الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

أهلا معالي الوزير

جنازة في القرية

أجراس الموكب الفضي

عزو القاق

العنق ...والأنشوطة

السقوط

الصلصال

محيط الدائرة

 

بطاقة تعريف الكاتب: جان الكسان 

 

ولد في الحسكة عام  1935.

أمين تحرير الثقافة في دار البعث للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع، ثم رئيس تحرير مجلة "فنون".

عضو جمعية القصة والرواية، وعضو في اتحاد الصحفيين في سورية.

مؤلفاته المطبوعة:

- القصة القصيرة:

1- نداء الأرض- دار اللواء - القامشلي- 1955.

2- نهر من الشمال- مطبعة كرم- دمشق 1963.

3- الحدود والأسوار - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1970.

4- المعاناة -وزارة الإعلام- العراق - 1972.

5-  جدار في قرية أمامية  - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1987.

6- المزنة -وزارة الإعلام- العراق - 1979.

7- الحوت والزورق - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1982.

8- حصان الأحلام القديمة - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1988.

- الرواية:

9- النهر - اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1979.

10- أيام معها- دار الوعي العربي- دمشق 1961- أدب الأطفال (قصة طويلة).

11- بيدر من النجوم- منظمة طلائع البعث- دمشق 1979.

12- الجسر - منظمة طلائع البعث- دمشق 1982.

13- عصافير الجليل -(مسرحية) - منظمة طلائع البعث- دمشق 1982.

14- رحلة إلى الفضاء - منظمة طلائع البعث- دمشق 1986.

15-سعيد في حقول الأرز- منظمة طلائع البعث- دمشق 1988.

16- أوراق من تشرين - منظمة طلائع البعث- دمشق 1988.

17- زينب في ميسلون - منظمة طلائع البعث- دمشق 1989.

- المسرح:

18- قراءات على شاهدات مقبرة كفر قاسم (مسرحيتان) وزارة الثقافة 1972.

19- مسرح المعركة (أربع مسرحيات) وزارة الثقافة 1978.

20- الولادة الثانية للمسرح في سورية (دراسات ) اتحاد الكتاب العرب 1983.

21- المسرح القومي والمسارح الرديفة- وزارة الثقافة دمشق 1988.

22- التشخيص والمنصة - دراسة- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1990.

23- السكين في الخاصرة - مسرحية - دار المنارة- اللاذقية 1990.

-السينما:

24-  السينما السورية في خمسين عاماً -  وزارة الثقافة- دمشق 1978.

25- السينما في الوطن العربي - سلسلة عالم المعرفة- الكويت 1982.

26- تاريخ السينما السورية - وزارة الثقافة 1988.

27- الصهيونية والسينما ، دار طلاس، دمشق 1989.

28- محطات سينمائية - النادي السينمائي في عمان- دمشق 1990.

29- قضايا في السينما العربية - وزارة الثقافة- دمشق 1990.

30- مئوية السينما 1895- 1995 قضايا عربية في السينما -اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1995.

31- أعلام الكفاح في سورية - دمشق 1963.

- الكتب الوثائقية:

32- ماذا حدث في تشرين - دار البعث - دمشق 1974.

33- مائة يوم حاسمة - دار البعث - دمشق 1974.

34- رديف المقاتلين - القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي 1974.

35- هوامش من حرب تشرين -  وزارة الثقافة- دمشق 1978.

36- القائد والمعركة -  وزارة الثقافة- دمشق 1983.

37- سد الفرات وزارة سد الفرات 1975.

38- ثقافة الثورة وثورة الثقافة-  وزارة الثقافة- دمشق 1988.

39- الرحبانيون وفيروز -  دار طلاس، دمشق 1988.

40- مئوية السينما 1895- 1995 قضايا عربية في السينما - اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1995.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعماله

عزّو القاق

 

 

هذا هو اسمه الذي عرف به في أحياء دمشق القديمة في الأربعينات.. لم أرو حكايته لأحد إلا واستملحها، بل أن أكثر من كاتب قال أنها تصلح مادة لأقصوصة قصيرة، أو حتى لسهرة تلفزيونية إذا أضيفت إليها بعض التوابل، واستأذنني في ذلك كأنني صاحبها في حين أنني أحد رواتها، وقفت عليها مصادفة من صديق عايش تفاصيل القصة في الأربعينات.

لقد وجدت فيها، وخاصة في خاتمتها، نوعاً من المفارقة تقترب من الكوميديا الرمادية، أكثر من أن تكون نوعاً من (القفلة) لطرفة تروى في سهرات الشتاء.

أما سبب شهرة عزو القاق، فتعود إلى أنه كان عازفاً بارعاً على آلة العود، وكان يدعى إلى الأعراس ليبدأ العزف في أول المساء ولا ينتهي منه قبل منتصف الليل دون أن يصدر عنه أي نوع من أنواع التذمر أو ادعاء التعب وهو يلبي طلبات الحضور المتواترة.

-عزو.. بدنا (طالعة من بيت أبوها)

-تكرم

-عزو.. (رقصة ستّي)

-أمرك

-عزو.. يلبقلك شك الألماس

-على عيني

-عزو.. اتمختري يا حلوة..

ويروح عزو يعزف المقطوعة وتردد الصبايا بعده: "اتمختري يا حلوة يا زينة يا وردة جوا الجنينة" حتى إذا انفض العرس، وضع أصحابه في يد عزو (ما فيه النصيب) مع صرة أو مطبقية الملبّس، فيدس ذلك في جيبه دون عد أو اعتراض، ويعود إلى بيته الطيني الصغير المتواضع في حي القيمرية، حيث لا ينتظره أحد، ويتحايل على نفسه وهو يتجه إلى فراشه القطني الممدود فوق السرير النحاسي وقد أخذ منه التعب والنعاس كل مأخذ.. وينام كالقتيل.

وعزّو القاق تجاوز الستين، ومع هذا يرفض التقاعد من هذا السهر الليلي.. فهو يجد فيه نوعاً من التسلية بدل الجلوس في البيت وحيداً بين أربعة جدران، كما أن الأجر الذي يكسبه يعينه على العيش مهما كان متواضعاً، ويقول حول هذا للذين يعاتبونه من المعارف والجيران لأنه لا يطلب أجراً عالياً يوازي براعته في العزف وسهر الليالي:

-وماذا سأصنع بالدراهم؟. (لقمة تجوعني ولقمة تشبعني).

وهكذا مرت حياة عزو القاق على هذه الرتابة أربعين سنة، لم يفكر خلالها بالزواج.. وعندما كان الجيران يسألونه عن سبب عزوفه عن الزواج يقول:

-لسّه ما إجا النصيب..

ويسأله جاره أبو دياب: هل هذا معقول يا عزو؟ أربعون سنة ولم يأت النصيب… لعل فيك علة تمنعك من الزواج.. صارحني.. أنا جارك وصديقك وحبيبك.

-علة؟.. شلون يعني؟.

-يعني.. كما يقولون (يمكن إنك ما بتنفع للنسوان).. صارحني.. لكل علة دواء.. هناك أطباء يعالجون مثل هذه الحالات ويعيدونك مثل الحصان.

ويختصر عزو الحديث لأنه لا يريد الدخول في مثل هذه التفاصيل التي يثيرها أبو دياب ويرد باختصار:

-أخي.. أنا لا أريد الزواج… لا أريد امرأة تجلس أمامي مثل القاضي، تحاسبني على كل كبيرة وصغيرة وتمنعني عن السهر. أريد أن أعيش بحريتي، ثم أن دخلي لا يكاد يكفيني، فكيف تريدني أن أنفق على المرأة والأولاد؟.. بعدين.. راحت علينا يا أبو دياب.. قلبنا الستين… ولم يبق في الكرم غير الحطب..

ويصمت أبو دياب مرغماً ليتحول بالحديث إلى شؤون أخرى، ويسأل عزو عن رأيه في عرس بيت فلان وبيت علتان:

-هل صحيح يا عزو أنَّ بيت الأوضباشي وضعوا في مطبقية الملبس ليرة ذهبية لكل مدعو إلى العرس؟.

-صحيح.. الجماعة أغنياء.. (ويللي عندو فلفل بيرش عالمخلوطة)

-وهل أخذت مطبقية فيها ليرة ذهبية؟.

-أجل وحفظتها للذكرى.

-ألم يفاجأ المدعوون بهذا الكرم في الضيافة؟

-طبعاً.. ولكن إرضاء الناس من رابع المستحيلات.

-كيف؟.

-علق بعضهم على هذا بقولهم: وشو بيصير لو حطوا بالمطبقية ليرتين بدلاً من ليرة واحدة؟.

-يا لطيف.. كم هو الإنسان طماع..

-طبعاً.. هذا طمع.. أساساً عين الإنسان لا تشبع إلا من التراب.

وفي إحدى الليالي، وكانت ليلة شتوية ممطرة وباردة، حدث في حياة عزو القاق ما لم يكن في الحسبان..

دعي لإحياء عرس في بيت النقشبندي، وامتد الحفل إلى ما بعد منتصف الليل، حيث خرج عزو وهو في حالة بادية من الإعياء.

خرج حاملاً عوده وهو يقطع الأزقة المؤدية إلى بيته في حي القيمرية، وحبات المطر تتسارع في الهطول فوق رأسه بعد أن بدأت رذاذاً في أول المساء.. وفجأة.. وفي إحدى الزوايا، سمع صوتاً خشناً وعريضاً يصرخ به: عزّو..

التفت إلى مصدر الصوت مذعوراً.. فإذا به أمام رجل ضخم الجثة، طويل القامة يقف على شاربيه صقران بدلاً من صقر واحد.. وقبل أن يسأله عما يريد قال الرجل:

-إلى أين أنت ذاهب؟.

-إلى بيتي.

-ما حزرت.. أنت لن تذهب إلى البيت.

-لماذا؟.

-لأنك ستذهب معي..

-إلى أين؟.

-قلت لك ستذهب معي..

-إلى أين تريد أن تأخذني في هذا الليل الماطر؟.

-لا أريد أن أسمع منك أسئلة.. تذهب معي دون أن تسأل إلى أين.

-دخيلك يا أبا الشباب.. أنا متعب.. كنت في عرس بيت النقشبندي.. وعزفت من أول المساء إلى الآن، وأنا أكاد أسقط على الأرض… وأريد أن أذهب إلى بيتي لأنام.. ثم أن المطر بلل ثيابي وطربوشي..

-المطر ليس مشكلة… المطر خير وبركة.. هيا معي..

-ولكن إلى أين؟.

-إلى مقبرة الباب الصغير.

-لماذا تريد أن تأخذني في هذا الليل إلى المقبرة؟.

-لا أريد أن أسمع أي أسئلة.. هيا وإلا سحبتك خلفي من ياقة سترتك.

لم يجد عزو بداً من الانصياع.. فقامته التي لا تتجاوز قامة طفل في العاشرة، ووزنه الذي لا يتجاوز الأربعين كيلو غراماً، وسنه التي تجاوزت الستين.. أمور لا تؤهله لأي نوع من أنواع الرفض أو التمرد.. فسار مرغماً إلى حيث يسوقه الرجل الضخم الذي ظهر كمارد من مردة القصص الخيالية..

دخل المقبرة، والرجل يقوده بين القبور، وهو يترنح حيث أدرك عزو أنه مخمور.. وبعد نصف ساعة من التنقل بين القبور، وقف الرجل أمام أحدها وقال لعزو..

-هذا قبر أبي..

وتابع: كان أبي يحب الاستماع إلى أنغام عودك يا عزو.. هيا.. اجلس على هذه البلاطة واعزف له..

وأخرج عزو العود من قميصه القماشي المبتل. وبدأ يعزف والمطر يهطل غزيراً.. وبعد دقائق تراخت أوتار العود وأصبح العزف نوعاً من الحشرجة والنغم الناشز. وكلما حاول التوقف صرخ به الرجل صرخة تهز فرائصه، فيروح يتابع العزف وقد تغلغل البلل من ثيابه حتى عظامه، وأصبح العود في حالة يرثى لها.. ومع هذا ظل يعزف وهو يمني نفسه بليرة ذهبية يدفعها له هذا الرجل المخمور مقابل هذه الليلة الليلاء..

وبدأ الفجر يبزغ في الأفق الشرقي مع انقطاع المطر، وانقشع الغيم، وبدأت أولى أشعة الشمس ترسل نورها، فإذا به يفاجأ بالرجل يقترب منه ويوجه إليه صفعة قلبته مع العود على قفاه..

صرخ في الرجل محتجاً: لماذا تضربني؟.

فرد الرجل بعصبية: هذا القبر الذي كنت تعزف أمامه ليس قبر أبي.

 

 

 

 

أجراس الموكب الفضّي

 

 

تسحبه أقداره من مدارات حبها.. ترميه شلواً على هامش الدفاتر العتيقة.. ويتبدد ندى الذكريات وهي تتخذ وضع (الخانم) في مخدع التقاليد الزوجية.. ويتطامن صدرها العارم متناسياً لهفة الشوق والانتظار.

الآن.. يفتقد عينيها اللتين كانت رفيقاتها تقول عنهما أنهما (تحكيان سيرة).

كانتا تحكيان سيرة الوجد، أو هكذا خيل إليه، وهو يشعر –أو يتخيل- أنهما تفيضان عليه دفء الود وحنان التناغم.

الآن، يفتقد وعودها التي كانت تبشّر بمطر ربيعي لا ينتهي تهطاله على مدى العمر.

الآن، يدرك ما هي خيبة العمر، منذ أن مرّ موكبها الفضيّ الذي زفّها إلى فرحة العمر وخلّفه وحيداً على رصيف الانكسار.

كان على سفح الخريف عندما التقاها صبيّة، ناهداً، تعطّر الجواء حولها وهي تدق الأرض بكعب حذائها- عرف فيما بعد أنه إيطالي الصنع. وتدخل مكتبه لترمي بين يديه حزمة من الأوراق الزرق الأنيقة.

-هي مجرد خواطر… أقرأها.. أرجوك.. أريد رعايتك.. أريد إجابة صادقة منك وأنت المسؤول الثقافي في الصحيفة والشاعر الذي تنام دواوينه على وسادتي.. هل أنا موهوبة؟ هل أصلح لأن أكون مشروع كاتبة؟ هل…

وينداح في داخله مونولوج التداعيات:

-من أين أتيت أيتها الغزالة! دعي عمك (الختيار) لا يقولها عادة أمام أحد- مستريحاً في آخر عربات القطار، قطار العمر الذي يقترب من محطته الأخيرة.. لا تصدقي ما يكتب في دواوينه من قصائد العشق الشفيف.. هي مجرد صنعة، أما الهوى الحارق الذي كان يتشظى لديه أبياتاً وكلمات، فقد خمدت جذوته منذ سنين، مع أول طعنة وجهتها إليه كاعب مثلك، استجدت قصيدة يكتبها في جمال عينيها، ثم هجرته وهو يستجديها نظرة حنان من تينك العينين..

لماذا جئتِ يا صاحبة الأوراق الزرق.. دعي أوراقك مدسوسة في كتبك الجامعية التي تحملينها.. احرقيها في تنور جارتك إن كنت من بناتنا الريفيات أو في (شيمينيه) فيلا والدك إن كنت من الذين في خانة الأثرياء.

-إذا لم تعجبك خواطري ارمها في سلة المهملات.. احرقها.. لكن أرجو أن تقرأها.. لا تقسُ عليها كثيراً، فهي طرية العود مثل صاحبتها..

قالت هذا وتأوّد عودها أمامه بغنج ودلال..

-هل ستقرؤها؟

-أجل..

-إذن.. سأعود بعد يومين.

ولّوحت بيديها وهي تخرج هاتفة: (جاو)..

يومان؟

بل هما شهران.. عامان.. قرنان.. دهر كامل من الأزل إلى الأبد.. هل يطول الزمن هكذا؟ هل ستخرجه دقات كعب حذائها على أرض المكتب من الركن الذي انطوى فيه على نفسه كهلاً مهزوماً منذ سنين؟ منذ أيام صاحبة العينين الجميلتين اللتين نظم فيهما قصيدة كان يستعيدها منه المستمعون كلما ضمته وأصدقاءه، شلة المساء، جلسة أنس؟

لم يقرأ الوريقات الزرق..

ومن هنا كانت المفاجأة عندما عادت بعد يومين.

ـ ها… هل قرأت خواطري؟هل أعجبتك؟

تلعثم.. بماذا يجيب؟

ـ لابدَّ أنها لم تعجبك… رجوتك ألا تقسو عليها، فما تزال صاحبتها ناشئة… وبحاجة لرعاية.. ليد حانية تحدب عليها.. تشجعها.. تطلقها إلى عالم الأديبات  الطموحات.. ها.. لم تقل لي رأيك..

ـ في الواقع.. إنها بداية مشجعة…. فقط.. أنت بحاجة إلى بعض الملاحظات، وكتاباتك بحاجة إلى بعض الرتوش:

توقفت عند كلمة (رتوش)…

ـ أنت تكتب زاويتك في صفحة الثقافة بلغة فصيحة عالية المستوى، أليس هناك كلمة في العربية مرادفة لكلمة رتوش؟

ـ ها؟ .. طبعاً هناك.. أكثر من كلمة… لغتنا العربية غنية  يا آنسة..

ـ هالة…

تذكر أنها لم تعرفه على اسمها في الزيارة الأولى، ولم تكتبه على الأوراق الزرق..

ـ هالة… اسم جميل..

ـ أطلق عليّ أهلي اسم (اعتدال)، ولكني عندما كبرت اخترت اسم ـ هالة… فـ (اعتدال) اسم شعبي..

ـ هالة… اسم جميل..

ـ .واسمك فيه موسيقى.. بدر الدين الديراني.

ـ . لا أحب الأسماء المركبة..

ـ سأناديك باسمك المختصر: بدر.. عفواً.. الأستاذ بدر.. متى ستقوم بإجراء الرتوش على خواطري؟

ـ . في أقرب وقت..

ـ. وهل ستنشرها في الصفحة الثقافية بعد الرتوش؟..

ـ طبعاً.. طبعاً..

ـ .لي عندك رجاء أخير.. أريد أن أكون إلى جانبك وأنت تجري عليها الرتوش.. أريد أن أتعلم.. أرجوك..

وعاد المونولوج ينغل في صدره:

"تقولين أرجوك أيتها الحورية؟… مثلك يلقي الأوامر.. كما الملكات.. كما الأميرات.. وما علينا نحن الرعية المساكين إلا أن ننفذ الأوامر".

ـ لم تجبني.. هل توافق على إجراء الرتوش أمامي؟

ـ طبعاً.. طبعاً.. لتستفيدي من الملاحظات وتتعلمي.. أنت لديك بذور أدبية واعدة.. سيكون لك شأن في المستقبل… سنعلن عن ميلاد أديبة جديدة موهوبة في  صفحتنا الثقافية.. وحتماً، سيكون هناك من يحاول أن يطلق دسيسة.. سيقول أننا شجعناك لأنك شابة جميلة.. ولكننا سنتجاوز هذه الأمور الهامشية… متى تريدين أن نجتمع لإجراء الرتوش؟

ـ . أنت مدعو إلى فنجان قهوة.. أعرف مقصفاً رومانسياً منزوياً، يؤمه العشاق عادة، ولكننا سنكسر التقاليد هذه المرة.. وسنفاجئه بصفتنا المختلفة.. بماذا سنفاجئه؟ بأية صفة؟ هل نقول له: استقبلنا أيها المقصف نحن الأستاذ وتلميذته؟

ـ لن نختلف على الصفة..

ـ لنقل أننا سنذهب إليه كصديقين.. موافق؟

…………….

في اليوم التالي.. وفي المكان المحدد، فاجأها بأنه أخرج من المغلف الذي يحمله بعض الأوراق البيض..

ـ . أوراقك الزرق تحولت إلى أوراق بيض بعد إعادة الصياغة.. أجريت الرتوش، وسنراجع الخواطر معاً.

ـ هذا يعني أن  خواطري لم تعجبك.

ـ على العكس… ولكنها التجربة الأولى بالنسبة لك.. وقد أردت أن أعيد صياغتها كنموذج تتعلمين منه، ويمكن نشره.. هذا في المرة الأولى فقط… في المرات القادمة أنت التي ستكتبين. بعد أن تتعلمي من تجربة إعادة الصياغة..

ـ لم أقتنع بكلامك.. ولكن، حتى لو رفضت نشر خواطري، فلن أنسحب.. أنا أقرؤك منذ أعوام، وأحفظ نصف ديوانك الأخير غيباً.. وهذه الأوراق كانت وسيلة لدخول عالمك الذي بهرني في الخيال.. أعرف أنني لست موهوبة.. ولكني بحاجة إليك… قد تستغرب صراحتي.. أنا بحاجة إلى رجل في مثل نضوجك، أسند رأسي إلى كتفه.. أفرش أمامه همومي، فيربّت كتفي بيده الحانية….

"السكين في الخاصرة، وليس هناك أي أمل في الهروب من هذا القدر الجميل.. إذن… محاولة أخيرة لدفع المقدور"…

ـ يا هالة.. يا صديقتي العزيزة لم يعد اليوم لدى الكهول والشيوخ حِكَمٌ يضعونها أمام جيلكم، فلا تغرنك صفة النضوج… ليس واحدنا سوى مراهق مزمن في إهاب عاشق مخدوع أتعبته  الدنيا وهدته السنون.

"يبدو أن محاولة الهروب غير مجدية"…

ـ لن أقبل أعذارك.. ولن أنسحب..

ـ. هي ليست أعذاراً.. هي نبوءة مرصودة برسم المستقبل.. هل سمعت يوماً أن الخريف والربيع قد التقيا؟

 

ـ أنا أرفض طيش الشباب ونزواته.. هل تستغرب كلامي؟

صدقني أنه ليس وليد نزوة أو مصادفة أو سعياً إلى مغامرة.. هو تراكم معايشة مع أشعارك سنين طويلة حتى حدود المفاغمة.. أحفظ أبيات نصف ديوانك غيباً.. هل تحفظها أنت؟

ـ هي حالة آنيّة أيتها الصبية.. فمثل هذا الحوار  الحميم لا يمتد إلا امداء المستقبل.. ومنذ أيام الكهوف كانت المرأة تنسى تاريخها بين ذراعين قويتين لرجل يشدها من شعرها إلى أحد تلك الكهوف يثير فيها رعشة الانتشاء ويزرع في رحمها بذرة الوليد المرتقب…

لا تبتئسي يا صديقتي لأنني أعلن هزيمتي.. فليس لدي سلاح ولا بيارق أرفعها احتفاء بقدومك..

قد أختزن من لقائنا هذا أبياتاً أخيرة لجنازة القلب، فأنا لست فارس اليوم.. أنا رجل الأيام الخوالي الذي مايزال ذبيح دقات حذاء مثل حذائك ـ هل قلت لي أنه إيطالي الصنع؟  ـ على أرض مكتبه القديم…

……..

يوم قرأ في صفحة الاجتماعيات بإحدى المجلات نبأ زفافها، وتأمل في الصورة المنشورة محيا الشاب الباسم الذي تتكئ برأسها على ذراعه سعيدة، أخرج من درج المكتب حزمة من الأوراق الزرق، وخيّل إليه أنه يرميها في تنور جارته.. في قريته التي لم يزرها منذ سنين…

 

 

 

 

جنازة  إلى القرية

 

 

قبل أن يعتدل خليل في سريره الحديدي القديم، تثاءب، ثمّ تمطى.. ودار بعينيه في أرجاء الغرفة المستطيلة التي تضمّ أفراد العائلة.

كان أبوه جالساً قرب النافذة الخشبية ببجيامته المخططة المهترئة عند الركبة، وقرب الدكة كان أخوته الصغار قد تجمعوا بشكل غير منتظم حول صينية الألمنيوم وعليها صحن كبير من الفول، وكانت أصواتهم خفيضة مخنوقة لا تتوافق وضجيجهم المعهود.. أما أمه فكانت في أقصى الغرفة واقفة تصلي بخشوع.

وسعل أبوه، وكان ذلك كافياً ليذهب عن خليل آخر أثر للخمول الذي بدأ يودع جفنيه بعد سبع ساعات، من النوم متخمة بأحلام سعيدة مختلطة ببعضها بعضاً في دوامة دافئة..

ترك السرير إلى الحائط الأيسر حيث نزع ورقة من التقويم المعلق فبدا أمامه رقمان أسودان يقفان بزهو واعتداد 24 تشرين أول.. هذا هو اليوم الموعود..

بعد شهر من هذا  التاريخ سيقبض من المعارف راتباً محترماً يضمن لهذه الأسرة المكومة في الغرفة المستطيلة عيشة أحسن..

وانفتل إلى الخزانة القديمة فأخرج منها بذلته اليتيمة وضعها على الدكّة وراح يزيل عنها البقع بمحلول البنزين لتبدو لائقة بالوظيفة الجديدة.. وكان يفكر بالسعادة لقد عين معلماً في وزارة المعارف براتب يساوي ضعف الذي كان يدفع له في المدرسة الأهلية التي علم فيها طيلة العام الدراسي الماضي.

كان يعلم تلاميذ أكثر الصفوف، ولا ساعة فراغ.. أما الآن، فلن يشكو مثل ذلك الحرمان أن رواتب المعارف جيدة، خاصة بعد أن شملها (مشروع الترفيه).. ومن يعلم.. ربما زادت عما هي عليه الآن...

وابتسم خليل من أعماقه بسعادة كبيرة.. لقد ظل طيلة  الصيف يعمل في (المصالح)، يعدُّ أكياس الحنطة والشعير ويركض خلف الحصادة ليل نهار، ولم يقبض سوى ربع الأجر الموعود به، أما السبب فلأن الموسم لم يدر كما كان يتصور المزارعون..

وقد حاول خليل بالاتفاق مع والدته أن يتحايلا على المبلغ الذي قبضه بشتى طرق التقنين ليتدبرا بها أمور معيشتهم خاصة وأن (عبود)، الولد الأوسط للأسرة، سيذهب إلى المدرسة بعد أيام وسيحرم البيت من الليرات التي يقبضها مساء كل يوم من الفران الذي يشتغل عنده…

انقضى الصيف وظهر مع انقضائه أمل جديد.. فقد قرأ خليل في مديرية المعارف إعلاناً عن حاجة المديرية إلى معلمين يحملون شهادة الدراسة الثانوية على أن ينجحوا في فحص "الانتقاء" وطار يومئذٍ إلى البيت ينقل الخبر.. إنها فرصة طيبة فلماذا لا يغتنمها؟ وأسرع بتقديم الأوراق الثبوتية ثمّ جاء موعد الفحص، وكان عليه أن يسافر إلى مركز المحافظة ليقف أمام اللجنة الفاحصة التي تقرر المصير.

وقد أجاد في الامتحان التحريري ثمّ تقدم إلى الامتحان الشفوي، ولم يتوقع أبداً أن توجه  إليه أسئلة ثلاثة سهلة بهذا الشكل، الأول كان عن عدد أزرار قميصه، والثاني عن ألوان أحد الأعلام العربية.. والثالث عن الأسبقية في الوجود بين دولتي سبأ وحمير.. ونجح في الإجابة على الجميع بدرجة جيدة ثمّ عاد إلى بلدته ينتظر يوم 27 أيلول ليذهب إلى مديرية المعارف ويتسلم قرار تعيينه في إحدى  مدارس البلدة.. أجل، إنه لن يعين في غير البلدة نفسها، لقد كان أول الناجحين ، ومدير المعارف سيقدر ذلك ويعينه في أحسن مدرسة بالبلدة، ثمّ أن صديقه "نايف" الذي يعمل في مديرية المعارف، وعده بأن سيحكي في القصة.

كان خليل قد انتهى من تنظيف بذلته فطواها باعتناء ووضعها على الفراش ريثما يزيل لحيته ثمّ أتى بماكنة الحلاقة وانهمك في (تنعيم) وجهه وصور من العام الماضي تتراءى أما مخيلته، تذكر كيف أخطأ مرة في درس التاريخ، فقال للتلاميذ عندما كان يشرح  لهم احتلال فرنسا للمغرب بالعربي قال لهم أن الجزائر اشترت قمحاً من فرنسة، وماطلت في دفع الثمن حتى ثار (الداي) وضرب السفير الفرنسي بالمروحة مع أن فرنسا هي التي اشترت القمح من الجزائر.

وانداح بتفكيره يتصور حالته في تلك المدرسة الأهلية: تلاميذ كثيرون في الباحة، أصوات، وصخب وضجيج… جرس يدق.. التلاميذ يدخلون الصفوف.. اللوح الأسود غبار كثير يثيره مسح اللوح.. الحوار الأبيض والملون..درس احتلال بريطانيا لطرابلس الغرب.. أصوات.. ضجة في الصف.. يصيح: سكوت.. لا أحد يسمع.. العصا تسكت الجميع.. ويبدأ الدرس حتى نهايته إذ يقول: .. وظل عمر المختار يحارب الإيطاليين مدة طويلة، وكان عمره ثمانين عاماً ـ حتى وقع في أيديهم أخيراً فأعدموه، ولم يكتفوا بذلك بل كانوا يصعدون الطرابلسيين الأحرار في الطائرات إلى الجو ثمّ يرمون بهم في البحر.

وتشهق إحدى التلميذات مشفقة.. ويصيح تلميذ متحمس: وحوش.. وتثور ضجة أخرى في الصف ثمّ يرن الجرس معلناً انتهاء حصة التاريخ..

أما في آخر الشهر فقد كان يتسلم مرتبه الهزيل من مدير المدرسة العجوز، ويوقع بالاستلام ثمّ يخرج في العصر من المدرسة ويتوجه فوراً إلى غريمه أبي حمدي بائع النوفوتيه ليعطيه بعض ماله ويعقد معه هدنة مؤقتة، ويعرج بعد ذلك  على موسى الخياط صاحب العينين الرطبتين اللتين بلون الوحل، فيعطيه قسط البذلة التي خاطها له.. أما الحلاق ـ كان آنذاك يحلق في الصالون ـ فكان يدفع له الحساب قبل أن يجلس على الكرسي خوفاً من أن تنقم يده فيسحب الموس على وجهه الناعم بغضب… ويغادر خليل صالون الحلاقة إلى البيت ليرمي بما تبقى من الراتب بين يدي والديه بعد أن يقدم لهما تقريراً شفوياً مفصلاً عن الكمية التي صرفها منها..

إلى هنا… انتهى خليل من إزالة لحيته.. فنهض إلى المغسلة وهو يخاطب نفسه صامتاً: في هذه السنة لن تتكرر هذه الأشياء سأنتبه كثيراً عندما أشرح للتلاميذ أسباب دخول فرنسا إلى الجزائر.. وفي نهاية الشهر سأذهب بنفسي إلى مديرية المعارف وأقبض راتبي من المحاسب… وسيضمن لنا الراتب عيشة أحسن.

واغتسل جيداً، ثمّ عاد فوقف أمام المرأة الكبيرة المكسورة الطرفين، فسرح شعره جيداُ، ثمّ ارتدى البذلة وراح ينظر في المرآة بارتياح.. وفجأة برق في ذهنه خاطر لطيف جعل فمه يفتر عن ابتسامة وهو يحاول أن يحبس ضحكة سعيدة.

ولا يعرف خليل لماذا تذكر كلمات صديقه أحمد الذي كان معلماً من قبل المعارف في قرية "طالعة"،.. حدثه عن السقوف المقعرة، والجدران المتآكلة، والبيوت الطينية التي تشبه القبور، وعن انقطاع المواصلات بينها وبين المدينة أكثر أيام الشتاء حتى أن مفتش المعارف لا يزورها  إلا مرة أومرتين طيلة السنة الدراسية ثمّ حدثه عن المدرسة التي هي غرفة واحدة ثمّ وصف له كيف تصبح هذه الغرفة مستنقعاً في الشتاء بعد أن يدلف إليها من الشقوق كل ما تصبه السماء من  ماء على سطحها.. ثمّ البركة الطينية  التي قرب المدرسة حيث تلعب فيها الجراثيم دورها بكل إتقان وخاصة جراثيم الملاريا الخبيثة التي تهد جسم الإنسان.. وحدثه أيضاً عن الضبع الذي يحوم حول البيوت ليلاً، وعن الذئاب الجائعة التي تهاجم زرائب الأغنام، ولم ينس أن يشرح له بالتفصيل ما عانى من عادات أهل تلك القرية.

وتنبه خليل من أفكاره فتعوذ من الشيطان، ومن كل القرى وخاصة "طالعة".. وبعد أن طرد هذه الأفكار السود من ذهنه عاد إلى حاضره الذي بدأ يستعد لاستقبال السعادة.. ودعته أمه ليصب شيئاً من الفول فلم يفعل، لقد قاربت الساعة الثامنة، ويجب أن يسارع إلىمديرية المعارف في الموعد المحدد ونظر نظرة أخيرة إلى هندامه، وسوى رباط عنقه ثمّ خرج من الدار فتلقفه زقاق ضيق انتهى به إلى الشارع العام، فسار وقلبه يرقص بسعادة في صدره حتى أنه أصبح يود أن يشرح فرحته لكل هذه المخلوقات الآدمية التي يعج بها الشارع الكبير.

ومرّ به بعض التلاميذ الصغار بمراييلهم السود في طريقهم إلى المدرسة، فنظر إليهم وابتسم بغبطة.. من يدري.. ربما سيكون هؤلاء الصغار من عداد تلاميذ المدرسة التي سيعين فيها.

ووصل مديرية المعارف أخيراً فنظر نظرة أخيرة إلى ساعته وهندامه، ثمّ طرق باب المدير ودخل يقدم نفسه، فقال المدير:

ـ أنت خليل خميس؟

ـ نعم..

ـ كنت أود أن أُعينك في المدينة، لكن إشعاراً جاءنا من الوزارة يمنعنا أن نعين في المدن غير المتخرجين من دار المعلمين.. على كل حال لقد اخترت لك قرية من أفضل قرى المحافظة ثمّ أنك في القرية لن تحتاج إلى مصاريف كثيرة، وتستطيع بذلك أن توفر أكثر راتبك. وقدم له المدير قرار تعيينه، وعندما تناوله خليل لطمت وجهه في "خانة" مكان التعيين كلمة كبيرة راحت تتراقص أمام عينيه بتلاعب خبيث.

وبعد يومين، كان خليل يشيع جنازة أحلامه في سيارة شحن كبيرة إلى قرية "طالعة"..

 

 

 

أهلاً  معالي الوزير

 

 

ضجّت القرية بالنبأ الذي انتشر بين بيوتها انتشار النار في الهشيم، علمتْ به فطوّش الصباغة من أم خليل، وسرعان ما نقله زوجها إلى ربعة المختار، وخلال ساعات كان كل من في القرية يعرف أنّ  (خليل بك) سيزور القرية.. وهذه هي الزيارة الأولى له منذ أن أصبح وزيراً  قبل سنوات.. وكلمة (بك) هي اللقب الجديد لخليل الذي كان يعرف في القرية منذ طفولته باسم (ابن الأرملة)..

قضى أبوه  تحت الردم عندما كان يحفر بئراً في حوش الدار حيث انهار عليه جدار البئر. وكان خليل لا يزال جنيناً في أحشاء أمه، وشب في رعاية أمه الأرملة التي رفضت الزواج بعد المرحوم زوجها لتتفرغ  لتربية ولدها، فعُرف خليل بين لداته باسم (خليل ابن الأرملة)، وكم كان يحز في نفسه، عندما بلغ سن اليفاع وهو يرى أهل القرية يتناسون اسم المرحوم والده الحاج رشيد المناور، ولكن نزوحه المبكر إلى المدينة.. إلى بيت  خاله التاجر الكبير الذي يسكن فيها، أنهى هذه المتاعب، وأصبح يعرف في المدينة باسم خليل الحاج رشيد، ولعلَّ  القهر الذي حمله من القرية إلى المدينة هو الذي جعله يتفوق في  الدراسة، وفي العمل، وفي النضال السياسي حتى وصل إلى مرتبة  نائب في البرلمان، ثم إلى مرتبة وزير بدعم من خاله الذي زوّجه ابنته، ودعم حملته الانتخابية بأمواله الطائلة. وأوصله إلى مرتبة وزير بما يمتلك من علاقات على أعلى المستويات.

ومنذ أن أصبح خليل وزيراً، وأمّه، أم خليل (الأرملة سابقاً) محط اهتمام واحترام أهل القرية.. الجميع يزورونها، ويسألون عن ابنها الوزير، ويلتمسون منها وساطات مختلفة لديه حول مختلف قضاياهم المعلقة في المدينة، في الجامعة والمحاكم ودوائر وزارة الزراعة، ومصارف التسليف والزراعة والعقارات، وكانت تعدهم خيراً، وترسلهم إلى ابنها الذي نادراً ماكان يستقبلهم، وكان هناك لديه دائماً من يعتذر لهم بأن معالي الوزير مشغول بالاجتماعات والمهمات، ويأخذ منهم طلباتهم المدونة على الورق، ويعدهم خيراً، ولكن دون أن يروا بوادر هذا الخير.

وتشعر أم خليل بنوع من الإحراج، وهي ترى ابنها  يتنكر لأهل قريته، ولا يقدم لهم أية خدمات، وعندما زارته مرة في المدينة كادت أن تضيع بين غرف بيته، وفي حالة الغربة التي أحست بها حتى مع زوجته وولديه، وعندما عرض عليها ابنها أن تسكن عنده في المدينة، اعتذرت بلباقة وقالت له: أنها لا تستطيع أن تعيش خارج بيتها في القرية، ففيه جميع ذكريات حياتها السالفة، وفيه رائحة المرحوم والده، كما أنها لا تريد أن تفرط بالحقل الذي ورثته عن المرحوم ويدر عليها مايساعدها على العيش، فقط، طلبت إليه ألا ينسى قريته، وأهل قريته،  وأن يمد لهم يد المساعدة، فهم فقراء، كادحون، ويعانون من الإجحاف والإهمال، فرد عليها رداً حاسماً: "أرجوك يا أمي.. لا تتدخلي  في أمور عملي ولا ترسلي لي هؤلاء الناس فأنا لا أنسى أنني كنت بالنسبة إليهم مجرد (خليل.. ابن الأرملة)..

ـ (هذه المرّة سيكون الأمر مختلفاً)..

هكذا حدثت أم خليل نفسها وتابعت: صحيح أن الزيارة خاصة ـ وليست رسمية ولكنه سيفاجأ بالاستقبال الحافل الذي تعده له القرية.. فمنذ أن علموا بقدومه أقاموا في أول القرية قوساً من أغصان الأشجار مزيناً بالأعلام يكون أول ما يستقبل سيارته.. كما أوصى المختار  جميع أهل القرية بأن يزينوا بوابات دورهم وجدرانهم بالسجاد والبسط.. كما قرر الحاج رديف وجيه القرية المعروف أن يذبح أمامه الخراف، وسيقام حفل في السرادق الذي نصبه المختار يلقي فيه معلم المدرسة خطاباً ترحيبياً، ويقدم شبان وصبايا القرية الدبكات والأغاني، كما سيكون هناك اجتماع مع معالي الوزير في ربعة المختار، يخصص لبحث أمور القرية ومطالبها، صحيح أنه ليس وزيراً للكهرباء، ولكنه يستطيع التوسط لدى زميله  وزير الكهرباء لتوسيع شبكة الإنارة في القرية، وكذلك الأمر  بالنسبة لبقية المطالب: تزفيت الطريق الفرعي الذي يصل القرية بالطريق العام، وبناء صفين جديدين في مدرسة القرية، وتمديد شبكة لمياه الشرب، بدل نقل الماء على العربات والدواب من النهر ومطالب أخرى كثيرة معلقة منذ سنين طويلة سيتم بحثها في الاجتماع ولاشك أن ابنها سيتأثر بهذا الاستقبال الحافل، وينسى موضوع (ابن الأرملة) ويلبي أكثر طلبات أهل القرية إن لم يكن كلها.

وكانت أم خليل قد قضت أسبوعاً كاملاً، تعاونها بعض الجارات في تجهيز الغرفة التي سينام فيها ابنها الوزير مع زوجته، والغرفة الثانية التي ستنام فيها هي مع ولديه، بل إنها لن تنام في تلك الليلة الموعودة، ستسهر مع الطفلين وهي تروي لهما الحكايات كما تفعل جميع الجدات مع أحفادهن، ستروي لهما قصصاً لا يعرفونها عن الريف، ستحدثهما عن جدهما (القبضاي) الذي كان يحمل سكة الفدان بيد واحدة وستحدثهما عن بقرة أم عليوي التي تحلب كل يوم عدة سطول من الحليب،  وستحدثهما عن حمدان  الشجاع الذي أنقذ القرية من الضبع الذي كان يهدد القادمين إليها في الليل، فذهب إلى المغارة التي يجثم فيها الضبع، وقتله بالفأس وعاد به إلى القرية يجره من ذيله.. وستحدثهما عن نايفة، الشابة النشيطة التي تحصد وحدها من سنابل القمح مايعجز عن حصاده ثلاثة رجال، وقصص أخرى كثيرة ومثيرة لاشك أن حفيديها لم يسمعا بمثلها  وهما اللذان يعيشان في المدينة ولا يعرفان من الدنيا إلا مايبثه التلفزيون.

ستحرص أم خليل على أن ينام ابنها وزوجته بحالة مريحة، صحيح أنها لاتملك أسرة فاخرة كتلك التي في بيته بالعاصمة، ولكنهما سينامان على فراش وثير من جز الصوف، أكثر راحة، من فراش الاسفنج الذي ينامان عليه في بيتهما، ومن أجل هذا فرطت صوف الفرشات واشترت عدة جزات من صوف الغنم النظيف المغسول. وأضافتها إلى ماعندها، وجهزت (فرشة  ملوكية)، بالتعاون مع الجارات، كما استبدلت ستائر البيت  بستائر جديدة، وحرصت على أن تملأ خزان الماء، وأن تستحضر زجاجات مختومة ومعبأة بمياه الشرب بالنظيفة، كما قررت أن تذبح الديك الرومي الوحيد لديها لتطبخ عليه فريكة، وحرصت  على أن يكون هناك أنواع أخرى من الطعام، كاللحم المشوي، وغيره.. فقد تكون كنّتها لا تحب لحم الديك الرومي أو لا تحب الفريكة.

ولم تنسَ أن تستدعي (نوف الوقّاع) داية القرية التي قامت بتوليد خليل لتؤمن لها مقابلة مع ابنها الوزير وتوصيه بأن يسعى لها لأن تدخل مشفى العيون في العاصمة لتجرى لها عملية نزع الماء الأزرق من عينيها، فهي لم تعد تبصر إلا بصعوبة، وسوف يلبي الطلب لأن نوف الوقاع دايته.. والداية مثل الأم…

وجاء اليوم الموعود..

ومنذ الصباح الباكر خرجت القرية عن بكرة أبيها لاستقبال ابنها البار، خليل بك بن المرحوم الحاج خليل المناور الذي أصبح وزيراً في وزارتين متتاليتين..

ومرت ثلاث ساعات والمستقبلون يقفون تحت الشمس الحارقة على امتداد الطريق الذي  يصل مدخل القرية بالساحة العامة، قبل أن تطل سيارة معالي الوزير..

وكانت المفاجأة الأولى أنه كان يجلس فيها وحيداً وراء السائق، حتى سيارة المرافقة التي تضم عدداً من عناصر الحراسة والتي ترافق الوزراء عادة في حلهم وترحالهم، لم يكن لها وجود… علّل البعض هذا بأن الزيارة خاصة وليست رسمية، وأن الوزير سيقضي يوماً أو يومين في زيارة والدته، ولهذا لم يرغب أن يثقل على أهل القرية بالمرافقين، ولا أن يعطي زيارته الطابع الرسمي..

وعند القوس الأخضر، ترجل من السيارة بتواضع جمّ، وقرأ اللافتات المرفوعة مبتسماً، وصافح مستقبليه من أعيان القرية وأهلها حيث نحرت الخراف تحت قدميه، ولم ينس الحاج رديف أن يوحي إليه بشكل أو بآخر أنه هو الذي دفع ثمن هذه الخراف (لاشيء من قيمتكم معالي الوزير)… ودعاه المختار إلى المضافة فوعده بأنه سيجتمع في المضافة برجال القرية بعد الظهر، أما الآن فهو يريد أن يزور العجوز (يقصد أم خليل) فأكبر فيه الجميع هذا الشعور الطيب تجاه أمه.

وفي دار المرحوم أبيه حاول أن يعتذر لأمه عن عدم إحضاره زوجته وطفليه.. "زوجتي عندها حفل استقبال لزوجات السفراء.. والطفلان لديهما مذاكرات.. في المرة القادمة إن شاء الله، سوف أحضرهم معي.. بسيطة يا أمي… (الجايات أكثر من الرايحات)..

قبلت الأم اعتذاره، فهو وزير وله مهام وعليه مسؤوليات، وزوجته ، زوجة وزير، وعليها استقبال زوجات السفراء.. لابأس.. في الزيارة القادمة ستستبقيهم عدة أيام..

وعندما أحاط به الجيران في البيت رجتهم أم خليل أن يدعوه يرتاح، ولكنه قال لها: "لا يا أمي.. دعيهم يدخلون، هؤلاء أهلي وجيراني"..

لم تصدق أم خليل ماتسمع.. أهذا هو ابنها الذي لم يلبّ من مطالب أهل القرية الذين زاروه في المدينة شيئاً يذكر؟ لعل أعوانه  هم الذين كانوا يحولون بينه وبين أهل القرية الذين يزورونه..