|

بطاقة تعريف الكاتب:
سمير مصطفى توفيق الفيل
مصر

ـ شاعر عامية .
ـ روائي وقاص ومسرحي .
ـ له مساهمات واسعة في النقد الأدبي .
ـ خاض تجربة الصحافة لعقد من الزمن .
ـ المؤهلات: دبلوم معلمين 1971، ليسانس آداب وتربية 1988.
ـ عمل لفترة طويلة ناظرا لمدرسة الإمام محمد عبده بدمياط ، ثم موجها
للمسرح حاليا .
أصدر الأعمال السردية الآتية:
ـ رجال وشظايا، "رواية " ،الهيئة العامة للكتاب ،1990.
ـ خوذة ونورس وحيد، "قصة قصيرة " ، دار سما ،2001.
ـ أرجوحة "قصة قصيرة "،مركز الحضارة العربية ،2001.
ــ كيف يحارب الجندى بلا خوذة ؟، "قصة قصيرة "،المجلس الأعلى للثقافة
،2001.
ـ ظل الحجرة "رواية "،مركز الحضارة العربية ،2001.
ـ انتصاف ليل مدينة " مجموعة قصصية " ، اتحاد الكتاب ، 2002.
ـ قدم أعمالا أخرى منها:
ـ مواجهات ،مديرية ثقافة دمياط ،مارس 2000 .
ـ تقاطعات ثقافية ،مديرية الثقافة بدمياط ،مارس 2001.
ـ "انكسارات القلب الأخضر ،قصص عبد العزيز مشرى "،سلسلة آفاق عربية ،مايو
2003.
ـ "الحكيم وحماره "،سلسلة عين صقر ،هيئة قصور الثقافة ،1999.
أصدر خمسة دواوين شعرية هي :
ـ الخيول ،مديرية الثقافة بدمياط ،سبتمبر 1982 .
ـ ندهة من ريحة زمان ،الهيئة العامة للكتاب ،1991 .
ـ ريحة الحنة ،مديرية الثقافة بدمياط ،1998 .
ـ نتهجى الوطن في النور ،هيئة قصور الثقافة ،إبريل 2000 .
ـ سجادة الروح ،إ قليم شرق الدلتا الثقافي ،مايو 2000 .
ـ فازت رواية "رجال وشظايا "بجائزة القوات المسلحة كأفضل ثاني رواية عن
حرب أكتوبر 1997 ،
كما حصلت نقس الرواية على جائزة أبها الثقافية 1992.
ـ فازت قصته" فى البدء كانت طيبة "بأول جائزة مصرية عن أدب الحرب "مجلة
صباح الخير ،"1974 ،وحصلت قـــصة " النحيب " على الجائزة الأولى لمسابقة
مجلة النصر ،1985 ، كما حصلت قصة "قرنفلة للرحيل" على نفس المركز1987.
ـ كرمته الدولة فى العيد الأول للفن والثقافة 1979،كما كرمه مؤتمر أدباء
مصر فى الأقاليم الدورة 12بالأسكندرية 1997 .
ـ كرمته هيئات محلية عديدة ، منها : مديرية الشباب والرياضة ، جمعية تنمية
المجتمع ،
قصر
ثقافة السويس ،
مركز شباب شرباص ، وهيئات أخرى عديدة.
ـ حاز على المركز الأول فى مهرجان مسرحة القصة القصيرة "إقليم شرق الدلتا
الثقافي " عن عرض "إطار الليل "نوفمبر 1999.
ـ حصلت مسرحيته "حكاية من هناك " على الجائزة الأولى للمسرح ،مسابقة منظمة
الشباب 1974 .
ـ قدم للإذاعة المصرية " البرنامج العام " عملين إذاعيين هما :" وجوه من
أكتوبر"1991 ،" أوراق أكتوبرية"1996.
ـ عمل محررا ثقافيا فى جريد ة " اليوم "السعودية في الفترة من 1991 إلى
1995 ،ثم مراسلا لنفس الجريدة من 1996 إلى 2000.
ـ شغل موقع أمين عام مؤتمر دمياط الأدبي لثلاث دورات ،ثم نفس الموقع
لمؤتمر إقليم شرق الدلتا الثقافى 2003 .
ـ قدم أغاني وأشعار أكثر من 35 مسرحية في قصور الثقافة ،وفاز عن أعماله
تلك بعدة جوائز متقدمة .
ـ اهتم بفكرة إجراء حوارات مع المثقفين والأدباء الغرب ،
والمستشرقين وأنجز في ذلك ما يقترب من حدود ستين لقاء تم نشر أغلبه فى "
اليوم "، "الجسرة "، "الثقافة الجديدة" ،وغيرها .
ـ أعد عنه ملف فى مجلة" أوراق "التى تصدر من إقليم شرق الدلتا ،
تضمن دراسات عن أدبه .
ـ أصدر عنه الناقد جمال سعد محمد كتاب "طاقة اللغة وتشكيل المعنى" عن دار
الإسلام للنشر . .
ـ شارك في مؤتمرات عديدة ، منها : مؤتمر الرواية العربية في دوراته الثلاث
، أيام الحكيم ، الثقافة في عالم متغير ، وغيرها .
ـ ساهم في الإعداد لملتقى دمياط الثقافي الأول وحصل على درع المحافظة 2003.
ـ حصل على منحة تفرغ من الدولة في مجال الأدب قطعها فور إنجاز روايته "
وميض تلك الجبهة " 2001.
ـ قدم مساهمات هامة في مجال النقد والبحث في مواقع على الشبكة العنكبوتية (
الأنترنت ) ومن أهم المواقع : موقع القصة العربية ، أسمار ، أزاهير ، جسد
الثقافة ، مدينة على هدب طفل ، درب الياسمين ، ملتقى الحوار العربي ، أبناء
مصر ، شظايا أدبية ، أنهار ، أدبيات ، فضاءات ، الرسالة ، هيرات ، وغيرها (
خلال الفترة من 2003 حتى الآن) .
ـ عضو اتحاد كتاب مصر ، وعضو نادى القصة .
ـ رئيس نادى الأدب بدمياط 1982ـ 1991 ، ومن 1995ـ 2005.
ـ أمين عام مساعد مؤتمر أدباء مصر بالأقاليم 2003، 2004، 2005.
ـ من أعماله في مجال النشر الألكتروني :
ـ وميض تلك الجبهة ( رواية )
ـ شمال يمين ( مجموعة قصصية )
ـ صحيفة أحوال (مجموعة قصصية )
ـ صندل أحمر ( مجموعة قصصية ) .
ـ هذا كل ما اشتهي ( شعر) .
تليفون المنزل : 341640/ 057
تليفون العــــمل: 322549/057
العنوان : دمياط ،ميدان سرور ،مدرسة محمد عبده الابتدائية المشتركة ،سمير
الفيل .
مصدر : كتاب " طاقة اللغة ، وتشكيل المعنى " ، جمال سعد محمد ، دار الإسلام
، المنصورة ، 2002 .
 


نماذج من أعماله

بعض ما جرى في الأساس
*
ياقات حمراء
عرفنا أنه ابن ناس من أول وهلة . بنظراته الواثقة ، ووجهه الخمري
المستدير الذي لم تلوحه شمس بعد ، وبتلك الابتسامة العريضة التي استقبل بها
خبر توزيعه على سلاح المشاة .
كنا على ثقة أنه لا يكذب علينا – في نوبات الراحة – حين يحدثنا عن
أعمام له ، وأخوال يحملون رتبة اللواء أو العميد ، ويمكنهم بإشارة إصبع أن
يوزعوه على أسلحة الخدمات التي لا مشقة فيها ولا تعب .
تأكدنا أن سراج مصطفى ، والذي سيصبح في الأيام التالية محامي
المعسكر له مخ مختلف . لقد أراد أن يخدم بجد ، ورغم بكاء الأم ، وتوسلات
الأب بالتوسط له عند أصحاب الأمر والنهي كي يتم توزيعه في وحدة مناسبة إلا
أنه رفض رفضاً تاماً .
وها هو بيننا ، واحد منا وعلينا ، يضع يده في جيب سترته فتبرز علبة
سجائر " الكنت " ، يعزم علينا عزومة مراكبية ، ويشعل سيجارته بكل ترفع
وكبرياء .
وسراج مصطفى القرانفلي ، ابن الناس ، أخذ في أول يوم خدمة درساً لن
ينساه ، عندما سأله الأومباشى عويضة عن مؤهله ، فرد بثقة بانت في نبرات
صوته : ليسانس حقوق . . يا أفندم .
لحظتها ارتبك الأومباشى ، لعلها ثوان قليلة ، وانطلق كالمدفع "
المتريوز " مهاجماً العسكري المستجد : عليك أن تدفن شهادتك هذه في أقرب
حفرة . وانس الليسانس ، وإلا ستتعب .
وجعله يتحرك خطوة للأمام ، ويقلع طاقية الرأس ، ويختبر صلابته بأن
ضربه في كتفه ضربتين قويتين ، وسأله على الفور : بماذا شعرت ؟ ، على الفور
رد المحامي سراج : لا شيء يا أفندم .
وقبل أن يكمل جملته جاءته اللكمة في بطنه مفاجئة ، قوية ، ولقد حاول
العسكري المستجد امتصاص الصدمة ، لكن تقلصات الوجه فضحت ألمه الذي أخفاه في
حشرجة مكتومة .
أمره بالرجوع للصف ، واستمر طابور التدريب الأولي : صفا . . انتباه
. . الخطوة المعتادة ، للخلف در ، استرح . والشمس تصب حممها ، اقترب
أومباشى آخر لم نكن نعرف اسمه ، لكن قسمات وجهه ، وطريقته في الحديث دلت
على أنه متطوع ، استلم الطابور بعد راحة خمس دقائق ، وهمس الأومباشى عويضة
في أذنه . وهو – بدوره – لم يكذب خبراً فجأر صوته في الخلاء : سريعاً جري ،
مع الوثب لأعلى .
وانطلقنا في جري دائري حول وتد خشبي تم دقه في ساحة التدريب ، والكل
يلهث ، وينساب العرق خيوطاً ، تنحدر تجاه العينين ، فنتألم من الملوحة ،
ونهمهم : كفى . . يا أفندم .
والأومباشى المتطوع لا يكفيه إلا أن نطب ساكتين ، وقد صعّب الأمر
علينا بأن جعلنا نصعد التبة الصناعية ونهبط مرات ومرات ، وعساكر منا تتساقط
، وهو يجذبها بعنف ، ويدفعها للطابور من جديد ، حتى تقطعت أنفاسنا ،
وامتقعت وجوهنا .
نظرت للعسكري سراج ، كان يغالب ألمه ، والعرق يصنع دائرتين واسعتين
تحت الإبطين . وجاء الأمر صارماً كالسيف : قف . . لليمين حذا . .
لحظات التقاط الأنفاس . انتظرنا الأمر استرح لنمسح بالمناديل
الكاكية عرقنا دون جدوى . خبط الأومباشى المتطوع سراجاً في كتفه : ما هذا
البلل
لم يرد المحامي المنخرط في الخدمة حديثاً ، فالسكوت في الجيش من ذهب
.
ونظر إلى البنطلون الواسع الفضفاض ، كانت هناك خيوط لا تكاد تبين من
عرق : هل عملتها على نفسك ي عسكري ؟
تقدم سراج خطوة للأمام ، ونطق بقوة : أنا متظلم . . ما يجري هنا ضد
أبسط حقوق الإنسان .
شخر الأومباشى ونخر ، وأطلقها كالقذيفة : نعم ، يا روح أمك .
ثم بدأ الأمر بالزحف الثعباني ، والأرض قطع من حصى ، لها سخونة لا
تطاق . ولم يجد سراج مصطفى القرانفلي مفراً من تنفيذ الأوامر بكل دقة
وبعد انتهاء طابور الزحف ، سأله الأومباشى المتطوع : ما شعورك الآن
؟
تأمله العسكري من قدميه إلى أعلى الرأس بنظرة كلها غل وأسى ممتزجين
: شعوري أنك جاهل!!
ضج الموقع كله بالضحك ، حتى أن بعضنا ضرب كفاً بكف ، فقد كانت
ملاحظته صائبة ، وعرفنا فيما بعد أن الأومباشى الذي يكدر سراج ، ما هو إلا
راسب إعدادية .
توقف الهرج والمرج حين جاء الأومباشى عويضة واستلم الطابور ، وشكر
الأومباشى المتطوع : شكراً يا أومباشى فؤاد .
كان الأومباشى فؤاد المنصوري – وهذا اسمه الذي عرفناه فيما بعد –
يمضي نحو " الكانتين " ساحباً خجله خلفه ، وكانت الهمهمات المكتومة تعلو ،
وتنخفض طيلة الربع ساعة المتبقية من طابور التدريب .
وقت الراحة تحلقنا في مرح صاخب حول العسكري سراج ، المحامي الذي
يتحدث عن حقوق الإنسان . غمز لطفي فرو بعينه الحولاء ، وهو يسأله : أتدافع
عن نفسك أم عنا ؟
بنبرات صادقة ، لا اصطناع فيها : أنا مثلكم .
خبطه توفيق مصيلحي الأهبل في كتفه بمودة : أصيل يا ولد . اعطني
سيجارة " كنت " .
في لحظة لم تبق في العلبة إلا ورقة السلوفان المفضضة ، فطوى العلبة
، فركها في يده ، اتجه نحوي : الجيش هذا . فيه من الحياة كثير . لا يمكنك
تفصل بين النبيل الرفيع ، وبين الدنيء الوضيع . فيه معاناة وتعب ، لكن له
قانونه . عليك أن تفهمه . ستخسر كثيراً إن فرضت عليه شروطك .
شردنا جميعاً ،وصاح فيه العسكري صبري الأرناؤوطي : أهي مرافعة يا
أستاذ ؟
عاد الضحك من القلب ، وعمنا صفاء نقي ، غسل أرواحنا المجهدة .
بعد أسبوع واحد ، زارت الكتيبة سيارة جيب ، ارتج لها المعسكر كله ،
ونزل منها ضباط كبار ، بشارات أركان حرب الحمراء المثلثة على طرفي الياقة ،
ودوىّ صوت البروجي ، وتم جمعنا في غير وقت طوابير التدريب . واهتم الصولات
بالزي ، ونظافة الخيام ، ورفع علم جديد على سارية ساحة التدريب الأساسية .
وجاء الضابط أنور عدواً ، وهو يسأل : أين الباشا سراج مصطفى ؟ ضحكنا
جميعاً للفظ " الباشا " . تقدم من العسكري ، وهو يسأله في ود كذوب لا يخفى
على عاقل : مبسوط يا سراج ؟
هز العسكري سراج رأسه ، فلم يعرف الإجابة بالضبط . إلا أنه أخذه من
الصف ، وهمس في أذن الأومباشى عويضة : يبدو أننا ستأخذنا داهية .
وفي خيمة القائد ، جلس سراج مصطفى مع أقاربه ، قدموا له لفائف طعام
وحلوى ، وقروصة سجائر " كنت " ، وسأله قريب له عن الحال ، فرد على الفور :
هي تجربة .
نظر إليه عمه اللواء ، وهو يختبر عناده : أننقلك إلى السرية الطبية
لتكون قريباً منا ؟
تجهم العسكري مصطفى ، ونسي الرتبة التي يتحدث معها : قلت أنني
مستريح هنا .
تنفس القائد في راحة ، وجاءت زجاجات المياه الغازية ، ودارت على
الرتب ذات الياقات الحمراء . والغريب أن العسكري سراج ظل واقفاً كالألف عند
باب الخيمة التي تدور المروحة في سقفها ، والتي يشغل الركن الأيسر جهاز
تليفزيون . حتى أنه رفض زجاجة المياه الغازية .
وحين أوشكت الزيارة على الانتهاء ، قال خاله المقدم : أنت تعرف
تليفون كل منا ، حدثنا عند أي مشكلة .
قال لهم ، وهو يستدير عائداً إلى الطابور : لا مشاكل لديّ . .
المشكلة عندكم في الجيش نفسه .
وقد ركبوا سيارة الجيب الأنيقة ، وهم يتابعون سيره إلى الجمع المصطف
، ولم يدهشهم حديثه ، فقد كانوا يعرفون أنه متمرد بطبعه . لكن لديهم إحساس
لا يخيب في أنه سيعرف الكثير من أمور الحياة في هذا المكان الموحش ،
المنقوع في الخلاء .
-------------------------------------------------------------------------
من مجموعته : شمال .. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة ) ـ القسم
الأول
   
بعض ما جرى في الأساس
*
التزحيف
نحن في الأساس . والأساس 45 يوماً ، لا تزيد ولا تنقص . تستلم
مهماتك ، تحمل المخلة ، تتحول من فرد مدني عادي ، إلى عسكري لا يتحرك إلا
بالأوامر .
والجيش متاهة . الداخل فيها مفقود ، والخارج مولود . من كل جنس ولون
، وهيئة وشكل ستجد البشر : حانقين ، سعداء ، ممرورين ، لاهين ، عدميين ،
متفائلين . من النقيض إلى النقيض . لكن الزمن ممتلئ بأمثال هؤلاء وهؤلاء .
كل شيء كان يتوقعه خليفة مرسي الشموطي إلا موضوع التزحيف .
لقد بحث له عن سبب أو علة دون أي فائدة . فما الدافع الذي يجعل
عساكر الأساس يقومون من النجمة ، وقبل شروق الشمس ، ليغسلوا وجوههم بما
تيسر من ماء الجراكن ، قبل أن يخرجوا مشمعاتهم المتينة ، بلونها البني
الغامق ، وتيلها المنسوج راقات ، يثبتون الطرف بقطع الزلط والحجارة ، ثم
يمسكون الطرف الآخر ، ويمضون لتسوية أرض الميدان الواسع الذي لا نهاية له
.من مربط خيام الأفراد ، وحتى السور البعيد البعيد الذي تعرفه الكلاب ، فلا
تتجاوزه إلا بنباحها الواهن .
هناك عدة طرق للتزحيف ، أبسطها أن يُحدد لكل فرد مقطوعية يسويها
بمعرفته ، ويتحمل خطأ وجود أي مساحة فيها نتوءات أو تعريجات . هذا هو
الشائع والمعمول يه في أساس 2 ، 4 .
لكن هناك معسكرات تدريب أخرى تأخذ بنظرية " الجشتالت " فتقوم كل
سرية بالتزحيف الجماعي ، فكأنك في حضرة رتل من سيارات الميدان تمضي في ذات
الاتجاه ، وبنفس السرعة ، دون أن تترك بوصة فراغ واحدة .
كل شيء مقبول ، ومعقول ، ومحسوب في ذهن خليفة إلا هذا الأمر ، وهو
يسأل كل من يقابله في صوت هامس خشية التبليغ عنه من أي واحد ابن حرام :
أريد أن أعرف ضرورة التزحيف ؟
ظل يسأل ، ولا أحد منا يجاوبه ، ويضع له العقل في رأسه .فليس من
المعقول أن نسأل في كل كبيرة وصغيرة . هناك في العسكرية تكتيكات
واستراتيجيات ، وما نحن إلا عساكر بلا ظهر أو سند . بل الغريب أن يصدر مثل
هذا السؤال عن خليفة بالذات ، وأبوه كما علمنا منه يُصلح الأحذية عند أبواب
جامع السيد البدوي . يضع السندان على الأرض ويبدأ عمله قبل الظهيرة كل يوم
وحتى يشطب آخر فردتين ، وكله برزقه .
مرسي الأب – والله أعلم – عوّد ابنه على التلصص على الحديث ،
والسؤال عن كل أمر ، من طقطق إلى السلام عليكم .
ربما كان لحوحاً في مسألة التزحيف ، أما أن يحولها إلى قضية عمره ،
فهذا معناه أن دماغه
" جزمة " قديمة .
وهذا ما حدث له من جراء اللت والعجن في موضوع مفروغ منه . فقد حوله
الأومباشى إلى الصول ، لما سأله الصول عن السبب . أشار الخبيث إلى العسكري
المستجد الذي لم يكن له خبرة بأمور الدهاء : أسأل عن التزحيف . لماذا نقوم
به ؟
والصول عرفة أبو غزالة الداهية وجدها فرصة للتنكيل بنا جميعاً ، بأن
يوقع الأذية بهذا الأبله ابن " الصرماتي " .
والمثل قال : " اضرب المربوط ، يخاف السايب " . ولكن للأسف كلنا
مربوطون من أعناقنا منذ اليوم الذي دخلنا فيه منطقة الفرز ، وجردونا من
الثياب إلا ما يستر العورة ، وبحثوا عن الفتق والبواسير والسل و . . . . .
. . .
عندما انتهوا ، وختموا الورق بالكودي الأسود بكلمة " صاغ " صرنا لا
نسأل ، ولا نجرؤ على رفع الحنجرة بصوت حتى لو كان واهناً .
الضابط أنور – وهو ضابط مخلة ، لا قلب له – ربت على كتف العسكري
الغلبان ، وسهاه في الكلام : خير يا دفعة ؟ ، ابتسم الغر ، وبانت نواجذه :
فقط ، أسأل عن التزحيف . هل كل جيوش العالم تزحف مثلنا؟
الضابط أنور ، تركه ، وراح يقلب السكر في قعر كوب الشاي ، وعاد إلى
مكتبه في وسط الخيمة ، وقد أدرك أن الفأر قد وقع في المصيدة . شجعه على
الكلام أكثر ، فأضاف ابن مرسي الشموطي : التزحيف تضييع وقت . أريد أن يصل
صوتي للقيادة .
لسان حال الضابط : اللهم طولك يا روح .
لكنه يطلب المزيد من الكلام السائب ، ربت على كتفه بتشجيع ماكر :
قل كل ما عندك . . يا عسكري .
وضع الكوب على حافة المكتب – وهو منضدة ملخلعة قوائمها ، أما سطحها
فمن خشب جميز مسوس – وسوى أطراف شاربه ، وأمر بطابور ذنب 8 ، 9 .
وقبل أن ينصرف ، وخزه في صدره : ها . . أتريد أن تعدل الكون . . يا
روح أمك !
ربما فكر في صفعه ، لكنه تراجع ، وقرر حرمانه من الإجازة الشهرية ،
وخدمتين " كينجي " زيادة .
وحين رجع العسكري خليفة ، بان عليه الإرهاق بعد دورانه في ساحة
التدريب حاملاً المخلاة ، والعرق يشر منه ، وهو يلهث وصوته يطلع بصعوبة :
لن يقنعني أحد بأن التزحيف ضروري ، حتى لو قصفوا عمري .
وفي الخيط الأول من فجر اليوم التالي ، كنا نزّحف رمال الموقع بهمة
أقل ، وكان العسكري خليفة يشاركنا الأمر متعباً ، موجوع القلب ، فقد قضى
نوبة الكينجي وهو يكلم نفسه : التزحيف خطأ .
كان أغلبنا يرى الأمر نفسه ، ولم يكن أحدنا على استعداد لذلك العقاب
الصارم ، فالجيش له عبرة حفظناها مراراً وتكراراً : " نفذ الأمر ولو خطأ
ولقد رأينا مصير من جرؤ على مناقشة الأمر ، فما بالك لو رفضه .
استمر التزحيف ، وحين سوينا الأرض ومهدناها ، هبت عاصفة صغيرة ،
فمسحت كل ما فعلناه . ضحك العسكري خليفة وهو يشير إلينا بيده : زحف يا
عسكري ولو خطأ . .
كانت ضحكته منقوعة بمرارة وحزن بلا حدود .
---------------------------------------------------------------------------
* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ القسم
الأول
   
بعض ما جرى في الأساس
*
الهدف
كانت أسنانه تصطك ، وقلبه يرتجف ، وهو يقبض على بندقيته ، ويستعد
للتقدم نحو التبة ، كي يرقد على بطنه ويستعد لإصابة الهدف .
للمرة الأولى في حياته التي يقيض له أن يضرب ناراً ، أو يسمع صوت
الذخيرة الحية ، وهي تخترق الشاخص ، وتصطدم بقطعة المعدن الصغيرة بالحائل
الصخري العنيد .
يسمع كثيراً عن حوادث الثأر بالصعيد ، لكنه من بحري ، وقد شرب مهنة
الأب ، التي أخذها عن سابع جد ، ويده تلك التي تحفر زهوراً في الخشب الزان
والسويدي تُلف في حرير .
هو الآن يستعد لتلك اللحظة الفارقة في حياته ، وعليه أن يفعل
المستحيل كي يكتم أنفاسه ، ويضبط زاوية التنشين حتى لا تطيش طلقاته .
ليس عليه أن يفكر في الورشة ، ولا في عدة الشغل التي تركها في البنك
، ولا في صورة ´سعاد حسني " التي تضحك لزهور النرجس من حولها ، وتغني بصوت
كله مرح " الدنيا ربيع "
الرمل الأصفر يحاصره ، بلونه الأخرص ، وخشونته ، والشمس تسقط وراء
ظهرها ، فتثير حنقه .
ركب السيارة إلى التبة منذ الصباح الباكر ، وراحت العجلات تنهب
الطريق ، ومفاصل المقاعد الحديدية تتكتك ، وترجه رجاً ، فيستند بمرفقه على
ساق من يجاوره . غشيه حزن لا يعرف دوافعه ، وفي انحدار خيط العرق على رقبته
تأكد أنه لا يحلم ، فاليوم هو ختام الكلام النظري ، والدخول بكل ثقة في
معمعة الفعل .
في أفلام السينما التي يحرص على مشاهدتها صباح كل جمعة ، كان يبسطه
أن يشاهد المعارك الحربية ، والجيوش تتحرك في جحافل مرعبة ، بينما الرصاص
يفتك بالجنود من الطرفين .
كانت البنادق والمسدسات في أيدي المتحاربين ، وكان يجلس مسترخياً في
كرسيه المعتاد آخر الصالة ، وبالقرب من الحائط ، تتثاءب ، وهو يغالب وخمه ،
ومنديله المطوي بعناية في جيب السترة ، يمسح به وجهه ، فتملأ أنفه رائحة
"سيكريه " . هو الآن في قلب الفعل ، والصول يرفع يده بالعلم الأحمر ،
ويأمره بالتقدم ثلاث خطوات للأمام .
" انتباه " . لأول مرة يعي أهمية هذا اللفظ ، فيحلله إلى حروفه قبل
المزج ، ويدرك أن حالة الانتباه للهدف تعني له الكثير .
حمل السلاح الآلي ، وشعر بأن ثقله لا يحتمل ، والسونكي المدبب
للأمام في غطرسة ثقيلة ، أكدت له خطورة الأمر .
خشخشة الصدور من حوله ، يسمعها ، وتسقط نظراته على أسراب نمل تتحرك
يمين المدق ، ثم ما تلبث سحابة خفيفة أن تعبر فوق الهدف ، فتظلله لثوان
معدودة ، قبل أن ينكشف عن ضوء صريح ، لا ريب فيه .
" انبطح " . أمر لا مجال فيه للتراجع . على نفس الخط الوهمي ينبطح
البوطسى ، والأرناؤوطي ، وسراج القرنفلي .
كل يقبض على سلاحه في استماتة ، يلصق الدبشك بكتفه لصقاً ، ويغمض
عينه اليسرى ، وتحط ذبابة على أنفه فيكاد يجن ، لكنها تبعد – ربما رأفة به
– فيضع كل همه في الخط الواصل من فوهة البندقية إلى أسفل منتصف الهدف .
" استعد " . تنفتح في هذه اللحظة طاقة نور لتأخذه إلى عالم آخر ،
حيث عليه أن يثبت رجولته . هي لحظة أشبه بلحظة الجنس ، واكتشاف عوالم
الأنثى ، وسحرها الخفي .
ربما كانت اللحظة بقسوتها ، وخشونتها ، على النقيض تماماً . لكن
الاصبع سيضغط ضغطته القوية بلا أي إحساس بالذعر . وقتها يدخل دنيا أخرى .
" اضرب " . وقف شعر رأسه ، ويسراه تحتضن مقدمة البندقية الملساء ،
وصدغه يضغط بقوة على الدبشك الأملس ، ورائحة عرق تنفذ إلى نخاشيشه .
" اضرب " للمرة الثانية . اكتشف أنه لم ينفذ الأمر بعد ، وحينئذ هصر
الزناد ، فشم رائحة البارود ، وارتج صدره فبادر ، بإطلاق رصاصات تلو رصاصات
، وعينه المفتوحة تدمع ، لكنه يواصل الرمي حتى نفذت طلقات الخزنة .
" انهض " . كان انساناً آخر لا يعرفه ، يهب من انبطاحه القسري ،
وثمة رائحة بارود تختلط بعرق يتصبب من جبهته ، في تلك اللحظة لم يعد لديه
شك في أنه قد ترك خلفه كل مفردات الماضي .
لم ينفض عن ثيابه بقايا الرمال العالقة بنسيج القميص ناحية المرفقين
، داخت رأسه لزمن يقترب من اللحظة ، وجد ساقيه تتحرك للمؤخرة مع زملاء
الرمي .
ولقد شعر أنه أطلق رصاصاته الأولى ، وصار خفيفاً ، قادر على التحليق
، والارتفاع في الفضاء الفسيح إلا أن روحه البريئة أشعرته بالذنب .
تفادى النظر في عيون الزملاء ، وفي الليل ناوشه شعور خفي بالرضا عن
نفسه ، ولاحظ الشعيرات التي بدأت تنبت في صدره أسفل وأعلى الثديين ، وحول
السرة !
في الليل شعر بأن روحه تنتحب نحيباً خفياً ، وكان عليه أن يضع رأسه
على الوسادة الخشنة ، ويخفي دموعه التي تسللت على غير إرادة منه !
--------------------------------------------------------------------------
* من مجموعته : شمال.. يمين ـ سلسلة كتاب ( موجة )ـ السم
الأول
----------------------------------------
أضيفت في15/10/2005/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتب
   
على حافة الليل كان
اليمام
( حين يصير
الحنين يماما على الكف ،والراقصون مدائن لا تقفل الليل أبوابها ، والصباح*
) (( *إلى
علي الدميني ، والمقطع السابق من ديوانه بياض الأزمنة))
هذا بالضبط ما لم يفكر فيه البارحة . لقد نام خالي البال من أي شيء
يكدر صفو هدوئه ، صحيح هو مسجون ، ولكنه يشعر بالراحة الأكيدة أن رأسه لم
تعرف الانحناء . تذكر كلمات سبارتاكوس الأخيرة ، وابتسم لطيف الشاعر الذي
هده المرض ، ومات في الغرفة رقم 8 . كان أمل دنقل جنوبيا مثله . عبر البحر
الأحمر الذي شقه موسى بعصاه يتسلل التمرد من بين الشعب المرجانية ، وأسماك
الكنعد وسلاسل الجبال المنحدرة في انكسار مميت .
دق بقبضتيه الباب الحديدي الثقيل ، فأتي الحراس شداد القامة ،
أزاحوا غطاءا معدنيا ثقيلا ، ونظروا من خلال الكوة شديدة الضيق .
كان قد ابتعد عن الباب بمسافة بوصتين ، رمقوه في غضب أن أزعجهم ،
لكنه حدق في ملامحهم بشيء من المرارة ، وهم انتظروا أن يتكلم ، ويفصح عن
سبب استدعائه لهم في هذا الوقت المتأخر من الليل بتلك الجلبة التي لم
يعرفوها عنه.
كانت ليلة توافق منتصف الشهر العربي ، لكن القمر بان مختنقا بغلالات
الغيوم التي تتكاثر في مرورها البطيء ، أما زنزانته فتطل من الخلف على ساحة
واسعة أشجارها خرساء وصامتة .
تمهل وهو يتراجع عدة خطوات ليلاصق الجدار ، حدجه كبيرهم فيما تصلصل
المفاتيح في خطاف معلق بجيبه : ماهذه الجلبة؟
قال وهو يرتب الكلام ، وذاكرة الجبلي تناوشه وتلح عليه أن تكون
عبارته سهلة ومفهومة : اليمام ؟
يتأكد له الآن حقيقة أن الروح هي التي نادته أن يرى اليمام في زرقته
، وهو الشيء الذي أفاق عليه من نوم قلق ، وشعر بالحاجة إليه بصورة لم يمر
بها من قبل أبدا . غالبه خاطر أنه مجرد حلم ، وعليه أن يحتفظ به لنفسه ، أو
أن ينتظر طلوع الصباح ليحكي ما رآه لرفاقه ، لكن شيئا أقوى منه دفعه أن
يكون في حضرة اليمام .
مكث يغالب هذا النزوع القوي الذي ألح على وجدانه ، حتى أنه تصور
يماما جبليا بالذات له ريش بني غزير حول الهيكل الضئيل ، وزغب خفيف يكسو
الرقبة . أكمل بنبرة بدت محايدة منزوعا عنها أي إحساس بالرجاء أو التمني:
أريد أن تأتوا لي باليمام .
هل هذه هي مطالبه فقط في هذا الوقت الذي يخلد فيه الجميع للنوم
الثقيل والراحة الأكيدة ، أعاد الحارس إطلالته ، أما هو فقد راح يمسح بيده
غبارا خفيفا كان يحجب الرؤية كاملة عن عدستي نظارته ، وأتاه صوت الحارس
محتجا : أي يمام تقصد ؟
بروق العامرية لوحت للسجين لحظة وتمددت في فضاء شكلته أيد خفية ثم
ما لبثت أن تبددت : ألا تعرف اليمام؟
كان المكان يعبق بدخان سجائر انطفأت منذ فترة ، والزنازين غارقة في
صمتها الليلي . في الخارج تهبط قطرات مائية لا تكاد ترى ، وتتكثف على أوراق
الأشجار وبتلات الأزهار كقطرات ندى : أعرفه . وهل كل هذه الجلبة لآتي به في
هذا الوقت؟ وهب أنني أحضرته ، فهل القوانين هنا تسمح بذلك ؟
عدل بيده ياقة سترته البيضاء التي تثنت أطرافها ، ورنا نحو الفضاء
الذي كان قمره يجاهد بقوة حتى تبتعد تلك السحب الرمادية البليدة .
بدت قضية عمره أن يرى اليمام ، وينصت لهديله . هكذا كانت الرؤية أن
والده قد ناداه كي يجلس معه تحت شجرة تين عملاقة ، في ظل فروعها المتشابكة
، وفي جلستهما حطت يمامة على المقعد الخشبي المستدير .
قال العجوز : لا تحزن .
رد بنبرة الواثق : إن الله معنا .
امتدت يدا العجوز ولامست تقاسيم وجه الابن الذي تذكره صبيا يلهو في
أزقة القرية:أصبر يا بني .
رأي الغضون تهتز تحت الجفنين : سأفعل يا أبي .
مسح بعينين سوداوين صافيتين خضرة المكان الذي لم ير أجمل منه في
كسوته العشبية الزاهية ، وانجابت أحزان حسبها لن تتزحزح يوما : ما أجمل
زيارتك . لا تتركني هنا بمفردي كن معي .
رقت حواشي الكون ، وأسراب من الطيور تمر فوقهما مغردة ، فيما تساقطت
بعض أوراق من الشجرة الكثيفة ولم تكن صفراء أبدا ، بل كانت بنفس خضرتها
الداكنة : أنظر أبي ؟
قبل أن يجيب اختفى أبوه تماما ، لكن نظرات وجهه التي بدت باسمة
ومضيئة ظلت تخايله فيما سمع هديلا متناغما لليمامة التي طارت بعيدا بعيدا.
تحتم عيه أن يطلب اليمام في الغرفة الضيقة . لا كتب معه ، ولا أوراق
. سحبوا دفترا صغيرا تم تهريبه إليه وتركوه في عزلته مع نوبات الحراسة .
لقد ألف وجوههم ، وتعود تجهمهم . كان يعرفهم بسعال بعضهم ،
أوبطريقتهم في الخطو ، أوبلهجاتهم التي غالبا ما تنم على كونهم جنوبيين ،
لكنه جنوبي مثلهم وإن دفعته ظروف الدراسة ونزوح الأهل منذ سنوات بعيدة أن
يتجه شرقا . طلع صوت الحارس وهو يسوي شاربه : بالله عليك لا تلهو بنا . أي
يمام هذا الذي آتيك به؟
تململ قبل أن ينسحب عائدا ومن خلفه تابعه الأصغر رتبة : خذ سيجارة
دخنها ، ثم أكمل نومك .
في تلك اللحظة بالذات والتي مد فيها الحارس يده بسيجارة من الكوة
تناهى إلى الجميع صوت خافت للهديل ، راح يتصاعد ، ويتصاعد .
بقت اليد معلقة لحظات ، ولما لم يمد السجين يده كي يأخذها مضى
الحارس مع زملائه نحو مكان خدمتهم ، فيما حطت يمامة بنية اللون بريش ناعم
على حافة النافذة الضيقة المشغولة بالسلك .
كان عليه أن يصعد على حافة مقعد خشبي كي يمسد شعرها ويحط بيده
الأخرى على جسمها الدافيء ، حاولت اليمامة أن تدخل الحجرة عبر ثغرة في
الحديد المشغول ، لكنه أبعدها برفق ، وأبقاها حيث هي . كمنت لحظات ثم هدلت
من جديد وهي تعاود انطلاقها . طيرانها في هذا الليل الطويل الذي يبدو أنه
على وشك أن يتبدد .
القاهرة 5/ 4/ 2005
   
مشيرة
البنت مشيرة أم ضفيرتين صغيرتين سارحتين على الظهر ماتت اليوم .
مشيت في الجنازة البسيطة وكان قلبي يبكي ، ووجهها يلوح لي طوال
المسافة الممتدة من جامع البحر التي خرج منه جثمانها وحتى قرافة الست
الوالدة قرب " تعاليق شيحة ". بنت صغيرة بغمازتين ، ووجه باسم تستقر به
عينان يسكنهما غيط برسيم أخضر في موسم النوار .
نعم هي البنت مشيرة ابنة خالتي خيرية التي تغلبني في المذاكرة
بنباهتها ، وعيونها التي تضحك وبشرتها البيضاء حتى إنني كنت وسط الأولاد
كلهم والبنات القادر أن أخطف يدها وأضعها على حافة الشباك وبجوارها يدي
السمراء ، وأهتف بها : مصر والسودان ، وعلى ضحكنا تأتي خالتي خيرية بكوبين
من الشاي المحلى بالسكر وروح النعناع ، تسألني : أمك فين ؟
وهو سؤال لا تنتظر إجابته إذ هي تعرف أنها لابد أن تأتي في موعدها
قبل أن تبدأ حلقات المسلسل الإذاعي في الخامسة والربع مساء ، ثم تمتد
السهرة والضحكات ، والفرفشة حتى موعد القرآن ، وقتها يسكت الجميع ، وكأن
على رؤوسهن الطير ، وتبدأ التلاوة ، فتقوم مشيرة بدخول المطبخ لتعمل فناجين
القهوة المحوجة بالحبهان ، وتكافئني بفنجان قهوة سكر زيادة ، ويكون من
واجبي أن أفتح الأطلس ، واشرح لها تضاريس دول العالم التي تدرسها ، وأفهمها
للمرة المليون مقتاح الخريطة : الأخضر يعني سهول ، الأزرق بحار ، البني
جبال . تضحك وتقول : مفروض البني يبقى بن !
النعش فوق سيارة مكتوب عليها بخط منمنم " سيارة تكريم الإنسان " ،
لكن الأكتاف شالتها داخل الخشبة وأودعوها المنحنى المعدني الأبيض . لمحتها
تشير بيدها أن أجلس أمامها بالضبط كي تشرح لي محيط الدائرة ومساحتها . قال
لي الأستاذ بشرى بندلي أنني لن أفهم شيئا طالما لم أحضر المنقلة والمثلث
قائم الزاوية والفرجار . وصدقت نبوءته ، فحين كبرت قليلا ، وامتنعت عن
ارتداء الشورت ، ودخلت الإعدادية لم أفهم مطلقا لماذا نركز بسن الفرجال على
المركز ، وندور بقوس واسع يصنع هذا المحيط المنحني . كنت في رعب أن يجذبني
المركز كقاع جب بلا قرار إلى عمقه المستحيل . فضلت دائما أن أكون بعيدا عن
هذا المركز ، بل بذلت محاولات مستميتة كي أخترق المحيط نفسه بأي طريقة
وأهرب من الدائرة اللعينة ، وقد كانت نبيهة وذكية ، تعرف أن المساحة = ط
نق2، وهو الأمر الذي لم أفهمه بسهولة ، مع قانون المحيط الذي هو 2 ط نق .
وظل سوء الفهم يلازمني وسوء الحظ يتبعها ، والدائم هو الدائم ولا إله إلا
الله .
شقت الجنازة شارع الحدادين ، وعرصة ساحل الغلال ، في شهر رمضان
كانت تنزل في هذا الزقاق تلعب بحق الورنيش القديم لعبة " الأونة " وكنت
أراها تحجل بسرعة ، وتقفز برشاقة ، وأنا محمل بأطقم كراسي السفرة والحز فوق
رقبتي يؤلمني ، تراني فتتوقف خجلى ثم يدب فيها روح التحدي وتكمل لعبتها ،
ولما كانت أمي قد وصفتني بالمؤذي فقد كان من الخطأ ألا أفسد توقعاتها . من
السهل أن أستند لجدار بيت قديم وأزحزح الكراسي واحدا واحدا بزعم أني أستريح
، وما علي كي أبدو شريرا إلا أن أمحو بقطعة البطانة التي تسند كتفي حتى لا
تدمى وأوقف اللعبة .
وقتها تندفع البنات الصغيرات : والنبي .. نكمل الأونة !
وأمتنع حتى تحضر هي ، وتضع حقلي البرسيم في عيني مباشرة فأتصنع
الغضب : صغيرة أنت حتى تلعبي معهن .
أشعر بالنوار يتفتح فتزهزه الدنيا ، وتطير فراشات مبرقشة وتحط على
كفي : نعم صغيرة ، لكنني أطول منك .
تشب على أمشاطها فتطولني ، وتنحدر الجنازة نحو شارع البدري
ببلاطاته المربعة البازلتية الصغيرة ، ونهم بأن ندخل الدرب الضيق من ناحية
الحدادين فتوارب المقاهي أبوابها ويقوم الرجال ، ويصوبون السبابة في
مواجهة النعش الموضوع بالسيارة ، ويتلون التشهد فيما تخفف العربات المنطلقة
من سرعتها ، وتركن بجوار الطوار حتى يمر المشهد .
في ركن الحجرة وجدتها تصفف شعرها ، كنا قد كبرنا ودخلنا الثانوي ،
والسطح ضاق بألعابنا القديمة ، داخت أمي في علاج سعال الصدر ، لكنها تذكرت
أن أمها قد حمصت قشر الرمان ،فاندفعت نحو العش الخيزراني الأعواد وسحبت
حفنة من القشر ، وذهبت به للوابور الذي أشعلته ، ثم غلت القشور ، ومدت يدها
بالكوب . كان شعرها أسود ، وضفيرتاها قد طالتا وانسدلا على كتفين صغيرين ،
وكانت السماء في انحدارها البعيد تذكرني بالدائرة ، ويشغلني أن يكون هناك
حد للأفق . راهنتها : من يمكنه أن يجري ويجري ليبلغ الأفق ؟
قالت وهي تستعيد أسماء الأبطال في ذهنها : السندباد .
قلت وأنا بين الشك واليقين : ولا هذا أيضا . تعالي نجرب أن نبلغ
الأفق . أن نطول الانحدار البعيد بأيدينا . ركضنا مسافات بعيدة ، ونال منا
التعب واكتشفنا أن هناك أشياء لا يمكن أن نطولها أبدا .
تابعت الجنازة سيرها ، وصرنا في صرة الميدان الشهير ، ومن بعيد كان
دكان الأب تاجر الحبوب مغلقا من سنوات بعيدة بنفس القفل الضخم النحاسي ،
وقد صدأت المفصلات ، لمحت ابن عمنا الدكتور لطفي وقد جاء مغبرا من السفر ،
أصبح في أول صف والشمس تلهب الوجوه ، ونداءات الباعة تأتي واهنة . كان
باعة المشمش قصير العمر ، والبرقوق فاكهة الذوات ، وكانت بشائر البطيخ ،
وأنا أخفي عرج خفيف يناوش قدمي .
سألتني وأنا أحمل جمجمة أخيها طالب الطب بيدي : ألا تخشى أن يطلع لك
صاحبها في الليل .
تفحصت الفك واستدارة الصدغين ، ووضعتها بجوار مزهرية بها وردة قرنفل
بيضاء : أنا لا أخاف . فقط لعلي حزين .
فقد كانت الأحلام تتبخر ، والحجرة الملحقة بالسطوح تكشف عن شرخ كبير
في السقف والجدار . قالت لي خالتي خيرية : لو انهد البيت أين نذهب ؟
وجمت للسؤال ، والتفت للسلم الخشبي الحلزوني الذي كان يسرسب بعض
التراب في تكتم شديد : لا تخافي يا خالتي .
وفي لحظات الغروب تسرب إلى قلبي شجن عظيم ، وأنا أرى الإرهاق في
وجهها وهي تذاكر دروس الكلية . كانت قد انعتقت من الجغرافيا ، والأطالس ،
لكنها تسأل هذه المرة عن دورة حياة الكائنات . أطلعتني على فراشة محنطة وقد
كتبت اسمها باللاتينية ، ومجموعة صخور ة صلبة لها أسماء عجيبة . ضحكت في
وجهي وهي تسألني : هل نصير في يوم ما مثل هذه الأشياء . قبل أن أجيب سمعنا
صوت ارتطام عنيف . كانت طيارتان ورقيتان قد تشابكت خيوطهما وسقطتا فوق
السطح في لحظات الغسق الشاحبة . لم أجب عن السؤال المحير فقد انهمكنا في فك
الخيوط المتشابكة وتخليص الطيارتين من مشكلة صنعتها الرياح .
|