الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 30/04/2008

القصص

 

الهدف

التزحيف 

ياقات حمراء

على حافة الليل كان اليمام

مشيرة

  صورته

الزلنطحي

 

بطاقة تعريف الكاتب: سمير مصطفى توفيق الفيل مصر 

 

ـ شاعر عامية .

ـ روائي وقاص ومسرحي .

ـ له مساهمات واسعة في  النقد الأدبي .

ـ خاض تجربة الصحافة لعقد من الزمن .

ـ المؤهلات: دبلوم معلمين 1971، ليسانس آداب وتربية 1988.

ـ عمل لفترة طويلة  ناظرا لمدرسة الإمام محمد عبده بدمياط ، ثم موجها للمسرح حاليا .

أصدر الأعمال السردية الآتية:

ـ  رجال وشظايا، "رواية " ،الهيئة العامة للكتاب ،1990.

ـ خوذة ونورس وحيد، "قصة قصيرة " ، دار سما ،2001.

ـ أرجوحة "قصة قصيرة "،مركز الحضارة العربية ،2001.

ــ كيف يحارب الجندى بلا خوذة ؟، "قصة قصيرة "،المجلس الأعلى للثقافة ،2001.

ـ ظل الحجرة "رواية "،مركز الحضارة العربية ،2001.

ـ انتصاف ليل مدينة  " مجموعة قصصية " ، اتحاد الكتاب ، 2002.

ـ قدم أعمالا أخرى منها:

ـ مواجهات ،مديرية ثقافة دمياط ،مارس 2000 .

ـ تقاطعات ثقافية ،مديرية الثقافة بدمياط ،مارس 2001.

ـ  "انكسارات القلب الأخضر ،قصص عبد العزيز مشرى "،سلسلة آفاق عربية ،مايو 2003.

ـ "الحكيم وحماره "،سلسلة عين صقر ،هيئة قصور الثقافة ،1999.

أصدر خمسة دواوين شعرية هي :

ـ الخيول ،مديرية الثقافة بدمياط ،سبتمبر 1982 .

ـ ندهة من ريحة زمان ،الهيئة العامة للكتاب ،1991 .

ـ ريحة الحنة ،مديرية الثقافة بدمياط ،1998 .

ـ نتهجى الوطن في النور ،هيئة قصور الثقافة ،إبريل 2000 .

ـ سجادة الروح ،إ قليم شرق الدلتا الثقافي ،مايو 2000 .

ـ فازت رواية "رجال وشظايا  "بجائزة القوات المسلحة كأفضل ثاني رواية عن حرب أكتوبر 1997 ،

كما حصلت نقس الرواية على جائزة أبها الثقافية 1992.

ـ فازت قصته" فى البدء كانت طيبة "بأول جائزة مصرية عن أدب الحرب "مجلة صباح الخير ،"1974 ،وحصلت قـــصة " النحيب " على الجائزة الأولى لمسابقة مجلة النصر ،1985 ، كما حصلت قصة "قرنفلة للرحيل" على نفس المركز1987.

ـ  كرمته الدولة فى العيد الأول للفن والثقافة 1979،كما كرمه مؤتمر أدباء مصر فى الأقاليم الدورة 12بالأسكندرية 1997 .

ـ كرمته هيئات محلية عديدة ، منها : مديرية الشباب والرياضة ، جمعية تنمية المجتمع ،

 قصر ثقافة السويس ، مركز شباب شرباص ، وهيئات أخرى عديدة.

ـ  حاز على المركز الأول فى مهرجان مسرحة القصة القصيرة "إقليم شرق الدلتا الثقافي " عن عرض "إطار الليل "نوفمبر 1999.

ـ  حصلت مسرحيته "حكاية من هناك " على الجائزة الأولى للمسرح ،مسابقة منظمة الشباب 1974 .

ـ  قدم  للإذاعة المصرية " البرنامج العام " عملين إذاعيين هما :" وجوه من أكتوبر"1991 ،" أوراق أكتوبرية"1996.

ـ  عمل محررا ثقافيا فى جريد ة " اليوم "السعودية في الفترة من 1991 إلى 1995 ،ثم مراسلا لنفس الجريدة من 1996 إلى 2000.

ـ  شغل موقع أمين عام مؤتمر دمياط الأدبي لثلاث دورات ،ثم نفس الموقع لمؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافى 2003 .

ـ  قدم أغاني وأشعار أكثر من 35 مسرحية في قصور الثقافة ،وفاز عن أعماله تلك بعدة جوائز متقدمة .

ـ  اهتم بفكرة إجراء حوارات مع المثقفين والأدباء الغرب ، والمستشرقين وأنجز في ذلك ما يقترب من حدود ستين لقاء تم نشر أغلبه فى " اليوم "، "الجسرة "، "الثقافة الجديدة" ،وغيرها .

ـ  أعد عنه ملف فى مجلة" أوراق "التى تصدر من إقليم شرق الدلتا ، تضمن دراسات عن أدبه .

ـ أصدر عنه الناقد جمال سعد  محمد كتاب "طاقة اللغة وتشكيل المعنى" عن دار الإسلام للنشر .  .

ـ شارك في مؤتمرات عديدة ، منها : مؤتمر الرواية العربية في دوراته الثلاث ، أيام الحكيم ، الثقافة في عالم متغير ، وغيرها .

ـ ساهم في الإعداد لملتقى دمياط الثقافي الأول وحصل على درع المحافظة 2003.

ـ حصل على منحة تفرغ من الدولة في مجال الأدب قطعها فور إنجاز روايته " وميض تلك الجبهة " 2001.

ـ قدم مساهمات هامة في مجال النقد والبحث في مواقع على الشبكة العنكبوتية ( الأنترنت ) ومن أهم المواقع : موقع القصة العربية ، أسمار ، أزاهير ، جسد الثقافة ، مدينة على هدب طفل ، درب الياسمين ، ملتقى الحوار العربي ، أبناء مصر ، شظايا أدبية ، أنهار ، أدبيات ، فضاءات ، الرسالة ، هيرات ، وغيرها ( خلال الفترة من 2003 حتى الآن) .

ـ عضو اتحاد كتاب مصر ، وعضو نادى القصة .

ـ رئيس نادى الأدب بدمياط 1982ـ 1991 ، ومن 1995ـ 2005.

ـ أمين عام مساعد مؤتمر أدباء مصر بالأقاليم 2003، 2004، 2005.

ـ من أعماله في مجال النشر الألكتروني :

ـ وميض تلك الجبهة ( رواية )

ـ شمال يمين  ( مجموعة قصصية )

ـ صحيفة أحوال (مجموعة قصصية )

ـ صندل أحمر ( مجموعة قصصية ) .

ـ هذا كل ما اشتهي ( شعر) .

تليفون المنزل : 341640/ 057

تليفون العــــمل: 322549/057

العنوان : دمياط ،ميدان سرور ،مدرسة محمد عبده الابتدائية المشتركة ،سمير الفيل .

مصدر : كتاب " طاقة اللغة ، وتشكيل المعنى " ، جمال سعد محمد ، دار الإسلام ، المنصورة ، 2002 .

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعماله

 

بعض ما جرى في الأساس *

ياقات حمراء

 

عرفنا أنه ابن ناس من أول وهلة . بنظراته الواثقة ، ووجهه الخمري المستدير الذي لم تلوحه شمس بعد ، وبتلك الابتسامة العريضة التي استقبل بها خبر توزيعه على سلاح المشاة .

كنا على ثقة أنه لا يكذب علينا – في نوبات الراحة – حين يحدثنا عن أعمام له ، وأخوال يحملون رتبة اللواء أو العميد ، ويمكنهم بإشارة إصبع أن يوزعوه على أسلحة الخدمات التي لا مشقة فيها ولا تعب .

تأكدنا أن سراج مصطفى ، والذي سيصبح في الأيام التالية محامي المعسكر له مخ مختلف . لقد أراد أن يخدم بجد ، ورغم بكاء الأم ، وتوسلات الأب بالتوسط له عند أصحاب الأمر والنهي كي يتم توزيعه في وحدة مناسبة إلا أنه رفض رفضاً تاماً .

وها هو بيننا ، واحد منا وعلينا ، يضع يده في جيب سترته فتبرز علبة سجائر " الكنت " ، يعزم علينا عزومة مراكبية ، ويشعل سيجارته بكل ترفع وكبرياء .

وسراج مصطفى القرانفلي ، ابن الناس ، أخذ في أول يوم خدمة درساً لن ينساه ، عندما سأله الأومباشى عويضة عن مؤهله ، فرد بثقة بانت في نبرات صوته : ليسانس حقوق . . يا أفندم .

لحظتها ارتبك الأومباشى ، لعلها ثوان قليلة ، وانطلق كالمدفع " المتريوز " مهاجماً العسكري المستجد : عليك أن تدفن شهادتك هذه في أقرب حفرة . وانس الليسانس ، وإلا ستتعب .

وجعله يتحرك خطوة للأمام ، ويقلع طاقية الرأس ، ويختبر صلابته بأن ضربه في كتفه ضربتين قويتين ، وسأله على الفور : بماذا شعرت ؟ ، على الفور رد المحامي سراج : لا شيء يا أفندم .

وقبل أن يكمل جملته جاءته اللكمة في بطنه مفاجئة ، قوية ، ولقد حاول العسكري المستجد امتصاص الصدمة ، لكن تقلصات الوجه فضحت ألمه الذي أخفاه في حشرجة مكتومة .

أمره بالرجوع للصف ، واستمر طابور التدريب الأولي : صفا . . انتباه . . الخطوة المعتادة ، للخلف در ، استرح . والشمس تصب حممها ، اقترب أومباشى آخر لم نكن نعرف اسمه ، لكن قسمات وجهه ، وطريقته في الحديث دلت على أنه متطوع ، استلم الطابور بعد راحة خمس دقائق ، وهمس الأومباشى عويضة في أذنه . وهو – بدوره – لم يكذب خبراً فجأر صوته في الخلاء : سريعاً جري ، مع الوثب لأعلى .

وانطلقنا في جري دائري حول وتد خشبي تم دقه في ساحة التدريب ، والكل يلهث ، وينساب العرق خيوطاً ، تنحدر تجاه العينين ، فنتألم من الملوحة ، ونهمهم : كفى . . يا أفندم .

والأومباشى المتطوع لا يكفيه إلا أن نطب ساكتين ، وقد صعّب الأمر علينا بأن جعلنا نصعد التبة الصناعية ونهبط مرات ومرات ، وعساكر منا تتساقط ، وهو يجذبها بعنف ، ويدفعها للطابور من جديد ، حتى تقطعت أنفاسنا ، وامتقعت وجوهنا .

نظرت للعسكري سراج ، كان يغالب ألمه ، والعرق يصنع دائرتين واسعتين تحت الإبطين . وجاء الأمر صارماً كالسيف : قف . . لليمين حذا . .

لحظات التقاط الأنفاس . انتظرنا الأمر استرح لنمسح بالمناديل الكاكية عرقنا دون جدوى . خبط الأومباشى المتطوع سراجاً في كتفه : ما هذا البلل

لم يرد المحامي المنخرط في الخدمة حديثاً ، فالسكوت في الجيش من ذهب .

ونظر إلى البنطلون الواسع الفضفاض ، كانت هناك خيوط لا تكاد تبين من عرق : هل عملتها على نفسك ي عسكري ؟

تقدم سراج خطوة للأمام ، ونطق بقوة : أنا متظلم . . ما يجري هنا ضد أبسط حقوق الإنسان .

شخر الأومباشى ونخر ، وأطلقها كالقذيفة : نعم ، يا روح أمك .

ثم بدأ الأمر بالزحف الثعباني ، والأرض قطع من حصى ، لها سخونة لا تطاق . ولم يجد سراج مصطفى القرانفلي مفراً من تنفيذ الأوامر بكل دقة

وبعد انتهاء طابور الزحف ، سأله الأومباشى المتطوع : ما شعورك الآن ؟

تأمله العسكري من قدميه إلى أعلى الرأس بنظرة كلها غل وأسى ممتزجين : شعوري أنك جاهل!!

ضج الموقع كله بالضحك ، حتى أن بعضنا ضرب كفاً بكف ، فقد كانت ملاحظته صائبة ، وعرفنا فيما بعد أن الأومباشى الذي يكدر سراج ، ما هو إلا راسب إعدادية .

توقف الهرج والمرج حين جاء الأومباشى عويضة واستلم الطابور ، وشكر الأومباشى المتطوع : شكراً يا أومباشى فؤاد .

كان الأومباشى فؤاد المنصوري – وهذا اسمه الذي عرفناه فيما بعد – يمضي نحو " الكانتين " ساحباً خجله خلفه ، وكانت الهمهمات المكتومة تعلو ، وتنخفض طيلة الربع ساعة المتبقية من طابور التدريب .

وقت الراحة تحلقنا في مرح صاخب حول العسكري سراج ، المحامي الذي يتحدث عن حقوق الإنسان . غمز لطفي فرو بعينه الحولاء ، وهو يسأله : أتدافع عن نفسك أم عنا ؟

بنبرات صادقة ، لا اصطناع فيها : أنا مثلكم .

خبطه توفيق مصيلحي الأهبل في كتفه بمودة : أصيل يا ولد . اعطني سيجارة " كنت " .

في لحظة لم تبق في العلبة إلا ورقة السلوفان المفضضة ، فطوى العلبة ، فركها في يده ، اتجه نحوي : الجيش هذا . فيه من الحياة كثير . لا يمكنك تفصل بين النبيل الرفيع ، وبين الدنيء الوضيع . فيه معاناة وتعب ، لكن له قانونه . عليك أن تفهمه . ستخسر كثيراً إن فرضت عليه شروطك .

شردنا جميعاً ،وصاح فيه العسكري صبري الأرناؤوطي : أهي مرافعة يا أستاذ ؟

عاد الضحك من القلب ، وعمنا صفاء نقي ، غسل أرواحنا المجهدة .

بعد أسبوع واحد ، زارت الكتيبة سيارة جيب ، ارتج لها المعسكر كله ، ونزل منها ضباط كبار ، بشارات أركان حرب الحمراء المثلثة على طرفي الياقة ، ودوىّ صوت البروجي ، وتم جمعنا في غير وقت طوابير التدريب . واهتم الصولات بالزي ، ونظافة الخيام ، ورفع علم جديد على سارية ساحة التدريب الأساسية .

وجاء الضابط أنور عدواً ، وهو يسأل : أين الباشا سراج مصطفى ؟ ضحكنا جميعاً للفظ " الباشا " . تقدم من العسكري ، وهو يسأله في ود كذوب لا يخفى على عاقل : مبسوط يا سراج ؟

هز العسكري سراج رأسه ، فلم يعرف الإجابة بالضبط . إلا أنه أخذه من الصف ، وهمس في أذن الأومباشى عويضة : يبدو أننا ستأخذنا داهية .

وفي خيمة القائد ، جلس سراج مصطفى مع أقاربه ، قدموا له لفائف طعام وحلوى ، وقروصة سجائر " كنت " ، وسأله قريب له عن الحال ، فرد على الفور : هي تجربة .

نظر إليه عمه اللواء ، وهو يختبر عناده : أننقلك إلى السرية الطبية لتكون قريباً منا ؟

تجهم العسكري مصطفى ، ونسي الرتبة التي يتحدث معها : قلت أنني مستريح هنا .

تنفس القائد في راحة ، وجاءت زجاجات المياه الغازية ، ودارت على الرتب ذات الياقات الحمراء . والغريب أن العسكري سراج ظل واقفاً كالألف عند باب الخيمة التي تدور المروحة في سقفها ، والتي يشغل الركن الأيسر جهاز تليفزيون . حتى أنه رفض زجاجة المياه الغازية .

وحين أوشكت الزيارة على الانتهاء ، قال خاله المقدم : أنت تعرف تليفون كل منا ، حدثنا عند أي مشكلة .

قال لهم ، وهو يستدير عائداً إلى الطابور : لا مشاكل لديّ . . المشكلة عندكم في الجيش نفسه .

وقد ركبوا سيارة الجيب الأنيقة ، وهم يتابعون سيره إلى الجمع المصطف ، ولم يدهشهم حديثه ، فقد كانوا يعرفون أنه متمرد بطبعه . لكن لديهم إحساس لا يخيب في أنه سيعرف الكثير من أمور الحياة في هذا المكان الموحش ، المنقوع في الخلاء .

-------------------------------------------------------------------------

من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة ) ـ القسم الأول

 

بعض ما جرى في الأساس *

التزحيف

 

 

نحن في الأساس . والأساس 45 يوماً ، لا تزيد ولا تنقص . تستلم مهماتك ، تحمل المخلة ، تتحول من فرد مدني عادي ، إلى عسكري لا يتحرك إلا بالأوامر .

والجيش متاهة . الداخل فيها مفقود ، والخارج مولود . من كل جنس ولون ، وهيئة وشكل ستجد البشر : حانقين ، سعداء ، ممرورين ، لاهين ، عدميين ، متفائلين . من النقيض إلى النقيض . لكن الزمن ممتلئ بأمثال هؤلاء وهؤلاء . كل شيء كان يتوقعه خليفة مرسي الشموطي إلا موضوع التزحيف .

لقد بحث له عن سبب أو علة دون أي فائدة . فما الدافع الذي يجعل عساكر الأساس يقومون من النجمة ، وقبل شروق الشمس ، ليغسلوا وجوههم بما تيسر من ماء الجراكن ، قبل أن يخرجوا مشمعاتهم المتينة ، بلونها البني الغامق ، وتيلها المنسوج راقات ، يثبتون الطرف بقطع الزلط والحجارة ، ثم يمسكون الطرف الآخر ، ويمضون لتسوية أرض الميدان الواسع الذي لا نهاية له .من مربط خيام الأفراد ، وحتى السور البعيد البعيد الذي تعرفه الكلاب ، فلا تتجاوزه إلا بنباحها الواهن .

هناك عدة طرق للتزحيف ، أبسطها أن يُحدد لكل فرد مقطوعية يسويها بمعرفته ، ويتحمل خطأ وجود أي مساحة فيها نتوءات أو تعريجات . هذا هو الشائع والمعمول يه في أساس 2 ، 4 .

لكن هناك معسكرات تدريب أخرى تأخذ بنظرية " الجشتالت " فتقوم كل سرية بالتزحيف الجماعي ، فكأنك في حضرة رتل من سيارات الميدان تمضي في ذات الاتجاه ، وبنفس السرعة ، دون أن تترك بوصة فراغ واحدة .

كل شيء مقبول ، ومعقول ، ومحسوب في ذهن خليفة إلا هذا الأمر ، وهو يسأل كل من يقابله في صوت هامس خشية التبليغ عنه من أي واحد ابن حرام : أريد أن أعرف ضرورة التزحيف ؟

ظل يسأل ، ولا أحد منا يجاوبه ، ويضع له العقل في رأسه .فليس من المعقول أن نسأل في كل كبيرة وصغيرة . هناك في العسكرية تكتيكات واستراتيجيات ، وما نحن إلا عساكر بلا ظهر أو سند . بل الغريب أن يصدر مثل هذا السؤال عن خليفة بالذات ، وأبوه كما علمنا منه يُصلح الأحذية عند أبواب جامع السيد البدوي . يضع السندان على الأرض ويبدأ عمله قبل الظهيرة كل يوم وحتى يشطب آخر فردتين ، وكله برزقه .

مرسي الأب – والله أعلم – عوّد ابنه على التلصص على الحديث ، والسؤال عن كل أمر ، من طقطق إلى السلام عليكم .

ربما كان لحوحاً في مسألة التزحيف ، أما أن يحولها إلى قضية عمره ، فهذا معناه أن دماغه

" جزمة " قديمة .

وهذا ما حدث له من جراء اللت والعجن في موضوع مفروغ منه . فقد حوله الأومباشى إلى الصول ، لما سأله الصول عن السبب . أشار الخبيث إلى العسكري المستجد الذي لم يكن له خبرة بأمور الدهاء : أسأل عن التزحيف . لماذا نقوم به ؟

والصول عرفة أبو غزالة الداهية وجدها فرصة للتنكيل بنا جميعاً ، بأن يوقع الأذية بهذا الأبله ابن " الصرماتي " .

والمثل قال : " اضرب المربوط ، يخاف السايب " . ولكن للأسف كلنا مربوطون من أعناقنا منذ اليوم الذي دخلنا فيه منطقة الفرز ، وجردونا من الثياب إلا ما يستر العورة ، وبحثوا عن الفتق والبواسير والسل و . . . . . . . .

عندما انتهوا ، وختموا الورق بالكودي الأسود بكلمة " صاغ " صرنا لا نسأل ، ولا نجرؤ على رفع الحنجرة بصوت حتى لو كان واهناً .

الضابط أنور – وهو ضابط مخلة ، لا قلب له – ربت على كتف العسكري الغلبان ، وسهاه في الكلام : خير يا دفعة ؟ ، ابتسم الغر ، وبانت نواجذه : فقط ، أسأل عن التزحيف . هل كل جيوش العالم تزحف مثلنا؟

الضابط أنور ، تركه ، وراح يقلب السكر في قعر كوب الشاي ، وعاد إلى مكتبه في وسط الخيمة ، وقد أدرك أن الفأر قد وقع في المصيدة . شجعه على الكلام أكثر ، فأضاف ابن مرسي الشموطي : التزحيف تضييع وقت . أريد أن يصل صوتي للقيادة .

لسان حال الضابط : اللهم طولك يا روح .

لكنه يطلب المزيد من الكلام السائب ، ربت على كتفه بتشجيع ماكر :

قل كل ما عندك . . يا عسكري .

وضع الكوب على حافة المكتب – وهو منضدة ملخلعة قوائمها ، أما سطحها فمن خشب جميز مسوس – وسوى أطراف شاربه ، وأمر بطابور ذنب 8 ، 9 .

وقبل أن ينصرف ، وخزه في صدره : ها . . أتريد أن تعدل الكون . . يا روح أمك !

ربما فكر في صفعه ، لكنه تراجع ، وقرر حرمانه من الإجازة الشهرية ، وخدمتين " كينجي " زيادة .

وحين رجع العسكري خليفة ، بان عليه الإرهاق بعد دورانه في ساحة التدريب حاملاً المخلاة ، والعرق يشر منه ، وهو يلهث وصوته يطلع بصعوبة : لن يقنعني أحد بأن التزحيف ضروري ، حتى لو قصفوا عمري .

وفي الخيط الأول من فجر اليوم التالي ، كنا نزّحف رمال الموقع بهمة أقل ، وكان العسكري خليفة يشاركنا الأمر متعباً ، موجوع القلب ، فقد قضى نوبة الكينجي وهو يكلم نفسه : التزحيف خطأ .

كان أغلبنا يرى الأمر نفسه ، ولم يكن أحدنا على استعداد لذلك العقاب الصارم ، فالجيش له عبرة حفظناها مراراً وتكراراً : " نفذ الأمر ولو خطأ

ولقد رأينا مصير من جرؤ على مناقشة الأمر ، فما بالك لو رفضه .

استمر التزحيف ، وحين سوينا الأرض ومهدناها ، هبت عاصفة صغيرة ، فمسحت كل ما فعلناه . ضحك العسكري خليفة وهو يشير إلينا بيده : زحف يا عسكري ولو خطأ . .

كانت ضحكته منقوعة بمرارة وحزن بلا حدود .

---------------------------------------------------------------------------

* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم الأول

 

بعض ما جرى في الأساس *

الهدف

 

 

كانت أسنانه تصطك ، وقلبه يرتجف ، وهو يقبض على بندقيته ، ويستعد للتقدم نحو التبة ، كي يرقد على بطنه ويستعد لإصابة الهدف .

للمرة الأولى في حياته التي يقيض له أن يضرب ناراً ، أو يسمع صوت الذخيرة الحية ، وهي تخترق الشاخص ، وتصطدم بقطعة المعدن الصغيرة بالحائل الصخري العنيد .

يسمع كثيراً عن حوادث الثأر بالصعيد ، لكنه من بحري ، وقد شرب مهنة الأب ، التي أخذها عن سابع جد ، ويده تلك التي تحفر زهوراً في الخشب الزان والسويدي تُلف في حرير .

هو الآن يستعد لتلك اللحظة الفارقة في حياته ، وعليه أن يفعل المستحيل كي يكتم أنفاسه ، ويضبط زاوية التنشين حتى لا تطيش طلقاته .

ليس عليه أن يفكر في الورشة ، ولا في عدة الشغل التي تركها في البنك ، ولا في صورة ´سعاد حسني " التي تضحك لزهور النرجس من حولها ، وتغني بصوت كله مرح " الدنيا ربيع "

الرمل الأصفر يحاصره ، بلونه الأخرص ، وخشونته ، والشمس تسقط وراء ظهرها ، فتثير حنقه .

ركب السيارة إلى التبة منذ الصباح الباكر ، وراحت العجلات تنهب الطريق ، ومفاصل المقاعد الحديدية تتكتك ، وترجه رجاً ، فيستند بمرفقه على ساق من يجاوره . غشيه حزن لا يعرف دوافعه ، وفي انحدار خيط العرق على رقبته تأكد أنه لا يحلم ، فاليوم هو ختام الكلام النظري ، والدخول بكل ثقة في معمعة الفعل .

في أفلام السينما التي يحرص على مشاهدتها صباح كل جمعة ، كان يبسطه أن يشاهد المعارك الحربية ، والجيوش تتحرك في جحافل مرعبة ، بينما الرصاص يفتك بالجنود من الطرفين .

كانت البنادق والمسدسات في أيدي المتحاربين ، وكان يجلس مسترخياً في كرسيه المعتاد آخر الصالة ، وبالقرب من الحائط ، تتثاءب ، وهو يغالب وخمه ، ومنديله المطوي بعناية في جيب السترة ، يمسح به وجهه ، فتملأ أنفه رائحة "سيكريه " . هو الآن في قلب الفعل ، والصول يرفع يده بالعلم الأحمر ، ويأمره بالتقدم ثلاث خطوات للأمام .

" انتباه " . لأول مرة يعي أهمية هذا اللفظ ، فيحلله إلى حروفه قبل المزج ، ويدرك أن حالة الانتباه للهدف تعني له الكثير .

حمل السلاح الآلي ، وشعر بأن ثقله لا يحتمل ، والسونكي المدبب للأمام في غطرسة ثقيلة ، أكدت له خطورة الأمر .

خشخشة الصدور من حوله ، يسمعها ، وتسقط نظراته على أسراب نمل تتحرك يمين المدق ، ثم ما تلبث سحابة خفيفة أن تعبر فوق الهدف ، فتظلله لثوان معدودة ، قبل أن ينكشف عن ضوء صريح ، لا ريب فيه .

" انبطح " . أمر لا مجال فيه للتراجع . على نفس الخط الوهمي ينبطح البوطسى ، والأرناؤوطي ، وسراج القرنفلي .

كل يقبض على سلاحه في استماتة ، يلصق الدبشك بكتفه لصقاً ، ويغمض عينه اليسرى ، وتحط ذبابة على أنفه فيكاد يجن ، لكنها تبعد – ربما رأفة به – فيضع كل همه في الخط الواصل من فوهة البندقية إلى أسفل منتصف الهدف .

" استعد " . تنفتح في هذه اللحظة طاقة نور لتأخذه إلى عالم آخر ، حيث عليه أن يثبت رجولته . هي لحظة أشبه بلحظة الجنس ، واكتشاف عوالم الأنثى ، وسحرها الخفي .

ربما كانت اللحظة بقسوتها ، وخشونتها ، على النقيض تماماً . لكن الاصبع سيضغط ضغطته القوية بلا أي إحساس بالذعر . وقتها يدخل دنيا أخرى .

" اضرب " . وقف شعر رأسه ، ويسراه تحتضن مقدمة البندقية الملساء ، وصدغه يضغط بقوة على الدبشك الأملس ، ورائحة عرق تنفذ إلى نخاشيشه .

" اضرب " للمرة الثانية . اكتشف أنه لم ينفذ الأمر بعد ، وحينئذ هصر الزناد ، فشم رائحة البارود ، وارتج صدره فبادر ، بإطلاق رصاصات تلو رصاصات ، وعينه المفتوحة تدمع ، لكنه يواصل الرمي حتى نفذت طلقات الخزنة .

" انهض " . كان انساناً آخر لا يعرفه ، يهب من انبطاحه القسري ، وثمة رائحة بارود تختلط بعرق يتصبب من جبهته ، في تلك اللحظة لم يعد لديه شك في أنه قد ترك خلفه كل مفردات الماضي .

لم ينفض عن ثيابه بقايا الرمال العالقة بنسيج القميص ناحية المرفقين ، داخت رأسه لزمن يقترب من اللحظة ، وجد ساقيه تتحرك للمؤخرة مع زملاء الرمي .

ولقد شعر أنه أطلق رصاصاته الأولى ، وصار خفيفاً ، قادر على التحليق ، والارتفاع في الفضاء الفسيح إلا أن روحه البريئة أشعرته بالذنب .

تفادى النظر في عيون الزملاء ، وفي الليل ناوشه شعور خفي بالرضا عن نفسه ، ولاحظ الشعيرات التي بدأت تنبت في صدره أسفل وأعلى الثديين ، وحول السرة !

في الليل شعر بأن روحه تنتحب نحيباً خفياً ، وكان عليه أن يضع رأسه على الوسادة الخشنة ، ويخفي دموعه التي تسللت على غير إرادة منه !

--------------------------------------------------------------------------

* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ السم الأول

----------------------------------------

أضيفت في15/10/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب

 

 

 

على حافة الليل كان اليمام

 

 

( حين يصير الحنين يماما على الكف ،والراقصون مدائن لا تقفل الليل أبوابها ، والصباح* )  (( *إلى علي الدميني ، والمقطع السابق من ديوانه بياض الأزمنة)) 

 

هذا بالضبط ما لم يفكر فيه البارحة . لقد نام خالي البال من أي شيء يكدر صفو هدوئه ، صحيح هو مسجون ، ولكنه يشعر بالراحة الأكيدة أن رأسه لم تعرف الانحناء . تذكر كلمات سبارتاكوس الأخيرة ، وابتسم لطيف الشاعر الذي هده المرض ، ومات في الغرفة رقم 8 . كان أمل دنقل جنوبيا مثله . عبر البحر الأحمر الذي شقه موسى بعصاه يتسلل التمرد من بين الشعب المرجانية ، وأسماك الكنعد وسلاسل الجبال المنحدرة في انكسار مميت .

دق بقبضتيه الباب الحديدي الثقيل ، فأتي الحراس شداد القامة ، أزاحوا غطاءا معدنيا ثقيلا ، ونظروا من خلال الكوة شديدة الضيق .

كان قد ابتعد عن الباب بمسافة بوصتين ، رمقوه في غضب أن أزعجهم ، لكنه حدق في ملامحهم بشيء من المرارة ، وهم انتظروا أن يتكلم ، ويفصح عن سبب استدعائه لهم في هذا الوقت المتأخر من الليل بتلك الجلبة التي لم يعرفوها عنه.

كانت ليلة توافق منتصف الشهر العربي ، لكن القمر بان مختنقا بغلالات الغيوم التي تتكاثر في مرورها البطيء ، أما زنزانته فتطل من الخلف على ساحة واسعة أشجارها خرساء وصامتة .

تمهل وهو يتراجع عدة خطوات ليلاصق الجدار ، حدجه كبيرهم فيما تصلصل المفاتيح في خطاف معلق بجيبه : ماهذه الجلبة؟

قال وهو يرتب الكلام ، وذاكرة الجبلي تناوشه وتلح عليه أن تكون عبارته سهلة ومفهومة : اليمام ؟

يتأكد له الآن حقيقة أن الروح هي التي نادته أن يرى اليمام في زرقته ، وهو الشيء الذي أفاق عليه من نوم قلق ، وشعر بالحاجة إليه بصورة لم يمر بها من قبل أبدا . غالبه خاطر أنه مجرد حلم ، وعليه أن يحتفظ به لنفسه ، أو أن ينتظر طلوع الصباح ليحكي ما رآه لرفاقه ، لكن شيئا أقوى منه دفعه أن يكون في حضرة اليمام .

مكث يغالب هذا النزوع القوي الذي ألح على وجدانه ، حتى أنه تصور يماما جبليا بالذات له ريش بني غزير حول الهيكل الضئيل ، وزغب خفيف يكسو الرقبة . أكمل بنبرة بدت محايدة منزوعا عنها أي إحساس بالرجاء أو التمني: أريد أن تأتوا لي باليمام .

هل هذه هي مطالبه فقط في هذا الوقت الذي يخلد فيه الجميع للنوم الثقيل والراحة الأكيدة ، أعاد الحارس إطلالته ، أما هو فقد راح يمسح بيده غبارا خفيفا كان يحجب الرؤية كاملة عن عدستي نظارته ، وأتاه صوت الحارس محتجا : أي يمام تقصد ؟

بروق العامرية لوحت للسجين لحظة وتمددت في فضاء شكلته أيد خفية ثم ما لبثت أن تبددت : ألا تعرف اليمام؟

كان المكان يعبق بدخان سجائر انطفأت منذ فترة ، والزنازين غارقة في صمتها الليلي . في الخارج تهبط قطرات مائية لا تكاد ترى ، وتتكثف على أوراق الأشجار وبتلات الأزهار كقطرات ندى : أعرفه . وهل كل هذه الجلبة لآتي به في هذا الوقت؟ وهب أنني أحضرته ، فهل القوانين هنا تسمح بذلك ؟

عدل بيده ياقة سترته البيضاء التي تثنت أطرافها ، ورنا نحو الفضاء الذي كان قمره يجاهد بقوة حتى تبتعد تلك السحب الرمادية البليدة .

بدت قضية عمره أن يرى اليمام ، وينصت لهديله . هكذا كانت الرؤية أن والده قد ناداه كي يجلس معه تحت شجرة تين عملاقة ، في ظل فروعها المتشابكة ، وفي جلستهما حطت يمامة على المقعد الخشبي المستدير .

قال العجوز : لا تحزن .

رد بنبرة الواثق : إن الله معنا .

امتدت يدا العجوز ولامست تقاسيم وجه الابن الذي تذكره صبيا يلهو في أزقة القرية:أصبر يا بني .

رأي الغضون تهتز تحت الجفنين : سأفعل يا أبي .

مسح بعينين سوداوين صافيتين خضرة المكان الذي لم ير أجمل منه في كسوته العشبية الزاهية ، وانجابت أحزان حسبها لن تتزحزح يوما : ما أجمل زيارتك . لا تتركني هنا بمفردي كن معي .

رقت حواشي الكون ، وأسراب من الطيور تمر فوقهما مغردة ، فيما تساقطت بعض أوراق من الشجرة الكثيفة ولم تكن صفراء أبدا ، بل كانت بنفس خضرتها الداكنة : أنظر أبي ؟

قبل أن يجيب اختفى أبوه تماما ، لكن نظرات وجهه التي بدت باسمة ومضيئة ظلت تخايله فيما سمع هديلا متناغما لليمامة التي طارت بعيدا بعيدا.

تحتم عيه أن يطلب اليمام في الغرفة الضيقة . لا كتب معه ، ولا أوراق . سحبوا دفترا صغيرا تم تهريبه إليه وتركوه في عزلته مع نوبات الحراسة .

لقد ألف وجوههم ، وتعود تجهمهم . كان يعرفهم بسعال بعضهم ، أوبطريقتهم في الخطو ، أوبلهجاتهم التي غالبا ما تنم على كونهم جنوبيين ، لكنه جنوبي مثلهم وإن دفعته ظروف الدراسة ونزوح الأهل منذ سنوات بعيدة أن يتجه شرقا . طلع صوت الحارس وهو يسوي شاربه : بالله عليك لا تلهو بنا . أي يمام هذا الذي آتيك به؟

تململ قبل أن ينسحب عائدا ومن خلفه تابعه الأصغر رتبة : خذ سيجارة دخنها ، ثم أكمل نومك .

في تلك اللحظة بالذات والتي مد فيها الحارس يده بسيجارة من الكوة تناهى إلى الجميع صوت خافت للهديل ، راح يتصاعد ، ويتصاعد .

بقت اليد معلقة لحظات ، ولما لم يمد السجين يده كي يأخذها مضى الحارس مع زملائه نحو مكان خدمتهم ، فيما حطت يمامة بنية اللون بريش ناعم على حافة النافذة الضيقة المشغولة بالسلك .

كان عليه أن يصعد على حافة مقعد خشبي كي يمسد شعرها ويحط بيده الأخرى على جسمها الدافيء ، حاولت اليمامة أن تدخل الحجرة عبر ثغرة في الحديد المشغول ، لكنه أبعدها برفق ، وأبقاها حيث هي . كمنت لحظات ثم هدلت من جديد وهي تعاود انطلاقها . طيرانها في هذا الليل الطويل الذي يبدو أنه على وشك أن يتبدد .

القاهرة 5/ 4/ 2005

 

 مشيرة

 

 البنت مشيرة أم ضفيرتين صغيرتين سارحتين على الظهر ماتت اليوم .

 مشيت في الجنازة البسيطة وكان قلبي يبكي ، ووجهها يلوح لي طوال المسافة الممتدة من جامع البحر التي خرج منه جثمانها وحتى قرافة الست الوالدة قرب " تعاليق شيحة ". بنت صغيرة بغمازتين ، ووجه باسم تستقر به عينان يسكنهما غيط برسيم أخضر في موسم النوار .

نعم هي البنت مشيرة ابنة خالتي خيرية التي تغلبني في المذاكرة بنباهتها ، وعيونها التي تضحك وبشرتها البيضاء حتى إنني كنت وسط الأولاد كلهم والبنات القادر أن أخطف يدها وأضعها على حافة الشباك وبجوارها يدي السمراء ، وأهتف بها : مصر والسودان ، وعلى ضحكنا تأتي خالتي خيرية بكوبين من الشاي المحلى بالسكر وروح النعناع ، تسألني : أمك فين ؟

 وهو سؤال لا تنتظر إجابته إذ هي تعرف أنها لابد أن تأتي في موعدها قبل أن تبدأ حلقات المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع مساء ، ثم تمتد السهرة والضحكات ، والفرفشة حتى موعد القرآن ، وقتها يسكت الجميع ، وكأن على رؤوسهن الطير ، وتبدأ التلاوة ، فتقوم مشيرة بدخول المطبخ لتعمل فناجين القهوة المحوجة بالحبهان ، وتكافئني بفنجان قهوة سكر زيادة ، ويكون من واجبي أن أفتح الأطلس ، واشرح لها تضاريس دول العالم التي تدرسها ، وأفهمها للمرة المليون  مقتاح الخريطة : الأخضر يعني سهول ، الأزرق بحار ، البني جبال . تضحك وتقول : مفروض البني يبقى بن !

 النعش فوق سيارة مكتوب عليها بخط منمنم " سيارة تكريم الإنسان " ، لكن الأكتاف شالتها داخل الخشبة وأودعوها المنحنى المعدني الأبيض . لمحتها تشير بيدها أن أجلس أمامها بالضبط كي تشرح لي محيط الدائرة ومساحتها . قال لي الأستاذ بشرى بندلي أنني لن أفهم شيئا طالما لم أحضر المنقلة والمثلث قائم الزاوية والفرجار . وصدقت نبوءته ، فحين كبرت قليلا ، وامتنعت عن ارتداء الشورت ، ودخلت الإعدادية لم أفهم مطلقا لماذا نركز بسن الفرجال على المركز ، وندور بقوس واسع يصنع هذا المحيط المنحني . كنت في رعب أن يجذبني المركز كقاع جب بلا قرار إلى عمقه المستحيل .  فضلت دائما أن أكون بعيدا عن هذا المركز ، بل بذلت محاولات مستميتة كي أخترق المحيط نفسه بأي طريقة وأهرب من الدائرة اللعينة ، وقد كانت نبيهة وذكية ، تعرف أن المساحة = ط نق2، وهو الأمر الذي لم أفهمه بسهولة ، مع قانون المحيط الذي هو 2 ط نق . وظل سوء الفهم يلازمني وسوء الحظ يتبعها ، والدائم هو الدائم ولا إله إلا الله .

 شقت الجنازة شارع الحدادين ، وعرصة ساحل الغلال ، في شهر رمضان كانت تنزل في هذا الزقاق تلعب بحق الورنيش القديم لعبة " الأونة " وكنت أراها تحجل بسرعة ، وتقفز برشاقة ، وأنا محمل بأطقم كراسي السفرة والحز فوق رقبتي يؤلمني ، تراني فتتوقف خجلى ثم يدب فيها روح التحدي وتكمل لعبتها ، ولما كانت أمي قد وصفتني بالمؤذي فقد كان من الخطأ ألا أفسد توقعاتها . من السهل أن أستند لجدار بيت قديم وأزحزح الكراسي واحدا واحدا بزعم أني أستريح ، وما علي كي أبدو شريرا إلا أن أمحو بقطعة البطانة التي تسند كتفي حتى لا تدمى وأوقف اللعبة .

 

وقتها تندفع البنات الصغيرات : والنبي .. نكمل الأونة !

وأمتنع حتى تحضر هي ، وتضع حقلي البرسيم في عيني مباشرة فأتصنع الغضب : صغيرة أنت حتى تلعبي معهن .

 أشعر بالنوار يتفتح فتزهزه الدنيا ، وتطير فراشات مبرقشة وتحط على كفي : نعم صغيرة ، لكنني أطول منك .

 تشب على أمشاطها فتطولني ، وتنحدر الجنازة نحو شارع البدري ببلاطاته المربعة البازلتية الصغيرة ، ونهم بأن ندخل الدرب الضيق من ناحية الحدادين  فتوارب المقاهي أبوابها ويقوم الرجال ، ويصوبون السبابة في مواجهة النعش الموضوع بالسيارة ، ويتلون التشهد فيما تخفف العربات المنطلقة من سرعتها ، وتركن بجوار الطوار حتى يمر المشهد .

 في ركن الحجرة وجدتها تصفف شعرها ، كنا قد كبرنا ودخلنا الثانوي ، والسطح ضاق بألعابنا القديمة ، داخت أمي في علاج سعال الصدر ، لكنها تذكرت أن أمها قد حمصت قشر الرمان ،فاندفعت نحو العش الخيزراني الأعواد وسحبت حفنة من القشر ، وذهبت به للوابور الذي أشعلته ، ثم غلت القشور ، ومدت يدها بالكوب . كان شعرها أسود ، وضفيرتاها قد طالتا وانسدلا على كتفين صغيرين ، وكانت السماء في انحدارها البعيد تذكرني بالدائرة ، ويشغلني أن يكون هناك حد للأفق . راهنتها : من يمكنه أن يجري ويجري ليبلغ الأفق ؟

 قالت وهي تستعيد أسماء الأبطال في ذهنها : السندباد .

 قلت وأنا بين الشك واليقين : ولا هذا أيضا . تعالي نجرب أن نبلغ الأفق . أن نطول الانحدار البعيد بأيدينا . ركضنا مسافات بعيدة ، ونال منا التعب واكتشفنا أن هناك أشياء لا يمكن أن نطولها أبدا .

تابعت الجنازة سيرها ، وصرنا في صرة الميدان الشهير ، ومن بعيد كان دكان الأب تاجر الحبوب مغلقا من سنوات بعيدة بنفس القفل الضخم النحاسي ، وقد صدأت المفصلات ، لمحت ابن عمنا الدكتور لطفي وقد جاء مغبرا من السفر ، أصبح في أول صف والشمس تلهب الوجوه ، ونداءات الباعة تأتي واهنة .  كان باعة المشمش قصير العمر ، والبرقوق فاكهة الذوات ، وكانت بشائر البطيخ ، وأنا أخفي عرج خفيف يناوش قدمي .

سألتني وأنا أحمل جمجمة أخيها طالب الطب بيدي : ألا تخشى أن يطلع لك صاحبها في الليل .

تفحصت الفك واستدارة الصدغين ، ووضعتها بجوار مزهرية بها وردة قرنفل بيضاء : أنا لا أخاف . فقط لعلي حزين .

فقد كانت الأحلام تتبخر ، والحجرة الملحقة بالسطوح تكشف عن شرخ كبير في السقف والجدار . قالت لي خالتي خيرية : لو انهد البيت أين نذهب ؟

وجمت للسؤال ، والتفت للسلم الخشبي الحلزوني الذي كان يسرسب بعض التراب في تكتم شديد : لا تخافي يا خالتي .

 وفي لحظات الغروب تسرب إلى قلبي شجن عظيم ، وأنا أرى الإرهاق في وجهها وهي تذاكر دروس الكلية . كانت قد انعتقت من الجغرافيا ، والأطالس ، لكنها تسأل هذه المرة عن دورة حياة الكائنات . أطلعتني على فراشة محنطة وقد كتبت اسمها باللاتينية ، ومجموعة صخور ة صلبة  لها أسماء عجيبة . ضحكت في وجهي وهي تسألني : هل نصير في يوم ما مثل هذه الأشياء . قبل أن أجيب سمعنا صوت ارتطام عنيف . كانت طيارتان ورقيتان قد تشابكت خيوطهما وسقطتا فوق السطح في لحظات الغسق الشاحبة . لم أجب عن السؤال المحير فقد انهمكنا في فك الخيوط المتشابكة وتخليص الطيارتين من مشكلة صنعتها الرياح .