أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: تسنيم عادل حسون-الكويت

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

جزائرية من اصل سوري ومواليدها 1981متزوجة ومقيمة في دولة الكويت اعمل حاليا كمساعدة تنفيذية في شركة عقارية في دولة الكويت.
بكالوريوس تجارة – جامعة بهراثيار – الهند / مدراس.

تدربت لمدة ستة أشهر في تلفزيون دولة الكويت في التحرير الإخباري والتقديم التلفزيوني – قسم الأخبار الاقتصادية.
بصدد الانتهاء من بعض القصص القصيرة وضمها في كتاب لنشره في القريب العاجل إنشاء الله.
 

بدأت محاولاتي الأدبية في سن الثانية عشر، حيث كنت استمتع بكتابة بعض الخواطر واليوميات، وفزت في مسابقة القصة القصيرة في المدرسة في سن السادسة عشر،

كما قمت بكتابة أول أبيات شعرية (إن صح أن اسميها كذلك) في سن الثالثة عشر وهي:


همومي وان عُدت فلن تحصى

وان امتلكها امرؤ فسينسى طعم السعادة في الحياة

أو حتى سيذوق جزء من المأسى.


سكنت الأحزان قلبي يوما...

 فهل للأحزان غير القلب مأوى؟.


وان ابتسمـت مرة...

 فكأننــي أخطــأت في درســى.


كتـب علي هذا القــدر..

 فهـل للقــدر من منســى؟.

 
اصبر على المكتوب لك...

ولا تعجل فقد تلقى من الأمر بأسا.


وقد بدأت بقراءة القصص القصيرة والروايات منذ وقت طويل، وكانت رواية البؤساء لفيكتور هيجو أولها، فأشعلت بي القراءات المتعددة الرغبة بكتابة القصص القصيرة بالتحديد، وقد بدأت بالفعل بكتابتها منذ ما يقارب العام وذلك بسبب شغفي الكبير بها ، وكونها الملجأ الوحيد للتعبير عن بعض الأفكار التي أراها وأسمعها في حياتي اليومية ولا استطيع حيالها شيئا إلا البوح لتلك الأوراق بتلك الأفكار والمشاعر لتولد بذلك تلك القصص.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

معاناة صامتة

رقصة الفالس

أماه

الزيت السحري 

واعلن بكل فخر أني انثى

وسرقها مني القدر

 

 

الزيت السحري

 

اعتادت والدتي أن تصطحبني معها إلى الصالونات النسائية منذ أن بلغت الرابعة عشر، ولست أعني بالصالونات مراكز التجميل بل الأماكن التي تجتمع فيها النساء عادة ، ففي كل مرة كن يجتمعن في منزل إحداهن، يتفنن بتزين تلك الصالونات بأندر التحف، وبتزين موائدهم بأشهى المأكولات والمشروبات جاهدة كل واحدة منهن لإشعال نار الغيرة في قلب صديقتها الأخرى ، في محاولة منهن لكسر الرتابة التي تغلف أيامهم، وكن ينجحن للأسف في ذلك.

تخرج أمي كل صباح (صباحية بالعامية) من منزل احداهن وهي تحدثني بأشياء لا أكاد أفهمها، فساعة تسب نفسها، وساعة تلعن حظها، تتفوه بكلمات شبه مسموعة وهي تشدني بقوة من يدي لتعبر بذلك لاشعورياً عن ما يستعر في داخلها من غضب.

حتى يومي هذا، وقد جاوزت الخامسة والعشرين لم أعي ولله الحمد المتعة من وراء تلك التجمعات النسائية السخيفة والتي مازالت أمي متمسكة بها حتى الآن.

سأعود بكم إلى الوراء قليلاٌ وتحديدا في عمر الثامنة عشر أي قبل ثماني سنوات تقريباً، ذهبت صباحا ووالدتي كالعادة إلى منزل إحدى صديقاتها، وكن جميعاً هناك يرتدين أجمل ما يملكن ويتزين بأندر العطور وأثمن المجوهرات، كانت أحاديثهن دائماً مثقلة بمواضيع سخيفة بحد ذاتها ولكن بالنسبة لهم كانت من الأهمية بحيث يمضون الثلاث الساعات المتفق عليها داخل حدود المواضيع نفسها فيصعب عليهن تجاوزها.

كنت اسلي نفسي بالاستماع إليهن، وهن يتحدث كثيرا عن خوفهن من التقدم في السن وعلامات الكبر والهرم،الأحاديث النسائية المعتادة... كن يخفن رغم أن أكبرهن لم تكن قد بلغت الخامسة الثلاثين وهي أمي ، ويصعب عليك تخمين ذلك إن رايتها، فوجهها يصغر عمرها بخمس سنين على الأقل.

كثيرا ما كان يسألنا الناس: أخوات ؟ طبعا لن استطيع أن اصف سعادة أمي ، فهي  تبدو لهم بنفس عمر ابنتها .. أما أنا فكان غضب الدنيا يسكنني، هل أبدو كبيرة لهذه الدرجة وتبدو أمي صغيرة ؟! ذلك السؤال الغبي الذي اعتدت سماعه ، ألا يبدو جليا لأولك الحمقى الفرق بيني وبين والدتي، إنها في منتصف الثلاثين وأن مازلت في الثامنة عشر.

كن صديقاتي أمي يتحدثن كثيراً عن فوائد زيت الزيتون، وأثره السحري في تأخير علامات التقدم بالسن، في إيطاليا وجهوا سؤالا لعجوز بلغت التسعين ولم يبدو عليها ذلك ، عن السبب وراء هذه النضارة والشباب الجليان على معالم وجهها إن صح التعبير، فأجابت أنه الزيت السحري ، زيت الزيتون... ولكن رغم كل هذه الأحاديث اليومية والقصص المتنوعة لم تتجرأ واحدة منهن رغم رغبتهن القوية على تجربة هذا الزيت السحري وذلك خوفا من نتائجه الغير مؤكدة، فلم يكن هنالك ما يثبت ذلك علمياً، أضف إلى ذلك رائحته التي لا يفضلها الكثيرون منا إلا في بعض الأكلات الشرقية كالمناقيش والمسخن، فرائحته حقيقة لا تقاوم.

لكنني، وللأسف ولكثر ما تأثرت بما سمعت وأنا في تلك السن الصغيرة، قررت أن أكون أول المتطوعين، ولكن سراً، فرغم أنني مازلت شابة لم تحط التجاعيد وجهي بعد، إلا أن عقدة التقدم في السن والتي كانت هاجس أمي الوحيد قد أصابتني وأصبحت هاجسي الأول أيضا والحمد الله .

طبعاً كل يوم وعلى امتداد أسبوع كنت أضع بضع قطرات من زيت الزيتون على راحة يدي وأمسح بها وجهي صباحاً وعصراً ومساءاً، علي احتفظ بهذا الوجه الطفولي الذي يميزني، فأكون في الأربعين وبنفس هذا الوجه وهذه الملامح الجميلة والتي استمتع بسماع الناس يعبرون عن إعجابهم بها، نسيت أن اذكر هنا أن الزيت عندنا من أفضل أنواع الزيوت فأمي توصي عليه من الأردن وفلسطين وسوريا وتدفع مقابله مبالغ كبيرة، فاعليته كبيرة إذن وهو المطلوب.

لقد بالغت في أحلامي وآمالي.

في اليوم الثامن شعرت بشيء غريب على وجهي، ثقل لم أشعر به من قبل، توجهت نوحي مرآتي ، لم أصدق عيني، يستحيل أن يكون هذا وجهي، وجه ممتلئ بأشجار الزيتون ذات الحجم الصغير ، نعم هذه أنا، ولكنني أشبه بأراضي أشجار الزيتون المرمية على أطراف الطرق في بلاد الشام، والدي يمتلك العديد منها لو رآني الآن لما توارى عن قطفي وعصري، هل سمعت عن وجه إنساني تحول لأرض زراعية، نعم لقد حصل هذا معي أصبح وجهي أشبه بأرض خصبة طبيعية بفضل الزيت السحري الذي حشوته داخلها.

يا للسخرية ما الذي فعلته بنفسي، يا الهي ، بدأت أندب اللحظة التي فعلت بها ذلك، وتمنيت للحظة أن يكون وجهي مرسى لجميع خطوط وتعرجات التقدم في السن والتي لم يعرف لها التاريخ النسائي مثيل، تمنيت أن أكون عجوزا الوجه ، لا فرق المهم أن أقتلع هذه الأشجار من وجهي والتي لم أحسب لها حساب مطلقاً.

الآن فقط أدركت خوف صديقات أمي من القيام بأي شيء أو تجربة أي شيء من القصص التي سمعنها رغم أنهن مستعدات للتضحية بحياتهن مقابل أن يبقين مشدودات الوجه والرقبة، أي صغيرات السن مظهراً ، فجنيت أنا على نفسي لأكون بذلك فأر التجارب المجاني لهم.

أخذت أبكي وأنوح، خفت من ردة فعلي أمي و أبي ، عائلتي، كيف سيعاملني الناس، كيف سيراني الآخرين، مخلوق فضائي أم وحش غريب، ما أقساها الحياة ، لماذا لم أرضى بما وهبني الله ، لماذ لم أعي أن حكمة الله أكبر من قدرتنا على الفهم والإدراك، في هذه اللحظة جاءني صوت أمي فانتفضت مرعوبة كالقطة ،اصطدم رأسي بطرف السرير وفتحت عيناي، لمست وجهي وإذ به صافياً نقياً لا تشوبه شائبة، لم أصدق لمسته مرة أخرى، جريت نحو المرآة ، نعم هذه أنا كما كنت وكما سأبقى، كنت أحلم،  يا الله ما أبشعه ذلك الحلم، حمدت الله مراراً، وأنا المس وجهي في كل مرة.

وتذكرت الآن مثل يقال في بلاد الشام كثيراً " لا تطخه و لا تكسر مخه" يعني لا تبالغ في الشيء و لا تقنت فيه ، أو خير الأمور أوسطها، أي انه لا يوجد داعي لاستخدام الزيت السحري بإفراط  كما فعلت، ربما  لو استخدمته مرة يومياً لما حدث ما حدث، أحمد الله عموماً أنه كان مجرد حلم.

ارتديت ملابسي بسرعة ، واتجهت نحو غرفة الجلوس، فاجئي جمال وطهارة أمي وقد شارفت على الخمسين، ما أجملها، ما أجمل روحها مازالت صغيرة وهذا ينعكس جليا على وجهها الملائكي، قبلت يدها وخرجت.

أدركت تلك اللحظة أن الجمال الحقيقي هو بالفعل جمال الروح ، هذه المقولة التي لم تعد تعجب الكثيرين من رجالنا هذه الأيام.

قد يعتقد البعض أنه كلام معاد ومكرر ، لكنني أدعوا الله من كل قلبي أن لا يراود أحدكم ذلك الحليم البغيض الذي زارني تلك ليلة، لأنكم حينها فقط ستدركون المعنى الحقيقي لهذا الكلام والذي اعتدنا سماعه دون فهمه.

 

 

أماه

وجهك قمري، أنفاسك حياتي، لمساتك دوائي...!

كلماتك تهطل كالأمطار على صحرائي القاحلة، رمالي متعطشة لمائك العذبة الطاهرة دوما، نظراتك تعيدني لأيام طفولتي والتي  أثبتي فيها بكل جدارة قدرتك اللامتناهية على العطاء والتضحية بكل ما تملكين من أجل بعض ما تملكين.

كم بللَت دموعك الطاهرة وجهك الجميل يا أمي، وكم احتمل قلبك الصغير الأحزان والآلام التي تفننا بحياكتها ، وتمتعنا بتزينها لتكون أكبر بكثير من أحلامك وآمالك ... كنت تجتثين آلامنا وحزننا، تجمعينها وحيدة في عتمة الليالي ثم ترسلينها مع الطيور المهاجرة بعيداً بعيداً ، بعيداً عنا.!!

اقترب منك، اشتم رائحة أنفاسك، أتحسس بشرتك الندية، أضحك تغمرني السعادة، اعتدت عليها، فوجودك سعادتي..

أنتي ملكتي كنت ومازلتي وستبقين . ...!

إلهي أنت يا أمي ...!

أمي أنت تحفتي النادرة التي أحفظها بتراتيل سمائية وأدعية مسائية. أنت جوهرتي الثمينة والتي أنا على استعدا لمواجهة أقوى أقدار الدنيا من أجل أن أحفظ تلك البسمة اليتيمة التي تزينها..!

فخورة أنا بك، فخورة بكل ما فعلته لأجلنا ، فخورة بحياتك التي وأدتها، فخورة بأيامك التي دفنتها ، فخورة بأحلامك التي حطمتها من أجل بسمة على شفاهنا البريئة، فخورة لأنك القدرة الآلهية جعلتك أمي ...

فخورة بكتاباتك، بكلماتك ، بإنجازاتك فأنت الكاتبة، والعاملة، والأديبة  والطالبة والأم ... أنت الحياة ......!

إنني أضع نفسي تحت قدميك، فلتفعلي بي ما تشائين، فعذابي من أجلك متعة والموت في سبيلك عبادة .....!

ألعن نفسي يا أمي ألف مرة، على كل كلمة جرحتك بها، على كل لحظة آلمتك بها، على كل دقيقة عذبتك بها .... أعتذر عن قدر كان خارج عن إرادتي وإرادتك، أعتذر عن سنين أعلنت الحرب على السعادة ... عن أيام باردة جمدت قلوبنا فكان قلبك النار الدافئة.!

أتوسل إلى الله والدموع تملأ عيناي أن يشرف جسدي بيديك الطاهرتين لتكونا آخر من يضعني في مهدي الترابي يوم موتي مثلما كانتا أول من حضنني يوم ولادتي ...! ويا الله ما أعظمه من شرف ...!

 

 

رقصة الفالس

 

لقد عاد لتوه من تلك البلاد البعيدة والتي يسمونها بلاد الغربة والتي أمضى فيها ما يقارب ثماني سنوات بدلاً من الستة المفترض به أن يقضيها في دراسته الجامعية، فتلك البلاد وما تحمله في طيات شوارعها وأرصفتها ونظرات نسائها من علامات الإغواء لشاب عربي كفيلة بأن تسحر شاب أمضى دراسته الثانوية يتلصص وأصدقائه على مدارس الفتيات المجاورة لمدرستهم علهم يظفرون بنظرة وضيعة لفتاة أنهكها اليوم الدراسي أو يتسللون ليلاً إلى منزل أحدهم فتراهم ملتصقون ببعض أمام شاشة التلفاز واللعاب يسيل من أفواههم كالكلاب علهم يطفئون نار شهوة انتابتهم منذ أن انتابهم ذلك ال ح ل م  البغيض.!

لم يمتنع كريم عن شيء في تلك البلاد، كان شرقي "متغرب" مثالي، أمضى ليال طوال يرقص كالبهلوان في جميع حانات البلدة، كان الفارس المغوار على سرير كل فتاة التقاها، كان يعيش حلماً جميلاً ما كان يتجرأ على أن يعيش لحظة من لحظاته في بلاده النتنة التي يسبها في اليوم مائة مرة، فالمقارنة معدومة أساسا في نظر شاب محدود الأحلام مثله ...!

تلذذ في إنفاق معظم الأموال التي كانت تصله مبللة بعرق والده إلى حسابه البنكي، في إخماد نار شهوته القذرة.

ذلك الوالد المسكين الذي أنفق سنين حياته يخيط ويطرز بدقة وعناية فائقتان المعطف الأبيض لابنه الدكتور الكبير، فآبائنا يتفنون بقتل أحلامنا وانتقاء الأحلام التي تناسب أحلامهم وآمالهم، في كل تفاصيل حياتنا، كل شيء، ، ويتجاهلون بإتقان تام رغباتنا وميولنا وأحلامنا وطموحاتنا...  فهم يشعرون أنهم أصحاب القرار الأول في منحنا هذه الحياة التعيسة وزعنا في أرحام أمهاتنا اللاتي لا حول لهن ولا قوة.. (اعذروني لخروجي عن موضوع القصة قليلاً).

طبعاً ، ونظراً للحاجة الماسة إلى المال والخجل الذي أصبح أخيراً يعتريه من طلب المال من ذلك الوالد المسكين، اضطر كريم  في النهاية للعمل كنادل في إحدى المطاعم الصغيرة كحال معظم أصدقائه المغتربين هناك.

أعجبته المدينة، مدينته، أخيراً بعد ثمانية سنين أمضاها بعيداً ، ها هو اليوم يحتضنها، يشم ترابها، ويقبل أرضها، عاد حاملاً معه شهادته الملعونة وأحلاما وضيعة كان قد حقق معظمها هناك فما بقي في جعبته إلا القليل منها.

أخذ يتفحص الوطن، قرأ عنه كثيراً في الجرائد اليومية الغربية، قرأ عن ضعفه ووهنه وسكوته، لكنه يبقى وطنه ...!  لقد تغير كثيراً، مبانٍ عملاقة، وازدحام لا يطاق، مازلت تعجبه تلك البراءة في عيون نسائه، البسمة الحزينة على وجوه أطفاله، أصوات مآذنه، أجراس كنائسه، نسماته ، أشجاره ، شوارعه، الفوضى في كل مكان ، لقد اكتشف للتو أن وطنه كان ومازال يعيش في داخله.

رآها هناك، كالفراشة الملونة ترقص بخفة وتتمايل كورود الربيع التي بللتها حبات الندى العطشى ، كانت كالملائكة بجناحين أبيضين ينثران السحر في كل مكان وعينان تفيضان غنجاً ودلالاً، ملاك هي طالما قرأ عنها في قصص الأطفال.

حاول تجاهلها لكن شيئاً ما شده إليها، رائحة أنفاسها، شذى عطرها، تلك النظرة، آه كم أرهقته .

 بفستانها الحريري الأحمر والذي يكشف عن تفاصيل دقيقة ومفاتن يصعب مقاومتها ، شعرها الأسود الغجري المنسدل كستار مخملي عتيق على كتفها ليغطى ظهرها الأبيض الذي يحمل دروب أمطار وأنهار، ليرسم بذلك صورة لملكة تعجز أمهر أيدي الرسامين عن رسماها.

اعتقد كريم أنه اجتاز مرحلة الشبع النسائي (إن صح أن أسميه كذلك)، لكنه أدرك اليوم أنه مازال تلميذ فاشلا في هذه المدرسة التي يصعب مقاومتها.

أعجبها، أعجبها كبريائه، أعجبتها رجولته التي كان يرسلها لها مع كل نفس وكل نظرة.

تتمايل أمامه ، فيتمايل قلبه ويهوي في أحضان رغبة عارمة، اعتقد أنه تغلب عليها في تلك البلاد المشئومة.

 كان قد تدرب هناك على رقصة الفالس، وأتقنها، وهاهو الآن وبعد أن أخبره أعز أصدقائه أنه قد تم (ونظراً للمحاولات اللامتناهية في تقليد أولئك الغرب) فتح صفوف خاصة لتعليم الرقص، وكانت رقصة الفالس أحدى تلك الرقصات. يجتمع محبي الرقص مرتين في الأسبوع، ليلقوا ما في جعبتهم من مهارات وإبداعات يستمتعون باستعراضها أمام بعضهم البعض.

أحب الفالس... وعشقه بعد أن رآها.

أراد بإلحاح غريب أن يراقصها، أن يأخذها بيديه، أن يلتصق بها ويخطفها من ضوضاء الفالس والتانغو والرقص الشرقي.

تلاقت أعينهم، فتلاقت أحاسيسهم، ورغباتهم.

اقترب منها وطلب منها أن يحلق معها برقصة بريئة، وافقت بإيماءة صغيرة .. أمهرتها براعته وأمهره جمالها.

أمسك يديها الناعمتين، أخذها بعيداً ، تبادلا الحديث، وأعلن فجأة أمامها بكل تحد نقمته على سكان مدينته لأفكارهم الغريبة، وعاداتهم السخيفة والتي مازالوا يتمسكون بها كما يتمسك الغريق بقشة كما يقلون، أعجبها منطقه الكاذب، أعجبها نفاقه، ليتلها اكتشفت ذلك مسبقاً ....

أمضيا قرابة السنة معاً، هي غارقة في أحلامها البريئة وهو غارق في رغباته القذرة، أقنعها أنه يفكر بطريقة غربية اجتث منها كل جذر شرقي وأنه بعودته من تلك البلاد، نسي كل ما كان قد زرعه والداه في تلك التربة النتنة.

عادات وتقاليد صّممت لتناسب أخطائنا، ولتحتمل إخفاقاتنا، مازلنا ننادي بها في مجتمعاتنا متناسين ما تدعوا إليه أدياننا.

كم تتمنى كل فتاة حمقاء أن تجد ذلك الرجل العربي المتحرر، الذي يحترم رغبتها في رقص الفالس والتانغو والحب.!

سخيفة ووضيعة هي أحلام تلك الفتيات ، وضعيفة بحيث تهوي وتتناثر إذا ما اصطدمت بقساوة الواقع.

تسمك منديلها المطرز، تجفف دمعها ،تمسح رائحته عن جسدها، وتقتلع حبه من قلبها.

ها هو قد تزوج من فتاة عربية شرقية ، لم ترقص الفالس ولم يدخل قلبها أحداً غيره بالطبع ( كما اعتقد هو ووالدته) تزوج على الطريقة الشرقية التي كان يلعنها، أعلن الحرب على الفالس أمام زوجته أو جاريته وأعلن الحرب على الزواج أمام شريكاته في تلك الرقصة ولعنت هي نفسها ألف مرة على أيام قضتها مع شاب عربي شرقي يدعي الغربية.

كم كنت حمقاء.!

طبعا ما زال صديقنا كريم شرقياً في منزله وغربياً خارجه، وقد تزايد عدد الكريمين في مجتمعنا ،، فهنيئاً لنا بهم .

اعتزلت الرقص، اعتزلت الحرية، اعتزلت الأحلام، علها تجد شاب عربي شرقي يقبل بها جارية له .

شمعة وأنثى  وشيطان ..

سراب ...

تسللت خلفه، ركضت نحوه، أحاطته، حاصرته من جميع الجهات، اقتربت منه، فما وجدت إلا أشلائها وبقايا امرأة أخرى..

... كتاب الأحلام

كانت تحلم بقصر ذهبي كبير، يحضن غرف كثيرة، لتحلق بسعادة في أرجائه، فتغلق كتاب أحلامها لا تريد منه شيئا....

تحلم الآن بحجرة جرداء صغيرة، تحتضن آدمياً مثلها، ليؤنس وحدتها اليتيمة، ويغلق كتاب آلامها الذي ولد من رحم تلك الأحلام ...

..... خيَرها

إما جنتي بخيرها ونعيمها أو جحيم ابنك بنارها ولهبها .....

فاختارت بإصرار جحيم الدنيا وجنة الآخرة ...!

معنى وجودها وسبب عذابها الأبدي،

فلذت كبدها ...

.... لحظات شيطانية

نظرت إليه والشهوة تأكل كل الأحاسيس الطيبة فيها : وهمست بإذنه: أنا عبدة لجسدك اليوم ، اصلبني، ارجمني، أحبني حتى الموت، وارسم خرائط شهوتك الأبدية على جسدي الأبيض، ودمر بأنفاسك النتنة كل مواطنٍ غيداء فيني وخربش بقبلاتك الباردة على جدران رغبتي الموءودة والتي أجبرتٌ على إخفائها في تجاويف قلبي وزوايا فؤادي لتكون أرضا طاهرة لبطولات الفارس المغوار المنتظر، ذلك الفارس الذي لن يأتي ...

 

مضى الليل بوشاحه الأسود الذي يخفي خلفه الكثير من الشهوات المقيدة والأحاسيس المغتالة، وشهد القمر المسكين وذلك الفراش الملعون طقوس ندمها الأسود في وحل من دموع عينيها الحزينة ودماء قلبها الموجوع على رجل احتضنها لساعات في عتمة الليل ورحل بانتظار ليل آخر ليدنس بلعابه وأنفاسه فراش مذنبة أخرى...

 

 

معاناة صامتة

مهداة إلى أطفال غزة

مدينتنا حزينة، وحيدة، تأن كأم فقدت أولادها ، قتل فيها الأوغاد كل معالم السعادة، صلبوا رجالنا، وأدوا أطفالنا، اعتدوا على حرماتنا، ولكن مازلنا نرفض الخضوع نرفض الموت لمجرد الموت، فالموت إن لم تزينه زغاريد النسوة وآهات الرجال، وإن لم تدنس طهارته أيدي القردة لن يكون موتاً ...

كنت ومازلت يا مدينتي، نعم مدينتي، مدينة كل إنسان مازال إنسان، رمزاً للصمود والإباء .. ولن نهبك لأولئك القردة، فليقتلونا، وليرجمونا، مادام رحمك يهبنا الأبطال..

أرى الأطفال هناك يصارعون الموت بألعابهم الرديئة وأحلامهم البسيطة، يرفضون الاستسلام، وقد ترجمة ألعابهم قسوة الحياة التي يعيشونها، يلتفون حول بعضهم، ويقسمون أنفسهم إلى جماعات، أنت جندي، ، أنت الدبابة، أنت القرد، وأنا الحجارة ..! ما أصعبها حياة الحرب !! ما أصعبها حياة الحصار....!

قال لي أحد الأطفال: عندما أصبحُ سوبر مان سأقتل أولئك الأشرار ، سأقتلعهم من تربة بلدي.... نظرت إليه، وعيناي بحور دموع متجمدة، جمدتها برودة الحوادث، الحوادث التي أصبح الجميع يتقبلها بهزة رأس خفيفة، وهي من الكبر بحيث يصعب على الجبال احتوائها... ربت على شعره الأشعث ورحلت ....! أراهم يلهون بالحصى الصغيرة، يرسمون بالطباشير على جدران ديارهم المهترئة صورة دبابات وطائرات وقردة .

يتناثر أطفالنا من حولنا كل يوم، كل ساعة ، كل دقيقة، نجمع جثثهم بلا اكتراث كما يجمع المزارع محصوله كل عام، نصلي عليهم وقد نسينا أعمارهم وأحلامهم....!

لقد كنت يا غزة مهد الحضارات، ومازلت مهد الشهداء. وستبقيَن مهد البطولات ...!

تتألمين، تقاومين، وتستنجدين بخجل واحتشام بمن بقي منا .. ونحن اعذريني لازلنا نتابع برنامج أوبر وينفري، وننتظر أغنية مطربنا المفضل، ونسخى على كاشيرات محلات البضائع التافهة لننعم بكل ما طاب وينعم أولئك القردة بأموالنا ليحاربونا بها، فالقردة متأصلين في بلدنا، أجدهم في كل مكان، يضعون أقنعة مختلفة، أعرفهم من شعاراتهم المزيفة، وروائحهم النتنة، ونظراتهم الخبيثة، يعتقد أولئك القردة الأغبياء أننا لو عرفناهم سنلتهمهم، سنبيدهم، ما علموا أننا نعلم أنهم بيننا وفينا ، سعداء نحن بهم كثيراً، فما في اليد حيلة..!

أعتذر أطفالي، أطفال غزة ، أطفال كل العرب، أعتذر عن ركوننا، عن تخدرينا، عن سلبنا إرادتنا، عن حاضرنا، عن موقفنا، عن بخلنا، عن حزننا المصطنع ...!

أطفالنا هنا لا يفكرون سوى بالاحتفال بأعياد ميلادهم كل عام ، يمضون الساعات أما واجهات المحلات الكاذبة لاختيار هدية تليق بأحلامهم ، أحلام بعيدة كل البعد عن أحلام أطفال غزة إذا صح أن أسميها أحلام، فالماء عندنا ليس حلم، والكهرباء عندنا ليست حلم، والأمان ليس حلم، وسفرة طعام تضم أفراد العائلة ليست حلم..!!!

فقد شاء الله أن تكونوا أطفال غزة ، لتكونوا عصافير الجنة ..

وأنا ما زلت حزينة، أدفن آهاتي في صدري، ابتلع عنوة كل ما تراه عيني، علني أنساه.. ومازلت أنظر وأنظر والكل ينظر ....

يرن المنبه، أستيقظ صباحاً مذعورة، لقد تأخرت على موعد عملي، أرتدي ملابسي التي اشتريتها بالأمس، أقود سيارتي التي لم تعد تعجبني لأعود لروتيني اليومي ، تاركة حلمي خلفي ليأكله النسيان.....!

 

 

واعلن بكل فخر أني انثى

 

لماذا له الحق  في العبث بمشاعرها كما يحلو له ، بينما لا تتجرأ هي على مجرد النظر إلى ظل رجل غيره.

لماذا من حقه أن يعلن عن خيانته المتعددة بكل فخر ليثبت رجولته أمامها ، بينما تعجز هي عن مجرد التفكير بخيانته في أحلامها أو في خيالها.

لماذا يحق له أن يفعل ما يشاء، أن يدعي الشرف و الرزينة ، وحبها اللامحدود، فيصدقه الجميع، بينما لا يحق لها أن تصدق عينيها اللتان رأتا كل شيء ومشاعرها التي لا تخونها أبداً.

لماذا يرى جميع نساء الدنيا على سرير الزوجية الطاهر بينما لا ترى هي غيره.

لماذا من واجبها خدمته، وغسل رجليه بالماء الدفيء حينما يعود إلى منزله مكللا بغبار الشوارع، بينما تتألم هي بصمت دون أن يخفف عنها بلمسة قد تعني لها الكثير.

لماذا يأتيها كل يوم وجسده يتصبب عرقا  ورائحته تفوح عفناً فلا تشم منه إلا رائحة الياسمين والقرنفل، بينما يجب تتزين هي بأجمل العطور لتفوح منها رائحة ورود وأزهار من أجله، وليته يهتم.

لماذا من الطبيعي أن تراه في أسوء حالاته وأبشع إطلالاته ، بينما عليها الاعتناء بنفسها حتى تكون جميلة في عينيه حتى لا يرى غيرها، ورغم ذلك فهو لا يرى إلا غيرها.

لماذا يتقن تمثيل دور الرجل المرهق الذي أنهكته ساعات العمل ، متناسيا ما وهبه الله من قوة جسدية وعقلية بينما من واجبها العمل خارج وداخل المنزل دون أي كلمة اعتراض متناسية بذلك ضعفها ووهنها.

لماذا تشعر بالسعادة حينما تحمل له كوب من الماء بينما يشعر هو بالذل إذا ما سألته أن يفعل نفس الشيء وهي ملقاة على سرير المرض.

لماذا تقدر هي كل جهوده خارج المنزل، والأموال التي يوفرها لهم ، بينما ليس للإرهاق الذي تدفنه في داخلها وأموالها التي تنفقها في سبيله أي قيمة في نظره.

لماذا يشكوها  لوالديها إذا ما تمردت أو أخفقت فيأخذ حقه بالكامل ، فهو الرجل وهو دائما على حق، وتخاف هي أن تشكوه لوالديه إذا ما عصرها قهرا وظلماً لأنها تعرف الجواب.

لماذا يلقي باللوم على تربيتها السيئة ودلالها المفرط إذا ما ارتكب أحد أبنائهم خطأ أمامه، بينما تمدح هي تربيته السليمة ووقته الذهبي الذي يهبهم إياه ، والحقيقة غير ذلك تماما.

لماذا ترعى أولادهم جميعاً، تسهر على راحتهم، لا تأكل حتى يأكلوا، ولا تنام حتى يناموا، وإذا ما اشتعلت النار فيما بينهم، أمر جميع أبنائه الالتفاف حوله لأنها لا تستحق ، فهو ربان السفينة وهو الأب وهو الأصل "وهو المظلوم".!

لماذا كلما اشتعلت نار الغضب فيما بينهم، وأعلنت رغبتها بالرحيل، أعلن بكل تمرد عدم اكتراثه وجرح فيها الأم وملكة المنزل وقال بكل فخر: "الباب بيفوت جمل" ، الحياة لن تتوقف بدونك.! 

لماذا تسامح أخطاؤه وهفواته التي لا تغتفر، بينما لا يسامح هو أخطائها وهفواتها التي بالكاد تذكر بل ويرددها أما الجميع ليكون بذلك الملاك الطاهر "بالظاهر".

لماذا يتفنن الرجل في رسم مجرى حياة زوجته كما يريد، وتسبح هي في ذلك المجرى بلا كلمة اعتراض واحدة.

لماذا لا يتردد  بالارتباط بإحداهن إذا ما فارقتها الحياة  "تقديراً على طريقته الخاصة "لتضحياتها اللامتناهية ، بينما تعيش هي على ذكراه حتى آخر العمر.

لماذا يقطفها وردة ويرميها شوكة ، وتجده غصناً غضاً وتتركه شجرة شامخة.

لله حكمة جلية حينما قال: الجنة تحت أقدام الأمهات، والرسول الكريم حين قال: أمك ثم أمك ثم أمك.

بكل فخر أعلن أني أنثى ، أعلن أني ابنة حواء ، أعلن أن أم ..!

 

 

وسرقها مني القدر

 

أضع صورتها أمامي، مازال يبهرني جمالها، ،وجهها الياسميني الحزين بعيونه الزرقاء التي  تخبئ شواطئ وأمواج، وخدودها الوردية كحدائق غناء ، تلك الشامة المميزة فوق شفافها الكرزية، والتي طالما بللتها بحبي، وتلذذت بنداها.

أعود بذاكرتي إلى ذلك اليوم المشئوم ، ألعن نفسي ألف مرة ومرة!

بقيت محتفظاً بصورتها داخل ذلك الإطار الخشبي الذي أهدتني إياه أمي يوما، بصمات الزمن والتجاعيد التي خلفتها الأيام جلية عليه، ذلك الخشب المهترئ الذي يحاصر الصورة من جميع الاتجاهات والذي مازال حتى الآن يحتفظ بشيء مميزاً يصعب معرفته، ربما معاصرته لقصص عشاق كثيرة بنهايات غريبة.

كانت تحب الذهاب إلى ذلك المكان، إنه المفضل لدينا، شهد جميع لحظاتنا، لحظات حكناها بسعادتنا أحياناً وبتعاستنا أحيانا أخرى.

كنا كجميع العشاق، نضحك ونبكي، نحزن ونفرح،  نبتعد عن بعضنا أياما ونلتصق ببعض أياما أخرى، إلى أن جاء ذلك اليوم المشئوم ، كنت قد دعوتها لتناول العشاء معي بعد الانتهاء من دوامي الذي أنهكني وقيد قواي، كنت أبذل كل ما في وسعي لإتمام عملي،علي أحصل على كلمة شكر أو علامة رضا من مديري طمعاً بزيادة بسيطة أضيفها إلى المبلغ البسيط الذي ما زلت أحشره داخل ذلك الحساب البنكي حيث وعدت نفسي أن لا ألمسه إلى أن يحين الوقت ، زيادة قد تعني لي الكثير وله القليل، لو عرف ذلك المدير حاجتي الماسة لهذه الزيادة لما تردد دقيقة بمنحي إياها، فالتزاماتي اتجاه أمي قد كثرت، تريد أمي أن لا أرفض لها طلباً، فقد أعطتني الكثير ، ضحت بالكثير وتنازلت في سبيلي عن الكثير، كنت سعيداً بذلك ، فبسمة على شفاه أمي الوريدية كفيلة بجعلي أنسى هموم الدنيا ومدي بسعادة يصعب وصفها، لكن يبدو أن أمي نست أو تناست أن أمامي مستقبل كالمستقبل الذي طالبت به والدي حينما قررت الالتحام معه ، مستقبل في شريكة لها تنازعها فيه على عرشها.

أعود إلى ذلك اليوم، اصطحبتها من منزلها، كانت تتلفت حولها خوفا من أن يلمحها أي أحد تركب سيارتي المتواضعة ، دخلت وجلست بجانبي ، وانطلقنا بصمت بنظر كل منا إلى الآخر من حين إلى حين، ذهبنا إلى مكاننا المفضل، إلى شاهدنا الوحيد، طلبت مني أن نغير المكان، فقد بدأت تتشاءم منه ، ذلك المكان الذي احتضن كل لحظاتنا وساعاتنا، احتضن أحلامنا التي كانت تسبقنا ونطير خلفاها كفراشات الربيع ترى السعادة في كل الزهور، ما علمنا أنها سترمينا كأوراق الخريف، أية تعويذة شؤم هذه ...!

وصلنا إلى الشاطئ ، بناءا على رغبتها ، كانت تحب البحر كحبها للحياة، أراها تشحذ بنظرها، هنا وهناك ، تحلق مع كل نورس و تسافر مع كل موجة، كانت تحتضن البحر بأملها ، وتجمع أحجاره بحزنها ثم ترميها بعيدا بعيداً، كنت أنظر إليها متعجباً، أمسكت حفنة من الرمال الذهبية اللون، رائحتها تذكرني بشيء ما، ربما بطفولتي، أكن للبحر معزة خاصة لا أعرف سببها، قربت حبيبتي حفنة المال تلك من أنفها استنشقت نداها، وطلبت من أن أفعل نفس الشيء، ما ترددت أبدا، فقلما رفضت لها طلباً، نظرتٌ إليها والدهشة تأكل أطرافي وقبل أن انبت بكلمة ، قالت لي: حبيبي هذا الرمال الندية التي تحتضنها بيديك، هذه الأرض الطيبة، منها أتينا وإليها نعود، مازلت لا أفهم.

عاودت النظر إلي وسألتني والحزن يعصر كلماتها: أي أخبار،متى ستأتي لخطبتي، هل أبلغت والدتك بالأمر، لقد مر الكثير، ومازلت تغرقني بالوعود فترهقني بذلك، ومازلت من أجل عينيك، أنتظر وسأنتظر، لكن قد طال انتظاري، وبت أجد صعوبة بانتقاء الأعذار لوالدي عند تقدم أحدهم لخطبتي، حبيبي...!

نظرتُ إليها ، كان الحب يمتلكني، لم أتخيل غيرها سيدة لأحلامي ومكلة لمنزلي وأم لأولادي، الجواب نفسه، يحمل الألم والأمل: قريباً قريباً حبيبتي. ما كنت أدري أن القريب سيصبح بعيد، والبعيد سيصبح قريب، يا لها من معادلة ، لكنها الحقيقة، ليتني استطعت البوح لها بما كان يخالجني ، يمزقني، يقتلني، أنني أسير نفسي، أسير التزاماتي، أسير أمي، أسير قدري.

ترفض أمي فكرة زواجي الآن، وحجتها بذلك عدم مقدرتي المالية وكثرة التزاماتي العائلية والتي باتت تقديني ولا أجد منها مهرب.

أقسمت لها بتراب البحر، وأمواجه، أقسمت بنسائمه وأحجاره ، أن حبها يسكنني ولكن، علقت الكلمات داخلي وعلقت أنا داخل موقفي الضعيف، فتسلحت بالصمت.

أمسكت بيديها البيضاء الناعمة، طبعت قبلة عليهما، تلاقت نظراتنا، تعانقنا، تمنيت أن يتوقف الوقت، أن يرحل الناس جميعاً، لنبقى هكذا إلى الأبد، أنا وهي فقط، أنهت أحلامي بكلمة همستها في أذني: أريد أن أعود، حنقت على نفسي، على أمي على قدري على الدنيا جميعاً، ما ذنبها تلك الفتاة ، لماذا ألقتها الأقدار في طريق إنسان ضعيف يائس مثلي، إنسان مقيد بالتزامات عائلية ومالية، واسمعهم يقولون المادة لا تجلب السعادة، بموقفي هذا لكانت قد جلبت لي الكثير الكثير منها.

أتستطيع هي مواجهة أهلها مائة مرة وأعجز أن عن مواجهة أمي مرة . اعلم أن أمي لن ترفض لي طلب، ولكني أعرف جوابها ومازلت أحاول تجنبها، ما تجرأت يوما على فتح صفحات قلبي أمام أمي، أعجز أمامها ، أمام قوتها وضعفها.

خرجت من السيارة، نظرت إلى بعينين تعصران الدموع ، وهمست بحزن وداعاًً ، أغلقت الباب ورحلت، ورحلت أنا، لو علمتُ ما كان سيحدث بعدها لما سمحت لها بالخروج من ذلك الاختراع المتحرك اللعين، لأخذتها وسجنتها داخلي، في قلبي رغما عم أنف الجميع . لــو.

بعد ذلك بأسبوع حاولت الاتصال بها مجدداً ، اتصلت بجميع صديقاتها، جيرانها، لا أمل، من أمل ، حاولت التلصص إلى نافذة غرفتها علني ألمح خيالها، لكن دون جدوى ...

قررت أمل أن تنهي حياتي بكلمة ، لقد حكمت علي أمل بالموت دون أن تدري.

يرن هاتفي المتحرك أفكر ملياً قبل الرد عليه، لقد اعتزلت كل شيء منذ اعتزلتني أمل، لم أعد أطيق إلا النظر إلى صورتها التي تشع نوراً داخل كهفي المعتم، تلك الصورة التي هي دائي و دوائي ،  حاولت أمي مراراً انتشالي من القاع  الذي هويت فيه لكن دون فائدة، فاتجهت إلى سلاحها الوحيد سلاح كل أم ، الدعاء لابنها بالشفاء، ليت أمي تدري ما دائي، ففيها دوائي، مسكينة أمي، تقيدني وتأسرني داخل سجن رغباتها ثم تدعوا الله أن يحررني منها.

أمسكتُ الهاتف بيد بلدتها الأحزان ، أجيب: نعم، يأتني صوتها حنوناً ، ناعماً كما عهدته، لم أصدق أذني، تبوح لي بصوت ممزوج بالحزن والألم: لقد تركت من أجلك عالمي ودنيتي أما أنت فقد تركتني من أجل ضعفا سكنك وقيدك، ولكن اعلم أني أحبك يا حاتم أحبك ومازلت على حبك. جاءني صوت سالي مع صوت أمها وهي ترجوها أن لا ترهق نفسها، كانت سالي الشاهد على كل لحظاتنا، سخافاتنا، حماقاتنا، قالت لي والدموع تبلل صوتها، إن الأمل بحياة أمل ضئيل جداً منذ أن حط ذلك المرض اللعين على جسدها الطاهر، أسرع ، هي بانتظارك، كلماتها جاءت كالطلق الناري، شلتني فقتلتني..!  

ألقيت السماعة ، لا أدري كيف ارتديت ملابسي، خرجت أهذي كالمجنون، انطلقت بسيارتي و لم يشدني اللون الأحمر ولا صوت ذلك الشرطي السمين وهو يلوح لي بيده طالباً مني التوقف، وصلت إلى المستشفى الذي يحمل لافتة كبيرة بكل فخر يعلن فيها احتضانه لذلك المرض الشرير، كنت اسمع عنه لكنني لم أتخيل قط أنني سأزوره يوما.

أسرة بيضاء متحركة ، أطباء يجولون هنا وهناك يستمعون لشكوى هذا ورجاء ذاك، مرضى يحملون أوراقا ملونة بأيديهم، زرقاء، صفراء وردية،  أطفال يبكون، نساء يصرخون، طلبت المصعد، طال انتظاري، استخدمت السلالم ، وصلت إلى الطابق الثاني كما قالت لي سالي، ممر طويل، وغرف متناثرة على طرفيه، أطفال حرموا من متعة اللعب مع أقرانهم في ساحة منزلهم، ليسجنوا داخل هذا القفص الكبير، فتغريهم بذلك قطعة حلوى أو لعبة حزينة، أسرة مهترئة، شراشف بيضاء، أصوات أجهزة مزعجة، مرضى من جميع الأعمار، رائحة الموت تفوح من كل مكان، ممرضين وممرضات يضحكون رغم قسوة ما يعيشونه، لقد اعتادوا على رؤية الموت في اليوم مئة مرة، ليتني أستطيع قتلهم جميعاًً، سمعت صوت سالي من بعيد، لاحت إلي بيديها، تقدمت نحوها،  كانت سالي تبكي، تقدمت وقدماي تكادان لا تحملاني، تجمدت شفاهي،  تفحمت أطرافي وتلعثم لساني، كانت الأم تقف ملقية برأسها على جدار الغرفة وهي تبكي بمرارة أم، اعتقد أن سالي أخبرتها عنا، نظرتها أوحت إلي بذلك، وحتى وإن لم يكن، ما كنت لأهتم بأحد في تلك اللحظة.

دخلت تلك الغرفة القبر ، كانت أمل كتلة بيضاء ، وكان الجهاز يصدر صوتا مدويا غير منقطع كنت قد سمعته من قبل، ربما على شاشة التلفاز، نعم ، هذا الصوت، لقد عرفته، هل انتهى كل شيء بهذه البساطة، كانت سالي تراقبني متهجمة الوجه تحمل عينيها دموعا، وشفتيها مئات الكلمات، كلمات لوم وعتب.

 حاولت الاقتراب منها، حاولت لمسها، وتجرأت أخيراً، رفعت الغطاء الأبيض عن وجهها ، فرأيتها كالملائكة الطاهرة تحمل على شفتيها ابتسامة عذبة غير واضحة، أيقظت فني كل معالم الألم والندم، ما أبشعه ذلك الشعور الذي تشعر فيه برغبة كبيرة باحتضان ذلك الجسد الملقى أمامك ولكنك لسبب من الأسباب ، لا تستطيع أو لا تتجرأ، وضعت رأسي بين يدي ، بكيت بحرقة، نحت بصمت ولكن دون جدوى، لو كان لدموعي القدرة على إعادة الأنفاس إليك لحفرت دروبا منها على وجهي وسكبتها في كؤوس ذهبية وحملتها بيدي لأضعها تحت قدميك الطاهرتين.

حرمني القدر من رؤية وجهك الجميل، حرمني حتى من سماع صوتك الرقيق،

ليتني استطعت احتضان جسدك الآن وأمام الجميع، ليتني استطعت حشره داخل عروقي، ودفنه في قلبي، رغما عن أنف الجميع ، واعذريني يا أمي.!

قد أخفت عني أمل ذلك اليوم أنها كانت تنازع وحيدة.

أمل حياتي رحلت وما عاد في حياتي حياة، وما عدت أنا أنا ، لو عرفتُ ما تخبأه لي الأيام، غريبة هي طبيعة الإنسان، لا يعرف قيمة ما كان بين يديه إلا بعد أن تخلو يديه، ولعنت نفسي ألف مرة على آمالي اليتيمة وأحلامي المصلوبة.

هل يمكنني القول أن أمي انتصرت في هذه المعركة التي خضتها وحيداً.

 

أضيفت في 05/10/2008/ خاص القصة السورية/ المصدر: الكاتبة

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية