الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى

التعديل الأخير: 18/04/2008

 

كتب            الحرية في الإبداع المهجري

 

 

       
       

نصوص مختارة

البحث عن الذات

سفر برلك

روح الحقبة

 من الصحافة المهجرية

 العبودية على مر العصور

 معضلة الأقلية

   الدولة والفرد

 

الحرية في الإبداع المهجري

  بقلم الكاتب: د. هيثم مناع

 

شكر وعرفان

لم يكن لي أن أتعرف بعمق على كنوز الأدب المهجري في أمريكا اللاتينية لولا الصديق المهندس صخر الشرع الذي قام بما في وسعه لمساعدتي على القيام بهذا العمل والعثور على ما احتجت إليه. ولا بد من توجيه الشكر للسيدة فيوليت يافث رئيسة المشفى السوري اللبناني والدكتور ضاهر قطيط مدير المشفى والسيد  لورنسو شحفة رجل الأعمال السوري والسيد Guillermo P. Pedrazuela المشرف على مكتبة نادي حمص في ساو باولو وهيئة إدارة النادي لحفاوة استقبالهم وحسن تعاونهم.

"سيأتي جيل تتوحد فيه الثقافة ويتجلى الأدب العالمي على منصته الرفيعة لأول مرة في التاريخ. عندئذ سيعلم الذين يخلفوننا، أن الأدب الحقيقي لا يحد بالمناطق، وأن الشعر الصحيح لا يعرف باللغة الذي أنشد فيها. عندئذ سيذكر العالم بكثير من الإعجاب والاستغراب أن بلابل الشعر قد صدحت بنغم لم يسمع أعذب منه بينما لم يتمتع به إلا عدد ضئيل ممن اتيحت لهم معرفة اللغة التي ينطق بها ذلك الشعب. عندئذ يأتي نسيب عريضة وإيليا أبو ماضي ورشيد أيوب وغيرهم من شعرائنا العرب المهاجرين في ملكوتهم إذ يصبح ملكوتهم إرثا للجميع وتباح خزائن الأدب والفن في كل لسان لكل إنسان".*

* من مقدمة حبيب إبراهيم للأرواح الحائرة لنسيب عريضة، نيويورك، 1946، مطبعة جريدة الأخلاق.

   

 

روح الحقبة

 

شهدت الخلافة العثمانية في القرن التاسع عشر هزات كبيرة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. وإن كانت رياح الفكر القومي قد بدأت تغزو شطر الخلافة الأوربي مبكرا وكان لمحمد علي فضل زرع أول وحدة إدارية ذاتية متماسكة في الشطر العربي للخلافة، فقد كان لإعلان دستور 1876 والإصلاحات المتتالية التي أعلنت على امتداد النصف الثاني للقرن الماضي أن تعزز اتجاها عثماني النزعة شمل العديد من رموز الانتلجنتسيا العربية مثل أبي النصر علي والشيخ علي الليثي وسليم تقلا وخليل مطران وسامي البارودي ومصطفى كامل والشاعر أحمد شوقي الخ. ولم يكن هذا الاتجاه وحيدا في صفوف المثقفين، فمنهم من أخذ بموقف معاد لكل ما هو عثماني خاصة بعد تراجعات السلطان عبد الحميد السريعة عن الدستور والتوجه البرلماني والأزمات المستفحلة في جسم الخلافة داعيا لوحدة عربية جامعة. ومن هؤلاء سليم سركيس صاحب جريدة "المشير" الذي يقول في مقالة له بعنوان "هل مصر عثمانية":

 

"لم أجد في حياتي ولا قرأت في مطالعاتي عن أمة تريد الانتقال من نور الاستقلال إلى ظلمات العبودية إلا هذا القسم من الأمة المصرية الذين يريدون التمسك بأذيال العرش العثماني". ويقول في شعره:

نرجو صلاح الترك قد          خابت أمانينا الكواذب

هي دولة ظلمت ولـــــيس العدل عن ظلم بذاهب

ويمكن القول أن الاتجاه الأكثر قوة وتأثيرا كان ذلك الذي يجمع بين نقد أجهزة الخلافة وضرورة الإصلاح من جهة، "وتحالف الأمم الشرقية تحالفا متينا جدا حتى تستطيع أن تسير مع التيار الغربي فلا يدوسها ولا يستطيع أن يهتضمها"(1) من جهة أخرى. ولعل فرح أنطون، الذي جمع في كتاباته بين نداء حقوق الإنسان والحريات الأساسية وصرخة العدل ومفهوم الأمة والوطن مع نداء تقوية جدار الوطنية العثمانية في مجلته "الجامعة العثمانية" التي صدرت في الاسكندرية منذ 1897 يعطي مع جرجي زيدان وولي الدين يكن صورة عن هذا التوجه. وهكذا نجد عند يكن قصائد في محبة الوطن وأخرى في نقد الاستبداد كقوله في وصف الحقبة الحميدية:

خلافة قد مضى عنها خلائفها            من آل عثمان من سادوا ومن شادوا

 أبقوا بها المجد للأخلاف بعدهم           والمجد يبقيه للأخلاف أمجـــاد

حتى انتهت لأمير في تسـلطه           يخشى مظالمـه عاد وشــــداد

يا ويلنا إنما نبكــي لنا وطنا          يبكيه في الترب آباء وأجــــداد

وإن اختار عدد من شعراء بلاد الشام مدح الخلافة العثمانية (2) فقد كان في أدباء وشعراء العراق من هو أكثر نقدا. فنقرأ لجميل الزهاوي في "المقتطف" قصيدته "الصارخة" وفيها:

إن الرعية أغنــام يحد لهم      ولاتك المستبدون السـكاكينا

يا عدل إن التفاتا منك يسعدنا     يا عدل إن ابتساما منك يكفينا

 ما جاءنا الشر إلا من تهاوننا    وعمنا الظلم إلا من تغاضينا

لا بد من فك ما قد شّد من عقد    كف الإسار بأيدينا بأيدينـا

ومعروفة القصيدة التي استتبعت نفيه من العاصمة العثمانية في 1897 وفيها:

وما هي إلا دولــــة همجية       تسوس بما يقضي هواها وتعمل

فترفع بالإعزاز من كان جاهلا        وتخفض بالإذلال من كان يعقل

ومنها-

لقد عبثت بالشعب أطماع ظالم       يحمله من جوره ما يحمل

فيا ويح قوم فوضوا أمر نفسهم     إلى ملك عن فعله ليس يسأل

إن كان استلام مدحت باشا ولاية الشام قد ساهم في ازدهار حركة فكرية وأدبية إصلاحية، فقد جاء نقله إلى أزمير في 1880 وما ترافق من حملة على أنصار الليبرالية والدستور في وقت احبط فيه المتفائلون من وفاة أول دستور عثماني وتصاعدت فيه الأزمة الاقتصادية فاختار من ضاقت بهم أسباب العيش أو التعبير الهجرة فيما يعبر عنه صاحب "المشير" بالقول: "هم إخواننا في الإنسانية، ورفاقنا في الحرية، علموا أن المجد لا ينال إلا عبر جسر من التعب. فهم يتعبون في السعي وراء خدمة بلادهم وإرجاع مجد مملكتهم الذي انحط إلى دركات الخمول بإهمال الإمام الذي جار في أحكامه والأعوان الذين صاروا بلية على الأمة". ويضيف: "وقد انضم إليهم بعض أدباء سوريا ومصر وهرب البعض منهم من عالم الجور والظلم إلى فضاء الحرية والأمن، فانتشروا في باريز وسوريا وانكلترا وأمريكا وأنشأوا الجرائد"(3).

 

ونجد خطابا مناهضا للعثمانية عند فتح الله مراش ورزق الله حسون يقول فيه فارس نمر: "فهذ1ن الحران الحلبيان اللذان فاقا الأقران بحب الحرية كما فاقا الأقران بمعانيها السحرية ومبانيها العسجدية، قضيا ردحا من الزمن يرسلان شعاع الحرية إلى أبناء سوريا من قلب أعظم عاصمتين اشتهرتا في أوربا بالحرية والنظامات الدستورية (أي لندن وباريس) ولكنهما مزجا بلاغتهما بعلقم التفريق بين الترك والعرب فأصابا بإيقاظ النفوس لطلب الحرية وأخطآ بتمزيق الجامعة العثمانية"(4).

جاء الدستور العثماني في 1908 ليهز المواقف من جديد، وتعود صيحات تأييد الخلافة في مواجهة أوربة ويكتب نقولا حداد بعنوان "الدستور العثماني":

يا بني عثمان أنتم أمـة      أصبحت موضوع إعجاب الأمم

سيعيد العدل تاريخا لكم      طبـع المجـــد به منذ القدم

إلى قوله:

ورأينا دولة الماضي وقد      كتب المــوت عليها "لا رحم"

وقد مرت الخلافة العثمانية مع الدستور بفترة إعادة اعتبار ومصداقية سريعة فنجد أبناء المهجر يعودون للحديث عن أمل إصلاح سياسي داخل الخلافة ويخصص جميل معلوف دراسة عن "حقوق الإنسان وتركيا الجديدة"  ويغني سعيد شقير للحرية المستعادة يقول:

اليوم نمرح أحرارا بفضلكم             نغدو ونمسي ولا هم ولا نصب

قد أطلق الحر من سجن أهين به      وعاد للوطن المحبـوب مغترب

فلا جواسيس نخشى من وشايتهم       ولا جرائـــد تأتينا فنرتعـب

ننام في الليل لا الأحلام تقلقنا         وننهض الصبح لا خوف ولا رعب

نقولا رزق الله يرى في عصبة الأحرار المنقذ الذي حقق آماله العامة:

سواكم العدل أخوانا سواسية         فليس يظلم فيكم غير من ظلما

وليس يقصى أديب عن مواطنه       ولا يضام عليم قال ما علما

ولا يعبثن بحق من حقوقكم       ذو سلطة جائر مهما علا وسما

ويصل به القول:

قد صرتم أمة في الأرض واحدة   من آل عثمان لا عربا ولا عجما

فلا تفرقكم أجيالكــم فرقـا       ولا تقسمكم أديانكــم قــسما

كم قيدوكم بها أسرى وكم سفكوا      دماءكم أو أحلوا فيكـم النقما

واليوم جرّد سيف الحق صاحبه      وهاجم الظلم حتى فر منهـزما

تعانق الشيخ والقسيس واصطحبا     من بعد ما افترقا ضدين واختصما

تآخيا في حمى الدستور واتحدا       ورفرفت راية التوحيد فوقهـما

لقد فتح الدستور عند الأغلبية الساحقة أبواب الرجاء وعمت مسحة الاستبشار، فكل وجد فيه برنامجه وطموحاته، وكل أراد منه تحقيق أحلامه. ومع تراجع أوهام الانعتاق السياسي والقومي والثقافي بدأت الاحباطات تتابع ولم يعد بوسع المتفائلين إلا النقمة على اغتيال الحلم ورغبة القطيعة مع ما تبقى من الخلافة.  ولعل الفارق بين قصيدة "تحية الحرية" التي يغني فيها الشاعر القروي لإعلان الدستور وقصيدته بعدها التي يستدرك فيها عدم وقوع تغيير يذكر في لبنان والتي فيها:

أتى في عصره الدستور لكن    كما طلعت على الأعمى ذكاء

فساد في الدوائر واختلال      وظلم في المحاكم والتواء

ولا ترفع إلى الحكام شكوى   فأذن العدل يزعجها النداء !!

أفي بيروت أمن واتحاد       وفي لبنان نهب واعتداء

 فالسؤال المركزي في التعامل مع الخلافة منذ دخول ابراهيم باشا بلاد الشام، بل ومن قبل، يلخصه رزق الله حسون ببيت شعر بسيط:

ما عليهم لو عاملونا بحسنى     وتساو أو أنهم أنصفونا

كان المثقفون العرب يطالبون بالحسنى والمساواة والإنصاف.. وكلما غابت عنهم ابتعدوا عن الخلافة مع بقاء قسم هام منهم يرغب باستمرار بهذه الوحدة الجغرافية القادرة على مواجهة الاستعمار الأوربي.

كانت خلافة تحتضر وحقبة تندثر وقف فيها صاحب "النبي" جبران يحاول إسماع من لم يفقد حاسة السمع بعد:

"خذوها يا مسلمون، كلمة من مسيحي أسكن "يسوع" في شطر من حشاشته و"محمدا" في الشطر الآخر!

إن لم يتغلب الإسلام على الدولة العثمانية، فسوف تتغلب أمم الافرنج على الإسلام..

إن لم يقم فيكم من ينصر الإسلام على عدوه الداخلي، فلا ينقضي هذا الجيل إلا والشرق في قبضة ذوي الوجوه البائخة والعيون الزرقاء… ". (5)

   

 

سفر برلك

ما كان لنا أن نتوقف كثيرا عند روح الحقبة وخصائصها السياسية والثقافية والاقتصادية لو لم تكن وراء توجه عشرات آلاف العرب إلى المنافي هربا من القمع والجوع وبحثا عن الكرامة في عوالم جديدة، فالخارجون هم أبناء مجتمعات عضوية بالأساس ولجتها معالم الرأسمالية الغربية حديثا ولم تعرف التفريد بشكل واسع، وبالتالي يفترض وجود دوافع كبيرة جعلت قطاعات شابة تؤثر مغامرة الرحيل وهي تسمع من كبرائها منذ الصغر "الغربة كربة" والبعد "قطيعة رحم"..

 

وقد جاءت الهجرات الأولى تعبيرا عن هذا الطموح الباحث عن الخبز والحرية بعد أن ضاق المشرق بهما، ولم تكن مرصوفة بالسجاد. ونقرأ في كتاب "ذكرى الهجرة" لتوفيق فضل الله ضعون، ما يذكرنا برائعة إيلي كازان "أمريكا أمريكا"، فالفارق لا يكاد يذكر بين وسطاء اسطنبول ووسطاء بيروت.. أشباه الفنادق التي ليس لها منها سوى الاسم والباخرة التي تتأخر حتى لا يبقى في جيب القروي من مدخراته ما يذكر والمعبر الإجباري إلى مصر وجوازات السفر الحقيقية والمزورة.. الأوجاع هي الأوجاع وأدب الاعترافات يسمح لنا بإدراك دخائل النفس والصفحة المجهولة ويذكرنا بتفاصيل الحياة اليومية التي تغطيها الإنجازات أو الهزائم الكبيرة. فبين فشل هذا ونجاح ذاك، هناك ليالي العمل الشاق بحثا عن اللقمة ووساطات الصديق والخصم بحثا عن ورقة الإقامة  وقراءة الحقيقة المرة المتكررة في اللاوعي اليقظ: "نحن هنا في مهجر لم يؤمه في الغالب إلا كل مظلوم معدم سعيا وراء الرزق والتماسا للتحرر من أغلال العبودية والفقر، ومع ذلك ندر أن يرى بيننا المستطلع إلا كل من كان سلطانا في وطنه فأصبح، أيا كان، خادما للناس في مهجره فتثور حفيظته على المهاجرين الذين استبدلوا من بهاء العروش هباء القروش بدلا من أن يغدق عليهم المديح لعلو همتهم وحسن جهادهم وإيثارهم جحيم الغربة على نعيم الإقامة في وطن كان ولا يزال للغرباء نعيمة ولأبنائه جحيمه"(6) .  

 

من هنا نجد البعض يجمع قليل المال ويعود والبعض الآخر يسمع بالدستور العثماني فيركب الباخرة شطر الوطن ولو أن فكرة البقاء في المهاجر وإن لم تناقش بجرأة ووضوح حتى مطلع القرن قد أخذت تفرضها ظروف الحياة نفسها بكل ما تحمل من ولادة جيل ثان لا يعرف من الوطن سوى أغنية والدة حنون أو أنشودة شاعر. فلنقرأ شعرا الأسباب والاحساسات المرافقة لها:

يؤكد مسعود سماحه على غياب الحرية في بلده يقول:

سأترك أرض الجدود ففيها         حياة الجبان وموت الجرئ

تقيد أقلام أحـــرارها           وتطلق أيدي ذوي الميسر

سأضرب في الأرض لا خائفا      من البر أو لجج الأبحر

وبروح الشباب يكتب ابن قرنة الحمراء (لبنان) إلياس طعمه وعمره 21 عاما(7): 

 

تعال أخي نمزج دموعا أبية      فكل غريب آنس بغريب

بلينا فراع الناس حسن بلائنا     وكل اغتراب للشقاء جلوب

كذلك تشقي المرء نفس أبية     وقلب يرى لذاته بندوب

على الحر أن يجلو الخطوب بحزمه   ففي الخطب تجريب لكل لبيب

أقابل أعدائي وأهوال غربتي          بقلب منيـر في ظـلام خطوب

ونفس لنيل المجد تستعذب الردى   كنسر لأصـوات الرعود طروب

فما همني سيري على الأرض تائها    ونومي وحيدا تحت ثقل كروبي

وتعريض جسمي للمهالك طالبا         دواء لــداء فيه حـار طبيبي

ولي همة بين الجوانــح دونها        تحدر ســـيل واندلاع لهيب

على كل حر دمعـــة وتحية         إذا كان هذا في الجهاد نصيبي

وما أنست الأسفار لا أنس وقفة       على بحرنا والشمس عند المغيب

أودع ســوريا وأودعها الهوى       وكفي بكفي صــاحب ونسيب 

وأرنو مشوقا من خلال مدامعي        إلى جبل باد الصــخور مهيب

ويوم بكت أمي الحنون وراعها        دنو وداع كالحمـــام رهيـب

وقالت بصوت ذائب متهــدج         وأدمعها موصولــة بنحـيب

بني يميــن الله هل لك عودة         فراقـــك هذا يا بنـي مذيبي

ألا أنت باق آمنا تحت سقـفنا          فمثلك لم يولد لصعـب ركوب

فقلت لها والجفن يكتــم عبرة       سأرجع يوما فاصبري وثقي بي

كطير تصباها ربيـــع بلادنا        فأطربـنا منها حنــين سروب

أليس التلاقي بعد نأي ألـذ من        تخلف حــب بالملال مشـوب

دعيني أوف المجـد يا أم حقه       وأقض شريفا مثل جار عســيب

يلذ لفرخ النسر بسط جــناحه      إذا الريــح حيّت وكره بهبـوب

فكيف أبي بعدي وأمي وأخوتي      وقد بـات يشقيهم ألج طلـــوب

وكل جمال الشـرق في فتياتنا      فإن تبصــــري أجفانهن تذوبي

لهن عيون حاملات لشمســنا      فأحداقهــن الســود حب زبيب

بعثن الهوى موجا ونارا فلم نكن    لننجو وقد حاربننــــا بضروب

فدى العربيات الحرائر مهجتي      فهن كروض في الربيــع خصيب

في كاراكاس عاصمة فنزويلا يصّدر جورج صيدح ديوان النوافل(8)  الذي يبدأ بالجملة التالية: "غاية الناظم من طبع هذا الديوان مناصرة لجان الدفاع عن فلسطين فهو يضعه تحت طلبها تتصرف به كما تشاء". يصف الشاعر الباخرة الماخرة به عام 1927 إلى أمريكا بالقول:

يقول قائلهم- لا خير في وطن       ننآه ثم نغــالي فيه نائينــا

ورب دار كرام طـاب منزلها      إلا لنا، فهي تجفونا وتقصــينا

أبناء ماء وطين لم نجد رحما       يحنو ويعطف، ماءا كان أو طينا

ســفينة حملتنا حمل كارهة      تود لو ظهرها لليـم يلقينــا

وفي رائعته "حلمت أني قريب منك يا بردى" يصيح عاشقا إبداع الأهل والأشياء:

أهواك في قلبك الشفاف لاح به     ظل المآذن والأشجار مضطردا

أهواك كالليث وثابا ومقتحـما      كالأفعوان تلوى، كالغزال عدا

أهواك في يقظتي أهواك في حلمي    أهواك مقتربا أهواك مبتعدا

قبل أن يستدرك بعد الهجرة والمهاجر حيث لا العين تبصر دمشق ولا النهر:

يا نهر مأساة عمري

عادت، ومازلت تجري

ما أنت يا نهر نهري.

سان باولو

يؤرخ مهاجر عربي لمدينة سان باولو في 1905 يقول(9): أنشئت سان باولو في 1554 مؤلفة من دار فيها مدرسة لتعليم الهنود بإدارة الآباء اليسوعيين. وفي 1560 بلغ عدد سكانها من الرجال 200 برتغالي وهندي فسميت قرية. وفي 1711 بلغ عدد سكانها من الرجال 700 رجل فأطلق عليها اسم مدينة. في إحصاء 1793 بلغ عدد سكانها 9991 نسمة يعيش منهم 5669 في وسط المدينة و 3664 ناحية الغرب  و 659 ناحية الشرق. في 1807 لم يكن عدد السكان يزيد على العشرين ألفا بإضافة بعض القرى المجاورة. وبعد استقلال البلاد في 1822 (اعترفت به البرتغال بعد 3 سنوات) ازداد عدد السكان فبلغ في 1862 46 ألفا في سان باولو وملحقاتها.

في 1886 دخل السوريون للمرة الأولى المدينة وكان عدد سكانها 44030 بينهم 5 أو 6 من السوريين. بعدها نمت بشكل كبير وقصدها الأجانب من كل جانب.

 

"1892 دخل كاتب السطور سان باولو وكان سكانها قرابة 100 ألف وفيها قرابة 100 سوري كلهم كانوا يقيمون حول المركادو ما عدا 3 أو 4 محال في شارع 25 دي مارسو.

 

عام 1905 بلغ عدد سكان المدينة 300 ألف نسمة منهم 200 ألف غرباء دخلوا المدينة حاملين الفنون والآداب والمهن وأسباب التمدن والنشاط وتقسيمهم كما يلي: 150 ألف إيطالي، 100 ألف برازيلي، 18 ألف إسبان، 15 ألف برتغاليون، 10 آلاف ألماني، خمسة آلاف سوري، جنسيات مختلفة : 2000.

 

كتب المقال فارس سمعان نجم وعندما أعاد نشره توفيق ضعون في "مختارات الجديد" في سان باولو عام 1922 وضع الملاحظة التالية: عدد سكان سان باولو اليوم 550 منهم 15 ألف سوري. أما ونحن نعيد نقل المقطع في عام الألفين فقد بلغ عدد سكان المدينة وفقا للمهاجرين السوريين (استكمالا لروح النص) 19 مليون نسمة سوري ولبناني ولا يستطيع أحد تقدير عدد السوريين واللبنانيين والعرب عامة فيها. إلا أن من المتفق عليه أن عدد سكان حمص في البرازيل أكثر منهم في مدينة حمص نفسها وأن هناك أكثر من 4 ملايين عربي في البرازيل اليوم.

 

لم يدخل العرب للمدينة الكبة والصفيحة الموجودة تقريبا في كل أماكن الأكل السريع وحسب، بل كانوا من أنشط رجال الصناعة فيها. فبعد عام من وصول أسعد عبد الله حداد سان باولو قادما من حمص أي 1896 عقد شركة تجارية مع صديقين له وفي 1912 اشترى مليون متر مربع ليجري بناء حي جديد (حي حديقة سان جورج) وقد أسمى الجادة الرئيسية في شارع سورية Rua Siria  ويصف الشاعر القروي المصح السوري في كمبوس دي جوردان المخصص للمصابين بأمراض الصدر من سورية ولبنان يعالجون فيه مجانا: "لم يمض عصر العجائب، فهذه معجزة مزدوجة من معجزات قديساتنا الحمصيات. أقول مزدوجة لأنهن أولا أنشأن مصحا سوريا في لبنان وثانيا جعلهن لبنان على مسافة 215 كيلو مترا من سان باولو"(10).  وستزرع الجالية المشرقية العربية بصماتها في البناء الصناعي والجمعيات الإنسانية  والنتاج الثقافي بآن معا، لتصبح جزءا من معالم ازدهار المدينة.

 

كان الجيل الأول جيل التواصل الدائم بالوطن، إلا أن البرازيل بلد الاندماج والتفاعل بين الإنساني دون ادعاءات ومنذ 1922 يقول توفيق ضعون في حديثه عن الجالية السورية واللبنانية والفلسطينية وكانت كلها تعرف بالسورية: "لا يوجد إحصاء يعول عليه، ولكن العارفين وأهل الخبرة مجمعون على أن عدد السوريين في البرازيل يتراوح بين ثمانين ومئة ألف، وهناك عدد كبير منهم من أرباب العيال الذين اقترنوا بسوريات أو وطنيات وأصبحوا آباء لأولاد برازيليين لا يهمهم أن يعرفوا عن سورية شيئا، وهناك كثيرون اعتنقوا الجنسية البرازيلية وكادوا يقطعون كل علاقة تربطهم بوطنهم الأصلي لأنهم أصبحوا مقيدين بالبرازيل بربط غير قابلة للانفصام جلها مادية وبعضها اجتماعية"(11).

 

يمكن القول اليوم أن نسبة من يتكلم العربية قليلة جدا في سان باولو، رغم وجود نواد وتجمعات كبيرة وهامة. ووفقا لرأي العديد من الشهادات، لم يكن التأقلم البرازيلي وحده سببا في هذه القطيعة. فقد بقيت الصحف العربية والمجلات والنشاطات الأدبية متميزة حتى الستينات وبدأ التراجع عمليا مع تراجع النموذج البرلماني وصعود المؤسسة العسكرية للحكم  وتغييب الحريات في النماذج القومية التي وصلت للسلطة. حيث الافتخار بالوطن أصبح رديفا للدفاع عن دكتاتورية بغيضة ومكروهة في أوساط الثقافة في أمريكا اللاتينية. وجاءت الحرب الأهلية اللبنانية لتضرب في الصميم التواصل الثقافي والإبداعي مع المشرق الذي أصبح أنموذجا سلبيا للشبيبة العربية التي أدارت له الظهر بمرارة. ولكن قبل هذا الطلاق مع العسف، كان الآباء والأجداد من المهاجرين طرفا في المعركة السياسية كما كانوا طرفا في المعركة الثقافية. وفي كلا المعركتين كانت الحرية أنشودة المهاجر الأولى، فلأجلها غادر الوطن ولأجلها غنى للوطن ولأجلها بقيت العودة حلما دائما.

 

   

 

الإنسان أو البحث عن الذات الصغرى والكبرى

 

في مقدمته لمجموعة الرابطة القلمية لسنة 1921 يقول ميخائيل نعيمة (12):

"أجل. إننا في كل ما نفعل وكل ما نقول وكل ما نكتب إنما نفتش عن أنفسنا. فإن فتشنا عن الله فلنجد أنفسنا في الله. وإن سعينا وراء الجمال فإنما نسعى وراء أنفسنا في الجمال. وإن طلبنا الفضيلة فلا نطلب إلا أنفسنا في الفضيلة، وإن بحثنا عن مكروب فلا نبحث إلا عن أنفسنا في المكروب وإن اكتشفنا سرا من أسرار الطبيعة فما نحن إلا مكتشفون سرا من أسرارنا. فكل ما يأتيه الإنسان إنما يدور حول محور واحد هو-الإنسان".

من هذه الذات الكونية المجردة، يعود نسيب عريضة إلى طرح السؤال الذي يخالج نفس كل مهاجر: العلاقة بالمكان (اليوم) والعلاقة بالزمان (الأمس)، وفي نشيد المهاجر يصرخ بنفسه شعرا(13):

من أنت- ما أنت؟ قد وزعت روحك في     

                                      عهدين من شاسع ماض ومن داني

أنا المهاجـــر ! ذو نفسين واحدة

                                      تسير سيري وأخرى رهن أوطاني

ثم يعود من السؤال إلى وجع الحنين الذي يغفر للوطن كل الذنوب ويعيده صورة الحلم، بل حتى يعلن عن عشقه له بكل علاته:

أنا المهاجر- لا أنسى الوداع وما

                                جرى من الدمع في أجفان غزلان

ولوعة في حشا الأحباب ما بردت

                                   عللتهـا بلقاء  .. رهن أزمـان

مرت ثلاثون- لم أنس العهود وهل

                                    تنسـى مواثيق أرحام وإيمـان

الأهل أهلي وأطلال الحمى وطني

                                   وساكنـوا الربع أترابي وأقراني

قد كنت اشتاقهم والعين تنظرهم

                                   يا عظم شوقي على بعد وهجران!

إن أنكرونا فما والله ننكرهم !

                                  وإن جفوا لا نقابلهم بنســـيان !

نحبهم كيفما كانوا وإن ركبوا

                                  مراكب الهجــر من آن إلى آن

لم تكن لفحات الحنين وحدها الحكم عبر اكتشاف المبدعين لأنفسهم وعالمهم في عالم الغربة. فلعل أقوى النصوص العالمية التي تتخطى حدود القوم والعشيرة والتراب الوطني تترعرع في عملية الاكتشاف المتبادل للعالم الخاص عبر نظرة جديدة تتكون من بعيد والعوالم الجديدة التي تفتحها نوافذ الهجرة. وإن كانت هناك حالات عشق لا مكان فيها للعقلانية هنا، أو حالات توقف للزمن يوم غادرت السفينة ميناء الوطن تاركة "كل" شئ تراكم في الذاكرة الفردية. هذا الارتقاء يجد تعبيره على لسان إحدى شخصيات "مذكرات الأرقش" لميخائيل نعيمة:

 

"الإنسان يدعو المحل الذي يولد فيه "وطنه"، وهذه الكلمة مقدسة في عرف البشر. تراهم يذرفون الدموع عند فراق أوطانهم ويتهللون عند العودة إليها. ولماذا؟ لأنهم ألفوها وتعودوها. "فالوطن" ليس سوى عادة –لا أكثر ولا أقل- والبشر عبيد عادات. ولأنهم عبيد عاداتهم قسموا الأرض كلها إلى مقاطعات صغيرة- "هذا وطني وهذا وطنك. فالزم حدود وطنك ولا تتعد حدود وطني. وإذا تعديتها قابلتك بحد السيف"؟ والسيف لا يزال يحصد أعناق البشر من يوم استعبدوا لعادة الوطن وهاهو يحصدها اليوم وسيبقى يحصدها ما دام البشر مصّرين في عنادهم على قسمة الأرض إلى مقاطعات مختصة بهذه الأمة أو بتلك، مازالوا يؤلهون صنما دعوه "الوطنية". (14)

 

(…)

 

أما أنا شطر الإنسانية الساكت- فلا أدري أين ولدت ولا يهمني أن أدري، ولذاك لا وطن لي، ولو كان لي وطن لتبرأت منه لأن العالم في نظري هو واحد لا يتجزأ وإذا كان لا بد من وطن فهذا العالم الذي لا يتجزأ هو وطني. أما هذه الكرة التي يدعونها الأرض والتي يتقاسمها البشر ويتطاحنون على قسمتها فليست سوى حلقة صغيرة في سلسلة لا بدء لها ولا نهاية.(15)

 

لعل جبران خليل جبران أكثر من وفق في بناء فلسفة إبداعية همها الوطن في حلم الإنسانية والإنسانية في كافة التضاريس الذهنية للوطن. لنقرأ بعض قوله في الوطنية والعالمية: "ليست هذه الأمة إلا كالأمم كافة، فالناس من جبلة واحدة وهم لا يختلفون بعضهم عن بعض إلا في الظواهر والمظاهر الخارجية التي لا يعتد بها. فتعاسة الأمم الشرقية هي تعاسة الأرض بكاملها، وليس ما تحسبه رقيا في الغرب سوى شبح من أشباح الغرور الفارغ. فالرياء يظل رياء وإن قلم أظافره، والغش يبقى غشا وإن لانت ملامسه، والكذب لا يصير صدقا إذا لبس الحرير وسكن القصور. والخداع لا يتحول إلى أمانة إذا ركب القطار أو اعتلى المنطاد، والطمع لا ينقلب قناعة إذا قاس المسافات أو وزن العناصر، والجرائم لا تصبح فضائل وإن سارت بين المعامل والمعاهد… أما العبودية –العبودية للحياة، العبودية للماضي، العبودية للتعاليم والعوائد والأزياء، العبودية للأموات فستبقى عبودية وإن طلت وجهها وغيّرت ملابسها. العبودية تظل عبودية حتى وإن دعت نفسها حرية. لا يا أخي، ليس الغربي أرقى من الشرقي ولا الشرقي أحط من الغربي وما الفرق بينهما إلا كالفرق الكائن بين الذئب والضبع. ولقد نظرت فرأيت وراء مظاهر الاجتماع المتباينة ناموسا أوليا عادلا يفرق التعاسة والعماوة والجهالة على السواء فلا يميز شعبا عن شعب ولا يظلم طائفة دون طائفة" (مقتطع من العاصفة في مجموعة الرابطة القلمية)

 

يعبر جبران في "صوت الشاعر" عن مواطنيته لهذا العالم يقول:

 

البشر ينقسمون إلى طوائف وعشائر وينتمون إلى بلاد وأصقاع. وأنا أرى ذاتي غريبا في بلد واحد، وخارجا عن أمة واحدة. فالأرض كلها وطني والعائلة البشرية عشيرتي، لأني وجدت الإنسان ضعيفا، ومن الصغر أن ينقسم على ذاته، والأرض ضيقة، ومن الجهل أن تتجزأ إلى ممالك وإمارات.(16)

 

"أحب مسقط رأسي ببعض محبتي لبلادي. وأحب بلادي بقسم من محبتي للأرض وطني. وأحب الأرض بكليتي لأنها مرتع الإنسانية روح الألوهية على الأرض."(17).

 

يتوجه إيليا أبو ماضي للإنسان دون حدود وهوية بالقول:

 

ليست حياتك غير ما صورتها          أنت الحياة بصمتها ومقالها

 

أنت، أنت أيها الطين عد إلى لحظة الصدق وتذكر قبل أن ينطق تقنيو الأمم المتحدة بتلك العبارة الممهدة لإعلان حقوق الإنسان : يولد جميع الناس أحرارا متساوين:

نسي الطين ساعة أنه طيـ         ن حقير فصال تيها وعربد

وكسا الخز جسمه فتباهـى         وحوى المال كيسه فتمرد

يا أخي! لا تمل بوجهك عني      ما أنا فحمـة ولا أنت فرقد

أنت مثلي من الثرى وإليه         فلماذا يا صاحبي التيه والصد

كنت طفلا إذ كنت طفلا وتغدو     حين أغدو شيخـا كبيرا أدرد

لست أدري من أين جئت ولا ما   كنت، أو ما أكون يا صاح في غد

أفتدري ؟ إذن فخبــر ولا ما     فلمــاذا تظن أنك أوحــد ؟

نعم، فعند الشاعر لا يبالي طير الأراك إن أنت أصغيت أم أنا وتورد الأزاهير لا يتوقف عند غنى سعد أو فقر عمر. قمر واحد يطل على بني الإنسانية وفلك واحد يظلها..

يحاول الياس فرحات أن يضع جملة من المبادئ الخلقية لتنظيم العلاقة بين الإنسان وأخية الإنسان من جهة، والإنسان والمحيط من جهة ثانية. نقطة الانطلاق للشاعر المهجري هي رفض المحاباة واعتبار الصدق مع الذات والآخر منظما أساسيا للعلاقة بين البشر(18):

كل يحابي كما يهوى فلست أرى    في الشيخ عدلا ولا في المحول الحابي

لا تنتظر أن تراني راضيا فأنـا     أرضي ضميري ولو أغضبت أصحابي

أما العلاقة مع الآخر فتتلخص بقوله:

ما دمت محترما حقي فأنت أخي      آمنت بالله أم آمنت بالحجر

فالأساس هو العمل والسلوك وليس الاختيار المعلن أو القول:

أنا لا أصدق أن لصا مؤمنا       أدنى لربك من شريف ملحد

وكل ما يمكن أن يكون سببا لعداوات وأحقاد لا جدوى منها يتركه الشاعر حرصا على الإخاء الإنساني:

ودعت ديني وجنسي مذ رأيت بني     الدنيا فريسة أديان وأجناس

ولا يمتنع مع تأييده للسلام من نقد المؤتمرات التي تجري من أجل السلام ولا تتجاوز فعاليتها اجتماع الناس لأيام في سوق عكاظ:

أطلاب السلام كفى رياء     فما أقوالكم إلا خداع

وليس صدوركم إلا ظلاما    بهيما لا يلوح به شعاع

ومؤتمراتكم سوق وفيها      ضلال يشترى وهدى يباع

ونزع سلاحكم سهل ولكن   متى نزعت مخالبها السباع

يؤكد الياس فرحات على اختلاط البشر والاحتكاك بالأفراد والأمم لأن الإنسان عدو ما يجهل ولأن التسامح ابن اكتشاف الآخر. وهو يدعو للنظر للمستقبل وعدم البقاء أسرى الماضي، يقول في هذا:

أذل شعوب هذي الأرض شعب     تراه بذكر سالفه ولوعا

إذا مات الإباء بصدر شعــب      فقد ماتت مآثره جميعا

اكتشاف الآخر

خرج المغتربون بجرح عميق لم يمنعهم من رحابة الصدر لاكتشاف عالم في طور البناء. ويترجم الشاعر القروي روح الاستعداد للتقبل والتفاعل في بيتين من الشعر يعكسان وضع أغلبية المهاجرين يقول الشاعر القروي (19)،

استق الحكمة لا يشغلك من     أي ينبوع جـرت يا مستقي

فشعاع الشمس يمتص الندى    من فم الورد ووحل الطرق

بعكس اللجوء إلى أوربة الذي ارتبط بالمؤقت، طرح العديد من المثقفين والصناعيين مبكرا فكرة الاستقرار والتأثير عبر هذا الاستقرار في البلد المضيف والبلد الأصل. ومن أقدم المدافعين عن هذا المبدأ نعمه يافث (1860-1923) الذي دافع عن فكرة إنشاء الشركات التجارية المنظمة وتبادل الثقة المالية والأدبية بين السوريين والأجانب والإقامة الدائمة في البرازيل وإنشاء الجمعيات والمنتديات التي تساعد على وحدة الجالية وتكريم العلماء والأدباء (20).

 

 ومع هذه العقلنة للبقاء، بقي هم التغيير في الشرق موجودا عند نعمه يافث الذي يقول: "ترى سورية خالية من عمالها و أبنائها الأدباء، فهم منتشرون الآن في سائر المعمور من وادي النيل إلى أمريكا واوستراليا وشرقي آسيا وغيرها. ولا يستهان بتلك القوة الأدبية المنتشرة من أبناء سوريا العلماء الأعلام والشبان الأذكياء، فإنها لو أتيح لها الاجتماع في تلك البقعة لقضت الآن على كل ظلم اجتماعي سياسي. لأن الظلم في سوريا ليس الظلم السياسي فقط، بل هناك ظلم آخر أشد وقعا من ذلك وهو الظلم الاجتماعي- ظلم الوسط المحافظ على كل ما هو قديم من عادات سقيمة وأفكار عقيمة واعتقادات وخيمة".(21).

 

دخلت المنتديات والجمعيات مبكرا حياة الجالية العربية في الأمريكيتين. وقد وجدنا وثائق لجمعيات محلية في نيويورك وسانتوس وكاراكاس وسنتياغو وسان باولو وريو دي جانيرو قبل 1908. وقد كان للنساء دورا هاما في هذه الجمعيات وإن كان معظم النساء اللاتي تصدرن من الفئات الميسورة فقد دخلت المنافسة في الأعمال الخيرية هذا الوسط. وكما يشير توفيق ضعون (1922) كان "هناك عدد كبير من السيدات الأديبات اللواتي أسسن الجمعيات ونظمن الحفلات وزنّ المنابر خدمة للمعوزين والفقراء وأخص منهن بالذكر السيدة متيلدا سليمان يزبك والسيدة نظيرة سالم فرعوني والسيدة إميليا شكيب جراب والسيدة سلوى سلامة أطلس وسواهن كثيرات ممن لا يحط عدم تخصيصي إياهن من قدر فضلهن وجهادهن وإنما قصدت السابقات وصاحبات المواهب الإدارية والخطابية والكتابية" (22). ويتحدث الكاتب عن فكرة السيدة أدما يافث (1886-1956) إنشاء مستشفى كبير للجالية تشكلت من أجلها جمعية السيدات للمستشفى السوري للاكتتاب وجمع التبرعات. وقد كانت تؤكد دائما "أن المستشفى للجميع بدون تمييز وهو غير مطبوع بطابع ديني أو سياسي أنشأته الجالية فهو للجالية معهدها الخيري"(لعبت أدما يافث دورا كبيرا في دعم مشاريع إنسانية عديدة مثل جملة إنعاش الطفل البرازيلي وتنظيم حملات للأطفال المشردين والنساء المهملات وجمعية العمال في ابرنغا ومستوصف للأطفال ومستشفى للتوليد هذا في البرازيل إضافة لدعم مشاريع في لبنان. وكان لرأيها في دور المرأة يتلخص بقولها: "من البديهي أن الرجل والمرأة يكمل كل منهما الآخر، ويؤلفان معا وحدة كاملة وثيقة العرى. فلا تقدم لأمة من الأمم، ولا للبشرية قاطبة، إلا بتساويهما بالكفاءة وتعاونهما في العمل المقرون بالتضحية ونكران الذات".(23)ويعد اليوم المستشفى السوري-اللبناني في سان باولو من أهم مستشفيات أمريكا اللاتينية. وقد صادفني أسماء أكثر من عشرة نساء تولين رئاسة الجمعيات الإنسانية والمنتديات منهن ابنة حمص نبيهه عبد الله شحفه وعقيلة السيد أسعد عبد الله السيدة كرجيه حداد والسيدة وديعه هازار وأولغا خماسية رزق الله..

 

وقد كانت عدوى الأعمال الخيرية تنتقل بسرعة. فلم تنجز بعد فكرة المستشفى في سان باولو حتى بدأ الاستكتاب لمستشفى مشابه في العاصمة الأرجنتينية. وتلخص السيدة وديعة هازار من جمعية اليد البيضاء في كلمة ألقتها في تدشين صرح البناء الأساسي للميتم السوري في 1935 تقول: "فكر يتسرب إلى العقل الإنساني فيحمله على أجنحة الخيال ويذهب سابحا في الفضاء إلى الأقصى البعيد بعيدا عن الضوضاء العالية، وهناك في ذلك الانفراد الفكري، ومن على الرابية المشرفة على الحياة يرى البشر على اختلاف طبقاتهم.. فئة تنعم بهنائها، وأخرى تتقلب على حصير شقائها. أطفال لهم كل ما استنبطه العقل الإنساني من وسائل الراحة والرفاهية، وآخرون حرموا كل شئ حتى علة وجودهم. هؤلاء غرباء في أوطانهم فكم بالحري في بلاد المهجر؟".

 

من جهة، حاولت الجالية العربية الاحتفاظ بوشائج الصلة مع الوطن، ومن جهة أخرى كانت تعطي عن نفسها صورة الجالية العاملة البناءة للوطن الجديد الذي استوعبها كجزء من المجتمع المهاجر الكبير الذي شكل الأغلبية في "العالم الجديد".