الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 03/05/2008

 

 

القائمة

في الطفولة2

في الطفولة1

 

بطاقة تعريف الكاتب

في الطفولة6

في الطفولة5

في الطفولة4

في الطفولة3

في الطفولة10

في الطفولة9

في الطفولة8

في الطفولة7

في الطفولة14

في الطفولة13

في الطفولة12

في الطفولة11

في الطفولة18

في الطفولة17

في الطفولة16

في الطفولة15

في الطفولة19

في الطفولة20

في الطفولة21

في الطفولة22

 

بطاقة تعريف الكاتب الكبير: عبد المجيد بن جلون

 

عبد المجيد بن جلون (1919-1981) كاتب مغربي,

 اتسمت كتاباته بالتنوع بين الأجناس الأدبية المختلفة.

 وقد ترك لنا مؤلفات ونصوصًا تعرف قارئها بالكثير عن المغرب:

عن أهله وثقافته, وعن فترة الاستعمار الفرنسي,

 وعن مقاومة المغاربة له ونضالهم من أجل الاستقلال.

ولد عبد المجيد بن جلون بالدار البيضاء, لكنه قضى طفولته مع أسرته في بريطانيا,

 ثم عاد به والده إلى فاس, حيث التحق فيها بجامعة القرويين,

 ثم أرسل للدراسة في جامعة القاهرة التي نال منها الدبلوم العالي للصحافة.

نشر عبد المجيد بن جلون مقاله الأول في مجلة (الرسالة) المصرية عام 1936,

 قبل أن يصل إلى القاهرة بعامين, كما نشر قصصه الأولى في مجلة (الثقافة) المصرية,

 ثم ضمها ـ فيما بعد ـ في مجموعته القصصية الأولى الرائدة في الأدب المغربي, (وادي الدماء).

 ثم تابع ابن جلون نشر القصص والمقالات والموضوعات في الصحف والمجلات القاهرية طوال إقامته في العاصمة المصرية

 التي امتدت لثمانية عشر عاما.

وفي القاهرة, أسس عبد المجيد بن جلون (مكتب المغرب العربي) عام 1947, وتولى أمانته العامة.

 وبعد أن نالت بلاده الاستقلال, عاد إليها ليرأس تحرير جريدة (العلم).

 ثم عمل سفيرًا للمغرب في باكستان, وعاد إلى وطنه عام 1961 ليواصل العمل في وزارة الخارجية,

 دون أن ينقطع عن الكتابة والترجمة والنشر في الصحف المغربية.

من مؤلفاته:

 (وادي الدماء) (قصص),

 (هذه مراكش), (مارس استقلالك), (براعم) (ديوان شعري),

 وسيرته الذاتية (في الطفولة) نشرت لأول مرة في حلقات أسبوعية بمجلة (رسالة المغرب), 1949.

 وقد كانت السيرة الذاتية في ذلك الوقت لونا جديداً من الكتابة وفتحًا في الأدب المغربي,

 الذي يعدّ عبد المجيد بن جلون أحد أهم رواده المحدثين.

 وكانت آخر أعماله المنشورة قبل وفاته قصيدة بعنوان (زورق ينساب)(1961).

---------------------

نماذج من أعماله

في الطفولة

 

 

1

 

 

لو أنني كنت أعرف شيئًا عن الأفلاك والأبراج وطوالع الكواكب لما نفعني ذلك في معرفة هل اليوم الذي ولدت فيه كان يوم سعد أو يوم نحس, ذلك أنني لا أجهل هذه الأشياء فحسب, ولكنني أجهل اليوم الذي ولدت فيه أيضًا.

 

ولست حانقًا في ذلك على أحد, لأنه يتناسب مع الغموض الذي أحسُّه كلما حاولت أن أتذكر أيامي الأولى, وماذا يفيد الإنسان أن يعرف الساعة واليوم والشهر والسنة التي ولد فيها, ما دامت السنون التي سوف يقضيها في الحياة مجهولة, وما دام هناك مقياس للطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة, وهو أصدق في الدلالة على عمره من أيام يشغل نفسه بعدِّها.

 

لا أستطيع أن أتذكر بالطبع كيف شرعت في الحياة, ولكن لا شك في أنني كنت أرفع صوتي بالعويل في الشهر الأول, ولا شك أن ملامحي كانت رخوة ليتمكن الناظر إليها من تخيل الشكل الذي سيتخذه في النهاية هذا المخلوق الجديد. ولا شك في أن أول ما أحببته من الدنيا الجديدة التي أقبلت عليها كان هو الرضاع, وأن أول مكروه أصابني هو الفطام.

 

إنني كلما انحدرت مع الماضي أفضت بي الحوادث في النهاية إلى عالم غامض, مثل الذي استفاق من حلم نسيه قبل أن يستفيق, لا يمنعه هذا النسيان من تذكر العاطفة التي كانت مسيطرة عليه أثناءه, فهو يستطيع أن يقول إن الحلم كان مزعجًا أو هنيئًا, بالرغم من أنه لا يتذكر منه شيئًا. أما العاطفة التي أكاد أشعر بأنها كانت مسيطرة على نفسي في ذلك الحين, فهي مزيج مبهم من الاستغراب والخوف والتطلع. كنت كالذي اكتشف حدود مدينة قديمة فجأة, أستغرب للفجأة, وأخاف مما قد يكون في داخل المدينة, ولكن تطلعي الممزوج بالفضول يدفع خطواتي إليها.

 

حتى إذا كبرت قليلاً واستأنست بالمحيط الذي ولدت فيه بدأ الأمن يعود إلى نفسي. ولكن هذه المرحلة أيضًا لا تدخل في دائرة الذكريات. قيل إنني ولدت في مدينة الدار البيضاء ثم قضيت في تلك المدينة بضعة أشهر, ثم ركبت البحر بين ذراعي أمي إلى إنكلترا. وقد كان ذلك بعد الحرب العالمية الأولى, أي أنني مررت في بلاد حديثة العهد بالحرب, ومع ذلك لا أذكر منها شيئًا يدل على أنني كنت أنتفع بالنظر أو التمييز.

 

وقد عرفت الحياة لأول مرة في مدينة منشستر, ولا بد أن وقتًا ليس بالقصير قد مر قبل أن تبتدئ ذاكرتي في اختزان الصور. والصور الأولى القديمة التي أحتفظ بها في نفسي قليلة تعد على أصابع اليد.

 

فتحت عيني فإذا أنا في منزل قديم يحيط به الغموض والإبهام, كانت حديقة كبيرة تقع خلفه كثيرا ما أشرفت عليها من النافذة, وتقع أمامه حديقة صغيرة يحدها حاجز حديدي طويل يقوم بين المنزل والشارع ويخترقها ممشى قصير يفضي إلى بوابة عالية من حديد. كان البيت يتألف من ثلاثة أدوار, كبير الأبهاء والغرف ضخم النوافذ ملون الزجاج. وكانت هذه الأوصاف تجعلني لا أطمئن إليه أبدا. ولم يكن للحديقة الخلفية الكبيرة بستاني, ولذلك كانت وحشية النباتات, تنتهي بأشجار ضخمة تبعث رعباً مبهما في النفس. وكنت أرى من آن لآخر هرّا أو كلبا يجري خلال الأعشاب, ثم يقفز فوق الحاجز ويختفي . وكثيرا ما ساءلت نفسي عن هذه الأشياء التي تتحرك ومع ذلك فهي ليست في شكل الإنسان, وما أزال أذكر أن هرًّا عظيم الهامة داهمني ذات يوم, فصرخت حتى كاد يغمى عليّ. ومما زاد في يقيني بأن هذه المخلوقات مخلوقات شريرة أن أهل المنزل كانوا يطاردونها. وكانت النوافذ الضخمة ذات الزجاج الملون تثير في نفسي القلق لضخامتها وللأضواء الملونة الحزينة التي كانت تنفذ منها, أضف إلى هذا الضباب والثلوج وشدة البرد, فقد تعاون ذلك كله على إثارة خيالي العاجز, حتى تأصل الرعب في نفسي.

 

أما الأشخاص الذين كانوا حولي فهم أبي وأمي والمربية. وكانت علاقتي بالمربية أمتن من علاقتي بأبي الذي كان يغيب عن المنزل طول النهار فلا أراه إلا ليلاً, وأمتن من علاقتي بأمي فقد كانت شابة ضعيفة; لا تمكنها صحتها الواهية من الاهتمام بي.

 

وكانت المربية مثلنا من مراكش, ولم أكن أفارقها لا في الليل ولا في النهار, وكنت أستغرب لكثرة ما تعرف, فهي لا تنفك تحدثني عن بلاد بعيدة تقول إننا جئنا منها, بلاد تشبه أحداثها أحداث الخرافات والأساطير, وكانت تروي لي كذلك أقاصيص الصغار. وقد كان لمثل هذه الأساطير عليّ تأثير شديد حتى نشأ عندي بعد ذلك ميل إليها, وقد أثارت في نفسي عالما يعج بالأشباح والحيوانات والمخلوقات الخيالية.

وقد كنت متأكدا من أننا أربعة أشخاص نعيش في هذا المنزل, كما كنت متأكدا من أنني أعرف كل غرفه ومداخله ومخارجه, بحيث لم يكن عندي أي شك في أنه لا يمكن أن يكون هناك أحد لم أره, فما راعني ذات يوم إلا أننا أصبحنا خمسة أشخاص! فمن أين أتى هذا الشخص الخامس?! هو طفلة صغيرة اندست بيننا وأزعجتنا بعويلها وصراخها. وقد كنت أعرف أن الذين يزوروننا ليسوا منا, فلا داعي للاستغراب من وجودهم, ولكن هذه الطفلة منا وهم يقولون عنها إنها أختي.

 

راقني جدّا أن تكون لي أخت. ولست أستطيع أن أنسى الغبطة التي شعرت بها عندما رفعوني لأنظر إليها وهي نائمة في مهدها. ومن يدري?! لعلها أعادت إلى ذهني ذكريات كانت قريبة مني يومذاك, ولكنها ضاعت مني الآن بعد أن تراكمت عليها الأيام والسنون.

 

واقترن بهذا الحادث حادث آخر كاد يُطير صوابي, ذلك أننا تعارفنا مع عائلة إنكليزية تدعى (آل باترنوس) وهي تشمل أمّا وثلاث فتيات وشابين, وكثرت بيننا الزيارات حتى توثقت وشائج الود بيننا, وكان هؤلاء الأفراد يحبونني برعايتهم ومحبتهم, وربما قضيت في منزلهم اليومين أو الثلاثة. وكان منزلهم الصغير يذهب عن نفسي ما أحس به من الوحشة في منزلنا, ولذلك كنت أحرص على أن أصحبهم إليه كثيرا, ثم بدأت أشعر بأنهم يتحاشون مصاحبتي معهم, وبدأت أسمع أن الأم مريضة, ثم قيل ذات يوم إننا سنزورهم. وما كدت أقترب من البيت مع المربية حتى شعرت بأن سحابة من الحزن تظلله. ودخلناه فإذا بجو غريب مكتئب يملأ أرجاءه, وإذا بالدموع الصامتة تنحدر من العيون, والذهول مرتسم على الوجوه, وقضينا بعض الوقت لاحظت خلاله حركة غير عادية محورها غرفة في الدور الثاني. حاولت أن أفهم ولكنني لم أستطع, حتى إذا انصرفنا سألت المربية ونحن في الطريق:

 

- لماذا يبكون يا ماما?

 

- مسز باترنوس.

 

- ما لها?

 

- كانت مريضة.

 

- هل يبكون لأنها كانت مريضة?

 

- لا.

 

- وإذن لماذا يبكون?

 

- لأنها سافرت وسوف لا ترجع أبدا, فلا تستغرب إذا أنت زرتهم ولم تجدها. سافرت إلى بلاد بعيدة, لا يرجع منها من يسافر إليها.

 

ثم قالت وكأن الكلمة قد أفلتت منها: ماتت يا بنيّ.

 

ماتت! إنه فعل أسمعه لأول مرة. وبالرغم من أنني لم أعرف مدلوله, فقد أحسست بقشعريرة تسري في جسمي الصغير, فسألت:

 

- ماذا يعني ماتت?

 

- ذهبت عند الله.

 

- ومن هو الله?

 

همست بنزعتها الدينية: اسكت.

 

ثم بعد هنيهة أردفت:

 

- حينما نجلس في المساء إلى المدفأة سأحدثك عنه.

 

وجلسنا إلى المدفأة في المساء وقد استولى على نفسي هذا الحوار منذ سمعته فلم أفكر في شيء غير الله والموت.

 

وكانت الغرفة كبيرة ذات نوافذ عالية تظهر من ورائها الحديقة الموحشة, وذات أثاث ضخم عتيق. وكانت النار تلتهب في الموقد بألسنة لافحة حمراء, ولست أدري هل كانت ماما - وهكذا كنت أدعوها - تروي لي قصصها, أو كنا في صمت. ذلك أنني كنت أرنو إلى النار وقد استولى عليّ ما سمعته في الصباح.

 

وبدأ الليل يسدل أستاره, وأخذت ذراته السوداء تتسرب إلى الغرفة الكبيرة فتشيع فيها مسحة من الغموض, ويزيدها ضوء اللهب الأحمر رهبة وجلالاً, وكذلك الأشجار الموحشة التي كانت تبدو وكأنها أشباح شوهاء قائمة في الحديقة. وانتظرت من مربيتي أن تحدثني عن الله والموت فلم تفعل. وأخيرا سألتها دون مقدمة:

 

- لماذا لا يرجع من يسافر إلى الله?

 

- لأنه لا يستطيع الرجوع.

 

- ولماذا يسافر?

 

قالت وقد انعكس على محياها ضوء اللهب الأحمر, وبدت تقاطيع وجهها الحادة كأنها تمثل صرامة القدر, وكانت معانيها تتسرب إلى نفسي مجردة فيخيل إليّ أن صوتها يأخذني من كل مكان:

 

- هناك عالم آخر يا بني خفي عن الأنظار, ونحن نقضي في هذا العالم عمرنا, ثم نموت فتدفن أجسامنا في الأرض وتنتقل أرواحنا إلى ذلك العالم الآخر. ويخلقنا الله حتى إذا متنا حاسبنا على الأعمال التي نقوم بها. فإذا كنا أخيارا أرسلنا إلى الجنة حيث نعيش دائما في سعادة, وإذا كنا أشرارا أرسلنا إلى نار نحترق فيها, ولذلك فلا بد من أن تحاسب نفسك وألا تقوم بالأعمال التي لا يحبها الله, حتى لا يحكم عليك بالاحتراق حينما تموت.

 

لست أذكر أن حديثا أثار نفسي مثل هذا الحديث, فقد كانت كل كلمة من كلماته تهزني هزّا عنيفا, ولم أفكر في الجنة ولا في السعادة الموعودة وإنما فكرت في النار, وكنت أنظر إليها بعينين ضارعتين متوسلتين كما لو كان في استطاعتها أن تنقذني من هذا المصير المروع الذي ينتظرني. فقلت لها لكي أتأكد مما تقول:

 

- وهل سأموت أنا أيضا يا ماما?

 

- أنت وأنا وكل من في الدنيا.

 

- ولكن الله لن يبعثني أنا إلى النار?

 

- إذا فعلت الخير.

 

- وإذا فعلت الشر فسيأتي أبي وتأتي أمي وأنت فلا تدعونه يرسلني إلى هذه النار. أليس كذلك يا ماما?

 

- لا يتدخل أحد في شؤون الآخر هناك يا بني. ثم سمعتها تقول باللغة العربية دون أن أفهم. "لا إله إلا الله, محمد رسول الله, عليها نموت وعليها نحيا."

 

شعرت بيأس رهيب يتملكني , وكانت عيناي مثبتتين في اللهب المضطرم الراقص أمامي, وخيل إليّ أن ألسنته تتطاول لتلتهمني, وكان تفكيري مركزا في النار حتى إنني كنت أحس بروحي تصرخ بين ألسنتها.

 

يا لليأس! لا مفر من أن أموت في يوم من الأيام, فيلقى جسمي في التراب المظلم ويظل هناك إلى الأبد يصرخ ويبكي, وتلقى روحي في النار وتظل هناك تصرخ وتبكي إلى الأبد أيضا, فلا أظفر بمساعدة أبي ولا أمي كما أظفر بها في الدنيا, ولا يأتي لإنقاذي أحد.

 

منذ ذلك اليوم أقتطع من نومي جزءا ليس بالقليل, وعجّت أحلامي في النوم واليقظة بصور مرعدة مبرقة. كنت أتمنى من صميم قلبي أن أجد شخصا يقول لي إن هذا غير صحيح, فلم أجده, وكان كل واحد يروي نفس الخبر ويختمه بدعوتي إلى عمل الخير, الأمر الذي ضايقني. فكيف أستطيع أن أفكر في الخير وأنا مهدد بكل هذا الويل والثبور?!

 

وأبت الحياة بعد هذا الحادث مباشرة إلا أن تصيبني بحادثة أخرى أشد وأقسى.

 

 

2

 

 

كانت أمي كما قلت من قبل شابة ضعيفة, فكثيرا ما كنت أراها طريحة الفراش, وما أزال أذكر أن أياما كاملة كانت تمر دون أن أراها. وقد كنت أشعر نحوها بعطف خفي, بالرغم من أنني كنت أميل كل الميل نحو المربية, لأنها كانت مستأثرة بليلي ونهاري كما قلت, ولكن صورتها ضاعت من ذاكرتي تماما, ولست أذكر إلا حادثة واحدة تقترن بها.

 

كنت ألعب ببعض اللعب وحيدا في الغرفة. وإذا انصرفتُ إلى اللعب, انصرفت إليه تماما كما لو كنت أزاول عملاً من الأعمال. وكانت عندي لعبة تتطلب مني جهدا كبيرا, وهي عبارة عن قطار يجري على قضبان من حديد, وكانت هذه القضبان طويلة ومتشعبة تشغل أرض الغرفة كلها تقريبا, يستغرق تركيبها مني وقتا كبيرا. وقضيت وقتا طويلا في تركيبها, ثم في إنزال العربات فوقها, ثم في شد العربات إلى القاطرة. وأخيرا تم ما كنت أرمي إليه, وبدأ القطار يجري فوق قضبانه في سهولة ويسر.

 

دخلت أختي إلى الغرفة في هذه اللحظة بالذات وهي تحبو, وما كادت ترى القطار يجري حتى حبت إليه مغتبطة به, ولكنها لم تكتف بذلك وإنما وضعت يدها الصغيرة على القضبان ورفعتها فتفككت أجزاء القطار وانقلب على الأرض, وتبعثر في لحظة ما جمعت في ساعات, فلم أطق صبرا على هذا الاعتداء, ولم يكفني أن أصرخ وأستغيث وإنما خرجت من الغرفة أجري ثم رجعت وأنا أحمل عصا كبيرة أخذت أضربها بها, فبكت المسكينة بكاء مؤلما, وسمع أفراد العائلة في الغرفة المجاورة بكاءها فأقبلوا مسرعين وأقبلت أمي ورفعتها من الأرض, ثم ناولتها إلى المربية وأرادت أن تضربني فهربت فتبعتني, ولجأت إلى أبي الذي حماني. وما تزال صورتها إلى الآن أمامي وهي تحاول عبثا أن تضربني, وهو يهدئها, فتقول له إنه بحمايته يشجعني, وإنه لا بد من تربيتي حتى لا أتعلم الاعتداء على غيري مرة أخرى. هذه هي الصورة الوحيدة التي أحتفظ بها لأمي.

 

ثم أحتفظ لها بالصورة الأخيرة, وهي الصورة التي لا يمكن أن أنساها ما حييت. اختفت أمي وبدأت أرى شخصا غريبا يحمل في يديه حقيبة يزورنا كل صباح ويصعد إلى غرفتها, ثم شعرت بالعيون تتعلق بهذا الشخص, ثم بدأت الأحاديث تنقلب إلى همس, وساد البيت جو من الكآبة والحزن ذكرني باليوم السالف الذي زرت فيه آل باترنوس, ولكنني لم أفهم من الحقيقة شيئا ولم يحدثني أحد عنها.

 

بدأ القلق على أبي بشكل واضح, فقد أصبح يقضي اليوم كله - على غير عادته - في المنزل, ولست أدري كم طال هذا الشذوذ الذي ساد المنزل ولكني أذكر ذات يوم أن مربيتي بدأت تغير لي ثيابي كما اعتادت أن تفعل حينما نكون على أهبة الخروج, وكانت الدموع في عينيها. ثم جاءت (ميللي باترنوس) وأخذتني إلى منزلها, ودخلت المنزل فإذا بالإخوة يعانقونني ويتحدثون عن عمري. وقضيت معهم بقية اليوم في هذا الجو الغريب. وأخيرا في المساء سمعت ميللي تقول لإخوتها:

 

- إن هذا لا يجمل, لا بد من أن يرى المسكين أمه للمرة الأخيرة. كيف يمنعونه من هذا?! إن في إخفاء الأمر عنه قسوة لا تطاق.

 

ثم التفتت إليّ ورفعتني إلى المائدة وعانقتني, ثم قالت: لا تثق بكل ما يقال لك, إنهم يضللونك, لقد ماتت أمك المسكينة, وسآخذك الآن لرؤيتها على فراش الموت, ولكن عدني بألاّ تبكي ولا تخاف.

 

لست أدري هل وعدتها أم لا, ولكنها أخذتني من يدي ورجعت بي إلى المنزل, فوجدنا فيه أناسا كثيرين, وتقدمت إليهم قائلة: إنه لا بد من أن يرى أمه.

 

ما أزال أذكر هذا الموقف الرهيب, حينما أخذنا طريقنا إلى السلَّم المظلم, وبدأت أصعده بخطوات مضطربة, وهذه الفتاة الإنكليزية النبيلة آخذة بيدي, وكانت عيناي مركزتين في أعلى السلم, كما لو كان شبح الموت يطالعني منه. لم أكن أدرك تماما جلال الموقف, ولكنني كنت حزينا مغموما يخيل إليّ أن المنزل يكاد يطبق عليّ, ودلفنا قليلاً إلى باب الغرفة, ثم وقفنا أمامها وهي مقفلة, ثم فتحتها ميللي, فإذا بي أرى من خلال فُتحة الباب غرفة ساكنة كما لو كان كل شيء فيها قد مات أيضا, ولم أر أمي جالسة في السرير تستقبلني على عادتها بوجهها البشوش المستبشر, وإنما رأيت أمامي سريرها وقد ظللته سحابة رهيبة, وتدلت إلى جانبه أغطيته الساكنة حتى كادت تلمس الأرض, ولم تكن حركة تبدو منه, حتى الصدر كان هادئا كما لو كان قطعة من السرير.

 

ثم تقدمت ميللي وأخذتني من يدي, وبدأت تسعى بي إلى داخل الغرفة. كان كل شيء يغرق في الصمت ويغرق مع مرور الوقت, حتى خيل إليّ أن الحياة قد انهارت وأصبحت أطلالاً صامتة لا حراك بها ولا رِكْز.

 

واقتربنا رويدا من السرير, ثم وقفنا إلى جانبه, وقد تعلقت به نظراتي حتى لم أعد أرى ولا أحس في الغرفة بشيء سواه, ورفعتني ميللي فرأيت من وراء ثوب شفاف ملامح وجه أمي الباهتة, وكأنه عنِّي بعيد بعيد, يبدو وراء ضباب الموت. ثم تقدمت إلى هذا الوجه بيد مضطربة وكشفت عنه الثوب الشفاف, وإذا بوجه واضح هو وجه أمي بعينه قد علته صفرة ذهبية هامدة, وتدلت على جانبي رأسها خصلات شعرها الكستنائي الكث الطويل, وقد غار فيه ما كان يحفل به من حيوية وبشر, وحل محلهما الهدوء والاطمئنان والرحمة. وقربتني ميللي إليها لأقبلها, فلمست بشفتي المرتجفتين خدها وأحسست وأنا أفعل ببرودة الموت تسري في أوصالي المضطرمة, واغرورقت عيناي بالدموع.

 

وأخيرا أعادتني ميللي إلى وضعيتي, فلم أعد أرى وجه أمي, وهكذا اختفى عني إلى الأبد. وكانت تلك النظرة هي النظرة الأخيرة إلى ذلك الوجه الذي أحس نحوه اليوم بحنين غريب.

 

ثم خرجنا من الغرفة ونزلنا السلم بنفس الخطى الوئيدة التي صعدنا بها, واستقبلتنا في أسفله وجوه مكتئبة ونظرات تائهة, ولكن ميللي أبت أن تسلمني لأحد, مخافة أن يكون للمنظر تأثير سيئ على نفسي, وإنما أخذتني إلى الحديقة الخلفية حيث جلست معي على مقعد خشبي لكي تسلّي عني.

 

كنا في فصل الصيف من السنة, وكانت الليلة صافية والقمر الكبير يتلألأ في كبد السماء, فتتسلل أضواؤه خلال الأغصان وتضيء الحشائش, وتمتد تحتها على الأرض ظلال الأشجار الباسقة, فامتلكني المنظر بجلاله ورهبته, ولكن ميللي صرفتني عنه بحديثها, إذ سمعتها تقول:

 

- لا تحزن يا صغيري, فهذه هي الحياة. إن أمك لم تغب ولن تغيب لأنها كانت امرأة خيرة, ولذلك فسوف تظل معنا بروحها, وسوف يجازيها الله على طيبتها فتعيش في جنات النعيم. فلا تخف عليها, وحاول ألاّ تحزن. انظر إلى السماء.. إن الجنة هناك وراء القمر, ووراء النجوم, فإذا أردت أن تراها فانتظر بزوغ القمر, ثم انظر إليه, فستراها هناك تطل عليك مبتسمة مستبشرة! انظر, انظر, ألست تراها?

 

ورفعت عيني إلى القمر, وتحت تأثير إيحائها خيل إليّ أنني أرى من خلال دموعي وجه أمي يطل عليّ من السماء داخل صفحة البدر الكبيرة. وكان إيحاؤها قويّا حتى إنه ما يزال يخيل إليّ إلى الآن أنني أراه كلما رفعت عيني إلى القمر, فأقول إنه وجه أمي.

 

خفف من كآبة نفسي ما قالته لي ميللي في الحديقة ذلك المساء, وعزاني قليلاً, ذلك أنني منَّيت نفسي بأن أمي معي في العالم وأنها تزورنا من آن لآخر بواسطة تلك الصفحة المضيئة التي تنير سواد الليل البهيم.

 

ولست أدري كيف انتهت تلك الليلة, ولكنني أذكر أن هذا الحادث كان له تأثير كبير على المنزل وعلى حياتنا. فلم يمر وقت طويل حتى فارقنا هذا المنزل الضخم المستوحش الذي ما تزال ذكراه إلى الآن تشيع في إحساسي نوعا من الرهبة والاضطراب.

 

وقد أخذتني المربية في اليوم التالي إلى الحديقة العامة وحاولت أن تصرف نفسي عن ذلك الحادث, وأخذت تحدثني عن حبها لي وعطفها عليّ, وتحاول أن توحي إليّ أنها أمي, حتى كدت أقتنع. وقد استمرت بعد ذلك تلح في إقناعي حتى اقتنعت بأنها أمي وبأن المرأة التي ماتت كانت أختها.

 

وهكذا قضيت - ومعي أختي الصغيرة - الأيام التالية من طفولتي, وأنا أعتقد أنها أمي. ومما رسَّخ عندي هذا الاعتقاد رعايتها لنا وحدبها علينا, فقد جعلت من حبها العميق لنا بلسما سحريا شفى نفسينا من ذلك الجرح الممض الذي أصابنا. فإذا قلت بعد هذا "أمي" فإني فخور بأن تكون هي المرأة التي أعني.

 

 

 

 

3

 

 

كان المنزل الجديد الذي انتقلنا إليه على عكس القديم صغير الغرف حديث الأثاث أمام واجهته حديقة صغيرة منسقة, ولم يكن فيه شيء يثير في النفس الرهبة والخوف, ولذلك فقد استأنست به ورأيت فيه خلاصا من ذلك المنزل الغامض القديم.

 

كان المنزل الجديد يقع تماما أمام منزل آل باترنوس, ولذلك لم أعد في حاجة إلى أحد إذا أنا أردت أن أزورهم, فنحن معا نسكن شارع "بارك فيلد" وليس عليّ إلا أن أقطع الشارع لأصل إلى منزلهم, وما أزال أذكر أن رقمه كان (47) بينما كان رقم منزلنا الجديد (40).

 

سرعان ما ترعرعت وبدأت الحياة تتفتح أمامي, فلم تعد محدودة في بضع غرف وحديقة, وإنما اتسعت وبدأت أتعرف إلى العالم الواسع, وقد اتسعت بشكل جعلني أتعطش إلى متابعتها واكتشاف ما لا أعرفه منها, وشجع آل باترنوس هذا الميل عندي, لأن الحياة معهم كانت أوسع أفقا.

 

كثيرا ما كانت ميللي تقبل عليّ وتخبرني بأننا سنخرج, فعليّ أن أذهب إلى أبي ليزودني بالنقود, فأذهب إليه وأطلب منه ذلك, فإذا دفع إليّ بورقة مالية أرجعتها إليه وآبي إلا أن يعطيني (بنسات), ذلك أنني كنت أعتقد أن البنسات وحدها هي النقود الثمينة, فيضحك أبي ويعطيني ما أريد. ولكن ميللي تصيح بي أول ما نخرج وتحذرني من مثل هذا التصرف, وتقول لي خذ منه الورقة ولك عليّ من البنسات ما تشاء. وكان نفس الشيء يتكرر في المرة التالية لأن قول ميللي لم يكن مقنعا.

 

بواسطة هذه الفتاة بدأت أتعرف إلى الحياة, واتسع أفق وجودي, فكان من أول الأماكن التي عرفتها السينما والمسرح, والحديقة العامة وحديقة الحيوان, وكانت لها منزلة خاصة لأنها كانت تشبع عندي غريزة حب الاستطلاع.

 

كانت السينما تخلق أمامي مثلاً عليا, وكانت هذه المثل العليا تدور حول القوة العضلية التي تهب للشخص القدرة على السيطرة على ما حوله, وكنت أغتبط إعجابا بركوب الأفراس والملاكمة والقفز والسباحة, وكل ما يعبر عن تلك القوة العضلية, وكنت أنفعل عند رؤيته انفعالاً شديدا أنسى معه كل ما حولي. وقد كانت الأفلام السينمائية في ذلك الوقت حافلة بهذا اللون من التمثيل.

أما المسرح فكنت أشعر فيه بشيء آخر. كانت الأنوار الملونة التي يذوب بعضها في بعض تفتِّر إحساساتي, وتخلق عندي نوعا من الاستعداد للشرود والهيام, فينقلب المسرح إلى سحابة شفافة ترقص فيها فتيات من نور قد أفرغن في قوالب سحرية يتابعن الألحان في رشاقة تخلب الألباب, فيخيل إلى الناظر إليهن أنهن موسيقى مجسمة أروع تجسيم, ناضجات الصدور ناعمات الأجياد, خفيفات الخطى, مستبشرات الثغور, تتحرك صفوفهن حركة واحدة مع الألحان الراقصة الناعمة. ويتناثرن ثم يجتمعن ثم يتتالين زمرا كأنهن الأحلام. كنت أحبهن حبّا بريئا, وأعجب كيف لا نقابل مثلهن في الحياة, وأعتقد أنهن أمثلة لصفاء النفس, ونقاء الضمير, وحب الخير, وأن الله خلقهن من الرحمة المجردة.

 

ولا يعني هذا أنني كنت أطمئن تمام الاطمئنان للمسرح. ذلك أنني كنت أعرف أن الممثلين أحياء مثلي, وأنه يمكن لمسهم ومعاملتهم, على عكس الممثلين في السينما فقد كنت أعرف أنهم لا يعْدون أن يكونوا مجرد خيالات, لذلك كنت أخشى المناظر المثيرة في المسرح. ظهر أمامي ذات يوم فجأة على المسرح فهد خيل إليّ أنه هائل, فما كدت أراه حتى دب الخوف في قلبي, ولما رأيته يتحرك كما يشاء بدأت أحس أنني في خطر, وشعرت بأنه إذا رآني وأراد أن يلتهمني فليس عليه إلا أن يقفز ويتخطفني, ولذلك أحسست بفيض من الإرهاب لم تتحمله أعصابي, فصرخت وظللت أصرخ إلى أن اضطرت ميللي إلى الخروج معي.

 

ومما أذكر عن المسرح أننا ذهبنا إليه مساء أنا وأمي وميللي وأختاها, وكانت الرواية هزلية, ولكن شيئًا منها لم يبعثني على الضحك, فقد كانت حركات الممثلين تبدو لي سخيفة فاستثقلتهم ومللتهم, ثم بدأت أحقد عليهم, وأنظر إليهم في عبوس. وفطن النظارة حولي إلى عبوسي إلى درجة أنهم بدأوا يتهامسون به, وأخيرا استطاع أحد الممثلين أن يبتسر مني الضحك ابتسارا. وما كادت شفتاي تنفرجان بالضحك حتى علت حولي عاصفة من الضحك المماثل. وانتبهت فإذا بالعيون كلها متعلقة بي, فبعثني ذلك على أن أتضاءل في مكاني, فقد كنت أكره كرها شديدا أن تتعلق بي الأنظار أو أن أكون محورا لحديث بين جماعة من الناس.

 

وربما ذهبنا إلى إحدى الحدائق العامة, حيث كان يتمثل لي تفتح الحياة وازدهارها. وكنا نذهب إليها غالبا في فصل الصيف أو الربيع, فلا نكاد نقبل عليها حتى أحس بنفسي تنشرح وكأنها تنطلق من عقال. ألتفت يمينا ويسارا فتأخذ عيني الزهور المتفتحة ذات الألوان البهيجة التي تخلق حَواليّ جوًّا من الخيال وتستقبلني حيث التفت رائحة الأريج المنعشة التي كانت تثمل روحي الصغيرة, وتحيط بهذه الزهور خضرة الأرض والأغصان, وفوقها زرقة السماء الصافية, تسطع فيها أشعة الشمس الدافئة.

 

كنا نقابل أصنافًا من الناس يعلو البشر وجوههم جميعا على تباينهم, ومن بينهم أمثالي من الأطفال. وكنت أنتبه لكل شيء, لأن كل شيء كان جديدا بالنسبة إليّ, ولكن هؤلاء الأطفال كانوا يسترعون انتباهي أكثر من الآخرين, فلا تكاد عيني تقع على واحد منهم حتى أتابعه بنظراتي إلى أن يغيب. كنت أنتبه للباسهم ولعبهم وتصرفاتهم, وكنت أشعر بأن المخلوقات الأخرى التي تقع عيني عليها بعيدة عني فلا يمكن أن أفكر فيها, وكأنها شيء لا يتعلق بي. أما هؤلاء الأطفال فشأنهم شأن آخر, كنت أشعر بأنني ندّ لهم, ولذلك فلا بد من متابعتهم ومعرفة الجو الذي يعيشون فيه حتى أستفيد من ذلك. كنت أستمتع بكل ما أرى استمتاعا مجردا عن الأغراض, أما الأطفال فكنت أتابعهم بدافع من تلك المصلحة, ولم أكن أحسّ نحوهم بعاطفة مجردة. كنت أتتبع عندهم ما استحدث من المخترعات في عالم الألعاب, فلا يقر لي قرار حتى أقتنيها, وأتتبع عندهم كل ما يكون جديدا بالنسبة لي فأنتفع به في حياتي.

 

وكان في طليعة ما يأخذني كثرة ما يوجد من الناس في العالم. فأنت لا تستطيع أن تذهب لأي مكان دون أن تقابل فيه أناسا وأناسا كثيرين من كل لون ومن كل صنف, فكانوا يشغلونني فأعجب لكثرتهم واختلافهم: الطويل والقصير, النحيف والسمين, الجميل والقبيح. أضف إلى ذلك أنني كنت مغرما بتتبع اختلاف الثياب التي يرتدونها, فإذا رأيت منها جديداً لا عهد لي به من قبل وقفت وأطلت إليه النظر في استغراب حتى ينتبه إليّ صاحبه, وحتى ينبهني من قد يكون معي إلى أن مثل هذا التصرف معيب لا يليق بالطفل المهذب.

 

وأمتع منظر كان يثير إعجابي في تلك السن المبكرة, هو منظر فتاة تأبطت ذراع فتى, وكل منهما منصرف إلى الآخر يحادثه ويضاحكه. ولست أدري ماذا كان يبعثني على الإعجاب بهما إن لم يكن ما يبدو في طلعتهما من عافية وشباب وجمال.

 

لقد كنت أوقن بأن ما أعرف من الحياة ضيق ومحدود, وأن ما أجهله منها واسع وبعيد. ولذلك فقد كانت هذه الحدائق العامة بالنسبة لي كالمعرض الذي يحوي هذه الأشياء الجديدة التي لا أعرفها. ومن الأمكنة التي كنا نزورها حديقة الحيوان, ولعلي لست في حاجة إلى أن أقول إن حديقة الحيوان كانت أوقع في النفس من أختها حديقة الإنسان. فإن كل شيء فيها لم يكن جديدا بالنسبة إليّ فحسب, ولكنه كان غريبا أيضا.

 

أليس غريباً أن تنظر لأول مرة إلى هذه المخلوقات المخيفة في أمان منها, وهي وراء قضبان الحديد في الأقفاص, وأن تطيل أمامها الوقوف دون أن يَمسَّك منها سوء?! أضف إلى ذلك حاجتي إلى رؤية نماذج من هذه المخلوقات التي كنت أسمع عنها كثيرا في القصص, دون أن يستطيع خيالي الصغير تصورها.

 

كانت الحيوانات والطيور مختلفة, منها الجميل الذي يُستأنَس برؤيته, ومنها المخيف الذي تهز رؤيته الجَنان. أما هذه الأخيرة فقد كنت أقف أمامها في تمام الحذر, فلم يكن عندي من المستحيل أبدا أن تتمرد هذه الأجسام الجبارة في أقفاصها, وتندفع في قضبان الحديد, فتتساقط كأنها من زجاج. وكنت أحاول أن أتصور بخيالي مدى ما يحدث من الكوارث لو أنها فعلت ذلك, وكان من المرعب أن تنتقل مثل هذه الهواجس من رأسي إلى رؤوسها... وكنت أقف أمام الأسد فأسمع الناس يقولون عنه إنه أقواها جميعا, فأرفع إليه بصري لأتأمله في حذر, فإذا بهامته الضخمة وتفاصيل جسمه القوية تثير الرعب, وأبصره يحرك عينيه البطيئتين البراقتين ثم ينزل بهما حتى يستقر نظره عليّ, فتكاد تلك النظرات الثابتة المغمومة تصعقني. ولم يكن يخفف من هذا الإرهاب إلاّ أن تلك النظرات كانت شاردة لا تقف عند شيء تقع عليه, ولذلك فإنه لم يَبد عليه وهو يخترقني بنظراته أنه يقيم لي أي وزن.

 

وقد أدفع إلى ركوب الفيل مع جماعة من الأطفال, ولولا أنني كنت أستأنس بهم لارتميت من فوقه دون تردد, لأنني لم أكن عاجزا عن تصورهم جميعا داخل تلك البطن العظيمة التي كانوا يوجدون مباشرة فوقها.

 

حتى إذا تكررت زيارة حديقة الحيوان بدأت آمن ما فيها, وبدأت أستطيع الوقوف دون خوف أمام الحيوانات الشديدة الافتراس وأتأملها. وكنت كلما وقفت أمام حيوان منها تصورته طليقا في الغابات, ثم أقارن حياته الحرة تلك بحياته السجينة هذه, فأرثي لحاله ولحال أقربائه الذين فقدوه في الغاب.

 

هذه هي الأشياء الجديدة التي عرَفتها بعد انتقالنا إلى المنزل الجديد, فإذا لم أذهب لزيارة أحد هذه الأمكنة فأنا في منزل آل باترنوس القريب.

 

 

 

 

4

 

 

لا أستطيع أن أتذكر اليوم الذي تعارفنا فيه مع آل باترنوس, فإن ذلك أبعد من متناول ذاكرتي. وآل باترنوس عائلة إنكليزية من أصل يوناني, نزحت إلى إنكلترا فيما غبر من الزمان, وهي تتألف من أخوين اسم أحدهما جورجي, وهو شاب أنيق اجتماعي, قلّ أن يوجد في البيت. واسم ثانيهما أندريه, وهو أيضا شاب, ولكنه يختلف عن أخيه بكثرة صمته وشروده وميله إلى العزلة. فهو لا يكاد ينتهي من عمله حتى يهرع إلى البيت, ويقضي فيه الساعات الطوال, إما جالسا وحده في غرفته وإما أمام المدفأة يقرأ الصحف.

 

ثم تأتي بعد ذلك الأخوات الثلاث. وكبراهن ميللي, وهي قصيرة القامة ذات شعر فاحم كث, وحاجبين كثيفين أسودين, تحتهما عينان عميقتان. ولها شخصية مرحة عابثة بريئة. ثم ألليني, وهي أطول منها قامة وأدق جسما, يميل شعرها إلى الحمرة, دقيقة الملامح زرقاء العينين, تميل كل الميل إلى الجد. ثم بعد ذلك صغراهن, واسمها أنجي, وهي أجملهن وأحفلهن بالحياة, ذات قوام رشيق, لها بشرة صافية, وجيد طويل ناعم, وتقاسيم واضحة, لا تستطيع أن تعبرها بعينيك إذا ما رأيتها, ولها ميل إلى الترف والظهور بمظهر المعتز بنفسه وجماله.

 

وكانوا يقيمون جميعا في هذا المنزل الذي ورثوه عن أمهم الراحلة, ويشغل أربعة منهم وظائف كتابية, أما الخامسة وهي ميللي فمتفرغة للإشراف على شؤون المنزل, ولذلك فقد كانت أقربهم إليّ, وكذلك أندريه الذي كان يقضي ساعات طويلة من النهار في المنزل. وكانت المائدة تجمعهم في الساعة السادسة مساءً, فيتناولون طعام الغداء ثم يستريحون, ثم يخرج معظمهم وتظل ميللي وأندريه غالبا في المنزل وحدهما, وقد يظلون حيث هم يتسامرون إلى أن يحين وقت النوم.

 

يتألف المنزل من دورين وتوجد في الدور الأول غرفة الاستقبال, ذات المقاعد الوثيرة, وقد زينت جدرانها بالصور. وتقع فيها العين هنا وهناك على تمثال صغير أو باقة من الزهور أو تحفة صغيرة تسترعي الأنظار. ويوجد بها إلى جانب ذلك حاكي ومجموعة كبيرة من الأسطوانات, ثم تليها غرفة الجلوس العادية, وبها بعض المقاعد والكراسي, ومنضدة قد تراكمت عليها الصحف, وفي الزاوية رفوف عليها كتب. ثم غرفة المائدة وفيها مائدة كبيرة مربعة تحيط بها ا