|

بطاقة
تعريف الكاتب: سعيد حورانية
ولد سعيد حورانية في دمشق عام 1929،
وتلقى تعليمه فيها،
وتخرج في جامعتها مجازاً في الأدب العربي ثم نال دبلوم التربية،
وعمل في التدريس في سورية ولبنان،
وأقام فترة طويلة في موسكو من مطلع الستينيات حتى عام 1974، ثم عاد إلى وطنه،
واشتغل في وزارة الثقافة حتى وافته المنية عام 1994.
كتب سعيد حورانية القصة القصيرة، وبرز فيها ملتزماً بنهج الواقعية الاشتراكية
بحكم التزامه بالماركسية والحزب الشيوعي،
إذ غلبت على حياته مضاعفات هذا الالتزام في عمله وإقامته المتنقلة وسفره إلى
الاتحاد السوفييتي آنذاك،
وعمل فيه أكثر من عقد من الزمن.
وضع سعيد حورانية ثلاث مجموعات قصصية، هي:
1-وفي الناس المسرة- قصص- دمشق 1954.
2-سلاماً يافرصوفيا- مقالات- دمشق 1957.
3-صياح الديكة- مسرحية- دمشق 1957.
4-شتاء قاس آخر- قصص- بيروت 1962.
5-سنتان وتحترق الغابة- قصص- بيروت 1964.
6-المهجع رقم 6- مسرحية- دمشق 1963.
7-القطة التي تنزهت على هواها- ترجمة- دمشق 1983.
(13) كتب عن قصص سعيد حورانية الكثير، ومن أهمها:
- عدنان بن ذريل: أدب القصة في سورية. منشورات دار الفن الحديث العالمي. دمشق
1967.
- نبيل سليمان (وبوعلي ياسين): الأدب والإيديولوجيا في سورية. بيروت 1974.
- محمد كامل الخطيب: السهم والدائرة. دار الفارابي. بيروت 1979.
عضو جمعية القصة والرواية.
توفي سنة 1994

برز سعيد حورانية (1929-1994)(11) قاصاً واقعياً بجدارة في مجموعاته
الثلاث التي وضعها في خمسينيات القرن العشرين وستيناته، وارتقى بفنّ القصة إلى
مستوى عال في احتضان فكرة القصة وتعبيرها الفني المتميز عن تجارب بشرية في خضم
الحياة وضغوطها، وحققت قصصه لدى معالجة موضوعاتها قيماً اجتماعية ووطنية
وإنسانية بقلم فنان ماهر في الصوغ القصصي الناهض بالرؤى العميقة.
وشارك في تأليف مجموعة قصص «درب إلى القمة» التي حوت قصصاً لأعضاء
من «رابطة الكتاب السوريين» وأضاف قصصاً إلى كتابه في أدب الرحلات «سلاماً يا
فارصوفيا»، وأصدر بالإضافة إلى مجموعاته القصصية الثلاث مسرحيتين هما «صياح
الديكة» (دمشق 1957)، و«المهجع رقم 6» (دمشق 1963)، ومجموعة مقالات وقصص، كما
أشرنا بعنوان «سلاماً يا فارصوفيا» (دمشق 1957)، ومسرحية مترجمة للأطفال بعنوان
«القطة التي تنزهت على هواها» (دمشق 1983).
صوّر سعيد حورانية في كتابته القصصية عن وعي المبدع بإبداعه على أن
القصة رؤيا شعرية مكثفة للناس والأشياء ضمن حركية المجتمع نحو مجاوزة شروط
التاريخ الباهظة على الوجود الإنساني لتصبح الحياة ذات قيمة أكثر جمالياً
ومعرفياً. ولطالما قاربت قصصه أمداء الرؤى الشعرية في إدغام المشكلات
الاجتماعية والوطنية بإحساس إنساني راق على أنها قضايا مؤرقة في سبيلها إلى
تحقيق معاني الخلاص في التجربة البشرية الأشمل، وعضد رؤاه الشعرية بالتناص
والاستعارية اندغاماً في شمولية الرؤيا وسعياً لتشرب المنظور القصصي والأسلوبية
مسؤولية الكاتب والتزامه بالمنظومة القيمية المنشودة.
اهتم سعيد حورانية بالمبنى القصصي وغنى إيحاءاته على أنه يضيء جوهر
التجربة البشرية من خلال ضبط المنظور السردي، وتبدى ذلك في إهداءاته وإشاراته
القليلة وعتباته السردية المتعددة، فقد أهدى مجموعته الثانية «شتاء قاس آخر»
لحنا مينة،(12) وخاطبه قائلاً:
«يا من فهمت ماهية الضعف البشري والقوة الإنسانية.. إليك يا صديقي..
أقدم هذه القصص» (ص5). وأشار في مقدمته لمجموعته مخاطباً القارئ أن هذه القصص
جزء من عمره ومن عمر وطنه سورية، وقد منعت الظروف البائسة التي عاشها
الوطن«سنوات عجافاً مظلمة» من ظهورها في وقتها، ونبذ المقدمات، وعدّها نافلة،
لأنها «لعبة ساذجة من الكاتب لخداع القارئ» برأيه، «أما وجه الكاتب الحق بدون
قناعه السابع فهو في إنتاجه» (ص6).
وأهدى مجموعته الثالثة «سنتان وتحترق الغابة» إلى «السنديانة
الصامدة التي ترمز إلى روح شعبنا، هذا الشعب الذي تألم أكثر من كلّ شعب، إليك
يا أبي.. أيها الثائر القديم» (ص5). وواضح من هذه الإهداءات أنها تندغم في
مدلولات قصصه ومبناها الاستعاري.
يتبدى التناص في عنوان مجموعته الأولى «وفي الناس المسرة» وتتعالق
عنوانات مجموعاته مع محتوى موضوعاتها ودلالاتها القصصية، واستخدم العبارات
المفتاحية إلى جانب عنوانات قصصية تثميراً لأبعادها في إثراء العتبات السردية،
كتصديره لقصة «.. وأنقذنا هيبة الحكومة» (من مجموعته شتاء قاس آخر) بعبارة
توكيد يدس من الكتاب الخامس:
«قد تكون مصلحتكم في أن تكونوا أسيادنا.. ولكن كيف يمكن أن تكون
مصلحتنا في أن نكون عبيدكم؟» (ص7).
وترصد القصة نضال الشعب في سورية ضد ذيول الاستعمار الفرنسي ممن
عرقلوا سيرورة السلطة الوطنية حين واجه ضابط راعياً بدوياً بعد أن أطلق عليه
ورفاقه الرصاص وهم في طريقهم لتسليم موارد الميزانية لبعض المراكز في الشمال،
فلاحقه ليعطيه درساً في احترام ممثلي السلطة. ويبتعد سعيد حورانية في بناء قصصه
عن المباشرة والوعظ، فالقصة على سبيل المثال حوار يتمازج مع الوصف لمتابعة
الحدث لاستكمال مكونات التحفيز الواقعي، وألمح لدى ربط الحدث بأغراضه بذكر
حالات التعدي على هيبة الحكومة كقوله:
«وكالعادة حميت الحديدة، عندما علم أن الشخص الذي تجرأ، وتعدى على
هيبة الحكومة هو من جبور الفاضل التي كان يكرهها لسبب غير معروف. وكانت نظراته
للرئيس فيها عتاب شديد على هذه الإنسانية التي جعلت أصابع الرئيس لا تشد على
الزناد في الوقت المناسب، لتخرج الروح النجسة إلى ملكوت السموات، بدون أن يرتفع
رأس بعقال للمطالبة بدمه. وكان في نظرته أيضاً شيء من عدم التصديق بدوافع هذه
الإنسانية، لم يبرزها بشكل واضح يحرج ضابطه، وهذا هو السر الذي جعل كل الرؤساء
يرضون عنه» (ص33).
وتأخذ قصص عديدة بعدها الوطني، إذ يتابع القاص مجريات النضال ضد
الاستعمار الفرنسي فيما يقارب طوابع الأمثولة أيضاً، كما هو الحال مع قصتي «حمد
ذياب» (من مجموعة «شتاء قاس آخر») و«من يوميات ثائر» (من مجموعة «سنتان وتحترق
الغابة»). تتناول الأولى وقائع نفي ثائر من ثوار الجبل وعذابه في المنفى حتى
عودته للوطن ليعين آذناً، على أن الغرض لا يتوقف عند حدود القيم الوطنية، بل
يتعداها إلى كشف عذاب هذا الثائر لدى عودته وتعيينه في هذا العمل الوضيع بعد
عشرات الواسطات، ولكنه لم يتظلم «ومثل ما قال المثل: شو علمك عالمرّ؟ قال هللي
أمرّ منه» (ص76) وختم حورانية القصة بإظهار التأسي إزاء حال الثائر ضمن المنظور
الأشمل:
«الريح لا تزال تعصف بالخارج.. وهسيس الثلج مكتوم أصم، ,الخشب يطقطق
ويطقطق، وينشر دخانه رائحة حبيبة فطرية.. ما أقرب الأبعاد.. ثمة أشخاص يتقدمون،
وصوتهم يطعن قلب الليل كسكين مرهفة.. كان صوتهم ينفذ قوياً عمقاً خلال المصاريع
الخشبية المتخلعة التي كنا وراءها.. كانوا يتحدثون بمرارة شديدة، ولكن كم كان
هذا الصوت حقوداً وقاسياً ومليئاً بالعزم!!» (ص76).
وعالجت القصة الثانية على شكل مذكرات وقائع من قصص الثورة الكبرى في
سورية عام 1925، ولا سيما وصف أحوال الثوار واشتباكاتهم مع المنتدب الفرنسي
وجنوده واستشهاد بعض المجاهدين، ووضع لها عبارة مفتاحية هي قول للورنس من كتابه
«أعمدة الحكمة السبعة» في وصفه لثائر تصدى للجيش الأجنبي، فقد «انحدر وحده عن
قمة الجبل وهو يهزّ بندقيته بغضب في وجه الجيش، وتخطى قاعاً عميقاً فذهلنا أمام
هذا الجنون وكأننا قد صعقنا في أمكنتنا وهو مندفع كالسهم، وجمد الكون من حولنا،
وصمتت الطبيعة، فلم يعد يسمع غير وقع سنابك فرسه» (ص175).
ومهّد للقصة بأن الراوي وجد هذه اليوميات الحية في دفتر صغير لثائر،
ولقد حاول أن يحتفظ ما أمكن بروحها ولغتها، وهي لهجة دمشق ضمن محاولة تفصيحها.
ومدّ أسلوبه في معالجة القيم الوطنية إلى أهمية العناية بالنشء الجديد و تربيته
مثل قصة «ثلج هذا العالم» التي عاين فيها ألم المعلم لدى علمه بقرار نقله إلى
مدرسة أخرى بسبب آرائه غير المقبولة لدى الإدارة، فتقترب القصة من أفق النجوى
تستحضر ما حصل واحتمالاته المتباينة في التأثير في نمو وعي الناشئة القومي،
واستعان بعبارة مفتاحية لسارتر في كتابه «الغثيان» على أنه وحيد، «ولكنه يسير
كفرقة تهبط نحو مدينة» (ص65). والقصة مزيج من وطأة المال على المعلم وتلاميذه
في الوقت نفسه؛ وجاءت الخاتمة مجازاً من وصف الطبيعة تمثيلاً للوصف النفسي
للمعلم:
«الثلج ينهمر.. والأستاذ يبتعد عن المدرسة، نقطة سوداء في المحيط
الأبيض، كان الصقيع يتكسّر تحت قدميه وهو ينتزعهما منه بقوة وعزم» (ص83).
وبنى قصته «شتاء قاس آخر» وفق هذه التقنية المتطورة في ملاحقة وصف
لوحة نفسية واجتماعية عن معنى الصمود أمام تقلبات الحياة وضغوطها المستمرة من
خلال استحضار الشخصية لجوانب من ذكرياتها المرّة، ورمّز لذلك بشجرتي نارنج
وسنديان في حديقة منزل أثناء اشتداد عاصفة شتوية ما لبثت أن انفرجت الأحوال إلى
الربيع. ولا نغفل عن المبنى الاستعاري الشامل للقصة بعد ذلك حين يربط الغرض
بالعتبة السردية المفتاحية في مطلع القصة المأخوذة من كلمة للشاعر هايني: «يا
إلهي ما أطول ليل الظلم، وما أقسى شتاءه» (ص77).
اعترف الراوي في مطلع القصة بحبّه لشجرة الليمون اللطيفة التي تعيش
في بيته، وأكد أنه لم يعقد صداقة مع شيء في الدنيا على مثل المتانة التي عقدها
مع هذه الشجرة. «كانت تشبه أميرة رقيقة من الأميرات اللواتي كنت أقرأ عنهن في
القصص، أميرة حقيقية شامية، تجلس على أريكتها وقد تدثرت بحرير أخضر.. النوافذ
مفتوحة على جبال خضر، والكتاب الذي بين أصابعها النحيلة موشح بضفائر من الديباج
الأخضر تنوس ثم تتكئ في دعة ورخاوة على أطراف معاصمها التي تبرق باللآلئ»
(ص79).
ويوحي هذا الوصف بتعضيد المبنى الاستعاري للقصة لدى المقارنة بشجرة
السنديان المعتادة على مقاومة الشتاء والعاصفة، مما جعل والده يربت بحنو ووجد
على جذعها ثم استدار نحوه، وخيل إليه «أن دمعتين غبراوين كلون السنديانة
تدحرجتا من عينيه الصارمتين فامتصتهما سريعاً تجاعيد وجهه كما تمتص الأراضي
العطشى صيّب السحاب» (ص92).
حفلت غالبية قصص سعيد حورانية بتعاضد المبنى الواقعي والمبنى
الاستعاري إضاءة للمشكلات الاجتماعية والإنسانية لنماذج بشرية تعاني من وطأة
العيش واستشراء الفساد(13) كما هو الحال مع قصتي «سنتان وتحترق الغابة»
و«الخفاش يفتح عينيه»، وتصور القصة الأولى الأوضاع الحياتية القاسية لطفلة
فلسطينية تبيع أوراق اليانصيب منتظرة الرجاء والخلاص من البؤس المخيّم عليها
وعلى والدها المقعد الضرير، أما القصة الثانية فتنتقد الفساد المنتشر، وأما
الحوار فيمتزج بفيض النجوى إلى الشجن القائم والمقيم:
«ومنذ ساعتين وهو يرفع من أشلاء نفسه كُلاًّ عظيماً، لم يصل إلى هذه
العظمة إلا بتجارب تعصر وتقتل وتجعل للحياة معنى. وافهمهما، ولعله أراد أن يفهم
نفسه، أن هذا التمزق الذي يعانيه، سببه أنه أضاع التوازن، بين نفس مسحوقة
وإيمان عميق بالحياة وساكنيها. كيف يناضل الرجل يا أصدقاء؟ أنا مؤمن بأشياء
عظيمة، حياتنا بائسة ويجب أن نغيرها، أتعرفون؟ واستمر يتحدث حديثاً طوباوياً
مدة ساعتين، ومنذ ساعتين أيضاً بصق بصقة حمراء» (ص201).
سعيد حورانية قاص واقعي شديد التميز في التزامه وتحققه لمسؤولية
الكاتب الاجتماعية والإنسانية وفي براعته على صوغ المبنى الاستعاري الذي يضيء
الأبعاد العميقة للتجربة البشرية في رؤية الاشتراطات الواقعية المتشابكة
والمعقدة.
-------------------------------------------------
أضيفت في
01/03/2006/ خاص القصة السورية /عن كتاب القصة القصيرة من التقليد للحداثة
الصادر عن اتحاد الكتاب العرب
   
نماذج من أعماله
   
كيفية
المشاركة
|