|
بقلم
الكاتب: خير الدين عبيد

حكاية
المنديل السحري
كان يا مكان...
فلاَّح ميسور يعيش في حقله مع زوجته وأولاده الخمسة. وذات موسم انحبس المطر
فحزن الفلاَّح، وكان قد بذر الحب، فتوجَّه إلى حقله العطشان، ناظراً إلى الغيم،
منشداً:
تعال يا مطر تعالْ
كي تكبر البذورْ
ونقطفَ الغلالْ
تعال لتضحكَ الحقولْ
وننشدَ الموّالْ
مضت الغيوم.. غير آبهة بنداء الفلاّح، فزاد حزنه، واعتكف في بيته مهموماً
حزيناً.
اقتربت منه زوجته مواسية:
-صلِّ على النَّبي يا رجل، هوّن عليك، مالك تصنع من الحبّة قبّة؟
-دعيني يا أمّ العيال –الله يرضى عليكِ- ولا تزيدي همّي.
-طيّب.. إلى متى ستبقى جالساً هكذا، تسند الحيطان، قم.. اخرج، اسعَ في
مناكبها.
-أسعى!؟ ألا ترين أنّ الأرض قد تشقّقت لكثرة العطش، والحَبَّ الذي بذرته أكلته
العصافير، دعيني بالله عليكِ فأنا لم أعد أحتمل.
-لكنّك إذا بقيت جالساً فسنموت جوعاً، لم يبقَ لدينا حفنة طحين، قم.. واقصد
الكريم، فبلاد الله واسعة.
اقتنع الرّجل بكلام زوجته، فحمل زاده، وودّع أهله، ثمّ مضى.
كانت هذه الرّحلة هي الأولى لـه، لذا كابد مشقات وأهوالاً، فأحياناً يظهر لـه
وحش فيهجم عليه بعصاه الغليظة ويطرحه أرضاً، وأحياناً يعترضه جبل عال فيصعده،
وهكذا.. إلى أن وصل إلى قصر فخم تحيط به الأشجار وتعرّش على جدرانه الورود.
وما إن اقترب الفلاَّح من باب القصر، حتّى صاح به الحارس:
-هيه.. أنت، إلى أين؟
-أريد أن أجتمع بصاحب القصر.
-ماذا..؟! تريد أن تجتمع بالسلطان؟
وسمع السلطان الجالس على الشرفة حوارهما، فأشار للحارس أن يُدخل الرجل، وفور
مثوله أمامه قال:
-السَّلام على جناب السّلطان.
-وعليك السلام.. ماذا تريد؟
-أريد أن أعمل.
-وما هي مهنتك؟
-فلاَّح.. أفهم بالزراعة. ثمّ سرد له قصّته.
-إيه.. طيّب، اسمع ما سأقوله، أمّا العمل بالزراعة فهذا مالا أحتاجه، عندي
مزارعون، لكن إذا رغبت في تكسير الصخور، فلا مانع، الأرض مليئة بالصّخور، وأنا
أفكر باقتلاعها والاستفادة من مكانها.
-موافق.
-إذاً اتفقنا على الأمر الأوّل، بقي الأمر الثاني.
-ما هو؟
-الأجر، أنا أدفع للعامل ديناراً ذهبياً كل أسبوع، فهل يوافقك هذا المبلغ؟
-حكّ الفلاّح رأسه مفكراً، قال:
-عندي اقتراح، ما رأيك أن تزن لي هذا المنديل في نهاية الأسبوع، وتعطيني وزنه
ذهباً.
وأخرج الفلاّح من جيبه منديلاً صغيراً مطرزاً بخيوط خضراء.
وفور مشاهدة السلطان المنديل، شرع يضحك، حتّى كاد ينقلب من فوق كرسيّه الوثير.
ثمّ قال:
-منـ.. منديل، يا لك من رجل أبله، وكم سيبلغ وزن هذه الخرقة؟ أكيد أنّ وزنها لن
يتجاوز وزن قرش من الفضّة، ها.. ها.. ها.. أحمق.. مؤكد أنك أحمق.
بلع الفلاّح ريقه وقال:
-يا سيّدي ما دام الرّبح سيكون في صالحك فلا تمانع، أنا موافق.. حتّى لو كان
وزنه وزنَ نصف قرش.
لمس السّلطان جدّية كلام الفلاّح، فاستوى في جلسته، وقال:
-توكَّلنا على الله، هاك المطرقة، وتلك الصّخور، شمّر عن زنديك وابدأ العمل،
وبعد أسبوع لكل حادث حديث.
أمسك الفلاّح الفأس بزندين فولاذيين، مشى باتجاه الصّخور بخطا واثقة. نظر إليها
نظرة المتحدِّي. ثمّ.. وببسالة الباشق هوى عليها بمطرقته فتفتّتت تحت تأثير
ضرباته العنيفة، متحوّلة إلى حجارة صغيرة، وكلّما نزَّ من جبينه عرق الجهد
والتعب، أخرج منديله الصّغير.. ومسحه.
عَمِلَ الفلاّح بجدّ وتفانٍ، حتّى إنّه في تمام الأسبوع أتى على آخر صخرة، صحيح
أنّ العرق تصبّب من جبينه كحبّات المطر، لكن ذلك لم يمنعه من المثابرة والعمل.
انقضى أسبوع العمل، وحان موعد الحساب.
-عافاك الله أيُّها الفلاّح، لقد عملت بإخلاص، هاتِ منديلك كي أزنه لك.
ناولـه الفلاّح منديله الرّطب، وضعه في كفّة، ووضع قرشاً فضيَّاً في الكفّة
الأخرى، فرجحت كفّة المنديل. أمسك السلطان عدّة قروش، وأضافها، فبقيت كفّة
المنديل راجحة.
امتعض ، أزاح القروش الفضيّة، ووضع ديناراً ذهبياً فبقيت النتيجة كما هي.
احتار ، طلب من الحاجب منديلاً، غمسه في الماء ووضعه مكان منديل الفلاّح،
فرجحت
كفّة الدّينار.
زَفَرَ ، نظر إلى الفلاّح غاضباً، قال:
-أفّ.. ما سرّ منديلك.. أهو مسحور؟ ظننت أن الميزان خَرب، لكن وزنه لمنديل
الماء صحيح.
ابتسم الفلاّح.
وشرع السلطان يزن المنديل من جديد، فوضع دينارين ذهبيين.. ثلاثة.. أربعة.. حتى
وصل إلى العشرة حينها توازنت الكفّتان.
كاد السلطان يجن، ماذا يحدث؟ أيعقل هذا؟ عشرة.. عشرة دنانير، نهض محموماً، أمسك
بياقة الفلاّح وقال:
-تكلّم أيُّها المعتوه.. اعترف، من سحر لك هذا المنديل.
وبهدوء شديد، أجابه الفلاّح:
-أصلح الله مولاي السلطان، القصّة ليست قصّة سحر، فأنا لا أؤمن به، القصّة
باختصار هي أنّ الرّجل عندما يعمل عملاً شريفاً يهدف من ورائه إلى اللقمة
الطّاهرة، ينزّ جبينه عرقاً.. هذا العرق يكون ثقيلاً.. أثقل من الماء بكثير.
هزَّ السلطان رأسه وابتسم راضياً، قال:
-سلّم الله فمك، وبارك لك بمالك وجهدك وعرقك، تفضل خذ دنانيرك العشرة، واقصد
أهلك غانماً.
قصد الفلاّح أهله مسروراً، وأخبرهم بما جرى، ففرحوا وهللوا وتبدلت معيشتهم
فنعموا ورفلوا.
((وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة))
   
حكاية الكذَّاب
في قديم الزّمان، عاش سلطان يحبّ الكذب حبَّاً جمَّاً، فكان لا ينطق بأية كلمة
إلاَّ إذا تأكد من كذبها حتّى إنّه كان لا ينطق بحرف الصاد كي لا يذكّره بكلمة
صدْق.
باختصار.. كان الكذب يسري في عروقه.
مرّة.. أحسّ أن أكاذيبه أصبحت مكرّرة، لذا أعلن عن مسابقة للكذب ليرفع من سويّة
كذبه، وجعل جائزة أكبر كذبة صندوقاً كبيراً مطعّماً بالصدف غير أنه لم يكشف عن
محتوياته.
وحان موعد المسابقة، وتجمهر النّاس وأشار السّلطان للمتسابق الأوّل بالكلام،
فقال:
-كنّا.. يا سلطان الزّمان.. ثلاثة، هاجَمَنَا المَحْلُ صرنا ستة، عاش من عاش
ومات من مات، أصبحنا اثني عشر. ذات يوم ذهبنا إلى حمَّام السوق فانزلقنا في
سواقيها، رجعنا ثلاثة، الأول أطرش.. الثاني أعور.. الثالث أعرج.
قال الأطرش: أنا أسمع صوت بعوضة في أعلى سمائها.
قال الأعور: صحيح.. فعيني تراها.
قال الأعرج: هيَّا لنركض وراءها.
ركضنا.. فوجدنا برغوثاً يسلخ جملاً، وقفنا عنده، قلنا: ألا تعطينا فخذاً؟ قال
حصّلوها وخذوها.
المهم.. حصّلنا الفخذ، وقصدنا عجوزاً مشطها في جيبها زيّن الله شيبها، قلنا
لها: ألا تطهين لنا هذه الفخذ؟ قالت عندي طنجرة (شرقه.. مرقه) تأكل اللحم وتترك
المرق، أعطيناها الفخذ، جئنا بالخبز، فتتناه في صينيّة كبيرة، دلقنا فوقه
المرق، ورحنا نأكل بالمغارف، حتّى إننا لم نترك فيها لقمة واحدة.
ضحك السلطان فور انتهاء المتسابق من سرد كذبته، قال: أين الكذب؟ إنّك لم تذكر
حتى كذبة ضئيلة بحجم رأس الدبّوس، هيا اذهب وافسح المجال للمتسابق الثاني.
ويتقدم رجل أحمر الشّعر، يرتدي ثياباً ريفيّة، يحيّي السّلطان ويقول:
-يا سلطان السلاطين، ذهبتُ البارحة إلى البيدر، فرأيت الفلاَّحين يحصدون البيض،
يكوّمونه ويدرسونه قلت لحالي: لماذا لا آتي بالجحش وأملأ خرجه بالبيض؟ أي
والله.. ركضتُ مثل الريح، جئت بالجحش وملأت عِدْلَي الخرج بالبيض، ولحسن الحظ
كان عِدْلاً الخرج مثقوبين، والبيض يقع على الأرض، ينكسر.. يتحول إلى دجاج
ويركض ورائي، حتّى إنني عندما وصلت إلى البيت وجدت خلفي دجاجاً كثيراً، فتحت له
الباب (ادخل.. بيت.. بيت) دخل الدّجاج، نظرت إلى الخرج، وإذا ببيضة كبيرة، مددت
يدي لأمسكها، وقعت وفقست جملاً، أنخت الجمل.. وضعت عليه حملاً ثقيلاً.. فانعقر
سنامه، أخذته إلى البيطار، قال: ضع له قشرة جوز مكان العقر، وضعت له القشرة،
وإذا بشجرة جوز كبيرة تنبت فوق سنامه، فجأة.. أزهرت الشجرة وأثمرت، قطفتها
فجمعت قنطاراً، لكن بقيت حبة جوز في رأسها، أمسكت طينة وضربتها، وإذا بالطينة
تتحوّل فور ملامستها حبّة الجوز إلى أرض (حمرا نفرا ما فيها حشيشة خضرا) قلت:
سأحرث الأرض. أحضرت مقلاعاً، وضعت فيه الثور ورميته، وضعت عُدّة الحراثة
ورميتها، ثمّ وضعت نفسي ورميتها.
حرثت الأرض وزرعتها بالسمسم، مرّ أحدهم.. قال: أخطأت، المفترض أن تزرعها
بالبطّيخ. قلت: بسيطة: سأزرعها بطيخاً، ناديت أولاد الجيران ورحنا نلمّ السمسم
المبذور، وفور انتهائنا وجدته ناقصاً حبة، بحثنا عنها، هنا.. هناك، أخيراً..
وجدناها في فم نملة، أمسكنا الحبّة، شدّت شددنا، انعفست الحبّة فغرق أولاد
الجيران كلّهم في بحر السّيرج، تركتهم وجئت إلى هنا.
قطّب السّلطان جبينه، نظر إلى الرجل بقسوة، قال:
-يا لك من رجل أحمق، الظّاهر أنّك لا تفهم الكلام، أنا أقول لك أريد سماع كذبة
كبيرة، وأنت تسرد عليّ حكايات لا تحوي حرفاً كاذباً، هيا.. استدر واغرب عن
وجهي.
استدار الرّجل مكسور الخاطر، ومَثَلَ أمامه رجل لمّاع العينين.
-أيُّها السّلطان المبجّل.. عندي كذبة مُتَبّلة.
نظر السلطان إليه، قال: هاتِ أسمعني.
-احم.. احم، منذ ثلاثين سنة استدان والدكم السلطان الأعظم جرة مليئة بالذهب
الخالص من والدي.
فتح السلطان فمه دهشاً، قال:
-ماذا تقول يا مجنون! والدي أنا يستدين من والدك جرّة مليئة بالذهب؟
-مولاي.. إن كنت كاذباً، فقد فزت وأصبح الصندوق من حقّي، وإن كنت صادقاً.. ردّ
لي مال أبي.
حكّ السلطان جبينه، قال لنفسه: فِعلاً إنه لكذَّاب محترف، لكنه أبداً لن يكون
أكذب من السلطان.
ثم صاح:
-هيه.. أنت، لقد فزتَ بالمسابقة، واستحققت لقب أكبر كذَّاب في البلاد، هيا..
تقدم وخذ الجائزة.
نظر الرّجل إلى الصندوق بعين حالمة، تراءت أمام عينيه صور اللؤلؤ والمرجان
والفيروز والذهب والفضة و...
ركض نحوه فرحاً، نزع القفل، فتح الغطاء. و... شهق مذعوراً.
هرع الناس إليه مستفسرين، نظروا داخل الصّندوق، وقعت عيونهم على الحجارة
والحصى، فشهقوا واجمين.
أمَّا السلطان.. فكان الوحيد الذي يقهقه، وكأن أحداً يدغدغ خاصرتيه.
((وتوته توته.. خلصت الحتوتة))
   
حكاية البنت الصّغيرة
في قديم الزمان.. عاشت بنت صغيرة، بيتها صغير، سريرها صغير، وصحنها أيضاً
صغير.
ذات صباح.. أمسكت مكنستها، وراحت تكنس باحة الدار.
فجأة... وجدت فلساً، ركضت فرحة إلى الحانوت واشترت به دبساً، ثم رجعت إلى
المطبخ ووضعته على الرف.
بغتة... حطَّت ذبابة عليه ولحسته.
نظرت البنت إلى الذبابة غاضبة، قالت: والله سأشكوك إلى القاضي.
بدّلت ثيابها، وانطلقت إلى القاضي، فلما دخلت مجلسه، وجدته يلعب مع قطّ جميل.
قالت الصغيرة: أيُّها القاضي، قال: تكلمي، قالت: جئت لأسمع حكمك العادل، قال:
أنا في الحق لا أجادل، قالت: أنا أميرة، البنت الصغيرة، قال: اسمك على كسمك،
قالت: كنست باحة الدار، قال: نظَّفتِ، قالت: فوجدتُ فلساً، قال: رُزقتِ، قالت:
اشتريت به دبساً، قال: تحلّيتِ، قالت: فوضعته على الرف، قال: علوتِ، قالت
باكية: ثم جاءت الذبابة ولحسته، قال: شراً فعلت، قالت: أريد حقّي، داعب القاضي
أذنيَ القط، قال: العوض على الله.
خرجت البنت من عند القاضي غاضبة، فرأت بائع زبيب، أمسكت حفنة وركضت.
صاح بائع الزّبيب: هيه.. أين ثمنه؟ قالت: العوض على الله.
طار عقل البائع، هرول إلى القاضي وشكاها. أحضر القاضي المتهمة، سألها: لماذا لم
تعطِ البائع ثمن الزبيب؟ أجابت: لقد أعطيته، قال: وماذا أعطيته؟ قالت: ما أخذته
منك، قال: وماذا أخذت مني؟!
قالت ساخرة: العوض على الله.
خجل القاضي من نفسه، أزاح قطّه المدلّل من حضنه، أخرج نقوداً من جيبه وأعطاها
للرجل ثمن الزّبيب، ثم التفت إلى البنت، وقال مبتسماً: لقد أصبحت الآن تمتلكين
الزّبيب بدل الدبس فكليه هنيئاً وابلعيه مريئاً.
فرحت الصغيرة، ورمت للقط بضعَ زبيبات، ناسية أن القطط لا تحب الزبيب.
((وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة))
   
حكاية النسّاج الذكي
في قديم الزّمان.. عاش نسّاج طيّب القلب، يكسب رزقه من عرق جبينه، ويأكل لقمته
حلالاً.
كان يفتح باب دكّانه الخشبي صباحاً، يبسمل.. يتّجه صوب نوله الخشبي الكبير،
يشدّ على طرفيه خيوط السّدى الطّوليّة، يتوجّه إلى حفرته قبالة النّول، ينزلها
محرّكاً تلك الخيوط، ويبدأ برمي المكوك يميناً وشمالاً، بادئاً بنسج البساط أو
السّجادة بخيوط اللُّحمة العرضيّة الملوّنة، صانعاً ((حيطان من خيطان)).
مرّة.. وبينما هو يرمي مكّوكه يمنة ويسرة، غنّى:
رُح مكّوك.. تعال مكّوك * * * عندي مال.. يكفي ملوك
وصادف أن مرّ أحد اللصوص من أمام دكّانه، سمع غناءه، فلعب الفأر في عبّه، كما
يقولون في الأمثال، وأضمر سرقة المال.
وفعلاً.. ما إن نامت الأعين، حتّى تسلّل إلى الدّكان، كسر القفل.. دخل.. نَبَشَ
طابات الصّوف والمخدّات فلم يجد شيئاً، تلفّت حوله.. لمح الحفرة التي تُحرَّك
خيطان النّول منها، نزلها.. أزاح طرف البساط الصّغير.. و.. كاد يطير من الفرح،
حتّى إنّه نسي نفسه، فصاح بهتاً:
-أووه.. جرّة مليئة بالليرات الذّهبيّة، يا لطيـ..ف!!
صراحةً.. لم تكن الجرّة كبيرة، ولم تكن مليئة بالكامل، بل كانت الليرات
الذهبيّة تشغل نصفها.
أخفى اللص الجرّة تحت عباءته، وأطلق ساقيه للريح.
بعد عدّة أيّام.. خطر للص المرور من أمام النّسّاج، كي يشمت به، إذ تخيّله
جالساً أمام دكانه، لاطماً وجهه بكفّيه.. منتحباً كالنساء.
لكنّه.. وفور اقترابه من المحل، دهش وتحيّر، فالنسّاج يحرّك رأسه مبسوطاً، يعمل
ويغنّي:
((لو خلاَّها.. كمّلناها * * * لو خلاّها كمّلناها))
ضرب اللص جبينه، قائلاً:
-ما أغباني.. لقد تسرّعت، كان من المفترض أن أصبر قليلاً حتّى تمتلئ الجرّة،
ويطفح المال منها.
لم يطق اللص صبراً حتّى يهبط الظّلام، فما إن أغلق النّسّاج محلّه وغاب عن
النّظر حتّى كسر القفل الجديد مرجعاً المال إلى مكانه.
عند الصّباح.. وبعد أن دبّت الحركة في السّوق، مرّ اللص من أمام دكّان النّسّاج
نظر إليه بطرف عينه أصغى لغنائه، سمع:
يا طمّاع.. يا صعلوك * * * رجع المال.. قل مبروك
رُح مكّوك.. تعال مكّوك * * * عندي مال.. يكفي ملوك
شهق اللص، صفع خدّيه.. انتحب كالنساء، ومضى خائباً متعثّراً بقدميه.
((وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة))
   
حكاية مقتل اللبوة
كان يا مكان.. في قديم الزّمان.. وسالف العصر والأوان.
كان هناك مملكتان، مملكة الغابة.. يتزعّمها الأسد، ومملكة البحيرة.. يتزعّمها
الجاموس.
وكانت المملكتان الجارتان تعيشان بوفاق وسلام.
وذات ليلة.. خطر لملك الغابة أن يسهر وحده على ضوء القمر، فخرج من مملكته
قاصداً البحيرة.
عندما وصل الأسد إلى البحيرة، سحره جمالها، فقال لنفسه:
-أقسم بأن أضمّها إلى مملكتي قبل أن يصبح الصّباح.
تسلّل الأسد إلى الرّابية المطلّة على البحيرة، حيث يجلس الجاموس كعادته هانئاً
آمناً، يريد افتراسه، لكنّه.. وفور اقترابه منه، عاجله الجاموس بنطحة قوية،
فَزَأرَ متدحرجاً من فوق الرّابية، وسقط في الماء، فغرق.. ومات.
وصل خبر موت الأسد إلى زوجته اللبوة، فهاجت وماجت، وأقسمت أن تنتقم لزوجها،
وراحت تفكّر بخطّة تستطيع بها غزو مملكة البحيرة، فقد علمت أنّ الجاموس فتّح
عيون جنده، واستعدّ لأيّة غارة محتملة.
ومضى الزّمن.. وبعثت اللبوة إلى الجاموس رسولاً يخبره أنّها لم تستطع تحمل مشاق
الحكم، وأنّها ترغب في أن يزورها الجاموس ليوحّد المملكتين، ويصير ملكاً
عليهما.
سُرّ الجاموس بهذا العرض، وجمع مستشاريه ممن يعترف لهم بحسن المشورة ويأخذ
آراءهم في حل المشكلات وأطلعهم على رغبة الملكة، وسألهم الرأي في هذا الأمر،
فأشاروا عليه بالاستجابة لطلبها والإسراع في تحقيقه.
وكان النسناس من بين المستشارين –وكان ذكيَّاً حاذقاً يحبه الملك- فخالفهم فيما
أشاروا به، وقال: يا ملك الزّمان.. إني أشم رائحة الغدر تفوح من الغابة، وأنا
أرى أن تخبرها بموافقتك، شريطة أن تأتي هي إليك، لا أن تذهب إليها فهي تعدّك
قاتل زوجها، ولا تعدّك مدافعاً عن أرضك ونفسك.
لم يوافق الجاموس على ما أشار به النسناس، واستدعى التمساح، وكان من أعزّ
أصحابه، ثمّ قال: أعطني رأيك.. فأنا أحبّ المشورة.
حرك التمساح ذيله.. قال:
-تصوّر.. أيّها الملك المبجّل.. أنك زعيم البحيرة والغابة معاً، إن هذا الأمر
يفرح النّفس، توكّل على الله.. اذهب إليها، وثق بأن لي أصحاباً كثيرين في
الغابة، ولو رَأوْكَ صاروا معك.
أحب الجاموس ما قاله التمساح، وعصى النسناس، فقال النسناس:
-لا يطاع لنسناس أمر.
|