز القمح. تلك الأيام السوداء الثقيلة أرهقتنا. لكنها صمدت تلك المرأة الشجاعة، أمنا. أيام  التمر. أيام البطانيات السوداء الخشنة، نصنع منها اللباس، والأكفان والغطاء والفراش. أيام العيش على الخبيزة والأعشاب البرية، نسابق الحيوانات على اقتلاعها من التراب كي نعيش"( ).

*

وتسلط سحر خليفة في "الصبار" الضوء على واقع البؤس الذي تعيشه الأسرة الفلسطينية التي تركد في قاع السلم الاجتماعي. وتشير إلى أثر الواقع في كل من الأم وأولادها، وتتحسّس مغالبة الأم لظروفها الصعبة، وهي تحاول أن تتكيف مع الوضع الاقتصادي المتردي في الضفة الغربية، في ظل الغلاء المتفاقم، وانخفاض مستوى المعيشة.

فهذه "سعدية" تتابع برنامجها الإذاعي المفضل باهتمام وتلهف. وتستمع إلى نصائح ركن الأسرة، حول فوائد العدس، فتنوع في طهيه، لئلا يسأمه صغارها. ولا شك أن تكرار طبخها للعدس يعد مؤشراً هاماً على الفقر الذي تعانيه الأسرة الفلسطينية. في الداخل، والذي انعكس على الوجوه، فبدت متهدلة شاحبة ذابلة، تحكي قصص الحرمان والشقاء بوجع وأسى( ).

وليست "أم صابر" في الرواية نفسها، بأحسن حظاً، ولا أوفر مالاً. فها هي تصرخ في وجه طفلها، حين مد يده نحو صندوق الاسكندنيا "اترك من إيدك. هذه الفاكهة ليست لنا"( )، وحين أخذت البائع الحمية والشهامة والكرم، وناول الطفل بضع حبات من هذه الفاكهة المحرمة على أطفال الأرض المحتلة المسحوقين، انتحت أم صابر بالطفل جانباً، وحذرته من أن يحكي لإخوته عمّا حصل، خوفاً من أن يثير شهيتهم، ويزيد من شعورهم بالحرمان( ). ولا شك أنّ رؤية الأم لأولادها، وهم يكتوون بنار القهر والظلم والفاقة، وهي عاجزة عن تلبية رغباتهم الصغيرة، تخلّف في نفسها جروحاً فاغرة الأفواه، تأبى الالتئام، وتزرع في قلبها بذرة الحقد والكراهية والغيظ. وترسم في عينيها نار الغضب الكسيح، على كل من أسهم في صنع الدولة العبرية: "يا ريتها فانية أمة محمد اللي خلت الأنذال، يسرحوا ويمرحوا ببلدنا وحاراتنا"( ).

ويأخذ الفقر، في الرواية الفلسطينية، بعداً أكثر عمقاً ومأساوية، حين يرتبط بقضية أكبر هي قضية التشرد واللجوء. ويعد كنفاني من أبرز الكتاب الفلسطينيين الذين وقفوا على هذه الظاهرة في روايته "أم سعد" من خلال تصويره للواقع اليومي في المخيم، وما يحفل به من مظاهر البؤس والتعاسة والشقاء، وإبراز أثر ذلك كله في الأم الفلسطينية المكافحة، التي عاشت في مخيمات التشرد واللجوء، وتحملت قساوة الظروف المعيشية، بما فيها من فقر وجوع وذل الانتظار أمام أبواب وكالة الغوث. وسوء السكن داخل الكوخ الطيني الواطئ، وصعوبة التحرك عبر دروب المخيم الضيقة الموحلة، التي لا تتسع لأكثر من عابر، وعانت من انعكاس هذه الظروف المأساوية على نفسية زوجها، الذي أصبح فظاً، عصبي المزاج متقاعساً، سيء المعاملة لها ولأطفالها.

لقد كان الفقر من أكبر المشكلات التي واجهت الفلسطيني في منفاه، إنه شبح دميم، وخصم عنيد، "داء عظيم يقتل المشاعر الإنسانية، ويحطم كبرياء الإنسان ويذله ويودي به، في كثير من الأحيان، إلى المهالك"( ). وقد لخصت أم سعد ما يمكن أن يفعل الفقر بالإنسان، وكيف يستطيع أن يقلب حياته وكيانه، بقولها: (الفقر يجعل الملاك شيطاناً، ويجعل الشيطان ملاكاً)( ).. لكنها على الرغم من ذلك لم تستسلم لهذه المشاعر، ولتلك الصعوبات، ولم تظهر في صورة البائس الذي يستحق الشفقة. فعلى الرغم من أنها تجرعت المرارة، وعاشت زمن الكبوة والوجع، وكانت شاهدة على زمن الانكسارات والخيانة، لم تستسلم للواقع، ولم يتسرب اليأس إلى مشاعرها. جالدت الحياة وتعاركت مع الأيام، وتغلبت على قسوة العيش وشظفه، بالصبر والأمل، وحب الحياة، والتشبث بها. وظل حلمها بالتحرير والعودة، يبذر في نفسها التفاؤل بالغد المشرق.

*

وتفرد ليانة بدر في روايتها "بوصلة من أجل عباد الشمس" مساحة أوسع لمظاهر الفقر والشقاء والحرمان، التي يكتوي بنارها ناس المخيم، ولا سيما الأطفال والنساء. وذلك بأسلوب عاطفي، حزين، يرشح مرارة وألماً وحرقة، بسبب قساوة الظروف التاريخية والمعيشية، التي تعيشها الجماهير المسحوقة في مخيمات اللجوء. فها هي بطلتها "جنان" ترسم عبر تداعياتها، مشهداً من مشاهد البؤس الذي ترزح تحت وطأته جموع الفقراء في مخيم شاتيلا: "وفي بيت أم أحمد أرى أطفالها الثمانية يأكلون الخبز المسقى بالمرق من الصينية الواسعة. يمدون أصابعهم ويجمعون اللقم بسرعة وتنافس، بينما صغيرهم سمير ينبطح على الإسمنت البارد، ببطنه العاري، وقدميه المهشمتين بالكدمات والرضوض. أسألها بلهفة.. إذا كان يجب أن يأكل بنفسه، فلماذا لا تلبسينه شيئاً يغطي معدته المكشوفة؟ فتغيب الضحكات المستغربة وجه أم أحمد الذي يبدو أكبر ما هو فعلاً بعشرين سنة: دعيه يتعود يا جنان. كل شيء محكوم بالتعود"( ).

وهذه "أم محمود" تشكو لجنان عجزها عن تأمين مستلزمات بناتها اللواتي أصبحن بعمر نوارة اللوز، لكنهن محرومات من أن يعشن أعمارهن الحقيقية، كبقايا خلق الله. يرسلن عيونهن المنكسرة نحو واجهات المدينة، ويحلمن، عبثاً، بالفساتين والبنطلونات التي ترتديها فتيات المدارس، ولكن الفاقة تقف حاجزاً منيعاً دن رغباتهن وتمنياتهن، مما يثير في نفس الأم شعوراً ممضّاً بالظلم، الذي سرعان ما ينفجر دموعاً حارة، تذرفها سراً، بصمت وعجز، في إحدى الزوايا المعتمة لبيتها، فإذا ما انفلتت منها دمعة أو دمعتان أمام "جنان" فإنها سرعان ما تجاهد في إخفائهما، بطرف أصابعها المتصلبة القاسية، وتقول، بتعب مجهد، ومغالبة حثيثة لنوازعها: "من أين أتى لهن، وكيف يمكن أن أدبر أمورهن. قطعة الأرض تأخذين وتعطين معها. ولكن المصروف إذ راح هنا لا يأتي غيره. معاش أبو محمود ميتان ليرة. ويا موتي علينا، وعلى العالم كيف نعيش. وين الكروم والزيتون، وقطاف التفاح؟ يما؟ إحنا اللي عرفنا العز وأولادنا ما عرفوا غير الحسرة"( ).

هكذا قدمت ليانة بدر صوراً متنوعة مؤثرة لمظاهر الفقر والفاقة في مخيمات البؤس واللجوء، منطلقة من خصوصيتها النسوية العاطفية الحساسة، كاشفة بريشتها الواقعية الشفافة، وبعبارتها المباشرة أحياناً، هذا الواقع المأساوي، الذي يهيمن على مجتمع المخيمات آنذاك، حتى درجة الاختناق( ).

***

وإذا كانت روايتا "أم سعد" و"بوصلة من أجل عباد الشمس" قد أضاءتا أهم المشكلات الاجتماعية التي عانتها الأسرة الفلسطينية المنفية في مرحلة ما بعد النكبة، كالفقر والحرمان وغيرهما.. فإن "ما تبقى لكم" أثارت بدورها جانباً آخر من جملة الهموم والقضايا الاجتماعية التي عاشها الفلسطينيون المنفيون داخل الوطن وخارجه. إذ نلمس تفكك الأسرة، وتشتت شملها ما بين أب مقتول، وأم مغيبة بعيدة، وأخوين ضائعين في متاهة الانتظار الممض، والبحث عن الأم. والحلم بجمع شمل الأسرة من جديد. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، تطالعنا مشكلة أخرى، لا تقل خطورة عن غيرها من المشكلات، وهي أدعى إلى التفكير، إنها مشكلة تأخير سن الزواج، وما يترتب على ذلك من أزمات نفسية واجتماعية، ويعود السبب في ذلك إلى ظروف التشرد والفقر التي عاشها الإنسان الفلسطيني خلال السنين التي أعقبت النكبة، فأصبح الزواج مؤجلاً، حتى يتم تحرير الوطن، واسترجاع الأرض. بل إن جميع الأفراح والمسرات باتت مؤجلة، لا أهمية لها ما لم تحل القضية.

فها هو أبو حامد، يرد على زوجته التي حاولت أن تذكره بالوعد الذي قطعه على نفسه، بشأن زواج ابنتهما مريم من فتحي:"لا تتحدثوا عن الزواج قبل انتهاء القضية"( ). ولا يمكن تجاهل الأثر الذي قد يحدثه تأخير الزواج على بعض النساء- كذلك على الرجال- إذ يثير لديهن الشعور بالقلق والإحباط وعدم الاستقرار، وقد يجعل بعضهن عرضة للسقوط أمام أول امتحان. فهذه "مريم" تسقط في أحضان أول رجل يصادفها، فتمنحه أغلى ما لديها، بعد انهيار حلم زواجها من فتحي الذي بقي في يافا، وهي ترى سني عمرها تتلاشى، مخلفة على وجهها وجسدها آثار الزمن الهارب. فكان زكريا النتن، بائع الشعب والقضية، هو بديل حلمها الطاهر، وإن كان بديلا مؤقتاً.

لقد هربت نحو صحراء الحب الخاوي، فتكشفت لها حقائق لم تكن لتدركها من قبل، وعادت ممتطية صهوة الحرية، وفي ضميرها صرخة رفض للقيد الذي استسلمت له. وقد تجسدت هذه الصرخةة عملياً، في قتلها لزكريا، رمز العمالة والتلوث.

 

ويقدم إميل حبيبي في اللوحة الثالثة من "السداسية" صوراً أخرى من صور تشتت الأسرة الفلسطينية إثر الخروج الأول والثاني، إذ نقع على "أم الروبابيكا" وقد بقيت مع أمها المُقعَدة في فلسطين، على حين هاجر زوجها مع أولادها إلى لبنان في سفر الخروج الأول، وقضت عشرين سنة في لجة الانتظار المرير، تجمع مخلفات الأحباب وتبيعها، مبقية على كنوزها فقط. ونواجه في "المتشائل" صورة مؤثرة لتفرق الأحبة، وتصدع شملهم، حيث يطرد العدو يعاد الأولى، حبيبة سعيد، خارج الوطن، ويبقى سعيد في الداخل، يرتل نشيد حبهما الطاهر على مدى عشرين سنة.

***

وثمة آفات اجتماعية أخرى لا علاقة للاحتلال الصهيوني في خلقها أو انتشارها، وإنما تعود إلى سنين عديدة من التخلف، وسلسلة طويلة من العادات والتقاليد السلبية العتيدة، التي رسخها المجتمع الذكوري على مدى حقبة طويلة من الزمن، وقد "وجهت الروايات (الفلسطينية).. نقدها إلى أي خلل في المجتمع، في الداخل وفي الخارج، يعطل حركة التقدم، وقد نالت بعض التقاليد حظها من النقد، بهدف خلق البيئة الصالحة التي تتيح لكل أفراد المجتمع أن يناضلوا ضد الاحتلال"( ).

ومن الطبيعي أن يتفاوت الروائيون الفلسطينيون، ذكوراً وإناثاً في تناولهم للعديد من الآفات الاجتماعية. فعلى حين ركزت الروائية على قضية المرأة ومعاناتها من تعدد أساليب القمع: قمع الاحتلال والمجتمع والرجل، وتفوقت في الدخول إلى العالم الداخلي للمرأة، وكشف خباياه، وتحسس ما يعتمل فيه، من مشاعر وأحاسيس، نجد الروائي قد اكتفى بكشف مواطن الخلل في العلاقات الاجتماعية دون أن يتوقف عندها طويلاً، جاعلاً موضوع الوطن، وقضاياه السياسية، في سلّم أولوياته واهتماماته، على الرغم من انتصاره للمرأة بوصفها مساوية للرجل، وشريكة له في كل مجالات الحياة، بما فيها العمل الثوري، إلا أنّه لم يجعل من قضيتها همّه الأول، وشغله الشاغل، لأن الكاتبة أقدر من الكاتب على "الاهتمام بالموضوع النسوي، وإبراز المعاناة النسوية، والوقوف عند بعض المواقف التي لا يتنبّه لها كاتب- رجل، وإن فعل، فلا يؤكدها ويحتفل بها كما تفعل الكاتبة"( ). تقول سيمون دي فوار: "نحن النساء نعرف خيراً من الرجال عالم المرأة، لأننا مرتبطات الجذور به، ونحن أقدر على إدراك ما معنى أن يكون الكائن الإنساني امرأة"( ).

*

ففي "الصبّار وعبّاد الشمس" تنطلق سحر خليفة، في معالجتها للكثير من القضايا الاجتماعية من مقولة أساسية هي "أن الثورة كل لا يتجزأ: ثورة ضد المحتل، وضد السلبي من الموروث والعادات والتقاليد"( ) وهذه المقولة تتفرع عنها مقولات أخرى أهمّها: إن مسؤولية تحرر المرأة وإثبات وجودها، تقع على عاتقها بالدرجة الأولى، لتتمكن من القيام بدور فاعل في وسطها الاجتماعي، وتستحوذ على ثقة الآخرين. وقد قدّمت سحر، شخصيات نسائية، استطاعت بوعيها وذكائها ونبل أهدافها وشرعيّة طروحاتها ومثابرتها، أن تغيرّ بعض المفاهيم التقليدية السائدة حول المرأة، وعملها وشرفها وسوى ذلك، فوجدنا نساء ناضجات رفضن أن يكن تابعات للرجل، وتعاملن معه من موقع الند. لما تميزن به من قوة إرادة وعناد صلب( )مثل رفيف التي رفضت أن تكون تابعاً لعادل، حبيب الأمس، بل تعامل معه من موقع الند. وكذلك نجد سعدية الأرملة، التي رفضت الاستسلام لرغبة شحادة في الهيمنة عليها، وتوجيهها تبعاً لإرادته، على الرغم من حاجتها إليه في تأمين العمل، وتسويق ما تنتجه. كذلك نجدها تتحدّى أهل الحارة، وتواجه افتراءاتهم، وثرثرات نسائها، وغيرتهن منها فتواصل عملها بصبر وجد ودأب.. وتستطيع أن تحقّق لأسرتها ما لم يستطع زوجها تحقيقه في حياته( ).

 

ومن هنا يمكن القول: إنّ سحر خليفة عملت على تغيير أحد أهم المفاهيم الخاطئة المتوارثة عن المرأة، وهي "ضعفها، وعدم قدرتها على الإنتاج، والحياة، وإعالة الأولاد بعد اختفاء الرجل من حياتها"( ). فقد أدركت المرأة طاقاتها وقدراتها، وعرفت ذاتها وموقعها، بعد أنْ امتدت إليها روح التغيير، فلم تعد ترضى أن تلقب بألقاب توحي بضعفها.

 

كذلك، عملت سحر على تغير المفهوم المتوارث للشرف- العرض( )، في ظل احتلال بغيض، لا بد أن يقاومه أبناء الضفة والقطاع من كلا الجنسين، فتتعرض الفتاة، كما يتعرّض الفتى، للاعتقال والتعذيب، وممارسة كل أساليب القهر والإذلال عليهما.. ومن هنا وجهّت سحر في "مذكرات امرأة غير واقعية" وكذلك في ثنائيتها، سهام نقدها لبعض المفاهيم البالية عبر الحكاية التي ترويها إحدى الفتيات المعلّمات، في مجلس ضمّ مجموعة من النساء التقليديات. وملخصها: أن رجلاً له ابنة جريئة، قيل له يوماً: إن ابنتك تدور مع الشبان، وتقوم بما لا يرضي الله، وشرع الناس، وعندما تحرّى الأمر، اكتشف أنّها تقوم بالتعاون مع رفاقها بصنع القنابل، وفهم الرجل الأمر، وأحسّ أن الدنيا بطولة، وذهب ينشر الخبر بين الناس، ويقول: بنتي شريفة، نظيفة، جدعة. ووصل الكلام مقر الحاكم، وكانت قصة. مسكوا الثّوار، ضربوا واحداً، لم يحتمل الضرب، فاعترف عن أول دفعة.. وكان المجموع أكثر من خمسين مقاوماً. كلّهم ذهبوا فداءً لشرف البنت، وشرف العائلة( ).

 

ومن خلال هذه الحكاية استطاعت الفتاة أن تعطي النسوة الأمهات درساً في المفاهيم التي تغيّرت، حين استلّت الجواب منهن: "الأرض وإلا العرض؟ قولوا يا ستات؟ وكأن شجاراً اندلع فجأة. بدأت الغرفة تموج بالأصوات المتقاطعة المتناقضة المتحدة المتحمسة الخانقة المغضبة"( )

هكذا أدّى رفع شعار العرض لا الأرض إلى خسارة لا تعوّض. ومن هنا. كانت سحر تلح على ضرورة تغيير النظرة لهذا المفهوم، في ظل الواقع الثوري الراهن داخل الأرض المحتلة. ففي "عباد الشمس" يعلّق أحد الرجال التقليديين على الفتاة التي رشقت في المظاهرة حجراً فتح نافوخ الضابط:"أنا عارف، طق شرش حيا بنات هالأيام وازرق نابهم. مسكها الجندي وقال:" ما بتخافي من الضرب عرافيت، أنا بعرف على إيش تخافي" شقّت مريولها لحد مابينّت صدريتها وقالت: "قصدك على هذا؟! ولا على هذا بخاف؟! استغفر الله العظيم. جيل كاسر مابقدر عليه قادر. الوطن على الراس والعين. لكن يا ابني الشرف غالي، وإحنا عرب، علٌّق باسل: بعد شرف البلد والأرض لا قيمة لأي شرف"( ).

هذا المفهوم الجديد للشرف. لم يكن ليؤمن به الرجل الثوري حق الإيمان، لولا وقوفه على تلك البطولات التي أحرزتها المرأة على صعيد الوطن والمجتمع، فهاهي "لينة الصفدي" تُعتقل، وتوقن خلّيتها أنّها لن تعترف، وأنّها أصلب من الرجال على الصمود. ويشعر عادل بالخزي والعار وهو يعيش حياته اليومية باستسلام وبرود، والفتيات يُعتقلن ويُعذبن.

***

وتثير سحر أيضاً في "عباد الشمس" قضية على جانب كبير من الأهمية وهي أنّ الرجل المثّقف: "تقبّل... عطاء المرأة الجديد دون أن يتقبّل بالمقابل أي تغيير جوهري بمكانتها ومسؤوليتها. فهو يريدها رجلاً وامرأة وخادمة في نفس الوقت. أن تعي ولا تعي، أن ترى ولا ترى.. أن تتكلم ولا تتكلم.. كل في حينه. أن تكون الثورية الصلبة التي تشد أزر الرجل في معركة التحرير ثم تعود إلى قاعدة الحريم... بعد انتهاء الثورة، وتترك للرجل الحرية والاستقلال والمستقبل والسلطة"( ).

*

وفي "مذكرات امرأة غير واقعية" تعالج الكاتبة قضية على جانب كبير من الأهمية وهي: قضية انتماء المرأة وتحديد هويتها، وتأكيد استقلاليتها، وإلى جانب جملة من القضايا التي تثيرها، إذ(مازال يتوجب عليها أن تكون ابنة فلان أو زوجة فلان، دون أن يتم قبولها كفلانة فقط، بغض النظر عن الذكر الذي يحمي اسمها اجتماعياً)( ).

كذلك، تطرح الرواية عدداً من القضايا التي تبرز ذلك التناقض والتباين بين  ماتطمح إليه المرأة المتمردة الرافضة، ومايرتضيه المجتمع لها ويطلبه منها، بل يفرضه عليها. وفي ذلك ما يعد نكوصاً لوضعها وقضيتها، وكأنها مابرحت مكانها، فلا هي ثارت على السلبي من العادات والتقاليد، ولا هي استسلمت لتناقضات الواقع( ).

وتتابع سحر خليفة في روايتها مسيرة المرأة العربية على درب الآلام، منذ ولادتها إلى ما بعد زواجها، وتحكّم بعض النظم الاجتماعية الجائرة بالمرأة، إذ يبدأ التمييز بينها وبين الذكر منذ الولادة، فعلى حين تعم الأفراح والزغاريد أرجاء الدار عند قدوم المولود الذكر، يحصل نقيض ذلك عند قدوم البنت، وعلى حين يتخاطف الذكور ميراث الوالد، تبقى البنات بلا ميراث، إلا ميراث اسم العائلة المجيدة ووجاهة الأصل الطيب( ).

 

فإذا ما خفق قلبها بحب شاب يناسبها، واخترق شعاع الحب روحها دون إرادة منها، وقفت السلطة الرادعة المتمثلة في الأب أو الأخ في وجه سعادتها وحرية اختيارها. إذ لا يحق لها التعبير عن آرائها وأفكارها واختيار شريك حياتها، بصفتها قاصرة، غير مسؤولة عن مصيرها الخاص، وهذا ماتعانيه الفتاة العربية التي تعيش في بيئة متخلفة، فيفرض عليها الزواج ممن لا ترغب به أو تنسجم معه، ومن الطبيعي أن تعيش، بسبب ذلك الزواج القسري غير المتكافئ، سلسلة من المآسي المستمرة. وحين تحاول اختراق الطوق الاجتماعي المضروب حولها، تنتصب أمامها جملة من المشكلات المترتبة على هذا الانعتاق، مما يجعلها ترتد نحو الخيبة واليأس. ذلك أن (الجرح أعمق بكثير من أي وصفة علاج)( ).

فلا الهجر ولا الطلاق يحلان مشكلة المرأة المتزوجة المقموعة التعيسة، ذلك أن حرمانها من إكمال تعليمها ومن العمل لاشك،  يؤديان إلى شل قدراتها ويبقيانها في دائرة التبعية للزوج.

 

وهذا يعني أن تستسلم وتصبر على واقعها المرير، خوفاً من المستقبل المظلم الذي ينتظرها، في ظل مجتمع تسود فيه بعض المفاهيم الخاطئة التي تعد المطلقة إنساناً ناقصاً، وتجعله عرضة لألسنة الناس وافتراءاتهم. ناهيك عن المشكلات الاجتماعية الأخرى التي يخلّفها الطلاق في البيئات المتخلفة، إذ يتشتت الأولاد مابين الأبوين المنفصلين، وتضيع المرأة المطلقة، فلا بيت يؤويها، ولا دخل يحميها، ويقيها الفاقة، وإن وجدتُ مكاناً لها في بيت أحد إخوتها، فإنها تعيش حياة مريرة، لاشك أنّها أدنى من تلك التي عاشتها في بيت زوجها.

 

 وليس الرجل أو المجتمع هما وحدهما محط انتقادات سحر، بل نراها أيضاً تحمّل النساء التقليديات جانباً من مسؤوليتهن حول تخلّف المجتمع، ومايعانيه من جهل وجمود.

فنستعرض جانباً من أحاديثهن التافهة، وثرثراتهن الساذجة الحافلة بالاختلاق والمغالطات، حول الزواج والطلاق والفضائح والحمل والعقم والولادة وتعدد الزوجات. وتسوق حكمها عليهن على لسان البطلة بقولها:"هنّ السبب في الكثير مما نحن عليه"( ).

 

كذلك تدين سحر بعض العادات والمعتقدات الشعبية، التي تؤمن بها بعض النساء التقليديات ويمارسنها عن قناعة ورضا. كلجوء بعضهن إلى الحجاب والكتابة لجلب الحظ لمن لم تتزوج أو تحمل. ولجوء بعضهن الآخر إلى المشعوذين والدجالين. وهذا ما أشارت إليه الروائية أيضاً في روايتها السابقة "الصبار"، حين نسبت زوجة أحد العمال المصائب التي حلّت بأسرتها للعين الشريرة، وراحت تعالجها بالاستخارة، وشيّ الشبّة، وكتابة الحجاب عند السامريين( ).  كما انتقدت اعتقاد بعضهن بأنّ أفضّل وسيلة للتمسك بالزوج هي الإكثار من الخلف. وأن المرأة العقيم لا يُبقي عليها زوجها( ).

 

ولم تقف انتقاداتها عند هذا الحد، بل راحت تندد بالزوجات اللواتي استسلمن للأمر الواقع، وارتضين بالقهر الذي يغلّف حياتهن، وعلّلن ذلك بتفسيرات واهية عاجزة، ورحن يُعلّقن أسباب رضوخهن للأمر الواقع على النصيب، والقسمة أو الحظ. فما إن تبدأ واحدتهن (بنعف حطامها الداخلي في جلسة حميمية، وتفرغ محتويات قلبها.. وكشكول أحزانها، وتذرف الدموع، وتحشش السجائر، وتعفّر الدخان، وتنعت زوجها بوابل النعوت والألقاب. وتستنزل اللعنات والأمنيات". حتى تسرع إلى لملمة شتاتها لدى سماعها بوق السيارة (وتنظر في العيون المسبلة بمشاركة وجدانية، وتهمس بحكمة "نصيبنا").( )

وإذ تسلّط الروائية سحر خليفة الضوء على خصوصية العالم الداخلي للمرأة، وماتتميز به من غنّى في الأحاسيس والمشاعر والأفكار، فإنّها تلوم المرأة العربية التي تلجأ إلى أحلامها الوردية، إلى عالمها الداخلي الذي يفتح لها  آفاقاً مشرقة، تقاوم من خلالها مرارة واقعها.

ولاشك أنّ هذا النوع من الهروب كان (ذا أثر سلبي على معركتها مع الواقع الخارجي، لأنّه ربما لعب دور المخدر لمشاكلها وأزماتها وأجلّ ثوراتها الحقيقية... فلو استقر طعم المرارة لفترة، ودون أي معين، لثارت المرأة على واقعها وحاولت تغييره)( ). تقول عفاف: (هذه القدرة على الانفلات والعيش في عالمي الداخلي الفسيح الأخضر آذتني كثيراً. آذتني حين قدّمت لي جرعات مخدّر تساعدي على احتمال الألم الصاعق)( ).

 

وكأن الكاتبة تريد أن تقول: إن الهروب لا يحل المشكلة، فلابد من مواجهة الواقع بالإرادة والعمل، لا بالأحلام، ولابدمن الاعتماد على الذات أولاً قبل الاستعانة بالآخرين، في حل المشاكل التي تواجه الإنسان، رجلاً كان أو امرأة.

*

وإذا كانت القضية النسائية، ومعاناة المرأة العربية من وطأة بعض التقاليد الاجتماعية القاهرة، قد حظيت بالنصيب الأكبر في روايات سحر خليفة. فإن ليانة بدر في روايتها البكر  "بوصلة من أجل عباد الشمس" لم تُغفل عرض جانب هام من معاناة المرأة الفلسطينية التي تعيش في المخيم، من وطأة الظروف الاجتماعية الصعبة التي تواجهها، إضافة إلى اعتراض بعض العادات  والتقاليد السلبية طريق تقدمّها وتطورّها. ليس ذلك فحسب، بل إنّ تحكّم الرجل التقليدي، سواء أكان أباً أم أخاً، بقراراتها وحركتها، قد وقف عائقاً في طريق انخراطها في العمل الوطني على الصعيدين النضالي والاجتماعي، بسبب تعنت الكثير من الآباء، أو تزمت الإخوة أو الأقرباء.

تقول جنان: التي كان لها دور فعال في تأسيس بعض الجمعيات والتنظيمات التي كانت لها نشاطاتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والتوجيهية:"عملنا مازال يعاني نقصاً في الكوادر. والبنات حين يتعرفن على أنفسهن في العمل معنا، يسارع أهلهن إلى تزويجهن، خوفاً من مصلحتهن من القيل والقال.... فمن تفلت من إسار الزواج المحبب أو القسري، لابد أن تعاني من تعنت الأب، أو تزمت الأقرباء . وعلى من تبقى وتستمر، أن تكون خبيرة في الإسعاف والدفاع المدني، ومحرضة سياسية وموزعة نشرات، وموجهة اجتماعية.. كل هذا في آن واحد، وهذا يعني، أيضاً، تمرساً بالعمل المرهق الدائم، واستعداداً دائماً لتحمل الخسارات الكبيرة)( ).

*

وفي "العشاق" يكشف أبو شاور، بعض العيوب التي تسمح للرجل أن يتصرف بحريته، ويقيم علاقات مع الجنس الآخر، على حين، يفرض على المرأة أن تحافظ على سلوكها وتصرفاتها، وتصون شرفها، وشرف العائلة. وهذا مايلمح إليه محمود، وهو يجيب على سؤال "ندى" حين سألته:(ماذا لو رآك أقرباؤك معي؟!)( )، فأجابها ممازحاً:(سيفخرون بي. إنهم لن يذبحوا فحلهم الذي دبر فتاة حلوة، ترفع الرأس)( ). (فالجنس هو مجال المفاخرة الوحيدة للرجل في (المجتمع المتخلف)، والرجولة ليست سوى مقدرة جنسية، دون أي قيمة إضافية)( ).

وينتقد الكاتب بعض العادات السائدة في المجتمعات المتخلفة، مثل زواج المبادلة، وتعدد الزوجات، لما ينجم عن ذلك من ظلم المرأة، وسلب لحقوقها وحريتها في اختيار شريك حياتها.

 

ويثير هذا الموضوع من خلال "أم حسن" التي عانت من ظلم زوجها لها، ولنسائه الأخريات، وقسوته عليهن، وضربه لهن، فما كان منها إلا أن تمردت على سلطته، (وزرعت بذرة الثورة ضده)( ). وأرغمته على طلاقها، بعد أن كسرت هيبته أمام نسائه، وكأنّ أبا شاور يريد أن يؤكد أنّ المرأة هي المسؤولة الأولى عن تحقيق حريتها، وصون كرامتها، وأنها المرشحة الأولى لرفض كل مايحيق بها من ظلم وتعسف وقهر. مثلما رفضت "أم سعد" في الرواية المعنونة باسمها، بعض  المفاهيم والعادات والتقاليد البالية التي تكبلها، وتعيق مسيرة تقدمها، فاستبدلت بالحجاب رصاصة. وحين سألها الراوي عن الحجاب القديم، أجابته: (صنعه لي شيخ عتيق منذ كنا في فلسطين، وذات يوم قلت لنفسي: ذلك رجل دجال بلا شك، حجاب؟! إنني أعلقه منذ كان عمري عشر سنوات، ظللنا فقراء، وظللنا نهترئ بالشغل، وتشردنا، إذا مع الحجاب هيك، فكيف بدونه؟! أيمكن أن يكون هنالك ماهو أسوأ؟!)( ).

 

ولاشك أن موقف "أم سعد": (يكشف عن قناعة هذه المرأة بأن القوى الغيبية لم تقدم لها شيئاً، وأنه لن يحميها سوى الفعل)( ).وهذا ما وعاهُ كنفاني تماماً ووظفه في روايته غير المكتملة" الأعمى والأطرش".

 

2- المرأة والحرية:

 تغدو حرية المرأة العربية ، في ظل هيمنة بعض العادات والتقاليد والمفاهيم المتزمتة، قضية هامة، من بين مجمل القضايا والمسائل التي تناولتها الروائية الفلسطينية في أعمالها.

*

وخلافاً لبعض الروائيات العربيات أكدت الروائية الفلسطينية مفهوم حرية المجتمع والوطن ورأت أنها الطريق الصحيح المؤدي إلى حرية الفرد. فرفيف في "عباد الشمس" (آمنت بعد معاناة... ورفض لثورة يقطف مغنمها الرجل، أن الابتعاد عن الثورة لا يجدي، وأن المطالبة بحرية المرأة بمعزل عن العمل الثوري خطأ، لأنه يبدد الطاقات التي يجب أن تستغل لقتال العدو. فلا حرية للمرأة في مجتمع محتل مستعبد. وماحربها ضد زملائها... وابتعادها عن صفوفهم سوى انحراف عن جادة الصواب، وضياع لهدف رئيسي أسمى، وهو تحرير الأرض... لقد طالبت - وهي الصحفية- أن تكون نصف مجلة البلد مخصصة وموجهة للمرأة. ولكن عندما رأت الانتفاضة... تهز أركان نابلس. عندما رأت شجاعة الفلاحين الذين صودرت أراضيهم، وآلام... سعدية، أدركت سذاجة وعقم مطلبها)( ).

 

(وأحست بالعجز التام فخارت عزيمتها، وانهارت معنوياتها. فماذا باستطاعتها أن تفعل إزاء كل هذا؟! وماقيمة ماتفعله؟! وما الذي تفعله سوى خوض صراعات جانبية مع عادل وسالم والأستاذ عطا الله والأستاذ بديع؟! وماذا حققت حتى الآن؟! لا شيء سوى إطلاق صرخات الندهة في واد مفغور الفم. ومانفع هذا؟! نصف المجلة؟! أية نكتة! وماذا ستفعل بنصف المجلة تكتب فيها عن تجارب لم تخضها؟! أين أنا منك ياسعدية؟!)( ).

 

فالمرأة، إذاً، لا يمكنها أن تنال حريتها الحقة في وطن محتل ومستعبد، ولكي تحصل عليها لابد من تعاون أبناء الوطن جميعهم في الكفاح من أجل التحرير. لذلك وجدنا "عفاف" في "مذكرات امرأة غير واقعية". تخفق في نيل حريتها، وتنحرف عن مسارها الصحيح، حين انعزلت عن هموم الوطن وأوجاعه، وباتت تفكر في همومها ومشاكلها الشخصية، فانتهت إلى الطريق المسدود المحاط بالخسائر والخيبة واليأس.

 

3- المرأة والعمل:

قدم الروائيون الفلسطينيون، العديد من الشخصيات النسوية العاملة على اختلاف بيئاتهن، وتنوع أعمالهن. فوجدنا القروية الكادحة، والعاملة المكافحة، والمثقفة الثورية، والمعلمة، والصحفية، وذلك انطلاقاً من إيمانهن بأن العمل (هو النشاط الوجودي للمرأة، أي النشاط الذي يتوقف عليه بناء شخصيتها الإنسانية، بأوجهها المتعددة)( ). (العقلية والاجتماعية والثقافية.. والأخلاقية... وغيرها. إذ بالعمل وحده تنمي المرأة كما الرجل، قواها العقلية ومشاعرها، وتعيد إنتاج ذاتها الإنسانية، وتعكس تلك الذات في العالم الذي تنتجه. و... بدون العمل، لا يمكن للقوى والطاقات، وبذور التحول الكامنة في المرأة أن تنمو بالفعل وترتقي)( ). ويقف الباحث في الرواية الفلسطينية، على صدى هذه الأفكار متجسداً لدى معظم الشخصيات النسوية العاملة.

*

ففي "العشاق" قدم رشاد، صورة مدهشة للمرأة القروية الكادحة، متمثلة في "أم حسن" التي تعمل في صنع الطوب، لتعيل نفسها وأبناءها، وتنفق على تعليمهم. ولاشك أن عملها أسهم في تنمية شخصيتها، وفرض هيبتها على من حولها، ولاسيما على زوجها المزواج، الذي عانت من ظلمه وصلفه وقسوته الشيء الكثير. ولكنها استطاعت، بقوة إرادتها، وعزة نفسها، وكبريائها أن تنتزع منه الطلاق وتسترد حريتها. ولأنها تملك عملاً شريفاً يعيلها هي وأولادها، فقد استطاعت بسهولة، الاعتماد على نفسها، دون أدنى شعور بالخوف من الاستقلالية والتفرد، وتحمل المسؤولية.

*

وفي "عباد الشمس" قدمت سحر مثالين مختلفين، بيئياً وثقافياً واجتماعياً للمرأة العاملة. يتجسد المثال الأول في صورة "رفيف" الفتاة المثقفة التي تعمل صحفية في مجلة البلد في الضفة، وتمارس حريتها الشخصية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية دون تدخل من أحد. ولاشك أن عملها  كان عاملاً هاماً في بناء شخصيتها وصقلها، وفي توسيع مدركاتها الحسية، وفي تمتعها بالحرية والاستقلالية، واعتدادها بنفسها. لذلك وجدناها تناقش زملاءها في المجلة، وتتعامل معهم تعامل الند، وتواجههم بحقائق مافي نفوسهم، دون مواربة أووجل أو تحفظ.

أما المثال الثاني فتجسدّه "سعدية" المرأة الشعبية البسيطة، زوجة العامل زهدي، وأم أولاده الخمسة. ربة منزل. لا تجيد عملاً ولا تحمل شهادة، تعتمد هي وأسرتها على عمل الزوج اليومي. وحين يستشهد، ينقطع مورد الرزق دفعة واحدة، وتجد الزوجة نفسها أمام معضلة كبيرة، وهي تأمين متطلبات العيش لها ولأولادها. ولأنها كانت تمتلك الإرادة القوية، وبعضاً من الوعي البسيط، فقد استطاعت بفعل ظروفها القاسية أن تحول تلك الإرادة القوية، وبعضاً من الوعي البسيط، فقد استطاعت بفعل ظروفها القاسية أن تحول تلك الإرادة إلى قوة فاعلة. إذ خرجت إلى دنيا الناس، والعمل المثمر، فانتشلت أولادها ونفسها من كارثة اقتصادية معيشية، كان من المحتمل أن تصيب الأسرة لولا عملها الحر الشريف، الذي انعكست آثاره الإيجابية على أسرتها، وعلى مظهرها الخارجي، وتصرفاتها وسلوكها وطريقة تفكيرها، فبدت ملامحها أكثر شباباً وحيوية وتألقاً، وبدا كلامها يحمل نفحات من الثقة والاعتداد بالنفس. وأخذ تعاملها مع الناس، يطغى عليه طابع الجد والحذر والشجاعة.

ولكي تؤكد الكاتبة أهمية العمل بالنسبة للمرأة، وأثره الإيجابي الفعال على شخصيتها وحياتها وأسرتها، ساقت لنا صورة "أم صابر" التي تعيش ظروفاً اقتصادية مشابهة لتلك الظروف التي عاشتها سعدية. فكلتاهما غير متعلمتين وغير عاملتين، متزوجتان من عاملين يعملان لقاء أجرهما اليومي. وهذا يعني أن حياة أسرتيهما مهددة ومرهونة بصحتهما اليومية وقوتهما. والفارق بين المرأتين، أن الأولى يستشهد زوجها، وتستطيع بما امتلكت من وعي وإرادة، أن تنهض على قدمين قويتين. وتثبت على أرض الفعل الإيجابي. وأن الثانية يصاب زوجها إصابة عمل، فتواجه مصابها بالندب والنواح، وتستسلم لواقعها البائس.

*

سحر، إذاً، معنية كثيراً بإبراز قيمة عمل المرأة وأهميته، وضرورته، ليس فقط لسد الحاجات المادية الاستهلاكية، بل لما له من أهمية على الصعيد الشخصي والاجتماعي والإنساني عامة. إذ يحرر الشخصية، ويقويها، ويغنيها ويمدها بالطاقة اللازمة لمواجهة مختلف أشكال التحديات. لذلك نجدها في روايتها التالية "مذكرات امرأة غير واقعية" تتناول عمل المرأة من زاوية مختلفة عن تلك التي قدمتها في الثنائية، حيث البطلة متزوجة تعيسة، لا تملك شهادة عالية، ولا تجيد عملاً. لذلك تتريث في طلب الحصول على صك حريتها، لأنها تخشى العواقب المروعة التي تنتظرها، فيما لو انفصلت عن زوجها. لقد جعلتها عطالتها عن العمل، وقلة حيلتها، ترضى بواقعها، فتعيش تحت رحمة زوجها ووصايته، على الرغم من مقتها له. كما جعلتها تتوجس خيفة من الاستقلالية وتحمّل المسؤولية. فكيف يمكنها أن تبدأ من جديد، وهي تجهل من أين تبدأ وكيف.

 

تقول: (لا أملك مالاً، لا أجيد عملاً، ولا حرفة. لا أعرف شيئاً... كيف أبدأ؟!)( ). في هذا السؤال المحيّر الذي تطلقه سحر على لسان بطلتها، تكمن مشكلة عفاف ومثيلاتها. إضافة إلى ذلك تثير الروائية مايمكن أن يخلفه حرمان المرأة من العمل على شخصيتها ونفسيتها، إذ يجعلها وحيدة معزولة ضعيفة الشخصية، عاجزة عن مواجهة الآخرين، وغير قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها، وحسم أمورها، مما يرسخ تبعيتها للطرف الآخر. تقول عفاف متحسرة: (آه لو كنت مضيفة، لو كنت سكرتيرة، لو كنت... أي إنسان اعتاد العمل بحس عملي جامد)( ).

وإذ تنتهي عفاف إلى الضياع، والأحلام المقوضة، نجد نقيضتها "نوال" الموظفة في أحد  المصارف، تتحدى مآسيها وعذابها، وتتحدى إخفاقها على الصعيد العاطفي، وتعلو على جراحها، متخذة من العمل سبيلاً لتأمين الحياة الحرة الكريمة، ومساعداً على مداواة جراحها وأحزانها.

*

وفي رواية "أم سعد"  يقدم كنفاني المرأة الفلسطينية الكادحة، متمثلة في "أم سعد"، التي كابدت بؤس المخيم بكل أبعاده، وعاشت عمرها عشر سنوات، في التعب والعمل، كي تنتزع لقمتها ولقم أولادها، تخدم بيوت الآخرين وبيت الراوي. وتشطف الأدراج في البنايات الكبيرة لقاء أجر زهيد، تسهم من خلاله في حمل أعباء أسرتها، فتقف إلى جانب زوجها الذي كادت البطالة تخنقه. وتترك المجال لأولادها ليلتحقوا بالعمل الثوري. وبذلك حققت، من خلال عملها الشريف، فائدة مزدوجة، على الصعيدين الأسري والوطني.

ومما يلفت انتباه الباحث في الرواية الفلسطينية، أنه نادراً مايقع على صورة المرأة المسحوقة التي تستجدي لقمتها، ولقم صغارها، مما تجود به نفوس المحسنين أو المشفقين، فعلى الرغم من مظاهر الفقر، وشظف العيش، وقسوة الحياة التي عاشها الفلسطينيون في مخيمات البؤس، لم يكن ذلك ليؤثر على مشاعر الكبرياء والعزة التي تنطوي عليها نفوسهم المكلومة، فهم يعيشون حياتهم بكل ما أوتوا من عناد وصبر وإرادة. يزاولون شتى أنواع المهن الشريفة، بغية الحصول على مايقيهم لظى الحاجة،ويحميهم من ذل السؤال.

 *

فهاهي ذي "زليخة"  في "نشيد الحياة" لم تتأثر اقتصادياً بهجر زوجها لها، إذ تابعت، بأسلوبها الخاص، ممارسة حياتها اليومية بكل مافيها من عناء وشقاء. تربي الدجاج في محيط منزلها، وتمارس أعمالاً مناطة، على الأغلب، بالرجال، إذ تقوم بطلاء حيطان منزلها بالشيد الأبيض، وتعمل خارج المنزل في قطف الثمار، وتصفيف البرتقال، بمركز البراد عند أحد الأثرياء( ).

*

وتلك "سليمة الحاجة" في "بوصلة من أجل عباد الشمس"، يتوفى زوجها ويلتحق ابنها الوحيد بالعمل الفدائي، وتبقى وحيدة بلا أنيس أو جليس، إلا أمراضها التي تكاثرت عليها بفعل القلق الممض، والمعاناة المرة، والهموم المتزاحمة في دهاليز دماغها وزوايا نفسها. ومع ذلك نراها تقوم بأعمالها الاعتيادية، (وكأنها مازالت تتمتع بالعافية. تشتغل بالإبرة، وتبيع قطعها البسيطة، وتواصل أهازيجها وأغانيها القديمة، مستنكفة عن قبول المساعدة من أحد)( ).

***

هكذا شكل عمل المرأة الفلسطينية الضمان الأساسي، لحياتها وحياة أسرتها. حفظت به كرامتها، وصانت شرفها، وتمتعت بحريتها الحقيقية، ووقفت مع زوجها جنباً إلى جنب، تعمل وتكافح من أجل تحقيق حياة أفضل. ورفعت عبئاً ثقيلاً عن أولادها، فيسرت لهم السبيل لممارسة العمل الثوري، والتحصيل العلمي الذي أخذ يؤتي ثماره على الصعيد العسكري والسياسي  والاجتماعي في المراحل التالية للخروج الثاني.

 

4- المرأة والتعليم:

خطت المرأة الفلسطينية بعد النكبة الأولى 1947- 1948 خطوات واسعة في مجال العلم. وانفتح أمامها مجال العمل على مداه الواسع، ولاسيما (في حقول التعليم والوظائف ذات الطابع الاجتماعي. وأصبحت الفتاة الفلسطينية تترك أهلها وتسافر وحدها لتعمل كمدرسة أو موظفة في دول الخليج العربي. واعتبرت في هذا المجال رائدة وطليعية بالنسبة للمرأة العربية، التي لم تصل آنذاك إلى هذا المستوى من الحرية والجرأة في الدخول للحياة الاجتماعية، لتعمل بعيدة عن وطنها وأهلها.

وفي مطلع الستينات، أخذت تبرز ظاهرة جديدة وملحوظة حول إقبال المرأة الفلسطينية على العمل بحماس ورغبة منقطعة النظير. فقد تضاعف عدد المنتسبات للجامعات. كما وأن مئات من الفتيات أنهين دورات تمريض وخدمات عامة في العديد من البلدان الاشتراكية، وأصبحت ظاهرة افتتاح المشاغل، ودور تعليم الحرف، ومحو الأمية، ظاهرة عامة في أماكن تجمعات الفلسطينيين... إلى جانب نشاطها المرموق في السياسة، حتى في الكفاح المسلح)( ).

هذا التحول والتطور الذي طرأ على المرأة الفلسطينية، بفعل حركة الواقع الفلسطيني الناهض، سواء داخل الوطن المحتل أو خارجه، شهدت له الرواية الفلسطينية، واحتفلت به وأكبرته، ذلك أن الروائيين الفلسطينيين، وانطلاقاً من مواقفهم التقدمية، كانوا من أبرز المناصرين لقضية المرأة، للإعلاء من مكانتها، وإبراز دورها المؤثر في بناء المجتمع وتطوره، وفي عملية النضال من أجل التحرير على المستويات كافة. لذلك قلما نجد رواية فلسطينية تخلو من شخصية نسائية عاملة أومتعلمة.

*

 ففي "برقوق نيسان" (1972) يقدم كنفاني صورة مشرقة لفتاة فلسطينية تدعى "سعاد وقاد" تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، إذ كان والدها موظفاً صغيراً في دائرة النفوس في الضفة الغربية، وبفضل ما أوتي من وعي وشجاعة، تمكّن من إرسال ابنته إلى جامعة دمشق عام 1962 لتدرس الآداب، وبعد أن التحقت بكلية الآداب لمدة سنة واحدة، عادت والتحقت بقسم العلوم السياسية( ). تماماً كما فعلت زينب، ذات المنشأ القروي، في رواية أبي شاور "الرب لم يسترح في اليوم السابع"، إذ درست العلوم السياسية في أمريكا، وعادت لتمارس العمل الوطني في صفوف المقاومة، ولاشك أن اختيار كل من "سعاد" و"زينب" لهذا النوع من العلوم، كان مدروساً بعناية فائقة، إذ ساعدهما فيما بعد، على العمل المثمر الفعال في التنظيمات الفدائية التي انضمتا إليها.

*

وفي "العشاق" تطالعنا "ندى" ابنة الفلاح البسيط، التي تمكنت من إكمال تعليمها بدعم والديها القرويين وتشجيعهما لها. وأصبحت معلمة في مدرسة المخيم. ومالبثت أن خطت خطواتها الأولى على درب العمل الثوري بتشجيع خطيبها لها، وقد كلفها بنقل رسالة شفوية إلى القيادة في عمان.

*

ونقع في "الصبار" و"عباد الشمس" على أكثر من شخصية نسائية متعلمة، فهناك نوار الكرمي التي تدرس في دار المعلمات، ولينة الصفدي المثقفة الثورية. ورفيف الصحفية التي تحرر زاوية المرأة في مجلة البلد في الضفة. ومن الملاحظ أن كلاً منهن قد اختارت عملاً تسهم، من خلاله... في بناء المجتمع وتقدمه، وفي عملية النضال الوطني. فالتعليم والصحافة يتيحان للمرأة التخاطب والتواصل مع أكبر عدد ممكن من أبناء الوطن، والتأثير فيهم. وهذا يتطلب منها جهداً مضاعفاً في سبيل نشر الوعي، وتنوير العقول، وبث روح النضال في النفوس.

*

وتقدم ليانة بدر في "بوصلة من أجل عباد الشمس" أمثلة مدهشة لنساء فلسطينيات متعلمات وعاملات، وتبرز الدور الخطير والفعال الذي حققنه على صعيد مجتمعهن في مخيم صبرا وشاتيلا في لبنان. إذ تابعت عملية تكوينهن الثقافي، وتحصيلهن العلمي منذ كن في المعهد. ووقفت على أنشطتهن الثورية أثناء متابعة دراستهن، وبعد تخرجهن مدرسات ناجحات يمارسن الثورة قولاً وفعلاً.

فها هي "جنان" تتخرج من معهد المعلمات. وتؤسس، بالتعاون مع رفاقها المثقفين المناضلين داخل المخيم، بعض المراكز والجمعيات والتنظيمات الحرفية والصحية والثقافية، وتمارس من خلالها نشاطاتها التعليمية والتمريضية والعسكرية. فتعلم النسوة (وضع الضماد على الجرح، أو فك الحرف الذي استعصى عليهن قروناً، كي لا يكتبن الرسائل لأحبائهن كما قال أهلهن)( )، وتقرأ أمامهن أسماء مدن فلسطين الغائبة على الخارطة. وتشرح لهن الأوضاع السياسية الراهنة. وتنظم للفتيات دورات لتعلم الخياطة والدفاع المدني والإسعاف، والتدريب على السلاح، وسوى ذلك( ).

 

لقد سعت الروائية، من خلال بطلتها "جنان" إلى تقديم صورة إيجابية للمرأة الفلسطينية المتعلمة والمثقفة، التي لم تحتمِ خلف الشعارات والكتب والنظريات، بل زرعت نفسها في قواعد العمل الثوري. وغرست جسدها وفكرها في عالم المخيم، تمتص شجونه وعذاباته، وتتفاعل مع دموع أيتامه، ودماء شهدائه، وعرق كادحيه، وقلق نسائه، وتمزقهن. تلملم عواطفها التي تمزقها، وتضبط انفعالاتها، لتعيد صياغتها من خلال العمل بينهم، فمعهم فقط تتلاشى هواجسها الخاصة التي تشل قواها، وتشتت تفكيرها. ومعهم فقط تشعر بالطمأنينة الداخلية والراحة النفسية. فتحاول بما أوتيت من إمكانات ووسائل، ومن خلال التعاون مع بعض رفاقها في الهم الإنساني والكفاح الوطني، أن تبني مجتمعاً متماسكاً واعياً، يليق بالدور المقدس المناط به، وهو النضال الدائب  والمستمر ضد أشكال العدوان والظلم والقهر والجهل والتخلف.

ومما لاشك فيه أن الشوط الذي قطعته المرأة الفلسطينية في مجال العلم والعمل قد واكبته بعض الصعوبات أو العثرات، وبصورة خاصة داخل الوطن المحتل. ولكننا لا نكاد نقع في معظم الروايات التي شملها البحث، على تلك الصعوبات التي واجهت المرأة أثناء تحصيلها العلمي، أو بعد تخرجها، وكل ماعرضته الرواية في هذا الموضوع يشير إلى عزم المرأة وإصرارها على التعليم والعمل، ولكن نستثني من تلك الروايات رواية "الصبار" لسحر خليفة و"الصورة الأخيرة في الألبوم" لسميح القاسم، إذ وقفت رواية "الصبار" على المشاكل التي يتعرض لها الطلاب الفلسطينيون (الذكور) من قوات الاحتلال، أثناء متابعتهم دراستهم، كما وقفت على مشكلاتهم بعد تخرجهم( ). كما أشار سميح القاسم في "الصورة الأخيرة في الألبوم" إلى المشكلة ذاتها. فأسقط الضوء على حال المثقف الفلسطيني بعد حصوله على أعلى الشهادات، إذ تغلق أبواب العمل المناسب في وجهه، وينتهي إلى العمل في وظائف وضيعة، لا تليق بمؤهلاته العلمية والثقافية( ).

ونخلص مما تقدم، إلى أن الروائيين الفلسطينيين وقفوا بدقة وأمانة على مجمل القضايا الاجتماعية التي تمس المرأة مساً مباشراً. فسلطوا الضوء على الآفات الاجتماعية التي عاشتها المرأة وعانت منها، ووجهوا سهام نقدهم نحو السلبي من العادات والتقاليد، بهدف خلق البيئة الصالحة التي تتيح لكل الأفراد أن يسهموا في عمليتي البناء والتحرير.

ولدى تناولهم لقضية الحرية، وجدنا أنهم ربطوا بين الحرية الفردية وحرية الوطن، ورأوا أن الأولى لا يمكن أن تتحقق بمعزل عن الأخرى.

 وأثناء معالجتهم لقضيتي العمل والتعليم، تبين لنا أنهم كانوا من أبرز المناصرين لقضية المرأة العربية- الفلسطينية، للإعلاء من مكانتها، وإبراز دورها الفعال في بناء المجتمع وتقدمه، وفي عملية النضال من أجل التحرير.

 

 

 

الفصل الثالث المرأة والوطن

تمهيد.

(شاركت المرأة الفلسطينية في الثورات والانتفاضات الوطنية قبل عام 1948، إلا أنّ دورها كان مقصوراً على تقديم حُلاّها وذهبها لشراء السلاح، وأدوار أخرى ثانوية. كنقل المعلومات البسيطة أو إخفاء المجاهدين)( ). ثم أخذ هذا الدور ينمو ويتطور بفعل الظروف التي عاشتها المرأة بعد النكبة، إلى أن انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني عام 1965، التي شرّعت أبوابها للمرأة لتنخرط في صفوفها، ولتمارس دورها النضالي على جميع المستويات الوطنية والثقافية والإعلامية والصحية... وتسهم مساهمة فعّالة، إلى جنب الرجل في صياغة مستقبل الوطن. فأثبتت كفاءة عالية في تحمّل مسؤولية النضال. وعبّرت عن حيوية المجتمع الفلسطيني، وقدرته على التحوّل الإيجابي تبعاً للظروف( ).

 

وقد جسّد الروائي الفلسطيني في رواياته هذا الواقع الموّار بالحركة الإيجابية المتصاعدة للمرأة، وفق رؤية فنية واعية. فقدّم صوراً متنوّعة للمرأة الفلسطينية، وهي تمارس كل أشكال النضال، وتشارك في صنعه، سواء أكان ذلك داخل الأرض المحتلة أو خارجها.

 

1- نضال المرأة داخل الوطن المحتل:

- مواجهة سياسة تهويد الأرض:

 واجه الفلسطينيون الذين بقوا على أرضهم وصمدوا بعد الاحتلالين (1948-1967) شتّى صنوف القهر والاضطهاد والعسف من المحتلين الصهاينة، لإجبارهم على الرحيل، وترك أراضيهم وممتلكاتهم، بهدف تهويد الأرض الفلسطينية، وإقامة المزيد من المستوطنات فيها، ومن بين الضغوط التي مورست عليهم: مصادرة الأراضي، والاعتقال والتعذيب والقتل والإبادة والتهجير والحصار... ومع ذلك، ورغم كل ممارسات العنف والإرهاب، استطاع قسم كبير من الشعب الفلسطيني الصمود في وجه جبروت الاحتلال، وصلفه وهمجيّته، مسجلاً في ذلك أسمى مراتب البطولة والفخار.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف كانت علاقة المرأة الفلسطينية بوطنها في الداخل؟!

 وماهو الدور الذي قامت به؟! وكيف تعاملت مع الظروف الراهنة التي يفرضها واقع الاحتلال؟!

لاشكّ، أنّ مواقف النساء اللواتي بقين في ظل الاحتلال، قد تنوعّت تبعاً لطاقاتهن ووعيهن وانتماءاتهن المختلفة. فاللواتي ينتمين إلى الطبقة الاقطاعية، أو البرجوازية، كن أكثر ميلاً إلى الاستسلام القدري- السلبي من غيرهن. سواء أكنّ من الجيل الأول (الجيل التقليدي)، أم من الجيل الثاني. فأم أسامة في رواية "الصبّار" شقيقة الإقطاعي الوجيه. تلح على ابنها العائد إلى الأرض المحتلة، بعد غياب خمس سنين، بدأت عقب حزيران 1967، أن يتزوج "نوّار" ابنة خاله، وأن يعمل في مزرعته التي سيصبح شريكاً فيها بعد أن يتوفّى خاله، وترث نوار حصتها من المزرعة. وتخاطبه حين ترى تذمّره من وضع البلد: (البلد بخير، وبكره يحلّها الحلال، ويمكن الصحفيين الأجانب الذين يزورون خالك يؤثّرون على أمريكا، وأمريكا تقول لإسرائيل انسحبي فتنسحب، أرأيت كيف أن الأمور ليست صعبة كما تتصوّر!)( ). فهي لا ترى مايجري داخل الضفة الغربية من أحداث واضطرابات، لأنها معزولة في عالمها الضيّق، بعيدة عمّا يجري للبلد وأهلها، تنظر إلى الأمور من خلال زاويتها الضيقة وتفكيرها المحدود، ووفق رغباتها ومصالحها الشخصية.

*

هذا الانغماس الكلي في الاستسلام والسلبية، لا يقتصر على "أم أسامة" وحسب، بل نجد شبيهه ينسحب على عفاف، سليلة الطبقة البرجوازية في "مذكّرات امرأة غير واقعية"، فقد استسلمت لهمومها الشخصيّة، بصورة تامة، وعاشت منغلقة على نفسها إلى أن انقلبت دودة حقيقية.

دودة لا تقوى على شيء إلا ممارسة الزحف. تسمع أخبار الوطن مصادفة فتهز كتفها وتقول:" يكفيني همّي( ).فهي أقل الناس إحساساً بمعاناة الوطن، وقسوة الاحتلال وضغوطه على عرب الأرض المحتلة، على الرغم من أنها عايشت سقوط الضفة عام 1967.

*

- مقاومة المرأة للصهاينة وعملائهم:

.... مثل هذه المواقف المضطربة، القلقة المشوشّة، من الوطن وهمومه، لا نجدها لدى نساء الطبقة الكادحة والمسحوقة، بل على العكس من ذلك، فقد حملت نساء هذه الطبقة، على عاتقهن، شعلة الصمود والكفاح والمقاومة...، وشاركن الرجل في كثير من المهمات الجسيمة التي قام بها دفاعاً عن الوطن، وتشبّثاً بالأرض.

ففي رواية "أيّام الحب والموت" لرشاد أبو شاور، التي تتحدّث عن الماضي الفلسطيني قبل عام 1948، تطالعنا شخصية "حلوة" الفتاة القروية الكادحة، التي وقفت في وجه الإقطاعي "هاجم العواونة"، أحد رموز العمالة والخيانة، وأثارت الحميّة في نفوس أهالي قريتها، بغية التصدي العووانة، عملاء الأتراك، ومن بعدهم الإنكليز، الذين كانوا لا يتوانون عن بيع الأراضي لليهود من أجل مصالحهم المادية والشخصية. كما كانوا يعيثون في قرى فلسطين فساداً، يسخّرون أهلها رجالاً ونساء لخدمتهم، ويملؤونها بالرعب والفزع كي يضمنوا السيطرة على الفلاحين، وتسخيرهم للخدمة في أراضيهم، ومن ثم أخذ الأتاوة منهم، والمتمثلة في مقاسمتهم محاصيلهم وأغنامهم( ).

ولم تكتفِ "حلوة" بتأجيج نار الحقد والثورة في قلوب الأهالي وحسب، بل فعلت الشيء ذاته مع شقيقها "محمد أبو عمران". إذ وقفت إلى جانبه في دفاعه عن القرية. واستنهاض همم أهلها؛ واستثارة نخوة رجالها، وحثّهم على (أن يهبّوا هبّة رجلٍ واحدٍ، وأنّ يشيلوا الضيم عن رؤوسهم، أو يموتوا رجالاً على أن يعيشوا نساء)( ).

وحين ينقضّ "محمد أبو عمران" على هاجم ويقتله، ويستشهد هو الآخر في سبيل العِرض والكرامة، تحوّل أخته ضريحه إلى مقام، وتتزوج من رجل يماثله في صفاته النفسية والجسدية والخُلقية، وتنجب منه أبطالاً يكونون امتداداً لها وله. فيتصدون لهجمات الصهاينة وعملائهم، على الرغم من إيمانهم بضعف إمكانية نجاح هجماتهم، ولكن حسبهم أنهم (يمدّون أجسادهم جسراً للآتين، ليعبروا صوب النصر والعدالة والحرية، مجّسدين باستشهادهم ما آمنوا به)( ).

هكذا تقف المرأة الفلسطينية إلى جانب الرجل، في وجه عدِّوها الطبقي الذي يحاول اقتلاعها، واقتلاع أبناء الوطن، من الأرض، أو استغلالهم لأهدافه، وهو يسعى لأن (يختصر الوطن في مصالحه، فيتعاون من أجلها مع العدو القومي)( ). بدءاً من الأتراك، ومروراً بالإنكليز، وانتهاءاً بالصهاينة.

 

- التشبث بالأرض:

وإذا كانت المرأة الفلسطينية، قد وقفت في وجه عدوها الطبقي، منذ ماقبل عام 1948، فإنّها كذلك قد وقفت، وبصورة مشرّفة، في وجه عدّوها القومي منذ نكبة 1948، إلى يومنا هذا. وقد قدّم الروائيون الفلسطينيون صوراً متعددة للمرأة، ولدورها في العمل النضالي الوطني، مواكبين بذلك حركة الواقع الاجتماعي والسياسي. ففي زمن النكبة وماقبلها كان دور المرأة يكاد ينحصر في إطار التعبئة والتحريض، إذا كانت تقف إلى جنب زوجها في أيام الشدة والمحن، تؤازره، وتشد على يده، وتتحمّل معه أعباء الحياة. تعمل في الحقل إلى جانبه، وتربّي أطفالها، وتحافظ على ماتدّخره، ليكون عوناً له ساعة الحاجة، واضعة كل إمكاناتها الذاتية المتوافرة بين يدي زوجها. على الرغم من إدراكها بأنّ حجم المؤامرة أكبر من هذه الإمكانات المقدّمة، ورغم ذلك لم تتوان عن بيع حليها، لشراء السلاح المتوافر، ليدافع مع الرجال عن الأرض والوطن والوجود، وهذا مانلمسه في روايتي أبي شاور "أيام الحب والموت" و"العشاق". حتى إذا ما سقط الزوج شهيداً، حملت الزوجة عبء الرسالة بأمانة، وسارعت إلى تنفيذ وصيته لها، وذلك بزرع بذرة النضال في وجدان أبنائها، ليكملوا مسيرة أبيهم.

 *

ففي "أيام الحب والموت" يوصي الشهيد "أبو محمود" ببندقيته إلى زوجته، فيسلّمها لها خالد ابن الشهيد عبّاس الشتايرة، عندئذ (سكتت النسوة. ارتفع صوت بكاء الطفل محمود.

أخرجت المرأة مفتاح بيتهم من عبّها، فتحتُ قبضة الطفل الصغيرة، وضعته بين أصابعه، كانت البارودة ممددّة أمامها، وكأنها الرجل وهو نائم، حبا الصغير قليلاً.. أهوى... المفتاح على حديد البندقية فخرج صوت معدني قوي.. ترافق صوت الصغير با... با... آبا... سكتت النسوة، أخذن يمسحن دموعهن، وهن يراقبن الطفل والبندقية والمفتاح"( ).

لاشك أنّ الكاتب يريد عبر هذا المشهد، أن يؤكد دور المرأة، في هذه المرحلة. ويكمن هنا الدور في الربط بين الأبناء والوطن والبندقية. فهي الجسر الذي يربط بينهم. وعلى عاتقها تقع مسؤولية زرع بذور المقاومة والكفاح في وجدان ابنها. هذه البذور التي ستنمو في مرحلة لاحقة، لتتحول إلى فعل سياسي عسكري منظّم وواعٍ، كما نجد ذلك في "العشّاق". ففي هذه الرواية، يُكمل الأبناء مسيرة الآباء، بمباركة الأمهات وتشجيعهن، وحثّهن على المضي قدماً في رحلة النضال الشاق والطويل، فنجد "أم حسن" التي جندلت أخاها رصاصات الغدر الصهيوني، تهمس  لابنها ورفيقه (محمود) اللذين كفّا عن الكلام، حول عملية تصفية الدورية الإسرائيلية، عندما شاهداها قادمة: (إذا كنتما تفعلان ما أفكر به، فسوف أخلع ثياب الحداد)( ). فيجيبها محمود بثقة وأمل وحب وحماس:(يا أم تستطيعين أن تخلعي ثياب الحداد. عندئذٍ أخذت ابتسامتها تتسع، ومن عينيها سالت دموع غزيرة)( ).

*

وإذا كان أبو شاور، وهو أحد الكتاب الفلسطينيين البارزين الذين يعيشون في الشتات، بعد عام 1967 قد استطاع أنْ يقّدم صورة دقيقة وأمينة لعلاقة المرأة بوطنها قبيل الاحتلال الثاني، وأثناءه، فإنّ أميل حبيبي الذي عايش مأساة شعبه من بداياتها، وشهد الاحتلالين الأول والثاني، وأدرك سياسة العدو التي تقوم على العنف والتوسّع، قد قدّم عرضاً تفصيلياً لهذا الواقع، فكانت (أعماله تسجيلاً متفاعلاً واعياً ليس لزحف الطوفان المدّمر، وإنّما للتصدي له بالحيلة والعنف والفكر والفن)( ). إذْ تصوّر أعماله الروائية من جملة ما تصوّره، واقع المرأة العربية- والإنسان العربي عموماً - تحت الاحتلال، فيقدّم صوراً متنوّعة لصمود المرأة، ومقاومتها كل أنواع القهر والإرهاب التي مارستها الصهيونية، بهدف ترحيل العرب، أو تقليص وجودهم إلى أبعد حدِّ ممكن.

ففي اللوحة الثالثة من "سداسية الأيام الستة"(1969)، نقع على شخصية "أم الروبابيكا" وهي امرأة، ذات ابتسامة لطيفة، تفهم بالشعر والسياسة، كانت تُلقّب بملكة الوادي غير  المتوّجة. أصرّت على البقاء مع والدتها المقعدة، حين نزح زوجها وأخذ أولادهما معه في سفر الخروج الأول 1948، وحين توفيت والدتها بعد خمس سنين من ذلك. رفض زوجها التعرّف عليها، وأظهر عدم رغبته في عودتها إليه، كما أكدّت هي أيضاً عدم رغبتها في هجر بيتها، وكان أهل الوادي يتغامزون عليها، ويبربرون بأنّ في الأمر حكاية حب، إذ من غير المعقول أنْ تبقى في الوادي لغير هذا السبب( ). (وكان إصرارها على البقاء يبرر بسؤال كبير لمن يسألونها: لماذا كان من المعقول بقاؤكم أنتم أنفسكم؟! أمّا لماذا بقيّتْ فقد اتضح الأمر، لقد بقيت لتجمع الذكريات التي  تركها أهلها ورحلوا). تبيع ماسحبت يداها من أمتعة، وتبقى مع الكنوز، بانتظار عودة أصحابها إليها.

 

(أما كنوزها فتتكّون من كتب الفارابي، ومن رسائل الأبناء والمحبّين إلى ذويهم وأحبابهم)( ) وكانت إذا اعتقل أحد أبناء الوادي (أسرع من أمّه إلى زيارته، وحمل الطعام إليه، وغسل قمصانه، عشرون سنة أكلت نيرانها ما اختزنته من حطب سفينتها المبحرة نحو كنوز الملك سليمان. كل شيء باعته سوى كنوزها. وهذه النيران أحرقت شعرها، فشاب، ولكن ابتسامتها بقيت خضراء، لم تفحمها النيران)( ).

... لقد حافظت "أم الروبابيكا" على كنوزها، مؤمنة بعودة أصحابها إليها، رافضة الهجرة، ملتصقة بتراب واديها، مشيرة بذلك إلى (أنّ إثبات الذات القومية- العربية في مواجهة الغزوة الصهيونية، يتطلّب تشبثاً بالجذور وارتباطاً بالماضي العربي، في وجهه المجيد، تاريخاً وتراثاً)( ).

وفي اللوحة الخامسة من السداسية أيضاً، نلتقي صورة أخرى، من صور الصمود والتشبث بالأرض، إذ تحكي اللوحة عن فتاة من الجليل، غادرت الأرض المحتلّة عام 1948، إلى لبنان مع زوجها وأولادها، وعادت بعد عشرين سنة إلى أرضها، بتصريح زيارة لمدة أسبوعين، لتزور أمّها العجوز المقعدة، التي رفضت الهجرة، وبقيت في أرضها، محتفظة لابنتها بالخرزة الزرقاء، ولحفيدتها بثياب ابنتها، وكأنّها بذلك تحتفظ بذكريات الماضي الجميل، وبالأمل في أن يعود الغائبون إلى أرضهم ووطنهم( ).

هذا التعلّق الحميمي بالمكان، والالتصاق بالأرض، هو الذي دفع "أم سعد" في رواية المتشائل (1974)، إلى البقاء في مكانها طوال تلك الفترة الممتدة بين الاحتلالين (1948-1967) فبقيت نكسة تكنس كنيسة الكاثوليك دون كلل أو ملل.

 

وفي الرواية نفسها، يدفع الإصرار والصمود "يعاد الأولى" إلى العودة إلى الوطن متسلّلة، بعد أن انتُزعت من بيت سعيد عنوة، وألقيت خارج الحدود. لكنّ إقامتها لم تكن لتطول أيضاً. إذ يكتشف جنود الاحتلال أمرها، فيداهمون بيت حبيبها الذي لجأت إليه، ويجرجرونها إلى الخارج، بعد معركة حامية، ظلّوا يدفعونها إلى الدرج (وهي تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها.. وعضّت كتف أحدهم فصاح من الألم وولّى بعيداً، وظلّوا يدفعونها، وهي تقاومهم وتركلهم حتى ألقوا بها في فناء الدرج، فهبطت على قدميها منتصبة القامة ورأسها في السماء... فتكاثروا عليها، ودفعوها أمامهم إلى سيارة.. وهي تنادي بأعلى صوتها: سعيد، ياسعيد، لا يهمّك، فإنني عائدة!”.( ) ويتحقق وعد "يعاد" بالعودة، ولكن هذه المرّة عبر ابنتها "يعاد الثانية" التي تعود لتقول لسعيد، حبيب أمها، إنّ الأمور هذه المرّة قد تغيّرت تغيّراً جذرياً، ليس بفعل الصهاينة، ولكن بفعل صمود عرب الداخل الذين ازدادوا وعياً، ومعرفة بواقعهم، وأدركوا أنّ المقاومة، بكل أشكالها المعرفية والقتالية، هي السبيل الأنجع والوحيد لتحقيق أهدافهم المنشودة، وإذا ما اضطُر أحدهم إلى مغادرة أرضه عنوة، فإنّه يرحل، وأمل كبير يحدوه بالعودة إلى الوطن، تقول يعاد الثانية لسعيد، الذي أظهر جزعه، وخوفه من أنْ تغادره يعاد الصغيرة، كما غادرته أمُّها، منذ عشرين سنة: (الماء لا يترك البحر ياعمّاه، يتبخر ثم يعود في الشتاء، ويعود أنهاراً وجداول. ولكنّه يعود)( ).

*

وتقدّم رواية "اخطية" (1985) للكاتب نفسه، نموذجاً أكثر غنى وعمقاً للمرأة الفلسطينية الصامدة، في الأراضي المحتلة، وقد تجلّى صمودها في المحافظة على المكان، وعدم الاندماج مع واقع الاحتلال، فجاءت شخصية "اخطية" أكثر تطوراً من شخصية "أم الروبابيكا"  في السداسية( ). ففي الوقت الذي هجر فيه سكّان شارع عبّاس منازلهم، بقيت "اخطية" مع أخيها عبد الرحمن، وهو يمثل (الجزء الواعي من شعب فلسطين، الذي أصرّ على البقاء في أرضه (كما أصرّت هي) بانتظار الصحوة التي يتم خلالها اكتشاف وجوده، وهو هذا الجزء الذي.... تشبّع بروح الثورة)( ).

***

- التكاثر:

 ولكي يحافظ العنصر العربي على وجوده واستمراريته، وعدم تناقصه في ظل حملات الإبادة الجماعية التي يرتكبها أعداؤه الصهاينة، داخل الأرض المحتلة، وفي ظل ممارسات التهجير والطرد المستمرّين، كان لابدّ له من اللجوء إلى التكاثر، الذي يشكّل، تحت الاحتلال، شكلاً آخر من أشكال الكفاح. وهنا يبرز دور المرأة- الأم، في تحويل الحمل والولادات المتكرّرة إلى سلاح آخر، أكثر مضاء وقدرة على بث الخوف في الكيان الصهيوني، متحمّلة أقسى أنواع الآلام، معرضةً نفسها للعديد من الأخطار، متحدّية العذاب وآلام المخاض، لأنّها بولاداتها المتكررة، تخلق  (جيلاً جديداً، يستطيع أن يخطو خطوات أوسع في التحدّي، فيكثر الناس، والبلد تكبر، ليكبر الغزو من الداخل)( ).

مثل هذا الغزو، يجعل العدُّو يعيش حالة دائمة من الرعب الحقيقي، وهو يلمس هذه الظاهرة (كثرة الأولاد) وقد (صارت... حالة طبيعيّة في حياة الفلسطيني، تحت الاحتلال، حتى ملؤوا السهل والجبل، وكل حارات المدن الضيّقة، ليشكلوا أحد عوامل الإزعاج التي يتعرّض لها الاحتلال)( ). ففي "الصبّار" تقدّم سحر خليفة صورة حيّة لإحدى حالات منع التجوّل، وتصدّي الأطفال الصغار لها، ودورهم الهام - على الرغم من صغر سنهم - في استفزاز الجنود الصهاينة: (فتحت سعدية الباب وهي تصيح... روحوا فقّعوا اليهود.. وفتحت أم صابر الباب، وأطلقت سراح الأولاد... وخرج الأولاد من كل بيت، ووقفوا في الزوايا المعتمة كالفئران. يتطلّعون نحو الجنود ويتغامزون ويضحكون... ركض أحدّ الصبية من بيت لآخر. فانتهره جندي وناوله شتيمه،  فتردّدت أصداء ضحكات الأولاد.. وردّدوا الشتيمة بنغمات مختلفة. وربط أحدهم علبة بندورة بذنب قطة وأطلقها. واستدار الجندي شاهراً سلاحه. وتردّدت ضحكات الأولاد، وقد أعجبتهم اللعبة...  أمسك الجندي بصبيّين من عنقيهما كزغلولين منتوفي الريش، وأركبهما في سيارة الدورية، بعد أن أشبعهما صفعاً، والبنات يُطبّلن على علب السمن الفارغة، والصبيان يهتفون: ثورة  ثورة حتى النصر)( ).

***

- مقاومة الفتيات والأطفال لقوات الاحتلال:

هؤلاء الأطفال الصغار الذين ولدتهم أمهاتهم في ظل الاحتلال، سيكونون أكثر استفزازاً  للسلطات ممن سبقهم، ذلك أنّهم بدؤوا يعون، من خلال مراحل نموهم، أن قدرّهم هو أن يقاوموا الاحتلال. لا فرق في ذلك بين الذكور والإناث. لذلك لا نعدم وجود هذه الشخصيات الفتيّة المناضلة في رواية الأرض المحتلة( ).

*

ففي لوحة "العودة" من سداسية الأيام الستة. يطرد العدو فتاة في الثانوية من مدرستها، لأنّها اشتركت في مسيرة الأربعاء العظيمة. كما يقوم باعتقال خطيبها لاشتراكه معها في المسيرة نفسها. إذ حملا إكليلاً من الزهر، وكان خطيبها قد تعرّف عليها في مظاهرة سابقة قامت في بلده. وانتهت اللوحة، والفتاة أمام باب السجن تنتظر خطيبها المعتقل.( )

*

 وتتحدّث "المتشائل" عن كثير من أبناء الأرض المحتلة من (فتية وفتيات لم يخنعوا... تحمّلَوا طول ليلٍ، فحملوا الشمس فوق جباههم. ما استطاعوا من أرض إلا إلى زنزانة.  وماهدموا عليهم بيتاً، إلا بعد أن هدّموا عليهم أسطورة...)( ).

*

وتقدم "عبّاد الشمس" صوراً رائعة لفتيات يقاومن قوّات الاحتلال بالحجارة، ويمارسن ثورتهن ضد الأعداء على طريقتهن، من بينهن تطالعنا بنتُ أبي سالم التي (رشقت في المظاهرة حجراً فتح نافوخ الضابط، لحقوها من شارع لشارع، ومن زقاق لزقاق. وكل ماغابت عن عينيهم تنشقُّ الأرض عنها وتظهر.... مسكها الجندي... طارت من بين (يديه) مثل العصفورة، لحقوها في الزقاق، وطلعوا عليهم بقيّة العفاريت، وهات ياحجار وضرب بالمقاليع)( ).

***

- التضامن والتوّحد في وجه المحن:

ولم يقتصر دور الأمهات في ملحمة المقاومة، عند حدود الإنجاب والتنشئة والتعبئة والتحريض، فقد كنّ، في كثير من الأحيان، يشاركن أولادهن في المسيرات والمظاهرات، ويصطدمن مع جنود الاحتلال، ويشتبكن معهم بالأيدي، ويبادلنهم الشتائم والسباب والضرب وسوى ذلك. وكثيراً ماكان التضامن يظهر فيما بينهن، ولاسيما، في مثل تلك الأوقات العصيبة. ففي  اللوحة الرابعة من "السداسية" وتحت عنوان : "كيف أصبح لشاب واحد ألف أم؟!" يعرض إميل  حبيبي صورة مكثّفة مليئة بالإيحاءات والدلالات، لإحدى المسيرات في القدس، في الذكرى الأولى لشهداء حزيران، إذ تتّجه المسيرة، نحو مقبرة اليوسفيّة في يوم الأربعاء العظيمة، منطلقة من ساحة المسجد الأقصى، لوضع الزهور على القبور، فتتحرّش بها قوات الاحتلال، لتوقف تقدّمها، وتصطدم بالمسيرة، ويقبض جنود العدو على أحد الشباب الفلسطينيين، فتراه أمّه العجوز، فتصرخ: ولدي! فينقضّون عليها كي يجرجروها هي أيضاً، فينشق الهتاف من كل جانب: ولدي!  حتى لم يعرفوا أيّهن أمّه... كلّهن أمه... وتستمر المسيرة حتى تصل المقبرة فتوضع الزهور على القبور( ).

*

وتقدم "عباد الشمس" وجهاً آخر من أوجه تضامن النساء الفلسطينيات، والشعب  الفلسطيني بأكمله وذلك أثناء عرضها لردات فعل الفلاحين، إثر مصادرة قوات الاحتلال لأراضيهم واستيلائهم عليها، بعد إبادة المحاصيل، وقطع المياه، وتهجير الأهل. إذ يأمر الحاكم العسكري  كل ذكر من سن الثالثة عشرة، ومافوق بأن يذهب إلى ساحة المدرسة في القرية. وهناك تكوّم الرجال صفوفاً مرصوفة على الأرض، والجنود يعملون فيهم ضرباً وتنكيلاً. يستفزون هذا ويصفعون ذاك. وتظهر "سعديّة" التي صودرت أرضها، أيضاً، وهي تبحث بعيون أرهقتها الدموع، وأضناها السهر، عن ابنها رشاد بين الجموع، فإذا بها ترى (في كل الوجوه وجه رشاد)( ).

هنا يتوحدّ الشعب الفلسطيني، فيغدو لمئات الفتيان أماً واحدة، بعد أن انصهروا جميعاً في بوتقة النضال والصمود، وبعد أن أعلنوا حالة العصيان، بوجوه غاضبة تتحدى الأوامر: (همس الصوت بإصرار: واحد... اثنين... ثلاثة... وهبّ الرجال في وقفة واحدة، وصاح صوت قوي  "عصيان" واشتبكت الأصوات بالهتافات البعيدة... صاحت سعدية: ابني.. واندفعت تركض... لحقت بها النسوة، كل واحدة تصرخ ابني..."( ).

وفي مثل تلك الأوقات العصيبة، واللحظات الحاسمة،  والمواقف الجريئة، تتلاشى  الخلافات الصغيرة بين أبناء الجرح الواحد - كما هو الحال بين سعدية وجاراتها- وتتطهر القلوب، وتخلع النفوس ما علق بها من غبار البغضاء والكراهية، لترتّل نشيد التضامن والتعاون والألفة.

هذه المعاني هي التي تشيع الدفء، ليغدو بدوره وقوداً للحركة الإيجابية الصاعدة باتجاه المقاومة والتحرير.

***

- الصدام العفوي المباشر مع الاحتلال:

وإذا كان التضامن بشقّيه الوجداني والعملي البسيط، هو شكل أوّلي من أشكال علاقة المرأة بالوطن، وأحد أساليب مقاومة الاحتلال، فإنّ الصدام المباشر مع قوات الاحتلال، يشكّل بدوره أسلوباً أكثر تطوّراً في عملية النضال. وقد أبرزت الرواية الفلسطينية دور المرأة في مقاومة الاحتلال وممارساته الإرهابية، بدءاً من المقاومة بالسريرة، ومروراً بالصدام الجسدي الفردي، وانتهاءاً بالسجن أو الاستشهاد( ).

 فحين اقتحم الجنود الصهاينة بيت أم أسامة، بحثاً عن ولدها، شتمت أحد مستجوبيها في سرّها، معبّرة عن حقدها وغيظها، قائلة: (لا سلّم الله فيك موخز إبرة، يابن الحرام.. الله يسمّ  بدنك في ساعة هالمسا)( ).

وحين تبلغ أساليب البطش الصهيوني، حد المواجهة الفعلية مع المواطنين العرب، فإنّ  المرأة تواجه هذا البطش والعسف على المستويين الفردي والجماعي، كما فعلّت "يعاد" عندما جاء الجنود الصهاينة لترحيلها، فخاضت معه معركة شرسة، قبل أن يقذفوها داخل السيارة. وكذلك فعلت "خضرة" في "عبّاد الشمس" حين قاومت جنود الحتلال بعنف وشراسة، إثر توقيفها مع سعدية ظلماً، فتصدّت للجندي الذي ضربها، وسحبته إليها، (ورفسته بين رجليه، فتهاوى على الأرض.... وبسرعة فتحت فمها وأنشبت أسنانها بأنفه، وصرخ بصوت مختنق...)( ).

وليست سعدية في الرواية ذاتها، بأقل جرأة وقدرة من خضرة على المواجهة. فعندما اقتاد الجنود الصهاينة، ابنها، مع غيره من الفتيان والرجال إلى الساحة، ليمارسوا عليهم طقوس الذل  والوحشية والإرهاب. اندفعت نحو الضابط، وهي تصرخ بغضب مجنون: "ابني"، فصفعها، وتناثر شعرها. تراجعت خطوات، ثم هجمت. تشبثت بصدره. رفسته مابين الرجلين، بكل الحقد والمرارة وغضب القلب المغضون، وبدأت تضرب بالحجارة والحصى والتراب( ).

 

- المقاومة المنظّمة:

وإذا كان هذا النوع من المقاومة، يتسم بالعفوية. التي هي وليدة اللحظة الراهنة. فإنّ هناك نوعاً آخر أكثر تقدّماً وفاعلية وتطوراً، يدخل في إطار العمل السياسي السرّي المنظم، من مثل ماعرف بالخلايا الفدائية، التي سجلّت نشاطاً له تأثير كبير في الأرض المحتلة، ولاسيما في منتصف الستينات، ومابعد. وكان للمرأة الفلسطينية دورها المميز والفعّال في هذا الميدان، إذ أسهمت نظرياً وعملياً في العملية النضالية. وقدمت الرواية الفلسطينية صوراً متعدّدة  لتلك المهمّات الجليلة. والنشاطات السرية، التي قامت بها المرأة. فصورّتها وقد انخرطت في صفوف الثورة، فدائية، منظمّة للخلايا، مناضلة سياسية وقيادية بارعة، فأثبتت جدارتها وكفاءتها العالية في تحمّل مسؤولية الكفاح المقدّس.

 

ففي لوحة "الحب في قلبي" من "سداسية الأيام الستة" يقدّم إميل حبيبي صوراً عابرة ومعبّرة لفتيات مقدسيّات، كن يقمن بتهريب السلاح، والتستر عليه( ). وفي "العشاق" تطالعنا "ندى" المعلّمة المثقفة، حبيبة المناضل محمود، وهي تخطو خطواتها الأولى على درب العمل  الفدائي المنظّم، إذ يكلّفها خطيبها بنقل رسالة شفوية إلى القيادة في عمان، فتبدي حماسها الكبير، واستعدادها التام، للقيام بهذه المهمة( ). ويقدم كنفاني في "برقوق نيسان" صورة إيجابية مشرقة للمرأة المثقفّة المشبّعة بالفكر الثوري التي أسهمت مع إخوتها وأخواتها، في توجيه حركة المقاومة داخل الأرض المحتلة، وتفعيلها، وتنشيطها. (كانت (سعاد) تشعر بشيء من الاعتزاز حين كلفت بالقيام باتصال صغير في نابلس... وكانت القدرات التي أظهرتها في الاتصال، وفي العمل  هي التي أوصلتها في فترة وجيزة إلى مرتبة قيادية في نابلس)( )، كما أنّ تحليّها بالفطنة والذكاء، وسعة الحيلة، والحذر، قد أهلّها لتستلم دوراً قيادياً في الحركة.

فحين اعتقلت إحدى رفيقاتها في التنظيم. لجأت "سعاد" إلى منزل رفيقها زياد، متجاوزة، خلافاتهما الحزبية، واتّفقت معه على خطة ذكية، تستطيع من خلالها أنْ تحمي رفاقها من الوقوع في كمين الصهاينة( ).

*

وتقدم "الصبار" صورة مدهشة للمرأة المناضلة الواعية التي تعمل بجد وسرية وصمت،  وتعي مايدور حولها، وتصمد وتقاوم بشتى الطرق والوسائل.

فلدى عودة "أسامة" إلى الضفة، يلتقي بالسيارة امرأة في العقد الخامس من عمرها، لها صوت عريض، ونظرات نفّاذة، وجبيرة جبس حول ساعدها الأيسر، وحين يدور حوار حاد منفعل بين أسامة وأحد ركاب السيارة، تدرك بحدسها وذكائوها أنهما زائران لا مقيمان، وتجيب أسامة، رداً على لومة أبناء الأرض المحتلة الذين اندمجوا بواقع الاحتلال، ولم يعودوا يفكرون إلا بحياتهم اليومية: (أترى هذه الأرض الجديبة؟! ونظر من النافذة، ورآها جديبة بالفعل. قالت: كانت بياراتها تمتد حتى الجبل، وأحرقوها... حاولوا انتزاع البصمات (فيسألها) أية بصمات؟!  (تجيب): بصمات أقدام تمشي، وكانت الأشجار تمشي، وماذا بعد؟! ماعادت الأشجار تمشي،  لكن البصمات بقيت، فالأرض الجديبة ليست جديبة، أفهم أو لا تفهم أنت حر. ولكن دع فمك مغلقاً، واترك بصمة مكان وقوفك.. أو قعودك.). وحين نزل من السيارة التفتت ليودّعها، كانت قد اختفت، ولكنه رآها بعد ذلك بأيام في إحدى حارات المدينة القديمة من غير جبيرة( ).

 - السجن:

وتطالعنا في "الصبار"، أيضاً، صورة "لينة" المثقّفة، بمظهرها الصبياني وقدّها الصغير، وجدّيتها وصلابتها، وهي أخت المناضل "صالح" المعتقل في سجون الاحتلال. تنتمي  إلى إحدى الخلايا الفدائية، وتقوم بتوزيع المتفجرات والمناشير.. يتحدّث عنها "أسامة" بعد اغتياله الضابط الإسرائيلي:(حاذر ياباسل، المسألة جدّية، أنت تعرف العاقبة. لن أذكّرك بما أوصيتك به سابقاً. نصيحة نهائية. لا تقطع أي موضوع دون استشارة لينة. فتاة صلبة، لديها خبرة)( ).

وتكتشف أجهزة الأمن الصهيونية، انتماء لينة إلى خلية فدائية، فيطوّقون منطقة سكنها، ويسحبونها من فراشها في منتصف الليل، عقب عملية أسامة الكرمي التي استهدفت نسف باصات العمال. ويعبّر "باسل"، صديقها في التنظيم، عن مخاوفه إثر اعتقالها، ويتساءل: (ماذا لو حضر اليهود؟! ماذا لو حصلوا من لينة على اعتراف كامل؟!. التعذيب... أسامة... القبو...  الصناديق.. المناشير.... ما العمل؟! لينة إنسانّة صُلبة؟! هكذا قيل له، وقد تحتمل التعذيب، ولكن هل يحتمله هو؟!)( ).

هكذا يصبح السجن امتداداً لنضال المرأة الوطني، ومقياساً حقيقياً لمدى صلابتها وصمودها وقدرتها على التحملّ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه يفضح الممارسات الإرهابية التي تقوم بها سلطات الاحتلال تجاه المعتقلين والمعتقلات، ويعرّي أساليبها الوحشية في قمع السجناء وتعذيبهم جسدياً ومعنوياً، بغية تحويلهم إلى حطام أو بقايا كائنات، متجاوزة بذلك كل الأعراف والقوانين و القيم الإنسانية والأخلاقية.

*

ففي لوحة "الحب في قلبي" من "سداسية الأيام الستة" يلتقط إميل حبيبي مشاهد مكثّفة للفتيات المقدسيات اللواتي اعتقلن بتهمة تهريب السلاح. أو التستر عليه، فحشرن مع نسوة ساقطات، وأطفئت السجائر في أجسادهن البضّة، ومورست عليهن الإهانات ومحاولات الحط من الكرامة، وذقن لوعة الجوع إلى الحرية والكرامة الإنسانية، إلى الطمأنينة والأصدقاء والطعام والشمس والعطف، وعشن القلق الممض على الأهل، والخوف عليهم من العاقبة الوخيمة( ).

*

وفي "الصبار" يلفت انتباه أسامة العائد إلى الضفة الغربية، وهو مازال على الجسر، في نقطة التفتيش، صوت فتاة منبعث من غرفة تحقيق، وهي تصيح:(ياكلاب) فقد ضبطت وهي  تهّرب شيفرة تحت باروكتها، فكانت عاقبتها وخيمة عند الصهاينة...(وفجأة ارتفع صياح فتاة ما... وسمع دوي صفعات متلاحقة، وقف الشعر في رأسه)( )..... (وارتفع صوت الصراخ ثانية،  وبدأت الفتاة تشهق، والجندية الإسرائيلية تصيح: افتخ رجليك، افتخ رجليك، لازم أشوف جوّه....  وتلاحقت الفرقعات، ياكلاب، ياكلاب.....آ.....آ)( ).

 

لقد أصبح السجن في الأرض المحتلة مخيماً بأجوائه المقيتة على الحياة العامة، حتى بات (مثل الحصبة شرٌّ لابد منه)( ).  يتساوى في دخوله الذكور والإناث،  فهناك لينة الصفدي، و(نائلة ويسرى وأمل وفتحية ومريم) وغيرهن كثيرات من اللواتي غيرن المقولة المعروفة: (السجن للرجال) بسبب ما أثبتته من صلابة وبطولة وتضحية وصمود، إزاء كل محاولات التحطيم والإذلال المبرمج الذي تمارسه سلطات الاحتلال عليهن. ولذا تبدو المرأة المناضلة مستعدة لكل الاحتمالات، وقد هيّأت نفسها لمثل تلك الأيام السوداء، التي يمكن أن تكون فيها إحدى نزيلات السجن. تقول لينة: (السجن للرجال... ولا يعرف المرء متى يجيء دوره؟!)( )، وكأنها تدرك بحدسّها أنّ دورها لابد آتٍ.

***

هذه المواقف البطولية المشّرفة التي أبدتها المرأة تجاه قضيتها، من صمود ومقاومة وتعرّض للاعتقال والسجن والتعذيب، أسهمت كثيراً في تبوّئها موقعاً متميزاً في مقاومة الاحتلال،  وجعلت أولئك المترددين، من المثقفين اليساريين، الذين يؤمنون بالحل المرحلي للقضية، يشعرون بصغرهم أمام عظيم تضحياتها، فها هو ذا "عادل" بعد أن تناهى إليه خبر اعتقال "لينة"، يحدث نفسه، وضميره يؤّنبه: (الفتيات يعتقلن، وأنا جالس في هذا المقعد، وبعد لحظات سأجلس على الطاولة، وآكل كما يأكل الآخرون، وأشرب الشاي، وأبتسم، ثم أنام)( ).

*

ولابد هنا، ونحن نتحدث عن هذه المرحلة الشاقة، والمضنية من مراحل نضال المرأة،  من الإشارة إلى أن الرواية الفلسطينية، قد قدّمت صورة حيّة وأمينة ونقية للمناضلة السجينة، فنأت بها عن الانزلاق في مهاوي الانهيار أمام جلادها الذي لا يرحم، والمحقق المجرّد من الآدمية. والسبب لاشك، يعود إلى أن المرأة المناضلة تحمل في جوانحها أهدافاً نبيلة، وهي تعي تماماً هذه  الأهداف، وتؤمن بها، لذلك لا تحيد عنها، مهما لاقت من صنوف التعذيب الفظيعة.

وإذا كانت الرواية، قد أشارت إلى إمكانية انهيار السجينة واعترافها، فإنّها غلّبت إمكانية عدم الاعتراف أثناء التعرض للتعذيب، وهذا ما أشار إليه باسل حين قال:(لينة إنسانة صُلبة... وقد تحتمل التعذيب)( ).

***

وإذا كانت صورة المناضلة المنهارة، تحت ضربات التعذيب، قد اختفت من الرواية الفلسطينية، فإن صورة المناضلة المنتحرة، قد شهدت المصيّر ذاته أيضاً، ذلك (لأن الانتحار فرار من الميدان)( )، وتلك صفة لا تليق بالمناضلين. بل لا تليق قبل ذاك بالإنسان الفلسطيني، وهذا مايشير إليه "رشيد" في "الرب لم يسترح في اليوم السابع"، إذ يقول: (الفلسطيني... لا ينتحر، لا يحق له أن ينتحر، له من الأعداء مايبرّر أنْ يحصل على حيوات كثيرة وليس حياة واحدة ، فكيف إذن ينتحر؟!)( ).

 

وربما يعود السبب في غياب تلك الصورة من الرواية الفلسطينية، إلى انتفائها حقيقة على أرض الواقع. فتاريخ كفاح المرأة الفلسطينية الوطني والسياسي لم يسجّل، في حدود اطلاعنا، أي حالة من حالات اليأس والقنوط والإحباط، التي تقود المرأة في النهاية إلى الانتحار، داخل أقبية الزنزانات وسراديب السجن. بل على العكس من ذلك، سجل تاريخ كفاحها مواقف نضالية أغنت من خلالها: (صورة المرأة البطلة في الوجدان الشعبي الفلسطيني، بمفاهيم جديدة للشرف ممثلاً بأقصى حدود الفداء الإنساني)( ). إذ لم يعد مفهوم العرض لا الأرض قائماً، وإنما حلّ مكانه الأرض لا العرض،  فبعد شرف الوطن لا شرف للإنسان، و(أصبح للفضيلة معنى أوسع من حدود الجسد لتتسع لفضاء الوطن)( ).

 

هذا المعنى الجديد للشرف، آمن به الرجل الثوري، بمثل ما آمنت به المرأة. فلم يعد يرى  مايمنع عن انخراط الفتيات في العمل النضالي، على الرغم مما قد يتعرضن له من أذى أو اعتداء عليهن، بعد أنْ رأى ما أبدين من بطولات وتضحيات وصمود، خارج السجن، وداخله، هذا الصمود الذي كثيراً ما كان يُسهم في قلب السحر على الساحر، وذلك حين يتحوّل معنى السجن من  معناه المتعارف عليه، إلى معنى مليء بدلالات جديدة، غير مُتعارف عليها فـ (يصبح السجن موضوع ثنائية مفارقة تجمع بين افتقاد الحرية، وحرية اللقاء...)( ).

 

ففي اللوحة السادسة من "سداسية الأيام الستة" يطلعنا أميل حبيبي على رسائل فتاة مقدسية، في الثامنة عشر من عمرها، كتبتها في السجن إلى والدتها (تكشف رسائل الفتاة عن رغبة طاغية في الحياة...، وتفصح عن العلاقات الحميمية التي تتفجّر بين أبناء الشعب الواحد، تحت سقف  السجن. فالعلاقة التي تنمو بين الفتاة المقدسية، والفتاة الحيفاوية في ظل هذه الشروط، وتُساهم عتمة الجدران في نسجها، وربط وشائجها. هي الصورة المكثّفة لذلك النسيج الهائل من الوحدة الحميمة التي تتنامى، وتتكرس في حالة الحصار التي يمثّلها الاحتلال)( ). تقول الرسالة:  (فنحن نقضي الوقت في الغناء وفي سرد النكت والأحاديث الحلوة، وكثيراً ما أنظم الشعر. وصديقة أخرى تقول: ما أحلى هواء السجن، سجن الرملة، ليس مثل هواء نتانيا. فلا تقلقوا)( ).

هكذا يصبح السجن بفضل إرادة المناضلات، مصدراً للألفة الراسخة بين المعتقلات( )، (فينزاح عن دلالته الأولى الواقعة في أصل نشأته، من حيث هو فضاء مغلق يصادر حرية  المقيمين فيه، بالحجز والعزلة، ليعانق دلالة مفارقة تنتقل به إلى الطرف الثاني من المعادلة. حيث  ستختل القواعد المنظمة للمكان، وتصبح القرائن الخارجية وحدها هي المتحكمة في دلالته)( ).

 

- التسلّح بالعلم والمعرفة والوعي الثوري:

ومما لاشك فيه أنّ الذي مهدّ السبيل إلى ذلك التغيير هو الوعي والفكر والتجربة الحية، إضافة إلى الشجاعة والإرادة الحرة، والصمود والصبر والاستعداد للتضحية. وقد ركزت الرواية  الفلسطينية ولاسيما (رواية الأرض المحتلة على الوعي كثيراً، لأن الإنسان إذا لم يفهم واقعه،  وينقده، لا يستطيع التوّجه إلى الثورة عليه. وهذا الوعي، بطبيعة الاحتلال، وبطبيعة القوى التي تواجهه، قادر على أن يوقف معظم أساليب التكيف، التي تصب في طرف الاحتلال. كما أنه من ناحية أخرى، قادر على أن يجمع كل القوى التي تناضل ضد الاحتلال، وأن يستفيد من أقصى  طاقاتها، وأن يضعها في الموقع الصحيح والمؤثر)( ).

***

ولقد سعت الفتيات -وكذلك الفتيان- داخل الوطن المحتل، إلى تنمية وعيهن، من خلال  التحصيل العلمي من جهة، والانخراط في التنظيمات والأحزاب، وممارسة بعض النشاطات الاجتماعية أو السياسية- النضالية من جهة أخرى( ). وهذا ما نلمسه لدى وقوفنا على بعض الشخصيات النسائية الثورية المناضلة، أمثال "لينة الصفدي" في "الصبار" و"سعاد" في "برقوق نيسان" وغيرهما.

وإذا كانت "لينة" و"سعاد" قد امتلكتا المعرفة عبر التحصيل العلمي، والانتماء إلى أحد التنظيمات والأحزاب، فإن أميل حبيبي، يقدّم في "المتشائل" بعض الشخصيات النسائية، ممن امتلكن المعرفة، وتسلّحن بالوعي الثوري، من خلال الاستفادة من دروس الماضي وعبره، ومن الاحتكاك المباشر بالواقع اليومي المرير الذي صهرهن وصقلهن، فتوهّج وعيهن. وتعد "باقية"  خير مثال لهن، إذ نلمس وعيها المتطور من خلال حوارها الصريح مع زوجها، الذي تشركه في سر الصندوق. فتقول: (أصبحت أملي  ياابن عمي، وأنا أريد العودة إلى خرائب قريتي  الطنطورة. إلى شاطئ بحرها الساكن. أريدك... أنْ تتدّبر أمرنا، حتى نعود إلى شاطئ  الطنطورة خلسة، أو تعود وحدك فتنتشل الصندوق من مخبئه، فيغنينا مافيه عمّا أنت فيه. وأنا لا  أريد لأولادي أن يولدوا محدودبين، لقد تعوّدت ألا أتنفس إلا بحرية يابن عمي!"( ).

وحين يعجز زوجها (سعيد) عن انتشال الكنز، تخبر وحيدها "ولاء"  بسرّه، وتحمّله أملها، وتغّذيه بأفكارها الثورية التي تتناقض مع أفكار أبيه، ويشبُّ "ولاء" ويحقق أمل أمّه  وحلمها. ويشكل خلية فدائية سرية، مع اثنين من زملائه، وينتشلون (من كهف في غور صخري في بحر الطنطورة المهجورة، صندوقاً.. فيه سلاح، وفيه ذهب كثير)( ). ويتمرد "ولاء" على الدولة الجديدة. ويؤكد ولاءه لقضيته ولشعبه ولثورته، وليس للدولة العبرية كما أراد والده حين سمّاه...

وتلحق باقية ولدها الذي ثار على سلطات الاحتلال، محاولةً إقناعه وحمايته (بحبّها من ناحية. وبالوعي الذي كانت تحاول أن تنقله إليه من ناحية أخرى، حتى يتحول من التمرّد العفوي، إلى المقاومة الحقيقية)( ). وهنا يأتي ذلك الحوار الحار والمتدفق بين الأم الثورية وابنها المتحمّس، لندرك من خلاله، موقف كل منهما مما يجري. تقول باقية:(لو كنّا أحراراً ياولدي ما اختلفنا. لا أنت تحمل سلاحاً. ولا أنا أدعوكَ إلى احتراس. إنما نحن نسعى في سبيل الحرّية...  مثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريتها. فالفجر لا يطلع من ليله إلا بعدَ أنْ يكتمل ليلة، والزنبقة لا تبرعم إلاّ بعد أن تنضج بصلتها. الطبيعة تكره الإجهاض ياولدي...

- سئمت خنوعكم...

- لدينا فتية وفتيات لم يخنعوا، فاحذُ حذوهم، تحملوا طول ليل، فحملوا الشمس فوق جباههم.

- أين مكاني تحت الشمس؟!

- تحت الشمس.

أتظلين تحلمين بالجزر السبعة وراء البحيرات السبع؟!

- إنها جزرنا وبحارنا، والسندباد ياولاء كفَ عن رحلاته، وصار يبحث عن الكنوز في تراب أرضه.

- حياته على أرضه لا تُطاق.

- حين تصبح الحياة أرخص من الموت، يصبح ما أصعب من بذلها أن نعضّ عليها بالنواجذ...)( ).

 بهذا الحوار الحميمي الحار، والمقنع البديع (الملحمي... بحدّته، وتقطيعه ولهاثه.  بمباشرته التي تظل تمس صميم الوجدان)( ). يتضح الموقف الثوري لباقية، بصفاء رؤيتها، وجلاء موقفها المناهض للخنوع والاستسلام، الداعي للعمل الثوري والجماعي الواعي المنظّم والهادف.

وهكذا تجسّد "باقية" في موقفها من ولدها، وتوحدها معه، الوعي الثوري الحقيقي، في  أبهى تجلياته. وتؤكد انتماءها للأرض وللقضية، من خلال صمودها وبقائها مغروسة في تراب أرضها، وإصرارها  على انتشال الكنز، وتحقيق أملها الذي زرعته ونمّته في ابنها.

فـ (العنف الثوري، إذن، لا يجيء عفواً، إنه بحاجة إلى إعداد حتى ينضج فيؤتي ثماره الحقيقية. عندما تبدأ الثورة.)( ).

وتغيب باقية مع ولدها "ولاء" في الكهف، ويستطيعان الفرار، دون أن يُعثر لهما على أثر. قيل: (إنهما شُوهدا يتجهان نحو البحر... هذه تحتضنه، وهو يدعمها).( ) فيتوحدان معاً، ويغيبان في البحر (مخلفين وراءهما سراً من أسرار الدولة... سر المقاومة التي ولدت من رحم هذا الشعب، والتي نمت في ظل التاريخ... بحيث أنّ السرِّ لم يعد سرّاً)( ).

***

وإذا كان الروائي الفلسطيني، قد رصد وتتبع الدور الهام والفعال الذي قامت به المرأة الفلسطينية الصامدة داخل الوطن المحتل، ووقف على مستويات وعيها للواقع من حولها، ومقاومتها للاحتلال، وصوّر مجمل بطولاتها وتضحياتها، فإنّه، أيضاً، لم يهمل نضال المرأة العربية الفلسطينية في الشتات. إذ منحها حيزاً واسعاً في أعماله الروائية. فصوّر ماعانته من مرارة الغربة، وألم التشرد، ووقف على طبيعة علاقتها بالوطن، فجسّد صمودها ونضالها تبعاً لموقعها،  وعبّر عن شوقها وحنينها إلى مهد الطفولة، ومرابع الصبا، إلى فردوسها المفقود، ورصد كافة أشكال النضال الوطني الذي مارسته.

 

2- نضال المرأة خارج الوطن المحتل:

 أعقب الخروج الأول والثاني، تشرّد عدد كبير من العرب الفلسطينيين، ولجوؤهم إلى الأقطار العربية المجاورة، ليستقر بهم المقام في مخيمات اللاجئين التي أقامتها وكالة الغوث التابعة للأمم المتحدة. ولا يخفى على أحد نوعية الحياة التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في تلك  المخيمات. إذ ذاقوا مرارة الإحساس يفقد الوطن، وتجرّعوا لوعة البعد عنه، كما كابدوا شعوراً مترعاً بالودّ والحنين والشوق لأرضهم ووطنهم، في ظل الواقع البائس الذي يلّفهم حتى درجة الاختناق.

ولاشك، أنّ دور المرأة - الأم كان مضاعفاً آنذاك. إذ تحمّلت قساوة الظروف الطبيعية والمعيشية، وعانت من انعكاسها وتأثيرها على زوجها وأولادها. ولكنّها على الرغم من هذه الصعوبات، لم تستسلم أو تيأس، بل على العكس من ذلك، فقد وقفت مع زوجها في معركة الكفاح، وغرست في نفوس أبنائها بذور النضال. هؤلاء الأبناء الذين شكّلوا فيما بعد، طلائع حرب التحرير الشعبية.

 

- غرس بذور الثورة في نفوس الأبناء:

تعد شخصية "أم سعد" في رواية كنفاني المعنونة باسمها، من أبرز الشخصيات النسائية،  وأكثرها قدرة، وتعبيراً عن الدور النضالي للأم الفلسطينية، التي عاشت زمن الكبوة والعجز والوجع في مخيمات الأسى واللجوء، وشهدت انحسار مشاعر الإحباط واليأس التي سكنت نفوس اللاجئين على مدى عشرين سنة، بفضل بزوغ فجر الكفاح المسلح من جهة، وبفضلها هي أيضاً من جهة أخرى. لأنها، بحملها أعباء أسرتها أتاحت الفرصة لأبنائها لأن (ينصرفوا إلى العمل العسكري، فيلتحقوا بمعسكرات الفدائيين، لينطلقوا منها إلى داخل الحدود.. ودور كهذا، لا يمكن الاستهانة به، أو التقليل من شأنه، لأنّه الضمان الوحيد لاستمرار البندقية في اليد)( ).

وعلى الرغم من أهمية العمل بالنسبة لأم سعد، إذ يشكل المصدر الوحيد لرزقها ورزق  أولادها، تنقطع عنه لفترة وجيزة (بسبب قيام الحرب، وهذا يظهر مقدار ماتعنيه الحرب بالنسبة لها...  هي الأمل الذي عاشت... تنتظر حدوثه، لتنهي رحلة الضياع والغربة واللجوء.

 

كانت تتبع أخبار الحرب عن طريق المذياع، ولهذا، عندما انتهت الحرب بالهزيمة، قامت إلى الراديو تريد أن تحطمه لكن زوجها منعها من ذلك)( ). والسبب لاشك يعود إلى الانخفاض الملموس في معنوياتها، وشعورها الحاد بالخيبة، إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ سرعان ماتحوّلت الخيبة إلى إرادة وتصميم، قاداها إلى رحاب الفعل المجدي، إذ أرسلت ابنها (سعد) إلى المعسكر ليلتحق بالمقاومة.

 

 وكان لتنامي حركة المقاومة، بعد أن تحوّلت مخيمات البؤس والتشرد إلى معسكرات لتدريب جيل الثورة، وتزايد العمليات الفدائية داخل الأرض المحتلة، الأثر الكبير في نفسية أم سعد،  فانتعش أملها بالعودة، وتفاؤلاً بالغد الذي بدأ الأبناء يرسمون ملامحه بوعي وتصميم.

 

 فقدرة الأبناء، إذاً على تحقيق نصر على العدو، هو المصدر الأساسي لسعادة الأمهات والمؤشّر  الوحيد لخلاصهن، وخلاص الشعب من أوحال المخيمات وبؤسها، وأوحال الهزيمة، ولو لم تكن الأمهات (يحملن في عروقهن دماء المواقف الإيجابية)( ) لما استطاع الأبناء أن يحققوا ماحققوه، وأنْ يخرجوا من الحبوس كلّها.

ومن اليسير على الباحث الوقوف على الكثير من المواقف الإيجابية لأم سعد (الأم الفلسطينية)، من قضيتها وأبناء شعبها وطبقتها. وقد تجسدت تلك المواقف في دفعها أبناءها  للالتحاق بحركة المقاومة، وحرصها على تشجيعهم، ومتابعة عملية إعدادهم المعنوي والجسدي  والقتالي، وفي موقفها من المختار ورجل المباحث... وعبد المولى، وكذلك في موقفها من الفلاحة اللبنانية الجنوبية، وغير ذلك من المواقف الإيجابية التي تنضج بها تصرفات أم سعد وأقوالها وأفعالها.

فمنذ أن التحق "سعد"  بالفدائيين، وحمل حاجاته، وذهب لحقت أمه به، والتقته قرب  مدخل المخيم، وأسمعته كيف تزغرد( )، وتعبّر عن ابتهاجها وفرحتها بهذا اليوم، فهذه الزغرودة  (ليست عاطفة سطحية، ولا استعراضية، بل هي التنوير الذي أحدثته حرب 67 التي كان الفلسطينيون ينتظرون وقوعها. كان أملهم يتجسد في قوة العرب ووحدتهم وحربهم، والآن هي تعي  أنّ الفلسطيني هو المسؤول عن قضيته... هو". الطليعة المتجدّدة العنيدة في وجه الزمن والنكسات)( ) ولذا فهي تواصل عطاءها، ولا تكتفي بالتحاق سعد بالفدائيين، بل تقول: (أود لو عندي مثله عشرة)( ).

 

وحين يذهب سعد باتجاه فلسطين، تتابع أمّه تحركاته بكل حواسها ومداركها. وتنقل كل ما يحدث معه للراوي، كاشفة بذلك عن مشاعر الأمومة الدفينة في أعماقها، والتي تربض متحفزة للتعبير عن إعجابها وفخرها، كلّما حقق ابنها إنجازاً ما على الصعيد الوطني- النضالي.

 

فها هي تعلن للراوي الحقيقة التالية: ليس ثمة من يستطيع أن يفتح شهيتي للأكل والحياة إلا سعد)( ). وحين تشق رصاصة الغدر الصهيوني ساعده من الرسغ إلى الكوع، تروي الحادثة للراوي والسعادة الغامرة تملأ (وجهها المليء بالخيام، (والذي) ينزف رجالاً وثورة)( )وتكاد تمحو من تضاريسه قهر الليالي وبؤس الأيام ووجع اللجوء: (اسم الله عليه، إنه يحمل ساعده كما يحمل النيشان، قال إنه صار قائد فرقته، وأنهم يسألونه دائماً: لماذا، ياسعد توسع خطواتك؟! إنه في الأمام وقلت له: ابن أبوك)( ).

هنا، تتجاوز الأم الفلسطينية (أمومتها ومشاعر التخوّف والحذر التي تُغشي قلوب الأمهات (عادة) عندما يتعرض أبناؤهن للخطر)( ). وذلك، لما تحمله شخصيتها من غنىً وطني، وحسّ ثوري، جعلاها تتمنى اللحاق بابنها، لولا أنّ لديها مايشغلها عنه: (أتدري؟! إن الأطفال ذل! لو لم يكن لديّ هذان الطفلان للحقت به. لسكنتِ معه. هناك خيام؟! خيمة عن خيمة تفرق! لعشت معهم، طبخت لهم طعامهم، خدمتهم بعيني ولكن الأطفال ذل)( ).

وليست أم سعد حالة فردية خاصة، بل هناك الكثيرات من نساء المخيّم الطيّبات البسيطات الكادحات، اللواتي يتجذّر الوطن في عروقهن، واللواتي ينجبن الأولاد ويطعمنهم للثورة. هنّ يخلّفن وفلسطين تأخذ.

***

- النضال الإعلامي والسياسي والعسكري:

ولم يقتصر دور المرأة على تقديم أولادها للعمل الثوري، إذ قدّمت الرواية الفلسطينية صوراً أخرى لـ (المرأة الثورية بذاتها التي تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، فتحمل السلاح في قواعد الثورة... وتجرح ويسيل دمها، وتسقط شهيدة جنباً إلى جنب الفدائي)( ).

ففي "البكاء على صدر الحبيب" لرشاد أبو شاور، نجد المناضلة "فجر"، تمارس دورها الوطني المشرّف، من خلال نشاطها الإعلامي والسياسي والثوري، مع أمثالها من الشباب والشابات. تقول لزياد، مظهرة تحسّرها على الأيام الخوالي، حين كان الحماس يحدو الشباب للعمل الثوري بجد وإخلاص: (كنّا معاً في المكتب.. مجموعة كبيرة من الشباب، البعض يترجم، والبعض يكتب، والبعض يطبع النشرات الداخلية والبعض يرسم ويخطط... مثل خلية النحل)( ). حتى إذا ما تفجّرت أحداث أيلول عام 1970، كانت في طليعة المشاركين في  معارك الصمود والدفاع عن الثورة ضد محاولات تصفيتها (في أيلول ظللت صاحية ثلاثة أيام... كنا في جبل اللويبدة، وكان القتال مريراً وقاسياً، تراجعنا من بيت إلى بيت، قفزنا على الأسوار... وصمدنا في الجبل حتى اليوم الأخير للقتال)( ).

وتطالعنا في الرواية نفسها، شخصية المناضلة "نهاد" التي آمنت بالثورة والتحقت  بصفوفها، وشاركت في معاركها. وهي فتاة سورية من أسرة فقيرة محافظة، كانت صبيانية  المظهر، متحررة في فكرها. التحقت بالمقاومة بعد أن هجرت منزل أهلها في اللاذقية، وتدربت في أحد المعسكرات مع الشباب، وكانت الفتاة الوحيدة بينهم. عانت في بداية الأمر، حين تعاملوا معها بوصفها أنثى، ولكنّها، بما أوتيت من عزم وحزم وقوة إرادة، استطاعت أن تفرض عليهم نسيان أنوثتها، والتعامل مع عقلها وإرادتها.

جاء شقيقها إلى المعسكر، وحاول طعنها بسكين، لكنّها بفضل تدريبها، وخبرتها في الدفاع عن النفس، استطاعت أن توجه له لطمة قوية على ذراعه طوّحت به على الأرض، ثم أعطته درساً في الوطنية والأخلاق، وهزّت وجدانه، وفتحت عينيه على الحقيقة، وحفزّته على الانخراط في العمل الثوري بعد أن قدّمت له نماذج من أبطال المقاومة، أتوا من كل مكان، ومن الأقطار العربية، للقتال نيابة عنه. فما كان منه إلا أن عاد إلى مدينته، وبعدها لم تره "نهاد"، إلى أن علمت بخبر استشهاده، مع تنظيم آخر في حوادث لبنان عام 1969.( )

 

- فضح الفساد:

شاركت  "نهاد" في عدة عمليات داخل الأرض المحتلة، واستشهد قائد مجموعتها وخطيبها "أبو الفرات.. العراقي" وجُرحت، وأجريت لها ثلاث عمليات جراحية، آخرها في مستشفى السلط، حين اشتعلت الأحداث في أيلول، وبعد أن انتهت الحرب، انتقلت للعمل في أحد مكاتب المنظمة، وهناك، بدأت تخوض حرباً من نوع آخر، حرباً ضد الفساد والزيف والتزوير الحاصل  في البنية التنظيمية لبعض فصائل المقاومة. شأنها في ذلك شأن أمثالها من المثقفين الثوريين الحقيقيين، كفجر وزياد وغالي، الذين أدانوا ذلك الزيف الذي انسحب على كل شيء في الحياة، بما في ذلك الفن والأدب.

تتحدث "نهاد" عن محاولات أبي سامر، أحد المسؤولين الكبار في التنظيم، لاستغلالها في القيام بإحدى العمليات الإرهابية في الخارج، باسم الوطن، ولكنّها حين تكتشف مايريده، ترفض  بإصرار، وتواجهه بجرأة وشجاعة ومكاشفة صريحة: (لماذا لا ترسل زوجتك مثلاً في هذا العمل الوطني العظيم. الذي يتناول هذه الأصناف من الطعام، ويحيا في قصر مثل بيتك، يجب أنْ يدفع الثمن. أما أنا فلستُ من الذين يوافقون على هذه السخافات. إذا أردتم مقاتلة العدو... فأنا على استعداد)( ). وحين يهددّها بقطع راتبها، تعلّق: (.. هكذا!.. أمّا أنت وزوجتك، فقد حررّتم فلسطين. إنني لا أعيش على حسابكم. أنتم تحيون من دم الناس)( ).

وبسبب ماتقدّم، تقطع "نهاد" علاقتها بالتنظيم احتجاجاً. وتقرر السفر إلى أهلها، إلى حين تتغير الأمور، وقتها، تستطيع العودة إلى التنظيم لتمارس دورها الوطني المشرّف. وليس إعلانها للقطيعة، هو دليل ضعف أو تقهقر منها، أو هروب، بل هو الشجاعة في مواجهة الفساد والزيف.

هكذا أعطى أبو شاور أهمية كبيرةً لدور المرأة في النضال الوطني المباشر، وغير المباشر، من خلال مشاركتها في العمليات الفدائية، ومن خلال وقوفها في وجه الفساد، وفضحها لقيادة تنظيمها الثوري التي بدأت (تستمرئ العيش على المكتسبات والامتيازات التي حققتها بفعل  موقعها... وبذلك تفرغ الحركة من مضمونها الثوري، وتحيلها إلى شكلٍ خاوٍ ينخره سوس البيروقراطية والجمود، بحيث تصبح هذه القيادة جزءاً من الواقع الذي نهضت في الأصل  لتغييره... ويصبح "الخلاص".. منها ضرورياً لاستمرار الثورة)( ).

 

- البعد القومي:

إلى جانب ذلك، أعطى الروائي الفلسطيني بعداً قومياً لنضال المرأة العربية من أجل التحرير، إذ لم يكنْ الروائي منغلقاً على محلّيته، أو متقوقعاً في قطريته، أو منفصلاً عن وطنه العربي الذي يعيش فيه. ولذا نراه يساوي بين نضال المرأة والرجل. إذ تطالعنا صورة الطبيب  المصري ثروت والمناضل العراقي أبي الفرات في الرواية نفسها، كذلك تطالعنا صورة "فجر" الأردينة، ونهاد السورية، وهما تسطران أبدع لوحات البطولة. وهذا لاشك دليل واضح على وعي الكاتب، وتسلّحه بالفكر القومي ذي البعد العربي( ).

*

وتتعدد أشكال النضال الوطني لدى شخصيات ليانة بدر النسائية في روايتها "بوصلة من أجل عباد الشمس". فها هي "جنان" تحاول أن تنكر جسدها الأنثوي، لما يمّثله من ضعف، فترتدي اللباس العسكري، معظم أوقاتها، وتمارس نشاطها الوطني عبر المعسكرات الطلابية التي يتم فيها تدريب الفتيات على حمل السلاح، واستعماله ساعة الحاجة.  كذلك تشارك في جمع التبرعات وشرح المواد التحريضية، وتوزع المنشورات السياسية( ).

 

ولم يقتصر دور "جنان" على هذه المهمات المتتابعة، بل تعداه إلى المشاركة الفعلية في  العمل التمريضي، ولاسيما أثناء أحداث أيلول. ويعلق صديقها عامر أثناء مروره بمركز الإسعاف: (وأصبحت ممرضة أيضاً؟‍ لاشك أن سليمة الحاجة سوف تخيط لك ثوباً أبيض بعد انتهاء الحرب،  وتدعوك بالطبيبة الجليلة)( ).

وإذ تمارس المناضلة الفلسطينية، عملها في تضميد جراح المصابين بشظايا الحرب.  وتواجه العديد من الحالات الميئوس منها، التي مايني الموت يلتهمها بنهم جنوني، فإنّها تعاني من جراء ذلك ألماً مزدوجاً، لا ضفاف له، تمتد أذرعه الأخطبوطية إلى كل ذرة من كيانها، حاملة معها سؤالاً عصيّاً عن الإجابة: لماذا يحدث ذلك كلّه؟!

إن معايشتها لذلك الواقع الرهيب، الذي تحوّل إلى كابوس (من اللحوم الحية والمبردة والساخنة والميتة)( ). كابوس غدا الفرح فيه (فكرة عبثية يغيّبها العالم في جوفه الأبدي  السحيق)( ) قد أثار فيها تياراً ممضاً من الوجع الصاعق، هبط على دماغها، وطرد منها كل إيمان بالحياة. هاهي تستذكر صورة لإحدى الفتيات اللواتي كنّ بعمر أختها الصغيرة، حولتهن الحرب إلى بقايا كائنات مفّرغة من كل أسباب الحياة. بعد أن بذّل الأطباء والممرضون جهودهم في إنقاذهن  من براثن الموت. (صرخت تلك الفتاة وجعاً حارقاً تناثر في شرايينها، عندما قطبنا الجرح في صدرها دون مخدّر... صرختُ معها، وهدّأتها بكلمات معتادة لا تعني شيئاً. وكانت الصرخات تتوالى. يبدو أنّه لا أمل... لم يمض وقت طويل حتى أغمضت عيناها( ).. ولم تفتحها بعد ذلك قط، استحالت الدماء في عينيّ دموعاً، وتحولت الدموع أحجاراً، وتحولت الأحجار إلى مقالع ضخمة تمتطي ظهور الجبال، وتعجز عن التحرّك... كان عليَّ أنْ أبكي)( ).

لقد جعلتْ الفجيعة "جنان" مسكونة بالمرارة والذهول، مدركة بأن كل بحار العالم ومحيطاته وأنهاره، عاجزة عن محو ذلك الوجع الضاري، وهو ينبت شوكاً على أطراف كل  لحظة، ويغرز إبراً حادة موجعة في مسالك عروقها( )، ويصرخ بكل العبث والجنون والأسى:  لماذا لا تحيا هذه الصغيرة؟! لماذا تموت، وهي لمّا تزل في عمر البراعم؟!...

في مثل هذا الواقع اليومي المعيش، الذي ينزف موتاً ودماراً، في كل لحظة من تلك اللحظات التي أرّخت لأحداث أيلول، كان لابد للمرأة الثورية "جنان" من أن تحمل سلاحها،  وتقاتل في صفوف المقاومة، وتستميت معها في الدفاع عنها.

كانت تنتقل مع رفاقها "شهد، وشاهر وغيرهما"، من موقع إلى آخر، وكانت تُظهر حذقاً ومهارة في اختيار الوقت المناسب.... للظهور أو التخفي، والمراوغة أمام بنادق القنّاصة.

 هكذا قدمت ليانة بدر بطلاتها الثوريات، وقد تشبّعت نفوسهن بروح المقاومة والصمود في وجه الموت والدمار والاحتراق والتشظي. فتجاوزن دورهن الأنثوي، وأصبحن مشاركات في الثورة، وصانعات لها أيضاً.

***

وأمام هذا الحضور المميّز للمرأة العربية الفلسطينية في روايات كنفاني، وأبي شاور وليانة بدر. نجد غياباً واضحاً لها في روايتي جبرا إبراهيم جبرا. ليس ذلك فحسب، بل نلمس غياباً شبه تام لدور المرأة العربية، ولاسيما الفلسطينية، تجاه قضية فلسطين. ولن نناقش أسباب هذا الغياب هنا، لأنه ستكون لنا معه وقفة أخرى في الأوراق القادمة. إلا أنّه  لابد من الإشارة إلى أن بعض  بطلات جبرا، وتحديداً في روايته "السفينة" و"البحث عن وليد مسعود"، قد أبدين تعاطفاً ملموساً  تجاه فلسطين التي ينتمي إليها بطلا الروايتين، لكن هذا التعاطف أو الميل، أو الاندفاع لم يكن نتيجة وعيهن الثوري أو القومي، بل كان نتيجة لعلاقتهن العاطفية ببطلي الروايتين: وديع عساف، ووليد مسعود، اللذين لم تستطع مظاهرا لحياة المترفة التي عاشاها، أن تصرفهما عن قضيتهما، أو تبعدهما عن أرضهما ووطنهما. ولم تستطع علاقتهما العديدة مع النساء أن تنسيهما الماضي،  وذكريات الطفولة، وملاعب الصبا. أو تخّفف من إحساسهما العميق بالغربة، فكان أن سرت إلى بعض النساء اللواتي عرفن "وديع عساف"، و"وليد مسعود"، عدوى حب الأرض والوطن الفلسطيني. تقول "مريم الصفار" المرأة العراقية التي أحبت وليداً، ورافقته في زيارته إلى القدس  وبيت لحم قبل عام 1967: (أحسست على غير ماتوقّع، بأنني جزء من تلك الأرض الحجرية الصُلبة. جزء من صمودها وعنادها. جزء من قدسيتها. وأن حبي مقدّس مثلها، وعليّ أن أستمر بذلك الحب مهما حدث)( ).

 

لكن مريم لم تفِ بوعدها، ولم تستمر في تجربتها، بحكم طبيعة شخصيتها القلقة  والمتناقضة، الساعية وراء بعض المغامرات العاطفية الرخيصة السريعة، على خلاف "وصال  رؤوف"، التي كانت تتمتع بقسط معقول من الوعي السياسي والقومي، تجلى في ممارستها بعض الأنشطة الاجتماعية، لدعم صمود الشعب الفلسطيني، والمقاومة، من خلال نشاطها في جمعية الهلال الأحمر، إذ كانت تبيع (الثياب الفلسطينية المطرّزة بنقوش بيت لحم ورام الله)( ).

وقد أحبت "وصال" وليد مسعود بصدق وإخلاص، كما أحبها هو.

 (ونخلص إلى القول: إنه لدى دراسة علاقة المرأة الفلسطينية بالوطن، ولدى الوقوف على نضالها داخل الأرض المحتلة، تبين لنا الدور الهام الذي لعبته في النضال ضد العدو القومي والطبقي، وقد انحصر نضالها بداية في نطاق التعبئة والتحريض والتوجيه، وزرع بذور النضال في وجدان الأبناء، وتنامى فيما بعد، مع تنامي حركة الواقع الاجتماعي والسياسي، ولاسيما بعد حزيران /1967/. إذ تطورت أشكال علاقة المرأة بالوطن، وأساليب دفاعها عنها، بدءاً من الإصرار على البقاء والصمود والتشبث بالأرض، وعدم الاندماج مع واقع الاحتلال، واللجوء إلى التكاثر  لحماية العنصر الفلسطيني من التلاشي، في ظل الممارسات القمعية والإرهابية لسلطات الاحتلال، ومروراً بالمشاركة في المظاهرات، والاصطدام مع قوات الاحتلال. والتضامن مع أبناء الوطن كافة، وجدانياً وعملياً، وانتهاءً بممارسة المرأة النشاط السياسي والعسكري السري المنظم.

 

 ويتلخص هذا النشاط بتهريب السلاح، ونقل المعلومات، وأحياناً، نقل المتفرجات، والتعرّض للاعتقال والتعذيب في زنزانات العدو، والصمود في وجه جلادي المعتقلات، وعدم الانهيار تحت وطأة تعذيبهم وبطشهم.

 

 ولدى دراسة نضال المرأة الفلسطينية خارج الوطن المحتل، تبيّن لنا الدور الهام الذي لعبته الأمهات في الشتات، وقد تجسّد في صمودهن أمام وطأة الظروف الحياتية والسياسية، إذ شاركن الرجل في حمل أعباء الأسرة، ودفع الأبناء للعمل الثوري. ومع تنامي حركة المد الثوري، تجاوزت المرأة دورها الأمومي، وأصبحت تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، وكان لها دور هام في فضح الفساد، ورفض كل أشكال الزيف، حتى إذا ما اشتعل القتال، وجدناها مقاتلة جريئة وفاعلة، تحمل السلاح، وتشارك أيضاً في الأعمال التمريضية.

لقد أعطى الروائي الفلسطيني لنضال المرأة العربية، بعداً قومياً، وإن كان بشكل خجول، فكانت هناك، فجر الأردنية، ونهاد السورية في "البكاء على صدر الحبيب". ووصال رؤوف العراقية في "البحث عن وليد مسعود".  

 

 

 

الباب الثاني نماذج المرأة

 

الفصل الأول : نموذج المرأة البغي.

الفصل الثاني : نموذج المرأة التقليدّية.

الفصل الثالث: نموذج المرأة المثّقفة.

الفصل الرابع : نموذج المرأة الثّورية.

 

 

الفصل الأول نموذج المرأة البغي

 

تمهيد:

عانت المرأة الفلسطينية الكثير من جرّاء الاحتلال، وما أعقبه من مآسٍ، وكابدت أقسى حالات القهر النفسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولكنّها على الرغم من ذلك كلّه،  استطاعت أنْ تصمد، وتقف بثبات وكبرياء، وتحافظ على شرفها وعفّتها وكرامتها، مؤثرة الصبر والتقشّف والعمل الشاق المضني، على السقوط في مستنقع الإثم والرذيلة، وهذا ما أوضحته معظم الروايات منذ النكبة إلى يومنا هذا. لكننا لا نعدم وجود بعض الشخصيات المنحرفة التي انغمست في الرذيلة، تحت وطأة الظروف الاجتماعية، أو الاقتصادية أو النفسية الصعبة.

 

1- خضرة: "عباد الشمس":

وهي من الشخصيات المهمة في "عباد الشمس"، إذ تميط الرواية اللثام عن هذه الشخصية وسيرتها الحياتية، وظروف نشأتها، ومعاناتها شتّى ضُروب الفقر والتشرد والحرمان والذل، مما دفعها إلى السرقة بداية، لتلبية شهوات بطنها، ومن ثم انغمست في مستنقع الإثم والرذيلة، حين لم تجد وسيلة للعيش إلاّ بيع جسدها، تلبية لضرورات الحياة اليومية، والحاجة الملحة إلى الدواء  لمعالجة زوجها الكهل الذي هدّه المرض.

 لقد كانت حياتها سلسلة من مآسي الفقر والقهر والذل. طفولة بائسة مشرّدة بعد فقدان الأرض والأم، وأبٌ جاهل ظالم لا يرحم، وزوج متقدّم في السن، بيعت له، فأساء معاملتها وأذاقها ألوان العذاب، فكرهته واحتقرته، وهربت من بيته.

 

تتحدث خضرة عن حياتها معه، فتقول لسعدية: (كانت ايده والهواية، يضربني ضرب ماتتحمّله العفاريت. هربت وقلت يمكن أرتاح، لكن شو الفائدة. ماقلت لك نهرب من الشقا، ومطرح مانهرب نلاقيه مستني!)( ).

 

وتتزوج خضرة ثانية من رجل كهل، مريض بالقلب، وقد أثقل عليه المرض، فتضطر تحت وطأة الحاجة إلى الدواء، في ظل غياب الوعي، إلى بيع جسدها، لتجلب لزوجها الدواء  والطعام، وتنفق على البيت، لقاء سماعها كلماته العذبة الحانية الدافئة:(خضرة ياست الكل)، وهي التي ظلّت طوال حياتها تهفو إلى الصدر الدافئ الرحيم، وسماع الكلمة الحلوة التي كان لها مفعول السحر في نفسها،

وهكذا ألجأتها الأيام الصعبة، بما انطوت عليه من نكد العيش، وسوء الحال إلى سلوك الطريق المعيب، ضاربة عرض الحائط بكل القيم والمثل الاجتماعية والأخلاقية. كانت تقول بتحدٍ وتهتك ظاهرين، وهي في أحد مقاهي تل أبيب:(والله لو أنوي بقيم قيامة تل أبيب. تساءل الصوت الكسول بسخرية: كيف يعني؟! يعني أقيم قيامتها. طب تفضّلي قيميها بعرضك. تساءل  الآخر هو فين العرض؟)( ). وحين تتساءل سعدية : (ايش رح يقول الناس في نابلس؟! تقول  خضرة: والله أنا ما بخاف... تل أبيب بطبلها وزمرها بحطها بقاعي، ويقول ماشفت حدا)( ). وتتساءل بصفاقة وسخرية، حين ترى سعدية خائفة مضطربة: (ومم تخاف ألست سعدية؟! تخاف على شرفها؟!. بلا شرف بلا قرف، وكأنّه بقي للإنسان مايخاف عليه)( ). وحين تستفز أو تشعر بالمهانة والازدراء، تبادر بالهجوم، وتفحش بالكلام. فهاهي ترد على شحادة، وهو يحاول الإجابة عن سؤال سعدية حول عمل خضرة، فيقول: (خضرة لا بتشتغل في محل، ولا في مصنع...  وكل يوم في شغل شكل. (فتجيبه): يعني مثلك تمام. يوم عامل، ويوم سواق... ويوم قوّاد، ويوم تشغلّني بس من غير أجرة)( ).

 

وعلى الرغم مما تتصف به هذه المرأة من حدة في الطبع، وشراسة في المواجهة، ولا مبالاة بجملة من القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية، لدرجة أنّها كانت تردّد: (بين الناس يفضح، ولا بالقلب يسطح)( )، فإنّ قلبها لا زال ينبض بحب الناس، والعطف على أمثالها في البؤس والشقاء. وهذا ما أوضحته الرواية عبر بعض المواقف والأحداث التي أثبتت أنّ  هذه المرأة تتحلى بنفس طيّبة سمحة، وتتسم بالوفاء والأريحيّة في بعض المواقف التي تتطلّب ذلك.

 

ومما يُذكر لخضرة في هذا الشأن: موقفها المتعاطف مع الفدائيين، الذي يشفُّ بعفوية عن حسّها الوطني، وسخطها على الاحتلال: حين تهلّل لهم (روحي فداكم يارجال. الله ينصركم.. وأبوس  تراب رجليكم...)( ). وكذلك موقفها من "سعدية" وهما محتجزتان في أحد المخافر في تل أبيب. حين أبتْ أن تهرب بمفردها، فحاولت أن تصطحب سعدية معها، ولكنّ المحاولة أخفقت. وتقف خضرة من سعدية، موقفاً آخر ينضح بالطيبة والتسامح، وذلك حين تتجاهلها سعدية، وهما في حمّام البلد، خوفاً من الفضيحة، بينما نجد خضرة تتجاوز هذه الإساءة ولا تحرجها، ولا تبوح بسرّها، وبقصة توقيفهما وضربهما في المخفر، حفاظاً على سمعة سعدية المسكينة، بينما نجد الأخيرة لا تتوانى عن استغابتها، وهي في قمّة انفعالها -بعد مصادرة أرضها- وغضبها أمام الصحفيّة "رفيف". حين ترد على أسئلتها بحدة: (جرّبت الحال المايل اللي يصعب على عزرايين...؟! جرّبتِ حال خضرة اللّي تبيع حالها وحيلتها، عشان لقمة، ونقطة دوا؟!)( ).

 

2- سنيورة : "نشيد الحياة"( ):

وإذا كان سقوط  "خضرة" في الرذيلة، مرهوناً بالظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي عاشتها، وبما عانته من ظلم وقهر واستلاب، في ظل غياب الوعي، والافتقار إلى القيم والمثل الأخلاقية والدينية، وعدم الرضوخ للضوابط الاجتماعية، فإنّ سقوط "سنيورة"، وهي  إحدى شخصيات يحيى يخلف في روايته "نشيد الحياة"، غير مبرّر، بصورة كافية، إذ لا تكشف الرواية عن الأسباب الحقيقية المقنعة لهذا السقوط. بل تكتفي بالإشارة إلى قصّة حبّها العاثر لسائق  سيارة. وما تمخّضت عنه تلك التجربة المبكّرة التي خاضتها سنيورة، وهي في الخامسة عشرة من عمرها.

 

تقدّم الرواية صورة واقعية حيّة، لتلك المرأة الشابة المفعمة بالحيوية والطيبة، وحب الحياة،  "سنيورة" هو لقبها الدال على شخصيتها المنطلقة. إنّها شابة فلسطينيّة، مقطوعة النسب، تعيش  وحيدة. ولا نكاد نعرف عن ماضيها وذكرياتها أكثر مما يأتي به الوصف السردي، الذي يصوّر  أوضاع المجتمع في مخيم الدامور، قبيل اجتياح قوات الاحتلال عام 1982، وأثناءه ويرصد أجواء الانتظار والقلق والترقّب والحذر، ومايهدد الثورة. وسط هذه الظروف المتّوترة القلقة، يقدّم الكاتب "سنيورة" الفتاة اللعوب، السيئة السمعة، التي تحرص على فتنة الرجال. إنّها إحدى ضحايا الحب والتمرد الكسيح، والانتظار الطويل المخدّر. أحبت سائق سيارة وهي في سن المراهقة، ودعاها إلى العشاء والسهر في بيروت، ثم أعادها إلى بيتها عند طلوع الفجر. وتكرر  اللقاء كثيراً. وتواعدا على اللقاء كل مساء أحد، ولكنّه خدعها، ولم يأتِ، فاختلقت له الأعذار والحجج الواهية:(لعل سيارته قد تعطّلت. لعله مرض فجأة)( ). ولكنه لم يعد. وظلّت تنتظره دون يأس، وهي تعلّل نفسها بالآمال، وتترقب عودته. (لم تعد تفتح الباب لكل مارق طريق، تغلق على نفسها بعد الثامنة، تكون قد حصلت على تموينها من السجائر والخبز والبسطرما، تقرأ مجلة الشبكة، وأخبار النجوم، وأبراج الحظ، ومشاكل القراء، وفي وقت مبكّر تطفئ الضوء وتنام)( ).

 

ومع مرور الأيّام، وتأزّم الوضع في المخيم، قبيل الاجتياح، وأثناءه، تبدأ سنيورة بالخروج من عزلتها، والانخراط في حياة المخيم، ومشاركة أبنائه همومهم، ولاسيما بعد أن عرفت الفدائي  أحمد الشرقاوي وأحبته، فتتحول إنساناً آخر، بعد أن كانت لا تبالي بكل مايمت إلى الأخلاق والقيم الاجتماعية بصلة. حين كانت (تمرق من أمام الفرن... بسطلها الفارغ، وهي تلبس  قميصاً رجّالياً، وتشد وسطها بحزام عريض، فيندفع صدرها. على عينيه ماتزال آثار الكحل، وعلى وجهها مساحيق ليلة مضت. تقف عند مجمّع الحنفيات، تنتظر دورها.. تقلب السطل وتجلس عليه، وتضع رجلاً فوق أخرى، ولا يبقى إلا أنْ تشعل سيجارة، تحدّق النسوة بها بحسد أو غيظ)( )، (وتدقق امرأة.. بوجهها للتأكد فيما إذا كان احمرار خدّيها من الصحة والعافية، أو أنه من المساحيق.. تظل السنيورة تمضغ العلكة، وبائع الترمس ينظر إليها...)( ).

هكذا كانت سنيورة في البداية، أما الآن فقد تغيرت، وبدأت تظهر سمات هذا التغيير في  سلوكها وتصرفاتها وملامحها، وتجلى ذلك حين دخلت فرن الزهيري في يوم عاصف، باحثة عن الأمن والدفء المادي والمعنوي، فبدت شاحبة الوجه، زرقاء الشفتين، وهي ترتجف. (كان لها وجه حزين هذا اليوم، وعينان كسيرتان، غاب الوجه الصارخ بالمكياج والنظرات الفاجرة.. في  الماضي كانت تدخل، وتثير الضجيج... وتحكي كلاماً صارخاً يحتمل أكثر من معنى، فيغضب  البشكار... وتنسحب بعض النساء المحافظات من داخل الفرن، ولا تخرج إلا بعد أن تأخذ الخبز قبل أن يأتي دورها)( ).

 

وهاهي الآن تدخل الفرن بانكسار، وتبقى صامتة تنتظر دورها. (ولعل الدفء قد سرى في جسدها.. أخرج الزهيري الرغيف الذي تحّمر.. ثم ألقاه في حجر السنيورة، وانتشرت على الفور رائحة المسام البشرية... وتكلّمت السنيورة: لا تؤاخذوني ياجماعة كان البرد يجرح عظامي....  تساءل أبو العسل: لماذا تبدو هذه المرأة الكريهة الآن امرأة عادية، لها شحوب نساء  المخيم اللواتي يشتغلن في قطف الخضار في الحقول. لماذا تبدو عادية، ويشعر المرء برغبة في أنْ  يجاذبها أطراف الحديث)( ).

هكذا توحّد الآلام والمعاناة أبناء الجرح الواحد، فيشعر الجميع (سنيورة والزهيري وأبو العسل، والبشكار) بذلك الجو الحميمي الدافئ الذي يلفّهم، فتنبعث في نفوسهم مشاعر الإنسان بأسمى مظاهرها.

 

لقد تغيّرت المواقف، وهدأت النفوس، وتغيرت النظرات، وتآلفت القلوب والمشاعر، واختلجت النبضات في إيقاع إنساني واحد، وبدا كل فرد يتحسس آلام الآخر، ومشاعره، يؤازره،  يحنو عليه، يشاركه الوجع.

 

وتعرض الرواية العلاقة التي نشأت بين "سنيورة" وأحمد شرقاوي، وأثرها في شخصية  سنيورة وتصرفاتها. كان ذلك يوم أحد حين وقف أحمد شرقاوي أمام البحر الهائج، وهو يعاني شعوراً بالملل والضجر والفراغ، بعد أن تبدّدت أحلامه بالزواج من الفتاة التي يحبُّها... كان يهفو  إلى المغامرة والمتعة، والصدر الدافئ ليبثه شكواه. فالتقاها مصادفة، استوقفها، (نظرت إليه  بشيء من الشك، أو بشيء من التعالي... ظلت تمشي بنزق.. ثم توقّفت: ابعد عن طريقي أيُّها الفتى، وعد إلى عملك... ثمّة من ينتظرني على الطريق العام بسيارته.. أفسح لها المجال، فواصلت سيرها... وظل يراقبها.... طال انتظارها.... قفلت راجعة، ....تكاد تتعثّر بخيبة الأمل... وعندما أصبحت بإزائه... خاطبته، متصنّعة الجرأة وعدم المبالاة: سر معي أيُّها الفتى إلى البيت)( ).

 

وحين وصلا  البيت خلعت ملابسها واندسّت بالسرير. (سألها لماذا خلعت ملابسك سريعاً؟!  فشتمته شتيمة سوقيّة، ثم أجابت عندما أخلع ملابسي، أشعر بأنّني أنزل عن كتفي هموم يوم بأكمله... عندما أتعرى أشعر أنني أمتلك جسداً جميلاً، فأستمتع في ذلك)( ).

هكذا كان يطيب للسنيورة أن تُرضي غرورها، وهي تتأمل جسدها المتناسق الجميل، مصدر جاذبيتها، فترى الشهوة، تترقرق على هذا الجسد، فتنعكس توقاً ورغبةً في نظرات الآخرين.

 

 حينئذٍ تشعر بالنشوة والزهو، لكونها مثيرة، مشتهاة، وهي محط إعجاب الرجال، وتقرّبهم منها،  وإقبالهم إليها، بعد أن أصبح جسدها مصدراً للرزق، وباعثاً للمتعة.

ولا تلبث أن تتحول تلك العلاقة الجسدية العابرة إلى حب، بعد أنْ بات كل منهما يبث الآخر شجونه، ويمحضه الدفء والمودة والحب، فأضاء فجر جديد في حياة "سنيورة" وشرعت تتطهّر  من آثام الجسد رغبة في حياة نقيّة، يكون لها معنى.

 

دخل أحمد شرقاوي، ذات يوم إلى بيتها، (أطلَّ وجهها الشاحب، مثل مصباح ينوس  وينوس في ليل مهجور... دخل إلى الغرفة التي بدت نظيفة وأنيقة، وشديدة الترتيب.... ثمّة تغييرات حدثت على الجدران. خارطة فلسطين مطرّزة باليد.. وصور أخرى لزرافة طويلة العنق، وفراشات تفرد أجنحتّها، وزهور النرجس والقرنفل... جلست قبالته، يالومضة الحياة رغم هذا الشحوب... هاهي تواسيك قبل أن تواسيها، تتودّد إليك قبل أن تحاول التودد إليها.. هاهي السنيورة مفعمة بالطيبة، وتفوح منها رائحة الإنسان)( ).

لقد دبّت الحياة في نفسها، وفي أرجاء البيت، بعد يأس وذبول، وطول انتظار، وهاهي  تتفتح للحياة، كما تتفتح الوردة. وقد جسدت الرواية ذلك بالصورة المعبّرة والموحية، إذ كانت السنيورة (تلبس ثوباً قد رسمت عليه وردة تنبت عند خصرها، وتتفتح فوق صدرها الممتلئ...  (وبدا) وجهها رائقاً رغم هذا الشحوب القسري. لعله التعب الكبير، أو الهموم التي بحجم الجبال.  لكن رغم ذلك يبدو أنّها صافية وهادئة، وتنشر نظافة قلبها فوق كل شيء)( ).

 

هكذا بدأ أثر التحوّل الإيجابي في شخصية "سنيورة" الضائعة، منذ أن بدأت مسيرة التطّهر من الآثام، عبر الانعتاق من حرية الجسد، من حياة الوحدة والقلق، والتمرّد السلبي على الأطر الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، فانخرطت في حياة المجتمع، وتحسّست آلام أبناء جلدتها ومعاناتهم، وأصبح للحياة طعم ومعنى، في زمن المواجهة والفعل، زمن الحب الحقيقي، والصدق والنقاء،  والعطاء والتضحية. الزمن الذي يكشف جوهر الإنسان، ومعدنه الأصيل.

 

وقد بدأت آثار هذا التطور اللافت تتجسد في أقوالها وتصرّفاتها ومواقفها، تقول لأحمد الذي جاء لزيارتها، أثناء الاجتياح، وقد اشتدت المعارك: (إنهم يهاجموننا، فلماذا لا نواجههم بكل  أشكال الصمود...

- وماذا ستفعلين...؟!

- سأذهب إلى مركز الهلال الأحمر، وأطلب منهم قبولي كمتطوّعة.

- فإذا رفضوا...؟!

- اذهب إلى فرن الزهيري وأساعده في عجن الطحين)( ).

وهنا يمكن القول إن شخصية "سنيورة" تمثل خطوة أكثر تقدّماً، في فكر الشخصية وسلوكها ومواقفها من شخصية "خضرة" في "عبّاد الشمس". إذ دلّت تصرفاتها ومواقفها على صحوتها، وبداية تفتح الوعي لديها، من خلال إدراكها لدور المرأة في معركة التحرير، وضرورة ارتباطها بقضيتها، وانتمائها لطبقتها وشعبها، وهذا ما جسدّته الرواية في نهايتها.

 أمّا سحر خليفة فقد استطاعت أن تصوغ تجربة "خضرة" بمهارة وبساطة، وفق طبيعة الشخصية وتكوينها النفسي والاجتماعي، فتركت "خضرة" تعبّر عن نفسها، وتتحدّث بلغتها، فجاءت أقوالها ومواقفها وليدة التجربة المرة، والاحتكاك المباشر بالواقع الحياتي الصعب. في حين بدت شخصية "سنيورة" في "نشيد الحياة" أكثر حملاً لأفكار الكاتب وآرائه  ومواقفه. ولذا بدت متطورة في فكرها وتصرّفاتها. كما كان الكاتب أشد وضوحاً ومكاشفة -إلى حد ما- في تصوير مشاهد اللقاء العاطفي- الجنسي، بين سنيورة وأحمد الشرقاوي. إذ استطاع توظيف هذه المشاهد، المعبّرة والموحية، في خدمة الحدث الروائي، وتصوير طبائع شخصياته وسعيها للعيش الكريم، وتحرّكها باتجاه الحياة الكريمة، وتمسكّها بالأمل، حين تواعدا على الزواج، بعد انتهاء المعارك.  

 

 

الفصل الثاني نموذج المرأة التقليدية(*)

 

تمهيد:

المرأة التقليدية، هي المنسجمة، غالباً مع واقعها، والمستسلمة لظروفها. تفكيرها بسيط،  ووعيها عفوي ومحدود، ويغلب أن تكون أميّة. اهتماماتها بسيطة، تبدو قدريّة إلى حدٍ بعيد، وخاضعة بصورة شبه كليّة للعادات والتقاليد، وتنتمي، غالباً إلى جيل ماقبل النكبة، جيل الأربعينات والثلاثينات وماقبل.

ويمكن أن نميّز بين نموذجين للمرأة التقليديّة: نموذج التقليدية السلبيّة، ونموذج التقليدية الإيجابية. وفيما يلي نتعرّف طبيعة كل منهما، ونقف على صورتيهما، ورؤية الكاتب لهما،  وموقفه منهما، ومدى ارتباط كل منهما بالواقع.

 

أولاً: نموذج المرأة التقليدّية السلبية:

تركّز الكاتبة سحر خليفة في أعمالها الروائية، ولاسيّما في ثنائيتها (الصبّار وعبّاد الشمس) على واقع المرأة العربية الفلسطينية، تحت الاحتلال الصهيوني، في الضفة الغربية، فتصوّر معاناتها، وآمالها، وتطلّعاتها، والظروف التي ترزح تحت وطأتها، إذْ (تقدّم... نمطين من النساء: نمط خرج مع الثورة إلى دنيا المغامرة الواعية، والفعل الثوري، ونمط عتيق جفّف التقليد والاتباع نسغ الفكر والفعل فيه)( )، فأصبح رهين واقع الجهل والتخلّف. النمط الأول، أتينا على ذكره في الباب الأول، ممثلاً بـ "لينا الصفدي" الشابة الثورية. أما النمط الثاني، فتتجسّد صورته في شخصيتي "أم صابر"، و"أم أسامة".....

 

1- أم صابر  "عيشة": (الصبّار، عبّاد الشمس):

وهي زوجة أحد العمّال، ممن يعملون في المصانع الإسرائيلية بتل أبيب، وقد بترت الآلة أصابع يده اليمنى أثناء العمل، فجيء به محمولاً إلى داره، فاستقبلته بالبكاء والنواح والندب  والحسرات.

نقف في "الصبار" على معالم هذه المرأة، ونتعرف بعض ملامحها الخارجية، وطبيعة تكوينها الفكري والاجتماعي، من خلال الصورة المستدعاة في مخيلة زوجها. إثر إصابته. إذ تبدو  امرأة شعبية بسيطة غير منتجة، ذاقت مرارة الفقر والتشرّد وطعم الجوع، وتجرّعت بؤس الاحتلال أيّام كانت (تدور على البيوت المجاورة، وفي يدها وعاء فارغ)( ) تتلقف مايجود به الجيران من طعام، ليأكل أولادها، فتعبر هذه الصورة المستدعاة عن هاجس الخوف من الفقر والجوع، والحاجة الذي يعيشه الإنسان العربي تحت الاحتلال، كلّما ضعفت صحّته، أو تعرّض لأذى، أو لاعتقال.

 

ومن هنا نعلم مقدار المخاوف التي تراود زوجة ولودا جاهلة، حين يُصاب زوجها، سندها الوحيد. ويتوقّف عن العمل: (لطمت أم صابر صدرها وصاحت: إيده اليمنى ياكسرة قلبك يا عيشة. وأخذت تهرول بين المطبخ والحمّام.. وغرفة النوم.. وبدأت تندب. ومن أين نأكل؟!.... إحنا ماصدّقنا يلاقي شغلة تشبّعنا. العين طرقتك يا أبو صابر.... ياريتها إيدي ولا إيدك يا أبو صابر... ياكسرة قلبك ياعيشة، ياكسرة خاطرك... ياسخامك الكحلي... ومسحت دموعها بكفّيها فتلألأت الأساور الذهبية في معصميها، وخشخشت. حملقت في الذهب، وندبت: بكره ينباع. كله ينباع. كنت خايفة من عمايل اليهود. كنت خايفة من منع التجوّل، ومن اليوم صارت حياتنا كلّها منع تجول)( ).

وبما أن الرجل هو المسيّر لأمور المرأة في المجتمع المتخلّف، وهو القوة الفاعلة، واليد المنتجة التي تكفل لها وللأسرة الاستمرار والاستقرار في حياتها، تبقى الأسرة التي تعتمد على معيلها الوحيد مهدّدة، ومرهونة بصحته اليوميّة، فالصحة بالنسبة للعامل العربي تحت الاحتلال  (كالأجر. كل يوم بيومه. والخوف كل الخوف ليس من اليهود. الخوف من المرض والعاهات والبطالة)( ). فكلمة هبط تطن في الأذن كالطبل، (وتعني ماهو أكثر من الموت، أكثر من الاحتلال. هبط... ياخوفي لأهبط، ويأكلني الدود، ولامين يسأل عني، ولا عن الأولاد)( ).

 

وهذا مالم تكن "أم صابر" قد توقّعته. أو حسبت حسابه. كان خوفها من أعمال اليهود، ولكن مالم يكن في الحسبان وقع، وكان الوقع مدويّاً صارخاً، فعماد البيت هبط... وهذا يفسّر تساؤلها أولاً، عن اليد التي أصيبت... وهي تتمنى في قرارها أن تكون اليد اليسرى، أهون الشرّين، ولكن المصاب كان أشد وأدهى، حين أيقنت أنّها اليد اليمنى. فتهمهم مستنكرة: ( لو كانت إيده الشمال)( )، ومن ثم لو كانت يدها التي أصيبت. وتبدأ مخاوفها من الأيام السوداء  القادمة، وتتفاقم حسرتها، حين تخمّن ماسيحل بأساورها، وهي مدخراتها للأيام الصعبة.

 

 إن (العجز عن التصدي العقلاني الموضوعي للمشكلات والأزمات الحياتية، يدفع المرء إلى النكوص إلى المستوى الخرافي، إلى الحلول السحرية والغيبية، وهذه بدورها تعمل، حين تتأصل في النفسية، على إضعاف أوالية التحليل العقلي، والنظرة النقدية إلى الأمور، من خلال  مزج الواقع بالخيال، والتغاضي عن الحقائق المادية بإرجاعها إلى قوى غيبية (الجن، الشيطان،  الحسد، الكتابة، السحر...)، وكلّما زاد القهر والعجز تفشت الخرافة، ولهذا فليس من المستغرب، أن نجدها تعشش في عالم المرأة، ومجابهتها للحياة في العالم المتخلّف، لأنّها أكثر من غيرها قد حرمت أهم إمكانات المجابهة العقلانية الموضوعية للواقع)( ).

 

ولعل في ذلك مايفسر موقف "أم صابر" التي تنسب المصائب للعين الحاسدة الشريرة،  وتعالجها بالاستخارة والكتابة، وشي الشبّة، وغير ذلك من أساليب الخرافة والدجل.

وإذ تعرض الرواية مشهد "أم صابر" بعد تلقيّها للصدمة، فإنّ الكاتبة ترصد، بكثير من التمعّن والتدقيق، حركاتها وسكناتها وأقوالها التي تعبّر عن شخصيتها، وطبيعة تفكيرها العاجز، ورؤيتها القاصرة: (واتجهت نحو غرفة النوم، وفتحت خزانة، ولبست معطفاً أسود فوق ثوبها البيتي القذر، بعد أن شدّت خصر الثوب، بجورب نايلون قديم، وارتفعت أذيال الثوب، واختفى تحت المعطف. دسّت قدميها في حذاء بالٍ، ورمت على رأسها منديلاً أسود، وخرجت وهي تردّد توصياتها لكبرى بناتها.. أوعي الشوربة تفور. فتّي الخبز في طشت التوتياء مثل ماقلت لك. لمّي  الغسيل عن الحبل... إذا سألت عنّي "أم بدوي" قوليلها تعمل استخارة، وخلّيها تشوي شبّه، وتطلّع العين اللي طرقك أبوكِ، وإذا  كانت فاضية، خلّيها تروح عند السامريين، تكتب له حجاب)( ).

 

وتبدو إدانة الكاتبة لهذه الشخصية، وما تمثّله، من خلال موقف المثّقف (عادل الكرمي) الذي تضاعف رثاؤه لحال صديقه أبي صابر، وحال المجتمع الذي يضم أمثال تلك المرأة الساذجة المسحوقة، بعد أن شاهد وسمع، فأيقن مقدار الجهل والتخلّف والبؤس الذي يغلّف عالمها. وما سيؤول إليه حال المجتمع، ومن ثم الوطن الذي يضم أمهات من مثل "أم صابر"، تلك المدرسة التي، لابدّ، أن تعمل بدورها على نشر الخرافة والجهل، من خلال غرسهما في نفوس الأبناء، ولذا نجد عادلاً يتساءل بحسرة وأسى، كيف سيكون الخلاص؟!: وقد (تضاعف رثاؤه وتضخّم.... أين الخلاص؟! الاحتلال، الأرض... كسرة القلب، وسخام أم صابر الكحلي، والشبّة المشوية، وعين الحسود؟!)( ).

وترسم الكاتبة بعض الملامح التي تميّز هذا النموذج من النساء، فيأتي رسمها دالاً على براعتها في تجسيد صورة "أم صابر" التي تبدو (امرأةً في الأربعين، بدينة، في وجهها آثار  الكلف. تحمل في معصميها مالا يقل عن ربع كيلو من الذهب... صوتها أجش، وفمها لا يكف عن إطلاق الدعوات)( ). يتحدث عنها زوجها، فيقول لعادل: (الحرمة رأسها يابس، ولا تفهم إلا في قضايا المطبخ والأولاد. سمعتها الليلة تهمس في إذن صابر، محاولةً إقناعه بترك الدراسة،  والمسكين، وافق)( ).

 

وفي الوقت الذي تغيب فيه عن بيتها وزوجها وأولادها، لساعات طوال، وهم في أمسّ الحاجة لرعايتها، نجدها تزور "أم بدوي" لتثرثرا معاً، وتستغيبا نساء الحارة، فتنهشا عرض "سعدية" بدافع الغيرة والحسد. وتبرّر تأخرها بالعودة إلى بيتها، بكثرة مشاغلها، فيؤدي ذلك إلى إهمال شؤون بيتها ونظافته، والتقصير في تربية أولادها ورعايتهم.

ونقف على نتائج هذا الإهمال، والتقاعس عن القيام بواجبها نحو أسرتها، في أحد المشاهد الروائية، وذلك حين يأتي أصدقاء زوجها لعيادته في مسكنه، إذ تتضح حالة البؤس التي تعيشها الأسرة، ولاشك أنّ جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على عاتق الأم المهملة، الجاهلة: (دفع الباب.... بيده... ودخلوا باحة صغيرة مبلّطة... أمام الأدراج أقعى سطل زبالة، يسيل منه ماء أسود بلون القزحة. إلى يمين السطل جلست طفلة في الرابعة على الأرض القذرة، ممسكة بخرقة لا لون لها، تغمر الخرقة في قناة يركد فيها... ماء قذر على وجهه قشطة صابون. وكانت تضغط الخرقة، وتعصرها بيديها مقلّدة بذلك كبار النسوة... فأخذ (أسامة) يتلّفت حوله، ولم يرَ إلاّ  القذارة والبؤس. صدمت أنفه رائحة العفونة والنتن. انقبضت روحه، وتوترت أمعاؤه، وعادت النظرة (نظرة الطفلة) تلح عليه وتلاحقه بإصرار، أهذه نظرة طفلة؟! لماذا يفقد الأطفال  براءتهم؟!)( ). بينما كان باقي أخوتها يلعبون في الشارع.

 

ويصعد الأصدقاء إلى غرفة أبي صابر، حيث كان ممدّداً (على سرير من الصاج، كان غارقاً تحت تلال من الأغطية، ويده المصابة، ملقاة على وجه السرير)( ).

ويتجّسد جهل "أم صابر" وانهيارها المعنوي الكبير من خلال مواجهتها للأزمة التي لحقت بالأسرة، وإخفاقها في التصدّي العقلاني لها. فبدلاً من أن تقف إلى جانب زوجها، وتخّفف عنه، وتتحمّل مسؤوليتها - كما فعلت سعدية، بعد قتل زوجها- فتبحث عن عمل ما، يعيل الأسرة، أو تفكّر ببيع بعض أساورها، راحت تحثُّ ابنها البكر، وتقنعه بترك المدرسة لإعالة الأسرة. تقول لزوجها مواسية:(ولا يهمّك يا "أبو صابر" سلامتك بالدنيا، بكرة صابر يشيل حملك) ليس ذلك فحسب، بل نجدها تستنكر عمل سعدية ومثيلاتها من النساء، انطلاقاً من جهلها وعجزها عن القيام بأي عمل منتج من شأنه أن يدفع شبح الفقر والجوع عن العائلة، ريثما يتماثل زوجها للشفاء فيستطيع تأمين عمل آخر، والحصول على تعويض إصابته -إذ أمكن- من الشركة الإسرائيلية التي كان يعمل فيها، من غير أن يكون خاضعاً للتأمين، وهذا مايجعل أمر حصوله على التعويض صعباً، بل مستحيلاً. وأبو صابر يعرف هذه الحقيقة، ويحاول إفهام ذلك لعادل، بصورة غير مباشرة، لكيلا يواصل الدعوى ضد الشركة، فيوفّر بذلك الجهد والمال، في قضية خاسرة أصلاً.

 

 يقول أبو صابر: (أم صابر لن توافق على بيع أسوارة أخرى، مالم تكن واثقة بأنّ ثمنها سيصرف على الغذاء. المرأة لا تصدّق بأني سأنال تعويضاً من اليهود. تقول بأنّهم سرقوا بلادنا بأكملها، فكيف لا يسرقون تعويضي أنا. فمارأيك؟! ابتسم عادل وهزّ رأسه، وهو يعرف بأن التساؤل ماكان تساؤل أم صابر، بل تساؤل "أبو صابر" نفسه)( ) فأم صابر لا يمكنها أنْ تقول مثل هذا الكلام، أو تدرك أبعاد الموضوع.

 

 هكذا تنقلنا الرواية عبر شخصية "أم صابر" وزوجها نقلة أرحب مساحة، وأشمل رؤية، للوضع المتردّي الذي تعيشه طبقة العمال في الأراضي المحتلة، في بداية السبعينات، والقلق الذي يساورها على المستقبل. إذ لم تعد الرواية "الصبّار" تدور حول مجموعة من الأفراد (عائلة الكرمي، أبو صابر وزوجه، وزهدي وزوجه)، وإنّما تدور حول وضع عام لشعب يعيش  محاصراً ومقيداً، يعاني الفقر والجهل والاضطهاد والتفرقة، ويعمل من استطاع الحصول  على عمل، في ظروف مجحفة، لا تكفل للعامل أبسط حقوقه النقابية أو الإنسانية، وهذا مايعبر عنه أبو صابر بمرارة وأسى بعد إصابته، وقد أخذ شبح الفقر والحاجة يدنو من الأسرة:(لكنّك لم تعرف نكد السماء، فعندما تلاحق  أحدهم بلعنتها تجعل الموت أمنية بعيدة، لا تطال، إلا في الأحلام السعيدة)( ).

 

ويأتي تطور الأحداث في الرواية، ليضيف أبعاداً أخرى توضّح صورة "أم صابر" وتضيء جانباً آخر من شخصيتها الشعبية، فيبرز موقفها العفوي البسيط من الاحتلال، وكذلك موقفها الإنساني المتعاطف مع زوجة الضابط الإسرائيلي الصريع، وابنته التي أغمي عليها، وسقطت أرضاً. ويتجلى موقفها الأول، في مناهضتها للاحتلال عبر تحدّيها قرار منع التجول، إذ تترك أولادها ينزلون إلى الحارة، لينكدّوا على جنود الاحتلال عيشهم ويزعجونهم. كما يبرز أيضا في تعبيرها عن مشاعر الحقد الأعمى، والغضب الكسيح، والدعاء على الضابط الإسرائيلي وعائلته، حين تجمعها المصادفة معهم عند بائع الفواكه في الحي، إذ تصور الكاتبة هذه المفارقة القاسية والمؤثّرة بين الطرفين المتناقضين، فبينما تقف أم صابر، ومعها ابنها الأصغر محمد، أمام صندوق الاسكدنيا عاجزة عن الشراء، وطفلها يتشهّى، ويمد يده إلى الصندوق ليأكل. نجد الضابط يبتاع "الأسكدنيا" دون النظر إلى غلاء ثمنها. حينئذ ينفجر حقدها، وتصب جام غضبها على الضابط ومن معه، وتلعن الساعة التي جعلت مثل هؤلاء، يطؤون أرضها، ويسيطرون على خيرات البلد ومقدّراته، ويتركون أهله يعيشون في ضنك وشقاء: (استدارت... نحو العائلة وأخذت ترمقها من تحت المنديل بغيظ وحقد... إنشا الله تدشعوها، ياريتها سم الهاري على قلبك وقلبها وقلبها. أولادي يشتهون الأسكدنيا. وأنتم تبرطعون كالوحوش السايبة... ياريتها فانية أمة محمد اللّي خلّت الأنذال يسرحوا ويمرحوا ببلدنا وحاراتنا. سبعين عين تطرقكم ياعدوين)( ).

 

ومما زاد غيظها وسخطها أن المرأة الإسرائيلية كانت تتأمل الطفل (محمد) وتنظر إليه بحنان ولهفة، فأثارت تلك النظرة (فتيل الغضب المتوحّش في قلب أم صابر، فصفعت ابنها بعنف على مؤخرة رأسه فبكى، وارتفع صراخه، وهزّت الإسرائيلية رأسها، ومدت يدها تدفع بها الصفعات)( ) فاستنكرت أم صابر تصرّف المرأة، والتفتت إليها: (مالك ومال ابني ياعايبة. شفقانة عليه؟! اسألي جوزك عن أصابع جوزي، إن كنت مشفقة فعلاً)( ) وتساءلت وهي تتأمل كتف الضابط بغل: (كم رجلاً قتلت ياقوّاد؟! كم معتقلاً خصيت؟! تبتسم؟! لا والله مؤدب ابن أكابر! وتدفع نقوداً ثمن الفواكه؟!... خلّيها علينا يا أدون. البلد بلدكم، والخير خيركم، والدفع ليش؟! تضحكوا علينا؟!)( ).

 

أما موقفها الإنساني الذي كان وليد اللحظة الراهنة، فهو نابع من إحساسها الإنساني العام، وتعاطفها مع الزوجة الثكلى، وأحزان الفتاة على والدها، بعد أن خرَّ صريعاً إثر إقدام الملثّم (أسامة) على طعنه. فتمتزج لديها مشاعر الفرحة والاعتزاز بماقام به الفدائي، بمشاعر الحزن والجزع...، وقد دبت فيها روح الإنسان بكل ماتزخر به من عواطف ومشاعر إنسانية، حين التقت عيناها، (بعيني المرأة. النظرة الجزعة تنادي عينيها. تستغيثان. تستصرخان، وشيء ما يزعزع أبواب القلب المغلقة بدون استئذان. وبياض العينين النادبتين يطلق رياحاً باردة كعصف السموم، ترنّحت أعماق "أم صابر" وتمتمت... رحمتك يارب)( ).

 

والتفتت نحو الصبية، وقد سقطت أرضاً من هول الصدمة، وفخذاها (المكشوفان... ذكّراها بأفخاذ ولاياها، وكل الولايا. خلعت المنديل عن رأسها دون وعي، وجلّلت به الفخذين العاريين. وتمتمت، وهي تنحني فوق الصبية المغشي عليها... ياحسرتي عليك يابنتي)( ).

هكذا تتضح أمامنا صورة "أم صابر" بوصفها امرأة شعبية جاهلة ومسحوقة، مهملة لبيتها ولأولادها، تكثر من أدعية اللعنة والسخط، (لا هم لها سوى القيل والقال والاستغابة، ونظراً لعالمها الضيق نجد أفكارها ساذجة تؤمن بالخرافة والشعوذة)( ). ولذا بدت شخصيتها بسيطة، وغير فاعلة على جميع المستويات، وإن تجلّت في مواقفها من الاحتلال بقايا حس وطني ولكنّه لا يغني ولا يثمر، في وضع كوضع الضفة، يتطلب من الإنسان يقظة في الوعي، وقدرة على مواجهة الواقع، بكل مايحفل به من مستجدات ومفاجآت.

 

2- أم أسامة: (الصبار):

(ولأن الزلزال كان كبيراً، وماتبعه من عسف واضطهاد كان كبيراً، فقد تنوّعت استجابات الذين ظلّوا تحت الاحتلال، تبعاً لطاقاتهم، ووعيهم وانتماءاتهم المختلفة، ولم يكن غريباً أن تلجأ نسبة ممن ظلوا إلى نوع من الاستسلام القدري الذي جاء نتيجة إحباط، بعد آمال كبيرة عاشوها)( ). ومثل هذا الاستسلام يمكن أن نجده في "الصبّار" لدى "أم أسامة" التي تنتظر أنْ يحلّها الحلاّل، ويزول الاحتلال، وهي تستسلم لأحلامها ومخّططاتها، ولأمانيها العذبة، بتزويج ابنها الوحيد (أسامة) من "نوّار" ابنة أخيها، ومن ثمّ يستطيع الحصول على إرث زوجه من المزرعة بعد وفاة والدها. تبدو راضية بحياتها، قانعة بواقعها، وبنصيبها من الدنيا. ويظهر ذلك على وجهها (المتلألئ بالرضى)( ). يصفها أسامة، فيقول: (أمي لا تقرأ أو تكتب. تبصم، لا أقل ولا أكثر)( ). همّها الوحيد، وشغلها الشاغل، أن تفرح بأسامة وتزوجه "نوار" بغض النظر  عن رغبته هو بالزواج، أو مراعاة ظروفه الصعبة، وإمكانياته المادية، واهتماماته الشخصية، وهو المثقل بهمومه الذاتية، وهموم شعبه الرازح تحت الاحتلال، وما آلت إليه الأوضاع في الضفة في أوائل السبعينات.

 

وتتضح صورة "أم أسامة" من خلال تداعيات أسامة. العائد إلى الضفة، بموجب معاملة (جمع الشمل) بعد غربة دامت خمس سنين، وهو يحلم بلقاء أمّه التي ستأخذه بالأحضان، وتغدق عليه سيل العواطف والقبل والتبريكات والدعوات: (وأميّ تنتظرني هناك. وستحشوني بالطبيخ بمجرد أن تطأ قدماي عتبة بيتها، ورائحة الطبيخ، ورائحة قوار النسيم، وسجادة الصلاة، وحب  الكارب، وبسملات الصبح، ونجوم الفجر مازالت تلمع)( ).

 

ويأتي مشهد اللقاء بما ينطوي عليه من إيجاز وتكثيف، لإبراز أبعاد هذه الشخصية، والكشف عن أعماقها، وإضاءة جانب هام من جوانب شخصية المرأة- الأم التي تجسد، على اختلاف صورها، مشاعر الأمومة الصادقة، والطيبة المفرطة، وقد أحاطتها الكاتبة - وكذلك سائر  الكتّاب الفلسطينيين - بهالة من التقدير والاحترام. (أمّي.. وارتمى على الصدر المترع بالبركة.  وقبلات وبسملات ومرحبات... وصرت عريساً ياأسامة، والبنات الجميلات يملأن البلد، وابنة خالك "نوّار" أصبحت منورة، طويلة، شعرها أملس بدون تمليس، والشباب يلاحقونها كل يوم من باب الدار حتى كلّية النجاح...)( ).

 

وتعد شخصية "أم أسامة" واحدة من الشخصيات النسوية البسيطة التي جسدّتها الكاتبة في "الصبّار" فجاءت صورتها متّسمة بالصدق والواقعية والبساطة، كما جاءت تصرفاتها ومواقفها وأقوالها منسجمة مع طبيعتها التي تميزها الطيبة والعفوية والقدرية، وهذا مايظهر في حديثها مع أسامة، حين يحدّثها عن أوضاع البلد، ويعبّر عن سخطه على الواقع، وما آل إليه وضع الناس، والبلد، (بكيت على الناس، يا أمّي. بكيت على البلد)( )، فتجيبه مطمئنة إيّاه: (البلد بخير يا ابني، بكره يحلها الحلال ويزول الاحتلال... ألا تؤمن بقدرة الله جلّ وعلا؟)( ).

 

ويجيبها (لا تقولي سيحلّها كيسنجر يا أمي)( ) فترد عليه: (سنجر! ألا تزال في البلد ماكنات خياطة أجنبية؟! ماكنات الخياطة كلها إسرائيلية الآن. وماكنتي هي السنجر الوحيدة في البلد)( ).

 

وبغياب الوعي، وتسطّح الفكر لدى "أم أسامة" يبلغ جهلها بقضايا الواقع اليومي، وما يجري في البلد، درجة تثير معها السخرية المرّة، إذ يتضّح ذلك من خلال رؤيتها القاصرة للأمور، وتصديقها لكل مايقال وتسمع. مما يرسّخ عزلتها، ويزيد في انغلاقها على عالمها الصغير، وهمومها الفردية، على الرغم من كونها تعيش في الضفة الغربية الموّارة بالأحداث والقلاقل، قبيل حرب تشرين عام /1973/.

 

وهاهي تحاول بطريقتها تهدئة ابنها (المناضل) وبث بذور الأمل في نفسه- ولكنّه أمل مهيض الجناح- فتقول له: (البلد بخير... ويمكن الصحفيين الأجانب الذين يزورون خالك، يؤثّرون على أمريكا. وأمريكا تقول لإسرائيل انسحبي فتنسحب. أرأيت كيف أنّ الأمور ليست صعبة كما تتصور؟! ألم أقل لك بكره يحلها الحلال)( ). عندئذ ينفجر أسامة، بعد أن سئم تكرار عبارتها "يحلها الحلال" ويحسم موقفه من مخططاتها الساذجة، ويعلن رفضه لها، ويعبّر عن ذلك بأسى وحسرة: (تزوّجين وتميتين وتخططين كما تريدين. وعند الأزمات الحقيقية تقولين  يحلها الحلال)( ).

 

ومن هنا يتضح مقدار عجز "أم أسامة" في مواجهة الواقع، والتغلب على العقبات والأزمات التي تواجهها، فوسيلتها في المواجهة، هي الركون إلى الأماني الطيبة، والإكثار من الدعوات الخيّرة، والاستسلام للأحلام، فحين واجهها أسامة بحقيقة الواقع، وبأن خطر الاحتلال (قد يصل إلى مزرعة خاله. بسملت، وحوقلت، وتمنت الفناء لإسرائيل، وواصلت أحلامها).

 

وإذا تقدّم سحر خليفة، صورة واقعية حيّة لنموذج المرأة التقليدية السلبية ممثلاً بـ "أم صابر" و"أم أسامة" فإنّها (لا تدين هذا النموذج كل الإدانة صحيح أنّها تبرز سلبياته التي هي نتاج طبيعي للظروف القاسية التي تعيش فيها المرأة (الجهل، التخلف، الفقر....) لكنّها في الوقت نفسه تبرز إيجابياته التي تنسجم مع الطبيعة الإنسانية المعطاءة التي فطرت عليها المرأة)( ) من حب وعطاء وصبر.

ولذا نجد الكاتبة تكتفي بتسليط الضوء على بعض السلبيات التي تعود في أساسها إلى المتعفن من الموروث، وإلى عهود الجهل والتخلف، وقد جاءت الظروف الصعبة لترسّخ هذا الواقع لدى بعض  النسوة الأميّات والجاهلات...

 

ثانياً: نموذج المرأة التقليدية الإيجابية:

حفلت الرواية الفلسطينية بنماذج متنوعة للمرأة التقليدية، التي تتسم تصرفاتها وأفكارها ومواقفها بالإيجابية، وتستمد سماتها من الواقع اليومي لحياة أبناء المخيمات الصامدة، حيث تعيش  المرأة ظروفاً بالغة القسوة، فيها البؤس والقلق والخوف والترقّب. تغالب مشاق الحياة من أجل البقاء وتعيش على القليل الذي يأتي به الرجل، أو مايخلفه لها، وكثيراً ما تستل لقمة العيش لها ولأبنائها بكدحها وعرقها، وسهر الليالي، ووجع القلب، وبصورة خاصة بعد فقد الزوج.

 وأبرز السمات التي تميّز هذا النموذج على الرغم من تنوعه وتعدد صوره: الطيبة والصدق والبساطة، والقدرة على العطاء، إذ كثيراً ما تبدو المرأة متفانية في سبيل أسرتها، وأحياناً في سبيل الآخرين. تعتز بكرامتها، وتصون نفسها، وتحفظ لسانها. وغالباً مايتجلى دورها الفاعل في الأوقات الصعبة. تبدو متمسكة بالعادات والتقاليد ، ولكنّها في الوقت نفسه تتمتع بالمرونة، فهي لا تعارض كل ماهو جديد، ولاسيما إذا لم يكن هذا الجديد يتعارض أو يتنافى مع العادات، والقيم الأخلاقية، والأعراف الاجتماعية.

 أبرز من يمثل هذا النموذج من النساء: المرأة الكادحة (القروية، والمدنية) التي لم تخرج كلّياً إلى العمل خارج نطاق الأرض أو المنزل، كأم حسن (القروية) في "العشّاق". وسعديّة (ابنة المدينة) في "عبّاد الشمس". ومن ثم يأتي نموذج الزوج الصالحة غير المنتجة، كالحاجة فاطمة في "نشيد الحياة".

 

1- المرأة القروية الكادحة: أم حسن (العشّاق):

يقدّم الكاتب رشاد أبو شاور في رواية "العشاق" صورة للأم الكادحة التي تمثّلها "أم حسن"، تلك المرأة الطيبة الصلبة، التي يعبر الكاتب، من خلالها، عن حقيقة المرأة العربية الفلسطينية القروية الكادحة. فأم حسن تكد وتعرق، وتعمل بجد ودأب في سبيل أسرتها،  وتعليم ولديها، على الرغم من اعتقادها أن (الصنعة جيدة، أفضل من التعليم وهمه)( ). وهي تعمل في محيط دارها، بصنع الطوب من الطين والتبن. تبدو في الخمسين من عمرها، حين تضحك. تكشف عن (أسنان سوداء قليلة، ولثة ناشفة، تساقطت أكثر أسنانها)( ). وهي قوية البنية. مفعمة بالحيوية والنشاط.

 

ويأتي ظهورها مكتمل الصفات والملامح والسلوك، فهي تستمد صفاتها من الواقع الحياتي اليومي الذي تعيشه، ويعيشه أبناء طبقتها في الضفة الغربية والقطاع، قبيل نكسة حزيران 1967 وبعدها. وتقترن بعض ملامحها بصورة الأرض التي تستمد منها القوة والثبات، فتبدو صورتها، وقد اشتملت على بعض الصفات التي أضفاها غسان كنفاني على "أم سعد" في روايته المعنونة باسمها. وإن لم ترق "أم حسن" إلى مستوى وعيها الاجتماعي والوطني، فأم سعد معادل فني لصورة الأم الفلسطينية الكادحة المسحوقة التي تجسّد الحس الثوري العفوي النقي في أبهى مظاهره لدى الجماهير الشعبية المسحوقة من أبناء المخيمات. على حين جاءت "أم حسن" لتمثّل الأم الفلسطينية الكادحة ببساطتها وعفويتها وواقعيتها، وإن حاول الكاتب أن يحمّلها بعض الدلالات الرمزية والإيحائية، وأغلب الظن أنه تأثر بشخصية "أم سعد"، واستمد منها بعض الصفات والملامح التي أضفاها على "أم حسن" فجاءت صورتها ممتزجة بملامح الواقع الذي تعيشه.

 

تنطلق الرواية في تصويرها لأم حسن، وهي تقوم بعملها اليومي المعتاد الذي تحبّه وتقدّسه.  فهاهي ذي (تعمل في مملكتها... عند العمل تكون أم حسن نحلة، لا تكون ورشة، لا تكون طيناً  يمزج طيناً. وجهها المخدّد الأسمر القاسي الطيّب. جسدها الضئيل، كومة العظام في الجلد الأسمر المحروق، قامتها المائلة إلى القصر، تنبض، كلّها حياة وقوة، وأغان شجيّة)( ).

 

وحين تقف وسط جبلة الطين، تبدو قامتها منتصبة (مثل زيتونة جبلية صغيرة، ولكنّها قوّية. هذه المرأة... لا تصنع الطوب من أجل الربح. إنّها تستمتع بخلق هذا الطوب، وبأنّ الناس يبنون بيوتاً من عرقها وجهدها)( ).

 

ونلمس في كلامها وأفعالها ومواقفها تجليات الوعي الاجتماعي البسيط، والحس الوطني العفوي لدى الجماهير الكادحة، فهي تنبذ بعض السلبيات في المجتمع المتخلّف، ولا تلتفت لبعض العادات والتقاليد التي تقيّد المرأة، أو تسلبها حرّيتها، وتجعلها تابعاً كلياً لسلطة الرجل، ولذا نراها تثور على تصرفات زوجها العجوز المزاوج الذي يمارس سلطته القمعية على نسائه (يوم كان يعرّي نساءه الأربع، وينهال عليهن ضرباً لأتفه سبب)( ). وتنال أم حسن حريتها، بحصولها على الطلاق، بعد أنْ كسرت هيبته أمام نسائه (وزرعت بذرة الثورة ضده)( ). كما ترفض زواجه الأخير، والطريقة التي تمَّ بها، حين (استولى على "حسنية"، وبدّل بها. أعطاها لفتى من القرية وتزوّج أخت ذلك الفتى)( ). وتصارحه بحقيقة غلطه، بالزواج من فتاة تصغره بكثير. تقول له:(الدنيا تغيّرت، ولكن عقلك ناشف، لقد تزوّجت أربع نساء قبل هذه البنت، ألم تكتفِ)( ). وتعبّر عن حسرتها لحال تلك الفتاة المسكينة، وتعاطفها معها، لأنّها أُرغمت (على الزواج من عجوز لا يعرف من الدنيا غير لذّته)( ). وهي في المقابل لا تعارض  علاقة الحب النبيلة التي تربط بين العشاق (محمود وندى، وحسن وزينب)، بل تبارك هذه العلاقة، وتفسح المجال للقاء المحبيّن (محمود وندى) في دارها، لثقتها بهما، وقناعتها أنّ (الحب أهم عاطفة في حياة الإنسان. إنّه الوقود الذي يجعل الاستمرار ممكناً. إذا انتهى الحب في حياة الإنسان انتهت حياته الحقيقية... الحب هو قوة تحرّر الإنسان، وهو الدافع للحركة من الداخل إلى الخارج)( ).

 

ولذا نسمعها تقول لمحمود: (ماذا في الحياة غير الحب يافتى. افرح أنت وهي، غداً تموتون وتصيرون تراباً، فتأتي أم حسن أخرى، وتمزجكما بالماء والتبن، وتصنع منكما طوباً... آه لو أنني بعمرك ياندى... كنت أحببت على عيون جميع الناس)( ). 

 

وتتطابق أقوالها مع أفعالها، فبينما هي "تمقت البطالة"، نجدها تحاول أن تأخذ بيد الشباب العاطلين عن العمل، فتساعدهم، وتتحسس معاناتهم ومشاكلهم، وتدرك بحسّها  العفوي، مقدار الظلم الذي يلحق بالشباب المثٌّقف -حسن ورفاقه- في ظل الاحتلال من جهة، وتعسّف السلطات المشرفة على شوؤن الضفة والقطاع قبل عام 1967 من جهة أخرى، ولذا فهي تشغِّل بعض الشباب، وتعاملهم كأبنائها: (كان أكثر من أربعة شباب يدورون حولها، يناولونها التبن، ويساعدونها في نقل الماء، ويتبادلون معها أطراف الحديث.... قالت (لمحمود): هؤلاء كلّهم يحملون الشهادات الثانوية، لكنّهم بلا عمل، إنّهم يدورون وراء البنات)( ).

 

وتستنكر "أم حسن" بعض مظاهر الفساد المستشري في أوساط القيِّمين على رعاية شؤون المخيم، وبعض العاملين في توزيع الإعاشة على اللاجئين، وتنبذ هذه المظاهر، ولكنّها في الوقت نفسه لا تستطيع مواجهتها، فهي تعلم أنّ (رئيس المخفر، ومدير المخيّم، ومساعد مدير المخيم. يشكلّون عصابة. أمّا المخاتير فواحد منهم شريك في العصابة، لأنّه قوي، ويعرف قائد المقاطعة)( )، ولذا فهي تقول لمحمود بسخرية مرة: (اللصوص مقامات يافتى...)( ).

 

لقد جسدت "أم حسن" في مواقفها وأقولها وأفعالها، إرادة الحياة، وروح التحدّي، والصمود، والتشبث بالأرض لدى أبناء طبقتها، وها هي تشد على أيدي الشباب الذين شرعوا يخطّطون وينفّذون عملياتهم داخل الأرض المحتلة، فتعبّر عن فرحتها وسعادتها الغامرة بما يفعلون.

هكذا قدّم رشاد أبو شاور، صورة واقعيّة نابضة بالحياة، للمرأة القروية الكادحة، من خلال تصويره لأم حسن، إذ أعطاها حقّها من الحب والاحترام والتقدير، وجاءت سماتها وملامحها الخارجية تنم عن جوهرها، (فهي شخصية لا تتناقض، تحمل الماضي، وترفد حركة الحاضر، وتنطوي كالشجرة على ثمار المستقبل، فلا تمنع ابنها من القتال مع الفدائيين، بل تسعد بالدور الذي يقوم به. إنها الأم الفلسطنيية... ببساطتها وعفويتها وعمقها أيضاً، وهي رمز التشبث بالأرض، والانتماء إليها)( ).

 

2- المرأة المدنيّة العاملة: سعدية (الصبّار، عبّاد الشمس):

ويطالعنا في "ثنائية سحر خليفة" نموذج آخر للمرأة العاملة، غير المتعلّمة، متمثّلاً في سعدية (أم حمادة) التي اضطرتها الظروف الصعبة، بعد استشهاد زوجها "زهدي" للعمل لإعالة أسرتها الكبيرة، فتعرّضت لها ألسنة بعض النسوة الجاهلات في الحارة، كأم صابر، وأم تحسين، اللتين عبّرتا عن استهجانهما لعملها وسلوكها، وأنكرتا عليها هذا الحق... وتكاثرت حولها الأقوال والشائعات، وحيكت القصص التي تطعن بشرفها، وتثير حولها الظنون، بدافع الجهل والغيرة...ولكنّها على الرغم من كلّ ماقيل، استمرت في عملها الحر الشريف. ولم ترضخ لإغراءات شحادة، ولم تسقط، وبقيت محافظة على شرفها، وعفة نفسها.

 

وإذا كانت هذه المرأة قد ظهرت في "الصبّار" فإنّها لم تشغل حيّزاً ذا قيمة في الرواية، فقد تعرّفنا طباعها من خلال أحاديث زوجها "زهدي"  عنها. إذ كان يتحدث عن بساطتها وحسن معاملتها له ورعايتها لأمور بيتها وأولادها نعم الرعاية، ويثني على تدبيرها واقتصادها في مصروف البيت، من أجل الادخار للأوقات الصعبة.

 

وتعرض الرواية، أيضاً، العلاقة الحميمية بين الزوجين، وتؤكّد وفاء سعدية لزوجها وحبّها له. فها هي تقف إلى جانبه في أوقات الشدة، وتشد أزره، وتواظب على زيارته في سجنه وتجلب له بعض الكتب التي يطلبها. و(تحفظ أسماءها عن ظهر قلب)( )، وتضحي بأساورها الذّهبية عن طيب خاطر، لتأمين مصروف الأسرة، بعد غياب رب الأسرة.

أمّا في "عبّاد الشمس"، فنقف على سمات هذه المرأة، وملامحها، وأبعادها النفسية والاجتماعية، وتطلعاتها المستقبلية، وذلك إثر انخراطها في الحياة العملية بعد استشهاد زوجها،  واضطرارها للخروج من عالمها الضيّق المحصور في البيت والأولاد، إلى العمل، لاقتناص لقمة العيش، من غير أنْ تنتظر حسنات الأجاويد، فتسترخي للفقر والذل.

وتعود الرواية إلى ماضي سعدية إذ نشأت في أسرة فقيرة مسحوقة، وفي أحد الأحياء الشعبية البائسة في مدينة نابلس، وتجرّعت مرارة الفقر والحرمان. كان والدها بائع طمرية، أما والدتها فكانت تخدم في البيوت لتساعد زوجها في تحمّل أعباء الأسرة. 

 

تتذكر "سعدية" تلك الأيام السوداء (حين كانت تلبس، في العيد، فساتين بنات الأكابر، حيث كانت أمها تغسل الملابس، وكيف كانت تخشى المرور بشارع الأكابر خوفاً من أن تتبعها ابنتهم، وتقول لها: ياسعدية، ياشحادة، أنتِ لابسة فستاني. حدث هذا الموقف مرة، وبكت سعدية حتى انفجرت)( ).

 

وتمضي الأيام، وتتزوج سعدية من العامل زهدي، وتعيش حياة هانئة، راضية بنصيبها من الدنيا، مع رجل كان "سيّد الرجال" -كما تقول-  وتخلّف منه عيالاً كثيرين. يتذكرها باسل الكرمي حين كانت تمر بالشارع (وخلفها قطيع الأطفال. كانت تضع على شفتيها حمرة فاقعة كالشقيق، وتلبس شبشباً عالي الكعب، وفستاناً أبداً مزهراً)( ). كانت أعباؤها آنذاك محصورة في أعمال البيت، وتربية أطفالها، والقلق على زهدي من البطالة، ومن اليهود، ولكن حين استشهد زهدي وجدت نفسها وحيدة، من غير معيل، فاضطرتها الظروف لتحدي الواقع الصعب، وتحمّل أعباء الأسرة الكبيرة، ومواجهة متطلبات الحياة اليومية، بصبر وإرادة قوية، وحين (خرجت إلى الدنيا الواسعة، اكتشفت كم هي صعبة حياة الرجال. وأصعب الصعب أنْ تحاول امرأة، أن تعيش هذه الحياة. دعك من مشاكل الرزقة التي تسحبها من بين أسنان وحش... فهناك المشاكل الأخرى، وهي أمرّ وأقسى. امرأة شابة، جميلة وأرملة)( ). ومهما يكن لابد من العمل، (فالعمل هو الحل الوحيد، فيه الرزق، وفيه النسيان، وفيه الفرج)( ).

 

ويبدأ التطور التدريجي اللافت في شخصية سعدية، بعد انخراطها في العمل بالخياطة في منزلها أولاً، وبمفردها، ثم لايلبث عملها أنْ يتطور ويتّسع، بفضل دأبها وكدّها واجتهادها، وسهر الليالي، ليصبح المنزل أشبه بمشغل، تخيط فيه القمصان التي يأتي بها شحادة (الانتهازي) من إحدى شركات الألبسة في تل أبيب، مفصّلة، ونصف جاهزة، لتكمل هي ماتبقى من خياطتها، فيزداد دخلها، وتتحسن أحوالها المادية والمعيشية، وينعكس أثر ذلك على مظهرها وشخصيتها.

 

يصفها عادل، وهو يلمس ملامح هذا التغيير: (كانت تلبس تنورة سوداء، وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة. وكانت قد هزلت كثيراً، واختفت النتوءات من جسمها، واستبدلت بانحناءات انسيابية لطيفة، واختفى الشعر الطويل، وحلّت بدلاً منه قصّة مستديرة، أعطتها مظهراً أكثر حيوية وشباباً)( ).

 

وحين بادرته بالتحية (كان في صوتها صلابة، توحي بثقة كبيرة بالنفس، رقصت لها نفس عادل إعجاباً واحتراماً. فهاهي امرأة قوية، باستطاعتها أن تتحدى ظرفها، وظروف البيئة، وتقف على قدمين ثابتتين ولا تهتز، وهبّ من مكانه فارداً كفه وصافحها بحرارة)( ) مكبراً فيها هذا الإصرار، وهذه الإرادة القوية على مغالبة الصعاب. وشرعت تحكي له قصّة عراكها مع الحياة، ومعاناتها بعد استشهاد زهدي، وموقف الجيران منها، وتنكّر الكثيرين لها، ولذكرى زوجها، وماتعلمته من دروس، جعلتها مقتنعة بحكمتها الشعبية القائلة: (ساعة الحاجة والغفلة ما ينفعك غير قرشك)( ).

 

لقد عاشت سعدية بعد استشهاد زوجها ظروفاً بالغة الصعوبة، علّمتها معنى أنْ يعتمد الإنسان على نفسه، ولا ينتظر إحسان الآخرين، وتعاطفهم معه. ونتيجة لكل ماعانته فقد باتت تشعر بشيء من الغربة في وسطها الاجتماعي (الحارة وأهلها) ونمت لديها بعض الطموحات  الكبيرة، وباتت تقدّم مصالحها الشخصية على ماعداها، وهذا مايستشف من حديثها مع "نوار" وهي تحاول إقناعها بالتخلّي عن وعدها لـ "صالح" بالانتظار، مستغربة ومستنكرة موقفها. لقد جسّدت الرواية في هذا النموذج ( سعدية)  بعض السمات التي تمّيز شخصية المرأة العاملة، التي تنحدر من بيئة فقيرة مسحوقة، ترزح تحت وطأة الجهل والفقر، ومايمكن أن تتعرّض له من مضايقات وافتراءات، في ظل مجتمع متخلف ومقهور، وهي مازالت قليلة الحيلة والتجربة، غير مسلّحة بالعلم والوعي الكافيين. فقد تضطرها ظروف العمل للاحتكاك بالجنس الآخر، كما قد تضطرها للسفر -كما حصل مع سعدية- عندئذ تزداد سهام النقد والتقريع الموجّهة إليها، وتلقى معارضة عنيفة لخروجها عن الأطر التي رسمها هذا المجتمع لها، فيعد خروجها تحدّياً، بل خرقاً لمعاييره وقيمه. وهذا ماواجهته سعدية بالفعل من نساء الحارة، ورجالها.

 

وفي ذلك مايؤكد أن (أكثر العناصر استلاباً وقهراً في المجتمع المتخلّف، هي أشدها عداونية وعنفاً على من حاول التمرّد على التقاليد، وتحدّي المعايير وخرقها، فهناك تعبئة نفسية ضد كل من يخرج على التقليد، إنها الفضيحة تلاحقه، وهو يستباح في سمعته ورزقه... ويأخذ العدوان عليه طابع التشفّي... والتشهير، يتحالف الكل للنيل منه، وفي كل ذلك تصريف واضح لما تراكم عند كل فرد من أفراد الجماعة. خصوصاً المقهورين منهم، من حقد وعدوانية نابعين من الإحباط والمهانة اللذين يتضمنهما الغبن المفروض عليهم)( ).

 

وهذا ماذاقته سعدية بالفعل من بعض النساء الجاهلات في الحارة، من مثل أم صابر، وأم تحسين، وأم فتحي، وغيرهن، مماعزز قناعتها في مغادرة الحارة، مؤثرة الهرب على المواجهة.

 

... وعلى الرغم من ذلك الاضطراب، أو الخلل الذي يشوب بعض مواقف سعدية من الناس والبلد، فقد أبرزت الرواية الكثير من التحوّلات الإيجابية التي طرأت على شخصيتها، ومستوى معيشتها، بفضل انخراطها في العمل، وممارستها لحرّيتها بقدر كافٍ من الشعور بالمسؤولية. ولكنّها على الرغم من ذلك كله، بقيت أسيرة الواقع الاجتماعي المتخلّف الذي تتحرك فيه، وهذا ما يؤكده تساؤل عادل وهو يتأملها بإعجاب مشوب بالحذر والحسرة: (الجمال البلدي الأصيل، ومازالت في عز الشباب، وقد تعلّمت المرأة الكثير، كيف تعمل، وكيف تلبس، وكيف تخاطب الرجال دون أن تحمر أو تتلعثم. خامة ممتازة. مادة قابلة للتشكيل، ولكن الوعي؟! لا وعي إلا بصيص من حس اجتماعي متمرّد. وهذا شحادة يقف بالمرصاد، وستعود.. إلى قواعد الحريم غير سالمة. شحادة والسلامة لا يجتمعان)( ).

 

لقد قاومت سعدية بحزم وقوّة إغراءات شحادة، وتماديه معها. فقد حاول مرة رفع الكلفة بينه وبينها، واعتبر نفسه مسؤولاً عنها، حين سافرا معاً إلى تل أبيب لتسليم البضاعة، وقبض الأجر. فوقفت منه موقف الند، وواجهته بجرأة، وثقة بالنفس: (من إيمتى تناديني سعدية حاف ياشحادة؟.... أولاً أنا "أم حمادة" ومش سعدية. وثانياً: أنا مش حرمة، أنا مثلي مثلك، أنت صاحب مصلحة، وأنا صاحبة مصلحة. وثالثاً ماحدا مسؤول عنّي غير الله ونفسي.  مفهوم؟!)( ).

 

وترفض عرضه بالزواج، على الرغم من حاجتها لرجل يحميها، ويلجم ألسنة الناس، ويرد عنها نظراتهم، وأطماعهم فيها وتردد في سرها: (يابادلة النخلة بسخلة)( ).

وشحادة (يريدها بما تملك، دون أولادها، ويفكّر بطريقة تخلّصه منهم، وحين يكتشف أنّها تملك من الاستقلالية مالا يستطيع السيطرة عليه، يختفي من حياتها، ومن الرواية أيضاً)( ).

 

(وبسبب غياب الوعي، (وازدياد) مردود العمل، ولدت في ذهن سعدية تطلعات برجوازية)( ) وباتت تفكر بالخروج من الحارة، والابتعاد عن ناسها ومجتمعها، وهموم البلد وشجونه، ومعاناة شعبه. وقد تنامى لديها الأمل بعد شراء قطعة أرض في "جبل الشمس" في نابلس، وباتت تحلم ببناء مسكن عليها، وزراعة ماتبقى منها بالخضار والزهور. حينئذٍ تستطيع أن تتخلص من العيون التي تحملق، واللسانات التي تلعن، وتنسج حولها القصص والشائعات: (سعدية وشحادة، سعدية والماكينة، سعدية وتل أبيب، سعدية تنام في تل أبيب ولا تسأل حتى عن أبنائها. سعدية في حمام البلد، سعدية وخضرة....)( ).

 

وتحاول سعدية إقناع ابنها "رشاد" الفتى المتحمّس الذي يرفض ترك الحارة، فتقول له:  (هون الأرض واسعة، وشجر وعصافير، وبكرة تصطاد العصافير بمقليعتك بدل الجنود، وما يحاسبنا  حدا، لا مظاهرات، ولا نقف رؤوس، ولا تعالي ياسعدية ادفعي الغرامة بالتي هي أحسن. هون لا منع تجوّل، ولا حبس ولا مشاكل. هون أحسن)( ). وفي ذلك مايفّسر انكفاء سعدية على نفسها وأحلامها، وإيثارها السلامة، والهرب، لأنه في اعتقادها خير وسيلة للخلاص من جميع المشكلات التي تؤرقها، وتنغّص حياتها، بعد أن ضاع الشباب والعمر في الكدح والعرق، ووخز الإبر، وسهر الليالي... ولكنّها لا تتبين عقم موقفها الانهزامي الذي تقفه من واقع الاحتلال، وأهل الحارة، إلا بعد مصادرة الصهاينة لأرضها التي أفنت عمرها حتى اشترتها، فتنهار أحلامها في غمرة الأحداث التي تعصف بالبلد، في منتصف السبعينات، فتعود إلى نفسها الطيّبة الأصيلة، وإلى حارتها وناسها، فهي أحد معالمها الهامة، ولا يمكن أنْ تهجرها، كما توقع باسل الكرمي (الشاب الثوري).

 

لقد أدركت سعدية بعد تلقيها الصدمة، وشعورها بالخيبة والمرارة، أنّ واقع الاحتلال البغيض، لن يتيح لها تحقيق ماتصبو إليه من حياة هانئة مستقرة، وإن ابتعدت عن مواجهته، والتزمت الحذر، وآثرت السلامة، فثارت على هذا الواقع: (والله حاسة راسي نافورة نار، ودمي حامي ولا الكبريت. والله... لو بإيدي قنبلة لأنسف العالم....)( ).

ولا يلبث هذا الغضب الأعمى المضطرم في داخلها، أنْ يتحوّل إلى ثورة، ومشاركة فاعلة في مقاومة جنود الاحتلال، وهم يحاصرون الرجال والفتيان في ساحة المدرسة. واندفعت تركض لتلحق بابنها "رشاد" وتبعتها النسوة. هجمت على الضابط، فصفعها، (تشبّثت بصدره "ابني". صفعة ثانية... تراجعت خطوات، ثم الهجوم. رفسته مابين الرجلين، بكل الحقد، وكل المرارة، وغضب القلب المغضون.... وبدأت سعدية تضرب، والنسوة تضرب. حجارة، حصى...، شظايا زجاج... وقفت سعدية، لمحت رشاداً يضرب من فتحة مقليعه، من أعمق الأعماق صاحت: عليهم يارشاد، عليهم ياولدي، عليهم ياحبيبي يازهدي!"( ).

 

هكذا يتضح الخيار الوحيد، وهو المواجهة الفعلية، والقتال لتغيير الأوضاع الراهنة.  (وبذلك انتقلت (سعدية) من الموقع السلبي، إلى الموقع الإيجابي، عبر التجربة التي تستطيع أن تخلق الوعي بشكل أسرع، لدىالطبقة التي تنتمي إليها، خاصة وأنها بعد أن فقدت حلمها البرجوازي، لم تعد تخاف على شيء آخر)( ) (كله رايح، يارملتي، كله رايح، الجوز والابن والأرض والشغل والسمعة بين الناس...)( ).

 

وبذلك تدين الرواية كل مظاهر الانهزامية، والتأقلم السلبي مع واقع الاحتلال، والاستسلام لما يحقّقه الفرد على الصعيدين المادي والمعنوي من مكاسب أو امتيازات، وسط هذه الظروف اللا إنسانية التي لا تسمح للإنسان، مهما يكن أن يحقق وجوده، أو بعض مايطمح إليه.

لقد مرّت سعدية بتجربتين حارتين مؤثّرتين: الأولى فقد الزوج، ومن ثم الانخراط في العمل، والثانية فقد الأرض التي حلمت بها كثيراً. هاتان التجربتان حررتاها من عزلتها وأحلامها البرجوازية. وأطلقتا قواها الكامنة، وجعلتاها تتحوّل من السلب إلى الإيجاب، فكان موقفها الأخير من قوات الاحتلال، ثمرة الاحتكاك مع الواقع اليومي، والتفاعل معه، فظهر معدنها الأصيل، بعد أن عركتها الأيام بنابها، وصهرتها الآلام، فاتضحت قوة الإرادة التي تتحلى بها، من خلال بعض مواقفها، ولاسيما موقفها الأخير.

 

3- المرأة الزوج الصالحة: "الحاجة فاطمة" (نشيد الحياة).

تحكي رواية الكاتب يحيى يخلف "نشيد الحياة" (في بساطة أسرة... عن الناس الطيّبين الودودين الذين يحبّون الحياة حتى الوله، ويستمتعون بالقليل الذي تقدّمه لهم أرزاقهم وأوضاعهم الاجتماعية.. الحياة عندهم غالية ومقدّسة، الحياة بكل أشكالها ومظاهرها من إنسان وحيوان ونبات، ومايحوط هؤلاء من مظاهر الطبيعة)( ).

كما تعرض صورة مشرقة دالة لنموذج المرأة الزوج القروية الصالحة، الطيبة، الودود، ذات الهمة العالية، والنفس السمحة، والقلب العامر بالحب والإخلاص. وقد تمثلت هذه الصفات، بعضها أو كلّها، في معظم الشخصيات النسائية في الرواية: زليخة، زوجة أبي العسل، زوجة الزهيري، الحاجة فاطمة زوجة الشايب. ويلاحظ أنْ جميع الشخصيات في الرواية (لها حظ متساوٍ في الحضور الروائي، كحظها المتساوي في الحياة، ليس هناك شخصية تتضخم على حساب تضاؤل الآخرين. فهم جميعاً، يجمعهم مخيم الدامور الذي يوحّدهم في بؤسهم وأحلامهم، في ضعفهم وشجاعتهم. نتعرف عليهم عبر اتصالهم لا عبر فراداتهم... وعظمتهم تتأتى من خلال أمانتهم في الحفاظ على هذه البساطة الإنسانية، بصدقها وحرارتها، وانفعالها، وتألّقها وأمانيها، وأحلامها)( ).

ولعل أبرز من يجّسد تلك الصفات النبيلة مجتمعة، الحاجة فاطمة، زوجة الشايب، على الرغم من غيابها الفعلي عن مسرح الحدث الروائي، فحضورها متمثل بكثافة في ذاكرة زوجها، بملامحها وطباعها، وسماتها النفسية والخُلقية، يقّدمها الكاتب دفعة واحدة، وبتكثيف لافت، فتبدو في صورة ملائكية، فهي مشرقة الوجه، مؤمنة، طيبة النفس، كريمة، وفيّة.

 

وتأتي صورتها، من خلال استدعاء الكاتب لحظة مشرقة من لحظات الماضي الدافئ السعيد- قبل الهجرة 1948- لا تقف محض نقيض للحاضر المثقل بالهموم، وإنّما تتجاوزه لتجد صداها في نفوس الكثير من الأزواج، ممن عاشوا في ربوع فلسطين، فردوسهم المفقود، ينعمون الأمن والاستقرار، والحياة الهانئة، وها هي ذكراها تمر بخاطر زوجها الشايب، فينساب ينبوع الذكريات العذبة الندية. ذكريات الأيام السعيدة التي أمضاها مع شريكة العمر التي فارقته باكراً، وخلّفته وحيدا يعاني الوحشة والكآبة، وهو ينتظر ((من يجبر عثرة القلب الكسير.... وينتشله من أعماق بئر العزلة))( ).

 

وها هو يتذكرها، حين كانت ((تأتي متسلّلة على رؤوس أصابعها لكيلا توقظك، تجهّز لك أبريق الوضوء، وقهوة الصباح، وطعام الإفطار من العسل... من الشهد الصافي))( ).

وتنساب هذه الذكريات لتضفي مزيداً من الدفء والحميمية على جو الرواية، وعلى تلك العلاقات الإنسانية المميّزة، التي تؤلّف بين الناس. في مجتمع الرواية الذي يمثل أبناء المخيّمات في بيروت قبيل الاجتياح عام 1982 وأثناءه، ولتخّفف، أيضاً، من وطأة الواقع، وتبدّد وحشة الزوج، وإحساسه بالكآبة والموت. فتكون الواحة التي يستروح في ربوعها، والبلسم الذي يداوي جراح القلب، ويبدّد كرب الواقع وقلقه.

 

يتساءل الشايب: ((لماذا تمر بخاطره ذكرى تلك المرأة الوفية. المرأة الفلاحة التي تستيقظ قبل صياح الديك. التي تشتغل في الحقل، وترّبي الدجاج في البيت، وتطبخ وتخبز، وفي آخر الليل تنضو ثوبها الأسود، وتندس بجسدها الأبيض الطري. تنام بجانبك في العتمة وتلتصق بك. فيضيء الكون، وتتوّرد الأشياء، ويصبح للمساء طعم التفاح. وفي الصباح الباكر قبل آذان الفجر. تسخّن لك الماء، لتستحم حتى تذهب إلى المسجد طاهراً))( )

هكذا تنقلنا الرواية عبر ذكريات الزوج إلى عالم الحاجة فاطمة البسيط الوادع.. فنتعرف عالمها، والبرنامج اليومي لحياتها، ونقف على تصرفاتها وطباعها، ومن ثم علاقتها الزوجية الحميمية عبر تلك اللوحة الحية والموحية التي رسمها الكاتب، مقدماً بذلك ((معنى العلاقة الجنسية... من داخل الشخوص، فاستغل الخيال الجميل، والرؤى ذات الدلالة الإنسانية، بدلاً من الإسهاب الممل في رسم دقائق العلاقة نفسها. وليس (من) شك، أن التأمّل الدقيق في عرض الانفعالات النفسية التي تبطّن أية علاقة اجتماعية، أشق بكثير من الوصف الخارجي لهذه العلاقة. بل إن مقاييس الفن العظيم هو مدى تغلغله في النفس الإنسانية، لا مدى قدرته على التقاط الظواهر السطحية))( ).

 

وتتلاحق الذكريات في رأس الشايب، فتتضح الصورة أكثر فأكثر. ((كانت امرأة طاهرة، نظيفة القلب والروح.. تفيض البركة من كفيّها. على شفتيها صلوات الشكر على النعمة، حتى في أيام الشدة.. تحب الناس. بيتنا لم يكن يخلو من الضيوف... هي سيدة البيت، وأحياناً هي رجل البيت. لا تنسى أحداً من الأقارب. لا تنسى العائلات المستورة، تعطي مما يعطينا الله بسخاء. تشكر الله على نعمه، وتصوم رمضان، وتطعم المساكين، وفي المناسبات الدينية، تقوم بالواجب، وبما تتطلبه العادات والتقاليد، وكانت تهتم بهندامي لكي أظل- كما كانت تقول- زينة الرجال. لم تنجب لي أطفالاً. لم أتزوج عليها، وعندما كان الحزن يعصف بقلبها لأنها عاقر.. كنت أخفّف عنها، وأقول لها: إن الخصب ليس بالحمل والولادة. الخصب في شخصيتها الكريمة، وأخلاقها النبيلة.. الخصب في كرمها وعنفوانها. وجمال جسدها))( ).

 

ولذلك فهو لم يتزوج عليها، لم يفكر بسواها، حتى بعد أن رحلت، ظل وحيداً وفيّاً لذكراها، لقد اختطفها الموت فجأة. ((ذات ليلة بعد أن استحمّت، ومشّطت شعرها، حيث أصبح الصباح، فإذا بقلبها يكفّ عن الخفقان))( ).

 

فمن خلال ذلك التقرير السردي الوصفي الذي ساقه الكاتب على لسان الشايب، وقد بدأ شريط الذكريات ينساب بتدّفق وحيوية، قدّم لنا صورة، واقعية حية مشرقة، لنموذج الزوجية الصالحة، وجاءت الصورة تنضح بالمودة والرحمة، وهي تبرز العلاقة الإنسانية الحميمية بين الزوجين- وكذلك الحال بين سائر الأزواج في الرواية -إذ يسود الحب والتفاهم والاحترام تلك العلاقة، فنستشعر فيها الدفء، والتراحم والعدل والمساواة. كما نلمس فيها الصبر على الشدائد وتذليل الصعاب.

ولا عجب في ذلك، فكل ما في الرواية يشي بالأمل والتفاؤل، وحب الحياة، على الرغم من قساوة الواقع، وما يحفل به من قلق وخوف وترقّب ودمار وموت، ومن هنا جاء((عنوانها يحمل التفاؤل، فهي ليست مرثية لمن ماتوا، وإنّما هي نشيد الحياة لمن بقي، ويبقى من رجال الثورة))( )، وأبناء المخيّمات. إنّها نشيد لهؤلاء الذين يتشبثون بالحياة ببسالة وأمل وعنفوان.

 

هكذا قدّم الروائي الفلسطيني صورة متنوّعة الدلالات لنموذج المرأة التقليدية الإيجابية، وقد اتسم هذا النموذج بالصدق والواقعية، والطيبة المحبّبة والجرأة، والقدرة على العطاء. وبرز الدور الفاعل لهذا النموذج في المحافظة على كيان الأسرة الفلسطينية، أو ما تبقى منها بعد فقد الزواج في معركة الكفاح الوطني المشّرف.

 

 

الفصل الثالث نموذج المرأة المثقّفة

 

تمهيد:

استحوذ نموذج المرأة المثقفة على اهتمام الكثير من الروائيين الفلسطينيين، وشغل حيزاً بارزاً داخل النص الروائي، سواء أكان ذلك في الأحداث، أم في المقاطع السردية، ولعل السبب في ذلك الحضور يعود إلى قدرة هذا النموذج في التعبير عن فكر الكاتب، ورؤيته للعالم من حوله، فهو يعلّق عليه الكثير من الآمال على الصعيدين الاجتماعي والوطني( ).

 

وبما أنّ المثقف ((إنسان علم ومعرفة، وموقف حضاري عام تجاه عصره ومجتمعه. إنسان شديد التأثير بالبيئة الاجتماعية المحيطة به، كما أنه في الوقت نفسه، إنسان شديد التأثر في وسطه الاجتماعي، وفي محيط عالمه وعصره، وذلك لما له من قوى فكرية خاصة، ومواهب روحية ونفسية متميزة))( ) فإننا نجد الكاتب الفلسطيني يثير عبر شخصياته المثقفة، ولا سيما النسائية، أبرز القضايا التي تتصل بعالم المرأة، وقضيتها، إضافة إلى طرح بعض الأسئلة التي تدور حول دور المثقف في تحرير المرأة، ودفعها إلى دائرة الفعل الهادف والبناء.

 

وإذا بحثنا عن الانتماء الطبقي والأيديولوجي للمثقفين والمثقفات في الرواية الفلسطينية، وجدنا أنهم ينحدرون من طبقات المجتمع كافة، ولا سيما من أوساط الطبقة الشعبية الكادحة التي دفعت، غالياً ثمن الهزيمة وتردي الوضع العربي في مراحل معينة من تاريخ القضية. ولدى العودة إلى الرواية الفلسطينية تتضح أمامنا معالم الصورة الحقيقية لنموذج المرأة المثقفة، تبعاً لتباين اهتمامات المرأة المثقفة، وتنوع صورها. بدءاً من نموذج المرأة المثقفة الضائعة، ومروراً بنموذج المثقفة الانتقالية الباحثة عن ذاتها، وانتهاءً بالمثقفة الواعية التي تسعى لتحقيق وجودها وتأكيد هويتها.

 

أولاً: نموذج المرأة المثقفة الضائعة:

1-عفاف "مذكرات امرأة غير واقعية"

تفصح افتتاحية رواية "مذكرات امرأة غير واقعية" بصورة واضحة وصريحة عن مقصد الرواية، إذ تضعنا مباشرة في صلب القضية. إنها ((القضية التي تؤرق عفاف. ومن خلالها المرأة العربية، وهي قضية الانتماء))( ). إذ تبدأ الرواية بهذا التعريف على لسان عفاف: ((أنا ابنة المفتش، وبقيت كذلك حتى تزوجت، وأصبحت زوجة تاجر، وأحياناُ أكون الاثنين معاً، فحين يسخر الزوج يناديني: "يا ابنة المفتش"، وحين يغضب الوالد يناديني يا امرأة التاجر))( ).

 

وعفاف كما تقدمها الرواية، عبر مذكراتها وتداعياتها، وتعيش حالة من القلق والضياع، وعدم التكيف مع محيطها الاجتماعي، ((فالتناقض قائم بين الذات الجوهرية الكامنة في الداخل، و.. الذات الاجتماعية التي يتقبلها الآخرون، والبون شاسع بين ما ترتئيه هي كحسن فهم واتزان.. وما يرتئيه الآخرون في هذا المضمار))( ).

 

وتكشف الرواية عن ماضي عفاف، وسيرتها الحياتية، فهي تنحدر من أسرة برجوازية متوسطة، تقيم وزناً كبيراً للعادات والتقاليد. أخواتها البنات متزوجات من كبار الموظفين، أما إخوتها الذكور فمنهم المحامي والطبيب والمهندس. وتتلخص أزمة "عفاف" النفسية في معاناتها الشعور بالوحدة والقلق والإحباط، نتيجة حياتها الزوجية التعيسة، ووعيها العميق بتناقضات الواقع السلبي الذي عاشته، وورثته بكل أعبائه، من غير أن تستطيع الانسجام معه، أو تحاول العمل على تغييره. وقد بدأ شعورها بهذا التناقض يتنامى منذ طفولتها إلى ما بعد زواجها العاثر، من رجل تاجر، لا يعبأ بمشاعر الحب، ولا يفهم إلا لغة الأرقام . فانقطعت بينهما كل سبل التفاهم والتواصل والانسجام، ولاسيما بعد أن أجهضت، وأصيبت إثر ذلك بالعقم.

 

وعلى الرغم من إحساسها المرير بالخيبة والتفاهة، وهي تعيش واقعاً صعباً، حافلاً بالمتناقضات، في ظل ((رجل كريه، اعتاد وجودها رغم العقم، تنظف بيته، تطبخ له، تستسلم لنزعاته البهيمية والسادية، ولا تلوم أو تعاتب، بعد أن اعتادت ويئست))( ). تستمر في حياتها الزوجية حفاظاً على اسم العائلة المجيدة وسمعتها. تعيش في غربتها المكانية والنفسية. تحس بالفراغ والوحشة. بل تحس أنها ((دودة قز في شرنقة ومع الوقت انقلبت دودة حقيقية... لا تقوى على شيء إلا ممارسة الزحف))( ). بعد أن باتت تعيش في غربتها الداخلية، تنسج من أحلامها الجميلة عالمها الخاص الذي ينسجم مع تطلعاتها، ويحقق لها بعض التوازن النفسي، ويخفف من شعورها بالتعاسة والإحباط.

أمّا إذا حاولت التعبير عن رفضها وتمردها، ومايغتلي في داخلها من شعور بالنقمة والغبن، فإنها لا تلقى إلا الزجر والإهمال والتسخيف، ولذا يبقى تمردها تمرداً داخلياً سلبياً، وإن تجلت فيه مظاهر النقمة على سلبيات الواقع الاجتماعي الذي تعيشه، إذ لا يرقى هذا التمرد إلى مستوى الوعي الحقيقي، والفعل الهادف البنّاء. ومن هنا لا يلقى تمردّها صدى على أرض الواقع. إنه تمرّد عاجز، ناتج عن الإحساس العميق بالعطالة والفراغ النفسي والعاطفي.. إنّه تمرّد يأخذ صفة الهروب والانطواء على الذات، وتطغى عليه سمة رومانسية. وهذا ما يفسر لجوء "عفاف" إلى عالمها الخيالي باستمرار، للتعويض عما تصبو إليه في الواقع: ((كنت أعلم أنّي في أحلك الساعات، وأضيق الزنزانات، قادرة على فتح نافذة في رأسي، أنفلت منها إلى عالم مليء بالبهجة والفرح... شخصيات القصص تنقلب إلى أحياء أتفاعل معهم لدرجة الاندماج.. في عالمهم))( ).

 

وتعود الرواية، عبر مذكرات عفاف ومنولوجاتها الداخلية، لتكشف مقدار المعاناة والتناقضات التي عاشتها منذ طفولتها إلى ما بعد زواجها، ولا زالت المرأة العربية تعيش مثل هذه التناقضات، على الرغم من المسافة الكبيرة التي قطعتها في طريق تحررها، وممارسة حقّها في العلم والعمل، واختيار الزوج، وشغل بعض الوظائف التي كانت حكراً على الرجل.

 

تنعطف الرواية إذاً، إلى ماضي "عفاف"، لتصوّر حالة التناقض والازدواجية والاستلاب التي عاشتها، فقد عانت من المجتمع، ومن ذويها، شتى صنوف الضغط، من زجر وعقاب، وإهمال، في مجتمع ذكوري، مازال يميز بين الجنسين، ويعد ((الجرأة والصدق وقاحة))( )، وممارسة الأنثى لحقها في الحياة، ضربا من الهذيان واللاواقعية، ولكي تكون المرأة مقبولة اجتماعياً، حائزة على رضى الآخرين واحترامهم، يتوجب أن تكون واقعية، والواقعية كما تعبر عنها عفاف بسخرية مرة، ((تعني الرضى بالواقع، والتأقلم معه وفيه، والانخراط في مسالكه لدرجة الاستشهاد في سبيله))( ).

 

((إن فشل.. "عفاف" في إنجاز أي شيء يستحق الذكر، حين ألقت سلاح المقاومة، وأقنعت نفسها بأن تكون واقعية، وتعيش حسب الأطر المرسومة لها، لدليل على أن الكاتبة لا تؤمن بمثل هذا الحل، خاصة وأن بريقا من السعادة... أشرق في حياة عفاف، حين قررت أن الحاضر كابوس، لابد وأن تتخلص منه، وتلتقط خيوط الماضي.. خيوط الثورة والذات.. عند ذلك فقط شعرت بوجودها وإنسانيتها، وأشرق في نفسها أمل كبير بمستقبل سعيد))( ).

 

وقد كان ذلك إثر لقائها بصديقتها "نوال" الشابة الثورية (العصامية). ولكن سرعان ما يتبدد هذا الإشراق، أمام رياح الواقع العاتية، وضغوط الأهل والمجتمع والزوج، فتعود إلى عالمها المغلق، لتنسج من خيالها عالماً جديداً تتلاشى فيه المسافة بين الواقع والمثال. وتنتهي الرواية من حيث بدأت، لتعود عفاف إلى الطريق المسدود، الذي مازالت المرأة العربية تحاول اختراقه بشتى السبل، من أجل حريتها وإثبات وجودها، وتأكيد هويتها. فتأتي خاتمة الرواية بما تحمله من إيحاء ومغزى، لتدل على وعورة الطريق، والصعاب التي لا زالت تواجه المرأة العربية: ((تأملت باب المغارة، مازال مسدوداً بالأشواك والحجارة وأعشاب الزمن...))( ).

 

هكذا كان طريق الخلاص والتحرر أمام "عفاف" مرصوداً ومحفوفاً بالعقبات، وبعض المشكلات التي تأتي في مقدمتها، جملة من القيود الاجتماعية، والضغوط المتمثلة في سلطة الأهل، ومن ثم الزوج، إضافة إلى سطوة بعض العادات والتقاليد السلبية التي تضغط على الفرد، وتدفعه- في بعض الأحيان- إلى النكوص، فيمسي عاجزاً عن القيام بأي مشروع ذي نفع، على صعيد تحقيق الذات، وإثبات الوجود، كما حصل مع عفاف.

 

2- لمى عبد الغني، ومريم الصفار: "السفينة، والبحث عن وليد مسعود"

وإذا كان طريق الخلاص والتحرر قد أصبح سالكاً -إلى حد بعيد- أمام سائر نساء جبرا العراقيات،  المثقفات البرجوازيات، اللواتي أتيحت لهن فرصة السفر والتعلم، والحصول على شهادات عالية، وشرعت الأبواب أمامهن للمشاركة إلى جنب الرجل في شتى الميادين الاجتماعية والثقافية والفكرية والعلمية، بعد أن أتاحت لهن ظروفهن، ممارسة الكثير من حقوقهن، بعيداً عن رقابة الأهل، وسلطتهم، فهل استطعن تجاوز سلبيات الواقع وتناقضاته، وتحقيق ذواتهن، وتأكيد هويتهن بجدارة وفاعلية؟

سؤال يمكن الإجابة عنه، إثر دراستنا لشخصيتي "لمى عبد الغني، ومريم الصفار" في روايتي جبرا إبراهيم جبرا السابقتين. قبل البدء بدراسة هاتين الشخصيتين، لابد من الإشارة إلى أن شخصية المرأة الفلسطينية في أعمال جبرا شبه غائبة، ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن ((حياة جبرا، مكانها وإنسانها، كانت على صلة بالبيئة العربية يومياً، أما الصلة بالكتلة البشرية- المخيمات- التجمعات السكانية للفلسطينيين، فكانت شبه معدومة كعلاقات يومية، الأمر الذي لم يتح لجبرا تقديم شخصيات متخيلة... وربما كان جبرا في وعيه لا يفصل بين أوضاع المرأة  العربية، إن كانت فلسطينية أو عراقية، أو مصرية في الجانب الإنساني -الحقوقي- الاجتماعي، فوجد في شخصياته النسائية تعبيراً شاملاً عن المرأة العربية ككل، بما فيها الفلسطينية. وإذا كان جبرا من الأدباء الذين يرمزون إلى الأرض بالمرأة، عندها يصبح واقع افتقاد الأرض الفلسطينية أساساً لغياب المرأة الفلسطينية في أعماله الروائية..))( ).

 

ولا نكاد نعثر فيما بين أيدينا من روايات جبرا، إلا على أربع شخصيات نسائية فلسطينية هامشية هي: "ليلى شاهين" في "صيادون في شارع ضيق" ( ) التي استشهدت تحت القصف الإسرائيلي، وبقيت ماثلة في ذاكرة "جميل فران". ونعيمة زوجة" وديع عساف" في السفينة التي ماتت أثناء الولادة، وأم مروان "ريمة" زوجة وليد مسعود التي أصابها مس من الجنون، فأدخلت مشفى للأمراض العقلية في بيت لحم. وأخيراً شخصية "رباح كمال" التي التقاها وليد في بيروت، وهي تفاخر بالقبلة الأولى من وليد.

أما حضور المرأة العربية -العراقية، التي تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المثقفة، فكان حضوراً بارزاً ومميزاً. ففي روايتيه (السفينة، والبحث عن وليد مسعود) ((يقودنا جبرا إلى عالم البرجوازية من خلال مجموعة من نماذج المثقفين البرجوازيين بعلاقاتهم الاجتماعية المتشابكة، ضمن دائرتهم المكتظة بالكتب والتي تفوح منها رائحة الخمر، وأجساد النساء، ويعلو الضجيج حول مسائل فكرية أرهقت المثقفين الغربيين. منذ صعود البرجوازية الأوروبية... عالم هؤلاء بخلفيتهم الطبقية والثقافية واهتماماتهم الفنية والفكرية، وعالم الفلسطيني (وديع عساف، ووليد مسعود) في وسطهم، برجوازي المنفى، المتميز ذهنياً "وروحياً"... المشدود إلى الذاكرة والوطن. عالم هؤلاء جميعاً هو عالم جبرا إبراهيم جبرا))( ).

 

وبمعنى آخر، يمكن القول: إن ((الهرب، النفي، الوحدة، الانتحار، الاغتراب، فلسطين، قلق المثقف المعاصر، وخصوصاً المثقف العربي، كل هذه هي المواضيع الرئيسية التي يستكشفها جبرا))( ) في أعماله الروائية ولا سيما في روايتيه: السفينة والبحث عن وليد مسعود.

 

وقد كان لوعي جبرا إبراهيم جبرا الفكري والاجتماعي بواقع الطبقة البرجوازية، والتناقضات الحادة التي يعيشها أبناؤها، وتوزعهم بين قيم قديمة موروثة. تجسدها العائلة، وبعض العادات والتقاليد في المجتمع من جهة، والعلاقات الجديدة الوافدة مع التطور الحضاري من خلال الاحتكاك المباشر بالغرب الحضاري من جهة أخرى، الأثر الكبير في جعله يضع أبناءها في مواجهة مباشرة أمام تلك التناقضات، يعانون حالة من التمزق والقلق والضياع، فتختلف ردود أفعالهم واستجابتهم، فمنهم من يثبت، ويحقق ذاته بوعي ومنطقية، ويتفاعل مع محيطه، ويؤثر فيه. ومنهم من يتعثر أو يسقط، حين يغلّب العاطفة والهوى على العقل والمنطق، وتطغى نزعاته المادية على الجانب الروحي والعقلي، فيكون لسقوطه دوي صاخب، سواء أكان هذا السقوط عن طريق الاحتراق في حمى الجسد، أم الانتحار يأساً واحتجاجاً، أم معاناة الشعور بالوحدة والقلق والضياع، بسبب مجموعة من الشروخ والتمزقات التي تعيشها الشخصية، وهذا ما يعلل ضياع عدد غير قليل من شخصيات جبرا الروائية، ولا سيما النسائية منها.

 

لقد أتاحت الظروف لكل من لمى عبد الغني في "السفينة" ومريم الصفار في "البحث عن وليد مسعود" -وكذلك لمعظم الشخصيات النسائية لجبرا- فرصة التحرر من كثير من القيود الاجتماعية، والضوابط الأخلاقية التي تضبط سلوك الإنسان، وهما تجسدان هذا التحرر، بل هذا الانطلاق، في الدراسة في الخارج، وحرية الرأي والتصرف والحب، والعمل والتنقل، ولكن جبرا عمد إلى صياغة كل منهما تمثالاً مجوفاً للحرية، لأنهما أساءتا التصرف بهذا الحق، فجاءت تصرفاتهما ومواقفهما خالية من أي معنى فكري، أو اجتماعي أو أخلاقي، لتعبر عن الأزمة الحقيقية التي تعيشها كل منهما، وهما في قمة الحيرة بين معنى الروح والجسد، بين الحب الحقيقي والجنس، بين الحرية بمفهومها الحقيقي، والحرية التي تعني الانفلات والإباحية، فكان الجنس تعويضاً عن قلقلهما واغترابهما.

 

وإذ يطرح في روايتيه، بعض القضايا الاجتماعية والفكرية والنفسية، التي ترتبط بالمرأة المثقفة المتحررة المنطلقة على الطراز الغربي، فإنه يركز، بصورة خاصة، على تفسخ العلاقات الأسرية والاجتماعية في المجتمع البرجوازي السطحي، ويبرز هشاشة الشخصية المثقفة، وقلقلها، حين لا تستند إلى ثوابت معينة، أو تنطلق من أيديولوجية واضحة ومحددة، تنبع من صميم الواقع، بغية تجاوز سلبياته. ولذا نجد الشخصية، حين لا تستطيع المواجهة، تلجأ إلى الهروب. عبر البحث عن المتعة الحسية (الجنس والخمر) والتستر وراء المظاهر الخادعة، السفسطة الكلامية. وهذا ما نلمسه لدى لمى الحمادي وزوجها، وعشيقها. وكذلك لدى مريم الصفار وزوجها وعشاقها في كثير من الأحيان.

 

ونبحر مع جبرا على سفينته إلى عالم المرأة المثقفة الضائعة المتمثل في السيدة البغدادية" لمى عبد الغني" لنقف على معالم صورتها، وأبعاد شخصيتها، ثم نعبر من خلالها إلى شخصية السيدة البغدادية الأخرى "مريم الصفار" التي تعد امتداداً لشخصية "لمى". فكلتاهما تعيش حالة من القلق والضياع، وإن وجدت بينهما بعض الفروق التي تميز كلاً منهما عن الأخرى.

 

تقدم "السفينة" لمى عبد الغني، بقوامها الجميل، ومظهرها الجاذب، وشخصيتها المنطلقة، التي ((توحي بالحرية والانفلات واللذة))( ). تخرجت من جامعة أكسفورد، وهي ذات نزعة أرستقراطية متعالية، تنحدر من أسرة برجوازية مثقفة ومتنفذة، أطاحت بها ثورة عام 1958، فخسرت معظم امتيازاتها. تعمل "لمى" محاضرة في جامعة بغداد، وكانت لها بعض النزوات التي تدل على انطلاقها وشبقها، فقد استطاعت أن تقنع زوجها (الدكتور فالح حسيب) بالسفر على متن السفينة، وهي تبغي من وراء ذلك ملاحقة عشيقها "عصام السلمان"، والبحث عن السعادة، والمتعة الحسية، والهروب من الماضي ووطأة الحاضر، وقد استحوذت على إعجاب العديد من الرجال على ظهر السفينة.

وعلى الرغم مما تبدو فيه، من مظاهر الترف والمرح والانطلاق، كانت تعاني أزمة نفسية حادة، نتيجة للصراع المحتدم في داخلها، بين الوفاء للزوج الذي اضطرت للاقتران به تحت ضغط الظروف، والاستجابة لنداء القلب والجسد، بعد أن حرمت من الزواج من عصام السلمان بسبب ممانعة الأهل، وسطوة بعض العادات والتقاليد التي فرقت بين الحبيبين (عصام ولمى) لوجود ثأر بين العائلتين.

 

وكان لزواجها العاثر أثر بالغ فيما تعاني منه، إذ زادها إحساساً بالتناقض بين الواقع والحلم، ودفعها إلى الإغراق في البحث عن المتعة والسعادة، والجموح في أهوائها.

لقد كانت لـ "لمى" شخصيتها القوية منذ فترة مبكرة من عمرها، حين أعلنت رفضها لأوامر الأهل ونواهيهم، وبدأت تستقل برأيها، وتفكر بنفسها، فاستطاعت أن تتابع دراستها في أكسفورد، وهناك عرفت "عصام" وارتبطا بعلاقة عاطفية جنسية. وحين أوشكت على نهاية دراستها، وحصلت على درجة الماجستير في الفلسفة، ازدادت ثقة بنفسها وبقدراتها، وبتفتح وعيها. تقول: (( شعرت كأنني في ثلاثة أعوام قد عشت مئة عام. نضحت، وغدوت حكيمة جداً))( ). فكبرت أحلامها، وتمادت في علاقتها مع عصام السلمان.

 

ولكن على الرغم من ذلك الشعور الذي يمنحها الثقة بالنفس، لم تستطع تحديد هدفها في الحياة، ولم تضع حداً لتصرفاتها المتطرفة، ولعواطفها الجامحة، فكانت أول الخاسرات، وكان لانتمائها الطبقي، ولمركزها الاجتماعي والثقافي، ولجمالها، وحسن مظهرها، أثر بالغ في تنامي نزعتها السادية التي مارستها على زوجها حين كان تثير غيرته، وحفظيته، وتستنفره، وكذلك كانت تفعل مع عشيقها، وبعض المعجبين. ويأتي وصف "وديع عساف" لها، وهي ترقص بغنج ودلال، ليؤكد تلك النزعة: ((لقد كانت شيئاً مستحيلاً، آلهة تترنح بين الحلم والحقيقة، أو جسدأ شيطانياً لفظته الأمواج من قمقم قديم. كانت عيناها مكحلّتين بأسود... فتبدو العينان واسعتين، تجسدان توق الشعراء والرسامين، وأوهامهم اللذيذة. الغانية الذكية، فريسة الهوى التي تفترس محبيها... وحتى جسدها وهو يتثنى، ويتكسر، ويبرز الخفي والشهي، يبدو ولوهلة ما، كأنه يذوب في النسيم، ويشف ويتلاشى))( ). وقد كانت تلك الرقصة هي الحكم على زوجها بالموت.

 

ويؤكد "عصام السلمان" تلك النزعة، وهو يعبر عن غضبه منها، وتوقه إليها، حين كانت تعاتبه، وتحمله تبعات زواجها من قريبها، وتذكره بالماضي، وبقتل والده لعمها. يقول: ((تلويت على مقعدي، وأنا لا أدري ما الذي تريده مني هذه  السادية الشريرة التي كرهتها في تلك اللحظة، كراهيتي لأبي، لماضي، لحاضري... لكل ما يحيط بي من حياة وعنفوان. وودت لو أقع على جسدها أنهشه حقداً وشهوة))( ).

 

ولم يستطع "عصام السلمان" تحديد موقفه النهائي من "لمى" وطبقتها، فهو على الرغم من انتمائه إلى الطبقة الكادحة، كان ذا نزعة برجوازية. ولذا اتسمت مواقفه منها بالتعاطف حيناً، والتناقض أحياناً. فهو العاشق الذي يحبها ويشتهيها، يتوق للقائها، ويدعي الإخلاص لحبه، وفي الوقت نفسه كان كارهاً لطبقتها، حاقداً عليها، متشفياً مما جرى لها إبان ثورة (1958)، ومن هنا لم يستطع أن يكون وفياً أو ناصحاً وموجهاً لـ "لمى" بل اكتفى بالنهل من جسدها المتفجر بالأنوثة واللذة، في غفلة من زوجها. فروى ظمأها وارتوى. كما روت السيدة "مريم الصفار" في رواية "البحث عن وليد مسعود" ظمأ جسدها الشبق، من خلال علاقاتها المتعددة مع أكثر من رجل.

*

((تبرز "مريم الصفار" بحضورها وثراء شخصيتها الروائية. متزوجة تعسة، ومطلقة منطلقة. أحبت "وليد"، اقتحم جسدها الشبق، فأروى ظمأه. نراها جميلة، "متحررة" لا تضع رادعاً أمام إلحاح جسدها المتفّجر، فأقامت علاقات تصل إلى حد الابتذال والهوس الجنسي، عرفها الدكتور طارق، وعامر، وآخرون إضافة إلى وليد... نعرفها من خلال مذكراتها "فتتكشف" أمامنا لاهثة، متقطعة، متوترة، تكشف عن ذاتها المريضة حتى النهاية))( ) إذ كانت تعاني حالة من الأرق والصداع وتعيش توتراً حاداً. كانت تجد متعة فائقة، وهي تشبع ميولها النرجسية حين تجتذب رجلاً غير عادي، مثل عامر عبد الحميد: ((متعالياً، أنوفاً، مرموقاً، يخالط النساء والرجال بالعشرات، ينتهي إلى صدري- كما تقول- طفلاً ساذجاً، عاجزاً يطلب مني حمايته من العالم))( ). وهي تعبر عن تلك المفارقة بألم وحسرة: ((أي حماقة، وأنا الواقعة بين حجري رحى: بين اندفاعاتي المهووسة، وبين شقائي الزوجي. أنظر إلى وجهي في المرآة، وأحس بجماله إحساساً نرجسياً، ولكنني أحس أيضاً بلعنة تخالطه، ولا أعرف أين تكون حمايتي منها))( ).

 

ومريم، كغيرها من شخصيات جبرا النسائية، مثقفة برجوازية، متحررة على الطريقة الأوروبية، ذات ميول أدبية، ينم عنها حديثها، وتتضح في مذكراتها واعترافاتها التي دونتها في دفترها السري، ووضعته تحت تصرف الدكتور طارق رؤوف، طبيبها النفسي الذي بات (( طبيباً لمرضها، وعشيقاً لجسدها، وكاهناً لمراسيم كوابيسها اليومية))( ). وتكشف مذكراتها اضطرابها النفسي، وطبيعة تكوينها الفكري والاجتماعي، كما تفصح عن ((شهوتها المحتدمة التي لا تنطفئ، بأمانة عجيبة))( ).

 

لقد كان إخلاصها للجسد أكبر من إخلاصها للحب والزواج، كما هو شأن "وليد مسعود" ذلك الغريب الذي اقتحم جسدها، ونقلها إلى عوالم أخرى. مثلما اقتحم جسد الكثيرات ممن عرفهن. ولكن مريم أولعت برجولته، وبقدراته الكبيرة على ممارسة الجنس، وهي تعلن ذلك بصراحة: ((ما استطعت أن أحب أحداً بعد وليد. (الجنس؟ لا. الجنس أمر يختلف عن الحب بالمرة) ))( ).

 

ويتساءل الدكتور طارق رؤوف، وهو يحاول تحليل عقدة "وليد مسعود" "الدون جوانية"، وسر انجذاب النساء إليه، ملقياً الضوء -في الوقت نفسه- على أزمة "مريم الصفار" النفسية، وكذلك أزمة سائر النساء اللواتي عرفهن "وليد": ((هل كانت عقدة وليد "الدون جوانية" أنه في أعماق لا وعيه، يخشى أن يفقد رجولته، فراح يلوح بها في الأسرة يميناً وشمالاً، رجل ضائع في حقيقة الأمر، متروك ككثير من المشردين مثله ييُوهْم من القوة،  لِوَهْمٍ من الوطن، لِوَهْمٍ من الانتماء، يسعى نحوها بعزيمة لا تكل، ولا يلقاها إلا بتلويحه في حالات اليأس، بهذا الذي يعوض له عن فقدان آخر. من هنا كانت قدرته الشاذة على إقامة العلاقات مع النساء... المقيمات في غربة جسدية داخلية، حين تنقطع بهن خيوط الحياة، يسحرهن الغريب العابر.. الذي يحملهن، ولو يوماً واحداً من وادي الوحشة والكآبة، إلى أعالي الجبال المشرفة على رحاب الدنيا ومدنها ومتاهاتها))( ). كم حمل "مريم" وحلق بها في رحاب النشوة، منطلقاً إلى عالم الوهم والضياع والقلق، والسعادة الزائفة.

 

هكذا جسدت شخصيتا "لمى عبد الغني" و "مريم الصفار" نموذج المرأة البرجوازية المثقفة الضائعة، وقد تجلى ضياعهما في عجزهما عن تجاوز حدود الذات الضيقة، وعدم قدرتهما على صياغة أي مشروع ذي نفع على الصعيدين الخاص أو العام، وتجلى، أيضاً، في سقوطهما المروّع في حمّى الجسد، وقد انتهكتا قدسية ذلك الرباط الزوجي المقدس، وكل القيم الأخلاقية، فوقعتا فريسة القلق والوهم والضياع، بسبب البحث عن المتعة الحسية، بعد أن ألقتا بنفسيهما في أتون الرغبة إرضاءً لنزعة كلٍّ منهما: سادية لمى، ونرجسيّةٍ مريم.

 

وإذ يعرض جبرا صورة معبرة عن تلك العلاقات المتفسخة في المجتمع البرجوازي- سليل الإقطاع- من خلال تصويره لشخصيتي " لمى عبد الغني" و "مريم الصفار" وعلاقة كل منهما بأكثر من رجل واحد، فإنه يعبر عن مفهومه لمعنى الجنس، إذ يرى أن العلاقة بين المرأة والرجل البرجوازيين، لا ترتقي إلى مستوى العلاقة الإنسانية النبيلة، لأنها غالباً ما تقوم على المصالح النفعية لكلا الطرفين، وهي تفتقر إلى الثقة والحب والصدق والوفاء بينهما.

 

ونلاحظ من خلال تقديم جبرا لهذا النموذج من النساء، تركيزه على إبراز الجانب الخارجي (المظهري) للشخصية البرجوازية، فيدقّق في صفاتها الخارجية، ويلقي الضوء على مواطن الفتنة والإغراء في جسدها، كما هو الحال في وصفه لجسد "لمى عبد الغني" وهي ترقص.

 

وغالباً ما يوغل في التقاط المشاهد المثيرة، بين العاشقين اللاهثين وراء المتعة( ): ((لمى وعصام السلمان، مريم الصفار ووليد مسعود...)) ، ((ولا تخلو المشاهد الروائية في غضون ذلك مما يصدم قيم الواقع، وأخلاقيات الإنسان العربي، ولكن تلك المشاهد سواء أكانت ضروراتها فنية أم فكرية، أو مشتركة، فهي أولاً و آخراً لها تعبيرها عن دوائر واقعية في الحياة الاجتماعية))( ) في بعض الأوساط البرجوازية.

 

ويأتي اختيار جبرا إبراهيم جبرا لشخصياته البرجوازية المثقفة، ولا سيما النسائية منها، وإبرازه لتناقضاتها وعجزها وضياعها، بدافع كشف زيف هذه الطبقة. ((وكأن الكاتب قصد محاكمة هذه الطبقة العاجزة عن تحقيق الصيغة الأمثل للحياة: بحكم بنيتها، وقفزها على قوانين التاريخ والصراع))( ) فنقدها وفضح تناقضاتها، يأتي بدافع إدانتها، لا التعاطف معها أو الدعاية لها.

مما تقدم يتضح أمامنا نموذج المرأة البرجوازية المثقفة الضائعة، وموقف الكاتب منه. إذ تبين مقدار ما تجسده هذه المرأة من تناقضات، وما تعيشه من أزمات نفسية وعاطفية، بسبب طبيعة تكوينها الاجتماعي والفكري والنفسي، وهشاشة مواقفها، واهتمامها بالمظهر دون الجوهر، واندفاعها وراء أهوائها وميولها المتطرفة، إضافة إلى تمردها السلبي، وتجاوزها للأطر الاجتماعية، وللقيم الأخلاقية، ولذا جاء ضياعها نتيجة حتمية ومنطقية لتصرفاتها ومواقفها غير المسؤولة. وهذا ما جسدته كل من لمى عبد الغني ومريم الصفار.

 

ثانياً- نموذج المرأة المثقفة الانتقالية( )

يعد الكاتبان جبرا إبراهيم جبرا، وسحر خليفة أبرز من جسّد فنياً وفكرياً ازدواجيات المثقّف العربي، ولا سيما المرأة المثقفة سليلة الطبقة الإقطاعية، أو البرجوازية، التي تعيش شتى تناقضات الواقع، فجاءت شخصيتا "نوار الكرمي" في ثنائية سحر خليفة، و "وصال رؤوف" في البحث عن وليد مسعود لتجسدا نموذج المرأة المثقفة الانتقالية المترجح ((بين الفكر والممارسة، الوعي والواقع، القيم القديمة، وظروف الحياة الجديدة... الباحث في أكثر من اتجاه عن طرف الخيط الموصل إلى تحقيق الذات))( ).

وأبرز ما يميز هذا النموذج، صفة التحول التدريجي التي تتضح عبر سلوك الشخصية، ومواقفها وأفكارها في مرحلة نضجها، وتبلور وعيها لذاتها، وللعالم من حولها، وقد يتسم هذا التحول بالانعطاف إلى الخلف أو التقدم إلى الأمام، وهذا ما ستوضحه الدراسة التالية:

 

1- المرأة الانتقالية السلبية: "نوار الكرمي الثنائية".

تعد "نوار الكرمي" الشابة الجامعية الحسناء، سليلة آل الكرمي، الأسرة الإقطاعية العريقة في "نابلس" من أبرز الشخصيات التي تمثل نموذج المرأة الانتقالية السلبية، إذ نجدها تتحرك بقلق وتردد بين القديم والجديد، بين الواقع الراهن بكل ما ينطوي عليه من معوقات، والحلم بكل ما يزخر به من طموحات وآمال فسيحة، في ظل سلطة أبوية صارمة، ومجتمع تقليدي، يرزح تحت الاحتلال، وقد بات يعاني حالة من الركود والقلق والاضطراب، عقب هزيمة حزيران عام 1967، بفعل الأحداث التي ألمت به، وبفعل السياسة العنصرية التي اتبعتها- ولا زالت تتبعها- سلطات الاحتلال في الضفة الغربية والقطاع.

 

نوار لا تختلف كثيراً عن أخيها عادل (المثقف) في قلقه وتناقضه، وفي رؤيته للواقع المضطرب، وتعامله معه، وهي تشبه باسلاً، الفتى المتحمس- الثوري لاحقاً- في بعض أفكاره ومواقفه الرافضة للاحتلال، ولما يمثله الوالد الوجيه من سلطة أبوية، واجتماعية قمعية، ولذا نجدها تتفاعل مع بعض طروحاته التقدمية- الثورية، وتؤكد الاستمرار في حبها لـ "صالح" الفدائي المعتقل في سجون الاحتلال، وتواظب على مراسلته وزيارته، وتدعي أنها خطيبته. ونجد باسلاً يبارك هذه العلاقة، ويدعم أخته بقوة، ويحفزها على اتخاذ قرارها لمواجهة ضغوط أبيها( ). فتتمكن من التعبير عن رفضها للخطيب المتقدم، وهو الدكتور عزت، وتؤكد إرادتها- للمرة الأولى- في اختيار الرجل الذي تحب، واختيار الدرب التي اختارها هذا الرجل المناضل، فتقطع وعداً على نفسها: ألا تتزوج غير "صالح"... ولو أدى ذلك إلى انتظاره مئة عام. وتؤكد هذه الرغبة بقوة أمام والدها( ).

 

ونوار هي الابنة الوحيدة لعائلة الكرمي. العائلة الإقطاعية التي تقهقرت في ظل الاحتلال، ولم يبق منها إلا المظاهر الخادعة: منزل كبير، لا يجد من يقوم بخدمته، ومزرعة كبيرة مهملة، بعد أن هجرها مزارعوها. ووجيه مريض يعيش بفضل الآلة (الكلية الصناعية)، لم تعد له سلطة أو جاهة، وعلى الرغم من ذلك، مازال يتمسك ببعض مظاهر السلطة الفارغة، ويتشبث ببعض المفاهيم المتعفنة التي لم تعد تنسجم مع الواقع الجديد، ولذا فقد كان محط سخرية أبنائه، واحتجاجهم ومعارضتهم، ولا سيما باسل ونوار..

وتلقي رواية "الصبار" مزيداً من الضوء على أبرز السمات المميزة لشخصية "نوار"، فتبدو شابة رقيقة وذكية وحالمة وبريئة. ويأتي حديث صالح عنها، ليكشف جانباً هاماً عن عالمها الداخلي، وما كانت تشعر به وسط عائلتها: ((كانت تحس بغربة شديدة، لا أحد يعبأ، أو يستمع. كانت مقموعة، وكانت تعرف، وكانت تقارن بين شخصيتها ولينة))( )، صديقتها الثورية. كانت قبل أن تحب صالحاً تعيش حالة من القلق، فإما أن تخضع للواقع أو تحاول تجاوزه، فهي بين مد وجزر، خامة جيدة، ينقصها التوجيه والرعاية، وهذا ما كان يحسه صالح ويلمسه قبل اعتقاله، ولذا، تعاطف معها في البداية، ثم أحبها بصدق وأحبته، وحاولت أن تتمثل بعض أفكاره ومواقفه، وتستمد منه الجرأة والقدرة على المواجهة، والثبات على الموقف، ولكنها أخفقت فيما بعد.

 

إن رؤية الكاتبة الشاملة، للواقع المضطرب الذي يعيشه أبناء الضفة في السبعينيات بكل ما يحفل به من قلق وترقب وتناقض، قد أدت إلى تقديم شخصية "نوار" المثقفة الحساسة، وقد تأثرت بهذا الواقع، بجميع أبعاده، فانعكس ذلك على مواقفها التي اتسمت بالإيجابية حيناً، وبالسلبية أحياناً، تبعاً لحالتها النفسية، ولطبيعة تكوينها الاجتماعي والفكري، ولما تتعرض له من عوامل مشجعة أو محبطة في الواقع.. ومن هنا، فإن اندفاعها في حبها للمناضل "صالح" وتبنيها لبعض آرائه، لم يكن إلا تعبيراً عن اندفاع الشباب وحماسه، وتأجج مشاعره إلى حين. وقد تجلى ذلك في إخلاصها (المؤقت) لهذا الحب، وفي تحديها أوامر الوالد ونواهيه، وبصورة خاصة، بعد مساندة باسل لها.

ويكشف حوارها التالي مع أسامة، حماسها، وإحساسها بوطأة الواقع اليومي الذي يعيشه أبناء الضفة تحت الاحتلال، وموقفها من بعض ما يجري.

تقول لأسامة: ((سأتخرج... هذا العام. ثم أعمل وأساعد عادل في حمل أعباء الدار.

وأنت؟

-وأنا أيضاً. سأحمل أعباء الدار والدنيا. والدنيا هنا ملخبطة.

-علا العبوس وجهها.

-ملخبطة جداً

-قال مازحاً:

-يحلّها الحلاّل

-قلت بجدية:

-نحلّها نحن.

-والحياة صعبة. أليس كذلك؟ وأحياناً يضطر الإنسان لأن يطأطئ.

رفعت عينها: الأقوياء لا يطأطئون.

وهل أنت قوية؟

-أحاول...

-وخالي؟

-أبي كل يوم على هذا المنوال. الصحفيون هم شغله الشاغل. يتسلى.

-يتسلى‍!

-ماذا إذن؟ الصحافة لن تحل القضية. ولكن لا بأس. هذا يجعله يحس بأنه يؤدي عملاً. يتعاطى الكلام. مجرد كلام.

وصعدا الدرجات بصمت. وقالت وهي تلمس الغبار المتراكم على خشب السلالم بإصبعها: الدار قذرة باستمرار. أترى؟.... وأردفت: ومازال الناس يفخرون باقتناء دور كبيرة كهذه، موضة قديمة. لا تجارى روح العصر. هذه الدار بحاجة لثلاث خادمات على الأقل. وليس في الدار من خادمة سواي.

 

-علّق. وظاهرة الخدم انقرضت. هل يزعجك هذا؟

-لا أمر طبيعي. علينا أن نتعلم خدمة أنفسنا بأنفسنا. لكن هذه الدار مصيبة....))( ).

فمن خلال هذا المقطع الحواري، الطويل نسبياً، تتكشف أمامنا شخصية "نوار" نامية متطورة، واعية بما يجري حولها، وإن لم يرق وعيها إلى مستوى النضج الحقيقي، والفعل. فهي تتحسس هموم عائلتها ومشاكلها، كما تتحسس هموم مجتمعها ووطنها بصدق وعفوية، وتتعاطف مع أخيها "عادل" ((حمّال الحمال))( )، وتأمل أن ترفع عن كاهله بعض الأعباء حين تتخرج من دار المعلمين، وتعمل، وتسهم في مصروف البيت. وهي ترفض المظاهر الجوفاء الخادعة التي مازالت تتستر خلفها بعض العائلات الكبيرة، سليلة الإقطاع، مثل "آل الكرمي، وكل الآلات"، وتعبر عن رفضها لتصرفات والدها الوجيه، ولكل ما يمثله من سلطة عاجزة، وقيم بالية، عفا عليها الزمن، وما عادت تتناسب مع الواقع اليومي الصعب الذي يعيشه أبناء الوطن تحت الاحتلال. كما يظهر موقفها الوطني من القضية، من خلال قناعتها بأن الكلام لا يحل القضية، وإنما الفعل الثوري وحده هو الحل، وما عدا ذلك يبقى محض كلام لا فائدة تجنى منه.

ولكن الكلام والنيات الطيبة شيء، والواقع والفعل شيء آخر، فـ "نوار" كغيرها من الفتيات اللواتي ينحدرن من أسر إقطاعية، أو برجوازية، لا يشغلها سوى مصالحها الشخصية، وهمومها الآنية، ولا تعرف من الثورة إلا قراءة الكتب. ولا غرابة في ذلك، فقد نشأت في تلك ((الدار الهرمة (التي) لا تنتج إلا المرض والجبن))( ).

 

ومن هنا، فقد كان حماسها محض اندفاع، سرعان ما فتر، ثم تلاشى تحت سياط الواقع، وغياب المحفز (صالح)، ولذا نجدها تتراجع عن وعدها الذي قطعته على نفسها بانتظار "صالح"، حين بات الأمر يتطلب المزيد من التضحية والانتظار, فها هي في السادسة والعشرين، وقطار العمر يمضي، وحلمها بالزواج والبيت والأطفال والمستقبل، مازال معلقاً في الهواء، من غير أمل: ((سنوات مرت والكل يعرف. وقفتْ، وتحّدتْ، وصاحت: أحب "صالح"... لكن الأيام تفتر العواطف وتغير الرغبات. العواطف ليست ضماناً. وفي تقرير المصائر نحتاج لما هو أرسخ. نوار تبحث الآن عن الاستقرار والأمان. بحاجة للاستقرار الذي يتناسب ومفاهيمها التي تركض وراءه الحلول السريعة. بحاجة لبيت تقليدي، قد يحصل الإنسان فيه على الاختناق، أكثر مما يحصل فيه على التنفس))( ).

لقد كانت نوار حالمة، عاطفية، حين أعطت وعداً لصالح. وأما الآن أصبحت واقعية. تبحث عن الاستقرار، وبناء المستقبل. وفي لحظة ضعف وانفعال، يؤججها واقع الاحتلال، ومنع التجول... والشعور بالوحدة. ((رآها "عادل" تمسح الدمع خلسة...

-نوار، أختي.

وبدأت تنشج. "آه، الآن يفيض الدمع، وتندلع الحسرات. لا يقوى القلب على الوحدة. مطبوع مرهون مشدود، أبداً يرتد إلى الغربة"

-وقالت من خلال دموعها:

-هؤلاء الأطفال.

-أهم الأطفال حقاً؟

-ماعدت أحتمل هذا الجو، أريد الهرب، وعد قطعته على نفسي أن أنتظر. كان للانتظار معنى، وكان صالح أمنية، أصبح الانتظار سجناً، والسجين قيداً... فقدت القدرة على المكابرة... مللت الانتظار.. ماعدت فتاة حالمة كالسابق.. سبعة أعوام سبقتها أخرى وتتبعها أخر. وما جدوى الانتظار؟))( ).

 

لم تستطع "نوار" إذاً أن تفي بوعدها الصالح، وأن تبقى ذلك الحلم الوردي الذي يبدد إشعاعه ظلمات السجن، وكرب السجين، فينقله إلى عالم زاخر بعبق الحب والحرية. فالوعد ((موقف وقناعة وقدرة على التشبث والمتابعة، وإذا هزلت مخيلة الفرد بات رماداً. السر أعمق. جذوره تمتد في أغوار الواقع، ورغيف الخبز. فاقدو كل شيء لا يخسرون. هذه هي القاعدة، ولا حقيقة سواها... والشواذ لا قاعدة له ولا ثبات))( ).

وبذلك يتضح موقف "نوار" ومثيلاتها، فالكاتبة تعزو تراجعها، إلى ضعف قناعتها وإلى عدم قدرتها على التشبث بمواقفها، والمتابعة إلى نهاية الشوط، إضافة إلى انتمائها الطبقي، ولذا تلوم الكاتبة "نوار"، وتعبر عن سخريتها من هذه الشخصية، على لسان أخيها "عادل" الذي لم يستطع أيضاً تجاوز تناقضاته، وبذلك بكون اللوم أبلغ وأشد. فنوار الرقيقة الحالمة البريئة، المرّفهة، لا يمكن أن تكون كغيرها من النساء اللواتي ((لفظتهن قيعان المدن. فقر وشظف ووجوه صفراء كئيبة))( ). ومع ذلك فهن ينتظرن رجالهن داخل المعتقلات. وهذا ما لمسه عادل، أثناء مروره ((أمام سجون كثيرة، في نابلس، في القدس، في رام الله. ورأى الأهل بانتظار الزيارة. فلاحات بأثواب ريفية))( ). فكيف يمكنه أن يقنع أخته، وهي ابنة الكرمي، أحد أعيان نابلس، التي اعتادت أن تأخذ أكثر مما تعطي.

وتتجلى سخرية الكاتبة من مواقف "نوار" وما تمثله، في أكثر من موضع في روايتها، إذ يكشف عادل الذي ((ينز مثالية برجوازية))( ) عيوب طبقته، ويعرّي زيف مواقفها، ويفصح عن تناقضاتها. يتساءل مستنكراً: ((أبهذه السهولة يا نوار...يلفظ الإنسان وعده؟ وعد؟ ومن قال إنه كذلك؟ كان تياراً سحب القشة على فقاعة ماء.. التيار يسحب طالما ظل في الدفع قوة. وإذا توقف الدفع، فالماء يأسن، والفقاقيع اللامعة كفلقات الأقمار تنطفئ فجأة. كما جاءت، كما ذهبت))( ).

 

ولا يخفى ما في هذه الصور الحسية الدالة والموحية من تعبير واضح، وتصوير دقيق لحالة "نوار" في اندفاعها وحماسها، ومن ثم تراجعها عن مواقفها، وعودتها إلى نقطة البداية، مستسلمة راضية و((لكنه الرضى المشوب بالقلق، لأن جذوة التمرد والوعي، وإن خبت في نفسها، فإن لها إثاراً تحفر في النفس وتؤلمها، فتجعلها لا تطمئن الاطمئنان الأعمى لحياتها السلبية... وفي الوقت نفسه لا تدفعها إلى الرفض، وإعلان العصيان عليها لتغييرها))( ).

لقد جسدت سحر خليفة من خلال شخصية "نوار الكرمي" نموذج المرأة المثقفة الانتقالية السلبية، على الرغم من السمات الإيجابية التي تمثلت في مواقفها بداية، مم جعلها تبدو مشروعاً للمرأة الانتقالية الإيجابية، ولكنها بفعل الرواسب الاجتماعية التي تغلغلت في أعماقها، وبحكم انتمائها الطبقي، وتكوينها النفسي والفكري، باتت تعاني صراعاً داخلياً صامتاً من جراء ذلك التناقض الحاصل بين القيم القديمة، والقيم الجديدة، وبين الواقع والطموح، فكانت الظروف الصعبة أقوى من إرادتها ومواقفها التي لم تبن على أساس فكري واضح ومتين.

 

ولذا تراجعت، وباتت تبحث عن أنوثتها التي لا تجدها إلا في ظل رجل، وبيت، وأطفال وحياة مستقرة، تتحقق في المدى المنظور، لأنها لم تستطع أن تهرق ما تبقى من العمر على رصيف الانتظار، فآثرت السلامة على بذل المزيد من التضحية.

 

2- المرأة الانتقالية الإيجابية: وصال رؤوف: "البحث عن وليد مسعود"

وإذ تداعت "نوار" تحت وطأة الظروف، وقهر الزمن، ولم تستطع الصمود طويلاً، فإن "وصال" في "البحث عن وليد مسعود" استطاعت أن تتحدى الظروف، وتبقى وفية لوليد مسعود الذي أحبته بصدق وشغف، وآمنت بقضية، على الرغم مما بينهما من فروق في السن، والدين، والاهتمامات.

تكسف الرواية النقاب عن هذه الشخصية التي كانت لغزا، تحت اسم "شهد" في الصفحات الأولى من الرواية، وتتضح صورتها بجلاء في الفصل الذي أفرد لها تحت عنوان: "وصال" رؤوف تكشف أوراقها".

 

ووصال شابة، تنحدر من أسرة بغدادية برجوازية مثقفة. والداها وزير سابق، وهي أخت غير شقيقة للدكتور طارق رؤوف، حاصلة على شهادة جامعية، ذات ميول أدبية، تعمل موظفة في المصرف العربي، تبدو واثقة من نفسها، صادقة وصريحة في التعبير عن عواطفها وأفكارها. ويعود السبب في ذلك إلى ظروف نشأتها وبيئتها، فقد نشأت في أسرة متفتحة فكرياً واجتماعياً. كما أنها لم تعان ما عانته سائر شخصيات جبرا النسائية من ظروف ضاغطة، وتناقضات حادة، ولذا نجدها تتمتع بقسط وافر من الحرية والاستقلالية، داخل البيت وخارجه، وتحظى بثقة الأهل، ومن حولها. كانت لها بعض النشاطات الاجتماعية البسيطة، لدعم المقاومة الفلسطينية، من خلال نشاطها في جمعية الهلال الأحمر، إذ كانت تبيع ((الثياب الفلسطينية المطرزة بنقوش بيت لحم ورام الله))( )، وبذلك كانت تملأ فراغ حياتها، وتدفع عنها السأم والملل.

تكمن أزمة وصال رؤوف كمثقفة برجوازية، في السعي لتحقيق وجودها، من خلال ((البحث عن الحبيب، إذ لم يعد كافياً أن تظفر... برجل يقدر أن يهبها الحب. وإنما المهم أن تحس إحساساً صادقاً بأنه بالتّمام الشق الثاني، والمكمّل الحقيقي لوجودها))( )، وقد تحقق لوصال ما تصبو إليه في رجلها المثالي الذي يرضى طموحاتها، حين التقت "وليد مسعود" ذلك الفلسطيني الكهل، المنفي عن أرضه منذ النكبة، الذي ذاع صيته في أوساط الطبقة البرجوازية المثقفة في المجتمع البغدادي، بفضل دأبه ونشاطه العملي، وتعدد اهتماماته الأدبية والثقافية والفنية، فاقتحم عالم تلك الطبقة بجهده الذاتي، وحقّق مكانة مرموقة في أوساطها المثقفة، ولكنه، في الوقت نفسه، كان بعيداً عن الاندماج الكلي في عالمها المضطرب والمتناقض، لأن جذوره الحقيقية كانت مزروعة هناك، في تربة وطنه فلسطين، إذ كان دائم البحث عن ذاته الضائعة التي لا يجدها إلا عبر الالتحام بأرضه، والعودة الحقيقية إلى فردوسه المفقود.

 

وقد ارتبطت "وصال رؤوف" عاطفياً بوليد مسعود، وكان ذلك منذ أكثر من سبع سنين، ولم تكن تجاوزت آنذاك العشرين من عمرها، حين كان يتردد على منزل العائلة، وتربطه بوالدها وأخيها طارق صداقة، كانت، آنذاك، تعد مجرد تفكيره بها أمراً مستحيلاً تقول لنفسها: "ربما خطرت بباله كومضة من ومضات المستحيل، وأنا تشدني عاطفة مبهمة أخشى أن أستوضحها حتى لنفسي))( ). ولكنها فيما بعد أصبحت تراه صيداً جميلاً، يلذّ لها أن تطارده وتستأثر بحبه. وكان لها ما أرادت، بفضل جرأتها، وتصميمها على التعبير عن إعجابها به، وحبها له.

 

وبدأت التحولات الإيجابية في مسار حياتها واهتماماتها. وباتت تعي ذلك التغيير الحاصل في نظرتها لذاتها، وللعالم من حولها، بعد أن أدركت زيف العلاقات الاجتماعية في وسطها البرجوازي من خلال اندماجها وتوحّدها بوليد مسعود وعالمه، إذ استطاعت أن تنفذ إلى عالمه الداخلي الزاخر، وتدور ((في مداراته الذهنية... النفسية والعاطفية))( ).

وتعبر عن ذلك فتقول: ((تجربتي معه بالنسبة إلى تجاربي الأخرى، هزت الأرض تحت قدمي. فتجاربي (وربما كنت في ذلك كغيري من الناس) تضعني على مبعدة من هؤلاء الذين هم من التجربة نفسها: كنت أعي نفسي كشيء منفصل، كشيء ينفعل بقوى خارجة عنه، ولا يندمج فيها. أما مع وليد فقد جاءني ذلك الكشف الغريب بأنني أندمج، أصير، اتداخل وأعود وأنا غير ما كنته قبل ذلك. أحسست وهو يتكلم ويناقش، ويحاورني ويغازلني، أنني نفذت إلى بواطن إنسان آخر، كأن أحداً سمح لي بدخول بيت كبير مظلم عجيب الغرف، وبيدي شمعة... عرفته من الداخل.... جعلت أعرفه وأحبه، كما أعرف وأحب نفسي))( ). وحبها لوليد، وتوحدها معه، جعلها تلتحم بقضيته، ويشغلها ما يشغله من اهتمامات، فغدت شبيهته، تحمل بعض المتناقضات، وتعيش ذلك الاندماج الكلي فيه، وتعبر عن ذلك صراحة في أكثر من موضع في الرواية.

( وولع... بالكلمات .... وبسحر)وولع وليد مسعود بالكلمات، وبسحر مدلولاتها، ولاسيما إذا ارتبطت  بعواطف المحبين، دفعه لتسمية "وصال" بـ "شهد" لأنها كالشهد، جميلة، شهية، عذبة، وجهها المشرق أبداً ((كالجوهرة، كتفاحة المجانين...))( ). كانت تقول لوليد: ((أنت رجلي المثالي، منذ سنين: ألا تدري، أم أنك تتقصد الهرب مني؟))( ).

 

وعلى الرغم مما كان بينهما من فروق ومسافات في العمر والاهتمامات، والأحلام، تقرر "وصال" المضي بحبها إلى ما لا نهاية. على الرغم من تحذير أخيها لها من نتاج هذه العلاقة، بالإضافة إلى معرفتها بأن القيود الاجتماعية والدينية لن تسمح لها بالاقتران به.

 

وحين يختفي "وليد" عن مسرح الأحداث، يسبب اختفاؤه  لها حزناً عميقاً، ولوعة وحسرة، فتلبس السواد، وهي تدرك في دخيلتها أنه ((ليس المهم أن تلبس المرأة السواد، وأن تعاف نفسها الأكل، وأن تحرم النوم، وأن ترى الكوابيس.. المهم هو أن تبقى على عقلها، على إرادتها، على قدرتها على التصميم))( ) ولذا تعقد العزم، وتبدأ رحلة البحث عن "وليد مسعود"، ولا يقتصر بحثها عنه في أعماقها، وذكرياتها، وهي تناجيه: ((عيني الكحلاء، تبحث عنك... في دمي، في دخيلة دخيلتي، بين حرقاتي...))( )، بل يتعدى ذلك لتبحث عنه في كل مكان.. فتقوم بجملة من الاتصالات بكل من عرفهم في بيروت وعمان، وتركب أول طائرة متجهة إلى بيروت لتبحث عنه هناك، ومن ثم لنلتحق بصفوف المقاومة، وتلتحم بقضيته، وتؤكد انتماءها للقضية ولإنسانها. عندئذ يتحقق لديها الإحساس الغريب الذي أحسته ذات يوم، وهي تزور "مروان وليد مسعود" في مخيم صبرا. حين أحست أن المخيم الذي أصبح قاعدة فدائية، يعود بها إلى ((جوهر الأشياء المنسي))( ). وهاهي تعود إلى جوهر الحياة، حياة ذات معنى، حياة فاعلة منتجة.

((لقد فهمت "وليد" إنساناً غير معزول عن قضية، فكان اختياره اختياراً نهائياً لها. إنها المرأة التي يتحقق فيها ما يبحث عنه "وليد". المرأة التي تحمل عناد الأم وكبرياءها))( ).

 

هكذا كان الحب الحقيقي وراء انتماء "وصال" إلى قضية وليد مسعود، واندماجها بالاثنين معاً، وتجسد ذلك في تجاوزها لحياتها الهامشية، ولزيف طبقتها وسطحيتها وتناقضاتها، فتمكنت من ممارسة حريتها بشكل إيجابي، عبر اعتناقها لفكر وليد ومبادئه. بدت أكثر وعياً وقدرة على مواصلة الطريق الذي اختارته لحياتها، واستطاعت- وهي الفتاة المدللة- أن تتجاوز واقعها، وحياتها  الهشة الفارغة، حين وضعت قدمها على بداية الطريق الذي يجب أن تسلكه لتعيش حياة إنسانية غنية ومؤثرة، حافلة بالعطاء، وإن لم تدعنا الرواية نقف على ثمرات هذا التحول الكبير والإيجابي بصورة واضحة، إثر التحاقها بصفوف المقاومة، إذ ينتهي دورها في الرواية عند هذا الموقف اللافت والمميز.

 

ثالثاً- نموذج المرأة المثقفة الواعية:

يُعدُّ هذا النموذج من أكثر النماذج الروائية اجتذاباً للروائي الفلسطيني، بحكم قدرته على تمثّل أفكاره، وتجسيد الكثير من آرائه ومواقفه، فالشخصية النسائية التي تجسد هذا النموذج تبدو أكثر قدرة على قيادة أمورها، والتأثير في محيطها، وكسب ثقة الآخرين بها، واحترامهم لها، وذلك بفضل شخصيتها المتوازنة، وما تسهم به من أفكار، تساير حركة الواقع، ولا تتعارض مع القيم الاجتماعية والمثل الأخلاقية للمجتمع. وبفضل، أيضاً، نشاطها العملي في خدمة المجتمع، إذ غالباً ما يكون عملها على اتصال مباشر بالجماهير الشعبية، كأن تعمل معلمة أو صحفية أو في أحد مجالات الخدمة العامة، كما هو الحال لدى ندى في "العشاق" ورفيف في "عباد الشمس.

ولعل أبرز الشخصيات النسوية التي تمثل نموذج المرأة المثقفة الواعية، التي طالعتنا في مجمل الروايات التي شملها البحث، شخصية "رفيف" في "عباد الشمس".

 

 - رفيف: "عباد الشمس".

تبرز هذه الشخصية منذ البداية، بحضورها الكثيف والمميز، وبشخصيتها المفعمة بالحيوية والنشاط، بوصفها صحفية، تسعى لتحقيق ذاتها، والانتصار لقضيتها، وتأكيد هويتها، على الرغم من العقبات التي تواجهها، وتعترض طريقها.

وقد ارتبط حضورها الروائي، في الغالب، بحضور "عادل الكرمي"، صديقها الحميم، الذي أحبته بصدق، ولكنه لم يستطع أن يبادلها المشاعر ذاتها، وقد سبق أن توقف البحث عند العلاقة العاطفية، الوحيدة الجانب بين رفيف وعادل، واتضح موقف عادل من العواطف التي يعدها، شوائب تشوه الشخصية وتضعفها، بعد أن أضنته تجارب الحياة الصعبة التي عاشها إبان نكسة حزيران عام 1967، فقد كان مثقلاً بعبء الأسرة الكبيرة التي يعيلها، وبهموم الوطن، وحركة التاريخ والثورة. ولذا آثر أن يمارس حياته بحرية، مكتفياً بهذا القدر من الأعباء والمسؤوليات التي تقع على عاتقه وترهقه.

 

وتشكل شخصيتا رفيف وعادل ثنائية غير متوافقة، في الكثير من الأحيان، وهما يعبران عن وجهتي نظر مختلفين تجاه بعض قضايا المجتمع، وبالتحديد قضية المرأة. فتكشف الرواية بذلك ازدواجية بعض المثقفين العرب من أمثال عادل الكرمي وغيره من أعضاء هيئة التحرير في المجلة، ممن لا زالت تسيطر عليهم بعض الرواسب الاجتماعية السلبية التي تعشش في رأس الرجل المقهور. ويتضح ذلك في التعارض القائم بين القول والفعل، بين النظرية والتطبيق، بين الفكر الذي تطرحه الرواية، والتجربة الحارة والمباشرة التي يعيشها مجتمع الرواية، الذي يمثّل شعب الضفة الغربية الرازح تحت الاحتلال.

و "رفيف" شابة في الثلاثين من عمرها، تنحدر من أسرة تقليدية تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، نجدها متحررة، إلى حد ما، من قيود الأهل ورقابتهم ونواهيهم، بسيطة المظهر، محبة للحياة والحرية، ساعية إلى المعرفة، وتنمية ثقافتها، والدفاع عن قضيتها، وإثبات وجودها، ملامح وجهها تشي بجديتها، وحدة طبعها، وقوة شخصيتها، وتؤكد ثقتها بنفسها.

 

وتحمل "رفيف" بعض ما تزخر به الرواية من أفكار ومفاهيم كثيرة ومتنوعة، ترتبط بالفكر والسياسة والتاريخ والاجتماع والحب والحرية وفلسفة الثورة، وغير ذلك من الأفكار والقضايا التي تشغل فكر المثقف العربي، ولا سيما المرأة المثقفة الطامحة لتحقيق وجودها، وتأكيد هويتها في ظل مجتمع تقليدي، يعاني من الاستعمار والقهر الاجتماعي والاقتصادي والفكري.

 

وتتبنى "رفيف" الكثير من الأفكار التقدمية التي تتمحور حول قضية المرأة العربية، عامة والفلسطينية خاصة، وترى أنه لا يمكن تحرير الشعب والوطن، مالم تحرر المرأة من القيود التي تكبلها وتحد من تقدمها، فقضية المرأة جزء لا ينفصل عن قضية الوطن. وغالباً ما يتضح ذلك عبر تداعياتها ومناقشاتها مع أسرة المجلة، ولا سيما حين تعد عدتها للدفاع عن مشروعها الداعي إلى تخصيص نصف المجلة لشؤون المرأة، ومن ثم لتدحض ادعاءات الرجل المثقف، وتبين زيف الموقف الذي يتخذه عادل، وبعض زملائه في المجلة، ممن يدعون التحرر والمساواة بين الجنسين، فيخدعون أنفسهم قبل أن يخدعوا الآخرين، لأنهم يطبقون على الآخرين ما لا يطبقونه على أنفسهم. فعادل ((الذي يطالب العامل الفرد أن ينتظم ويحمي نفسه بالجماعة حتى لا يكون مصيره الشارع، ويطالب المرأة أن تمارس التمرد، ولا يعبأ إذا كان مصيرها الشارع، هو إنسان منفصم مزيف سيء النية. أو أنه قاصر عن فهم الواقع في حركته..))( ) ولذا فهي تتهمه مع أمثاله بالزئبقية، وممارسة لعبة الرقص على الحبال.

وتبسط رفيف أفكارها بصورة مرتبة ومنظمة، وهي تناقش أعضاءه هيئة التحرير، فتبرز الأسباب الكامنة وراء تخلف المرأة العربية، وتُحيل ذلك - كما ترى- إلى ((التركيبة الاجتماعية. الثقافة السائدة. ووجوب تغييرها. مفاهيم المجتمع وقيمه.. الاستغلال والابتذال))( ).

 

وبذلك تعرض رفيف جانباً هاماً من قضية المرأة، بل قضية الإنسان المقموع، الذي يعيش حالة من القلق والتشتت والتناقض، بين قيم قديمة سائدة، وقيم جديدة وافدة. بين ما تجذر في كيان الإنسان- المرأة من قيم ومفاهيم اجتماعية وأخلاقية وفكرية وثقافية، وما تفرضه قيم الواقع الجديد على إنسان المرحلة الراهنة الذي يعيش تحت وطأة الاحتلال، وفي ظل مجتمع يعاني الفقر والجهل والتخلف. وفي ذلك ما يؤكد ضرورة أن ينهض الإنسان العربي، رجلاً كان أم امرأة، ليتجاوز كل ما هو سلبي في الموروث الاجتماعي والفكري والثقافي، من أجل مواجهة تحديات العصر، ومواكبة ركب الحضارة.

ورفيف لا ترى حلاً مناسباً أو جاهزاً يمكن أن تتبناه، من جملة الأفكار والحلول التي عرضتها، ولذا فهي تكتفي بإثارة القضية، ومن ثم تلوح بالحل الأمثل، في ضوء التحلي بالوعي السليم، والحكمة والالتزام بما ينسجم مع الأطر الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، ويلبي تطلعات المرأة نحو غد أفضل. إذ لا يمكن تجاوز رواسب الماضي وسلبياته بوصفة سحرية، أو بقرار يتم تطبيقه بين عشية وضحاها، فلا بد من العمل الدؤوب، بكثير من الصبر والتصميم، لتنال المرأة حقوقها، وتؤكد هويتها، وتفكر بحرية، لتستطيع تحمّل المسؤولية الملقاة على عاتقها بوعي وكفاءة.

 

ورفيف كغيرها من النساء المثقفات الواعيات، تسعى لتحقيق وجودها، وتأكيد هويتها، فتتصرف بوعي، وإحساس كبير بالمسؤولية، وتعيش حياتها بامتلاء، ولا ترضى أقل مما يتناسب مع ملكاتها العقلية، وقدراتها العملية، ويلبي طموحاتها. ولذا فهي ترفض أن تهمّش، أو يحجّم دورها، وهذا ما نلمسه من خلال تصرفاتها ومواقفها، وبصورة خاصة، بعد أن تحررت من تبعيتها لعادل، حين واجهت كل محاولاته لاحتوائها والحد من تطلعاتها بالرفض، ومن ثم بالإصرار على التقدم بمشروعها، للنهوض بواقع المرأة داخل الأرض المحتلة. مثبتة بذلك، أنها لم تعد تابعاً له، بل نداً.

 

لقد أدركت رفيف بوعيها المتفتح، وعبر تجربتها المتواضعة على صعيد المجلة، أن مهمة الصحفي والكاتب الحر المشاركة في نهضة مجتمعه، من خلال العمل على تغيير بعض المفاهيم البالية، وتجاوز كل ما هو سلبي في الواقع، انطلاقاً من إيمانه بضرورة التغيير نحو الأفضل. ولذا نجدها ترفض محاولات استغلال حماسها، وتسخيره في جوانب أخرى، لا تخدم قضيتها، لتحقيق المكاسب المادية للمجلة على حساب زاويتها "زاوية المرأة" التي يراد استغلالها للموضوعات الهامشية التي تخاطب المرأة السطحية، وتلبي متطلباتها، على حين تريد "رفيف" أن تتوسع زاويتها لتشمل نصف المجلة، وتكتسي طابعاً علمياً موضوعياً، غايته نشر الوعي، وخلق ثورة حقيقية في أوساط المجتمع. لا أن تأخذ طابعاً تجارياً دعائياً لا يجدي نفعاً( ).

 

وتعبر رفيف عن احتجاجها وغضبها أمام "عادل" متسائلة: ((أهي مجلة تقدمية أم ماذا؟ أريد أن أعرف. إن كانت تقدمية فعلاً فعلينا التوقف فوراً عن معاملة المرأة كما لو كانت شريحة اجتماعية منفصلة. هي إنسان، وعليها أن تقرأ ما يقرأه* الرجل. اهتماماتها هي نفس اهتماماته، فماذا تخصص لها زاوية منفصلة..))( ). وتأتي مطالبتها بالتغيير إنصافاً للمرأة، واحتراماً لقدراتها العقلية والعملية.

فإذا أراد المجتمع النهوض بواقع المرأة، فعليه التحرر من تلك النظرة الدونية إلى المرأة، التي تولدت نتيجة عقود عديدة من الجهل والتخلف، وهيمن فيها الرجل على المرأة وشؤونها.

 

ولتحقيق ما تصبو إليه "رفيف" من تطلعات، تقوم بممارسة دورها الإيجابي، وتنخرط في العمل الميداني على صعيد المجلة. وتعمل على تأكيد ذاتها بوعي وجدية، بعيداً عن الفوضى، على الرغم من الصعوبات والعقبات التي تواجهها، سواء على صعيد عملها الصحفي، أو على صعيد المجتمع وعلاقاتها بالرجل المثقف، الذي يعاني تناقضاً بين النظرية والتطبيق، وهو يحاول تبرير عجزه عن الفعل والممارسة الثورية، من خلال المماحكات الكلامية، وإثارة بعض القضايا المعقّدة المتشابكة، التي توحي بأن الفعل في تلك الظروف صعب، بل مستحيل.

وتدرك رفيف بوعيها السليم، طبيعة دورها في تلك المرحلة، وتعي في الوقت نفسه، أنه لكي تكون فاعلة ومؤثرة في مجتمعها، ينبغي أن تحظى بثقة المجتمع، وتكسب تعاطفه معها، فلا تستهين بنظمه وقوانينه، وقيمه الأخلاقية، وأعرافه، لئلا تثير نقمته عليها، أو تدفع بعض أفراده إلى التحفظ، أو اتخاذ مواقف معارضة أو عدائية منها. ولذا فهي تندد بالفوضى، كوسيلة لتحقيق التمرد، وترى أن ((الفوضى قد تحقق التمرد، لكنها لا ترقى بالوعي إلى الثورة. ونحن في غنى عن دفع الضحايا بدون مقابل. لسنا بحاجة إلى شهب تحترق، ولا تضيء))( ) وهذا يعني أن الفوضى نقيض الثورة الحقيقية التي تقوم على الوعي الكامل، والعمل المنظم الهادف.

وكما تندّد رفيف بالفوضى لأنها جهد عبثي، يهدر طاقات الإنسان، ويضعفه دون جدوى، نجدها تعارض حرية المرأة الجنسية التي تعني الانفلات والتحلّل من جملة من القيم الاجتماعية والضوابط الأخلاقية التي تعارف عليها المجتمع. كما أنها تتعارض مع الحرية الحقيقية التي تحتاج إلى الإنسان القوي المُعافى، الذي يستطيع أن يمارس على نفسه أقسى أنواع الضغوط( ).

***

إن الدعوة إلى التغيير لتتمكن المرأة من ممارسة حريتها، والتعبير عن إنسانيتها، والقيام بدور فاعل ومؤثر في محيطها، مشروطة، أيضاً، لدى رفيف، بضرورة ((أن يؤسس هذا التغيير على قاعدة من الثقة، لهذا كانت حريصة أن يكون تحرر المرأة متلازماً مع ثقة المجتمع بها... فهي إذا لم تمنح ثقته لن تكون فاعلة فيه))( ).

لقد أبدت "رفيف" إخلاصاً كبيراً لمبادئها ولأفكارها، وحاولت تجسيدها عملياً، ولكنها كثيراً ما كانت تصطدم  بإرادة الرجل المثقف المهيمن-عادل ورفاقه- الذي يؤيد حيناً، ويعارض في كثير من الأحيان. فالظروف الاجتماعية والسياسية في الضفة، لا تسمح لأفكار رفيف الداعية إلى التغيير، وتجاوز كل ما هو متعفن في النظام الاجتماعي، بأن تنمو وتترعرع، لأنه ((في ظل العلاقات الاجتماعية المتخلفة تنكسر خطوات المرأة المثقفة، وتتعقد حياتها... لأن تغيير الأوضاع الاجتماعية بما فيها من تقاليد وقيم من أصعب الأمور، إذ يستدعي تغييراً في أعماق النفس البشرية لا في الأوضاع الخارجية فقط))( ).

 

وإذا عدنا إلى تجربة رفيف الحياتية المتواضعة والبسيطة، قياساً إلى تجربة "سعدية" المرأة الشعبية المجربة التي عركتها الأيام، ونظرنا إليها في ضوء الفكرة التي تطرحها الرواية على لسان عادل والقائلة: إن ((النضج لن يسبق التجربة))( ) وجدنا أن طغيان الفكر على الممارسة كان الغالب لدى رفيف، وذلك بحكم نشأتها في أسرة تقليدية محافظة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، التي تعيش في الظل، حياة هادئة مستقرة، مبتعدة، إلى حد ما، عن معاناة الشعب، وهمومه وآلامه.

 

وعلى الرغم من ذلك، فقد أظهرت "رفيف" إخلاصاً كبيراً لمبادئها وأفكارها. وسعت إلى تجسيدها عملياً في سلوكها وتصرفاتها، كما اتضح ذلك في بعض مواقفها، ولا سيما موقفها من "سعدية" بعد مصادرة قوات الاحتلال لأرضها.. إذ عبرت عن تعاطفها الحار والصادق، بل تضامنها مع سعدية في محنتها. وتجلى ذلك في دموعها المنهارة حين لم تستطع فعل شيء. تقول لسعدية: ((أنا وأنت يا سعدية نكتب للناس، ونهز الضمائر))( ). سعدية بكدها وعملها. ورفيف بقلمها ونضالها في سبيل قضية المرأة.

هكذا أخذت رفيف تشق طريقها الصعب والطويل بثقة وإصرار، بعد أن وعت واقعها وانخرطت في صفوف شعبها، وتحسست آلامه، ومعاناته من واقع الاحتلال المقيت، فأكدت بذلك ضرورة أن تقترن النظرية بالتطبيق، مع التركيز على التجربة المباشرة التي تتعاضد مع الوعي الحقيقي، فتصهر الإنسان وتصقله، وتدفعه لكي يكون فاعلاً ومؤثراً في وسطه، ومنسجماً مع نفسه إلى حد بعيد. وهذا ما أوضحته الرواية، سواء على صعيد تجربة رفيف العاطفية، أو تجربتها على صعيد عملها الصحفي. إذ استطاعت أن تحافظ على نفسها وكرامتها، وتحترم مبادئها، وتصر على مواقفها.

 

وتبقى الطريق صعبة وطويلة أمام طموحات "رفيف"، فهي تحتاج لمن يمد لها يد العون ويؤازرها في رحلتها الطويلة، فإذا لم تتضافر جهود المثقفين المخلصين من رجال ونساء للنهوض بواقع المرأة العربية، فإنها لن تظفر بحريتها. ومن هنا نجد "رفيف" تعبر عن استيائها من عادل ورفاقه في المجلة، وهي تقول: ((تعبت من عادل الكرمي... تعبت... أما من أحد يساعدني على الوصول؟ أما من أحد يشاركني وحشة الطريق؟))( ).

 

ولكنها على الرغم من ذلك لا تستسلم لتلك اللحظات التي يتسرب فيها الضعف إلى نفسها، فهي ترفض الخضوع لابتزاز "عادل" وانتهازية "سالم" وتدين عجزهما عن فهم واقع المرأة، وعالمها الداخلي، وتحسس معاناتها. وتعجب كيف يمكن لعادل وأمثاله من المثقفين، دعاة التحرر، والفكر التقدمي، أن يقودوا الحركة اليسارية في الكيان الصهيوني، من أنصار حركة السلام الآن، أمثال خضرون. وهم عاجزون عن الوصول إلى المرأة الفلسطينية، وفهم واقعها وتطلعاتها، والنهوض بها. تقول: ((الثورة لن تحل مأساة الشعب، وهؤلاء هم القادة. عادل والشعب. وأنا نصف الشعب. أنا المرأة. أنا النموذج الذي يمارس عليه عادل تطبيق النظرية. يعجز عن فهم واقعي، ومواكبة متطلباته... فهو عاجز عن دمج الواقع بالنظرية، ومن يعجز في الجزء، يعجز في الكل))( ).

 

هكذا قدمت الكاتبة شخصية  "رفيف" في عباد الشمس لتجسد من خلالها نموذج المرأة المثقفة الواعية التي تسعى لترسيخ وجودها في ظل مجتمع ما زالت تسيطر عليه رواسب الماضي، ويعاني أبناؤه شتى أنواع القهر ((إذ تابعنا لحظات ضعفها كما تابعنا لحظات نضجها، فأتاحت لنا الكاتبة التغلغل إلى أعماق المرأة، لنرى رقة عواطفها التي تتجاوز ذاتها لتصل إلى هموم الآخرين، تتعاطف معهم بدموعها حين تعجزها الوسائل... فقد تكون الدموع دليلاً على ضعف المرأة، ولكنها أصبحت رمزاً لحساسية المرأة، وانفعالها بالقضايا الوطنية التي هي في أعماقها قضايا إنسانية. ولكن ما يؤخذ على الكاتبة أنها قدمت لنا شخصية شابة بمعزل عن مجتمعها... فكأنها منسلخة عن بيئتها، تتحرك في بيئة غريبة، إذ تسهر إلى وقت متأخر، تسافر... تترك العمل متى تشاء، تعود إليه متى أرادت دون أن نسمع وجهة نظر الأهل في ذلك كله، وهذا يعني أننا لا نسمع صوت الجيل التقليدي المعارض لقضية المرأة))( ).

 

ومهما يكن، فإن "رفيف" وأمثالها، تبقى، كما صورتها الرواية ذات النهاية المفتوحة ((نضالاً يواكب ركب النضال والدرب طويل))( ) للوصول إلى ما تصبو إليه المرأة المثقفة الواعية، من إزالة كل القيود التي تقف أمام تحررها، وتحقيق ذاتها، وتأكيد هويتها، وترسيخ وجودها الفاعل في حركة الواقع. لقد حملت "رفيف" بذور الرفض والثورة فكرياً. وحاولت تجسيدها عملياً، ولكنها لم ترق إلى مستوى المرأة الثورية، في تجسيدها لتلك الأفكار والمفاهيم والقيم الإيجابية التي نادت بها.

 

 

 

 

الفصل الرابع نموذج المرأة الثوريّة

 

-تمهيد

شهد الواقع الفلسطيني تطّوّراً هاماً، في وضع المرأة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، ولا سيما بعد انطلاقة الثورة رسميّاً عام 1965، ممثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني، ((إذ عجّلت الثورة من كسر قيودها، وأتاحت لها المشاركة الفعلية في العمل النضالي، سياسياً وتنظيمياً، وعسكرياً، كذلك عكست الرواية هذا الواقع، وقدّمت صوراً مختلفة للمرأة، فهي ليست المرأة الأم التي تقدّم أولادها الذكور للعمل الثوري، إنمّا هي إلى جانب ذلك "المرأة الثورية بذاتها" التي تمارس العمل السياسي والإعلامي والعسكري، فتحمل السلاح في قواعد الثورة، وفي عمليات عسكرية ضد العدو... وليس هذا تطلّعاً من الكاتب إلى ما بنبغي أنْ يكون، لكنّه الواقع الذي تعيشه حالة الثورة فعلاً))( ).

ولقد نظر الكاتب الفلسطيني إلى المرأة عامة. والمرأة الثورية خاصة، نظرة تقدير واحترام لأنّها ثائرة أكثر من ثورة. ((فإذا كان الرجل العربي ثائراً على الاحتلال، وما يمثّله من قهر قومي، وعلى علاقات الإنتاج، وما تمثّله من قهر اقتصادي واجتماعي، فالمرأة العربية (الفلسطينية) ثائرة مثله على كلا القهرين، كما أنّها ثائرة على واقعها الاجتماعي الذي.... يكبّلها، وثائرة على أنوثتها التقليديّة، وعلى ما تتمتع به المرأة العربية عادة من حياة رغدة كسولة هادئة))( ).

فالمرأة الثورية، كما هي في الواقع. والفن، ((تعي طريقها، وتضحّي من أجل الوصول إلى غايتها، فتحقق استقلالها الذاتي عن طريق العمل وممارسة النضال الوطني، وترى في ثورة المرأة وتحررها بداية للثورة الشاملة، وهي لن تستطيع ذلك وحدها، لابدّ من مساندة الرجل الثوري في معركتها ضد التخلف والقهر)( ).

وإذ يرسم الكاتب الفلسطيني صورة المرأة الثورية، سواء أكانت كادحة مسحوقة أم مثقّفة واعية. فإنّه يقدّمها بصورة واقعيّة محببّة، نافياً عنها البؤس والقتامة والقسوة، وقد يربطها أحياناً ببعض الصور الدالة التي ترقى إلى مستوى الرمز، ولكنّه يبتعد، إلى حد كبير، عن المبالغة والتضخيم أو المثالية. وغالباً ما يعود في تقديمه لشخصية المرأة الثورية إلى الظروف التاريخية، والشروط الذاتية، وأبرز العوامل التي أسهمت في تكوينها النفسي والفكري والاجتماعي والسياسي. ذلك أنّ الواقعية في رسم الشخصية ((تقتضي... إلى جانب صحّة وصدق التفاصيل، التجسيد الصادق للشخصيات النموذجية، في الظروف النموذجية... التي تحيط بها، وتضطرها للفعل))( ).

وفيما يلي نقف على صورة المرأة الثورية الكادحة المسحوقة. التي تمثّلها، أم سعد في الرواية المعنونة باسمها، ومن ثمّ الثورية المثقّفة التي تمثلها "شهد" في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس"، و "زينب" في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لنتبين طبيعة كل شخصية وملامحها على حدة.

 

أولاً- المرأة الثورية الكادحة:

-أم سعد: "أم سعد"

رواية "أم سعد" هي ((نص مزيج من يوميات حياة المخيّم، وفي ذلك واقعيته، وممكن فعالية المخيم، وفي ذلك شاعريته، ونهوض روح المقاومة والثورة في ناسه وفي ذلك ملحمته))( ). إنها رواية التحوّلات والتغيّرات الإيجابية التي شهدتها الساحة الفلسطينية، عقب نكسة حزيران عام 1967، في مخيمات بيروت، بعد أنْ تحوّلت إلى معسكرات لتدريب طلائع حرب التحرير الشعبية، فأصبح الفلسطيني اللاجئ فدائياً، بعد أنْ كسر طوق الصمت والعجز والانتظار، وضربت الثورة جذورها في نفوس أبناء الطبقة الشعبية الكادحة، ورؤوسهم.... وتجسّدت مقولة أم سعد: ((خيمة عن خيمة تفرق)). ((فخيمة المخيم تكريس للذل والبؤس والغربة، بينما خيمة المعسكر (الفدائي) منطلق لغد الحرية والكرامة))( ).

 

تقوم الرواية على مجموعة من الأحداث التي تتمحور حول الشخصية الأساسية "أم سعد"، وتتوزّع على تسع لوحات. ترتبط فيما بينها برباط زمني خفي، يتمثّل في عرق الدالية الجاف الذي زرعته "أم سعد" غداة الهزيمة، في حديقة الراوي المثقف، في اللوحة الأولى، ليبرعم في نهاية اللوحة التاسعة، وبذلك تتحقق نبوءة المرأة، بإشراق فجر جديد، فجر ينبثق من الواقع الناهض ليبدد ظلمات الهزيمة، وليزرع الأمل والثقة في نفوس كليلة هدها الأسى والانتظار الممض، وليرسم آفاق الثورة والتحرير.

وأما "أم سعد" الشخصية (النموذج) فهي بطلة الرواية، بل الرواية برمّتها. إنّها فلاحة فلسطينية كادحة، أميّة. في الأربعين من عمرها، هجرت قريتها "الغبسية" إثر نكبة 1948، وأضحت لاجئة في أحد مخيمات بيروت (برج البراجنة). تقوم بخدمة بيت الراوي، وسواه لتنفق على أسرتها، وهاهي تعيش واقع المخيم بكل أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإنسانية. وتكابد ثقل الهموم ، وقساوة الظروف المعيشية، بما فيها من فقر وجوع، وعمل مضن، سوء المأوى، وذل الانتظار أمام أبواب وكالة الغوث، وبطالة الزوج، وسوء تصرفاته، بالإضافة إلى ما تكابده من بطش الطبيعة بأبناء المخيم حين تغرقهم بالوحل والطين، إلى جانب ما أغرقتهم به أوحال الهزيمة. إنها باختصار ((نموذج للبطل الإيجابي الذي يصنع نفسَه من خلال معركته ضد الحاضر البائس، فينمو وعيها من خلال الممارسة والمواجهة المباشرة، وترسم مسار الخلاص، مستفيدة من دروس الماضي، منطلقة في الوقت نفسه إلى عالم المستقبل... ولكن عملية الصنع هذه، تأتي نتيجة لتوفير عوامل تاريخية متعددة، وشروط ذاتية محددة. "فالهزيمة" ونقيضها" المقاومة" هما اللذان أوجدا(*) أم سعد))( ).

 

يأتي تقديم شخصية "أم سعد" منذ البداية موسوماً بالصدق والواقعية، إذ يقول الكاتب: ((أم سعد، "امرأة حقيقية"(*)، أعرفها جيّداً، ومازلت أراها... وأتعلم منها، وتربطني بها قرابة ما، ومع ذلك، فلم يكن هذا بالضبط ما جعلها مدرسة يومية. فالقرابة التي تربطني بها واهية  إذا ما هي قيست بالقرابة التي تربطها إلى تلك الطبقة الباسلة المسحوقة والفقيرة والمرمية في مخيمات البؤس..))( ).

 

فأم سعد، إذاً، تمثل، تلك الجماهير الشعبية الكادحة المسحوقة، إذ ((اكتسبت على يد غسان... تكثيفاً خاصاً أصبغ عليها ملامح جماعية، فلم تعد أم سعد الفرد، إنما الشعب بأكمله. في كل لوحة من لوحات الرواية التسع، تتشكل أم سعد بملامح جماعية، فهي كل أم فلسطينية رفضت أسمال البؤس واختارت-طوعاً وقناعة- طريق القتال))( ).

وتتضح صورتها من خلال امتزاج ملامحها الخارجية بصورة الأرض وأشيائها، وتوحّدها الدائم بالأرض التي تعشقها، وتستمد منها وجودها، وكيانها وصمودها العريق. فها هي تظهر بطلّتها البهية المعبّرة التي تنم عن عنفوانها وإبائها، فتبدو للراوي وهي ((قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون... مثل شيء ينبثق من رحم الأرض... هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض وكأنّها ترتقي سلّماً لا نهاية له))( ).

 

كل ما اكتسبته أم سعد من صفات خارجية: ((جبنها الذي له لون التراب))( )، كفّاها اللتان تبدوان ((جافتين كقطعتي حطب، مشققتين كجذع هرم))( )، ((ساعدها الأسمر القوي الذي يشبه لونه لون الأرض))( ) وغير ذلك من صفات أو تشبيهات، يحيلنا إلى عالمها النفسي والشعوري، إلى معدنها الثمين، وجوهرها الأصيل، كما يحيلنا إلى طبيعة حياتها الاجتماعية، ومعاناتها وشقائها، فنقف على مدى صمودها، وتجذرها بالأرض بكل ما تحمله من دلالات( ).

 

تحكي الرواية قصة شقاء أم سعد، ومعاناتها اليومية، ونضالها، وهي تغالب ذلك الواقع المتأسن من أجل تجاوزه. فقد فجرت فيها تلك الظروف اللاإنسانية التي عاشتها في المنفى الإحساس بالضيق والغضب، إذ باتت ترى كل ما حولها حبساً، ومما زاد إحساسها بعمق المأساة، وفداحة الواقع، حالة الضياع والذهول التي لا زمت زوجها والكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني، طوال عشرين عاماً أعقبت النكبة، فقد ((كان أبو سعد مدعوساً بالفقر، ومدعوساً بالمقامرة، ومدعوساً بكرت الإعاشة، ومدعوساً تحت سقف الزنكو، ومدعوساً تحت بسطار الدولة...))( ).

 

ولكنها على الرغم من تلك الظروف القاسية، وما حواه صدرها المفعم بالأسى، وحطام السنين الطويلة ونكد الأيام وذلها، لم تستسلم. كانت "أم سعد" تصبر وتتجلد ولا تشكو أو تظهر في صورة المرأة الضعيفة المسكينة التي تستحق الشفقة، أو تستدر العطف، لأن كنفاني لم يكن ((يعتبر البؤس قدراً طبيعياً مفروضاً على الإنسان... فالبؤس نبيل وجميل عندما ينطبق على مجهودات أولئك الذين يبحثون عن التغلب عليه))( ).

 

وتبقى "أم سعد" شامخة كالطود، ومتماسكة ((قوية كما لا يستطيع الصخر، صبورة كما لا يطيق الصبر، تقطع أيام الأسبوع جيئة وذهاباً، تعيش عمرها عشر مرات في التعب والعمل كي تنتزع لقمتها النظيفة، ولقم أولادها))( ). فقد علت على معاناتها وجراحها، كما علت على الهزيمة، وماخلفته من خيبة وجراح عميقة في النفوس، لأنها أدركت بحسها الثوري العفوي السليم: أن ((الحرب بدأت بالراديو، وانتهت بالراديو))( ) ولذا لابد من الاستعداد لخوض المعارك الحقيقية المقبلة، والاعتماد على النفس، لتأكيد الهوية الفلسطينية، وتحرير الأرض.

 

ومن هنا نجد "أم سعد" لا تعارض التحاق ابنها "سعد" بالفدائيين، بل تشجّعه، وتدفعه إلى ذلك بفخر واعتزاز، وعزم على الفداء، وتتمنى لو تلحق به، وبرفاقه، لتكون أمّاً للجميع، وتقول: ((إذا لم يذهب سعد، فمن سيذهب؟))( )، وهاهي تقول للراوي المثقف: ((أقول لك، لتكن توصيتك به إلى رئيسه أنْ لا يغضبه. قال: أم سعد تستحلفك بأمّك أنْ تحقق لسعد ما يريد... يريد أنْ يذهب إلى الحرب؟ لماذا لايرسله؟))( ). وتدفع ابنها الصغير "سعيد" للتدريب مع أشبال المخيم، وتعدّه ليكون خلفاً صالحاً لأخيه الفدائي، وتطلق زغرودتها الطويلة المعبّرة عن ابتهاجها وإعتزازها بولدها، وبهؤلاء الأشبال، حين ترى سعيداً يتغلّب على منازله، أثناء أحد عروض التدريب العسكري في المخيّم. فتتجاوب هذه الزغرودة مع زغاريد نساء المخيم، ويعمُّ الأمل بغد أفضل.

 

لقد أدركت "أم سعد" بوعيها العفوي السليم، وبحسّها الوطني الذي تأجج غداة الهزيمة، ومن خلال تجربتها الحياتية العريضة، وبما استفادته من دروس الماضي، كقصة "فضل" المناضل البسيط، أنّ النضال لتحرير الأرض مرتبط بتحرير الإنسان من عجزه، ومن بعض الآفات الاجتماعية والمفاهيم البالية التي تكبّل المرء، وتعيق حركة تطوره ونهوضه. ولذا فهي تربط بين النضالين: النضال على الجبهة الداخلية، والنضال على الجبهة الخارجية إذ ترى ضرورة تصفية الساحة العربية-الفلسطينية من الخونة والمتخاذلين والمستغلين الذين لعبوا- فيما مضى- دوراً مشبوهاً لإجهاض ثورة (1936)، وكان لهم الأثر الكبير في ضياع الوطن عام 1948، ولا زالوا يلعبون هذا الدور من أمثال "عبد المولى" النائب في البرلمان الإسرائيلي... وغيره، فنراها تواجه المختار الذي يحاول منع ابنها "سعد" ورفاقه من الالتحاق بالفدائيين، وأخذ تعهد بأنْ يكونوا عاقلين (أوادم). وتتصدّى، أيضاً، للأفندي، رجل المباحث، الذي يتعقّب سعداً، وهو ينتظر عودته لأمّه كي يقبض عليه. ليس هذا فحسب، بل نراها تدرك فساد الاعتقاد بالحجاب وتستبدل بالحجاب رصاصة فارغة، وتعلّقها بصدرها، إيماناً منها (( أنّ الحجاب المرتبط بحفظ الإنسان، ودفع الشر عنه، لا يمكن أنْ يظل في مجتمع ثوري كلمات، أو رسوماً مهمة كتبها شيخ أو آخر. إن استخدام  الطلقة المفرّغة كعقد.... رمز دال على دخول العديد من الأفكار الجديدة... والأنظمة السلوكية المتقدّمة على الحياة القديمة للجماعة))( ).

 

وتعي "أم سعد" أيضاً، معنى التحالفات، ولو بصورتها العفوية البسيطة، فتتضامن مع مثيلاتها في البؤس والشقاء، كتضامنها مع المرأة اللبنانية الجنوبية، ومع أبناء المخيّم في مواجهة ظروفهم الحياتية الصعبة، فيكون لها الدور الأبرز بين نساء المخيم في التصدّي لإزالة آثار العدوان، وتوحيد الجهود، وذلك حين دعت نساء المخيم وبناته، وأبناءه لرفع القطع المعدنية الحادة التي ألقت بها الطائرات الإسرائيلية على الطريق المحاذية للمخيم، والمؤدية إلى مطار بيروت، كما أنّها تشاطر أبناء طبقتها  وشعبها همومهم وآلامهم، وآمالهم وتطلّعاتهم.

 

لقد جسّدت "أم سعد" في تصرفاتها ومواقفها وأفعالها الروح الناهضة لأبناء طبقتها. كما جسّدت في عطائها وتضحيتها بأبنائها، روح المقاومة في أبهى صورها، وأصدق معانيها، وبذلك استطاع كنفاني أن يرتقي بالبطولة النسائية إلى مرتبة رفيعة، إذ لم يقصر النضال، أو البطولة على الرجل دون المرأة، وإنّما ((جعل من الخندق المسافة المتساوية التي يقف فيها كل من الرجل المناضل، والمرأة الفلسطينية المناضلة خارج الدائرة الوهميّة في مواجهة الواقع، وتأكيد الانتماء))( ) للأرض وللقضية وإنسانها.

 

ثانياً- المرأة الثورية المثقّفة:

1-شهد الصمدي: "بوصلة من أجل عبّاد الشمس"

تُبرز رواية ليانة بدر "بوصلة من أجل عباد الشمس" دور المرأة الفلسطينية، ولا سيما المرأة المثقّفة الثورية في عملية النضال الوطني والاجتماعي، من خلال حشدها لعدد غير قليل من الشخصيات النسائية التي أظهرت بطولات، لا يُستهان بها في بعض المراحل الصعبة التي مرت بها القضية الفلسطينية، ومن بين هذه الشخصيات تبرز "شهد الصمدي" التي قدّمتها الرواية عن طريق ذكريات "جنان" صديقتها منذ الطفولة، ورفيقة دربها في النضال، وشريكتها في التظاهرات والانتفاضات، وهي أيضاً شاهدة على مآسي شهد، ومواقفها الشجاعة في مختلف مراحل حياتها، وظروف معيشتها.

 

ينطلق الحدث الروائي من اللحظة الحاضرة المتمثّلة في الحرب اللبنانية عام 1975، ليعود إلى الوراء عبر تداعيات "جنان" وذكرياتها التي تسترجع أحداث ما قبل عام 1967 وما بعدها مروراً بأحداث أيلول عام 1970، وما خلّفته من مآس وجراح عميقة. وإذ تقدّم الكاتبة شخصية "شهد الصمدي" فإنّها تقدّمها بصورة تدريجية، تتكشف من خلالها، شخصية جادة نقيّة، مقبلة على الحياة، يميّزها الوعي والإخلاص لمبادئها، وللثورة التي آمنت بها، والتزمت بالنضال في صفوفها.

 

تعود الرواية، إذاً، إلى ماضي "شهد" لتلقي بعض الضوء على ظروف نشأتها، ومعاناتها الفقر والحرمان، فقد استُشهد والدها، وهي صغيرة، فأقامت سنين عديدة في مدرسة الأيتام الداخلية، ذاقت خلالها مرارة التشّرد واليتم. وحينما شبّت، تابعت دراستها في معهد المعلّمات في عمّان، ونمت في داخلها بذور الثورة التي زرعها والدها، وغذّاها استشهاده. وكان للواقع الصعب الذي عاشته بما فيه من ظلم وقهر، إضافة إلى ما تلقّته من ثقافة ثورية، أثر كبير في تفتّح وعيها الثوري، وإذكاء شعلة الثورة في داخلها.

 

كانت طالبة متميزة تنتظر المساء بفارغ الصبر، لتمارس مع صديقتها "جنان" نشاطهما السري، الذي يتمثّل بتوزيع المنشورات السياسية الممنوعة، ولصقها على جدران المعهد، والتحريض على المظاهرات ضد سياسية القمع والاضطهاد، والثورة على المحتل. وقد اعتادت الاشتراك بمثل هذه التظاهرات، وهي لمّا تزل تلميذة صغيرة، وقد اعتقلتها السلطات الأردنية، وتمّ التحقيق معها، ومن ثمّ أطلق سراحها بكفالة، لتعاود نشاطها من جديد.

 

وتُولي شهد أهمية كبيرة للعلم والمعرفة، وتسعى إلى تثقيف نفسها فكرّياً وثورياً، فتركّز اهتمامها على قراءة كتب الفلسفة الثورية. وتحاور أستاذها "ماجد عبد الباهي" خريج جامعة أكسفورد، وأحد مدّعي الثقافة والتحرّر، فتزداد في مناقشاتها معه اعتداداً بقدراتها وذكائها، ويزداد هو إعجاباً وشغفاً بها، غير أنّ مصدر إعجابه بها لم يكن ذكاؤها وثقافتها، بل تحرّرها وانفتاحها، وقدرتها على استيعاب الآخرين، والتفاهم معهم على اختلاف مشاربهم.

 

يدعوها "ماجد عبد الباهي"، ذات يوم إلى زيارته في بيته، فتلبّي دعوته، منطلقة من إحساسها بحسن طويته، وثقتها بنفسها، فتشاركه في إعداد الطعام، ولكنه سرعان ما ينظر إليها بعين الرغبة، فيندفع لتقبيلها بعنف، فتقاوم ذلك وتستطيع الإفلات منه بقوة وشجاعة، متحولة إلى كتلة من الصراخ المجنون( ).

وبذلك انتهت علاقتها بماجد عبد الباهي، التي كانت رهاناً خاسراً، كما تنبأت بذلك صديقتها جنان. لقد ظنت أن ما بينهما من صداقة يمكن أن يتحول مع الأيام إلى حب حقيقي، لكن صدمتها فيه كانت كبيرة، إلا أنها استطاعت تجاوزها، فلم تستسلم لمشاعر الخيبة والحزن، بل زادتها تلك التجربة المرة، قوة وتصميماً على مواصلة مسيرتها النضالية، ومتابعة دراستها، ومماحكة أستاذها، لكشف زيفه، ولكنه أخذ يتجاهلها، ولا يلتفت إلى أسئلتها.

 

وإذ تحاول الكاتبة أن تجسد في شخصية "شهد" الروح الثورية الحقيقية، لتتجاوز بذلك تناقضات الرجل المثقف، وتكشف زيف ادعاءاته، فإنها تمنحها دوراً كبيراً يتناسب مع وعيها وملكاتها الفكرية، ومؤهلاتها، بوصفها امرأة مثقفة ثورية، عرفت موقعها في صفوف الثورة، من خلال اشتراكها في المعسكرات الطلابية، وقيامها بالكثير من المهمات النضالية التي كلفت بها، إضافة إلى نشاطاتها الأخرى، كجمع التبرعات، والقيام بأعمال الإسعاف والتوجيه والإعلام وتوزيع المنشورات السياسية، وسوى ذلك من النشاطات النضالية( ). كل ذلك جعلها تتجاوز دورها وحجمها كأنثى، تبعاً للمفهوم التقليدي، لتؤكد ذاتها وقدراتها على الصمود والمواجهة، وحمل السلاح. إذ تشارك مع رفاقها في عمليات المقاومة في أحداث أيلول عام 1970 وتقوم بمهمات قتالية عديدة، تظهر فيها جرأة وكفاءة عالية. وتمارس دورها التوجيهي الواعي، الذي برز أثره في حماية المقاتلين من آثار الإصابة بالقنابل الفوسفورية. وتستطيع، أيضاً، أن تتجاوز محنتها، وتتغلب على أحزانها إثر استشهاد حبيبها المناضل " محمد فلاحة" على مرأى منها، وذلك بفضل وعيها واتزانها وتحليها بالإرادة القوية، وإيمانها بأن ((العالم لا ينتهي عند إنسان واحد، وهو واسع فسيح، يسمح على نحو ما باحتضان أمنياتنا، والعمل من أجل تحقيقها))( ).وتتمكن "شهد" من إعادة ترتيب أمورها، وتنظيم حياتها، على نحو يكفل لها الاستمرار. فمسيرة الثورة علّمت المناضل الثوري أن لا وقت للدموع، وأن الحرص على استمرارية الثورة، يعني من جملة ما يعنيه، دفن الأحزان، وعدم الاستسلام لليأس، والصمود أمام الصعاب، وتجاوز كل العقبات نحو غد مشرق، وحياة أفضل.

 

وإذ تنتهي أحداث أيلول، تواصل شهد مسيرتها النضالية، من موقعها الجديد، بعد أن تخرجت من المعهد، وعملت معلمة للغة الإنكيزية، في إحدى مدارس وكالة الغوث، فكانت تبث أفكارها الثورية في رؤوس تلميذاتها. ولكنها سرعان ما تفصل من العمل في المدرسة، ويتكرر الفصل في أماكن أخرى، وتغلق دونها أبواب العمل في دوائر الدولة ومؤسساتها، بسبب نشاطها السياسي، لتصبح أخيراً سكرتيرة في إحدى الشركات التجارية الخاصة في عمان.

 

وعلى الرغم مما عانته من جراء فصلها المستمر من العمل، وملاحقة المخبرين لها بعد أحداث أيلول، لم تستسلم أو تهادن، أو ترضخ لأساليب الترغيب والترهيب التي مارستها عليها أجهزة السلطة، وهي تحاول دفعها إلى الانهيار والسقوط، أو الاعتراف بما لديها من معلومات حول علاقاتها مع المقاومة، مقابل منحها شهادة حسن سلوك، تخوّلها العمل في أفخم المدارس، وتصبح أحسن معلمة.

 

وتصر شهد على المواجهة والتحدي، يدفعها في ذلك عزيمة قوية، وإرادة صلبة، وإيمان عميق بسلامة المبدأ، ونبل الهدف، وقدرة كبيرة على مغالبة الشدائد، وأمل كبير بتجاوز هذه الأزمة كسابقاتها. فها هي ذي تقول لصديقتها جنان: ((يريدون تدمير عالمي بالفصل المستمر من جميع الأمكنة. حسناً، ليفعلوا إن استطاعوا. لو تفّتت العالم فسوف أعيد تجميع أركانه، ولربما خلقته من جديد كي أغيظهم))( ).

 

إن التجربة الصعبة، والمعاناة المرة التي عاشتها "شهد الصمدي"، وسواها من شخصيات الرواية، أثناء أحداث أيلول وما بعدها، تصور صمود المرأة الفلسطينية المثقفة، المدعمة بالفكر الثوري، بل تصور صمود الجماهير في وجه الاضطهاد والسحق ومؤامرات التصفية. كما تعبر عن هموم المقاومة، وأزمتها الحادة في تلك المرحلة التاريخية الخطيرة من حياة الثورة والقضية الفلسطينية، وتؤكد حق المناضلين في مقاومة الموت والدمار، والدفاع المستميت عن ثورتهم ووجودهم، وحقهم في حياة حرة كريمة.

 

وإذ تحرص الرواية على تقديم المرأة المثقفة الثورية، بصورة واقعية متوازنة، فإنها لا تهمل الجانب العاطفي-الشعوري من حياة "شهد" لكي لا تحولها إلى محض مناضلة ثورية لا همَّ لها إلاّ المقاومة،  ولذا تبرز الرواية الجانب الإنساني الآخر من شخصيتها كالشفافية والحساسية المفرطة تجاه الأشياء المحيطة بها. فمثل هذه الشفافية، تمنح الشخصية بعداً آخر، يكسبها حضوراً أكبر، فتبدو مقنعة صادقة نظيرة للواقع بكل ما تجسده.

 

فشهد الشجاعة الصلبة. الجادة، ذات التطلعات الثورية، والإرادة القوية، تحب الحياة، وتستميت في الدفاع عنها، وتعشق الحرية، والعيش في أحضان الطبيعة، فلا عجب أنّ سمتّها صديقتها "جنان" : ((شهد المطر والسوسن البري... حين رأتها تركض إلى الحديقة، غبّ المطر، وتقطف الأزهار الزرقاء... ثم تأتي بها إلى غرفتها بالمعهد، وتنثرها في جميع الزوايا وعلى كل رفوف الكتب وأغطية السرائر الخشبية))( ).

 

كانت شهد فتاة رومانتيكية صارخة، لكنّ رومانتيكيتها بدأت تخبو وتتلاشى إثر الأحداث التي شهدتها... الفصل المتكرر من الأعمال يدفعها إلى مواصلة البحث عن العمل، إيماناً بأن العمل، ضرورة حيوية للإنسان، فهو نسغ حياته الذي يمنح وجوده معنى وقيمة، ويصون حريته، ويحمي خياراته الحياتية. ترفض شهد الزواج من رجل أكرش، يملك شقة كبيرة مترفة، وعدداً من السيارات الفخمة، وتصم أذنيها عن نصائح أمها لتقبل بهذا الرجل زوجاً. كما ترفض الرضوخ لدعوة خالها بالتخلي عن العمل النضالي، والأفكار الثورية.

 

لم تتراجع شهد عن مبادئها، ولم تهادن، أو تستسلم لمن يريد اغتيال أحلامها الثورية، ودفعها إلى الانهيار والسقوط. تكتب لصديقتها: ((يا جنان... إني دائمة الإحساس بأنّ منْ يكون مثلنا سيتمكن من مواجهة الرديء بنفس الشجاعة التي يواجه بها أفضل الأشياء. وسنستطيع أنْ نخلق من البشاعة، جمالية أخرى تكرّس أصولها في صميم اليومي والعادي، وما يفرض علينا رغماً عنّا. ربما كان إحساساً بالفخر هو جزء من الحب العظيم الذي يشدّنا إلى الوطن))( ).

 

هكذا بدت "شهد الصمدي" امرأة ثورية، ناضجة، وجريئة، مفعمة بالحياة والأمل، منصهرة بحرارة التجربة، وصدق المعاناة. ملتحمة بأوجاع الوطن، وأحزان الرفاق، وهمومهم وآمالهم، مؤمنة بأنّ العلم والعمل، والإرادة الصلبة، والشجاعة مشفوعة بالصبر والصدق والحكمة، هم جميعاً العدة التي تصنع الإنسان الثوري المنسجم مع ذاته قولاً وفعلاً.

 

وبعد أنْ توقفنا عند أبرز السمات الشخصية والفكرية والنضالية المميزة للمرأة الثورية المثقفة التي تجسدها "شهد الصمدي". واستعرضنا تجربتها الثورية في صفوف المقاومة، ومعايشتها لأحداث أيلول عام 1970. وتناولنا أبرز مواقفها الثورية على الصعيدين الاجتماعي والنضالي- الوطني. جاء الدور لنقف على شخصية أخرى عاشت الظروف نفسها التي عاشتها "شهد" قبيل سقوط الضفة وبعدها. لكنّها اختلفت عنها في ظروف النشأة، ومكان الإقامة، بعد الخروج الثاني. ومستوى التعليم الذي تلقته، وطبيعة التجربة التي عاشتها سواءٌ على صعيد حياتها الاجتماعية في أمريكا أو على صعيد المقاومة في لبنان، أثناء الاجتياح الصهيوني عام 1982، وما تمخض عنه. وهذه الشخصية هي:

2- زينب:" الرب لم يسترح في اليوم السابع"( ).

تحكي الرواية قصة خروج المقاتلين الفلسطينيين، بل ترحيلهم من بيروت إلى تونس، عقب الاجتياح الصهيوني، وتضيء جانباً هاماً من عالمهم الزاخر بالآمال والآلام والتطلعات. إذ ((تقدم عملية تكوين الخروج في سبعة أيام-وتنسى يوم الراحة- على شكل حلقات ملحمية متلاحقة يتخللها حزن كثير، ونقد جارح، ونقمة ورهبة، وروح مرحة أيضاً. فكأنها مشاهد التفريغ الهومرية أو الشكسبيرية))( ).

 

تطالعنا "زينب" بحضورها المتميز، وشخصيتها المتوازنة الثرية المقنعة، فهي شابة فلسطينية ثورية، في السادسة والعشرين من العمر، تنحدر من أسرة قروية كادحة، مثقفة واعية، ومحدثة لبقة، تمتاز بصراحتها وجرأتها، وهذا مانلمسه من خلال أحاديثها مع رشيد وبعض المقاتلين، إضافة إلى ما تتمتع به من وعي حقيقي، وذكاء لماح، وأنوثة تجللها مسحة من البراءة والجدية في آن معاً، مما يجعلها موضع إعجاب الآخرين وثقتهم واحترامهم وتقديرهم. يصفها رشيد، وقد فوجئ بقرار رحيلها مع المقاتلين،  حيث أخذت مكانها إلى جانبه في مقدمة الشاحنة، وشرع يتأملها بإعجاب وفرح: ((رفعت البيريه الحمراء عن رأسها، فبان جبينها، وأضاءت ابتسامة صغيرة وجهها، فمها صغير، الشفة السفلى ممتلئة قليلاً، والشفة العليا ناعمة، الحاجبان متباعدان قليلاً، العينان مضيئتان، حزينتان عميقتان... طفولة، براءة، في العينين براءة ورغبة في الحياة، في الشفتين إثارة، في الابتسامة واللحية أمومة، كأنما تتهيأ لتأمر طفلاً بالكف عن  الشغب، في نفور الملامح كلها مهرة.. مهرة تتهيأ للانطلاق))( ).

عايشت "زينب" مأساة شعبها منذ طفولتها، وشهدت ما لحق بوطنها وشعبها إثر سقوط الضفة في حزيران 1967، وقد اضطرت عائلتها تحت ضغط  الظروف المأساوية، واحتلال الصهاينة للمزرعة التي تقيم فيها الأسرة، إلى الهجرة إلى أمريكا، حيث يقيم بعض أبناء العائلة.

 

وفي أمريكا أكملت "زينب" تعليمها، وتابعت دراستها الجامعية، وتخرجت من قسم العلوم السياسية، ثم غادرت أهلها، وتركت أمريكا لتنخرط في العمل الثوري، من خلال الانضمام إلى أحد التنظيمات الفلسطينية في لبنان، بعد أنْ اتسعت آفاق وعيها الثوري، وتشبعت بالفكر التقدمي، ووضعت يدها على مأساة شعبها، وترسخت قناعتها بواجب الدفاع عن الحلم والأمل بالمستقبل الذي تصبو إليه مع شعبها. لم تأخذها مظاهر الحياة في المجتمع الأمريكي، ولم تبهرها حضارة العلم والتكنولوجيا والحرية والانطلاق، ولم تندمج في حياة هذا المجتمع. وظلت تهفو إلى وطنها، فردوسها المفقود، إلى ماضيها، ذكرياتها، أرضها، ملاعب الطفولة والصبا، وتلك الحقول والبراري والتلال والجبال حول قريتها التي مازالت ماثلة في ذاكرتها ووجدانها وكل ذرة في كيانها.

 

لم تنسها أمريكا، إذاً، مأساة شعبها ووطنها: قدرها الذي حملته في وجدانها وقلبها جرحاً راعفاً، لا يلتئم إلا بالعودة إلى ربوعه، عبر حمل شعلة النضال. كانت تقول لرشيد: ((أمريكا أعطتني بعض العلم والمعرفة، ولكنها لم تأخذ مني روحي))( ). ((أنا درست هناك و... لم أعش، كنت أعيش مثلك، ومثل عبد الله..و... الدكتور خالد.. وأمي مازالت تلبس الثوب الفلاحي...))( ).

 

وفي لبنان، بدأت "زينب" ممارسة دورها النضالي، من خلال العمل في مكتب الإعلام التابع للتنظيم، ثم شاركت في العمليات القتالية، إثر الاجتياح الصهيوني للبنان، وصمدت مع المقاومة تسعة وسبعين يوماً، وخرجت مع المقاتلين المرحلين إلى تونس، على متن الباخرة القبرصية  سولفرين.

 

وإذ يقدم رشاد شخصية "زينب" بوصفها مناضلة ومثقفة ثورية، تربطها بأرضها وبوطنها علاقة حميمية، كغيرها من شخصياته النسائية الثورية المثقفة، أمثال "فجر" و"نهاد" في "البكاء على صدر الحبيب" ، فإنه يقدّمها بصورة واقعية وبسيطة، فهو لا يبالغ في إضفاء صفات البطولة أو الشجاعة عليها، ولا يجعلها تبدو مثالية، لا يشغلها ما يشغل المرأة العادية، في بعض الأوقات، وإنما يصفها كما هي في الواقع، أو ما يمكن أن تكونه، فهي مقبلة على الحياة، تعيشها بفاعلية، ولا تنسى نفسها في غمرة انهماكها في العمل النضالي والوطني، تحب اللباس والتزيّن والمرح، وترغب في أن يبدو مظهرها لائقاً بأنوثتها، ولكن باعتدال وحشمة، وبذلك تجمع بين الأناقة والبساطة والجمال، تعشق الحياة الحرة الكريمة، وتناضل من أجلها، وتصبو لحياة آمنة مستقرة إلى جنب الرجل الذي تحبه، ويرضاه عقلها وقلبها. تهفو إلى ممارسة دورها كزوجة، وربة بيت، وأم تنشئ أولادها كما نشأت هي في جو يسوده الحب والتفاهم والاحترام، والإخلاص والتضحية. ومن هنا ينبثق حلمها، مشفوعاً بالأمل والعمل، ومشوباً بشيء من الحسرة والمرارة: ((متى يكون للفلسطيني زورق حب، لا زورق منفى))( ).

 

ففي مثل هذا العالم المفعم بالخسارة والخيبة والمرارة والغربة، عالم الثورة المرحّلة مع مقاتليها، يغدو الحلم بالأمن والسلام والاستقرار بالنسبة للفلسطيني أمراً مشروعاً، ليستطيع الاستمرار والتماسك، والحفاظ على توازنه النفسي، شرط ألا يغرقه في متاهة الفردية، والاغتراب، ويسجنه في عالم الذات.

ومن هنا نجد زينب لا تستسلم لأحلامها، وإنما تنخرط في حياة الجماعة بجد ونشاط، وتعيش هموم شعبها ومعاناته وآماله. تتحسس آلام رفاقها المناضلين، وتندفع بهمة عالية للتخفيف عنهم، فتشارك في عمليات التمريض، إثر إصابة الكثيرين منهم بدوار البحر.

 

لقد اعتنقت "زينب" الثورة فكراً وممارسة، وكانت بعيدة كل البعد، في أفكارها وتصرفاتها ومواقفها، عن المظهرية والادعاءات الجوفاء، وثرثرات بعض المثقفين، ومناقشاتهم، وخلافاتهم السياسية والفكرية تبعاً لانتماءاتهم. فقد علّمتها الحياة، والكتب، كما علمها والدها، كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على أصالته، وفلسطينيته، ويتمسك بعاداته وتقاليده العريقة، ويبقى واقفاً، متشّبثاً بحذوره، مؤمناً بمبادئه الثورية، ونبل أهدافه، وحتميّة انتصارها، من غير أن تطحنه المأساة، أو تزعزعه العواطف، أو تأخذه الحياة بصخبها وترفها ومغرياتها.

 

فقد تعلمت "زينب" من والدها دروساً في الصبر والعطاء والإرادة القوية، والتفاني في العمل، والإخلاص للهدف، والعيش لقضية. تتحدث عن والدها بحب وإعجاب فتقول: ((... والدي حجار، ينحت الحجارة ببراعة، وإرادة، وعناد. يقول لنا: الحجر الأكثر صلابة، هو الأكثر محبة عندي، إنه يتعبني، لذا أحبه، أحترمه، وهو الذي يبقى أكثر، وغالباً هو الأجمل... هناك حجارة جمالها رخو، صخورها رخوة..  لاتتحمل ضربات الإزميل، لذا تتفتت، ولا تصلح للبناء.. والدي اشتقت له، لقمبازه، لكوفيته البيضاء النظيفة، للنظافة في بيتناً، لأمي... أمي هي النظافة...))( ).

 

على هذا النحو تعلمت زينب من والدها معنى القوة والصبر، والإرادة الصلبة، والإخلاص في العمل، ودور ذلك كله في تحقيق إنسانية الإنسان، وتحقيق وجوده، وفرض احترامه على الآخرين، إذ يوازي (والدها) بصورة غير مباشرة بين البشر والحجر، ليبرز دور الإرادة والتصميم في بناء الإنسان القوي المنيع الشامخ الذي يستطيع أن يتجاوز حدود الذات الضيقة، ويعيش من أجل قضية، ويسعى لتحقيق أهدافه بصبر وأناة وإرادة صلبة، وهذا ما يؤكده رشيد لزينب: ((لا أحد ينتصر على إرادة الإنسان، ليس أقوى من الإرادة، الصبر، الفائز سينال... ينال إنسانيته، سيكون لائقاً بأن يكون إنساناً... ))( ).

 

لقد جمعت "زينب" بين صلابة الإرادة وقوة الشخصية، ورقة الأنوثة ورهافة الحس، وجمال التكوين، يتوّج ذلك كله وعي ثوري صحيح، مدعوم بالعلم والمعرفة، والتجربة الحياتية المباشرة، فجسدت بذلك أبرز السمات التي تميز نموذج المرأة الثورية المثقفة النقية التي تعي ذاتها، والعالم من حولها، وتمارس حريتها بوعي وفكر متفتّح، وتخترق حاجز الخوف على الحياة، وتخاطر بروحها من أجل حياة أفضل.. وتعمل لتتجاوز ما رسّخته بعض التقاليد البالية من مفاهيم خاطئة تحاصر المرأة في نطاق البيت والجسد.

  

 

 

 

الباب الثالث المرأة فنياً

 

الفصل الأول: الشخصية

الفصل الثاني: المكان والزمان

الفصل الثالث: السرد

 

الفصل الأول الشخصية

 

تمهيد

تُعد الشخصية الروائية أحد أبرز العناصر الفنية في الرواية. فهي ((مدار المعاني الإنسانية، ومحور الأفكار والآراء العامة))( )، إذ ((تقع في صميم الوجود الروائي. تقود الأحداث، وتنظّم الأفعال، وتعطي القصّة بعدها الحكائي.. وفوق ذلك تُعتبر العنصر الوحيد الذي تتقاطع عنده كافة العناصر الشكلية الأخرى، بما فيها الإحداثيات الزمنية والمكانية الضرورية، لنمو الخطاب الروائي واطراده))( ).

 

وقد ارتبط نشوء الرواية وتطورها، بقدرة الكتّاب على خلق الشخصيات الإنسانية القادرة على تجسيد ((الوعي الإنساني، ومنطق المجتمع والبيئة...))( ) بالإضافة إلى قدرة هذه الشخصيات على إقناع القارئ بصدق الحياة التي تصوّرها، وإمتاعه والتأثير فيه، وإن تفاوت ذلك بين رواية وأخرى... تبعاً لتعدّد أنواع الشخصيات، وتفاوت مستويات هذه الروايات.

 

وكذلك فإنّ ((أهمية الشخصية في الرواية لا تقاس، أو تحدّد بالمساحة التي تحتلها، وإنّما بالدور الذي تقوم به، ومايرمز إليه هذا الدور، وأيضاً، مدى الأثر الذي تتركه في ضمير القارئ، مما يدفعه للتساؤل والمقارنة، تمهيداً لتصويب موقفه، في الواقع، وبالفعل، تجاه هذا الموضوع الأساسي))( ) الذي تثيره الرواية.

 

أولاً- بناء شخصية المرأة:

درج النقد التقليدي، على دراسة الشخصية الروائية تبعاً للطريقتين المعروفتين والشائعتين في رسم الشخصية، وهما: الطريقة المباشرة، وتُسمى (التحليليّة)، والطريقة غير المباشرة، وتُسمى (التمثيلية). ففي الطريقة التحليلية يلجأ الروائي إلى رسم الشخصيات، معتمداً على الراوي العالم بكل شيء، مستعملاً ضمير الغائب، فـ ((يرسم شخصياته من الخارج، يشِّرح عواطفها وبواعثها وأفكارها وأحاسيسها، ويعقّب على بعض تصرفاتها، يفّسر بعضها الآخر. وكثيراً ما يعطينا رأيه فيها صريحاً دون ما التواء))( ).

وفي الطريقة التمثيلية يتنحّى الروائي جانباً، ليترك للشخصية حرية الحركة: والتعبير عن نفسها بنفسها، مستعملة ضمير المتكلّم، فتتكشّف أبعادها أمام القارئ بصورة تدريجية، عبر أحاديثها وتصرفاتها وأفعالها، وهي تفصح عن مشاعرها الداخلية، وسماتها الخُلقية، وأحاسيسها. وقد  يلجأ الروائي إلى بعض الشخصيات في الرواية، لإبراز جانب من صفاتها الخارجية أو الداخلية، من خلال تعليقها على تصرفاتها ومواقفها وأفكارها( ).

 

ويستتبع هذه الطريقة ترتيب الشخصيات، وفقاً لتسلسل أهميتها، فتكون الشخصية المحورية، والرئيسة والثانوية والهامشية. ومن ثمّ يبدأ تصنيف الشخصيات تبعاً لطبيعة دورها، وتطورها أو ثباتها، فتكون هذه الثنائية: الشخصية المسطحّة والنامية. المركبة والبسيطة.. وغير ذلك.

 

ولا نكاد نجد في الرواية العربية الفلسطينية روائياً خرج على إحدى هاتين الطريقتين الشائعتين المعتمدتين في تقديم الشخصية الروائية، مهما اختلفت أساليب الكتّاب في تناولهم لإحداهما أو لكلتيهما. وقد تعدّدت الأساليب الفنيّة التي يقدّم بها الروائيون الفلسطينيون شخصياتهم الروائية، فهناك من يعمد إلى رسم الشخصية، وإبراز أدق ملامحها بأسلوب مباشر، فيتحدث عن صفاتها الخارجية والداخلية، كما نلمس ذلك لدى يحيى يخلف في رسمه لبعض شخصياته (زليخة، سنيورة)، وقد يوكل إلى شخصيات أخرى هذه المهمة، كوصف الشايب لزوجه في "نشيد الحياة"، وقد يلجأ إلى أسلوب الوصف الذاتي كما هو في الاعترافات والمذكّرات، كاعترافات "مريم الصفار" في "البحث عن وليد مسعود"، ومذكّرات "فجر صالح الخلف" في "البكاء على صدر الحبيب" ومذكّرات عفاف في "مذكرات امرأة غير واقعيّة". وهناك مَنْ يفسح المجال للقارئ لاستخلاص السمات المميزة للشخصية، ومعرفة عالمها الداخلي من خلال أقوالها وأفعالها ومواقفها من الآخرين( ). كما نلمس ذلك لدى جبرا إبراهيم جبرا في رسمه لشخصيتي (لمى عبد الغني، ووصال رؤوف).

 

لقد استعمل الروائيون كلتا الطريقتين: التحليلية والتمثيلية في تقديم شخصياتهم، كما أفسحوا مكاناً بارزاً للراوي العالم بكل شيء، في كثيرٍ من المواضع في رواياتهم، ليتمكنوا بوساطته من وصف بعض الشخصيات، أو ليعلّقوا على تصرفاتها ومواقفها، أو ليعبّروا عن مكنوناتها  النفسية والشعورية.

ومما يلاحظ أنّ غالبيّة شخصياتهم الروائية النسائية، هي شخصيات نامية، فاعلة ومتطوّرة، وهي شابة تتراوح أعمارها ما بين منتصف العقد الثاني، والعقد الرابع. أي إنّها تنتمي إلى الجيل الجديد، جيل ما بعد النكبة مثل: (فجر ونهاد في "البكاء على صدر الحبيب" وندى في "العشّاق" وشهد الصمدي، وجنان في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس" وغيرهن. وقلّما نلتقي شخصيات مسطّحة ثابتة، وهي في معظمها ثانوية مثل: أم صابر، أم عادل، وأم أسامة في ثنائية سحر خليفة. وأم أمير في "الصورة الأخيرة في الألبوم".

 

وأمام تعدد الشخصيات الروائية وتنوّعها في الرواية الفلسطينية، كان لابدّ من اللجوء إلى طريقة إجرائية تقودنا إلى تحليل بناء الشخصية، انطلاقاً من مفهومها التخييلي اللساني، كما ذهب إلى ذلك البنيويون. وفي هذا الصدد نستعين بالخطوات الإجرائية الثلاث التي اعتمدها حسن بحراوي( )، وتبعه من بعد. سمر روحي الفيصل( )، في تحليله لبناء الشخصية في الرواية العربية السورية. وهذه الخطوات هي: تقديم الشخصية، الاسم الشخصي، تصنيف الشخصية.

 

1-تقديم الشخصية:

للوقوف على طريقة تقديم الشخصية، ومعرفة التقنيات المتبعة في ذلك، نستعين بالمقياسين اللذين اقترحهما "فيليب هامون" في هذا الصدد، وهما: المقياس الكمي، والمقياس النوعي. أما الأول فـ ((ينظر إلى كمية المعلومات المتواترة المعطاة صراحة حول الشخصية (وأما الثاني فيدرس) مصدر تلك المعلومات حول الشخصية، هل تقدمها الشخصية عن نفسها مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، عن طريق التعليقات التي تسوقها الشخصيات الأخرى. أو المؤلف، أو فيما إذا كان الأمر يتعلق بمعلومات ضمنية يمكن أن نستخلصها من سلوك الشخصية وأفعالها . وتكمن أهمية هذين المقياسين في كونهما يجنباننا الدخول في متاهات الفصل والتمييز على أساس غير دقيق، مما يترتب عنه الالتباس والغموض الذي يلحق دراسة الشخصيات كما في التحليلات التقليدية... فاستعمالنا للمقياس الكمي.. يمكننا من إدراك الأبعاد الدالة والوضع الحقيقي الذي يتخذه هذا المكوّن الأساسي ضمن البنية الروائية، كما يتيح لنا العمل بالمقياس النوعي التعرف على أشكال التقديم الذي تكون في أصل المعلومات التي تمدّنا بها الرواية عن شخصية ما))( ).

 

وفي ضوء ما تقدّم، سنحاول، تحليل بناء بعض الشخصيات النسائية، بوصفها أمثلة تبين طريقة تقديم الروائي الفلسطيني للشخصية الروائية، وذلك في أربع روايات: روايتين ذات "بنية بسيطة" ( ) وهما "أم سعد" لغسان كنفاني، و "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لرشاد أبي شاور. وروايتين ذات "بنية معقّدة" ( )وهما الصبار، وعبّاد الشمس لسحر خليفة.

 

ولتكن البداية بشخصية "أم سعد" التي يقدّمها كنفاني معتمداً على الراوي الممثَّل( )

 (المثقف) الذي يقوم، بوصف مظهرها الخارجي. ويعد ذلك استعمالاً للمقياس النوعي، في تقديم الشخصية بأسلوب غير مباشر. إذ تنفتح الرواية على مشهد أم سعد وهي قادمة إلى بيت الراوي المثقّف، غداة الهزيمة، فتبدو (( مثل شيء ينبثق من رحم الأرض... قمت... وأخذت أنظر إليها تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي... هذه المرأة تجيء دائماً، تصعد من قلب الأرض، وكأنها ترتقي سلّماً لا نهاية له))( ).

 

هكذا تجيء شخصية أم سعد مرسومة، منذ البداية، بعناية ودقة، وهذا ما يثبت رؤية الكاتب الشمولية لهذه الشخصية، ويفصح عن مدى معايشته لها، وتمثّل ظروفها ومعاناتها وتطلعاتها، فيقدمها من خلال الصورة الدالة والمكثّفة، التي تتماشى مع طبيعة الشخصية ودورها، وتنبئ بعنفوانها وكبريائها، وتفصح عن رؤية الكاتب لهذه الشخصية المؤهلة للنهوض بدورها.

 

فمن خلال هذه الفقرة، التي تحيل القارئ إلى جانب هام من مظهر أم سعد الخارجي (قامتها الممشوقة، طلعتها البهية) يحصل أو اتصال بالشخصية. وكلّما تقدمنا في الرواية، عبر لوحاتها التسع، تكشّفت الشخصية بصورة تدريجية. إذ يكمل الكاتب الوصف الخارجي لمظهرها، للباسها، وصرتها وأشيائها. ثم تقاطيع وجهها، وتفاصيل جسدها الذي اكتسب صفاته جميعها من صفات الأرض. ثم ينتقل عبر الراوي إلى رصد تصرفاتها وحركاتها، وتتبع أقوالها، وهي تتحدث عن سعد، وأحوال المخيم، والعدوان على المخيمات... فتتراكم المعلومات حول الشخصية، وتتكشّف جوانبها النفسية والاجتماعية، فيقف القارئ على عالمها الداخلي، ويتحسّس معاناتها وهمومها، ويدرك طبيعة تكوينها النفسي والفكري. ويقف على حقيقة مواقفها التقدمية، من خلال تتبع الكاتب لانفعالاتها المتنوّعة، وتلقائية مواقفها، وحرارة معاناتها، وصدق مشاعرها، وهي تتحدث إلى الراوي، بينما يستمع هو، ويكتفي.. برصد حركاتها وتصرفاتها، وتتبّع كلماتها، و((يحكي عنها بمواقف شبه حيادي، فلا نكاد نحس بحضوره الفكري خلف الشخصية، أو في الأحداث.. فهو يتدخل ليسأل، أو ليجيب. ولكن بالقول الذي يبيّن جزئياً موقف المثقّف الوطني آنذاك))( ).

 

ويضيء الكاتب جانباً آخر من شخصية أم سعد، من خلال العودة إلى الماضي، في اللوحة السادسة من الرواية: "الرسالة التي وصلت بعد 32 سنة"، ليكشف عن إحساسها العفوي السليم، ويبرز تنامي الوعي لديها، عبر احتكاكها المباشر بالواقع القاسي، واستفادتها من دروس الماضي، وليفسّر مواقفها الراهنة. فالعودة إلى الماضي ((تأتي لتلبّي حاجة التقديم إلى التفسير والتأويل، ولتدعم مقتضيات الوضوح والمقروئية الضرورية لبناء الشخصية الروائية))( ). كما تأتي هذه العودة استجابة لمبدأ التدر‍ّج في تقديم الشخصيّة، وتطور وعيها عبر سنين عديدة من العراك مع الأيام، ومغالبة الشدائد، والاستفادة من تجارب الماضي والحاضر، للحيلولة دون تكرار أخطاء الماضي.

وتظهر قدرة الكاتب في تقديم شخصية "أم سعد"، من خلال معرفته ((كيف يقيم علاقات منطقيّة متلاحمة بين وجود الشخصية (المظهري والباطني)، وبين السياق الاجتماعي والأيديولوجي الذي يندرج فيه ذلك الوجود))( ). إذْ استطاع عبر تقديمه لهذه الشخصية، أنْ يصوّر حركة الواقع المتنامي في المخيم، ويعبّر عن رؤيته المتفاعلة للمستقبل في ضوء الخيمة الجديدة.

 

وتجلّت قدرة كنفاني أيضاً، في تمكنّه من التقاط أبرز تفاصيل حياتها اليومية، والتعبير عن أدق خلجاتها النفسية، وعالمها الداخلي. وبذلك ((فقد جرى تحضير القارئ مسبقاً مع شخصيته الروائية، وبلا شك يكمن نجاح هذه الشخصية، شخصية أم سعد، في تقديم كنفاني لها ببساطة: حركاتها، وأفكارها، صفاتها، لغتها))( ) ليعبر من خلال كلّ ذلك عن انتمائها إلى تلك الطبقة المسحوقة، المفعمة بالكرامة والكبرياء، ومن هنا فقد بدت شخصيتها واقعية، مقنعة، متفاعلة مع الواقع، من غير تضخيم لقدراتها، أو مبالغة في تصويرها.

 

وننتقل مع رشاد أبي شاور في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع" لنقف على تقديمه لشخصية "زينب" التي تطالعنا صورتها في الصفحات الأولى من الرواية، عبر تداعيات الراوي الممثّل "رشيد" وقد امتلكت حضوراً روائياً متميّزاً كشخصية رئيسة، تقف بمحاذاة الشخصية المحورية التي يمثّلها المناضل الثوري، والكاتب الجريء، والمذيع الناجح؛ رشيد بن محمود، إلى جانب الراوي العالم (الخفي) الذي يظهر دوره في عمليّة السرد والوصف، ولاسيما وصف بعض ما خفي على رشيد بالنسبة إلى شخصية زينب، كأن يصف صورتها وهي تستحم، ويعبّر عن دخيلتها وأحلامها، أثناء ذلك( ).

 

ويبرز دور الراوي "رشيد" في التعليق على بعض الأحداث، والتعريف بمعظم شخصيات الرواية، والتعليق على بعض الأقوال والأفعال، طوال مشاهد الرواية، (أو مقاطعها)، الخمسة عشر. مما لا يفسح للقارئ أن يمارس دوره في التفسير والاستنتاج والنقد( ). ولذا فهو لا يكاد يشعر أنه أمام عالم روائي متحرك، بقدر ما يشعر أنه أمام رؤيا فكرية نقدية تتناول نقداً ذاتياً صريحاً وجريئاً للممارسات الخاطئة لبعض التنظيمات، يقدّمها الكاتب معتمداً على علم رشيد، وسعة اطلاعه، وخبرته. ولعل شخصيّة زينب قد اكتسبت جزءاً  كبيراً من حضورها الروائي، بفضل ارتباطها العاطفي-النضالي برشيد وبالمقاومة، إلى جانب مميزاتها الشخصية التي أكسبتها هذا الحضور، فامتلكت بذلك ((امتياز الفهم، امتياز التدخل والتعليق والتقويم والحكم))( ) وطرح الأسئلة على رشيد بجرأة وصراحة.

 

يبدأ الكاتب، إذاً، بتقديم شخصية "زينب" في المشهد الأول من الرواية وهو (الوداع) معتمداً المقياس الكمي في تقديم صورة لمظهرها الخارجي بوساطة الراوي رشيد الذي يعبّر عن إعجابه بجمال وجهها المتلألئ بنور الكبرياء والعزة والبراءة، وانجذابه إلى جمال جسدها المتناسق المفعم بالحيوية، ومظاهر الأنوثة، وهي ترتدي الزي العسكري، وتستعد للرحيل مع المقاتلين( ).

 

وبعد هذه الوقفة القصيرة عند مظهرها الخارجي الذي ينسجم مع طبيعتها بوصفها شابة مثقّفة ثورية، مفعمة بالحياة والثقة بالنفس، ويتناسب، أيضاً، مع طبيعة الظرف الراهن، والموقف الصعب الذي تعيشه، يبدأ الكاتب كشف بعض الجوانب الداخلية لشخصية زينب، من خلال أحاديثها مع رشيد، ومع بعض رفاقها المناضلين، على ظهر السفينة، عبر المشاهد (المقاطع) المتتابعة في الرواية، إذ يفسّر طبيعة العلاقات الودية التي تقيمها مع الآخرين، مما يؤكد حضورها بينهم، وكسبها لاحترامهم وثقتهم.

ولكي يكون ذلك الحضور معلَّلاً منطقياً، يستند الكاتب، عبر الراوي، إلى مبدأ التدرج في رسم الشخصية، وتحديدها، والانتقال بها من العام إلى الخاص، ومن المظهر إلى الجوهر، فيلقي الضوء على ماضي زينب، وطبيعة نشأتها، وأبرز المؤثرات الفكرية والثقافية والاجتماعية في شخصيتها، متّبعاً في ذلك الأسلوب غير المباشر حيناً، وهو يبث بعض المعلومات عن زينب، عبر رشيد الذي يقص عليها نبذة من حياتها، كان قد عرفها سابقاً. يقول: ((المزرعة احتلت في حزيران 67، كنت صغيرة، رأيت جنود العدو، ثم كبرت، وذهبت إلى أمريكا، أقمت عند أخوتك، ودرستِ. أنتِ الآن بعيدة عن المزرعة، ولكنّها ليست بعيدة عنكِ، إنّها في روحكِ عقلكِ..))( ).وحيناً آخر يعمد إلى الأسلوب المباشر في بث المعلومات فيترك الشخصية تفصح عن نفسها، وذلك حين تتحدث عن ذكرياتها، عن أرضها ووطنها، عن أسرتها ووالديها، وحياتها في أمريكا. تقول: ((والدي حجار، أتعرف ماذا يعني حجار.....؟.... أمريكا أعطتني بعض العلم والمعرفة، ولكنها لم تأخذ مني روحي... والدي اشتقت له، لقمبازه، لكوفيته. للنظافة في بيتنا...))( ).

 

إن استحضار الكاتب لماضي "زينب" عبر ذكرياتها الخاطفة ذات الدلالة الكبيرة، يغني عن كثير من المعلومات المفتقدة حول شخصيتها، إذ تنفتح أمامنا صفحات مجهولة، متفرّقة من حياتها، تسهم إلى جانب تصرفاتها وأقوالها، وتعليقات بعض الشخصيات، في الكشف عن جوانب كثيرة من شخصيتها، فتتبلور معالمها, ولكن ما لم تكشف عنه الرواية صراحة، هو ذلك التحول في وعي الشخصية، إذ لا يقف القارئ بصورة تدريجية على جوانب هذا التطور، لأن الرواية قد نصّت عليه بصورة ضمنية غير مباشرة، وذلك من خلال انعطافها إلى ماضي الشخصية، ثم تركها للقارئ أمر استخلاص جوانب هذا التطور في ضوء تربيتها، وتحصيلها العلمي وثقافتها. ولعل السبب في عدم وضوح ذلك التحول أيضاً، يعود إلى أن الشخصية جاءت، منذ البداية، ناجزة، مكتملة الوعي، ولولا عودة الكاتب إلى نبذات من ماضيها، لما استطاع القارئ، الوقوف على مراحل تطور وعيها، وأسباب اعتناقها للثورة فكراً وعملاً.

 

هكذا تجسدت شخصية زينب في الرواية، بصورة مقنعة ومتوازنة  إلى حد كبير، وقد بدأ اهتمام الكاتب منصبّاً على إبراز جوهر الشخصية، أكثر من تركيزه على مظهرها الخارجي، على الرغم مما لذلك من أهميّة كبيرة في تقديم الشخصية، وتحديد صفاتها وطبيعتها. لقد اكتفى الكاتب بوصف بعض الملامح الخارجية بالقدر الذي يسمح به الموقف، فركّز على مواطن الجمال في وجهها وجسدها، ولكنّه لم يستغرق في هذا الوصف، ولم يجعله غاية في حد ذاته، بل وظّفه في خدمة الصورة الكليّة المتكاملة للشخصية التي جمعت بين رقة الأنوثة، وقوة الشخصية واتزانها، إلى جانب العلم والوعي الثوري.

 

وبذلك نقف على رؤية الكاتب الفنية لشخصية "زينب" تلك الرؤية التي امتازت بالعمق والشمولية في استيعاب العناصر الإيجابية المتنوعة، والمكونة لشخصيتها، كما امتاز أسلوبه في تقديمها، بالهدوء سرداً وحواراً ووصفاً، على الرغم من طابع الحدة الانفعالية التي اتسمت بها لغة الرواية في كثيرٍ من الأحيان.

 

وهنا. يمكن القول: إنّ الكاتب قد اعتمد في تقديمه لشخصية "زينب" على المقياسين الكمي والنوعي معاً، فمن خلال الأول أضاء جانباً هاماً من الشخصية، مرتبطاً بمظهرها الخارجي، ثم بسيرتها الحياتية: نشأتها، تربيتها، سفرها إلى أمريكا، مستوى تحصيلها العلمي. مما مهّد للمقياس النوعي الطريق لمتابعة تقديم هذه الشخصية للقارئ، فلجأ الكاتب إلى تصريف هذه المعلومات وتوزيعها على مصادر متعددة: (الراوي العالم، رشيد، تعليقات بعض الشخصيتات، سلوك الشخصية وتصرفاتها وأقوالها، وما تخبره عن نفسها صراحة). وقد اعتمد الكاتب اعتماداً كبيراً على الراوي العالم الذي قدّم هذه الشخصية، فبث بعض المعلومات التي تتعلق بمظهرها الخارجي، وإطارها الاجتماعي والسياسي، وسمح لنفسه في التغلغل في أعماق الشخصية، والتعبير عن مشاعرها، وأحاسيسها وأحلامها، لتجسيدها بوضوح أمام القارئ.

 

ويختلف الأمر في ثنائية سحر خليفة (الصبّار وعبّاد الشمس) ذات البنية المعقدة. فإذا كانت الروايتان السابقتان اعتمدنا على الشخصية الرئيسة الواحدة، فإنّ سحر خليفة في ثنائيتها لم تقدّم شخصية أو اثنتين، بل قدّمت عدة شخصيات، وأعطت لكل شخصية طابعها المميّز، واسمها وحياتها وكيانها، إضافة إلى أنّها ربطت قيما بينها بشبكة من العلاقات الروائية، شاركت جميع الشخصيات في نسجها، فشكّلت مجتمعاً روائياً، يشاكل مجتمع الضفة، خلال عقد من الزمن، يبدأ من أوائل السبعينيات.

ويلاحظ في هاتين الروايتين، اعتماد الكاتبة على الراوي العالم في تقديم معظم شخصياتها، واعتمادها أيضاً على الجمع بين الطريقتين (التحليلية والتمثيلية) لرسم هذه الشخصيات، ذات المستويات والأدوار المتنوعة والمتباينة فيما بينها، ولا سيما الشخصيات النسائية، مثل (أم صابر، أم أسامة) وهي شخصيات ثانوية، تبدو "مسطّحة"( )، و"بسيطة" ( ). وأما سعدية وخضرة ورفيف) فهي شخصيات رئيسة، تبدو "نامية" ( )، وفاعلة على مسرح الحدث الروائي.

 

ولكي تحيط الكاتبة بعالمها الروائي المتشّعب، وتشرف على حركة الشخصيات، وتنسج الخيوط فيما بينها، اعتمدت على الراوي العالم الذي يترك مسافة بينه وبين الشخصية، تستطيع من خلالها أن تتصرف بشيء من الحرية، كما عمدت إلى بناء ثنائيتها، وفقاً للتسلسل الزمني الصاعد، ولجأت إلى تقسيم عملها إلى فصول أو مقاطع متعاقبة، مما أتاح لها أن تخصّص لبعض شخصياتها فصلاً أو أكثر، وربما جزءاً من فصل، وغالباً ما عمدت إلى نثر المعلومات حول الشخصية في عدة فصول كما هو الحال في تقديمها (أم صابر، سعدية، وخضرة.. ) وبذلك تمكّنت الكاتبة من نسج الخيوط بين الحوادث والشخصيات، بشكبة من العلاقات، استطاعت من خلالها أن تحقّق لروايتها امتداداً أفقياً، امتد على مساحة أربعة وثلاثين فصلاً أو مقطعاً في "الصبّار"، وخمسة وثلاثين فصلاً في "عبّاد الشمس".

 

ففي الفصل الحادي عشر من "الصبّار"، تقدّم سحر خليفة إحدى شخصياتها الشعبيّة التي تنتمي إلى الطبقة المسحوقة، وهي عيشة (أم صابر)، مستندة إلى المقياس النوعي في تقديمها بأسلوب غير مباشر، بوساطة الراوي الذي يقوم بوصف استقبالها لزوجها المصاب. إذ نقرأ: ((لطمت أم صابر صدرها، وصاحت: أيده اليمين؟ يا كسرة قلبك يا عيشة. وأخذتْ تهرول بين المطبخ والحمام... ثم وقفت وسط الغرفة الممتلئة بجميع أنواع العفش وبدأت تندب:

ومن أين نأكل؟...)( ).

بهذا المقطع الوصفي تحيلنا الكاتبة إلى الطابع الشعبي البسيط لهذه الشخصية، فيحصل أول اتصال بها. وكانت الكاتبة، قبل ذلك، قد مهّدت لتقديمها بمعلومة بسيطة، بثتها في الفصل العاشر في سياق تداعيات أبي صابر، إثر إصابته. وتتعلق هذه المعلومة بماضي أم صابر، وهاجس الخوف من الفقر والجوع الذي يطاردها كما يطارد زوجها. وتشكل هذه المعلومة أحد مفاتيح هذه الشخصية.

وتتابع الكاتبة بصورة تدريجية تقديم الشخصية، عبر بعض الفقرات المتفرّقة، المبثوثة في الفصول (16،19،27) لتكشف جوانب شخصيتها بوساطة الراوي العالم الذي يرصد تصرفاتها، وأقوالها وأفعالها. كما يصف مظهرها الخارجي، وكل مايتعلق بها، (هندامها، بيتها، أطفالها، غرفة زوجها...)، ويتتبع انفعالاتها ليفسح المجال، بعد ذلك، أمام القارئ، ليستخلص من خلال ذلك كلِّه طبيعة هذه الشخصية، وسماتها النفسية والمزاجية، ومستواها الاجتماعي. فقد حاولت الكاتبة تكثيف كل ذلك، عبر بعض المشاهد الوصفية المعبّرة عن بساطتها، وتسطّح شخصيتها.

 

وعلى الرغم من ضآلة المعلومات التي قدمها المقياس الكمي، حول الشخصية بشكل صريح. فإن هناك أموراً أخرى، استعانت بها الكاتبة، من خلال استعمالها لهذا المقياس لتحديد هذه الشخصية أمام القارئ، وتمييزها عن سواها، من هذه الأمور الوصف الخارجي والداخلي للشخصية. واللافت للنظر أن المعلومات المتوفرة حول المظهر الخارجي للشخصية قليلة، ولكن ما يحيط بها من مظاهر خارجية، كانت كافية لإعطاء القارئ فرصة التأمّل لمعرفة طبيعتها، والحكم عليها.

وأما بالنسبة إلى المعلومات  التي قدّمها المقياس الكمي حول الشخصية صراحة، فإنها تبقى في حدود الصفات العامة التي تنطبق على الكثير من النساء التقليديات الشعبيات الجاهلات، ولذا لم تف في تحديد الشخصية تحديداً واضحاً دقيقاً، فلا يكفي أن نعرف أنها((امرأة في الأربعين، بدينة،  في وجهها آثار الكلف. تحمل في معصميها ما لا يقل عن ربع كيلو من الذهب))( ). فهذه الصفات كما هو واضح عامة، ولكن هناك ما يفسّر ذلك. إذا ما علمنا  أن الكاتبة قصدت ذلك، لتجسيد نموذج المرأة التقليدية المتخلّفة ممثلاً بشخصية "أم صابر" ولا تريد تجسيد شخصية بعينها.

 

ولكن لجوء الكاتبة إلى الجمع بين المقياسين، واعتمادها على المقياس النوعي بشكل أكبر، مكنّها من تقديم شخصية "أم صابر" والكشف عن الكثير من جوانبها، استناداً إلى المعلومات المركّزة التي بُثت حول الشخصية، من خلال المقياس الأول والتي حددت صفاتها وأبرز ملامحها الجسدية، وألقت بعض الضوء على ماضيها وحاضرها، وطبيعة حياتها الأسرية والاجتماعية. أم المقياس النوعي فقد استطاعت الكاتبة من خلاله أن تحدد مصادر المعلومات، وتكشف عن أشكال التقديم. إذ استعانت بجملة من الأساليب الفنية لإبراز شخصية "أم صابر" ، وقد تأثرت في الواقع بكل سلبياته وتناقضاته، فلجأت الكاتبة إلى السرد الذي يهتم بالوصف المادي، والمعنوي للشخصية، كما اعتمدت على أحاديث بعض الشخصيات (زوجها، عادل)، وأقوال الشخصية نفسها، وعباراتها الشعبية لإبراز عالم هذه الشخصية، وتأكيد سطحيتها، وثباتها على امتداد الروايتين. إذ استمر ظهورها في "عباد الشمس" لكن الكاتبة هنا، لم تمنحْها أيّ اهتمام، واقتصر دورها وحضورها الباهت على تجسيد الجانب السلبي من المرأة الشعبية المسحوقة الجاهلة غير المنتجة.

 

ولمّا كانت الكاتبة مهتمة بتقديم "الثنائيات الإنسانية" ولا سيما النسائية منها، لتبرز وجهتين أو أكثر للقضية التي تثيرها، فتزيد بذلك صورة المرأة وضوحاً، والتجربة التي تخوضها غنى، فتدفع القارئ إلى التدقيق والمقارنة والاستنتاج. فقد لجأت في سبيل ذلك إلى عرض أكثر من شخصية تمثّل صورة المرأة التقليدية الشعبية. التي تتحدد شخصيتها ودورها تبعاً للظروف التي تعيشها. إذ نقف على شخصيتي سعدية وخضرة اللتين تشكلان ثنائية ضدية، ففي الوقت الذي دفعت فيه الظروف الصعبة "سعدية" إلى العمل الحر الشريف، نجد "خضرة" قد دفعتها ظروف مشابهة إلى العمل المشين.

 

للوقوف على طريقة تقديم الشخصيتين، نبدأ بشخصية "سعدية" التي تمثّل أيضاً نقيض "أم صابر" أي الوجه الإيجابي للمرأة الشعبية المسحوقة، وأول ما يلفت نظر القارئ أن الكاتبة قسّمت حياة هذه الشخصية في ثنائيتها إلى مرحلتين: المرحلة الأولى قبل استشهاد زوجها (زهدي)، إذ كانت تعيش حياة عادية، بوصفها زوجة، وربّة بيت، كان عالمها، آنذاك، ضيّقاً محدوداً، ينحصر في شؤون بيتها وأولادها، والخوف على زوجها. ونقف على ذلك في "الصّبار".

 

أمّا المرحلة الثانية، فتأتي بعد استشهاد زهدي، وتتميّز بانفتاح "سعدية" على الحياة، وتحوّلها إلى امرأة عاملة منتجة، تقوم بواجبها نحو أسرتها على أكمل وجه. وهذا يعني بداية، أننا نقف أمام شخصية نامية متطورة. وقد لجأت الكاتبة في تقديمها إلى الجمع بين الطريقتين المباشرة وغير المباشرة. على الرغم من سيادة الطريقة التحليلية. معتمدة في ذلك الراوي العالم، لوصف مظهرها الخارجي وملامحها، والكشف عن عالمها الداخلي، ونفسيتها عبر تداعياتها، ومنولوجاتها الداخلية.

وبما أن الراوي العالم هو المهيمن على عمليّة السرد، فهذا يعني أنّه أحد أبرز مصادر المعلومات المبثوثة حول الشخصية، بطريقة غير مباشرة. مما يؤدي إلى تراكم نسبة غير قليلة من المعلومات حول الشخصيات، وهذا ينُّم عن حرص الكاتبة، وعنايتها في التقاط أدق التفاصيل، المتعلّقة بالشخصية، شكلاً ومضموناً. ولكن الاعتماد على الراوي من شأنه أن يقلّص دور الحوار في إبراز الشخصية، وكشف بعض جوانبها، وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة لسعدية، وخضرة أيضاً. إذ لا نقع إلا على القليل من المقاطع الحوارية بين الشخصيتين معاً، أو مع سواهما من شخصيات الرواية.

 

تبدأ الكاتبة في "الصبّار" ، بالتمهيد لظهور شخصية سعدية على مسرح الحدث الروائي في "عبّاد الشمس"، حيث ستشغل إلى جانب شخصية خضرة، حيّزاً بارزاً في الرواية. فتشرع بوساطة الراوي، في بث بعض الإشارات المتفّرقة حول الشخصية، عبر تداعيات زهدي، في الفصلين (24،30). فيتبين القارئ من خلالها السمات العامة التي تميز شخصية "سعدية". فهي ربّة منزل مدبّرة. ترعى شؤون أسرتها حق الرعاية. محبة لزوجها. تستمع لبرنامج ركن الأسرة، وتعمل بنصائحه... وسيكون لهذه المعلومات على قلّتها أهميّة كبيرة في إضاءة جوانب هذه الشخصية، وتحديد ملامحها التي تنسجم مع طبيعتها.

وتتابع الكاتبة في "عبّاد الشمس" تقديم شخصية سعدية، في الفصول: الثالث والرابع والخامس، معتمدة المقياس الكمّي في تصوير مظهرها الخارجي والجسدي، وإضاءة جوانب أخرى في شخصيتها بصورة تدريجية. بعد انقطاع متعمَّد، ومبرّر فنيّاً، استمر على مدى ستة فصول (أومقاطع) فصلت بين جزأي الثنائية، بغية التمييز بين مرحلتين في حياة الشخصية، والإعلان عن بدء مرحلة جديدة في حياتها. مما يقنع القارئ بحقيقة التحوّلات التي سيلمس آثارها الإيجابية على مظهرها الخارجي، وتصرفاتها، وعلاقاتها الاجتماعية، في الصفحات اللاحقة من الرواية.

 

تظهر شخصية سعدية أول مرة في منتصف الفصل الثالث، في "عبّاد الشمس" وقد رآها عادل: ((كانت تلبس تنورة سوداء، وبلوزة بيضاء بأكمام طويلة، وكانت قد هزلت كثيراً. واختفت النتوءات من جسمها، استبدلت بانحناءات إنسيابية لطيفة. واختفى الشعر الطويل، وحلّت بدلاً منه قصة مستديرة، أعطتها مظهراً أكثر  حيوية وشباباً... كان في صوتها صلابة توحي بثقة كبيرة بالنفس، رقصت لها نفس عادل إعجاباً واحتراماً- فها هي امرأة قوية باستطاعتها أن تتحدى ظرفها، وظروف البيئة، وتقف على قدمين ثابتتين ولا تهتز))( ). ويتأمل عادل سعدية- في الفصل الرابع، فيرى  ((الجمال البلدي الأصيل.. وقد تعلمت المرأة الكثير، كيف تعمل، وكيف تلبس، وكيف تخاطب الرجال دون أن تحمر أو تتلعثم))( ).

 

فمن خلال هذا المقطع الوصفي، الطويل نسبياً، نلمس حضوراً كثيفاً للراوي الخفي، الذي يترك مسافة بينه وبين الشخصية،  ليرصد مظهرها الخارجي، ويؤول دلالاته، فيضيء بذلك جانباً آخر من الشخصية، يرتبط بتجربتها الحياتية الجديدة.

 

فإذا ما تأمّل الدارس المتن الروائي، على ضوء المقياس الكمي وما يقدّمه من معلومات مبثوثة في عدة فصول من الراوية وهي (3،4، 5،12،13،14،15،23،24،...) وجد نفسه أمام تعدد وتنوع كبيرين في المعلومات حول ماضي الشخصية وحاضرها، وقصّة معاناتها، وسماتها الخُلقية، والخَلقية، وقد تعدّدت مصادر هذه المعلومات، وتنوعت تبعاً للمقياس النوعي، وغلب عليها طريقة التقديم غير المباشرة، فجاءت معظم المعلومات من خلال الراوي، وتعليقات بعض الشخصيات (عادل، باسل، شحادة، خضرة). وقدم بعضها الآخر بطريقة مباشرة من خلال (الشخصية نفسها. أحاديثها وتصرفاتها وأفعالها، وحوارها مع شحادة، وخضرة، ونوار...).

وقد استعانت الكاتبة بجملة من الأساليب الفنية لتقديم هذه الشخصية، فعمدت إلى السرد والوصف لإبراز ملامحها الخارجية، والتعبير عن مشاعرها وانفعالاتها وأحاسيسها، ثم عمدت إلى الحوار لتجسيد مواقفها (حوارها مع شحادة)، وكشف أبعادها النفسية والخلقية، واستغلت تقنيات المنولوج الداخلي، بذكاء ومهارة لكشف خفايا نفسها. شجونها وأحلامها وأمنياتها، وذكرياتها( ).

 

ولكي تحقق الكاتبة أكبر قدر ممكن من الوضوح، والتحديد لشخصية سعدية، لجأت إلى مبدأي التدرج والتحول اللذين يستند إليهما المقياس النوعي. فمن خلال استعمالها لمبدأ التدرج الذي يعني الانتقال من العام إلى الخاص، نجد أن الكاتبة قد انعطفت إلى ماضي "سعدية" القريب والبعيد استجابة لهذا المبدأ. ولجأت أيضاً إلى إقامة بعض الصلات التي تربط سعدية ببعض الشخصيات في محيطها الجديد، فتعرفت شحادة الذي ارتبطت معه بعلاقة عمل، كما جمعتها المصادفات مع خضرة في أكثر من مكان (الحافلة، المخفر، الحمام) وكان لشخصية خضرة دور بارز في كشف جوانب كثيرة من شخصية سعدية من خلال تلك العلاقة العابرة والهامة التي شغلت حيزاً هاماً في الراوية، شمل عدة فصول متتابعة هي: (12-15-) و (24-25). وكذلك استندت الكاتبة في تقديمها لشخصية خضرة إلى الطريقة المماثلة التي قدمت فيها شخصية "سعدية" وإن اختلفت كلتا الشخصيتين في الطباع والسمات الداخلية، والخارجية.

 

أمّا مبدأ التحول، فقد نصّت عليه الراوية، بصورة مباشرة، ومهدت الكاتبة لهذا التحوّل بالنسبة لكلتا الشخصيتين: سعدية وخضرة. فجاء تحوّل سعدية ليضع حداً فاصلاً بين مرحلتين، مرحلة (المرأة الحرمة) و (المرأة العاملة المجربّة).

أمّا التحوّل في شخصية خضرة، فقد مهدت الكاتبة له عبر استعمالها لمبدأ التدرج حين عادت إلى ماضي الشخصية، وطفولتها البائسة، ومعاناتها الفقر والجوع، وظلم الأب والزوج الأول، ثم اندفاعها وراء شهواتها البطنية، ولجوئها إلى السرقة، لتلبية تلك الحاجة، ومن ثم زواجها الثاني من رجل مريض وفقير. كل تلك الأسباب، إضافة إلى طبيعة تكوينها النفسي والاجتماعي، شكلت دافعاً لانحرافها. ويأتي التحوّل الآخر في مسار هذه الشخصية، حين تكشف الكاتبة عن الجانب الإنساني فيها. وقد تجلّى موقفها من سعدية التي تجاهلتها في الحمام، وكذلك موقفها من الفدائيين.

 

ونخلص إلى القول: إنّ تقديم الشخصية الروائية عمل فني متكامل، يفترض أنْ يحقق الغاية المرجوة منه، وهي الإمتاع والإقناع والتأثير، ((فليس المهم هو الطريقة التي تقدّم بها الشخصية في الراوية، وإنّما الفائدة التي يجنيها الكاتب من وراء استعمالها، أي قدرتها على جعل العالم التخيّلي متلاحماً، ورؤية العالم مقنعة. فكل صيغة من التقديم يمكنها أن تنتج عملاً قوياً، وذا دلالة، إذا هي استُثمرت على النحو الأفضل))( ).

 

2- الاسم الشخصي ودلالته:

يسعى الروائي الفلسطيني، وهو يقدم شخصيته الروائية، إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من الوضوح والتحديد لهذه الشخصية، ولذا يحرص أن يكون اسمها متلائماً ومكملاً لجملة التقنيات الفنية التي يتبعها وهو يقدم شخصيته، ليكون الاسم منسجماً مع المسمى.. وقد يعوّل بعض الروائيين أهميّة كبيرة على الاسم في إبراز الشخصية، وتحميلها من المعاني والدلالات، ما يريدون التعبير عنه في ثنايا الرواية، كما هو الحال لدى إميل حبيبي في تسمية شخصياته بـ (أم الربابيكا، يعاد... باقية، أخطية، سروة).

 

ومهما يكن فلا أحد ينكر أهمية "اسم العلم" في تحديد الشخصية بدقة، وتمييزها عن غيرها. إذ تكمن مهمة الاسم في كونه ((التعبير الفعلي عن الذاتية الفردانية  لكل إنسان فرداني قائم بذاته. ولقد توطدت هذه المهمة لأسماء العلم في ميدان الأدب أول ما توطدت، وعلى أكمل وجه، في الرواية))( )؟

وإذا كانت العناوين إرهاصاً بالمقاصد، كما هو الحال بالنسبة لمعظم عناوين الروايات العربية عامة، والفلسطينية خاصة، مثل (الصبار، عبّاد الشمس، العشاق، المتشائل...)، فإن أسماء العلم التي يخلعها الروائي على شخصياته، تجسد أيضاً هذه الفكرة بوضوح، إذ ثمة علاقة وثيقة- في كثير من الأحيان- بين الاسم والشخصية، لأن دلالة الاسم غالباً ما تحدد طباع الشخصية وصفاتها، أو مستواها الاجتماعي، أو ما يمكن أن تقوم به في سياق الحدث الروائي.

وهذا يعني أن اختيار الروائي لأسماء شخصياته الروائية، غالباً ما يخضع للتأمّل والتفكير والتدقيق، لـ ((تكون متناسبة ومنسجمة بحيث تحقق للنص مقروئيته، وللشخصية احتماليتها ووجودها، ومن هنا مصدر ذلك التنوع والاختلاف الذي يطبع أسماء الشخصيات الروائية))( ).

 

فإذا كان للاسم هذه الأهميّة في تحديد الشخصية وتمييزها وإيضاحها فـ ((هل يكتفي الروائي بالاسم، أو يقرنه بكنية أو نسبة؟ . هل لذلك علاقة بالمعلومات المقدّمة عن الشخصية؟ ما الحوافز التي دفعت الروائي إلى استعمال هذه الأسماء؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تسهم في تحليل بناء الشخصية، سواء أكان اختيار اسم الشخصية مقصوداً أم لم يكن))( ).

 

لقد اتجهت الرواية الفلسطينية في تسمية شخصياتها الروائية إلى اتجاهين: إذ استعملت الأسماء التقليدية، ولا سيما المستمّدة من النسق الديني مثل (مريم "ماتبقى لكم"، والحاجة فاطمة وزليخة "نشيد الحياة"، وزينب "الرب لم يسترح..."). كما استعملت الأسماء المرتبطة بالحياة الواقعية المعاصرة، التي تحمل دلالات تشي بطبيعة الشخصية، أو مستواها الاجتماعي، ومكانتها أو ببعض صفاتها، ونميز في ذلك بين مستوين: الأول يرتبط بالأسماء السائدة في المجتمعات الشعبية، مثل: (عيشة "أم صابر"، سعدية "أم حمادة"، خضرة "أم خليل" في الثنائية. وحلوة في "أيام الحب والموت".). والثاني يرتبط بالأسماء الأكثر انتشاراً في الأوساط الاجتماعية عامة، ولا سيما في الأوساط المتوسطة والبرجوازية. مثل (نوار الكرمي، لينة الصفدي، رفيف، في "الثنائية"، وفجر وهناء ونهاد في "البكاء على صدر الحبيب"، ولمى عبد الغني الحمادي، ومها الحاج في "السفينة" ووصال رؤوف وسوسن عبد الهادي في "البحث عن وليد مسعود" وشهد وجنان وسمر وثناء في "بوصلة من أجل عبّاد الشمس" وغير ذلك....

وقد يلجأ الروائي إلى تسمية بعض شخصياته بأسماء رمزية دالة، ومنتقاة بدقة لتفصح عما يريد أن يقوله من خلالها، وتتكشّف دلالاتها في سياق الرواية وأحداثها، كما هو الأمر لدى إميل حبيبي في تسميات شخصياته. إن النظرة الشاملة المتأنية إلى تلك الأسماء، ومدلولاتها. وأنواعها من حيث لفظها، يظهر مدى ارتباطها بحامليها، وانسجامها مع الكثير من صفات هذه الشخصيات، ويبرز أيضاً التنوّع في اختيارها، ويؤكد صفة الانتقائية والدقة في اعتماد أكثرها. ويجيء ذلك كله استجابة لدواعي الضرورة الفنية، في تقديم الشخصية، بأقصى ما يمكن من الوضوح والتحديد والتمييز، فيكون الاسم مكملاً لجملة التقنيات الفنية المتبعة في سبيل تحقيق تلك الغاية.

ويلاحظ، بصورة عامة، أن الرواية الفلسطينية تستعمل الأسماء المفردة، مثل ندى، رفيف، نهاد. بالقدر نفسه الذي تستعمل فيه الأسماء مع نسبتها (فجر صالح الخلف، مريم الصفار....) وقد تقتصر على الكنية (أم أسامة، أم أمير، أم محمود، أم عادل....). وقد يكتفي الروائي بذكر الاسم المفرد، فقط إذا كانت الشخصية عزباء (مريم، رفيف، زينب، ندى)، ولكنّه قد يسنده إلى نسبته أحياناً- وهذا قليل- بغية الإيهام بواقعية الشخصية، وإلقاء المزيد من الضوء لكشف جوانبها. فنجد أسماء مثل (نوار الكرمي، شهد الصمدي، وصال رؤوف).

 

ولعل من أبرز الكتّاب الذين يصرون على ذكر أسماء شخصياتهم كاملة، جبرا إبراهيم جبرا. وربما يعود السبب في ذلك إلى تعدد شخصياته الروائية، ومن ثم تعقد البنية الروائية، ولذا يلجأ إلى تسمية شخصياته بأسمائها الكاملة لتمييزها داخل الرواية. ويضاف إلى ذلك أن شخصيات جبرا تنتمي إلى الطبقة البرجوازية المثقفة المتحررة، ولذا فهو يختار لها أسماء لها وقع الأسماء الحقيقية،  مما يضفي على الشخصية مزيداً من التحديد والوضوح والواقعية، ليركز فيما بعد اهتمامه على الخلفية الاجتماعية للشخصية، ولمكانتها الطبقيّة. كأن يتحدّث مثلاً عن عائلة وصال رؤوف، ووالدها الوزير السابق، وأخيها الدكتور طارق.. وكذلك الحال بالنسبة لمعظم شخصياته (لمى عبد الغني الحمّادي، مها الحاج) في السفينة. و(مريم الصفار، وسوسن عبد الهادي، وسعدية علوان...) في البحث عن وليد مسعود.

 

وهذا يعني أن جبرا لا يجد حرجاً من ذكر الاسم كاملاً، ولا يخشى المطابقة بين اسم الشخصية وما يماثله من أسماء حقيقية في الواقع. ولا سيما إذا عرفنا أنه يعمد إلى التنبيه في بداية كل راوية (السفينة، البحث عن وليد مسعود) بأن ((الشخصيات والأسماء في هذه الرواية من خلق الخيال، فإذا وجد أي شبه بينها وبين أناس حقيقيين، أو أسمائهم فلن يكون ذلك إلا من محض الصدفة، وخالياً من كل قصد))( ).

 

ومن الروائيين من يدفعه حرصه على الدقة والواقعية، إلى كشف هوية شخصيته بالتفصيل، فيذكر اسمها كاملاً، ومكان وتاريخ تولّدها، ويتبع ذلك بنبذة عن سيرتها الحياتية، ليضيء جوانب شخصيتها، كما فعل غسان كنفاني في "برقوق نيسان" وهو يقدم شخصية "سعاد وقاد"( ). وفي المقابل، هناك من  يتوخّى الحيطة، وعدم الإحراج، مدفوعاً بتأثير بعض العادات والتقاليد، فيكتفي بذكر الكنية من غير الاسم أو النسبة، كما فعل رشاد أبو شاور في "البكاء على صدر الحبيب"، و "العشاق"، مثل: (أم غالي، أم زياد، أم محمود، أم حسن...). ومنهم من يتبع الاسم المفرد بالكنية، وهذا قليل، ونجده عند سحر خليفة في ثنائيتها. مثل: (عيشة "أم صابر"، سعدية "أم حمادة"، وخضرة "أم خليل". وتركّز الكاتبة في سياق الرواية على استعمال الاسم الأكثر إيحاء وشهرة، وتبعاً لما يمليه السياق، فحين يتحدّث الراوي عن الشخصية يذكرها باسمها الأول، أما استعمال الكنية أو الاسم فيتوقف على الطرف الآخر المتخاطب مع الشخصية، ومدى قربه منها، أو بعده عنها. وهذا ما نقع عليه في "عبّاد الشمس" من خلال الحوار الذي دار بين سعدية وشحادة. تقول: ((من أيمتي تناديني سعدية حاف يا شحادة؟... أولاً أنا أم حمادة، ومش سعدية...))( )، وتقدم سعدية نفسها: ((اسمي سعدية، والناس ينادوني أم حمادة))( ) وفي ذلك تثبيت للأسمين معاً، وتأكيد على استعمالهما جنباً إلى جنب. في حين نجد الكاتبة لا تذكر كنية خضرة إلا مرة واحدة، وتكتفي باستعمالها للاسم الأول، لأن الشخصية ليست جديرة بأمومتها، منذ أن انحرفت عن الطريق السوي، ولأن في اسم خضرة دلالة على طبيعة الشخصية، فـ ((.. خضرة أقرب إلى خضراء الدمن تفتّحاً وموقفاً))( ).

 

ويلاحظ أنّ استعمال الألقاب للشخصيات النسائية، يكاد يكون نادراً، لولا وروده في السداسية، إذ يلّقب إميل حبيبي "أم الروبابيكا" بـ "ملكة الوادي غير المتوّجة"، ليضئ جانباً من جوانب شخصيتها وحياتها، ويبرز ما تمتاز به من حسن الطباع والفعال، وماتتبوّؤه من مكانة عالية، في نفوس أهل الوادي.

 

وإذا ما وقفنا على دلالة بعض الأسماء، لمعرفة مدى انسجامها مع الشخصية، وجدنا أنّ غالبية هذه الأسماء-التي سبق ذكرها- منتقاة بدقة لتؤدي معانيها، وتزيد الشخصية وضوحاً وتحديداً، فنجد "فجر" تعبر عن الأمل ببزوغ فجر جديد، وهذا ما عبّرت عنه الراوية صراحة حين تقول فجر لغالي: ((لا تحزن كثيراً. الأمور صعبة، ولكنها ليست سيئة تماماً. هناك ضوء))( ). ونجد "رفيف" ((ترف كثيراً في أفكارها إلى درجة النزق، و"سعدية" تطمح كثيراً إلى السعادة بعد بؤس... و"أم الروبابيكا" تجمع بقايا الذكريات فتحمل لقبها))( ). وفي المتشائل نجد أن اسم "يعاد" من العودة إلى الوطن. وغير ذلك من الأسماء الدالة التي نجدها في الرواية.

وقد أدّى حرص الروائي الفلسطيني على الوضوح والواقعية. إلى تجنّب استعمال الأسماء الغامضة، أو المتناقضة مع مدلولها. كما أدى، أيضاً، إلى تجنّب إطلاق أكثر من اسم على الشخصية الواحدة، فإذا حصل ذلك، فإنما يأتي لغاية فنية تجعل حبكة الرواية أكثر تشويقاً، وهذا ما نجده لدى جبرا إبراهيم جبرا في "البحث عن وليد مسعود" حين أطلق وليد على حبيبته "وصال رؤوف" اسم "شهد" وقد ذكر اسمها أول مرة على الشريط اللغز، ولكن الكاتب، كشف الغموض الذي رافق هذا الاسم بعد أن تحققت الغاية من وراء ذلك( ).

 

وفي الحالات كلّها، يظل اسم الشخصية الروائية محض اسم فني، الغاية منه تحديد الشخصية وتمييزها وإيضاحها، وليس بالضرورة أن يكون مطابقاً لاسم شخصية حقيقية في الواقع، سواء أكد الكاتب مثل هذه المطابقة أو نفاها، وهو في الحالتين لا يفعل ذلك إلا ليقوم بلعبة الإيهام الفني بالواقع.

 

3- تصنيف الشخصية:

يعد تصنيف الشخصية الروائية، حاجة لابد منها، لمعرفة مرتبتها بين الشخصيات الروائية، والوظيفة التي تقوم بها  داخل المتن الروائي. فمن خلال تصنيف الشخصية الروائية يكتمل بناؤها( ). ويستطيع الدارس الوقوف على عالم الشخصية، وعلاقاتها مع سواها ((في إطار من الانسجام والتآلف حيناً، ومن التعارض والتنافر حيناً آخر، مما يضفي على الرواية طابعاً إنسانياً، قلما تحقّقه لها العناصر الأخرى))( ).

 

ويقوم هذا التصنيف عل اعتماد "النموذج الثلاثي" وهو ((نموذج وصفي يساعد على الولوج إلى عالم الشخصيات، ويتيح إمكانية تصنيفها وفق خطة مدروسة. فهذا المبدأ يقوم، نظرياً، على الشكل الخارجي للشخصية، أي على المظهر الذي يحدّد البنية العاملية، ويخبر عن العلاقات التي تخترقها، كما ينهض على افتراض أنه بالمستطاع إيجاد القاسم المشترك بين مجموعة الشخصيات حتى قبل الوقوف على خصوصية. كل شخصية على حدة))( ).

 

ويتألف التصنيف الثلاثي الذي اقترحه "حسن بحراوي"، مستفيداً من التصنيف الغربي للشخصية،  من ثلاثة نماذج كبرى، يلحق بكل منها ثلاثة نماذج صغرى، وهي: ((نموذج الشخصية الجاذبة: نموذج الشيخ، نموذج المناضل، نموذج المرأة. نموذج الشخصية المرهوبة الجانب: نموذج الأب، نموذج الإقطاعي، نموذج المستعمر. (وأخيراً) نموذج الشخصية ذات الكثافة السيوكولوجية: نموذج اللقيط، نموذج الشاذ جنسياً، نموذج الشخصية المركبة))( ).

 

إن اعتمادنا النموذج الثلاثي بصورته التي وصفها بحراوي، لا ينسجم كثيراً مع طبيعة الرواية العربية الفلسطينية، وتنوع شخصياتها، ولا سيما النسائية. ومن هنا، كان لابد من الاستعانة بالتعديل الذي أجراه الدكتور سمر روحي الفيصل على هذا التصنيف، أثناء دراسته لبناء الشخصية في الرواية العربية السورية، ليصبح على النحو التالي: الشخصية الجاذبة، الشخصية المنفّرة، الشخصية التابعة( ).

 

آ-الشخصية الجاذبة:

وهي أبرز الشخصيات في الرواية الفلسطينية-سواء أكانت الشخصية رجلاً أم امرأة- وتكاد لا تخلو رواية منها. فهي تلعب دوراً فاعلاً في حركة الحدث الروائي، وتطوره. ويأتي حضورها ((منسجماً تمام الانسجام مع متطلبات اللعبة الروائية، حيث لابد  أن توجد الشخصيات مرتبطة ببعضها وأن تجمع بينها علاقة روائية.... وسنعني بالشخصية الجاذبة هنا، تلك التي تستأثر باهتمام الشخصيات الأخرى، وتنال من تعاطفها، وذلك بفضل ميزة أو صفة تنفرد بها عن عموم الشخصيات في الرواية. وقد تكون هذه الميزة مزاجية، أو طباعية في الشخصية... كما قد تكون الميزة سلوكية.. أو صفة مظهرية كالجمال))( ).

 

قدّمت الرواية الفلسطينية العديد من الشخصيات النسوية الجاذبة، منها: شخصية المرأة الثورية المثقفة مثل (فجر، شهد، زينب) وشخصية الثورية الكادحة. (أم سعد)، وشخصية المرأة العاملة (سعدية، وأم حسن)، وشخصية المرأة الزوج الصالحة (الحاجة فاطمة) وأخيراً شخصية الأم الطيبّة (أم محمود، وأم أمير...).

فإذا كانت الصفات المظهرية الخارجية للمرأة، مثل جمال الوجه، ورشاقة الجسد وتناسقه وانسجامه، وأناقة المظهر. إضافة إلى بعض العناصر الجاذبة الأخرى كعذوبة الصوت، حلاوة الكلام، وسحر النظرات وغير ذلك ، هي أبرز الصفات الجاذبة في شخصية المرأة، التي درج الكثير من الروائيين العرب على جعلها أساساً للانجذاب، ومصدراً لاستقطاب الآخرين، فإن الروائي  الفلسطيني، لايلح على تلك الصفات، ولاسيما حين يقدّم المرأة الثورية، أو الكادحة، وهو لايعول عليها كثيراً، إلا بالقدر الذي تضيء فيه بعض جوانب الشخصية، وتخدم الفكرة أو الغاية التي ينشدها الروائي من وراء ذلك.

*

ففي رواية "بوصلة من أجل عباد الشمس" تلح الكاتبة ليانه بدر على الصفات الداخلية للشخصية، بوصفها العناصر الجاذبة فيها. وتنبع جاذبية "شهد" من مصدرين اثنين: يتمثّل الأول، في وعيها السياسي، وذكائها وثقافتها المتنّوعة، وخبرتها النضالية وهي تضع كل ذلك في خدمة قضايا وطنها وشعبها، فتقوم بتنوير عقول الآخرين، وبث الوعي في نفوسهم وعقولهم، فتفصل من عملها، ويتكرر الفصل. وتتحدى سياسية الترغيب والترهيب التي تمارسها عليها السلطة لتعترف برفاقها، وتأبى المساومة على مبادئها، وأهدافها النبيلة.

 

أمّا المصدر الثاني: فيتمثل في قدرتها على التأثير في الآخرين، كأستاذها ورفيقاتها وتلميذاتها. وقد أسهم في ذلك نضجها الفكري، وانفتاحها على جميع الناس، على اختلاف مستوياتهم، وقدرتها على استيعابهم والتخاطب معهم، وبذلك استطاعت أن تمارس سلطتها المعنوية، وتؤثّر فيهم، وتحظى بتعاطفهم معها وإعجابهم وتقديرهم لها: ويعود الفضل في ذلك إلى تواضعها، وإخلاصها لمبادئها، وإيمانها بنبل الأهداف التي تناضل من أجلها. تكتب لصديقتها جنان: ((يريدون تدمير عالمي بالفصل المستمر من جميع الأمكنة، حسناً ليفعلوا... لو تفتّت العالم. فسوف أعيد تجميع أركانه، ولربما خلقته من جديد، كي أغيظَهم))( ).

 

ونلاحظ مما تقدم، أن الشخصية الجاذبة التي تمثلها المرأة الثورية المثقفة، لابد من أن تستند إلى صفات معنوية إيجابية، يعمل الروائي على تجسيدها وإبرازها في الشخصية، وهذه الصفات هي: الوعي السياسي الذي تكتسبه الشخصية، من خلال انتمائها إلى إحدى التنظيمات السياسية، وسعيها لتثقيف نفسها ثورياً وفكرياً، ثم نجاحها في تجسيد هذا الوعي، وإظهار القدرة على التمسّك بمبادئها. وأخيراً، قدرة الشخصية على جذب الآخرين، وكسب ثقتهم، وتعاطفهم معها.

وهذا ما فعلته ليانه بدر في تقديمها لشخصية "شهد" التي استطاعت أن تتغلب على كل العقبات التي واجهتها. وكذلك فعل رشاد أبو شاور في تجسيده لشخصياته الثورية مثل "فجر" و "زينب" وغيرهما.

*

وإذا انتقلنا إلى شخصية المرأة الثورية-الكادحة، التي تمثّلها "أم سعد"، وجدنا أن عناصر الجذب لدى هذه الشخصية، تختلف قليلاً عما سبقها، ولا سيما فيما يتعلق بالوعي السياسي، بمفهومه الحقيقي، كما يجسده الإنسان الثوري المثقّف مثل (أسامة الكرمي، وزينب، وشهد).

 

فأم سعد، امرأة قروية كادحة، مسحوقة، ذات روح ثورية، تمتلك القدرة على المبادرة، والعطاء بسخاء في سبيل وطنها وشعبها. وهي تغالب قساوة الواقع بصبر وحكمة وعزيمة لا تلين، من غير أن تشكو أو تشعر باليأس، يحدوها في ذلك وعيها العفوي السليم، وإحساسها الصادق بالمسؤولية، وفي ذلك مصدر قوّتها وجاذبيتها.

فالشخصية، إذاً، لا تستمد جاذبيتها، من مظهرها الخارجي، ولا من ملامحها الخارجية المستمدة من الأرض فحسب، وإنّما من صفاتها الداخلية، وسلوكها وأخلاقيتها، ومواقفها. ففي أقوالها وتصرفاتها تبرز سمات وعيها الطبقي والوطني بما فيه من صدق وعفوية وحماس. أما مظهرها الخارجي، فلم يأت على تلك الصورة، إلا ليؤكّد التحام هذه المرأة بالأرض، ونضالها في سبيلها، ومن هنا تنبع جاذبية ملامحها ومظهرها الخارجي، وبذلك تحظى شخصية أم سعد بسلطتها المعنوية-النضالية، التي تخوّلها التأثير فيمن حولها، فهي تقوم بالمبادرة إلى العمل، وتقدّم خدماتها للآخرين. وبذلك تكون القدوة الحسنة، لأبنائها وزوجها، ولأبناء المخيم، وللراوي المثقف. وتتمكن "أم سعد" من جذب هؤلاء جميعاً إليها، وكسب احترامهم وتقديرهم لها. وقد بلغ تأثيرها فيمن حولها حداً كبيراً، حتى شمل الراوي المثقّف، حين ناداها: "يا يما"( ). فعبّر بذلك عن حقيقة انتمائه إليها، وإلى الطبقة التي تمثلها.

*

وفي "ثنائية" سحر خليفة، نجد الكاتبة، أيضاً، لاتحفل كثيراً بالمظهر الخارجي لشخصيتها الجاذبة التي تمثّلها "سعدية"، وإنّما تحرص على أن يكون مصدر الجذب سلوك الشخصية وأخلاقيتها.

ولا تلقي الكاتبة الضوء على مظهرها، إلا لتعكس، تفتّح وعيها، وتبلور شخصيتها وتطورها بتأثير عملها الجديد، وانطلاقها من عالمها الضيق إلى عالم فسيح رحب، وامتلاكها لحريتها، واستقلاليتها، فظهرت آثار تلك التحولات الإيجابية على شخصيتها من الداخل والخارج، وتجلّى ذلك في مظهرها وهندامها ملامحها، وسلوكها وأقوالها. وهذا ما لاحظه "عادل الكرمي" الذي عبّر عن إعجابه بها وتقديره لها. كما حظيت "سعدية" باحترام كل من باسل، وأبي صابر، ونوار، ورفيف.... حتى إنها حظيت باحترام "خضرة" التي لمست فيها الصدق والنقاء والطهر، والحرص على أولادها، وتفانيها من أجلهم. وفي الوقت نفسه، نجد أن نجاح "سعدية" في حياتها العملية والاجتماعية، واكتسابها لاحترام الآخرين وتعاطفهم، قد أثار حفيظة بعض النسوة الجاهلات المنفرات مثل "أم صابر وأم تحسين" وغيرهما، ممن شعرن بالغيرة والعجز أما الإنجازات التي حققتها، فأطلقن ألسنتهن بالإفتراءات، وأثرن الشائعات حولها.

 

وفي رواية "نشيد الحياة" تطالعنا شخصية جاذبة. من نوع خاص. إنّها شخصية "الحاجة فاطمة" التي تبرز بحضورها المدهش والأثير، عبر استرجاع زوجها "الشايب" لصورتها ولطباعها وسجاياها، وقد ألح الروائي "يحيى يخلف"، على أن تكون عناصر الجذب في هذه الشخصية، مستمدة من صفاتها الداخلية والنفسية، المتمثلة في طهارة روحها، وصفاء نفسيتها. وطيب معشرها، وإخلاصها لزوجها، وتفانيها في رعاية شؤون بيتها وزوجها، إضافة إلى ما تتمتع به من حسن المظهر ووقاره. فمن خلال ما تميزت به من صفات حميدة، استطاعت أن تجذب زوجها، وتحظى بمحبته واحترامه وإخلاصه لها، كما استطاعت أن تستحوذ على احترام جيرانها وتقديرهم لها.

إن الرواية الفلسطينية حافلة بالشخصيات النسائية الجاذبة، وقد تنوّعت مصادر الجذب، بتنوع الشخصيات، وبصورة عامة، لم يعوّل الروائي الفلسطيني كثيراً على المظهر الخارجي كعنصر للجذب. بل حرص على أن يكون الوعي الاجتماعي والثوري، أو النضج الفكري، إلى جانب الصفات الأخلاقية والسلوكية، أهم الصفات التي تبنى عليها الشخصية الجاذبة، وهذه الصفات تؤكّد السلطة المعنوية للشخصية، وتمنحها حضورها وحيويتها، وفاعليتها، وتجعلها تحظى بتعاطف الآخرين واحترامهم لها، والتفافهم حولها.

 

ب- الشخصية المنفِّرة:

((هذه الشخصية نقيض الشخصية الجاذبة، فهي منفرة، لأنها تملك سلطة مادية تعوق تحقيق الأهداف التي تسعى إليها الشخصية الجاذبة، أو تتصف بصفات أخلاقية سلبية في عرف المجتمع الروائي، وعلى الرغم من ذلك فإن وجودها الروائي ضروري في الرواية لأنّها محرك الصراع، وفاعل فيه))( ).

ويلاحظ الدارس أن وجود هذه الشخصية في الرواية الفلسطينية، قليل، بالقياس إلى الشخصية الجاذبة. ويمكن أن نميز بين ثلاثة نماذج للشخصية المنفرة تبعاً للروايات التي تناولها البحث، وهي: المرأة الجاهلة الضعيفة، المرأة البغي، المرأة المثقّفة اللعوب.

 

في رواية "عبّاد الشمس" نقع على شخصيتين مختلفتين: الأولى تمثلها "أم صابر" تلك المرأة الشعبية الجاهلة التي تقابل مصاب زوجها بالبكاء والأدعية وما إلى ذلك من عادات شعبية، وقد بنت الكاتبة هذه الشخصية استناداً إلى عدة صفات سلبية، تجسّد جهلها، وضيق أفقها، وقلّة حيلتها. وإهمالها لشؤون أسرتها وبيتها، إضافة إلى سلاطة لسانها، وسوء ظنها بالآخرين. مما يدفع الآخرين إلى النفور منها، كما لمسنا ذلك لدى سعدية وعادل الكرمي الذي عبر عن أساه وحسرته، وخيبة أمله، وهو يقف على حالتها، وحال بيتها وأولادها وزوجها، وبذلك استطاعت الكاتبة أن تبني هذه الشخصية، وترسخ صفات الجهل والتخلف فيها، لتلقي الضوء على بعض الآفات الاجتماعية التي ما زال المجتمع، يرزح تحت وطأتها. وتُبرز مدى التأثير السلبي لهذه الشخصية، وأمثالها على الفرد، والمجتمع، والوطن برمته...

أما الثانية، فهي "خضرة" المرأة البغي التي توافرت في شخصيتها جملة من الصفات السلبية المنفرة، تجلت في انهيارها المعنوي، وانحطاطها الأخلاقي والاجتماعي، وابتذالها في أقوالها وتصرفاتها وحركاتها ومظهرها.

 

وإذا كانت الكاتبة قد حاولت، بصورة غير مباشرة، إبراز هذه الشخصية، بوصفها ضحيّة ظروفها البائسة، وذلك من خلال عودة الرواية إلى ماضيها، وقصة معاناتها، وظروف نشأتها ومن ثم إظهار بعض الجوانب المضيئة في شخصيتها، كتعاطفها مع الفدائيين، وتعاطفها وتسامحها، أيضاً، مع سعدية، فإن ذلك كله لم يجعل الشخصية مقبولة في وسطها الاجتماعي، أو  لدى القارئ العربي، ولذا ظلت منفرة للآخرين. وكانت مصدر إزعاج وقلق لسعدية التي خشيت أن يقترن اسمها باسم خضرة، بعدما جمعتهما المصادفة أكثر من مرة.

*

وتمثّل "لمى عبد الغني الحمادي" في السفينة شخصية المرأة المثقّفة اللعوب الشبقة التي تسعى وراء أهوائها ورغباتها، ضاربة عرض الحائط بكل القيم الأخلاقية، والمثل الاجتماعية. تخون زوجها (فالح حسيب) مع عشيقها "عصام السلمان"، وبذلك تمارس سلطتها المادية التي تستند إلى مفاتنها الجسدية التي أجاد الكاتب تصويرها بدقة، وركّز على قدرة الشخصية في إثارة الغرائز والشهوات لدى الرجال، بالقدر الذي تثير حفيظة زوجها وغيرته، فتدفعه إلى مزيد من اليأس والانطواء. ومن ثم الانتحار.

وإذا كانت الرواية قد استندت في بناء شخصية "لمى" على ما تملكه من سلطة مادية، تقوم على جمال الوجه، والجسد، وما فيه من إثارة، فإنّها لم تسخر تلك الجاذبية المظهرية بالصورة الإيجابية، بوصفها قيمة إنسانية، بل جعلتها مصدراً لإثارة الرغبات والغرائز، وسلاحاً بيد الشخصية، تمارس من خلاله سلطتها المادية على الآخرين، مما يدفعها إلى المزيد من الابتذال والضياع والسقوط، وكذلك كان الحال بالنسبة لشخصية "مريم الصفّار" في رواية "البحث عن وليد مسعود".

 

وغالباً ما كان حضور الشخصية المنفِّرة حضوراً جزئياً وهذا ((يعني أن هذه الشخصية ليست الطرف القابل للشخصية الجاذبة، بل هي نقيض لها فحسب))( ). فأم صابر، وخضرة لهما حضورهما الروائي، ودورهما المحدّد، إلا أنهما ليستا شخصيتين محوريتين أو رئيستين، ولذا فهما لم تسهما بشكل واضح في تطور الصراع الروائي الذي يثيره ذلك التناقض والتعارض القائم بين الشخصيتين، المنفّرة والجاذبة، وقد اقتصر حضورهما على الدور المحدّد الذي أسند لكل منهما، ثم انسحبتا من الرواية. ويستثنى من ذلك شخصية "لمى عبد الغني" التي كان حضورها في الرواية حضوراً كليّاً، فهي إحدى الشخصيات الأساسية، وقد أسهمت في تطوّر حركة الصراع في الرواية، من خلال استعمالها لسلطتها المادية التي كان لها أبرز الأثر في دفع زوجها إلى الانتحار، وزيادة تناقضات عشيقها وقلقه، ومن ثم إخفاقها في حياتها، وتشتتها.

 

جـ-الشخصيّة التابعة:

((تتصف هذه الشخصية بالحاجة إلى التبعية والدوران في فلك شخصية جاذبة أو منفّرة، ومن ثم تفتقر إلى استقلالية الشخصية والموقف))( ). ومما يلفت نظر الدارس للرواية الفلسطينية أنّ عدد الشخصيات النسوية التابعة فيها قليل، ولاسيما كلّما ابتعد الروائي عن تقديم الشخصيات التقليدية السلبية، وهذا يعني أن أكثر الشخصيات التابعة تنتمي إلى الجيل التقليدي كأم عادل الكرمي في الثنائية، وأم عفاف في "مذكرات امرأة غير واقعية"، وفاطمة في "البكاء على صدر الحبيب"، ولكنّنا لا نعدم أيضاً، وجود بعض الشخصيات التابعة التي تنتمي إلى الجيل الجديد، مثل "وصال رؤوف" في "البحث عن وليد مسعود" ونوّار الكرمي في "الثنائية".

ويلاحظ أن الروائي لم يعتنِ بتقديم الشخصية التابعة التي تمثّل المرأة التقليدية السلبية، ولم يركّز على وصفها من الخارج أو الداخل، ولم يبرز دورها داخل السياق الروائي، منطلقاً في ذلك من كونها شخصية عابرة، دورها محدود، ولا تؤثر في سواها من الشخصيات الروائية.

 

ولعل أبرز الشخصيات التابعة التي تستوقفنا "وصال رؤوف" التي كانت تبعيتها لوليد مسعود، تبعيّة كليّة، إذا استمدت حضورها وصفاتها، من حضور وصفات الشخصية الجاذبة التي يمثلها "وليد مسعود"، فصارت تدور في فلكه، وترى ما يراه.

 

فعلى الرغم مما تتمتع به "وصال رؤوف" من مقوّمات فكرية واجتماعية وجمالية، تؤهّلها لتكون شخصية جاذبة تمتلك سلطة معنوية، جعلها الكاتب منجذبة، تابعة لشخصية "وليد مسعود" الذي أحبته بشغف، و((دارت في مداراته الذهنية، في مداراته( ) - النفسية والعاطفية)). وبذلك جسّدت "وصال رؤوف" الشخصية التابعة التي ترتبط بشخصية جاذبة، تستمد منها حيويتها وأفكارها ومواقفها، وتضيء من خلال هذه التبعية بعض الجوانب الغامضة في حياة الشخصية الجاذبة التي يمثّلها وليد مسعود ذلك الفلسطيني الغائب الحاضر.

 

ثانياً- المرأة والرمز:

اتجه بعض الروائيين الفلسطينيين إلى استعمال الرمز، ولم يكن ذلك ((إحساساً منهم بعدم قدرة اللغة على التعبير عمّا في نفوسهم، أو هرباً من الواقع إلى عالم غيبي مليء بالأوهام والأحلام، ولكن لأنهم عالجوا موضوعات واقعيّة حساسة، لم يكن بإمكانهم التعبير عنها بوضوح ومباشرة، إما لأن هذه الموضوعات تتعرّض للعقائد.... أو لأنها تتناول أوضاعاً سياسية قائمة لا يمكنهم معالجتها بوضوح... وأحياناً كانت وطأة الموضوع ثقيلة على النفس الإنسانية، مما جعل اللجوء إلى الرمز أقوى في التعبير عمّا في مكنونات هذه النفس من آلام وأحزان مصدرها هذا الواقع وتعاسته. لقد انتقلوا من الرمزية الأسلوبية إلى الرمزية الموضوعية "الواقعية" دون إلغاء العقل، والفهم السليم لحقائق حياتهم، لأنّهم في الأساس معنيون بفهمها، بغرض الوصول إلى الأفضل))( ).

 

ونظراً للصبغة الواقعية النضالية الملتزمة التي تميّز الرواية الفلسطينية عن سواها، بوصفها رواية موجهة إلى الجماهير الشعبية على الساحتين الفلسطينية والعربية، تخاطب عقولهم ووجدانهم، بقصد التوعية والتوجيه والتحريض، للنهوض، وتجاوز كل ما هو سلبي في الواقع، لم يلجأ هؤلاء الكتاب -ممن استعملوا الرمز- إلى الرمز الفني الذي يجنح إلى الإبهام والغموض، بل لجؤوا إلى استعمال الرمز الشفاف، القريب من الفهم والإدراك، الذي يثري المعنى، ويزيده وضوحاً.

ومن هنا فقد((تعامل الكتاب مع الرمز الجزئي المفرد في داخل بناء روائي غير رمزي، للتعبير عن فكرة أو موقف، وقد جاءت هذه الرموز في أغلبها سهلة الإدراك))( ).

 

ومن أبرز هؤلاء الكتّاب الذين استعملوا الرمز في أعمالهم الروائية، إميل حبيبي، إذ تتعدد الشخصيات النسائية الرامزة في رواياته، سواء اقتصر الرمز فيها على الأسماء فقط، أو تعداها ليستوعب الشخصية كلها. ((وإذا كان للرمز فضله في الحياة العامة، فإنّ من الطبيعي أنْ يلجأ إليه الأدب، حين يُكتبُ في ظل الاحتلال، ومع أن الرواية في الأرض المحتلة قد اختارت الاتجاه الواقعي لمسيرتها في محصلة إنتاجها، إلا أنْ هذا الاتجاه لم يحل بين الروايات واستخدام الرموز.... داخل إطارها الواقعي))( ).

*

ففي اللوحة الثالثة من"السداسية" نلتقي بشخصية"أم الروبابيكا" التي يمكن قراءتها على المستويين الواقعي والرمزي في آن معاً. فهي((أم واقعية لأنّها ترتبط بعلاقات محددة بطبيعة مهمتها في المجتمع. وهي أم رمزية، لأن الكاتب يمزج في صياغتها بين الواقع والرمز، ويجعل العلاقة بينهما علاقة تبادلية، فيصبح الرمز واقعاً، والواقع رمزاً))( ).

 

كانت"أم الروبيابيكا" قبل نكسة حزيران(1967)، وطوال عشرين عاماً أعقبت النكبة، رمزاً لصمود الإنسان الفلسطيني على أرضه، وتعلقه الصميمي بجذوره، وهويته، وتاريخه العريق، كما كانت رمزاً للأمم الفلسطينية المناضلة التي تحتضن أبناء فلسطين الأوفياء الذين عشقوا فلسطين، ووهبوها -ويهبونها- أعز ما يملكون عن طيب خاطر. وهي الأم الواقعية التي((تقدم... لابنها ما قدمته لأبنائها من قبل، فقد أوقفت له محامياً، وراحت تزوره... ولا تتوقّف الأم عند حدود"الخاص" بل تظل محافظة على"العام" الذي تجسده، فمع توحّد فلسطين، تكاثرت هموم"الأم" وشواغلها، وتكاثرت هموم "فلسطين -الأم" وهموم أبنائها الذين عادوا كالأشباح الهائمة بحثاً عن"أمهم"، عن ماضيهم: ذكرياتهم، بيوتهم، كنوزهم التي تركوها))( ).

 

وحين تتوحد فلسطين بشطريها تحت الاحتلال، بعد عام 1967، تلتقي"أم الروبابيكا" بأبناء فلسطين، بهؤلاء الأشباح الهائمة، الذين أتوا لزيارة أرضهم وبيوتهم، وهم((يتطلعون نحو الشرفات والنوافذ في صمت، وبعضهم يطرق الأبواب، ويسأل في أدب أن يدخل ليلقي نظرة، وليشرب جرعة ماء، ثم يمضي في صمت، فقد كان هذا بيته))( ).

((وهكذا يندمج الخاص بالعام، فتصبح"أم الروبابيكا" أم لكل عشّاق فلسطين، بل تصبح"فلسطين" ذاتها، فها هي توحدت مع عشاقها، وها هي تطالبهم بتخليصها من الأسر، وها هي تزوّدهم بكل ما يلزمهم في رحلة تجاوز العجز والهزيمة، في رحلة إثبات الذات))( ).

ويمنح إميل حبيبي، في مجمل رواياته، شخصياته النسائية، أسماء ذات دلالات رمزية. تنسجم مع طبيعتهن الشخصية ومواقفهن، ودورهن على الصعيدين الوطني والقومي، إذ نقف في رواية"أخطية" على بعض الأسماء التي تحمل دلالات ثرية، منها"سروة"((بما يوحيه اسم الشجرة من تعال، وخضرة دائمة، وقوّة على البقاء.. و"أخطية" بمفاهيمه الشعبية والدينية حول الخطيئة والحرام، وإن كانت دلالات الشخصية تأخذ أبعاداً أوسع في الرواية))( ). وهذا ما جعل شخصية أخطية((تبدو.. محيّرة في البداية، ولكن الرواية تقدّم لها مجموعة من المفاتيح التي تستطيع أن تقدّمها متكاملة، بالتدريج، وتستطيع بالتالي أن تكشف دلالاتها))( ). فهي ابنة احدى العائلات العريقة في حيفا، عائلة عبد الكريم، العائلة الوحيدة التي نجت من مذبحة حيفا القديمة، فعمّرت حيفا. وهي عائلة تنتمي إلى الطبقة الكادحة الأصلية، كانت جريئة في التعبير عن أفكارها ومواقفها، تمتلك القدرة على الفعل والتأثير على الآخرين( ).

 

وكانت أخطية الفتاة المدلّلة، التي يحبُّها الجميع((فمن منّا لا يتذكر أخطية، ولم يعشقها حتى التلف؟.... كانت أخطية في العاشرة من عمرها حين قفزت من شرفة بيتها، أو وقعت من الشرفة فوق صخرة من صخور الدرجات الصخرية.... اختفت.. حوالي السنة.. وفجأة عادت وظهرت، وهي تحمل طفلة بين يديها، وسحابة من حزن في عينيها))( ).

اخطية، إذاً، هي أحد معالم حيفا البارزة، بل هي حيفا وأهلها، وهي فلسطين ذلك الجسد الممزّق المغتصب الذي التقاه عبد الكريم، شقيق"اخطية" عام 1985 بعد غياب نصف قرن. كما التقى اخطية التي كانت وقعتها أو قفزتها عام 1935، حين نسحب الزمن. فهل كانت تلك"القفزة" هي ثورة عز الدين القسّام التي تشكّلت في حيفا قبل أن تتفجر وتذوي بسرعة في أحراش يعبد؟ وهل كانت الطفلة التي حملتها... هي ثورة 1936؟ أم أن كل شيء كان مرتبطاً بخشخشة الانتداب، وعواء ثعالب الهجرة اليهودية المكثّفة إلى حيفا، إلى فلسطين))( ).

ولا تلبث الرواية أن تكشف في نهايتها أنّ"اخطية" تمثل ذلك الجزء الواعي من الشعب الفلسطيني الذي بقي على أرضه، وصمد في وجه الاحتلالين الأول والثاني، وقد امتلك الإرادة القوية، والفكر المتفتح، والوعي الثوري، ولذا استطاع أن يواجه شتى أساليب الاضطهاد والقمع والتمييز، وبقي متشبثاً بجذوره، وبأرضه، وبعروبته، وهويته الوطنية.

*

وإذا كان"إميل حبيبي" قد قدّم في روايته المدهشة"اخطية" الشخصية التي لا يمكن قراءتها إلا على المستوى الرمزي المتعدّد الدلالات، فإن كنفاني في"أم سعد" قدّم شخصية"أم سعد" الواقعية، وحمّلها بعض الدلالات الرمزية الواضحة التي يمكن الوقوف عليها، من خلال ما يخلعه عليها من صفات الأرض وأشيائها، ومن خصائص البيئة الريفية الفلسطينية. مما يضفي عليها مسحة من الجلال والطهارة والأصالة والعنفوان. مستعملاً في ذلك ريشة الفنان المبدع الذي يعرف كيف يختار أدواته، ويشكّل منها لوحة فنية ثرية بمعانيها ودلالاتها وإيحاءاتها.

 

وتتضح ملامح"أم سعد" من خلال مجموعة من الصور الجزئية الحسيّة، لتتضافر فيما بينها، وتشكل لوحة فنية متكاملة، لتلك المرأة -الأم التي ترمز إلى الأرض الفلسطينية، حيث عجن الكاتب جسدها بهذه الأرض، وطبعه بملامحها، وفجّر فيه ينابيع من نور ونار، ليصبح مؤهلاً لحمل شعلة النضال، ودفع الجماهير الشعبية إلى النهوض والتحرير, وتتجاوز"أم سعد" أمومتها الحقيقية لتصبحَ رمزاً للجماهير الشعبية المسحوقة التي اكتوت بنار الهزيمة، ونهضت من رقادها الطويل لتتحرر من عجزها، وقد جسّد كنفاني ذلك، وكثّفه من خلال المشهد الذي يعرض ظهورها في افتتاحية الرواية: ((وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت والأسى،  مثل شيء ينبثق من رحم الأرض..))( ) فالمفردات(الفراغ، الصمت، الأسى) لخّصت واقع الهزيمة، ولكن"أم سعد" لا تلبث أن تتوّحد بالأرض، لتبدد ظلمات الواقع، وتولد من جديد((نبتة فلسطينية، تضرب جذورها في عمق الأرض))( )، حاملة نبض الحياة، وهي ترنو إلى المستقبل بعيون تمور بالثقة والأمل.

 

ولدت أم سعد، إذاً، من رحم الأرض، وحملت معها خصائص تلك الأرض وملامحها: "جبينها الذي له لون التراب"( )وجهها، ساعدها، دموعها، شامتها.... كل ذلك يستمد قيمته من الأرض التي تناضل من أجلها، وبذلك((تتجاوز المرأة حجمها المألوف، فتصبح قدرة مطلقة حين تتحول إلى رمز... وفي هذه الحالة، وعندما تقارن بالأرض، تحمل نفحة من الكونية تخرج بها عن العادي))( )((فتبدو أمام الباب المفتوح. عملاقاً يدخل مع ضوء الشمس))( ) بوجه ضبابي الملامح.

 

لقد احتفى الروائي الفلسطيني بالمرأة في رواياته، احتفاءً كبيراً، وحين أراد أن يحمّلها بعض الدلالات الرمزية التي تقتضيها الضرورة الفنية، أو الموقف الفكري، أو السياسي، رأينا كيف وحّد بين المرأة والأرض: بين الأم- وفلسطين" وفلسطين- الأم، ((فإذا كانت "الأم"(أم سعد.. أم حسن، أم الروبابيكا....) هي دائماً ضحية معذبة، لم تعرف الفرح، فكذلك الأرض الفلسطينية لم تعرف الفرح منذ غادرها عشاقها، أوغادرتهم سليبة في أيدي الغزاة، فاالأم الفلسطينية تعاني والأرض تعاني، وتوحد المعاناة بين الأم والأرض... فالأوصاف التي يضفيها الكتاب على(الأم) -من خلال الصياغة الملحمية(أم سعد) -تؤكد أن الأم هي فلسطين، وأن فلسطين هي الأم))( ).

 

مما تقدم، يمكن القول: إنّه لدى وقوفنا على طريقة تقديم الروائي لشخصياته النسوية، تبين لنا أن كثيراً ما يحاول أن يوفق بين المقياسين الكمي والنوعي ويوازي بينهما، فهو يبث المعلومات حول الشخصية، وينّوع في مصادرها، ولا سيما أثناء تقديمه لشخصية المرأة الكادحة(أم سعد، سعدية، أم حسن)، ولكن ذلك لا يطرد في تقديمه لشخصية المرأة الثورية المثقفة، إذ يهمل المقياس الكمي، فتجيء المعلومات قليلة حول الشخصية، مما يضعف التدرج في تحديد ملامحها وصفاتها. بينما يعنى في المقابل، بالتحول الذي يصيب الشخصية، ولكنه تحول غير مقنع بصورة كافية، لأنّ القارئ لم يقف عليه، أو على الأسباب التي أدت إليه، فكثيراً ما يتجاوز الكاتب، مرحلة أو مراحل زمنية هامة من حياة الشخصية، ليعود، فيما بعد، عبر استذكاراتها الخاطفة، والمتأخرة التي تأتي في السياق الروائي، إلى ماضيها، ليضيء جانباً من شخصيتها. ويبرز بعض العوامل التي أدت إلى هذا التحول: "سعدية، زينب". ولعل السبب الأهم في عدم وضوح مبدأ التحول، يعود إلى أن معظم الشخصيات النسوية، ولا سيما الثورية، جاءت ناجزة منذ البداية. (فجر، لينة، نهاد، ندى....).

 

وتبيّن أيضاً أن الروائيين كثيراً ما يطرحون شخصياتهم، ثم يبدؤون بإعطاء المعلومات المتفرقة عنها، وفي الوقت نفسه، لا يكثرون من عدد الشخصيات، مما يعني أنهم يفضلون البنية الروائية البسيطة. وهنا يمكن القول إن كثرة الشخصيات في الرواية لا يعني بالضرورة تعقد بنيتها، فكثيراً ما تكون هناك شخصيات، لا تقوم بوظيفة واضحة أو محددة. فلا يؤدي وجودها إلى إقامة علاقات مع سواها من الشخصيات الروائية، ومن ثم لا تسهم في حركة الحدث الروائي.

 

ولدى الانتقال إلى تحليل الاسم الشخصي، تبيّن أنّ غالبية الروائيين يختارون الأسماء المعبّرة والدالة لتحديد شخصياتهم وتخصيصها، فيجيء، الاسم منسجماً مع المسمى(ندى، سعدية، حلوة، أم الروبابيكا...) وهم يختارون أسماء شخصياتهم من مصدرين: تقليدي، ومعاصر، وهذا يدل على رغبتهم في التنويع. كما أنهم يعمدون إلى الاكتفاء بذكر الكنية أو الاسم المفرد، وربما يعود السبب في ذلك إلى رغبتهم في تجنب الإحراج، فيما لو حصل تطابق بين اسم الشخصية، واسم حقيقي في الواقع الخارجي. ولكن هناك من يعمد إلى ذكر الأسماء كاملة بغية الإيهام بواقعيتها، كما هو الحال لدى(جبرا إبراهيم جبرا).

وتبيّن أيضاً. أنّ هناك ارتباطاً بين الاسم الشخصي، ونوعية المعلومات المقدّمة عنه. فإذا كانت الشخصية طيبة الذكر، حسنة الصورة والسلوك، جاء اسمها منسجماً مع صفاتها(شهد، نوار، ندى، سعدية، فجر) والعكس صحيح(خضرة، سنيورة...).

 

فإذا ما انتهى الروائي من تقديم الشخصية وتسميتها وتحديدها، لجأ إلى تصنيفها ليحدد طبيعة دورها، ومهمتها في حركة الحدث الروائي، وعلاقاتها مع الشخصيات الأخرى، من خلال ما ينشأ بينها وبين هذه الشخصيات، من انسجام وتجاذب، أو تنافر وتناقص، أو تبعية. واتضح لنا أن الشخصية الجاذبة، تحتل المكانة الأولى في الرواية الفلسطينية، تبعاً لتعدد صورها، وتنّوع فاعليتها، ومدى حضورها. أما مصدر جاذبيتها فهو وعيها السياسي والاجتماعي، ونضجها الفكري، إضافة إلى حسن سلوكها وأخلاقها، وهذا يعني أن الروائي يركّز على الجوهر، دون المظهر، في معظم الأحيان.

 

أما الشخصية المنفّرة، فكان حضورها باهتاً، وجاءت بدافع حرص الكاتب على توافر عنصر الصراع الروائي، من جهة، وإبراز التناقضات، وبعض الجوانب السلبية في المجتمع من جهة ثانية. وقد غلب على حضوها الصفة الجزئية، فكانت تؤّدي دورها وتنسحب، ولكن، لم نعدم وجود بعض الشخصيات المنفرة ذات الحضور الكلي.

ويأتي الانتقال إلى الشخصية التابعة ليكشف أن معظم الروائيين الفلسطينيين لم يعنوا بتقديم هذه الشخصية، وتحديد ملامحها، وتوضيح عالمها. بل اكتفوا بتسميتها، من غير أن يوكلوا إليها مهمّة محددة. ولكن، لا نعدم، أيضاً، وجود بعض الشخصيات التابعة ذات الحضور الواضح والمميّز، والوظيفة المحدّدة، كما هو الحال في شخصيتي"نوار الكرمي" و"وصال رؤوف".

 

ولدى دراستنا للمرأة والرمز وجدنا أن الروائيين الفلسطينيين لم يعمدوا إلى استعمال الرمز(الفني) الكلي أو الجزئي المبهم والغامض، لأن ذلك يتنافى مع الدور النضالي للرواية الفلسطينية.

 

وقد كان الرمز عندهم أداة تعبيرية يلجؤون إليه حين تدفعهم الضرورة الفكرية أو الفنية إلى ذلك. إذ يغدو الرمز حينئذٍ أقدر على الإيحاء والتعبير، وإيصال الفكرة إلى الملتقى، بفضل ما ينطوي عليه من ثراء وخصوبة. وقد لمسنا براعة بعض الروائيين في استعمال الرمز(غسّان، إميل) حين جسّدوه في بعض الشخصيات، مراعين في ذلك، أيضاً، المستوى الواقعي لها -باستثناء اخطية- جاعلين المرأة - الأم رمزاً للوطن، وللأرض -فلسطين بكل ما يحمله هذا الرمز من معنى وإيحاء.

وإذا كنّا قد وقفنا على تحليل بناء الشخصية الروائية، فهناك مكوِّنات روائية أخرى ذات علاقة وثيقة بالشخصية، تفيد في تحديد طبيعة حركتها في الرواية، وتجسيدها وكشف عالمها، وإبراز صورتها، وهي: المكان والزمان، والسرد...

 

 

 

 

الفصل الثاني المكان والزمان

تمهيد

يشكّل كلِّ من المكان والزمان الروائيين أحد المكونات الأساسية في بناء الرواية. فهما يدخلان في((علاقات متعدّدة مع المكونات الحكائية الأخرى للسرد، كالشخصيات والأحداث والرؤيات السردية))( ). ويوصف المكان الروائي عادة- وهو مكان محدد في كثيرٍ من الأحيان- بأنّه مسرح الأحداث، أو الحيّز الذي تتحرّك فيه الشخصيات، أو تقيم فيه، فتنشأ بذلك علاقة متبادلة، بين الشخصية والمكان، وهي علاقة ضرورية، لتمنح العمل الروائي خصوصيته، وطابعه، ومن ثمّ ليكتسب المكان صفاته ومعناه ودلالته.

أمّا الزمان الروائي، فهو يتجلى في عناصر الرواية كافّة، وتظهر آثاره واضحة، على ملامح الشخصيات وطبائعها وسلوكها، فالأحداث التي يسردها الكاتب، والشخصيات الروائية التي يجسدها، كلُّها تتحرّك في زمن محدّد يُقاس بالساعات وبالأيام والشهور والسنين. وهذا يعني أنّه زمن تصاعدي. إذ يفترض أنْ يجري عرض الأحداث وفق تسلسلها الزمني المنطقي الطبيعي.

 

((على أنّ استجابة الرواية لهذا التتابع الطبيعي في عرض الأحداث، حالة افتراضية أكثر مما هي واقعية، لأن تلك المتواليات(الحكائية)، قد تبتعد كثيراً أو قليلاً عن المجرى الخطّي للسرد، فهي تعود إلى الوراء لتسترجع أحداثاً تكون قد حصلت في الماضي. أو على العكس من ذلك تقفز إلى الأمام لتستشرف ما هو آت، أو متوقّع من الأحداث. وفي كلتا الحالتين نكون إزاء مفارقة زمنية، توقف استرسال الحكي المتنامي، وتفسح المجال أمام نوع من الذهاب والإياب على محور السرد، انطلاقاً من النقطة التي وصلتها القصّة. وهكذا فتارة نكون إزاء سرد استذكاري... وتارة أخرى نكون إزاء سرد استشرافي))( ).

وعلى الرغم من صعوبة الفصل بين المكان والزمان لما بينهما من تداخل وتواشج، ولما في فصلهما من عسف وافتعال، سنحاول دراسة كل منهما على حدة. بغية الوقوف على مظاهر وصف المكان الذي يحتضن الشخصية الروائية النسوية، ودوره في تحديد معالمها، وعلاقة كل منها بالآخر فنيّاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى دراسة الزمان.

 

أولاً أهميّة المكان في بناء الشخصية:

لعب المكان في الرواية الفلسطينية دوراً وظيفياً واضحاً لدى معظم الكتاب. أمثال غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وجبرا إبراهيم جبرا. وشغل حيزا بارزا في رواياتهم، وفي تفكير العديد من الشخصيات الروائية واهتمامها. واتخذ معاني  ودلالات ورموزاً متنوعة، ارتبطت بمراحل الصراع العربي الصهيوني، والزمن الفلسطيني في صعوده وهبوطه.

 

وكان مسرح الأحداث الروائية في كثير من الأحيان يجري على أرض فلسطين(1948- 1967) بمدنها وقراها وشوارعها وأحيائها وبيوتها. وأحياناً في مخيمات الداخل، أو الشتات، ويستطيع دارس الرواية الفلسطينية أنْ يقف على ذلك كله، من خلال التحليل الدلالي للمكان، ولكن هذا التحليل لا يعنينا في هذا المجال، إلا بالقدر الذي يوضّح العلاقة بين المكان والشخصية.

 

ولعل أول ما يلاحظ الدارس للرواية الفلسطينية، أن هناك تفاوتاً واضحاً لدى الروائيين في العناية بوصف المكان وأبعاده، وتتبع جزئياته، وتوظيفه فنياً بحيث يندمج مع سائر العناصر الروائية، وهذا يعني أنهم ليسوا على سويّة واحدة، في التوظيف الفني للمكان، وإن كانوا جميعاً متّفقين على أهميته، ومشدودين إليه بكل حواسهم، لأنّه جزء من وجود الإنسان وكيانه.

 

وقد حرص الروائي على تقديم شخصياته، وهي تتحرك في وسط اجتماعي معيّن، تبدو فيه خصوصية المكان والزمان. وعمل((... أثناء تشكيله للفضاء المكاني الذي ستجري فيه الأحداث،... على أن يكون بناؤه منسجماً مع مزاج وطبائع شخصياته، وأن لا يتضمن أية مفارقة، وذلك لأنّه من اللازم أنْ يكون هناك تأثير متبادل بين الشخصية والمكان الذي تعيش فيه، أو البيئة التي تحيط بها، بحيث يصبح بإمكان بنية الفضاء الروائي أن تكشف لنا عن الحالة الشعورية التي تعيشها الشخصية، بل وقد تساهم في التحولات الداخلية التي تطرأ عليها))( ).

 

وهذا ما جعل بعض النقّاد يعطي للشخصية أهميّة كبرى في تشكيل المكان المحيط بها، وجعل بعضهم الآخر يذهب إلى حدِّ المطابقة بين الشخصية والمكان، وتحديداً مكان الإقامة، فيرى أنّ بيت الإنسان هو صورة عنه، وهذا يعني أنّ((المكان يكتسب صفة المجاز المرسل أي الساكن هو المسكن. فمن هنا تأتي وظيفة الوصف التفسيرية))( ).

وهنا يمكن الوقوف على بعض الأمثلة التي تظهر العلاقة التبادلية بين المكان والشخصية، ودور الوصف في تشكيل صورة المكان، وبنائه فنياً.

*

ففي رواية"أم سعد" يقدّم كنفاني شخصيّة بطلته"أم سعد" وهي تتحرك في فضاء المخيّم، الواقع في إحدى ضواحي بيروت. متنقّلة بين المخيم وبيت الراوي، خارج المخيم. وقد اعتادت أنْ تتردد إليه في أوقات محددّة. ويدور جانب كبير من أحداث الرواية في هذا الحيّز المكاني... أمّا البعد المكاني الآخر الذي تجري فيه بقية الأحداث، فينشأ  من خلال استرجاع أم سعد لذكريات الماضي في فلسطين عام 1936. وفلسطين الواقع الروائي عام 1967.

ويجيء المشهد الأول في الرواية ليمّثل الخلفيّة المكانية التي تضفي على الشخصية حضوراً متميزاً كثيفاً وذا معنى. يقول الراوي: ((وفجأة رأيتها قادمة من رأس الطريق المحاط بأشجار الزيتون. وبدت أمام تلك الخلفية من الفراغ والصمت.... مثل شيء ينبثق من رحم الأرض))( ).

 

ومن خلال تتابع بعض المقاطع الوصفية لفضاء المكان(المخيم)، وما يشمله من أماكن فرعية، كوصف الدروب الضيقة، وبيوت الصفيح والطين الواطئة، وكذلك وصف بيت"أم سعد" الذي يتألف من((غرفة مشطورة من النصف بحائط من التنك))( )، يتضح الواقع الاجتماعي البائس، والظروف الصعبة التي تعيشها تلك المرأة مع أبناء شعبها، وهذا ما يدفعها إلى بذل المزيد من الجهد والتضحية لتجاوز هذا الواقع. ولا تلبث تلك الصورة البائسة لفضاء المخيّم أنْ تتبدّد بفعل الحركة الناهضة لأم سعد، ولأبناء المخيّم، عقب النكسة، إذ تحوّلت مخيمات اللجوء والتشّرد إلى معسكرات للتدريب وقواعد للفدائيين، تمثّلت في تلك الخيمة الجديدة، التي تعقد"أم سعد" عليها كل الآمال، والرجاء، وتنظر إليها بإعجاب وإجلال، بعد أن انتظرت عشرين عاماً، وبذلت الكثير، وأعطت بسخاء، لترفع بنيانها، وترسّخ دعائمها في نفوس أبنائها، وأبناء الوطن.

*

وإذا كان كنفاني قد رسم صورة للمخيم في مرحلة نهوضه وتحوّله، وأثر ذلك على نفوس شخصياته، ولا سيما"أم سعد". فإن يحيى يخلف في"نشيد الحياة" يسلّط الضوء، أيضاً، على فضاء"مخيم الدامور" الذي تجري فيه أحداث الرواية، فيبدأ برسم الخطوط العريضة لفضاء المخيم، ليصور حالة القلق والانتظار التي يعيشها مجتمع الرواية، قبيل الغزو الصهيوني للبنان، وأثناءه، ومن ثم يسلط الضوء على وصف مكان محدد، هو منزل سنيورة، ليبرز من وراء ذلك، أثر التحوّل الإيجابي الذي طرأ على نفسيتها بعد أن أحبّت الفدائي"أحمد شرقاوي" وقد انعكس ذلك على صورة المكان المرتبط بالشخصية، إذ عمد الكاتب إلى تقديم صورتين متقابلتين متناقضتين لغرفة سنيورة، استطاع توظيفهما فنياً بصورة موحية ومعبرة. فجاءت الأولى لتعبر عن الشعور بالضياع والخواء والعطالة: ((أضاءت الغرفة. سطع الضوء كاشفاً عن فوضى في السرير، وفوق الطاولة. كانت الثياب والأغطية تتكوم هنا وهناك))( ). وجاءت الصورة الثانية لتبرز أثر التحّول الإيجابي في سلوك سنيورة ونفسيتها وتصرفاتها.

((دخل"أحمد شرقاوي" إلى الغرفة التي بدت اليوم نظيفة وأنيقة، وشديدة الترتيب... ثمة تغييرات حدثت على الجدران. خارطة فلسطين مطرّزة باليد، وصورة قديمة ذات إطار قديم، لابّد أنها كانت تحتفظ بها داخل الخزانة... ولابد أنه أبوها... وصورة أخرى لزرافة طويلة العنق، وفراشات تفرد أجنحتها، وزهور النرجس والقرنفل... وفوق الوسائد كانت تنشر مطرّزاتها. وفوق السرير كانت تنشر شرشف حرير. وعلى الطاولة الصغيرة كانت تنشر شغل سنارتها... ها هي السنيورة مفعمة بالطيبة، وتفوح منها رائحة الإنسان))( ).

 

من الواضح أن الكاتب قد جعل التغيير الذي لحق بالمكان، وما طرأ عليه من تحسينات ولمسات إنسانية، يأتي انعكاساً مباشراً للتغيير الإيجابي الذي أصاب الشخصية من الداخل.

 

فجاء الوصف التفصيلي لملامح المكان، وهو وصف موضوعي، جاء على لسان الراوي، ليفّسر هذا التحوّل، ويكشف عن جانب إنساني غامض من جوانب شخصية سنيورة، وليمنح القارئ انطباعاً عن أثر ذلك التطّور اللافت في سلوكها وطباعها، ويوحي في الوقت نفسه، بما سيكون له من تأثير على مسار حياتها في الأيام القادمة.

وإذا كان((تقديم الأمكنة في الرواية يأتي مرتبطاً بتقديم الشخصيّات، فإنّ هذه الأخيرة لا تخضع كليّاً للمكان بل العكس هو الذي سيحصل. إذ أنّ الأماكن في هذه الحالة هي التي سيوكل إليها مساعدتنا على"فهم" الشخصية))( ).

*

وهذا ما يمكن أنْ نتمثله في تقديم"سحر خليفة" لبيت "أم صابر" في "عبّاد الشمس" إذ تُسهم صورة البيت في الكشف عن طباع هذه الشخصية الشعبية البسيطة، ومستوى تفكيرها، وطبيعة سلوكها. نقرأ ما جاء على لسان الراوي، وهو يرصد صفات هذا البيت، وما تنم عنه من فوضى وقذارة: ((دفع الباب الخشبي بيده. صرّ الباب بنزق. ودخلوا باحة صغيرة مبلّطة بالحجارة القديمة. أمام الأدراج أقعى سطل زبالة، يسيل منه ماء أسود بلون القزحة. وإلى يمين السطل جلست طفلة في الرابعة على الأرض القذرة، ممسكة بخرقة لا لون لها. تعمر الخرقة في قناة يركد فيها الماء. ماءٌ قذر على وجهه قشطة صابون.... ارتقوا الأدراج، ووقفوا أمام الباب المعلق في أعلى الدرج... وهناك بين ضروب العفش المختلفة. كان يتمددُ أبو صابر على سرير من الصاج. كان غارقاً تحت تلال من الأغطية))( ).

لا شك أنّ وصف الراوي لهذا البيت الشعبي، الذي تخترقه الشخصيات(عادل، وباسل وزهدي) بصورة تدريجية، دلت على ذلك الجمل:(دفع الباب، دخلوا باحة صغيرة، ... ارتقوا الأدراج. وقفوا أمام الباب...) لم يكن مقصوداً لذاته، ولم يكن من أجل غاية تزيينية أو جمالية، وإنمّا جاء الوصف ليكشف بصورة غير مباشرة بعض جوانب شخصية ربة البيت(أم صابر). فوصف البيت هنا يحيل إلى ساكنيه، وإلى الوضع الاجتماعي البائس الذي تعيشهُ الأسرة.

 

وقد كشفت صورة البيت عن مدى جهل"أم صابر" وإهمالها، بوصفها المسؤولة المباشرة عن العناية بشؤون بيتها، وترتيبه ونظافته، ورعاية أولادها وزوجها. وجاء وصف الطفلة على تلك الهيئة الزرية، مكملاً لصورة البيت... وقد اكتفت الكاتبة بما توحيه هذه الصورة، من جوانب دالة على حياة هذه الشخصية(أم صابر) وطباعها.

*

وغالباً ما تتعدّد الأمكنة التي تتنقل الشخصية فيما بينها في الرواية، ويكون ذلك مترافقاً مع تطور حركة الأحداث، ومؤشّراً، أيضاً، على حيوية الشخصية وفاعليتها. ومن الطبيعي أن يتبع هذا التنقل تنوع في الدلالات المكانية تبعاً لتنوع تلك الأحداث.

وهذا ما نقف عليه في رواية"بوصلة من أجل عبّاد الشمس". إذ تتعدد الأمكنة التي تتحرّك فيها"جنان"، فنجدها تتنقل في عمان، من جبل الحسين، إلى جبل النزهة، فالأحراش، فمراكز الإسعاف. ثم تنتقل من عمّان إلى بيروت، فمخيم صبرا وشاتيلا، فمراكز الرعاية الصحيّة، وبعض الجمعيات الاجتماعية النسوية، كل ذلك مرتبط بطبيعة عملها النضالي، وتعدد نشاطاتها الاجتماعية والتعليمية والصحية.

وننتهي إلى القول، إنّ للمكان أهمية كبرى في الكشف عن الكثير من جوانب الشخصية التي تقيم فيه. لأنّ هناك تأثيراً متبادلاً بين الطرفين، فكل ما في البيت يكتسب دلالته ومعناه من خلال ارتباطه بالإنسان الذي يقيم فيه. وهذا يعني أن((ظهور الشخصيات، ونمو الأحداث التي تساهم فيها، هو ما يساعد على تشكيل البناء المكاني في النص. فالمكان لا يتشكل إلا باختراق الأبطال له، وليس هناك بالنتيجة أي مكان محدد مسبقاً، وإنما تتشكل الأمكنة من خلال الأحداث التي يقوم بها الأبطال، ومن المميزات التي تخصهم))( ). وبذلك يمكن الوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط الإنسان بالمكان الذي يقيم فيه، ومقدار ذلك الانسجام أو التنافر بين صورة المكان وساكنه، لأن الإنسان هو الذي يحدد سمات هذا المكان، تبعاً لظروفه المعيشية، ولطبيعة تكوينه النفسي والاجتماعي والفكري.

 

ثانياً: أهمية الزمان في بناء الشخصية:

((وإذا كان"المكان" من خصائص الأبعاد المادية للحياة الإنسانية في العمل الأدبي(الروائي) فإن الزمان هو الحياة نفسها، أو هو الوعي بالحياة. ومن ثمة أمكن أن يقال: إن المكان هو"عالم الثوابت" بينما يندرج الزمان في عالم المتغيرات))( ). ويتمثل الزمن في العمل الروائي، بوعي الشخصيات به، وبحركة الأحداث وتطورها، كما يتمثل أيضاً، بالسرد الذي يجسّد تلك الأحداث.

((إن بناء الرواية يقوم من الناحية الزمنية على مفارقة تؤكّد طبيعة الزمن الروائي التخييلية. فمنذ كتابة أول كلمة يكون كل شيء قد انقضى. ويعلم القاص نهاية القصة. فالراوي يحكي أحداثاً انقضت، ولكن بالرغم من هذا الانقضاء، فإنّ الماضي يمثّل الحاضر الروائي. أي أن الماضي الروائي(استخدام الفعل الماضي في القص) له حقيقة الحضور... ولا شك أن هذا الاهتمام بالحاضر جاء نتيجة لاهتمام الروائي بحياة الشخصية الروائية النفسية، أكثر من حياتها الخارجية... ولمّا كان لابد للرواية من نقطة انطلاق تبدأ منها، فإن الروائي يختار نقطة البداية التي تحدد حاضره، وتضع بقية الأحداث على خط الزمن من ماضي ومستقبل، وبعدها يستطرد النص في اتجاه واحد في الكتابة غير أنه يتذبذب، ويتأرجح في الزمن بين الحاضر والماضي والمستقبل))( ).

 

ولقد وعى الروائيون الفلسطينيون الأهمية الكبيرة للزمن، ولدوره في العمل الروائي، وفي بناء الشخصية الروائية، وتأثيره في حياتها، وفي حركة الأحداث. فانطلقوا في تعاملهم معه من خصوصية الواقع الفلسطيني الحافل بالأحداث والتطورات والتحولات، فجسدوا ذلك برؤية فنية تتسم بالصدق والواقعية. وحرصوا على تحديد الزمن الخارجي للحدث الروائي الذي يُراد تجسيده في رواياتهم أو اتخاذه إطاراً لها، لارتباطه الوثيق بالزمن التاريخي للقضية. هذا، ((الزمن الذي يمثّل المقابل الخارجي الذي يسقطون عليه عالمهم التخييلي))( ).

 

واستعملوا في تحديد الزمن المقاييس الموضوعية المعروفة، كالسنة والشهر واليوم والساعة والصباح والمساء... وكثيراً ما حرصوا على وضع علامات، أو قرائن تشير إلى تواريخ محددة، أو أحداث معروفة، سواء في بداية الرواية، أو في سياقها، لتدل على بداية الحدث الروائي وزمنه التاريخي بوضوح. وغالباً ما يصرّح الروائي بالزمن الذي ينطلق منه الحدث الروائي في بداية الرواية، كما فعل كنفاني في"أم سعد"، ورشاد أبو ساور في"الرب لم يسترح في اليوم السابع".

وقد يشير إلى ذلك بصورة ضمنية، فيبث بعض المعلومات أو الإشارات الزمنية في سياق الرواية، تمكّن القارئ من معرفة الحاضر الروائي كما هو الحال في"الصبّار"، إذ يبدأ الحدث الروائي بعودة أسامة الكرمي، بعد غياب دام خمس سنين عن الضفة، منذ أن احتلت عام 1967. وكما هو الحال أيضاً في رواية"نشيد الحياة" وغيرهما من الروايات التي تمّت الإشارة في الفصول السابقة، إلى زمن  الحدث، الذي تنطلق منه غالبية تلك الروايات التي شملها البحث.

((إنّ الهدف الجمالي، من التحديد الدقيق للزمن الطبيعي داخل الرواية، هو تحديد اتجاه القراءة لدى القارئ، ليفهم الحوادث، ويفسّر الرموز، والدلالات في ضوء هذا الاتجاه))( ).

 

ويمكن للباحث أنْ يميّز نوعين للزمن في الرواية:

الأول: الزمن النفسي، ويسمّى أيضاً الزمن الداخلي أو الشخصي أو الذاتي. وهذا الزمن يرتبط بالشخصيات ارتباطاً وثيقاً، ويدخل في نسيج حياتها الداخلية، ويتلوّن بتلوّن حالتها النفسية والشعورية، فيطول أو يقصر تبعاً لتلك الحالة( ). ويتجلى الزمن النفسي في تداعيات الشخصية، وذكرياتها ومنولوجاتها الداخلية، وتيارات وعيها، وربّما برز في أحاديثها المباشرة أحياناً. وليس لهذا الزمن مقاييس ثابتة أو محدّدة منطقياً، ولكن يمكن للباحث أن يتبيّن طبيعته من خلال اللغة التي تجسّد العالم الداخلي للشخصية، حين((يحلّل حركتي الزمن السردي في علاقتهما بنظام توالي الحوادث))( ).

أمّا الثاني: فهو الزمن الطبيعي، أو الزمن الخارجي الذي يشكل الدعائم الأساسية أو الخطوط العريضة التي تبنى عليها الرواية. ومقاييس هذا الزمن((مستمدة من الزمن الطبيعي الخارجي، ولكنّها غير متطابقة معها على الرغم من أنها تحمل أسماءها))( ).

وللوقوف على العلاقة التي تربط الزمن بالشخصية الروائية، والطريقة التي جسّد فيها الروائي إحساس الشخصية بمرور الزمن، لابدّ من دراسة الزمن النفسي الذي يرتبط مباشرة بالشخصية التي تعطيه صفاته ومعناه ودلالته. ومن ثم الانتقال إلى تحليل حركتي الزمن السردي، المتمثلين في تقنيتي الاسترجاع والاستشراف، انطلاقاً من أن السرد هو المجسّد للزمن وللشخصيات وللحوادث.

 

1- الزمن النفسي:

للتعبير عن هذا البعد الزمني(الذاتي) المرتبط أشد الارتباط بالحياة الداخلية للشخصيات، استحدث الروائيون((أساليب جديدة في تجسيد الزمن في التجربة أو الخبرة، هذا الزمن الذاتي.. الذي لا يخضع لمعايير خارجية، أو لمقاييس موضوعية، فلجؤوا إلى المنولوج الداخلي، وتداخل عناصر الصور، والرموز والاستعارة لتصوير الذات في تفاعلها مع الزمن.. وهذا البعد الزمني مرتبط في الحقيقة بالشخصية لا بالزمن))( ).

يلعب الزمن في رواية"ماتبقى لكم" دوراً هاماً وأساسياً فيها، فهو يمثّل إحدى الشخصيات الرئيسية، وتشير إليه أداته، ساعة الحائط التي ترصد دقاتها الرتيبة القاسية، حياة أولئك الذين يعيشون، في مستنقع العجز والانتظار الذي دام ستة عشر عاماً بعد النكبة. فالزمن التاريخي بالنسبة للشخصيات(مريم، حامد، زكريا) واحد. على حين نجد الزمن النفسي ليس كذلك، إذ يبلغ الإحساس بالزمن الثقيل ذروته لدى"مريم". فتتحوّل دقات الساعة في حالة الضياع والقلق والانتظار الممض، إلى دقات مخنوقة تدق في رأسها باعثة فيها الشعور باليأس والمرارة، معلنة عن موتها البطيء، وهي تتحوّل مع دقاتها إلى عانس، وقد بلغت من العمر خمسة وثلاثين عاماً.

مؤذنة في الوقت نفسه عن سقوطها وتخبّطها في مستنقع زكريا(النتن)، مع كلّ دقّة من دقاتها الباردة الميتة. ولا يلبث هذا الزمن المقيت أن يؤذن بالمغيب، بعد أو وضع الإنسان الفلسطيني(حامد، ومريم) حداً لكساحه وعجزه، وقطع صلته بالماضي الذليل، واستطاع أن يواجه عدّوه وجهاً لوجه.

*

وإذا كان الإحساس بتسّرب سني العمر، قد دفع مريم إلى السقوط في أحضان أول رجل دقّ بابها خلسة، فإن"نوار" و"رفيف" في"عبّاد الشمس" يساورهما الشعور بالقلق والخوف، أيضاً، من مرور الزمن، بعد أن بدأ يترك بصماته على كل منهما. فها هي"نوار" تتراجع عن وعدها الذي قطعته على نفسها بانتظار حبيب العمر(صالح)، وتشعر أن الزمان بات خصماً عنيداً لها، وقد تجاوزت الخامسة والعشرين. ((تمعّنت نّوار في وجه محدثتها(سعدية) الذي مازال شاباً رغم همومه، لكن أثار الزمن بدأت تترك بصماتها عليه. وفكّرت بخوف. بعد عشرة أعوام يصبح وجهي كهذا، وسأنتظر بدل العشرة عشرات.. يا إلهي..))( )، وهاهي تصرّح: ((ما عدت أحتمل هذا الجو. أريد الهرب. وعد قطعته على نفسي أن أنتظر. كان للانتظار معنى. وكان صالح أمنية. أصبح الانتظار سجناً، والسجين قيداً، وبت أحلم بالهرب))( ).

ويتكثّف هذا الشعور بالزمن، وقد أطل العام الثلاثون على رفيف، وهي ما زالت عازبة، تلهث وراء أحلامها وتطلعاتها. ((أحسُّ بالشيخوخة منذ الآن. على أبواب الثلاثين، وما زلت ألهث، سيسبقني القطار، وما زلت ألهث. وأصبح امرأة بشيب وتجاعيد، وعضد مترهل.... اللعنة))( ).

*

وإذا كان الانتظار، على اختلاف أنواعه، قاسماً مشتركاً بين الشخصيات النسوية الفلسطينية، وهاجساً يعشنه كل لحظة من لحظات العمر. فتبدو الأيام بطيئة الحركة، وثقيلة الوقع، تحمل معها تهديداً بانقضاء الشباب، وضياع العمر دون جدوى، كما هو الحال لدى، مريم ونوّار ورفيف، وكذلك لدى سنيورة وزليخة في "نشيد الحياة"، وأم الروبابيكا في"السداسية" وندى في "العشّاق" وغيرهن. فإن انتظار"أم سعد"، وإحساسها بمرور الزمن، يبدو من نوع خاص. إنّه الانتظار الذي يصحبه العمل، ويحدوه الأمل، بحياة أفضل، في ضوء النهوض الفلسطيني وتنامي وتيرة العمل الفدائي، عقب نكسة حزيران 1967، بعد أن تجرّعت مع جماهير شعبها كؤوس البؤس والشقاء، طوال عشرين سنة مضت. تقول: ((أنا متعبة يا ابن عمي. اهترأ عمري في ذلك المخيم. كل مساء أقول يا رب! وكل صباح أقول يا رب!. وها قد مرت عشرون سنة. وإذا لم يذهب سعد فمن سيذهب؟))( ).

هكذا تجّسد"أم سعد" هذا الإحساس العميق والحاد بمرور الزمن، فيتضح بذلك الدور الذي يؤديه الزمن في حياة هذه الشخصية، من خلال سياق معناه الدلالي الذي يمثل سياق الرواية كلها. فالرواية هي رواية الزمن الفلسطيني الناهض الذي تمثّله"أم سعد". وها هي تعيش فضاء ذلك الزمن الفسيح والجديد الذي ترافق مع المكان الجديد(الخيمة الأخرى)، بعد أن أسهمت في صنعهما. وقد عبّرت الرواية عن هذا الزمن الجديد، وأثره في"أم سعد": ((مثل دقات الساعة جاءت. هذه المرأة تجيء دائماً تصعد من قلب الأرض))( ). إنّها تعيش زمن النهوض، المتمثّل في الثورة الشعبية المسلّحة. هذا الزمن أنعش روحها المعذّبة، وفتح شهيتها للحياة، وأضاء الطريق للأجيال، وأصبح الحلم قابلاً للتحقق.

وللوقوف على طبيعة العلاقة التي تربط الشخصية الروائية بعناصر الزمن، وأثر تلك العلاقة في تجسيد الشخصية. لابد من دراسة حركتي الزمن السردي بالنسبة للشخصية النسوية حصراً.

 

2- حركتا الزمن السردي:

أ- الاسترجاع:

وهو((تقنية زمنية، تعني سرد حوادث أو أقوال أو أعمال، وقعت في الماضي الروائي. ومعيار الماضي هنا هو الحاضر الروائي الذي انطلق السرد منه))( ). ولا نكاد نعثر على رواية واحدة، من هذه التقنية التي تُبث في مقاطع متفرقة داخل النص الروائي، وتشغل حيزاً هاماً فيه.

ويلجأ الروائي عادة إلى الاسترجاع لغايات فنية وجمالية. ((فهو يملأ الفجوات التي يخلفها الحاضر الروائي وراءه، حين يقدّم معلومات عن ماضي الشخصيات، أو يستدرك حوادث ماضية، أو يذكّر بحوادث مرّت ليكررها، أو يغيّر دلالة بعضها أو يطرح تفسيراً جديداً لها))( ).

*

ففي رواية"عبّاد الشمس" تكثر المقاطع الاسترجاعية التي تتداخل فيها الذكريات مع المنولوجات الداخلية لبعض الشخصيات الروائية مثل: رفيف، سعدية، خضرة، نوار.... إذ تلجأ سحر خليفة للاسترجاع لتوضّح بعض الجوانب أو القضايا الغامضة، أو الخافية من حياتهن، أو طبيعتهن النفسية، ولتضيء عالمهن الداخلي، وتفسّر ما آلت إليه كل منهن في ضوء تلك المعطيات، التي جاء بها الاسترجاع. فتساعد بذلك القارئ على فهم الشخصية، وإدراك أبعادها النفسية والاجتماعية والفكرية.

تكشف رواية"عبّاد الشمس" النقاب عن شخصية"سعدية" وقد أصبحت امرأة عاملة مجرّبة، نضجت شخصيتها، وتفتح وعيها. ولكي تفسر الكاتبة هذه التحولات الكبيرة في شخصيتها، لتبدو مقنعة للقارئ، لجأت إلى استرجاع تلك المرحلة الصعبة من حياتها التي أعقبت استشهاد زوجها(زهدي)، بعد أن تم القفز عنها وتجاوزها، فاستدركت الرواية ذلك، واسترجعت تلك المرحلة في صفحات عديدة لتلقي الضوء على حياة سعدية، عبر استعراضها لشريط ذكرياتها المرة.

فتتضح قصة كفاحها مع الأيام، وانخراطها في العمل( ). وبذلك تتكشّف جوانب كثيرة من شخصيتها، وتتضح سماتها النفسية، ويقف القارئ على تأثير الزمن في حياتها، ويقتنع بما يلمسه من معالم التغيير والتحول، في سلوكها وتصرفاتها ومظهرها، وطريقة تفكيرها.

ويلاحظ أنّ الروائي، غالباً، ما يعمد إلى الاسترجاع عبر انفتاح ذاكرة الشخصية، مستعملاً لذلك بعض الألفاظ الدالة على القول أو التذكر أو التفكير، وهذا ما نقف عليه لدى غالبية الشخصيات قبل بدء الاسترجاع، مثل: ((تمايلت سعدية وأنت، وتذكّرت الكويت، وطوز الكويت))( ). و: ((قالت خضرة، وابتسامة طفلة على وجهها: -وأنا صغيرة كان اللّه مسلّطني على بيّاع موز في آخر المخيم))( ). و: ((أخذت أم سعد تتذكر...))( ).

وكثيراً، ما يرتبط الاسترجاع بعلاقة عكسيّة مع الزمن الروائي، من حيث اتساعه أو ضيقه. بمعنى أنه((كلّما ضاق الزمن الروائي شغل"الاسترجاع الخارجي" حيزاً أكبر))( ) في الرواية.

 

فعندما اختار رشاد أبو شاور لروايته"الرب لم يسترح في اليوم السابع" سبعة أيام، هي الزمن الروائي لجأ إلى تخصيص حيّز هام من الرواية لاستحضار ذكريات الماضي القريب والبعيد، لكل من رشيد وزينب، ليضيء عالميهما، ولا سيما عالم"زينب". فركّزت الرواية على ماضيها قبل النكسة عام 1967، وبعدها، وعرضت سيرتها الحياتية، لتضيء بذلك جوانب كثيرة من شخصيتها، مما ساعد القارئ على فهم طبيعة تكوينها النفسي والفكري والاجتماعي، وأسهم أيضاً في فهم علاقاتها مع الآخرين، وعلاقتها، أيضاً، بالوطن الذي تهفو إليه، وتناضل في سبيل العودة إلى ربوعه.

 

فتراكم الزمن، لم ينسها ما اختزنته الذاكرة عن الأرض والوطن، مهما قل شأنه. فها هي تشم رائحة الميرمية، فتذكرها بطبيعة فلسطين وأرضها وجبالها ووديانها.

وقد يرغب الروائي، في بعض المواقف الروائية، في العودة إلى الماضي البعيد ليستعيد حادثة سابقة ذات علاقة وثيقة بالشخصية، وما يجري في الحاضر الروائي، ليقارن بين الماضي والحاضر، أو ليربط بينهما، بغية الإفادة من دروس الماضي، فيعمد إلى تقديم حدث ما في الحاضر، يمت بصلة ما إلى الماضي، أو أحد رموزه، مما يفجّر الذاكرة لدى الشخصية، فيأتي الاسترجاع طبيعياً ومنسجماً مع"مستوى القص الأول"( ) الذي يمثّل الحاضر الروائي، وهذا ما نجده لدى كنفاني، حين جعل"أم سعد" تتذكر قصة فضل، وعبد المولى، في اللوحة السادسة المعنونة بـ "الرسالة التي وصلت بعد 32سنة"، وكان الدافع لاستعادة تلك الذكريات، رسالة سعد إلى أمه، بخصوص صديقه"ليث" الذي وقع في الأسر. وقد دلّ هذا الربط بين الماضي والحاضر على وعي"أم سعد" بحركة الزمن، وقدرتها على تمثّل دروس الماضي، والاستفادة منها. منطلقة في ذلك، من قناعتها بأنّ ((الحاضر ليس لحظة متقطّعة الجذور، منعزلة. كجزيرة موحشة وسط بحر متلاطم، بل هي وجود في حركة تاريخ، لها جذور في الماضي، وحركة تتوجه للغد))( ).

 

ومثل هذا النوع من الاسترجاع الذي يعمد فيه الروائي إلى عقد المشابهة بين حادثتين، أو بين أمرين يذكّر ثانيهما بأولهما، على سبيل الشيء بالشيء يذكر. نجده يتكرر في الرواية الفلسطينية. إذ يأتي الاسترجاع ملتحماً مع سياق النص الروائي، من غير أن يشعر القارئ، بهذا الانعطاف المفاجئ، كما هو الحال بالنسبة إلى تداعيات خضرة التي تمتزج مع ذكرياتها في"عباد الشمس"، فالحديث عن الطعام، وذكر الزلابية أو الكباب أو الموز... يستثير الذكريات لدى خضرة، فتسترجع بعض الأحداث التي وقعت معها أيام طفولتها وصباها( ). ورؤية"جنان" لبقعة الدم في"بوصلة من أجل عبّاد الشمس" تستثير ذكرياتها الأليمة والفاجعة، عن أحداث أيلول عام 1970، حين كانت تعمل ممرضة ومقاتلة في صفوف المقاومة، في"جبل النزهة" في عمان. فيكر شريط الذكريات، بكل ما يحفل به من أحداث مأساوية عاصفة، وتتعاقب مشاهد العنف التي شهدتها في تلك الأحداث، فيخيم ذلك الزمن المقيت المتدفق، بكل ثقله على أجواء الرواية، ويهيمن على نفسية"جنان" وبعض شخصيات الرواية، ولا سيما"شهد الصمدي":

((إنّها صبرا في الصباح... دم! والتفتُّ بمباغتة ودهشة إلى المصدر الذي تنزلق منه البقعة الحمراء. رأيتُ الجّزار منشغلاً بتعليق الذبيحة... فأشحت بوجهي عنه. دم يتداخل في الرمادي والأزرق والأبيض، وينبع بين شقوق الذاكرة))( ).

 

هكذا تبدأ الرواية ((من واقع الحرب اللبنانية، وتؤسس بنيتها على اللحظة الحاضرة التي تستثير مكامن الهذيان الشعري، ومكامن الاسترجاع))( ) لدى الشخصية المحورية"جنان".

 

فتكشف الرواية بذلك عن ماضيها، وماضي بعض الشخصيات من خلال ذكرياتها، وتيار وعيها المتدفّق. فتتضح معاناتها، وهي تواجه مصيرها بشجاعة وإباء مع بعض الشخصيات، مثل شهد، وسليمة الحاجة... وتخلص الرواية إلى المقارنة بين الماضي المأساوي، والحاضر المقيت، بغية إدانة هذا الحاضر، وكشف مآسي الماضي.

وقد يستعمل الروائي أسلوب الاسترجاع، حين يعود إلى شخصيات ظهرت بإيجاز في بداية الرواية، أو تمت الإشارة إليها، ولكن المجال لم يتسع لعرض خلفيتها أو تقديمها، فيلجأ الكاتب إلى أسلوب المذكّرات أو الاعترافات، لإضاءة جوانب هامة من حياة الشخصية، ومن ثم لإعادة النظر في تفسير سلوكها ومواقفها والأحداث التي قامت بها، في ضوء المعطيات الجديدة التي حصلت في الحاضر الروائي. ومثل هذا النوع من الاسترجاع، نجده في الروايات التي تعتمد أسلوب الاعترافات أو المذّكرات، سواء بصورة جزئية أو كلية، وينطلق هذا النوع من الاسترجاع من رؤية الشخصية لذاتها، مما يضفي عليها طابعاً خاصاً، يتسم بالصدق والواقعية. ومثل ذلك نجده في مذكرات"وصال رؤوف" وهي تكشف أوراقها، وتفصح عن عواطفها المتدّفقة، وخلفيتها الفكرية والاجتماعية، وطبيعة تكوينها النفسي وعلاقتها الحميمة بوليد مسعود الذي أحبته بشغف، فسمّاها"شهد" وعلّمها عشق الروح والجسد( ). وكذلك نلمس هذا النوع من الاسترجاع في مذكرات"مريم الصفّار" التي تكشف عن ماضيها الحافل بالمغامرات، وتفصح عن أزمتها النفسية في رواية "البحث عن وليد مسعود"، ومثل ذلك نجده، أيضاً، في مذكرات عفاف في"مذكرات امرأة غير واقعية".

مما تقدم يتضح الدور الهام الذي يقوم به"الاسترجاع" على اختلاف أنواعه، في بناء الشخصية الروائية وإضاءة جوانب كثيرة من ماضيها وعالمها الداخلي، وأبعادها النفسية والاجتماعية... إضافة إلى أهميته في تفسير بعض الأحداث السابقة في ضوء المعطيات الجديدة التي تأتي في سياق الحاضر الروائي. وإذا كان"الاسترجاع" يعود بحركة السرد إلى الوراء، فإنّ "الاستشراف" أو "الاستباق" كما تسميه"سيزا قاسم"( ) يستبق الحاضر السردي للنص الروائي، ليطال المستقبل، وهذا ما سنتبينه في الفقرة التالية.

 

ب- الاستشراف:

وهو ((تقنية زمنية تخبر صراحة أو ضمناً، عن أحداث أو أقوال أو أعمال، سيشهدها السرد الروائي في وقت لاحق))( ). وأما الغاية التي يؤديها الاستشراف في الرواية، فهي((حمل القارئ على توقّع حادث ما، أو التكهّن بمستقبل إحدى الشخصيات.. ولعل أبرز خصيصة للسرد الاستشرافي هي كون المعلومات التي يقدمها لا تتصف باليقينية، فما لم يتم قيام الحدث بالفعل، فليس هناك ما يؤكد حصوله، وهذا ما جعل الاستشراف حسب"فينريخ" شكلاً من أشكال الانتظار))( ).

ويلاحظ أن الروائي الفلسطيني لم يحفل بهذه التقنية، احتفاله بتقنية الاسترجاع، انطلاقاً من موقفه الواقعي، وحرصه على عدم استباق الأحداث((فهذه التقنية تتنافى مع فكرة التشويق التي تكون العمود الفقري للنصوص القصصية التقليدية.... وأيضاً مع مفهوم الراوي الذي يكتشف أحداث الرواية في نفس الوقت الذي يرويها فيه، ويفاجأ مع قارئه بالتطورات غير المنتظرة))( )، وإذا حاول الروائي الفلسطيني الاستشراف، فإن استشرافه يبقى في دائرة التطلعات أو التوقعات المشروعة، المبنية على وعي حركة الواقع ومعطياته، وما يستشف من ذلك.

 

ومن هنا فإننا نجد استعمال هذه التقنية في الرواية الفلسطينية قليلاً، بل يكاد يكون نادراً، لولا بعض الاستشرافات، أو التطلّعات المبثوثة في عدد قليل من الروايات التي شملها البحث. ومن الأمثلة البارزة على ذلك، نقف عند الاستشراف الذي يتخذ صفة التطلعات التي تراود الشخصية، وهي تفكر بمستقبلها، كما هو الحال لدى"سعدية" في رواية "عبّاد الشمس". فبعد أن انطلقت"سعدية" في عملها، وحققت بعض المكاسب المادية، نمت لديها بعض التطلعات الطموحة، فبدأت تحلم بشراء قطعة أرض في جبل نابلس، لتبني عليها بيتاً، وتهجر الحارة وأهلها. يقول الراوي، في الفصل الخامس: ((لكنّها ستشتري الأرض في الجبل المشمس، ستحصل على قطعة بجوار صبيحة المدرّسة، وستبنيها غرفة غرفة، وحين يكبر الأولاد ويزّودوها بالمال، ستبني طابقاً علوياً له فراندة زجاجية، تجلس فيها صباحاً، تشرب القهوة، وترى المدينة بساطاً ممدوداً تحت قدميها..))( ).

 

وتتحول بعض تطلعات سعدية وأحلامها إلى حقيقة حين تفلح في شراء الأرض، ويتحقق جانب من الاستشراف الذي مهّد إليه الراوي، وألح عليه في أكثر من موضع في الرواية. ولكن القارئ مازال ينتظر الجانب الآخر من ذلك الاستشراف الذي يشير إليه الراوي مرة أخرى: ((ستبني الدار هناك، بجانب دار الشاويش، وسترى مداخل المدينة الغربية))( ). ولا يلبث هذا الاستشراف أن يتقّوض في نهاية الرواية، فينهار الحلم، بمصادرة قوات الاحتلال للأرض، فيضيع كل شيء في لحظة واحدة، في الفصل الرابع والثلاثين من الرواية.

 

وهذا يعني أن الاستشراف في وضع كوضع الإنسان الفلسطيني- المقيم تحت الاحتلال- لا يمكن أن يتحقق بالصورة التي مهّد إليها الراوي، أو الشخصية نفسها، فكثيراً ما يجيء الاستشراف مخيّباً للآمال، كما حصل مع سعدية.

*

وفي رواية"أيام الحب والموت" نقع على مثال آخر للاستشراف، يتخذ صفة النبوءة وتجيء تلك النبوءة في بداية الرواية، بوساطة الراوي العالم بكل شيء، الذي يتحدّث عن مريم(أم محمود)، حين كانت وحيدة في دارها، ترضع طفلها، فـ((سمعت نواحاً يقطع نياط القلب، ينسكب من السماء إلى الأرض. كانت طريق التبّانة واضحة، شاحبة... رأت"بنات نعش(*) "- يسرن في السماء بتؤدة، ويلطمن خدودهن بحركات بطيئة، ويندبن بأصوات تجعل الصغار يشيبون في بطون أمهاتهم... لطفك يا رب، أي رجل عظيم سيموت، قالت أم محمود لنفسها))( ).

ويبدأ القارئ، انطلاقاً من تلك النبوءة بالتفكير، أي الرجلين سيموت، أهو"محمد المرابع" أو"عبد اللّه سلمان- أبو محمود". وتتحقق النبوءة في منتصف الرواية باستشهاد"محمد المرابع" قائد المناضلين في البلدة. وتتأكد النبوءة مرة ثانية باستشهاد"عبد اللّه سلمان" في نهاية الرواية، وتنتهي الرواية بنبوءة أخرى، تجسدها تلك الصورة الرامزة، إذ يحمل الطفل محمود المفتاح، ويخبط به على بندقية والده الشهيد، وبذلك ترسم الرواية((ميلاد الثورة التي سيفجّرها الجيل القادم الذي يعي دروس الماضي جيداً، ويتطلع إلى المستقبل..))( )

*

وفي رواية"السفينة" نجد استشرافاً واضحاً وصريحاً، يدور حول" لمى عبد الغني" وعلاقتها مع زوجها، جاء ليدل على ما سيقع من أحداث في الصفحات القادمة. ويأتي هذا الاستشراف من خلال حديث"فرنند وغومز الإسباني" عن لمى عبد الغني، بعد أن رأى جمالها وفتنتها. يقول: ((العرب والإسبان يقتلون من أجل المرأة، ويقتلون المرأة، عشقاً وغيرة وشرفاً. والعرب والإسبان وحدهم، يعرفون عبادة الجمال في المرأة: في استطاعتهم وحدهم أن يعيشوا فيها، ويموتوا فيها، ويتركوا كل ما هو ليس منها لغيرهم. فضيلة ورذيلة معاً، يا سنيور عصام. أما السنوريتا لمى فلن يكون لجمالها من نهاية إلا المأساة...))( ).

 

هذا الاستشراف الصريح الذي أكد النهاية المأساوية لجمال"لمى" يدفع القارئ إلى الانتظار والترّقب، وقد جعل الكاتب هذا الانتظار يطول، ليزيد تلهّف القارئ. لمعرفة تلك النهاية، وبذلك تتحقق المتعة المرجوة، فكل تصرّف من تصرفات"لمى" على ظهر السفينة يجدد هذا الانتظار إلى أن يتحقق ماتم استشرافه في بداية الرواية، ويكتشف القارئ، في الفصل الأخير من الرواية، وتحديداً في الصفحة 208، هذه المأساة، ذلك عندما تدخل لمى مقصورتها، فتجد زوجها جثة هامدة، وقد انتحر يأساً، وغيرة واستنكاراً لتصرفاتها. وترك رسالة، جاء فيها: ((رقصتك الليلة الماضية كانت الحكم عليَّ بالموت. ساعدتني في الوصول إلى قراري النهائي. كان بإمكاني أن أقتلك البارحة. كيف تحمّلت وأحجمت و"عقلت"، لست أدري))( ).

 

مما تقدم يمكن القول إن الروائي الفلسطيني لم يكن ميالاً إلى القفز على حاضر النص الروائي لاستباق الأحداث، وارتياد آفاق شخصياته الروائية، ومستقبل الأحداث، لأن ذلك يتعارض مع اتجاهه الواقعي ومنطق الأحداث وتسلسلها -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- ليس ذلك فحسب، بل لأن الواقع الفلسطيني، بكل ما يحفل به من متناقضات ومتغيرات، ومفاجآت جعل الاستشراف أمراً غير مؤكد بالنسبة للروائي. ولذا وجدنا أن هذه التقنية لم تشغل حيّزاً يذكر في الرواية الفلسطينية، وهي إن جاءت، فإنّما لتؤدي وظيفة فنية أو جمالية، أو تأتي لتكشف مستقبل إحدى الشخصيات، ولتميط اللثام عمّا ستفعله لاحقاً، ليتمكّن القارئ من فهمها ومتابعتها، وتحليل تصرفاتها الحالية، انطلاقاً من التصورات والتوقعات المعطاة حولها. على حين نجد أن الروائي الفلسطيني ألح على استعمال تقنية الاسترجاع، وبرع في توظيفها لخدمة الشخصيات، وكشف بعواطف الشخصية ومشاعرها، إذ ينتقل القارئ بين الحاضر والماضي بيسر، من غير أن يشعر بالانفصال بينهما، أو بعسر الانتقال.

 

ثالثاً- المرأة والتراث الشعبي:

((فرضت تجربة الاقتلاع والنفي القسري للفلسطيني عن أرضه، نوعاً من الخصوصية في علاقته مع الزمان والمكان. فمهما تعدّدت الأمكنة في المنافي، فإن الحلم يظل يشد الفلسطيني إلى مكانه، ومهما تراكم عليه الزمن، فإنه يظل يشد أوتار الذاكرة نحو الزمن المفقود، وهو يطمح في استعادتهما معاً: المكان المفقود والزمن المفقود))( ).

ومن هنا، يلمس المتتبع للرواية الفلسطينية حرص الروائي على التراث الشعبي الفلسطيني، والعمل على إحيائه، وتأكيد وجوده، بوصفه يمثّل أحد الركائز الأساسية في ربط الفلسطيني بهويته، وبماضيه، وأرضه، انطلاقاً من إيمانه بأن((كل إحياء وإثراء ونشر وتعميق وتحليل للتراث الشعبي الفلسطيني، بكافة أشكاله وألوانه، هو دعم للثورة وتكريس لها. كما أنه إضاءة للمنافي الفلسطينية، ولحمة لها))( ).

ونعني بالتراث هنا جملة العادات والمعتقدات والحكايا الخرافية والأهازيج والزغاريد والأعراس التي تحمل نفحة شعبية، وترتبط بخصوصية المجتمع الفلسطيني، وطبقاته وتاريخه وأرضه. أي بزمانه ومكانه المفقودين.

وقد تجلى حرص بعض الروائيين في المحافظة على تراثهم الشعبي عبر بعض شخصياتهم النسوية التقليدية التي يشكل التراث الشعبي أحد أبرز مكونات شخصيتها. سواء تجلى ذلك في ملامحها الخارجية أو الداخلية. فمن خلال المرأة التقليدية انتقل الكثير من التراث الشعبي إلى الأجيال المتتابعة التي نشأت بعيدة عن أرضها. ذلك أن المرأة التقليدية هي أكثر تعلّقاً بماضيها، وحنيناً إليه. وبحكم خصوصيتها الأنثوية، وما تتميز به من سمات نفسية وعاطفية ووجدانية، كانت أكثر قدرة من الرجل على حفظ العادات والحكايا والأمثال والأغاني الشعبية.

***

ففي"العشّاق" يقف رشاد أبو شاور على لون من ألوان التراث الشعبي، يتمثل في الزغرودة التي كانت الأمهات الفلسطينيات، يطلقنها تعبيراً عفوياً عن فرحهن العارم بزواج أبنائهن، أو انتصار رجالهن وثوّارهن في معاركهم مع الأعداء. فها هي"أم محمود" تعبّر عن فرحتها الكبيرة عندما التقت ابنها إثر خروجه من"السجن" :

((أيّو ... شقحنا بطيخة

  أيّو ... طلعت حمرا ومليحة

  أيّو ... ما نابك يللي وشيت بمحمود غير الفضيحة.. لو لو لو.. لي))( ).

وما لبث أن تطور معنى الزغرودة أكثر فأكثر مع تقدّم الزمن، وكثرة الجراح، وتعاقب المآسي والمحن. فلم تعد مشاعر الفرح والسعادة تشكّل نسيج الزغرودة، ولحمتها، بل تخللتها معان أخرى جديدة، كالفخر والاعتزاز والتحدّي والإصرار على مواصلة النضال، وذلك عندما يستشهد الأبناء، أو الآباء، أو الأخوة، أو أحد الأعزاء في معارك البطولة والفداء والشرف.

وفي"عبّاد الشمس" تنقل سحر خليفة عبر إحدى شخصياتها الشعبية"سعدية" صورة معبّرة عن حنين المرأة  الفلسطينية للماضي البهيج، من خلال استحضارها لبعض العادات الشعبية"الاحتفالية" التي كانت تمارسها النسوة فيما مضى، وكانت تلك العادات أقرب إلى أجواء الطقوس الاحتفالية، حيث تعمُّ الفرحة والمودة بين الناس، وينتفي التباين فيما بينهم. تقول سعدية في أحد تداعياتها" ((كانت للحمام أيام وليال.. كان الناس يؤمّونه من كل الطبقات والعائلات، وكانت السيدات المترفات يجعلن من الحمام مشهداً يذكّر بقصص ألف ليلة. عطور وحناء ومناشف مقصّبة يفوح منها المسك والطيب والبخور... زفّات عرائس.... نفسات يحتفلن بمواليد ذكور...))( ).

وتقف"سحر خليفة" وقفة مطوّلة عند الجلسات الحميمة التي تعقدها النساء الشعبيات في حمام البلد، إذ تلغى المسافة بينهن، فيشتركن في الطعام، والرقص، والهم، والحزن، والآلام، والأهازيج الشجية التي تنضح بعبير المقاومة الباسلة، وتمجيد البطولة والتضحية، فتزرع في النفس بذور الأمل، والإرادة القوية. وها هي أصوات النساء تدّوي في فراغ الحمام الكبير

((أمّه يا أمّه، يخليه لأمّه

فتحي بالحطّة راجع لأمّه

مرّوا عليَّ وأنا بتحنّا

بدّلوا الحنّا بدّمه وبهمّه

صرت أنادي الليل

والغربة والناس

وأحسب الأيام، وأحلم بضمّه))( ).

*

وتزخر"بوصلة من أجل عباد الشمس" بالعديد من الإشارات إلى بعض العادات الشعبية والحكايا الخرافية، ومراسيم العرس الفلسطيني. تسوقها الكاتبة بأسلوب عاطفي حزين، عبر بعض شخصياتها النسائية التقليدية. كأم محمود، وسليمة الحاجة.

فها هي ذي أم محمود التي تعيش في مخيم شاتيلا في لبنان تعود بذكرياتها الحميمية إلى أرضها ووطنها، حيث جذورها وتاريخها وأحلامها وذكرياتها، وهي تتحدث إلى ابنة جيرانها بشوق مشوب بالحسرة والأسى: ((هل عرفتِ بحر يافا؟ كنت أذهب إليه ونساء الحي في الليالي المقمرة، لا يجرؤ إنسان على الدنو منّا، ونحن نسبح بثيابنا، ثم نخرج إلى الرمل مصطحبات الدفوف والعود والطبلة، ونحيي سهرات طويلة على شاطئه. بياراتنا المبسوطة على كف الأرض. كانت خيرات لا تنتهي، يلعب فيها الأطفال براحة ويسر.... يتسلقون على الشجيرات ويأكلون اللوز الأخضر والمشمش... أعراسنا كانت حقيقية فيها البهجة والسرور ولم تكن مصطنعة وملأى بالنكد والمرارة كما هي عليه اليوم))( ).

وتقص"سليمة الحاجة" إحدى عجائز المخيّم على الأطفال بعض الحكايا الخرافية. ((تحكي عن العامورة التي كفّت عن الظهور بين القناطر الحجرية في أزقّة الخليل، بعد أن دخلت الكهرباء. فقد أخاف الضوء الجنية أم العيون المستطيلة، وجعلها تمتنع عن المشي الليلي تحت الشبابيك....))( ). وكانت تقص غير ذلك من الحكايا التي تحمل معها المتعة والفائدة والعبرة، وترسّخ في النفس حب الوطن والأرض.

وهنا لابد من الإشارة إلى أن المرأة الفلسطينية، ولا سيما التقليدية(الأم، الجدة) قد لعبت دوراً هاماً في ربط الأجيال الفلسطينية الصاعدة بتراثها الشعبي، وبماضيها وتاريخها المجيد، وبأرضها ووطنها، من خلال قيامها، في بعض الأحيان، بدور الراوي(الحكواتي) في محيطها الاجتماعي الجديد(المخيم) الذي انتقلت إليه عقب النكبة عام 1948، والخروج الثاني 1967، فنقلت بعض التراث الشعبي إلى هذه الأجيال، وشحذت فكرها، وأغنت مخيلتها الشعبية، وعلمّتها وعوّضتها عن وسائل الترفيه والتثقيف التي حُرمت منها، وأهم من ذلك كله ربطت هذه الأجيال بأرضها، وغرست حب الوطن والأرض في وجدانها وفكرها، وجعلتها أشد انتماء للوطن، بعد أن طورته في داخلها، فاندفعت للنضال في سبيله بكل الوسائل( ).

ومن الحكايا والقصص إلى الأعراس القروية المليئة بالبهجة، حيث النساء يدرن في حلقة العرس، ويرقصن بالمنديل المطّرز بالخرزات، ويغنين"عالا دلعونا"( ) أما في الأيام العادية، فكن يرتدين((الأثواب الفلاحية المشّعة بألوان الفرح الزاهية على الأرضية التي تكون قماشة سوداء))( ).

وننتهي إلى القول إن الروائي الفلسطيني حين يستوحي، في بعض أعماله الروائية، جانباً من التراث الشعبي، ويضفيه على بعض شخصياته، ولا سيما النسائية، لا يهدف من وراء ذلك إلى توظيفه فنياً، كما فعل رشاد أبو شاور لدى توظيفه للنبوءة في خدمة البناء الملحمي في روايته"أيام الحب والموت" أو كما فعل إميل حبيبي حين استلهم بعض ملامح شخصية جحا ووظّفها في المتشائل...." وإنما يهدف من وراء تلك الإشارات البسيطة والمتنّوعة التي جسدتها بعض الشخصيات النسائية، سواء في أقوالها أو أفعالها أو تصرفاتها وسلوكها، أو في مظهرها الخارجي، إلى تأكيد الطابع الشعبي لهذه الشخصيات، وترسيخ جانب من ثقافتها الشعبية إلى جانب الثقافة الرسمية السائدة في المجتمع الفلسطيني.

 

 

 

الفصل الثالث السرد

تمهيد:

السرد هو((نقل الحادثة من صورتها الواقعة إلى صورة لغوية( )، وبمعنى أدق، إنّه ((عرض موجّه لمجموعة من الحوادث والشخصيات المتخيّلة، بوساطة اللغة المكتوبة. فالعرض يعني تقديم الحوادث والشخصيات متتابعة على نحو معيّن. والتوجيه، يعني إجادة تقديم الحوادث والشخصيات، بحيث تبدو مقنعة للمروى له))( ). وهذا يعني أنّ السرد هو أحد أبرز المكوّنات، وبوساطته يتم التحامها فيما بينها، لتشكل جميعاً نسيج الرواية ولحمتها.

وفيما يلي نتناول دراسة السرد بأنماطه المعروفة، وهي: السرد والخطاب، السرد والحوار، السرد والوصف، وعلاقة كلّ منها في تجسيد الشخصية الروائية حصراً. ومن ثم نخلص إلى دراسة دور اللغة، بمستوياتها المتنوعة، في إبراز الشخصية الروائية، وتجسيدها فنيّاً.

 

أولاً- أنماط السرد:(*)

1- السرد والخطاب:

على الرغم مما بين الروائيين الفلسطينيين، من تفاوت في المهارات السردية، وإنْ لم يكن هذا التفاوت كبيراً، فهناك قواسم مشتركة، تسمح لنا بالتعّرف على أساليبهم السردّية، وتعيننا على فهمها. ولعل أبرز هذه التقنيات المشتركة: .. ابتداؤهم رواياتهم بالسرد في معظم الأحيان.... فلا نكاد نقع على عمل روائي واحد يبدأ بالعرض أو الحوار، ومن ثمَّ، تنوّع الخطاب الروائي لديهم. فهناك الخطاب الذاتي، والخطاب الموضوعي، والخطاب ذو الصيغة المتداخلة أو المتعاقبة.

أما الخطاب الذاتي فيسيطر على الرواية التي صيغت بأسلوب المذّكرات، كرواية "مذكرات امرأة غير واقعية" لسحر خليفة. أو التي قامت على التداعيات والمنولوجات والهذيان الشعري، كرواية"بوصلة من أجل عباد الشمس" لليانة بدر. وهناك روايات خصص مؤّلفوها قسماً منها للمذكرات أو للاعترافات، كرواية"البكاء على صدر الحبيب" لرشاد أبي شاور، و"البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا. وفيما عدا هذه الروايات، لا نقع على الخطاب الذاتي إلا ضمن سياق الحوار، أو متداخلاً مع الخطاب الموضوعي، ذلك أنّ الحوار هو((خطاب مباشر دائماً، لأنّه تعبير الشخصيات عن نفسها. ففي كل خطاب متكلم له موقف يدل عليه الكلام نفسه. وهذا هو معنى عبارة السرديين: "ذاتية الخطاب" في مقابل"موضوعية السرد" أي الكلام الذي لا يحيل إلى متكّلم محدد))( ).

ويمكن تحديد العلاقة بين موضوعية السرد، وذاتية الخطاب في ضوء المقطع السردي التالي: (وأحست بالغضب ينشب أظفاره في حلقها، لماذا؟ لماذا يتوجّب عليها أن تفكّر في شحادة؟ وتأملته وهو يتكلم مع عادل، ويؤشّر ويشبّر ويتفتف ويتذلّل. أهذا هو الملجأ الأخير؟.... اخص، اخص على الدنيا والناس والرملة... أنا أفكر بهذا السخل حتى أتّقي شرّهم؟ وبعدما أتقي شرهم، كيف أتقي شرّه؟... ولكن لا، لن تتورط هذه الورطة. ولتقم البلد قيامتها. اخص يا بلد. اللّه الغني عنك وعن أم صابر، وأم تحسين وشحادة... علّقيني يا بلد من شعري في باب الساحة... ولو، وقفت قدّام السجن مع الرجال .... وآخر الموّال شحادة؟... يا ويلك يا سعدية. ويل اليهود، وويل الناس وويل الليرة والدينار، وويل الشباب الدبلان قبل الأوان... ولكنّها ستشتري قطعة الأرض في الجبل المشمس...))( ).

 

فالسرد في بداية هذا المقطع موضوعي، ينم على الخطاب غير المباشر الذي يوجهه راو عالم إلى القارئ، لكن هذا السرد لم يحافظ على صيغة واحدة، بل التفت، كما هو واضح إلى تنويع الصيغ وتعاقبها وتداخلها. وهذا يعني أنّنا في هذا المقطع السردي أمام نمطين للسرد:

موضوعي وذاتي. دلّ عليهما الخطاب غير المباشر، والخطاب المباشر. ونقصد بالموضوعي هو حديث الراوي عن مشاعر الغضب والقلق والحيرة التي تعاني منها الشخصية: وأحست بالغضب الشديد... لماذا يتوّجب عليها... وتأملته وهو يتكلم.. ثم ما يلبث الراوي أن يترك الشخصية تتحدث بلسانها بشكل مباشر: اخص على الدنيا والناس والرملة. أنا أفكر بهذا السخل حتى أتقيّ شرهم... فهذه العبارة سرد ذاتي تقدّمه الشخصية عن نفسها، لأنّها أقدر على التعبير عن مكنونات نفسها وقلقها.

ويعقب السرد الذاتي مباشرة، سرد موضوعي: لن تتورّط هذه الورطة، لتقم البلد قيامتها.. ثم سرعان ما يفسح المجال للشخصية مرة أخرى لتتحدث بلسانها: اخص يا بلد. اللّه الغني عنك... علقيني يا بلد...

وممّا تقدّم يمكنْ القول: إنّ الانتقال من صيغة إلى أخرى، ضمن المقطع السردي الواحد، كان ضرورياً من جهة، لأنّه يُضفي عليه حيوية وجمالاً، ويجعله أكثر انسجاماً. وله ما يبرره من جهة أخرى، لأنّ التنويع في صيغ الخطاب، يجسِّد بصورة صادقة وعميقة، الصراع الداخلي، والقلق والحيرة والحسرة، وغير ذلك من المشاعر، التي تحتدم في أعماق"سعدية"، ولكن سرعان ما تخلص إلى رأي، وتؤكد إصرارها على تحقيق حلمها.

*

وإذا كانت"عبّاد الشمس" قد قدّمت بعض المقاطع السردية المتداخلة، فإن"مذكرات امرأة غير واقعية" قد قامت بصورة شبه كلية، على السرد الذاتي الذي يدخل في بنية الرواية ككل. ولا شك أنّ طبيعة الشخصية ودورها ومضمون الرواية وطروحاتها. كل ذلك كان يتطلّب من الكاتبة اعتماد السرد الذاتي. لأنّه الأكثر صلة بالشخصية، ولأنّه الأقدر على تجسيد الرؤيا الروائية، والتعبير عنها: ((ها آنذا، أسمع صوت الموت، من خلال فراغ البيت، وفراغ