الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/12/2008

لقاءات وحوارات أدبية

حوار مع الكاتبة: نسرين طرابلسي

إلى صفحة الكاتبة

 

لقراءة الحوارات

 

 

الحوارات

المثقف حالة دائمة حتى وإن قمعها السياسي

 

المسرح فنٌ حرٌ ليس لنا

المثقف حالة دائمة حتى وإن قمعها السياسي

أننا اليوم نزحف وراء ذيل الركب الحضاري - أحلم بحكومات تريد أن ترتقي بشعوبها

 

 أجرى الحوار: عمر عناز

 

أن تحاور مثقفا شموليا في معرفياته فإنك تقدح عود ثقاب في فضاء يتسع لأكثر من أفق ، فضاءٌ مرصّعٌ بنوافذ شتى يفوح منها عبق الكتابة وعبقرية الإبداع .

لم أكن لأبتكر الأسئلة وأنا أتنفس الحرف في حضرة الكلمة الندية حيث تستفزك حتى الفواصل وعلامات الإستفهام بوصفها مثابات لاختباء المعنى أو ماوراء النص،

نسرين طرابلسي، عصفورة لوّنت خشبة المسرح برفيفها ، مشبعةٌ بالشعر في كل تفاصيل بوحها المنساب ، تراها تتنقل بين بساتين الكلام بتشظياته المختلفة مابين مسرح وقصة وشعر لايشبهه إلا توهج الفراشات في بيت الملائكة ولايماثله الا غناء النوافير .

وذات إنثيال مخضب بالياسمين إقتنصتها الشاشة لتكون زهرة مقدميها بوصفها قارورة من ثقافةٍ وألقٍ إندلق على صحائفي وأنا أدوّن هذا الحوار:

 

1-وأنا أتنقل بين نصوصك المتنوعة قرأت أن المسرح يشكل مرتكزا مهما في ابتناء الحوار معك. لذا وددت أن أبدأ بالمسرح متسائلا هل هي أنانية الانحياز الفني لتقانة بذاتها أم شمولية معرفية تجدينها في المسرح دون غيره؟

 

-تستطيع أن تقول إنه انحياز فنيٌ إنسانيٌ لا أناني، فالمسرح زمرةُ دمٍ نادرة، قادرة على العطاء في شتى الاتجاهات كما يمكنها الأخذ من كل عطاء فني. أما الشمولية المعرفية فهي ما توجهت به إلى المسرح فهذبها ونسقها وجعل من كل ما أريد تقديمه في حياتي عرضاً متماسكاً. أتيت إليه من التلفزيون، حيث الكادر مؤطر والحركة محدودة والجمهور محكوم بمزاجيته، فأفرد المسرح لي خشبته الواسعة وعلمني حرية الانطلاق واحترام إرادة المتفرج. وأتيت إليه قاصة مبتدئة فصقل موهبتي الكتابية وشرّح أمامي كل الشخصيات وسمح لي بالغوص في أعماقها وتقمصها ومحاورتها ومحاكمتها، فأصبحت مسؤولة أمام الكتابة. وأتيت إليه مذيعة بأداء أحادي فعلمني فن الارتجال وحرفة الخروج عن النص وسحر مخارج الحروف ومهارة تقبُّل النقد. وأتيت إليه طالبة للعلم فطلب مني العلم، وتبادلنا الأدوار. وأتيت إليه نسرين واحدة فأخرج مني نسريناتٍ كثيرات مغامِرات كنّ مختبئات خلف كواليس الخجل والتردد والانتظار. 

لهذا أحب المسرح لأنه ذاتي التي عثرت عليها بعد بحث طويل.

 

2-للمسرح لغته التي تميزه عن بقية الأجناس الأدبية أو الفنية الأخرى، كيف تنظرين الى إمكانية هذه اللغة على استيعاب المتغير الحضاري عموما، وهل استطاع النص المسرحي أن يحيط بتفاصيل المشهد المعاش ضمن مسار إبداعي فذ ؟

 

- حتى نكون أكثر دقة في استخدام المصطلح فالمسرح هو منظومة من اللغات على اعتبار أنه منظومة تجمع كلّ الفنون، وعليه تكون لغة المسرح هي لغة العرض المسرحي، البصرية والسمعية، وهي قادرة حتما على استيعاب الإنسانية بمتغيراتها كافة. فالمسرح صورة عاكسة لحضارة أي مجتمع فكرياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً. ازدهار المسرح في أي مجتمع دلالة حضارية وانتكاسته دلالة على الانحطاط والتردي. يكفي بمقارنة بسيطة بين الحركة المسرحية في العالم المتحضر وكيف واكبت باضطراد مراحل تطوره والحركة المسرحية المتردية في بلدان التلقي والاستهلاك حتى نعرف أننا اليوم نزحف وراء ذيل الركب الحضاري. لا نرى ولا نسمع، وإن رأينا وسمعنا أطعنا وصمتنا.

 

الجزء الثاني من سؤالك يختص بالنص المسرحي، وأرى أن الوقوف عند حدود النص المكتوب لا تجدي المسرح نفعاً على الإطلاق. لأن الإبداع المسرحي يحتاج إلى الحرية، الحرية في أن تكتب والحرية في أن تنتج والحرية في أن تعرض والحرية في أن تتفرج والحرية في أن تغيّر. لذا لا يمكن للمسرح أن يولد وينمو في سجن كبير. المسرح فنٌ حرٌ ليس لنا.

 

3-يعاني المسرح بشكل ملحوظ من أزمة التلقي التي جعلت الكثير من الأعمال الفنية تعيش على الهامش الثقافي ماأسس لدينا قراءة نخبوية أفقدت المسرح جماهيريته التي كان ينعم بها ذات يوم ، ماتفسيرك لهذا وهل من آلية تقترحينها لإعادة ترتيب هذه المعادلة التي تمثل عنصرا مهما في براعة الخلق الفني؟

 

- الأزمة ليست أزمة تلقي بل هي أزمة حرية. فلنفرج عن الإنسان العربي، ولنتوقف عن الفتاوى وسياسة الترهيب، ولنفتح ساحاتنا للعروض، ليكون المسرح لكل الناس وليس فقط لمن يمتلك ثمن تذكرة الدخول أيام العيد ليتفرج على استعراض الرقص والهزل والضرب على الأقفية.

 

الأزمة ليست أزمة تلقي بل هي أزمة إرسال. انظر إلى الدراما التلفزيونية الوفيرة ومجانية العرض والمربحة لجهات الإنتاج كيف حولت الناس إلى علقٍ رمضاني يلتصق على شاشات التلفزة. أحلم بأن يكون لدينا في مدننا وقرانا مسارحاً جوالة، أحلم أن يكون لدينا في كل حيٍ مسرحاً، أحلم أن نعلم أطفالنا أن الذهاب إلى المسرح لا يقل متعةً عن الذهاب إلى مدينة الألعاب، ليتعلموا الإنصات والتفكير والتفاعل الجماعي. أحلم بحكومات تريد أن ترتقي بشعوبها لا أن..... نعم أكتفي بهذا القدر.. هل فهمت قصدي؟!! هل فهمت من المسؤول عن علّة النخبوية؟؟

 

4-الى أي مدى استطاعت المرأة العربية أن تؤكد حضورها على خشبة المسرح خصوصا أن التابوات المجتمعية لها سلطانها الأكبر على دينامية الحياة ؟

 

- لدى كل قطر من الأقطار العربية -التي عرفت فترة ازدهار مسرحي مؤقت- نجمة مسرحية أو نجمتان ظهرتا في الستينيات من القرن الماضي، عندما لم تكن الحكومات قد أحكمت رسوخها بعد عصور ثورات الاستقلال. أما الجيل الجديد كله من نجوم التلفزيون أو السينما فيستثمرون نجاحاتهم في شباك تذاكر المسرح التجاري. هناك فنانة عربية وحيدة يمكن أن نقول بأنها النموذج المفقود لــ" امرأة مسرح" تماما كما يقال عن فنان المسرح الشامل رجل مسرح، هي اللبنانية نضال الأشقر.

أنا لا أرى التابوهات المجتمعية تعيق نماذج نسائية عربية عن التعري الهابط، والغناء المُسف، وكليبات البورنو والتمثيل الهزلي، والاعلان الرخيص. فلم تعيقها التابوهات فقط عن فن المسرح الجاد والمحترم؟!! 

وأرى الجمهور لا يتهافت على عروض المسرح التجريبي كما يتهافت على عروض ستار أكاديمي!! ولا أرى وزارات السياحة والإعلام والثقافة تستضيف فرقا مسرحية عالمية بينما تتكلف آلاف الدولارات على استضافة المغنيات!! ولا أرى نخوة المعارضين تفز فزعة على ذائقة الجيل كما تفزع لعرض مسرحيٍ ناقد وجرئ، أو لعمل درامي يحاول التمطي من سبات التاريخ!!

حتى لا أطيل -كعادتي عندما ألف وأدور كي لا أفجر مباشرة قنابل خاطري- هناك سياسات مدروسة لتكريس واقعنا الذي يلخصه حال المرأة العربية، والمرأة المقيدة من الداخل لا تحلم بمظاهرة بعد عرض مسرحي بل تحلم بنافذة.

 

5-هل استطاعت المرأة أن تطوّع كل مهاراتها وصولا الى أداء غير مقيَّد بالضرورة ؟

 

- بالتأكيد شاهدت في المسارح الأكاديمية - حيث لا فرق بين امرأة ورجل - ممثلين عالميي الأداء والمهارات، والمشكلة كما ذكرت لك أن تلك الأعمال محصورة في الأكاديميات التعليمية وبعض المهرجانات الدولية، وهي ذات عروض محدودة المدة والجمهور. بإمكانك السفر إلى سوريا مثلا لتشاهد عروضا مسرحية رائعة لشبان وشابات يلهبون الخشبة أداء ومخيلة، لكن المعوقات التي تقف حائلاً أمام سفر العروض المسرحية هي التي تبقي هذه العروض أسيرة محليتها، ولولا الدراما التلفزيونية – رغم خطوطها الحمراء- لبقيت تلك المواهب عاطلة عن العمل في الكواليس.

 

 

6-في سردياتك التي قرأتها ، لاحظت أن جملتك مشحونة بشعرية متدفقة أمام عنصر مفارقة قد يبدو مألوفا ، هل احتلّك الشعر الى الحد الذي جعل لبقية عناصر النص دورا أقل فاعلية؟

 

- يهيأ لك أن عنصر المفارقة مألوف، لأنه مستمد من الواقع، وكثيراً خطرت لي فكرة أن أبدأ مجموعة لي بعبارة تقليدية "إن أي تشابه بين قصصي والواقع أمر طبيعي وإلا فمن أين نأتي بكل هذه القسوة؟!" ولكنني لم أفعل حتى الآن.

 

لم أدّع الشعر يوما، فتحت عيني على الكتابة والعبارة الشعرية تلازمني، وكلما توغلت في الأدب اكتشفت بصمة شعرٍ مهيمنة على لغتي. وأعترف أن قوة اللغة عندي طاغية، وأستسلمُ لها، فأنا من أصحاب الاشتغال الأدبي، فلا شيء أكتبه بطريقة اعتباطية أو سهلة أو للضرورة، أفكر دوماً بأن أداة الكاتب هي اللغة ومسؤوليته الحفاظ عليها وتقديمها بأرقى صورة ممكنة، وحين أدخل حال الكتابة أترك للغتي العنان ثم أترك النص يختمر في ملف النسيان، وحين أعود إليه يهمني دوما أن أبتكر تكنيكا جديدا فليس لدي تقنية واحدة لكتابة قصة قصيرة، الحكايات تكرر نفسها واللعبة في كيفية تقديمها من جديد. أما عناصر النص القصصي التقليدية فلا تشغل بالي ونحن دخلنا منذ زمن في تجربة كسر القاعدة والاشتغال على وميض مهمل أو منسي أو ربما مألوف لكثرته في الحياة. كل نص له قوة خاصة ولا أجد أي سوءٍ أو نقص في قدر نصي أن تكمن قوته في اللغة الشعرية التي تعطيه نبضا وتخصص له جمهورا يتذوقها ويستمتع.

 

7-من حيث أجناسية الكتابة وتقنياتها المتشعبة ، أين تجد – نسرين طرابلسي- نفسها ؟

 

- أجد نفسي في النص، وحيثما شاء أميل، قصة، نص شعري نثري، رواية، مقال صحفي، مقال نقدي، سيناريو... لا تحكمني مزاجيتي الشخصية بشكل كلي بقدر ما تحكمني مزاجية النص، وعادة أبدأ وفي رأسي فكرة قصة وأنتهي بنص نثري، أو أبدأ بمقال نقدي فأجد نفسي منساقة إلى أحداث قصة تسحبني في أجوائها. ولا أعاند النص حين يأتي. ليست القصيدة وحدها إلهام أو وميض متجانس كل عمل إبداعي يومض ساعةَ يشاء، وعليك القبض عليه في اللحظة المناسبة، وتذييله باسمك. ولكن لا أنكر أن نصي دوما يحمل بصمة خاصة فالنفس السردي القصصي يغلب على نصوصي النثرية ومقالاتي، والجملة المحمّلة بشعرها مندسّة في لغتي، والمونولوج المسرحي هو أكثر تقنية تستهويني ففيه من المكاشفة ما يجعل للكتابة متعة المجابهة وللقراءة متعة التلصص على أعماق الشخصية. 

 

8-يتداول البعض مسمى – النص الأنثوي – دون إستناد على ملامح نصية بعينها ، برأيك هل هي محاول قصدية للتهميش أم واقع يفرض نفسه ؟

 

- أعتقد أنهم يتداولون "النص النسوي" بما يحمله المصطلح من أبعاد اجتماعية وسياسية تنضوي على عصور من التحكم الذكوري الذي وبديكتاتوريةٍ مفرطة لا يريد الاعتراف بوجود حكم آخر يحق له اقتسام عرش الكتابة. ولو استبدل المصطلح بعبارة نص أنثوي، في مقابل مصطلح نص ذكوري أو رجولي ترى هل سيغضب معشر الكتّاب الرجال أم سيرضي ذلك غرورهم ويزيد من فحولة النصوص!!

 بغض النظر عن طرافةِ الطرح السابق أنا شخصياً من أنصار النص الإنساني كائنا من كان كاتبه وتصيبني هذه التصنيفات بالغثيان. ولو تم تخصيص جهد نقدي عربي حقيقي لدراسة نتاج الكتاب العرب من الجنسين وما طرحوه من قضايا في دراسات واحدة تطال همّ الإنسان العربي لاكتشفنا أن كليهما الرجل والمرأة يصارعان في دوامة المعاناة ذاتها الحب والحرب والغربة وازدواجية المعايير الأخلاقية وفقدان الحرية في مجتمع التابوهات.

قصدية التهميش في تناول نصوص الكاتبات هي استمرار طبيعي لممارسات الواقع، وما الدراسات التي تتناول نصوص الكاتبات بالجملة لتنميطها وعزلها إلا صورة واضحة لرغبة مريضة في تكريس هذا التصنيف.  

 

9-الكتابة بوصفها فعلا حياتيا محضا، الى أي مدى تعايشت معها أو تعايشت معك؟

 

- لم أتعايش مع الكتابة بوصفها كائنا غريبا، فأنا والكتابة ولدنا معا لحظة تعلمتها وحياتنا علاقة توأمة وانسجام. أعطيتها وقتا فلم تهدره، وأعطتني نصوصا فلم أهملها. كنت أحلم الحلم فأجده صباحا في دفاتري، وحين عزّت كلّ سلوى كانت الكتابة بوابتي إلى السعادة. لا يمر يوم دون أن أكتب ولا ساعة دون تفكير بنص. وحين تغادرني الكتابة أستميت في إغوائها لتعود، وحين أدير لها رأسي تستخدم كل أسلحتها لتحتلني من جديد.

 

10-العالم بوصفه نصا ، كيف تقرأينه ومامدى واقعيتك في إسقاطه على الورقة أم تراك طوباوية الخلق _ بفتح الخاء _ كتابيا ؟

 

- تقريبا أجبت عن سؤالك هذا في معرض حديثنا عن شعرية الجملة وألفة المفارقة، ولكن لا بأس مرة أخرى من القول إن كل الكتاب دون استثناء يزاوجون بين الخيال والواقع. لا يوجد نص عربي خيالي صرف إلا واختبأ وراءه إسقاط واقعي. ليس لدينا في الأدب العربي الحديث روايات كسلسلة هاري بوتر أو سيد الخواتم أو أساطير نارنيا. نحن مكبلون بواقع أشد فانتازية من الخيال، فما دلالة أن تعثر على تجربة استجواب مخابراتي لدى معظم الكتاب العرب أو اغتصاب وزواج مبكر مهين لدى معظم الكاتبات؟!! وما معنى ألا تشتهر أي رواية عربية إلا بعد أن يصادرها عسس الرقابة أو يُهدَر دم كاتبها أو يختار لها الكاتب أو الكاتبة عنواناً غرائزياً حتى وإن كان المضمون هابطا قضيةً ولغة؟!!

كما نحن بحاجة للخيال لاحتمال الواقع، نضطر للاستعانة بالواقع للتخفيف من جموح الخيال، وكلاهما مشروع في الكتابة. وفي نصوصي قفزٌ مرنٌ بين العالمين، ستتلمسه حين تقرأ كلَّ نصوصي القصصية والنثرية.

 

11-لك إشتغالات ثقافية كثيرة ومتنوعة رغم أننا نعيش ( زمن التخصص ) هل هي بعثرة للإلتمام كوحدة كلية باتجاه خلق الذات أم تبعثر التمام يتشظى ليؤكد تفاصيل مابداخلك من ثقافة ؟

 

- ما فعلته في سؤالك يشبه ما يفعله المذيعون والمذيعات حين لا يتركون خيارَ الإجابة للضيف (: لكنني سأجيبك: الفن كلٌ متكاملٌ لا يتجزأ. فكيف لمرسلٍ أن يتقن فن التواصل الكلامي في مهنته دون أن يجيد اللغة والكتابة، وكيف له أن يمتلك اللغة دون الفكر والحوار، وكيف له أن يستخدم أفكاره لمحاورة الآخرين دون أن يحترم آراءهم ويتقبل وجهات النظر النقدية. وإذا تقبلها واحترمها فكيف لا تتكون لديه ملكةٌ نقدية بدوره تفرض احترامها على المستقبلين. وكيف تتخلق كل تلك المهارات دون خلفية علمية وحصيلة قرائية أدبية وفنية وموسوعية. يمكن لطبيب أن يتخصص في عملِ الأذن والأنف والحنجرة ولا يعرف شيئاً عن الآفات الكبدية، ولكن لا يمكن لكاتب أن يكتب قصة بطلها يعاني من مرض السكري دون أن يقرأ عن المرض وأعراضه وعلاجه وآثاره النفسية والاجتماعية. كذلك فلا يمكن لمن يقدم نفسه كإعلامي أن يستضيف سياسياً أو شاعراً أو مسرحياً لا يعرف عن سيرته الذاتية وإنجازاته أي شيء. كلما سمحتَ لنفسك أن تطل على شريحة أوسع من المتلقين كلما تطلب ذلك أن توسع دائرة اهتماماتك. عبارة رولان بارت تطن في رأسي الآن "كلُّ شيء مرتبطٌ بكل شيء".   

 

12-تقوم جدلية ( المثقف / السياسي ) على التقاء وتضاد غير متناه مايعطي الفكر دينامية في اشتغالاته المتنوعة ولكنها بالمقابل تعمل على إقحام العقل في دوامة من التناقضات الحياتية ، كيف تفسرين ذلك ؟

 

- أخالفك في جزئية التقاء طرفي الثنائية، المثقف الحقيقي دوما على اختلافٍ مع السياسي. أن تكون مثقفاً سياسياً أمر مختلف عن أن تحقق شمولية في ثقافتك. الثقافة برأيي تفتح أفق الإنسان على إنسانيته، فغاية المثقف لا تبرر وسيلته، ولا يهتم أن يكتب قصيدته في صحيفة ورقية أو الكترونية، أو تعلق لوحاته في قصر المؤتمرات أو على جدار الحي الخلفي. وحين ينام بلا عشاء أو ينظر إلى غيره يتخطاه وظيفياً دون وجه حق، فهو يتذمر كإنسان عادي ولكن لا يتوقف مهما حاول ذلك. جدلية المثقف / السياسي تضاد على طول الخط. التقاؤهما ينطوي على نفاق لا يليق بمثقف ومصلحة أشبه بوصمة عار. لأن السياسي حالة مؤقتة حتى وإن طالت كما يحدث في أوطاننا، والمثقف حالة دائمة حتى وإن قمعها السياسي. لا أريد طرح فكرة مثالية بقدر ما أريد التوصل إلى نتيجة: إن حال الثقافة في العالم العربي يعيش عصر انحطاطه إذ يندر أن تجد مثقفاً لا ينتمي إلى تيار ما. اللامنتمون مغيبون تماما، والجمهور في حالة غياب منعش.

 

13-القارئ العربي ( ذاكراتي ) ويستند في قراءاته على مرجعيات أو موجهات فكرية وتأملية ، والقصة كما يتداول البعض – جنس مستورد –

ألا تجدين أنها تجترح اللاجدوى في تأصيل نفسها عربيا ؟

 

- تقصد كما يفعل المسرح، وكما تفعل الرواية، وكما تفعل قصيدة النثر وكما تفعل السينما، وكما يفعل التلفزيون؟؟ حقيقة لا أعرف بالضبط ما هو محلي أو غير المستورد في هذه الفنون. ولا أعرف ِلمَ يشغلُ العرب أنفسهم كثيراً في مسألة التأصيل. ربما هي ذريعة لتبرير الفشل، أو تقاعس عن الابتكار والتجديد والتجريب. واستمراءٌ لعملية الاستنساخ والتقليد لذا تكون من نصيبنا الخطوة رقم عشرة آلاف في حين أن شعوباً غيرنا تستورد وتطور وتنطلق. المشكلة برأيي تكمن في يباس العقل العربي وجموده في قوالب وتقديسه لأسماء وتكريسه لنصب، واستسهاله لمسألة البحث والتنقيب بين المراجع السابقة بطريقة القص واللصق حتى امتلأت المكتبة العربية بدراسات مكررة وممجوجة مازالت تفكر بأيهما أسبق الدجاجة أم البيضة؟!! وابحث عن دراسة عربية حديثة لمسألة نقدية أدبية أو علمية معاصرة ستتشظى بين المكتبات وتسافر من دمشق إلى بيروت إلى القاهرة إلى الدار البيضاء فتعود بمترجمة أو مترجمتين. فيما الدراسات الغربية فككت بنية النص وقسمت الجين الوراثي، واستصلحت أرض القمر، وأرسلت وفودا سياحية إلى المريخ!!

 

14-منذ أعوام ينشغل الوسط الثقافي بدعوى – الحداثة – في مواجهة التقليد ( الكلاسيك )  وهنا أود أن أسأل عن ماهية هذا الحداثة برأيك ثم الأ توافقينني بأنها بررت لاختلاق ثقافات هشة ونصوص مريضة دون تغاض عن وجود بعض الملامح الايجابية؟

 

- أما زال الوسط الثقافي منشغلا بالحداثة؟!! كنت أظنه تخطاها إلى ما بعد بعد الحداثة؟!!

الثقافات الهشة والنصوص المريضة لا علاقة للحداثة بها، إنها مفرزات طبيعية لمجتمع يكابد آلام مخاضه بأجنة مشوهة. كيف لا وأثناء حمله تعرض للضرب والسجن والقمع والحصار والاغتصاب ولم يبق انتهاك لم تتعرض له أجيال كاملة على امتداد أكثر من ستين عاماً. كما لا ننكر أن الملامح الإيجابية كثيرة منها أن بعض الأجنة كانت ذات بنية قوية فصارعت لتحيا سباحة في البحيرات المالحة.  

 

15-على الهامش دوما يعيش المثقف العربي، ماسبب ذلك وماهي آلية النهوض بهذا الواقع وأين هو دور المؤسسة الثقافية ؟

 

-مشكلة المثقف العربي عدمَ اقتناعه بأهمية الهوامش، مع أنها تحتوي دوما على تفسير الأعلام وشرح الكلمات وأسماء المصادر والمراجع. أقصد أن المثقف بالمطلق يعكس ثقافته من موقعه في المجتمع. نحن دوما في حديثنا نستعمل كلمة مثقف بمعناها المطلق بينما نقصد بها الكتاب والأدباء والإعلاميين وكل من تسلط عليهم بقعة ضوء. وننسى أن آلية النهوض بواقع أي أمة لا يقع على كاهل هؤلاء فقط. سيطول انتظارنا للمؤسسات الثقافية لتقوم بدورها، يكفي أنها مؤسسات وفيها موظفون يتقاضون رواتب شهرية حتى نقرأ على دورها السلام. أؤمن كثيرا بالنشاطات الأهلية، ثقافة المنزل والأحياء والجيران والمدن والغربة والمغتربين والأصدقاء هي التي يجب أن ننميها أولاً لنحافظ على الوطن. أن نجتمع لنقرأ ونتحاور ونناقش ونجد حلولاً للتلوث والنظافة والفساد والحقد والشللية، من أضيق محيط اتساعاً إلى الخارج، كلنا معاً آباء وأبناء وطلبة وأساتذة وعمال وسيدات مجتمع. المجتمع هو نحن وكي لا يبقى المثقف على الهامش - إن لم يكن يعجبه - عليه أن يجد وسيلة شجاعة ليدخل في المتن. وإلا فالمثقف مسؤول عن تهميشه.   

 

16-ماهي آخر مشاريعك الثقافية التي تعديننا بانبثاقها في القريب العاجل ؟

 

- لدي مشروعاتي الأدبية الخاصة مجموعة قصصية وأخرى نصوص نثرية وكلتاهما جاهزتان للطبع وأنتظر فقط إجازة من العمل لأنقض بحثا عن دار نشر.

 

17-كلمة أخيرة ؟

 

- ليس لدي كلمة أخيرة، أحب المبتدآت في الكلام لذا أقول لك : صباح الخير..

 

أضيفت في 12/01/ 2007 / خاص القصة السورية/ بواسطة الكاتب: عمر عناز

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية