الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/02/2009

الكاتبة: منال فياض / 1971-2001

       
       
       
       
       

 

الواقع في قصص منال فياض

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

أديبة وكاتبة قصة من سورية

ولدت في 1971

تخرجت من جامعة تشرين / كلية الآداب 1997 / قسم اللغة العربية

لعبت دورا مهما على الساحة الأدبية في سوريا والوطن العربي

 

لها عدة إصدارات في القصة

منها مجموعتها القصصية  "سفر في وريد مقطوع"

حيث عكست فيها رؤيا اجتماعية واقعية لقاع المجتمع.
تصور مواقف حادة وحوادث مفصلية، تنضج بشعور إنساني عميق وجذري، تقوم على كشف وإظهار ما هو متميز وغريب ومدهش، مما يجعلها مشبعة بروح الحكاية التي لا تنسى.

توفيت شابة وهي في الثلاثين من العمر

 في 01/01/2001

 

 

الواقع والمأساة في قصص الأديبة الراحلة منال فياض


بقلم: غازي زربا
 
"القصة هي مجموعة من الأحداث يرويها الكاتب وتتناول حادثة أو عدة حوادث تتعلق بشخصيات إنسانية مختلفة تتباين أساليب عيشها وتصرفها في الحياة على غرار ما تتباين حياة الناس على وجه الأرض".‏
 
منال فياض "الإنسانية والأديبة":‏
 
في مساءات أحد أيام صيف آب عام 1971 كانت الولادة - وفي صباحات أول أيام كانون الثاني لعام 2001 كانت الوفاة.. في عام 1997 تخرجت من جامعة تشرين /كلية الآداب/ قسم اللغة العربية.‏
بسيطة في حياتها- عفوية في تصرفاتها مثقفة واعية، طموحة حالمة - كانت دائماً تخاف الموت، أو هي تتوقع لحظة تكون هي النهاية.. ولأكثر من غير مرة قالت لي: سأموت قريباً .. هكذا يقول لي إحساسي ولا بد أنك ستقرأ يوماً ورقة نعي ملصقة على الجدران في شوارع المدينة. وفعلاً وبعد أيام معدودات على آخر لقاء بيننا، وتحديداً في 2/1/2001 كنت أسير مع الشاعر جمال أبو الشملات في أحد شوارع الرمل الشمالي، باللاذقية رأيت من يلصق ورقة نعي..‏
لفت انتباهي الاسم .. اقتربت منه - ولم أصدق.. مرات أعدت القراءة.. ومددت يدي وخلعت الورقة وحملتها في جيبي وعدت إلى البيت وبحزن مددت يدي إلى المكتبة وتصفحت مجموعتها القصصية.‏
سفر في "وريد مقطوع" الصادرة عن اتحاد كتاب العرب 1999 دمشق كانت /منال/ كفراشة صغيرة تتنقل من صفحة إلى أخرى، بل وتنصب أرجوحة للطفلة التي تعيش داخل روحها وتبدأ اللعب، وتبدأ أيضاً بكشف أسرار لغة الهواء وغور الحياة..‏
كانت /منال/ رائعة الحضور تحب أصدقاءها تعاملهم بعفوية ومحبة، لكنها سريعة الانفعال، متوترة، مفرطة الحساسية والتأثر من مخالب البعض.‏
كانت تحمل بين كتفيها رأساً مليئة بالأحداث والطموحات والآمال التي لم تتم، المهم الآن، وبعد مضي أيام على رحيل الأديبة القاصة /منال فياض/ التي كانت تحاول شق طريقها الأدبي بكثير من البحث والدراسة والتأمل.. وربما مجموعتها القصصية الأولى /سفر في وريد مقطوع/ هي من نتاج خيالها الخصب في بعض ساعات الهياج والتعب والحب والموت البطيء.. هي قصص تكاد تجمعها هموم واحدة رغم اختلاف وجهات النظر وزوايا الرؤيا وطرائق الدخول إلى أحداثها..‏
إذ تنصب معظمها على رصد حركة التغيرات المأساوية التي كانت تعترض الإنسان في ممارسة حياته اليومية..‏
كانت /منال فياض/ عندما تريد أن تكتب قصة - كانت تتقمص الشخصيات ذاتها بل وتعيشها لأيام.. لتكاد تتحول في لحظة ما إلى الشخصية ذاتها ثم تبدأ بالكتابة.‏
إذاً هي تتابع شخصياتها /أثرها وتأثرها وتأثيرها فيما بينها وفي علاقاتها بالمجتمع والأماكن وانعكاس كل ذلك مع بعضها البعض.‏
/سفر في وريد مقطوع/ قصة حب واقعية تحصل في المستشفيات حين تتعلق المريضة بالمنقذ الجسدي والروحاني الذي هو الطبيب، وغالباً ما تصاب تلك الفتيات بالصدمة فيتطور المرض بدلاً من الشفاء.‏
تقول فيها على لسان بطلها الطبيب /أواه يا عزيزتي، الأسى لا ينتسى، حين ذهبت في غيبوبة وصعدت رائحة العرق من الممرضات والأطباء المتحلقين حول سريرك كي يجعلونك تتنهدين أو أن يعيدوا لك ضربات قلبك لم تقدر العيون كلها أن تجس دمعها عليك..‏
فكّرنا كيف نخبر أهلك وانتظرنا أن يبرد جسدك الممدد كتمثال من العاج / ص10 وتمضي في سرد أحداث قصتها مدركة أن القصة القصيرة ليست كذلك لأنها قصيرة الحجم وإنّما هي كذلك لأنها عولجت علاجاً خاصاً، وأنها تناولت موضوعها على أساس رأسي لا أفقي وفجّرت طاقات الموقف الواحد..‏
تقول في موقع آخر من القصة ذاتها / لو كنت أعلم بأنك ستموتين لما أقفلت في وجهك باب العيادة.‏
/اليوم توقف المساء فيا أيتها الماشية نحوي في طريق وريدك المقطوع اعذريني يوم زرتني نسيت أن أضع يدي في يدك حتى يندمج عرقك في مساماتي كالمرهم/ ثم تتابع أحداث قصتها بكثير من اليأس والعتاب.‏
"أربعون عاماً.. وها نحن نفترق لنلتقي فوق ورقة."‏
"فيا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية"‏
هذه هي /منال/ تمضي كما بطلة قصتها وهذا ما كتب على ورقة نعيها بتاريخ 2/1/2001‏
عرف عن القاصة تركيزها على نقاط التحول في الموقف ليتاح لها أن تجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل في لحظة واحدة ماثلة للعيان..‏
ففي قصة /والأبناء يضرسون/ وبعد أن يربي أبو نجيب أولاده خير تربية/ طبيبة وضابط يكتشف وهو رجل جاهل بسيط بأن خيانة عظمة قد تمت وأنه لا ينجب..‏
ماذا سيتصرف وكيف ستأتي النتائج..‏
يقول الأب /من أجلهم استأجرت غرفة في حي الدكتور كي يتعلموا ويرفعوا اسم بائع المازوت الفلاح على باب عيادة أبو باب وزارة.‏
كررت على مسامعهم بأن العظماء خلقهم الجوع من الأزقة، خرج المفكرون والمتأملون والثائرون كاللبن لا يصبح زبدة إلاّ حين يخض بقوة..‏
وبعد أن تحقق حلم الأب سرد حكايته.‏
/حين كان يمرّ في أحد الشوارع سمع صوت امرأة تتأوّه، أنقذها إلى أقرب مشفى، وهناك تمت ولادتها -اتهمته بأبوته للمولود، اعترض، صرخ، فهو لديه أولاد لهم سمعتهم في البلد..‏
لكن الطبيب كان له وقع كالصاعقة حين أردف على كتفه قائلاً له لا تخف اشكر ربك، التحليل الطبي يبشر بالخير، أنت لا تنجب أبداً..‏
لطم وجهه بكل ما يملك من قوة، نورا ليست ابنته، ونجيب لا يحمل شيئاً من جسده وبدأت الأفكار تراود الأب ماذا يفعل؟ هل يرضى ويسكت..؟ أم يثور ويقتل؟ أمران أحدهما مرّ.. لكنه اختار الحل الثاني.‏
فقد اصطحبهم إلى المزرعة بحجة البحث عن كنز جدهم، الزوجة والابنة والابن قالت الزوجة بديعة بخبث /سنعيش أثرياء لولد ولدنا/‏
تأملهم تأمّل الوداع.. قبّل نورا وعانق نجيب.. وقال لهم بابتسامة شاحبة:‏
/ألا ترغبون بصورة تذكارية قبل أن يظهر الكنز؟/‏
اصطف ثلاثتهم على حافة الحفرة، وبثلاث طلقات على الزناد تراءت أمامه صورة مذهلة- ثلاث طلقات أنهت ثلاثة من البشر.‏
أنهى مأساته هكذا تصور..‏ لكن من هنا بدأت المأساة.‏
في قصصها ما يشبه حالة من الجدل الدائم بين ظروف الشخصية وإمكانياتها التي تحدّدها الطبيعة المكانية والزمانية لقصّتها /الكرسي/ وهي قصة طالبة جامعية مثقفة والضابط المقعد- كلاهما يعيشان حالة كبيرة من القهر..‏
الفتاة تنتظره لسنوات وهو يهرب منها إلى الأبد من أجل ألا تتم هذه العلاقة العاطفية..‏
الفتاة التقته مرة في الحديقة، ركضت نحوه لكنه سرعان ما اختفى في جنينة الشجر قالت، وحدي وقفت أرقبه كيف يغيب في البهو عبر الباب الضيق، أعماني الدّمع والعتمة. انتظرته في اليوم الثالث، جميع رفاقه خلف الطاولة يضحكون ويتهامسون، خجلت أن أسأل عنه..‏
انتظرته كثيراً لم يظهر، صرت قلقة كعصفورة أضاعت فرخها.‏
في اليوم الرابع لم يظهر، في اليوم الأخير لم يظهر..‏
بدأت أزور الحديقة عندما تفتح لأسبوع كامل، من عام وأنا أقول في العام الثاني لم يظهر، في العام العاشر لم يظهر.‏
وهكذا نراها في معظم قصصها تميل إلى الاهتمام بالمكان، وتضع لكل فعل مبرر ثم هناك نتائج تترتب عليه.‏
هكذا كانت تعيش في عوالم أخرى وشطحات من الخيال والحلم وتيارات دافئة الشعور.‏
وقليلاً ما تعود إلى الذكريات المختبئة في صدرها، ومن ثم تعود إلى الكتابة التلقائية..‏
ففي قصتها /ثورة ضرير/ مالت إلى الرمز المريح.. فتاة ضريرة حاولت أن تغير واقعها. ونجحت، لكن هذا النجاح لم يستمر..‏
وتسقط ثورتها لترجع الفتاة مكبلة بالظلم الاجتماعي.‏
تقول /يد تشدّ بمعصمها كقبضة الحديد تجرها كما المرة الأولى وتدفعها إلى الصندوق الكبير في السيارة ذاتها.‏
في لحظة الاختفاء الأخير مالت / / برأسها نحو حارتها متخيلة الرجل صاحب الراديو ونشرات الأخبار وهو يلوّح بيديه.‏
فركت يدها المحمرة من الضغط وتجمّدت في مكانها وسقطت ص37.‏
وتمضي بنا /منال/ في مكاشفة البنى الذهبية لفكرة القصة مع مراعاتها لمقومات نجاح القصة القصيرة.‏
ثم نراها وكأنها تدخل نفسها في نسيج الأحداث، تتحرك في كل الاتجاهات كل ذلك من أجل كسر الحاجز الذي يخنق الحياة الإنسانية، وذلك أيضاً من أجل اكتشاف الحقيقة، وفي الانطلاق من الواقع إلى الواقعية.‏
وهكذا كان واضحاً في قصتها /المليونير يتسوّل/ والذي صار مصيره إلى متسول في الشوارع بعد أن كان يملك العقارات والمحلات والأموال.‏
وقد تحوّل إلى بائع متجوّل للأقلام في شوارع المدينة/‏
وتوقفت سيارة فخمة أضاءت جسده الطويل المنحني اقترب منه الرجال الثلاثة وهمس بقوة: أقلام. أقلام، اشتروا بليرة واحدة فقط.. ص44.‏
وهكذا تمضي القاصة الراحلة في الكثير من قصصها في مواجهة مستمرة مع الخط العام لأحداث قصصها ولا تنتهي هذه المواجهة إلا بموضوع المأساة فقد عالجت في قصة /الزمن والصفارة/ ظاهرة العنوسة وانتصار المادة على الروح من أجل أن تكتمل الحياة بشكل صحيح.‏
ولو اختلط هذا الاكتمال بالكآبة تقول /ليست عزيزة الأولى التي قضت حياتها بالانتظار وفاتها القطار.‏
فالجيب لن يمتلئ والحياة صعبة ص56.‏
أمّا في قصتها /صرخة رجل عازب/ عمدت إلى ترك نهايتها مفتوحة قابلة لقراءات متنوعة ومختلفة، الرجل الشرقي حين تشبع عينيه وبطنه من كل شيء ويسقط في علاقات طائشة ولا مسؤولة تؤدي به الحال إلى الصرخة الكبرى..‏
كانت القاصة تبحث دائماً عن موضوعات حساسة ولم تهتم بالجزئيات بل كانت تسعى دائماً إلى الوصول إلى الكلّي الفكري عند شخصيات قصصها..‏
ففي قصة /حسن وكاتارينا/ وهي قصة اجتماعية بطولية تكشف بأن البطولة لا تكون في أحيان كثيرة بالجهد العضلي بل بالأخلاق فقد أثبت /حسن/ لشريحة كبيرة من الألمان بأن العرب شرفاء.‏
يقول /حسن/:‏
والآن يا سيدتي مري فوقي بثلاث خطوات إلى الأمام، ابدئي برجلك اليمنى فعلت ذلك ظانة أنه يلاعبها ثم توقف ونفخ متنهداً كأن بركاناً خرج من جسده وقال:‏
أنت الآن أمي إنشاء الله..‏
تتميز /منال فياض/ من بين مثيلاتها من الأديبات المبتدئات بقدرة مميزة على الغوص في الحياة /أشكالها ومضامينها/ تتعرف عن قرب على همومهم ومشاكلهم.‏
وربّما تضع الحلول لقضاياهم اليومية والحياتية، وهكذا كان واضحاً ويمكن أن نتلمسه من خلال القراءة المتأنيّة لقصصها التسع عشر في مجموعتها /سفر وريد مقطوع/‏
ورغم هذا يبقى باب القراءات مفتوحاً وكذلك التفسيرات والتأويلات بقدر ما تحمله قصصها من غموض وشفافية وإيحاءات تقول في قصة /الشرفتان/: عندما غضبت يا زينب علمت بأنك اجتزت مرحلة الطفولة وأنك مثلي ازددت أنوثة كما ازددت رجولة.‏
لم أقصد الذي خطر لك يا أختي، افتحي أزرار القميص فوق نهدك الأيسر أنا الذي وشمت عليه الصليب، أترانا بتلك الطريقة نزيل الحدود.‏
القاصة /منال فياض/ عملت دائماً وبوعي منها لأسس القصة لبناء شخصية قصصها وتقديم فكرتها مدعومة بسياج من الصراع الدرامي إلى جانب بناء الحبكة بشكل جيد ومحكم.‏
وقد عمدت في كل قصة إلى تعدد أنماط الشخصيات والتنوع في سرد الأحداث، وهذا ما أعطى لقصصها حيوية خاصة.‏
تقول في قصة /أحزنتني يا يوم اللقاء/ آخ.. كفرت بكل شيء حتى تلوّثت نفسي وتلوث دمي..‏
لا أؤمن إلاّ برقعة أرض ستضمني حتى وأنا ملوثة وقلت: إلى متى سيحتمل هذا الوطن -لقد كثر فيك الملوثون والمعذبون.‏
-كلمة أخيرة:‏ منال فياض:
كانت تتمتع بموهبة أصيلة -عفوية في أحاديثها، صادقة في التقاطها لما هو جوهري وحيوي في حياتنا.‏
تعشق الوضوح لأنها كانت تعرف أنّ النفوس الشفافة ترفض أن تلتوي خلف الوجوه الباهتة.‏
فقدناك باكراً.. وسنفتقدك كثيراً في قراءاتنا وفي مهرجاناتنا الأدبية.‏
ستبقى كتاباتك حتى ولو مرّ عليها النسيان.‏
ستبقى قصصك في الذاكرة حتى ولو مرّ عليها الزمان..‏
رحم الله الأديبة القاصة والصديقة /منال فياض/‏

نماذج من أعمال الكاتبة

ثورة ضرير

الكرسي

والأبناء يضرسون

 سفر في وريد مقطوع

المليونير يتسول

أجزاء من الثانية

الزمن والصفارة

 صرخة رجل عازب

 

سفر في وريد مقطوع

 

 

نظرت طويلاً في الصورة المعلقة على الجدار بلا إطار، فيها أشياء كثيرة تشبهك الشعر المبعثر كخيوط الشمس فوق كتفك... المطر الأبدي الحزين الغارق في الأهداب وعينيك النجلاوين.

وعلى رف المكتبة نظرت في صورتي المحاطة بإطار ذهبي حين كانت لحيتي السوداء منذورة لفتاة في الغربة.

اشتريت الصورة فقط من أجل عينيك المخلوقتين فيها كالمعجزة. وقبل أن تستعبدني الذكرى وتضعفني، وأمام الانتظار الطويل لأحد المرضى الأشقياء. أقفلت باب العيادة وصرفت الممرضة.

تعب المطر... فنام في البرك وثقوب الأرصفة. مشيت كما يمشي جميع الرجال بمحاذاة أفواه الدكاكين. كل شيء ينادي أن أشتريه (قهوة -علبة سجائر- منظفات- مجلات).

وقفت مشدوهاً أمام واجهة المكتبة حين لمحت بسرعة كتاباً صغيراً بحجم الكف الكبير مكتوباً عليه اسمك بالأصفر، وأنا الوحيد الذي أعلم بأنك تحبين الأصفر وتحبين زهرة عباد الشمس لأنها تدير وجهها بقوة ومتعة في وجه الشمس، في البيت قرأت كتابك في الشرفة، دخنت علبة من السجائر وفي الليل لفّ صوتي في اختناق فأيقظتني زوجتي ومسحت وجهي بحفنة من الماء.

في الكابوس تحولت حروفك المتصلة إلى حبل وصارت تعصرني وتغبّ من دمي.

وصلتني رسالتك بأنك تحتضرين- لم أصدق- لأني مثل أهلك، أحسّ بأنك ستعيشين لتشهدي دفن الجميع.

فوق تربتك بدأت أصغر وتحتها بدأت تكبرين، ومن خلف قضبان صدري أقف كالمحكوم لأبرر لك وأدافع مرة عن نفسي فقد طال صمتي، وأنت قلت بأن الصمت يقتل حين يستدعي الحدث كلمة واحدة ولا ننطقها.

فوق سريرك في الطابق التاسع كنت تشردين، ترتسم سفن الميناء بعينيك وأنت تحكين لجيرانك المرضى قصص عشتار وأندروماك وآلهة اليونان. تمنيت لو سمعتها منك بالتفصيل أنشدّ عبر صوتك في الزمن المخلد بحكاية.

في إحدى المساءات الحلوة، جسست لك النبض، نسيت الإشارة الحمراء التي تفصل بين عبوري من نفسي إليك، خرج من عينينا لمع خفيف لا توقفه قوى الأرض كلها. ولا الحراس ولا القانون. ولا اللّه. لم أنم ليلتها رغم مناوبتي وتعبي حتى الصباح في غرفة الانعاش. أصابعي مدبقة بدمعك مسحتها وأنت تتوسلين لي أن أريحك من آلامك بإبرة في الوريد. ووعدتك مازحاً بطريقة تريحك وبدأت الوخز بالروح حتى الموت. كنت أمزح، كنت أكذب. نسيت بأن المزاح سيرتدي في يوم موتك لون الكحل.

كنت مطروحة فوق السرير، تقرئين، تنامين وحدك، وتستفيقين لا أب يسأل ولا أخ ولا قريب. أخبرتني بأن أمك قبل عشر سنين لطمت وجهها، وشدّت شعرها، وفي انهيارك في المشفى للمرة الثانية بكت واعتقلت ألف دمعة.

ولما صار الألم مستمراً ومملاً صارت تزورك بضحكة مخضبة بالحسرة.

قبل ست سنوات من الآن كنت أترك لحيتي السوداء على سجيتها، كنت كالمجنون بالحفظ، حفظ شكل العظام، ومسيرات الدماء، ومناطق تواجد الأوردة. لي طموح واحد، أن أرجع إلى بلدي بلقب طبيب، أخرج من باب هذا المشفى ولا أعود إليه.

قبل أن أثور بدمعك الصافي كالفضة لم أفهم ما معنى الإنسانية كان الوريد أنبوباً رفيعاً يحرّك أجساداً تالفة، وبعدك صار له شكل آخر ولون ورائحة لم نقرأ عنها في كتب الطب. صار له همس القصب وانحناءات نهر بين الحصى وتحت خشب المراكب.

يا من بدأت تفتحين أبوابك في رياضي لتحويني في حضن اللّه... قصائدك قبل أن تنشر في كتاب لم أفهمها في مسودتها، لأني لم أرد أن أفهمها ربما لضيق الوقت أو لانشغالي بالأهم. مررتِ بي كما تمر نجمة في وضح النهار ولا نراها لأن الشمس أقوى من كلّ الكواكب.

نشتم رائحة الزبالة ولو كانت في يدنا وردة حين نمر بالقمامة الفائضة على الأرصفة لأننا لا ننشدّ لسوى الأقوى... لسوى الأكثر والأكبر. حين نختلي بأنفسنا بين أربعة جدران لا نجد وقتاً للصلاة ولا نفكر حين ننظر إلى ستائر النافذة بسوى نوعية قماشها وطريقة حياكتها.

مذ فهمت نظرتك الأولى حذرتك مني. من ذاك الحقد والبعد بيني وبين النساء.

(عبير) رجمت قلبي بليرات زوجها الجديد. حين سافرت لتكمل دراستها في روسيا أعطتني منديلها المغمس بالعطر والدموع وقبل أن تحصل على الشهادة حصلت على العريس تلك المرأة التي أكلها الفقر لتهضمه هي. (عبير) لم تغير يوماً تسريحة شعرها ولا بنطالها (الجينز الأزرق) من يومها فهمت بأن هدوء الوجه كالهدوء قبل العاصفة كالصفار في الوجه يغطيه ارتخاء واختناق لكنه يخفي في الدم الموت وآكلات البشر الصغيرة.

تلك نظرتي للنساء انطفأت من (عبير) لأشتعل بك. ابتسامتك، نعومتك، شعرك القصير.. هدوءك كل شيء جميل فيك يذكرني بها.

حاولت أن أخفي ولعي بك كما يفعل الطفل حين يسرق أو يخبئ في جيبه الصغير قطعة سكر نسيت بأن جمال الأنثى بكبريائها، وأن الرجل الشرقي مهما تمدّن يبقى ويجب أن يبقى الذكر القط الراكض من فوق الأسوار وراء المرأة آدم نفسه مشى خطوتين وراء حواء، فلم كسرت قوانين الطبيعة وأخذت تمشين كالثملة تحت زخات المطر تبتلين وأنت تبحثين عن هدية تليق بطبيب. نسيت نفسك لأذكر نفسي.

مشيت وراء صوتي المتعب، صوتي المبحوح مثل أصوات كل الرجال، والمريول الأبيض يلبسه الجزار والحلاق والطباخ وآلاف الرجال.

أواه يا عزيزتي، الأسى لا ينتسى. حين ذهبت في غيبوبة، وصعدت رائحة العرق من الممرضات والأطباء المتحلقين حول سريرك كي يجعلوك تتنهدين أو أن يعيدوا لك ضربات قلبك. لم تقدر العيون كلها أن تحبس دمعها عليك. فكرنا كيف نخبر أهلك وانتظرنا أن يبرد جسدك الممد كتمثال من العاج. إذكر كيف اتهمني الجميع بحبك حين احمر وجهي وارتجفت أناملي وأنا أصرخ بهم أن يبتعدوا لأسهر قربك على السرير حتى الصباح وأنجح في اقتناص وريدك الضامر. شهقت واغترفت من عينيك نظرات العسل من ذلك اليوم تسرّع نبضك ليستفيق دمي.

قلت لي:

-أفديك بروحي.

قلت لك.

-هذا واجبي تجاه أية مريضة.

شعرت بأنك ملكي بدأت أرقبك كحارس. من تكلمين من الذكور في عائلتكم؟ لمن تبتسمين من رفاقي من الأطباء. وكنت دائماً أسأل نفسي أهو حبٌّ؟ وأجيب: بل إن الذي بيني وبينك أسمى من الحب.

في غربتي صرت أمراً مفروضاً في حياتي كالمطر، والشمس، والشاي، والسيجار أشتاق كما تشتاق النوارس إلى أوطانها الأولى.

 

كنت بريئة وصرت بحبي تكبرين بسرعة مخيفة، دموعك لونّها الكحل، بدأت تكتحلين لتشوهي أجمل ما تملكين وبدأت تغارين من كل الإناث حتى انتشرت في دمك الغيرة كما ينتشر فيك المرض يوماً بعد يوم.

لم أجبرك أيتها المرحومة أن تشطري جسدك نصفين. نصف لي ونصف بي أن تفتتي نفسك لتكون دموعك الأسيد الذي أطفأك. علمتنا الديانة والأسطورة أن الحياة توهب ثانية لنكون أقوى منها لنكون ثائرين على حياتنا الأولى- عيشي- قلتها لك ألف مرة كان لديك وقت طويل كي تتصرفي بطفولة.

لم أجبرك أن تحملي لي أكياس السكّر ويدك مزرقة وممزقة من وخز الإبر فقط لأنك تعلمين بحبي للشاي المحلى بالسكر. ذكرتني بالطفلة كوزيت وهي تحمل الماء المثلج تحت رصاص المطر من الغابة البعيدة، البطلة الصغيرة في قصة البؤساء.

صليت كي لا تفكري بي كما تفعل الأخريات، ابقي كنحلة تلحس لتعيش لا لتشبع في نهايات ثغرها لذة المص. ابقي قبالتي تقولين شعراً لم ينشر على صفحات المجلات، شعر لي وليس للعالم أجمع. و لا تتخيلي ماذا يحصل لو التقى جسدانا التقاء رجل أدماه التعب بالفراش. لكن الحب لا يترك أحداً صغيراً صرت تتمارضين تقطعين عن نفسك الدواء لتكوني بين يدي في غرفة الانعاش شعرت بك... عيناك كجذوتي نار تحرق جسدي الممدد فوق سريري داخل غرفتي كنت بعينيك تحرثيني حرثاً قطعة قطعة. عطفت عليك فدعوتك بكيت لأنك تريدين وترغبين في تلك اللحظة أن أجعلك كحبة رمل بين الحذاء والرصيف.

انتصرت على نفسك وفي النصر خسارة حتى للقائد العظيم.

لو كنت أعلم بأنك ستموتين لما أقفلت في وجهك باب العيادة وأنت ترتجفين متعبة من السفر الطويل مغمسة بلباس كالليل (المعطف- الحقيبة- البنطال) أتيت إلى بحجة تقديم العزاء بوفاة والدي. لم تكوني حزينة عليه كنت تخبئين وراء حزنك فرحاً كبيراً كأنك كنت تنتظرين وفاته كي يفرحك لقائي، يومها صغرت في عيني أيتها الحبيبة.

اليوم توقف المساء. من أجلك نظرت في وجه زوجتي بازدراء وهجرتها حتى الصباح فيا أيتها الماشية نحوي في طريق وريدك المقطوع.... اعذريني.

يوم زرتني نسيت أن أضع يدي في يدك حتى يندمج عرقك في مساماتي كالمرهم.

نسيت أن أحقق لك بعضاً من حلمك قبلة على وجنتيك كقبلة أخ غائب عن أخته الحبيبة تكورت وراء مكتبي لأنني جبان -فمن قال لك أن شعر الوجه يصنع رجولة في الرجال.

في ذلك اليوم نفسه خفت منك، شبهتك بالخفاش حين رجعت في العاصفة إلى الكاراج بطريق مظلم يخشاه الرجال.

من دلّكِ على الطريق. الزقاق الأول والثاني ثم المنعطف الأخير؟ فأنت في مدينتك نفسها لا تعرفين سوى طريق واحد من باب بيتكم إلى غرفتي في الطابق الأخير.

أتسمعين؟

أعلم أن الروح تبقى لتشقى حول من تحب.... أتكونين روحاً لوردة القرنفل في هذا الأصيص أو أنك تلامسين شعري ووجهي المحصود تنسجين معي في السيارة لتستقري في صورة الطفلة الباكية المعلقة على الجدار.

أربعون عاماً.... وها نحن نفترق لنلتقي فوق ورقة... فيا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية.

1992

 

 

 

والأبناء يضرسون

 

 

أنا أبو نجيب، أبٌ لولد لم يولد برغم مرور السنين، قبالة داري قصر سطحه من قطع القرميد وستائره شجرات الياسمين، قصر مصنوع من حجر القلعة التي لم يبق من هيكلها سوى جدار مثقوب وعدة أعمدة. هم يعمّرون ونحن نهدم كم تعبوا وهم يجرّون الحجر لفوق الجبل، وكم فرحنا ونحن نعمّر بعض البيوت من ذاك الحجر.

تجمعني مع السيد عارف أرض تشبُّ كلّما كبرت فيها جذوع شجر الزيتون أملك الثمن منها، بعد أن اهترأت ساعات النهار أجلس على كرسي بسيط لكنه مريح آمر زوجتي كما يحلو لي مراقباً خلفيتها العريضة بشهوة آخذ أنفاساً من التبغ (أبو ريحة) أزرعه في الحاكورة.

 

زوجتي بديعة تنظف له البيت كل يوم خميس قبل أن يقدم أولاده من المدينة يوم الجمعة مصطحبين زوجاتهم.

(نورا) ابنتي بدأت تنطق أول كلمة -بابا- فتقع في قلبي وقوع الزيت بالنار. في هذا العام امتدت فروع الزيتون في كل اتجاه وأثقلت بحبات كروية خضراء ناضحة بالزيت.

السيد عارف متواضع جداً ينزل إليّ ويجلس إلى جانبي على (الخوان)، تسرع بديعة وتضع خلف ظهره وسادة يستند عليها، إنه يحب الكلام كما أحب الصمت قال لي بعد شرود:

-أتعلم...؟! كلّنا أولاد زنا بالمحارم.

ثم يأمر زوجتي بتحضير النرجيلة متأملاً عمارته وكأنه يملك العالم.

شجرة السنديان أبقيتها في أرضها، تحتها تعمّر (نورا) بيتاً من الحجارة المصفوفة بشكل مربعات على العشب.. وفوق فروعها الضخمة تنغم العصافير أجمل الألحان، يخرج أحياناً صوت يشعرني بخوف- رغم حلاوته- حين يندمج مع ضجيج الماء في البركة الصغيرة. صنعت لها من الحبل أرجوحة. شعرها الأصفر يطير على وجهها المدوّر، صرختها... ضحكتها المتقطعة تبدّد ضباباً غريباً يحيط بعتمة سراديبي. بدت كوردة شقائق النعمان في ربيعها وهي ترتدي الفستان الأحمر هدية السيد عارف لها في عيد ميلادها.

أدفع الحبل في الهواء بقوة فتعلو ثم تنخفض ويتطاير كاشفاً عن جسد أبيض كثلج تحت الشمس. أحسست في لحظتها بشعور شيطاني غريب، طلبت السماح من الرب راجعاً بقلقٍ إلى الغرفة غير مكترث بها وهي تنادي بأعلى صوتها: (بابا... لم ذهبت؟! ادفعني....).

كنت أحدق بعيون زوجتي الهاربة دائماً في عالمها الداخلي وأنا أحدثها عن المستقبل والشيء الذي كنت آمله (الولد). بل أريد أولاداً.. أولاداً بعدد الشجر الذي أملكه. اقتربت نورا بقلق ناظرة في العمارة المقابلة، قالت:

-بابا... صحيح أن الإنسان يعيش ويموت سبع مرات؟!

-ربما لا أعرف يا نور حياتي.

-أحسّ بأني عشت في ذاك البيت!

اشتعلت أعصابي غيرة من عارف، لا أريد لخيالها أن يتخطى حدود الفقر نحن راضون بالعيشة الشريفة نكتسي، ونشبع، ونضحك كثيراً. الصمت الطويل انفجر انفجار النجوم المضيئة في عيد رأس السنة حين بشرتني بديعة بشيء يتحرك في بطنها، وأنها تقيأت مرتين واشتهت أن تأكل التراب، وحبات الفريز الأحمر. لم أنتظر للغد... إلى سوق الخضرة فوراً وهناك في الساحة المزدحمة بالعربات الخشبية مسحت بطرف كمي دموع الفرح. "أخيراً  يا ولدي الشقي... تأخرت بحضورك إلينا. آخ، كاد العمر أن ينتهي...".

السيد عارف يفسد تربية الطفلة، يذكّرها بعيد ميلادها، ويطالبني بإرسالها إليه كي تتعلم مع أحفاده استعمال الحاسوب وأخذ الساعات الخصوصية فصارت تطالبني بالهدايا وتعدّها واجباً محتمّاً عليّ، وحقاً من حقوقها حتى اعتادت على عيشة الصغار البورجوازيين.

أطفأت في حزيران تسع شمعات، تبدّدت خيوط الدخان الصاعد من الشمع حين صفقنا بحرارة. قبّلها السيد عارف فوق جبينها، حضنها بقوة. ولما قالت له بهمس سمعته (هديتك رائعة... أنت أبي الثاني) شعرت بألم في فجوة رأسي الثمل لكني تجاهلته وحضنتها أنا الآخر بدوري وحين عانقتني أفقت من غيبوبتي، جذبتها إلى صدري ثانية لأتأكد فاحتقرت نفسي وانكمشت هي كما تنفر اليد من النار. ابتسمت بتصنع ناسية أن تشكرني على الهدية كما فعلت مع عارف.

أخذت نجيب من حضن أمه وضممته متمنياً لو أنه يشبهني بلون الشعر الداكن بسمار البشرة، بتدويرة الوجه الذي تتميز به عائلتنا. أخذ فقط اسم جده.

شجر الزيتون بدت أوراقه الصغيرة مغبّرة جذوعه رمادية مقشرّة، وأنا أيضاً هرمت، والبغل الأحمر الذي يجرّ عربة المازوت شتاءً صار كسولاً لا يقطع بضعة أزقّة حتى يخرّ تعباً. والرجل يهرم في الستين إن عاش شقياً راكضاً وراء الليرات القليلة تحت المطر فوق الوحل بين ذرات البرد، وذرات الغبار. وكلّه من أجل الأولاد، آه، الأولاد... يمصّون دمي... هات... هات... هات.

والآن وبعد أن أسرد قصتي، افهموا لم البعض من البشر يجرّون البغال، وعيونهم كالأحذية تزحف ببطء فوق الطرقات؟

ولم يُلّف ذاك النداء (م.اا..زووو...ت) بالحزن والعويل والاستجداء فاغفروا لي بطولتي التي أعدها انتصاراً على قدر أحمق... الموت وحده ينهي لعب القدر، ولو أنه آخر لعبة.

تلك التربة الباردة التي تلتحف بالعشب الأخضر والورد البري، والتي كانت جنة لطفلين يكبران كما الشجرة فرعاً.. فرعاً، وشبراً... شبراً. أرض جدي، وجد جدي صارت تبطن في جوفها الخطيئة.

من أجلهم استأجرت غرفة في حي (الدعتور) كي يتعلموا، ويرفعوا اسم بائع المازوت، الفلاح، على باب عيادة، أو باب وزارة، أو مؤسسة للحكومة كررت على مسامعهم دائماً بأن العظماء خلقهم الجوع من الأزمة خرج المفكرون والمتأملون والثائرون كاللبن لا يصبح زبدة إلا حين يُخض بقوة.

تحقق حلمي، صارت (نورا) في الجامعة جميلةً جداً لولا نظارتها الطبية التي تخفي عينيها الخضراوين. وبسبب تفوقها على دفعتها. كرّمت، بدأت تتقاضى راتباً شهرياً بسيطاً يعينها على شراء بعض من حاجياتها الكثيرة.

و (نجيب) أمسى رجلاً لم تولد الأرض مثله... سيأتي اليوم ببزته العسكرية وستلتمع النجمة الذهبية فوق كتفه العريض وهو يحمل الحقيبة الدبلوماسية، يحضر لي قصصاً غريبة مثيرة عن الجنود في الفرقة التي يرأسها. سنشرب اليوم العرق (الريّان) حتى نسكر، اليوم عيد رأس السنة، اليوم لن أعمل وغداً أيضاً. لن أبيع المازوت ثانيةً احتراماً لمركزه، وكيف أعمل بعد الآن...؟

لقد تعبت وانهدّ الظهر و(نجيب) يشدّ الظهر.

وقبل أن يأتي المساء، اشتريت (الشعبيات، وأساور الست، والقضامة). مزّق شرودي، وفرحي لا تسعه السماء، صوت امرأة تتأوه وتئن دخلت الزقاق، وأمام باب خشبي مفتوح تمددت فتاة منفوخة البطن تلهث بسرعة وتصرخ. رميت الكيس جانباً ولم يمر وقت طويل حتى صارت في المشفى. أخذوا مني هويتي. وبعد ساعتين خرج من مغارتها السوداء طفل اتهمتني بأبوته. كادت تقبّل حذائي المهترئ وهي تستغيث. اعترضت وصرخت فأنا لدي أولاد لهم سمعتهم في البلد. وصل كلام الطبيب إلى أذني فكان له وقع الصاعقة حين ابتسم وأردف على كتفي (اشكر ربك يا رجل، التحليل الطبي يبشّر بالخير... أنت لا  تنجب أبداً).

لطمت وجهي بكل ما أملك من قوة حتى احمر ثم ازرقت مساحاته "نورا ليست ابنتي ونجيب لا يحمل شيئاً من جسدي ولا نقطة مني... نجيب الملازم ابن زنا.. ابن حرام؟!"

قررت أن آخذهم في ذلك المساء من شهر كانون في رحلة نهايتها العالم الآخر، العالم الأسفل.

أمرتهم أن يحضّروا أنفسهم للذهاب إلى القرية. فقالت نورا ببلادة: (اليوم... الثلاثاء، يومان ليوم الجمعة يا بابا...) لأول مرة أشعر بقزازة تلك الكلمة، كلمة بابا لها نغم كحشرجة الصراصير المنزلية في خشب عفن.

استأجرت سيارة أجرة... طوال الطريق كنت صامتاً لساني له قساوة وثقل الحجر حين سمعت (بديعة) الخائنة تخطط لمستقبل الأولاد، ستبيع أساورها الذهبية وتشتري بثمنها بقرةً هولنديةً حلوباً، أو ربما بقرتين. و(نورا) من الخلف تشبك ذراعيها حول عنقي شعرت باختناق أحد المحكومين بالإعدام شنقاً تطالبني ببضعة أوراق نقدية لتشتري حقيبة تناسبها كطبيبة.

أما (نجيب) فله رأي آخر مخالف لرأي أمه، فهو لايطيق عيشة القرية ولا الأرض. يفضل أن نبيعها ونبدّلها بـ(شاليه) على الشاطئ يدر علينا المال الكثير دون تعب الحراثة والهم في انتظار موسم يمكن أن يثمر أو لا والكلّ اتفق على أني كبرت ويجب أن أستريح.

خبأت دموعي الحديدية... آه... البكاء بصوت مرتفع في تلك اللحظة أمنية سال أنفي... سال قلبي... انفتحت كل المسامات في جلدي حتى أغرقني العرق.

(نورا) تمازح أخاها، فيضربها شاداً شعرها، تستنجد بي، لم أنطق لأني لو نطقت بكلمة واحدة ستلغيها الغصة. نظرت إلى المطر باحتقار وكفرت بالحياة.

قصر عارف -معتم كالعادة في الشتاء. صرنا في الأرض بين بيتنا المغطى بالتوتياء وبين القصر. سلّمت كل واحد منهم مجرفة وقلت: (احفروا) نظروا إليَّ بقلق إلا نجيب خلع ثيابه وبقي بالسروال. انشدّ نظري إلى عضلاته القوية التي صنعتها بتعبي، وعمري صرخ بفرح: (هنا كنز جدي؟ أجل كنز يا بابا). ردّت نورا: (انتظرنا سنين.... دعونا نحضر في الغد يا بابا).

قالت بديعة بخبث: (سنعيش أثرياء لولد ولدنا).

تأملتهم تأمل الوداع، قبّلت نورا، عانقت نجيب، وقلت لهم بابتسامة شاحبة: (ألا ترغبون بصورة تذكارية قبل أن يظهر الكنز؟).

اصطفّ ثلاثتهم على حافة الحفرة وبثلاث ضغطات على الزناد تراءت أمامي صورة مذهلة. ثلاث طلقات أنهت ثلاثة من البشر.

أخذت المجرفة ورددت فوق جثثهم التراب حتى سكنت الأرض من ألم الحفر، رجعت تجاعيدها كما كانت. زرعت فوق تربتهم شجرة صارت تكبر لتثمر زيتوناً أحمر.

أجبني أيها البغل، ولو بشخرة... أسرع قليلاً... حا.. حا.

(ما... زوت... مازو...ت).

 

 

الكرســــــي

 

 

أيقظتني عصافير الدوري فوق غصون شجرة التوت اليابسة خلف نافذتي. أخذت نفساً قوياً حتى امتلأ صدري بهواء الفجر. الوقت مازال باكراً رجعت للنوم ثانية لأنهض عند الظهيرة شعرت بالاشمئزاز لأن أقول دائماً (أبشع منظر في الدنيا صورة رجل نائم حتى الظهر. وأحلى ما في الدنيا.. طفل نائم وقت الظهر). وقفت طويلاً أمام المرآة معجبة بنفسي. ومن خلفي الشجرة الميتة تظهر في المرآة أيضاً، جسدي سيهترئ. ولكل شيء مصير. كل المناظر الرومانسية في الغرفة تأمرني أن أبدأ بالشعور الجميل. ولكن الوقت طويل ومازال لدي وقت كاف لحب عظيم.

فنجان القهوة الصباحي لم يشبع رغبتي في احتساء فنجان آخر في الهواء الطلق اليوم عطلتي في الجامعة. اتصلت بصديقتي الوحيدة ودعوتها للفطور في مكاننا المعتاد في مقصف يطل على البحر لكنها اعتذرت بسبب سفر زوجها المفاجئ.

ركبت سيارة أجرة. أرقب بعيون ذابلة الناس بأعمارهم المختلفة يهرولون في مسيرة دائمة عشوائية لا تنتهي. لوائح الإعلان الصارخة بكلمات كبيرة.. كل لائحة تجارية وطبية تصرخ بسكان الأرصفة أن يدفعوا.

وصلت إلى حارة أقل ازدحاماً شوارعها نظيفة والنظافة هكذا تخيف. الأرصفة أيضاً يغطيها بلاط حجري. الإعلان الأخير شد فضولي، فنزلت من السيارة، فجأة  مشيت خطوات قليلة نحو بناء عريض يشعر بالرهبة، يحيط به خضار الشجر من كل الجهات. ومن بين الورق الصغير يظهر لونه الأبيض اللامع مبهراً للنظر. دخلت الباب الواسع وبدأت المشي في طريق بنيّة ضيقة جداً يكللها شجر السرو على جانبيها. بدأت الغناء بهمس ناسية أنني لم أعد طفلة. الطريق تنسي المرء عمره عندما يصير في أعماق الطبيعة الخالدة بعيداً عن ضجة المدينة والسعي وراء لقمة العيش والغياب الدائم في عتمة العيادات والمستشفيات.

انتهت الدرب بجنة واسعة أزهار عباد الشمس البرتقالي بحجمه الكبير تحيط بتمثال ضخم لطفل من البرونز الأسود يمد يديه الفضيتين في الهواء بلهفة لحضن أم غائبة عن الوجود ومن بين فخذيه يخرج خيط من الماء ليصب في بركة صغيرة.

وقبل أن أدخل في الباب الضيق وصل إلى سمعي صوت موسيقا كلاسيكية. رجال يصرخون مع صوت فرقعة أصابع أصوات أطفال أيضاً... تهدأ الموسيقا حتى تغيب ويخرج صوت امرأة ليهدئ من صخب الصراخ، جف لعابي... دفعت نفسي إلى الفسحة الواسعة كعب حذائي أسمعه يرن فوق بلاط الرخام. هدوء اشتعل فجأة ليملأ المكان بقوة الإيقاع. إيقاع يحكي حكاية شعب قديم لدرجة أنني رأيت أحصنة تصهل. وقلعة حجرية. أب يقتل.. أم محمرة الوجه فوق تنورها.. رجال بعيون زرقاء. صليب يكسر.. صليب يعمر.. صرح يبنى. قبر يهدم من أجل جثة أخرى.. تفجر قلبي.. وبالكاد جمعته لأكمل رحلتي مع اللوحات التشكيلية المعلقة على الجدران.. أحتاج ساعات كي أنهيها بالتأمل والتفكير.. الواقع مع الروح الحالمة وفي اللوحة الأخيرة التي أوقفتني لتحمل بين جفني دمعتي قلق انجذب نظري إلى الكرسي الرمادي المائل إلى الصفرة الداكنة. وفوقه رجل مرسوم بالأبيض يذوب كشمعة أشعر بأنه سيتلاشى بعد دقائق. الرجل الثلجي يتململ مع الموسيقا يتحرك فمه بشكل منحنيات.. أخفضت نظري وقبل أن ألقي نطرة أخيرة.. التقت عيناني بعينيه اللامعتين كان يجلس مع رفاقه خلف طاولة طويلة.. وجه نشيط وشفاه يغطيها شارب كستنائي لأول مرة أشعر بالسهم الخفي -قاتل السكون- سهم يفتح القلب على الحياة لتبدو أجمل. مرة أخرى مسحت بنظري كل المناظر. رأيتها بمنظور آخر. حتى وصلت إلى اللوحة الأخيرة. سألته بجرأة مصطنعة عن رمزها بعد أن وقع نظري عليه بغير قصد. صار يشرح لي. معاني كلماته لم أسمعها لكن نغمها الرجولي عبأ أوردتي بالدماء يبدو أنه أذكى مما توقعت. دعاني لفنجان شاي مع الكعك بكل أدب. لم أتردد جلست قبالته شاعرة بالضعف والخجل. كان الحديث طويلاً. بدأت أتحدث بطلاقة فجأة تحرك الكرسي وحده من قبالتي توقفت فجأة عن الكلام. نسيت نوع الحديث الذي بدأته من ساعة. صعقت. رجل بهذا المرح والثقة والشخصية القوية مصاب بالشلل قررت أن أرحل في سبيلي فما أكثر الأحلام التي تنتهي بالمفاجآت والغرابة علي أن أختفي فوراً قدماي لم تطاوعاني على الوقوف. يبدو أنه لحظ الاصفرار في وجهي عندما تحرك كرسيه. انطفأت نجمة النهار في حدقته الواسعة رفع يده وأشار إلى اللوحة وراءه:

 

(أنا من رسم تلك اللوحة).

لو تحدثت وماشيته في تلك اللحظة. لفرطت دموعي لذا لذت بالصمت، وهو يحدثني عن القذيفة التي فتتت رفاقه الأربعة في جنوب لبنان ولم يبق إلا هو شاهداً على نار شبت لتأكل السيارة العسكرية وتلوكها. تغير صوته عندما قال: (ليتني كنت معهم محترقاً بدمي.. هاهي الأيام تزول- عمر ويمضي أنا كافر أنا أتعذب...).

نظرت في عينيه العسليتين دخلت فيهما إلى أعماقه قلت له بغير شعور (أنت بطل.. ياسيد جمال.. أنت شهيد يتحرك..) ثم تصنعت ابتسامة ردَّ علي بمثلها.

غير حديث الحرب تكلم عن عيشته ووضعه المالي. بيت كبير وسيارة مع جنديين بالإضافة إلى الراتب الشهري الذي يتقاضاه من الجمعية.

أكملنا الحديث في الحديقة أجرّ الكرسي بقوة أنثوية ليتحرك ببطء.

أسندت ظهري على جذع ضخم لشجرة عملاقة. حاولت ألا أنظر إلى قدميه فأشعر بضعفه. الشمس تختفي من الوجود تأخرت فليكن لم يبق سوى ظلين بشريين وعشرات الظلال لجذوع الشجرات. أحسست ببرودة كفي عندما وقعت في كفه الدافئة شبهني بوردة البنفسج. صرت أمشي مع الكرسي. صرخ صوت من قرب.. اقتربت الخطوات السريعة نظر الشاب القصير إلينا بابتسامة وأخذ الكرسي بكل هدوء. العجلات تدور مسرعة على الطريق الضيق الذي بدأ مخيفاً بعض الشيء في تلك العتمة جمال يناديني أن أسير بمحاذاته أمسك بذراعي وأمر الجندي أن يتمهل (اذهبي الآن... أتمنى أن تتوقف الحياة عند تلك اللحظة لكن ما باليد حيلة) صرنا قبالة سيارته أمرني بالرحيل فجمدت كالصنم في مكاني.. لم يكن يريد أن أرى ما رأيت انتشله الشاب لافاً إياه بذراعيه. ثم وضعه في السيارة السوداء. ومن خلف الزجاج بدا وجهه لامعاً قوياً كوجه فارس أسطوري حلمت به كثيراً.

في المساء فتحت النافذة على مصراعيها. بدت شجرة التوت مخيفة وهي عارية في عز الصيف. الجو حار جداً ولا نسمة هواء تبدد الاختناق.

والسرير بارد جداً أمام الحرارة الساكنة في كل الأشياء وحتى في الهواء كتبت قصيدة قصيرة قضيت فيها أربع ساعات من الألم الروحي قصيدة لم تتجاوز عشر كلمات، أظن بأني السبب في بكائه الآن. كنت أدري بأن الحب الكبير الذي نشأ بيننا قد ذكره بعجز تناساه مدة سنتين وكنت واثقة بأن الدمع لا يزيد الرجال إلا رجولة اشتعلت عيناه حقداً غابت قليلاً عن الوجود وضع الورقة في جيب قميصه الأبيض. رد علي بجمود وتكلف (شكراً يا آنسة) ثم نزل في جنينة الشجر، وحدي وقفت أرقبه كيف يغيب في البهو عبر الباب الضيق أعماني الدمع والعتمة انتظرته في اليوم الثالث جميع رفاقه خلف الطاولة الطويلة يضحكون ويتهامسون خجلت أن أسأل عنه... انتظرته كثيراً.. لم يظهر. صرت قلقة كعصفورة أضاعت فرخها.

في اليوم. الرابع. لم يظهر.

في اليوم الأخير. لم يظهر.

بدأت أزور الحديقة عندما تفتح لأسبوع كامل من كل عام. وأقول.

في العام الثاني. لم يظهر.

في العام الثالث. لم يظهر.

في العام العاشر. لم يظهر.

 

 

ثَورَةُ ضَريرةٍ

 

الضجة تثير الأعصاب، سيارات وشاحنات تتناثر على طول الشارع كحبات عقد مبعثرة، حرارة الشمس تشعل الأرض احتراقاً والشجرة الوحيدة في الساحة مقابل دكان قديم لا تهتز فيها ورقة، جو مناسب لقيلولة قصيرة بعد طعام الغداء.

فجأة تملأ النوافذ المفتوحة بالرؤوس الناظرة ببله إلى الساحة.. الصراخ يعلو، تلعن أم عزيز عيشتها شادة جسدها الثقيل هي الأخرى إلى نافذتها بعيون نصف مفتوحة.. أبو عادل يقفز حاملاً عصا رفيعاً وصوته كصوت محرك قديم يخرم الآذان، نظر من خلف نظارتين لامعتين بضوء الشمس إلى أعلى يتفحص النوافذ المرتبة بشكل مربعات على جسد البناء.

-أظهروها..  أين اختبأت؟

وصار يهوي بالعصا على جذع الشجرة حتى خارت قواه، سحب نفسه وصعد إلى بيته في آخر طابق. حل الليل بطوله.. خرجت الشمس ثانية من الشرق. وقف في الساحة واستأنف الصراخ لكن هذه المرة بشكل آخر.. ضعف الصوت وأخذ نغمة حزينة.

-يا جماعة لن تشفقوا عليها أكثر مني.. هي لا تستطيع الابتعاد عن المدخل.

وأمام توسلاته خرجت منيرة تنظر في البعيد متكئة على الجدار صاعدة الدرج بصمت دون التفات وبين جدران الغرفة حصل نقاش حاد انتهى بصفع منيرة عدة صفعات.

-سترحلين يا مغضوبة.

فتعالى صراخها:

لا أطيق القرية... هنا ولدت، وهنا أموت.

-ستدفنين العائلة كلها ولن تموتي.

حررت نفسها من بين يديه ونزلت الدرج تزعق وتولول.

-اتصلوا بالشرطة.. أنقذوني.

الجميع نصحها بقبول الأمر الواقع، فهو أبوها وولي أمرها.

 

اقتربت من أم عزيز وهمست في أذنها:

-خالتي.. أنت وعدتني بالعريس.

صرخت بدهشة:

-أي عريس؟...

وانفجر الوالد غيظاً.. سحب ابنته من يدها مزفراً على الجارة التي أغلقت الباب بقوة في وجهيهما بعد جدال عقيم. منيرة ترفض أن تغير من حياتها، السهر على الشرفة واللذة في سماع صوت الراديو الصادر من الشرفة المقابلة، شعورها بوجود أحدهم وشعورها بجمال جسدها، الوجه المدور كقرص البدر والصدر العاجي الواسع الذي ينتظر ليكون باحة لطفل.

كل هذا تلمسه بيدها فيشتعل انتظاراً وأحلاماً.

في آخر مساء على ذلك الكرسي كانت تتذكر آخر ما رأته في هذه الدنيا وجه أختها التوأم حاملة حقيبة حمراء ترقص مرحاً وهي ترفع الجلاء الأزرق وترمي بنفسها على الوالد عند الظهيرة، تداعب بإصبعها ذقنه والأشعار المعثكلة كغابة ليلية فوق صدره الكبير.

مازالت تذكر ظليهما وتلحظ المحبة التي وهبت لأختها، واختفت الألوان مع الأيام.. اختفى وجه الأخت الأسمر الضاحك باستمرار.. اختفى الولد صاحب الكرة الذي صار رجلاً وسافر مع أختها إلى لبنان ليستقرا وينجبا.

أقفل الباب بالمفتاح. وسحبت إلى صندوق السيارة الكبيرة، تكورت تضم ركبتيها تاركة نفسها على سجيتها. تهتز مع رجة السيارة، السيارة تقف فجأة. تسمع صوت صفارة يلحقها صوت زعيق المحركات ومزامير منوعة كموسيقا يدق على آلاتها مجموعة مجانين. هذا الصوت، صوت والدها والسائق فقط يدخل أذنها. الظاهر أنهم صاروا خارج المدينة.

قطع الحجارة الصغيرة المدهوسة تحت العجلات تعلن بالوصول إلى الجبل. وضعت رأسها بين كفيها متذكرة أمها الخرفة وعصرته بقوة مبتهلة في عتمتها أن تنزلق السيارة في أسفل الوادي فيصير والدها إلى الجحيم لتكون حرة بأحلامها، تتحكم بذاتها تبتسم تتأمل وتتخيل متى وكيفما تشاء.

جرها الوالد بيدها، لم تمل برأسها يمنة أو يسرة أصوات قرقعة الحجارة المدببة تحت أربعة أقدام ثقيلة، وأفكار تلوك عقلها مثيرة ومرعبة.

تلاحقت الأيام لا صباح تشرق شمسه ولا حرارة للظهيرة تنبئ بموقع الشمس من الكون.

 

والطعام نفسه الفطور كالغداء والعشاء. قطعة خبز مع سلق أو كوسا والخضار حسب الموسم فإن زرعت الأم نوعاً من الشتل سيظل هو الطعام الثابت طيلة فترة تواجده في الأرض.

تمددت في الغرفة الحجرية تداعب الوسادة تجدل شعرها الطويل وتفرده دون ملل ناسية أن العمر مضى وأن الشعر اصطبغ بالأبيض الفضي، الدم يغلي في عروقها شيء في داخلها يأمرها بفعل أي شيء بالركض أو المشي بالرقص بالدوران حول نفسها.

المجرفة وصوت رقرقة الماء ولهاث أمها اختفى... صرخت حتى تأكدت من خلو المكان دخلت الغرفة بحثت في الخزانة النحاسية عن كيس وضعت فيه أشياءها ودست يدها في صدرها باحثة عن قطعة القماش المنتفخة بالنقود.

تحسست بعصاها صخرة وقعدت عليها تدير أذنها إلى كل خطوة، انتفضت من مكانها حين سمعت دندنة ولد يقفز وراء بقرة وضعت في يده عشر ليرات لينفذ كل ما تطلبه أوصلها إلى الطريق العام، أوقف لها حافلة الركاب أجلسها في مقعد فارغ ثم اختفى.

تبتعد مرة أخرى، الزمان يختصر المسافات الطويلة وفي النهاية يعلن السائق بصوته الحاد عن آخر نقطة وقوف. يحدق بالجسد الحائر على كرسيه في المرآة الصغيرة، ابتلع لعابه الغزير وبنظرة واحدة نهمة استقرت مكابحها لما وقعت على عينيها الخضراوين الصغيرتين. وجهت رأسها ناحيته، ابتسمت للهواء انقبض حين اكتشف عماها فتذكر الرب، وطلب منه السماح.

أمسك بيدها البيضاء حتى صارت تحت الشجرة الوحيدة، دقت باب أم عزيز واختفيا في الداخل، شرحت منيرة مغامرتها محتسية القهوة الحلوة.

-فكرت كيف ستعيشين؟

مؤقتاً سأظل عندكم بضعة أيام.

جحظت عيناها، تحول شعور الشفقة إلى شعور بالاشمئزاز ارتجفت واشتعلت أعصابها ناراً (أبو عادل سيبحث عنها هنا- اللّه يبعد الشر والمشاكل- وزوجي الموظف سيجن جنونه. إنه لا يصبر حتى الأولاد).

استجمعت قواها شارحة تعذر هذا الأمر. وكان الوداع الأخير.. دقت، خبطت على الأبواب، البعض لم يفتح لها والبعض الآخر لم يغير إجابة أم عزيز، أما الباقون فقد عرضوا عليها المال شفقة، مما سبب لها حزناً وإحباطاً.

مرة أخرى وقفت على الرصيف، دموعها تبلل صدرها المتعرق (الشيء الوحيد الذي سأقرره.. الموت).

ورمت بجسدها إلى الشارع، سيارة يزعق زمورها. بالكاد توقفت في مكانها انتشلها أحدهم يظهر من صوته أنه في الثلاثين.

-انتبهي يا خالة.

ابتسمت بمرارة وهي تلعنه في داخلها (خالة؟‍‍‍!).

صوت حفيف العجلات على الطريق الأسود سكان الحارة في رقعة واحدة. همهمات وهمسات (إنها منيرة... ساعدها اللّه.. ماتفعل وحدها هنا...).

الأصوات تقل. بقيت وحدها. تفرقوا كما يختفي الغبار في العاصفة كل إلى شغله.

تلمست بيدها الشيء الذي علق بشعرها، ورقة صغيرة قاسية اقتلعت من الشجرة (هكذا دائماً يبدأ السقوط.. ورقة ورقة.. وفي ذاتها يسقط فيها الدم قطرة قطرة، لكل شيء ظل والظل مع الأيام يقزم حتى يختفي هجرتني كل الأشياء، لم يبق لي من الدنيا سوى عماي).

لم يتغير شيء سوى للحظة قصيرة، مسل ما فعلته.. عمل يعشّش بالذاكرة. غيرت من بلادة زمنها.. وافترست المكان بإرادتها. استحوذت على اهتمام الجميع وصارت حديث البنات والنساء تشعر الآن ببرودة الشمس، لابد أنه العصر. لن تدعها أم عزيز في الساحة. ستنام عندها الليلة.

 

والآن يد تشد بمعصمها كقبضة الحديد، تجرها كما المرة الأولى وتدفعها إلى الصندوق الكبير في السيارة ذاتها. في لحظة الاختفاء الأخير مالت منيرة برأسها نحو حارتها متخيلة الرجل صاحب الراديو ونشرات الأنباء وهو يلوح لها بيديه. فركت يدها المحمرة من الضغط، تجمدت في مكانها و (سقطت).

 

 

 المليونير يتسول

 

ترّجل، رنّت الشناشيل والسلاسل الفضية. صهل الحصان الأبيض بغنج ضارباً بأسفل حوافره أحجار الطريق. صوت يتداخل في السكون. العشرات صغاراً وكباراً يتجهون بصخب ناحية درب (الخرّ) يتفرجون على الرجل الجميل يحدقّون بكل قطعة تغطي أجزاء جسده. الحذاء العجيب الواصل إلى الركبة. بنطال أبيض ضيق مشدود على البطن بزنار مصنوع من المعادن الثقيلة وقبعة مخملية فوق رأسه الأسمر.

"عجيب أمركم أنتم الفلاحون.. تروحون وتجيئون في الأزقة والمزارع. تدخلون وتخرجون كأنكم في قطعة ليف كلّكم.. تجتمعون ليستخدمكم رجل واحد يجدد جلده بكم حين يحفو ويتعرى في الحمام...".

من تلك الدرب الضيقة نفسها دخل القرية، وكلّ ماكان يملكه أب وأم، وحمار رمادي يحمل فوق ظهره، وسادتين وغطاء. حين فعل الذل بالفقر حكاية نزلوا من الجبل إلى الساحل وتبرّع الخلق في القرية كلّ حسب قدرته. ومن ظهر الحمار جمع والده ثروة، يبيع البيض، يصفّه في سلاسل فوق قش أصفر له رائحة الأرض الدافئة. ثم طور تجارته صار يبيع كل ما تحتاجه الفلاحات، من الإبرة وحتى المناديل وأقمشة الأغطية والستائر.

الجميع يهتف من القلب بحياة أحمد عفيف الذي غناه اللّه بمعجزة جعلته في نظرهم في مراتب الأولياء. فأبوه حين مات سقط على وجهه نور من السماء.

ثم أمطرت الدنيا بعد انقطاع. وانفرجت الأحوال.

يتسابق التجار في بيروت لاستقباله حين ينزل في الفندق الكبير. يؤجلون الصفقات والاجتماعات. تبذل الراقصات جهوداً في الميل والرفع والخفض لتفوز الواحدة منهن بإشارة أو ابتسامة من السيد أحمد. وتضحك- ناتالي- جميلة السهرة والمحظوظة في هذه الأمسية. تمسك يده بحياء مصطنع وتقوده إلى غرفة داخلية يسقط فيها الضوء بشكل موجه إلى طاولة مستديرة. يرتاح لها لأنه اعتاد على مزاحها لاحظ قلة مرونتها وبعض التجاعيد حول عينيها. إنه الزمن يأكل الصبا ويلفظ العظام لم يخذله الحظ في بداية نهايته لكنهم الأصدقاء الذين اتفقوا على أن ينفذوا حكماً بإفقاره. ونفذت الخطة بشكل ذكي، ناتالي تلطف الجلسة. تصب الخمر في الكؤوس، تغير أشرطة الكاسيت ومن خلفه علقت مرآة خلف ستارة. في المرآة يظهر رأسه من الخلف وأوراق اللعب البلاستيكية. من عشر سنين لم يخسر سوى مرة واحدة. وهذه هي المرة الثانية. خسر كل شيء ولم يعترض لأنه يفهم قوانين اللعب.

جوزيف مالك السفينة الراسية في ميناء طرابلس يناوله مصاريف الرجوع.

-مش كل مرة بتسلم الجرة.. إنت كلمتك بالحزب وبالضيعة ما بتصير اتنين وإلك شعبية بالمدينة.. تصرّف..

تلك آخر زيارة وآخر سهرة له في بيروت باع أراضيه الخضراء حتى لم يبق عنده مسافة بساط يمدّ رجليه فوقه.

في محله الكبير الذي يملكه، أضخم محل في البازار ضغط رأسه بقبضتيه، الأفكار حين تجتمع تصبح أقسى من هذا العالم، ينقبض قلبه حين يشذ عن حركته المنتظمة، يشعر بأن الجدران التي فرغت من العلب والفساتين وزجاجات العطر النسائية كأنها القبر الذي يحويه حيّاً.

"لبس الجميع من بضائعك يا دكاناً بنيته حجراً حجر وفي كل حجر ألف حبة عرق.. صعب أن يقتل التاجر نفسه بغبائه وبطره...".

بيع المحل بالمزاد، لم يقبض ليرة من ثمنه.

وتحت المطر الساقط كالسهام فوق ظله الممدود بأسى فوق الرصيف المبلل صار يحكي لوحده كالأبله:

-من قال إن الشوارع يشطفها ماء المطر.. الأوساخ وحدها هي التي تقرر أين تجتمع، ساخن هذا المطر...

تثاقلت الخطوات، واسترخت الركب.. استطالت أصوات أشباح في الريح وطار ورق الكينا الخريفي في حضن الريح.

زوجته الأولى مازالت مصرة على الطلاق، لن يطرق بابها، ستصرخ كما المرة السابقة وتستعيد شريط الماضي كله. خطرت له صورتها وهو يبول في الحديقة العامة.

وقف على باب الزوجة الثانية صرخ بقوة ثم بعطف وابتهال حين ردت:

-منذ عام لم نحصل على قرش واحد منك.. أولادك لا يشبعون فكيف أطعمك... اذهب قيمة الرجل أمثالك بقدر ما يملك في الجيب.

أما الثالثة وهي أصغرهن ورفيقة رحلاته خاطب فيها المشاعر:

... عزيزتي.. تذكري، الرجل لايتزوج الثالثة إلاّ لأنه يضحّي برضى الأولى والثانية وحين طالبت بورقة طلاقها، انهار على السلم باكياً ثملاً بصوت مجروح كنهيق حماره الرمادي حين كان يمرض أو يجوع. وعند الفجر أذّن المؤذن "اللّه أكبر" فانتفض ككبش قطع رأسه بسكين الشيخ فذبلت عيونه قبل الموت بقليل حين تذكّر آخر أمل له.. آخر قشة نجاة، (غازي) قريب زوجته الأولى.. مرة جاء يستجديه وهو يقطع مسافة طويلة فوق بلاط الرخام في الصالون. وكان أحمد بك يدخن سيجاراً فوق كرسيه الهزّاز متأملاً منظر القرية الأخضر والذهبي من النافذة الواسعة وشكل النهر الأزرق المنحني بشكل حرف (اللام).

لم يكن مع (غازي) المبلغ المطلوب لثمن أرض صغيرة. أخذ منه المبلغ وتبسّم له:

-يارجل نحن أقارب... مبروكة عليك أرض البربر، والحمار أيضاً.. لا تنسنا من خير الأرض.. اعتبر الباقي دين سدّده متى تشاء...

مرت على تلك الحادثة سنوات كثيرة لكنّه تذكرها وهو في المقعد الأول من الحافلة.. المتجهة إلى القرية.

(غازي) لم يعد فقيراً ربما لأن يده مغلولة إلى عنقه وله أولاد ساهموا في توسيع مساحة أرض (البربر) من الجهة الشرقية، أولاد كالثيران يشتغلون بقدر مايأكلون. واليوم عيد الأضحى، مناسبة جيدة سيضحي (غازي) بعجل أحمر ونعجتين، سيقدّره الجميع وسيجتمع في بيته خمسون شيخاً يصلّون.

أخذه (غازي) بالأحضان، جلسا تحت شجرة جوز كبيرة. انتظروا قليلاً ريثما انتهت ضجة الأولاد وهم يحملون صحوناً فارغة كي تملأ بـ(الرز واللحم).

ابتسم للحمار المربوط -حماره- وكالبقية. أحضرت له قطعة خبز ملآنة باللحم.

شرح السيد أحمد تعثّر الأحوال، تنازل قليلاً طالباً قرضاً. ضرب (غازي) فخذيه النحيلين وقام واقفاً:

-الشمس تغيب، اذهب قبل أن يفوتك موعد الحافلة.

لم يقبل غازي استضافته هذا مافهمه، دمعت عيناه بحقد: "نسيت ياغازي..؟ كنت تركض أنت وكل عائلتك ورائي لتتفرجوا على الحذاء الذي يصدر أصواتاً عجيبة.. وأنت الذي كنت كالكلب تلهث لتستنشق أكبر كمية من رائحة المسك الباريسية".

وبقوة رفع يده في الهواء وقذف في وجهه قطعة اللحمة.. غازي يغضب وأحمد يحزن يفصل بينهما صوت.

 

عمرها الدنيا ماكانت لرجل واحد، شيعت، تزوجت.. أنجبت قبيلة من الأولاد..

فوق الرصيف المطل على الكازينو استند إلى عمود كهرباء حاملاً سلّة ملآنة بالأقلام يتسول بطريقة تحفظ كرامته.

توقفت سيارة فخمة، أضاءت جسده الطويل المنحني.. اقترب من الرجال الثلاثة وهمس بقوة: "أقلام، أقلام.. اشتروا.. بليرة فقط..".

دخل الاثنان إلى الفندق بينما تسمّر الثالث في مكانه محاولاً أن يرى وجهه:

-صوتك مألوف.. أجل أجل.. أنت أحمد عفيف.

-القلم بليرة واحدة.

ضغط الرجل على زنديه وصرخ بوجهه:

-أنت أحمد عفيف.. ادخل لتتعشى واحكي لي قصتك.

أجاب بصعوبة هازاً رأسه بيأس

-كنت أحمد عفيف ياجوزيف..

صرخ صديقه:

-أجننت.. تتحدث مع متسول؟!

دمعت عيونه وقال:

-هات قلم... أو هات عشرة أقلام

-أريد سيجارة

-خذ.. العلبة كلّها.. والقداحة أيضاً.

-كره (أحمد) عيشته.. عذّب جسده، حكم على نفسه بالموت قهراً.. بالموت خمراً. افترش في الحديقة العامة جريدة وتمدّد فوقها وصار المطر يتكسّر فوق جسده..

 

 

أجزاء من الثانية

 

أركض معهم في الشوارع، من ساحة إلى ساحة، ومن زقاق لآخر.

نضحك في جري سريع، نفقد عقولنا ونحن نلاحق الطائرة، ونرفع الكفوف في السماء لنتلقف أكياس السكر، والوريقات الصغيرة الملونة لم أكن أعرف القراءة لأني لم أدخل المدرسة إلى الآن.

يقرأها لي والدي ويبتسم دون أن أفهم كثيراً فأبتسم أنا الأخرى.

أتأمله دائماً وهو يقرأ الصحيفة أيام كان للصحيفة شخصيتها وكرامتها.

أراقب حدقته البنية في تحركها المستمر من اليمين إلى اليسار ثم الأسفل حيناً تلمع، وحيناً تنطفئ. وكنت أتساءل كل هذه المشاعر والانفعالات يمكن أن تسببها ورقة موشومة بحروف حجمها بحجم النملة؟

تزورني (سوسو) ابنة الجيران تشد إليها دميتها التي لا تفارقها أبداً تقول:

-لن تهجم إسرائيل.. يارب.. لاأريد أن أموت بالحرب قبل أن أتزوج...

أما أخي الذي صار زوجها بعد عشرين عاماً، قال:

-ألم تسمعي الأخبار؟ غداً الحرب، كسري الحصالة لنشبع حلويات قبل أن نموت. وقبل أن ينهي كلماته، كانت الليرات المغبرة على الأرض، والفخار تناثر قطعاً كبيرة وصغيرة، شبهته ببيت هدته الحرب، لأن الحرب في ذلك اليوم صارت هاجسي. انتظرت حتى المساء لم تحصل الحرب وبكيت على حصالتي الأثرية لا على النقود التي صرفناها في أكل الحلويات وعلى مدة ثلاث وجبات سببت لي إسهالاً شديداً.

حين بدأت أفك الحرف قررت أن أصنع من ظلي فتاة من سطور، أقرأ العبارات الحماسية فوق الجدران، وعلى الأعمدة الخشبية التي توصل أشرطة (الكهرباء).

(الوحدة طريق نحو التحرر)، (عاشت الوحدة بين سوريا ومصر).

(عاش فلان...) (سقط فلان..).

هجم الزمن، فصار للمدينة وجه آخر.. صبغت تلك الجمل حتى صار للحيطان لون الموت. وطعم الموت.

أما الطوابق الأولى من العمارات فتحولت إلى محلات مضيئة يطلقون عليها (سوبر ماركت) اغتصب الكبار ساحات الصغار التي كنت أركض، وأقفز وأدور وكل هذا بسبب التجارة. والسياحة من البلدان القريبة والبعيدة.

حتى في الساحات الصغيرة يتلاعبون بالخريطة...؟ لو كنت مازلت طفلة لتزعمت مسيرة صغيرة. وصرخت في وجه (أف) له ولكل من يملك ولداً في الحارة. لكنني اليوم لاأملك شيئاً أصرخ من أجله.

في المدرسة تقول معلمة اللغة الإنكليزية (زينب) وهي تخربش بحروف غريبة:

-يابنتي.. جملك كلها عن فلسطين..؟ مازلت فتية على الهموم، دعي قضيتها للكبار. عن ماذا أكتب حين أفكر أن أصبح كاتبة، عن عصفور فوق العش يغرد بفطرته.. عن طفل يبكي ويده فوق ثدي أمه الناصح بالحليب.. عن مريض واحد يتألم في سريره بين يدي الطبيب أم عن قصة حب عابثة في صدر القرن العشرين؟

وأجيب بـ (لا) لصرخة واحدة تخرج من ألف حنجرة.. لأقوام يرتجفون في ثلاجة ليوم جوع أو عطش يفطر عليها السياسيون ويسكرون على دمائهم.

فوق طاولة مكتبي ابتهلت بخمارها الحبري. بخشوعها على سجادات السطور كلمات القصيدة، لتخرج متثاقلة بحملها فوق فضاءات الصحيفة كالنمل الأسود حين يكد في حمل حبات القمح والسكر.

أتاني صوت من الهاتف، متعب وهادئ كصوت شاعر علمت منه بأن قصيدتي منشورة في الصفحة الأخيرة.

فرحت والفرح يتعب ويقلق. ودون أن أقف ساعة أمام المرآة لا أدري كيف سرت في الحارة بهذه السرعة لشراء الصحيفة من مكتبة حسن. قبل أن أنهي قطع الشارع وجدت نفسي كالعصفورة أطير في السماء. ويا اللّه كيف استطالت الثانية.

(لا.. لا يا رب.. لن تميتني الآن قبل أن آلامس حلمي الذي ينتظرني في الطرف الآخر من الشارع).

ونسيت أن أصلي كما يفعل الأتقياء قبل الموت بلحظة. أن أنطق بالشهادة كما يفعل المجاهدون فوق البندقية. نسيت ادريس ويوسف، والمسيح فكرت فقط في الخطوتين، وبحسن الذي ركض كالمجنون بين العشرات.. راودني ألم الرحيل حين وقع جسدي فوق سيارة الأجرة، فكرت بها قبل أن أفكر بي وتساءلت: (لماذا الفقراء هم دائماً الذي يدفعون الثمن حتى في القضاء والقدر؟!).

وهذا الرجل البائس من أين له أن يدفع ثمن دمي. ومظهره يؤكد بأنه لايملك عجلة في هذه السيارة.

تدحرجت، ألملم عن مقدمتها الغبار دون أن أكسر الزجاج. وأسقط على الأرض المبللة بالمطر.

زعقت السيارة، ساد صمت عجيب توقفت العربات كلها والنسوة توقفن عن الثرثرة للحظة صار الجميع كتماثيل حجرية قبل أن يعود الضجيج بشكل مضاعف كأنه الثورة. وأقول الثورة حتى في لحظة الموت بسبب تطفلي على الكتب القديمة الراقدة تحت أغطية من غبار. للسائق لحية فضية يظهر من تحتها جلد أسمر داكن. وصرخت بقلبي ثانية:

(دعني أعيش.. دعني أيها الرب، يجب أن يكون لموتي بطولة كما اشتهيت دائماً، يجب أن أعيش ريثما يرحل الرجل في سبيله).

أهذا هو الموت؟! حركت يدي فتحركت حركت رجلي اليمنى أخذت نفساً.. كل شيء في جسدي تحرك لا قطرة دم في فمي ولا كسر وصرخت بفرح لأن صوتي قد خرج (دعوه.. دعوه.. تابع عملك..).

رد جارنا: (أنت مصابة بنزيف داخلي. لن تشعري به الآن).

 

وتابع آخر: (سيتكفل بتكاليف العلاج في أحسن مشفى خاص).

تابع ثالث: (انظروا الفتاة تكاد تموت... من الصفرة).

وفي يدي المرتجفة، تجمعت قصاصات ورق (اسم الرجل أبو شفيق.. منزله في حي السجن... رقم السيارة (كذا).. رقم الهاتف (كذا..)

عجنت الأوراق ببعضها وبعرقي.. ثم تابعت قطع الشارع وفي عيون أبو شفيق نظرة امتنان، وخوف وحنين...

 

 

الزمن والصفّارة

 

مازال ينظر في صورتها.. يغيب في الأحلام، يركض معها فوق الجسر مقلداً الضابط الفرنسي وهو يمسك صديقته من يدها.

في الأسفل طريق مغطى بالحصى البيضاء تمتد عليه سكة القطار بشكل منحنٍ. في كل مرة يغادر فيها عزيزة، والمدينة يصفر القطار بلحن حزين فيبكي بصمت. للغرفة التي يسكنها رائحة (المكدوس) الذي حضرته أمه وحشته بالجوز والثوم.

يتمدد في سريره متأملاً النجم الوحيد في آخر السماء، ضباب العتمة يحيط بفضاء الغرفة حتى في النهار. الضوء الممدود بشريط من سقف الغرفة لا يُطفأ. كثيراً ماتمر الساعات لا يفكر بشيء، يفرغ رأسه بالغضب وبدون إرادته يذهب به الوقت إلى الوراء قليلاً فيتذكر رأس ذلك الرجل في الباص الذي فرغت نصف أشعاره على شكل دائرة في الوسط أو في الشيخ الجالس إلى جانبه والذي ازدحمت الأشعار في وجهه رجل يحظى بتقدير المحترمين وغير المحترمين. وأخيراً قبل أن ينام يشعل سيجارة يتأمل في الدخان الرمادي الخارج من فمه على شكل رذاذ والدخان الأزرق الصاعد من لسان السيجارة. حلمه الأول تحقق، صار أستاذاً في مدرسة ابتدائية. أما الحلم الثاني، بيت صغير يجمعه بعزيزة. مضت السنين وشعر عزيزة يطول ويقصر كالمد والجزر، كلما مر صيف تنتظره في نفس المكان من محطة القطار كي تقوم بالشيء ذاته. لم يعد وجهها أحمر، في السنتين الأخيرتين استخدمت أحمر الشفاه فصار دبقاً وله رائحة في حزيران. وزّمت عيناها، وارتخى نهداها حتى صارت كشجرة يابسة مهددة بالقطع، في صوت ضحكتها غلاف من المرارة لكنها مازالت إلى اليوم تقفز كحورية البحر من الصورة التي يتطلع بها لساعات إلى الحائط المقابل له لترقص حتى يتأخر الليل فتجعل من السرير جهنماً وناراً لا تنطفئ إلا بحمام فاتر. (آه ياعزيزة.. كي أستمر في حبك علي أن أضع رأسي فوق وسادة مريحة.. كل ما أريده ثمن جدار أقدمه لك في الصيف القادم...).

في النهار يصنع سعادته حين يركض مع التلاميذ في باحة المدرسة، يضحك ويصفر كثيراً بعصبية. رامي ينسحب من اللعبة بهدوء ويتسلل لوراء جدار مختبئاً عند المغاسل يمسح نظارته الطبية وينشل من زناده كتاباً صغيراً ثم يبدأ بالقراءة من النصف لحق به زميله وفسد عليه للأستاذ ظريف. اقترب من الولدين رفع كفه في وجه رامي ليصفعه لكن الصفعة لحقت بالتلميذ الآخر. ومسح رأس رامي:

(أنت ولد ذكي.. أرني الكتاب.. أوه كتاب تاريخ.. من أين حصلت عليه؟

لدى والدي الكثير.. خذه يا أستاذ.

ثم ركض تاركاً ظريف في حيرته "... لم لا يتفق اثنان من هؤلاء إلا عندما يلعبون على شكل فريق واحد... لم لا يتوحدون لإخراج فرنسا!".

بدأت يده ترتجف وهي تخفي الكتاب "ماذا لو كان الكتاب خطيراً... سأرميه.. وتحت الضوء الخافت جلس يقرأ. يفهم ولا يفهم. قلّب صفحاته حتى اشتعلت أعصابه فرماه وهو شبه نائم.

دق الباب.. ظهرت صاحبة البيت الأرملة أم كاظم تحمل له طبقاً من طعام العشاء بدت وهي تمسك الكتاب كشجرة حبق يلعب بها النسيم ليوزع عطرها في الفضاء وضع في فمه لقمة كبيرة مغمسة بالبيض المقلي، بينما المرأة تفتح الكتاب وتجلس قبالته على الكرسي تبلل شفتيها بكأس من الشاي.. الصمت بينهما لم يطل، صرخت

(الله.. الله.. ! قرأت تلك الأغنية المكتوبة في الصفحة الثانية؟ اسمع...

وصارت تردد بصوت هادئ أشعر ظريف بالسكينة:

 

هيّن ضرب السيف يابا هيّن عَلَيّه     ولا شوف الشعب كلّه بالعبوديه

 

شدّد أوتارك يا عود، وسلينا بنشيد      مجد العرب بده يعود، البعث هيك يريد

 

مسح فمه من الزفرة وابتسم: خذيه..

كادت المرأة تطير من الفرح، أخذته بعد جدال واضعة يدها في يده بامتنان ثم خرجت وبقيت رائحتها في الغرفة. لتلك المرأة صوت يذيب قلب من يسمعه، صوت مغلف بالحزن والألم والأمل. كلما رددت تلك الأغنية تستحضره عزيزة وفي رقصتها شيء من الانكسار والخمول. بدت صورتها تغيب عن ذاكرته شيئاً فشيئاً، وصار يغني نفس الأغنية في كل مكان، في الحمام، وحين، يحلق شعره المؤبر في وجهه. عند الظهيرة حصل انفجار، صرخ كاظم من فوق السلم ودق عليه الباب رامياً نفسه في حضن ظريف حين كانت أمه في عملها خارج المنزل.

مر دياب الدركي في الزقاق وصفر، أشار له ظريف أن يصعد. أخذ كاظم من يده وغمز بعينه (حنون أنت يا ظريف!).

رد ظريف: (حرام إنه يتيم).

ضحك:  (بحياة والدك.. ألا تعطف على أمه أيضاً؟!.. أخ لو لم أكن متزوجاً. امرأة مازالت تحتفظ بجمالها حتى تكاد تفجر الصخر شذرات).

يبدأ صديقه بسرد الأحداث التي حصلت طوال الأيام السابقة ثم يقضيان وقتاً طويلاً في الصمت. يتحدث ظريف عن عزيزة حتى يشعر الآخر بنعاس شديد لا يزيله سوى الحديث عن الأرملة ويقنع نفسه بقراره:

"ليست عزيزة الأولى التي قضت حياتها بالانتظار وفاتها القطار... فالجيب لن يمتلئ والحياة صعبة. الأرملة ناضجة كلامها أمل، خطواتها واثقة إنها البديلة ولو أنك الغالية".

فتحت أم كاظم الباب وتعالى صراخها حتى سمعه ظريف.. كانت تبكي كأن مصيبة حلت بها، ولكن ماذنب الولد كي تصفعه. التقت عيناها بعينه حين تراخت على الكرسي (ماذا فعلت يا كاظم.. آه يا كاظم.. أتمزق كتاب أجدادك لتصنع طائرات من ورق.. ألا تحب أن تعيش حراً.. وإن لم تعشها اقرأ عنها...!).

الولد يبكي، ويحدق بها كالأبله، في تلك اللحظة قرر ظريف أن يتزوجها.

عزيزة منذ ساعة وهي تقف جانب السكة، تحت الجسر، تنتظره ليصبّرها كما كل صيف، ضحكت وطارت خصلات شعرها الفضي، صفر القطار.. توقف.. لم تر من بين العشرات أي أحد وظريف وقف بسيارته فوق الجسر ندت من عينيه دمعتان، وساد صمت الاحتراق.

 

 

 

صرخة رجل عازب

 

الخير كثير، رحل أبو وديع بعد تعب، أرض واسعة عريضة على مد النظر، رجل دون إرادته رحل وطعم شراب البرتقال يبلل آخر ما استقر من لعاب، كتب وصية ونُفذت، جنازةٌ أثارت دهشة أهل القرية والقرى المجاورة الممدودة على الساحل، وُضع في تابوت وأخرجت يداه بشكل مفتوح خارج الصندوق الطويل. الشخص الذي تحدّث وهو صامت بحركة كفيه... بكته زوجته ومازالت تتنهد وتقول:

(لا تفهم الحياة إلا في موعد فراقها).

جميع شباب القرية ينظرون إلى سطوح بيتهم بحسرة، صحن كبير أبيض يلتقط كلّ المحطات، في الداخل يتمدد وديع بنشوة، يحملق في الصور الخليعة؛ (أجل، ما أخذ والدي معه لاشيء لم التعب، الرزق كثير، والمال وفير.....).

 

أخته في الغرفة المجاورة تتمدد متضجرة، كيف رحل أبوها وكيف صار أخوها، سهر طويل وعربدة، شعوره باللامبالاة، كان يجالسها ويحدثها عن التطور، فالحياة تمضي بسرعة. وهي تصغي من وراء الستار إلى أحاديث صديقه عن المدينة والحب والمطاعم الفخمة على الشاطئ، والبنات المثيرات. تسمع مقتطفات من الكلام وهي تقدم الشاي، جالسة على الكرسي بأمر من أخيها:

-(أنت كأختي، واللّهِ)، جملة كانت تبريراً لأحاديث طويلة.

مضت سنتان، وتلك هي الثالثة.. كرهت المدرسة والشهادة والساعات الخصوصية، حتى جلست عاجزة عن التفوق والنجاح. تفكر بالرجل النموذجي الذي تعبق منه رائحة العطر الثقيلة- ابن المدينة- ببذته وربطة عنقه واحترامه للبنت بتصرفات وكلمات مثيرة...

الأيام الزائلة لم تغير من طبع وديع، شباب يعملون لديه بالأجرة، يرضيهم بتكريمهم ويرضونه بالجهد الرزق يزداد عاماً بعد عام، وهو أمام المال وإسرافه صار هاجسه الوحيد صيد النساء، بالحب بالكذب، بالمال، لا فرق كلّه موجود فيه، ورث عن أبيه المال والرزق وورث عن أمه الجمال إنه قادر بنظرة من عينيه الزرقاوين أن يوقع أشرف النساء، وقادر بغمزة من سيارته أن يوقع بأغنى النساء.

كالعادة ساعة أو أكثر من ترتيب هندامه، الأرض سخنت بعد أن ثبتت الشمس فوق ساحة البيت بشكل عمودي، معلنة لديه بداية يوم جديد في الثانية عشرة ظهراً.

أخذ من المال ما يملأ محفظته، واختفى مع سيارته، متجهاً نحو المدينة حيث مكانه المفضل الساخن ومن خلف الزجاج ينقر المطر، ويهدر الهواء يلاعب الموج الرمادي. مشهد البحر والسفن لم يستهوهِ في تلك اللحظة التي يرمق بها تلك الفتاة بنظراته. نسيت كأس الشاي وهي تنقِّل ناظرها ما بين ساعة يدها والباب الواسع للمطعم. شكلها الآن يوحي له بأنها تجهّز نفسها للمغادرة اقترب منها بتأدب واستأذن منها أن يجلس، أسعدها ذلك ووافقت كمن تتحدى شخصاً آخر لم يأتِ. أشعل لها سيجارة من النوع الأمريكي المستورد، حدّثها كأنه يعرفها من سنين، إنها طريقته في زرع الطمأنينة في قلوبهن، يجد لذة في الثرثرة الكاذبة المخالفة لآرائه الحقيقية، يتحدث كثيراً عن الفروقات بين المرأة العربية والغربية، ويردّد كثيراً أسماء الكتاب العظام الذين يحفظ لهم بعض مقولاتهم في فلسفة الحب وفلسفة الحياة، لكنه لم يتحدث يوماً عن شجر الليمون، والأرض أو أي خبر عن القرية أو الطقس...

ينفذ ما يراه في الليل، تحت ضوء النهار، على شاطئ البحر وتحت الصخرة الكبيرة... صار وحشاً من داخله ينقل مشاعره الكاذبة باسم الحب ليصل إلى غايته الأخيرة، واضعاً في قلب كل فتاة كهفاً أسود لا يخبئ سوى خفاش أسود يقلق سكون لياليهن.

الأضواء اختفت من الدار.. صوت كلاب تنبح ونقيق ضفادع بعيدة، وهج الشاشة يلّون وجهه في العتمة، ولون برتقالي يخرج من المدفأة المتأججة بنار تهمس وتحشرج، المطر في الخارج لم يتوقف، يطرق على النافذة بقوة، يغسل الوريقات الخضراء، كم هو متفائل، الشجر يحمل الثّمر والزهر الأبيض في وقت واحد...

بللت الصناديق من برك الماء كي يزداد وزنها بالليمون والبرتقال كي ترسل إلى حلب بالشاحنات... يوم شاق انتهى بتنهيدة عميقة من أمه التي قعدت متأملة ابنها مطولاً، أتجادله بموضوع زواجه، حديث تجادلا فيه عشرات المرات حتى كرهت أن تعيده.

صبّ كأس شاي ونظر إلى ساعته ثم صرخ لأخته فلم تجب:

-أختي تنام باكراً، كالدجاجات... أحوالها لا تعجبني كثيراً...

 

ولاحقت نظراته منظر أمه وهي تمشي نحو غرفتها صاعدة الدرجات بتثاقل: "أريد زوجة مثلها تماماً، عيون عسلية صغيرة لكن فيها ألف معنى، ووجه مستدير كقرص الشمس، خجولة، صبور، لا تشتكي ولا تتذمر، تنفذ ولا تعترض، حجاب برتقالي مذهب حول وجهها لتبدو كوردة عباد الشمس التي أحب، تنحني لي عند الفجر لتنهض عند الغروب"...

رنَّ جرس الهاتف، في البداية تكلم ببرود، ثم همس بكلمتين، وهرع إلى سيارته.. "ذاك النادل يستحق مكافأة، علي أن أكافئه بمبلغ محرز... كأنه يفهم صنف النساء الذي أحب، لم يصدمني يوماً بوجه قبيح أو بجسد يمتص العظم جلده".

دخل من الباب الواسع، مصّ السيجارة بشدة، تقدّم من النادل برزمة من النقود:

-خذها... أنت تستحقها.. دلّني عليها... أسرع...

همس له بأنّ فتاة اليوم مثيرة ومميزة، سهلة بمعاملتها، تأتي دائماً مع رفيقتها الشقراء ثم تخرجان مع أحدهم، (وصنف الرجال الذي ترغبه تلك الفتاة متحقق فيك، يا سيد وديع)، وأشار له بعينيه نحوها.

تراخت أعصابه، انفرجت أصابعه، تطايرت الأوراق النقدية بهدوء على الأرض، اختفى المشهد لثوانٍ ثم توضّح ثانية، صار يسعل بقوة حتى جحظت عيناه. تقدّم ماسكاً بالنادل نحو الطاولة، التقت عيناه بعينيها، لم تمضِ ثوان حتى اختفت الأخت وأخوها وسط حلقة من الأجساد البشرية.

اختفى صوت الموج وصوت المطر وسط الصخب والضجة، أبعدوه عنها وهو يصرخ ويبكي دموع لم يذرفها في حياته كلها...

والأم تنتظر وقد شارف المساء على القدوم.. المطر يغسل الورق ويُسقط البَرَد زهر الليمون يقبره في الوحل الداكن.. الأم قلقة والمطر، المطر غزير، فهل يبشِّر بالخير؟‍‍‌‌!

 

أضيفت في 15/02/2006/ خاص القصة السورية / عن مجموعتها سفر في وريد مقطوع الصادر عن اتحاد الكتاب العرب

 

كيفية المشاركة

 

Hit Counter

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية