أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 11/02/2009

الكاتب: محمد أبو خضور / 1937-2002

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في درعا في عام 1937.

تلقى تعليمه في درعا، وتخرج في جامعة دمشق حاملاً الإجازة في اللغة الإنكليزية، وإجازة الفلسفة، ثم دبلوم التربية. كما نال في بيروت دبلوماً في علم النفس، عمل مترجماً ومحرراً ومشرفاً على  الصفحات الأدبية في الصحف السورية، تولى أمانة تحرير صحيفة الثورة 1981، ورئيس قسم الدراسات في جريدة تشرين، ثم عضواً في المكتب التنفيذي الثقافي في القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي  ثم عمل نائباً لرئيس تحرير جريدة البعث 1982، وأميناً لتحرير مجلة الموقف الأدبي 1981. ثم ترأس فرع اتحاد الكتاب العرب في درعا عام 1990 إضافة إلى عمله في الإذاعة والتلفزيون كرئيس لتحرير الأخبار ومساهماته الإذاعية في البرامج الثقافية في الإذاعة والتلفزيون وله حالياً برنامج كتاب الأسبوع منذ أكثر من سنتين، وكان عضواً في إدارة التقييم للأعمال والنصوص التلفزيونية.

أحيل إلى التقاعد في بداية الشهر السادس 1998.

وهو عضو مؤسس في اتحاد الصحفيين العرب.

عضو جمعية النقد الأدبي.

 

مؤلفاته:

1- عبد الناصر للتاريخ - دراسة - 1971.

2- النكتة الصهيونية - دراسة - دمشق 1978.

3- دراسات نقدية في الرواية السورية - دراسة - دمشق 1981.

4-  فلسفة الردة - ترجمة - دمشق.

5- التصلب في الشخصية - بحث جامعي 1973.

6- الأبيض والأسود- دراسة - دمشق 1979.

7- عطيل وراسكو لينكوف - ترجمة - دمشق 1983.

8- مقتل طائر غريد - - ترجمة - دمشق 1981.

9- المادية المقاتلة بليخانوف  - ترجمة - دمشق 1974.

10- حرب الفلاحين  - ترجمة - دمشق 1975.

11- كومونة باريس- - ترجمة - دمشق 1976.

 

أصدر المجموعات القصصية التالية:‏

12- السماء تمطر تصفيقاً - قصص- دمشق 1993.

13- ليلة المستشار  - قصص- دمشق 1994.

14- قبعة القش - دمشق 1996.

15- أوتار غير مدوزنة - دمشق 1998.

16- الدق على مقام البحر. وزارة الثقافة ـ دمشق 2000.‏

 

من أعماله المترجمة إلى اللغة الروسية:

دراسات نقدية في الرواية العربية.

توفي في عام 2002

نماذج من أعمال الكاتب

الأرملة

الموت

 سينما سكوب

 

سينما سكوب

 

كان مقهى المنشية، الذي تعود أهالي القرية أن يجلسوا مساء فيه، كبير الحديقة بأشجاره العتيقة الهرمة، وكانت أضواء المقهى قليلة مبعثرة تكاد تميل إلى الإظلام.‏

 

في ذلك المساء، كان رواد المقهى يلتصقون بمقاعدهم وتزداد القتامة على وجوههم، وأقدامهم مدلاة بادية من تحت الدشاديش أو العبايات المقلمة، يتثاءبون ويتهامسون ويصفقون لنادل القهوة العجوز.‏

 

سرت همهمات خافتة، ثم ما لبثت تروي كيفية اعتقال ابن الصافتلي في المقهى، وكيف جره رجال الشرطة وحملوه في سيارة جيب أقلعت مسرعة دون أن يُسمح لأحد بمصاحبته، قال بعضهم:‏

 

ـ نصَّاب وسكرجي يستاهل.‏

 

ـ وقال آخر:‏

 

ـ "بكره بيرش وبيطلع".‏

 

وعقّب ثالث وهو يرمي بنرد الطاولة:‏

 

ـ خلينا في صلب الموضوع... أي سيدي شيش ـ دو.‏

 

***‏

 

رائحة القاووش عفنة تعبق برائحة الأقدام وأجساد المساجين تتنفس مساماتها عرقاً زنخاً له رائحة الحموضة المقززة.‏

 

قاووش ضيق لا يتسع حتى للحلم، والوجوه تتمشى الرطوبة في ملامحها، والعيون كامدة.‏

 

ما أن فتح الشرطي باب القاووش، ودفع بالسجين داخله، حتى هب سجين يرحب بالقادم:‏

 

ـ "الحمد لله على رجوعك بالسلامة".‏

 

كان سجناء القاووش يعملون، بعضهم ينحت تماثيل خشبية، وبعضهم منهمك في صف الخرز الملون في لوحات أو محافظ جلدية. وقد انتثرت أمامهم مناديل مطرزة وزهور ورقية.‏

 

ورغم أن التحية كانت قد نفذت إلى أذن السجين العائد، غير أنه لم يستطع أن يحرّك لسانه بردها، إلا بعد أن أمضى شوطاً غير يسير يستعرض القاووش وما طرأ عليه من تبديل.‏

 

كان بعض السجناء يتناوبون على سيجارة مشتعلة وبعضهم كان بين الفينة والأخرى يهيب بمن معه السيجارة.‏

 

ـ "دوّر! دوّر!".‏

 

وكان الدور قد حط على رجل عجوز كانت يداه مشغولتين بصف الخرز، فتناول السيجارة بفمه وهو يغمز بعينه اليمنى للسجين العائد الذي سارع وتناول علبه دخان جديدة من سرواله الداخلي ورماها وسط السجناء الملتفين حول الرجل العجوز.‏

 

عندما استند ابن الصافتلي إلى الجدار تحت النافذة العالية كان انفجار ضحكات في الزاوية المقابلة لها رنين متواصل وفجأة ارتفع صوت سجين شاب يغني:‏

 

ـ "فوِّر يا قدري يما ليلى وأمي ما تدري".‏

 

فقاطعه سجين آخر شاتماً:‏

 

ـ"يلعن أمك.... اسكت وخلّصنا من هالصوت".‏

 

فأجال السجين المغَنّي نظراته في استكانة غريبة في الوجوه الضاحكة قبل أن يعود إلى الغناء ثانية، وهو يشير بإصبعه للسجين الآخر إشارة بذيئة.‏

 

فجأة انطلق من القاووش العربي صوت أجش تشوبه بحة غليظة اللهجة:‏

 

ـ "يا شباب! بكره إفراج عن سليم العيّاش، عقبالكم إن شاء الله. وأملي بالله ما من مسجون إلا فك كربته، وما من مظلوم إلا أنصفه، وما من مريض إلا شفاه من علته، ونطلب من العلي القدير قرار نقل للمساعد الأول قاطع طريق الدخان علينا، قولوا آمين".‏

 

وانطلقت الحناجر الكثيرة الصدئة مرددة: "آمين ـ آمين". وأهاجت النداءات أعصاب الملازم مفتاح مهدداً وهو يلوّح بيده:‏

 

ـ "والله عال يا أولاد الملاعين... طيب عليَّ الطلاق بالثلاثة ممنوع عليكم فورة(1) اليوم.‏

 

*****‏

 

بعد أن أوغلت أيام السجن وفي لحظة صفاء سأل أحمد القهوجي صديقه ابن الصافتلي، عن سبب عودته إلى السجن.‏

 

ـ تلفيق يا صاحبي!... سأشرح لكم، ذلك فيما بعد.‏

 

ـ لكنك تبدو متعباً هذه الأيام!...‏

 

ـ كل إنسان له ظروفه، ولكنني ما زلت أعرف اتجاهات الريح.‏

 

وعندما انسحب أحمد القهوجي كان ابن الصافتلي يغرق في عالمه الخاص، يسبح في غمرة الاستذكار، مخدَّر الحسَّ، يستدعي ذكرى جده الصافتلي الكبير الذي خرج من قمم جزيرة أرواد إلى العالم الواسع، سمع بكل مغامراته في المراكب والسفن وبارات الموانئ، شجاراته مع البحارة. ومواقعة النساء الجميلات في المرافئ العديدة، وإصابته بأمراض الزهري والسفلس والسيلان، أما هو فإنه حبيس هذا القاووش الكريه.‏

 

ظهر يوم يقترب منه أحمد القهوجي ويسأله:‏

 

ـ ماذا قلت؟‏

 

ـ عن أي شيء؟...‏

 

ـ عن استغلال المساعد الأول لنا!...‏

 

توقف ثم التفت إلى مخاطبه، كان عليه أن يجيب، لكن الأمر التبس عليه، وأخيراً وجد نفسه يقول:‏

 

ـ "لا دخل لي".‏

 

ـ "ليست عادتك! أنت الآن لا يرضينك شيء لا الله ولا الشيطان"!..‏

 

ـ "أنا لست مع الله ولا مع الشيطان!".‏

 

ـ "مع من إذن"؟‏

 

ـ "مع نفسي".‏

 

***‏

 

أثناء "فورة1" أخرى اقترب أحمد القهوجي من ابن الصافتلي ودون أن يتفوه بكلمة حاذاه ثم نسق خطواته معه، كان الاثنان يلوذان بالصمت، دارا في الباحة الرملية، وأنس ابن الصافتلي منه استكانة فسأله فجأة:‏

 

ـ "ماذا هناك؟".‏

 

ـ "هناك؟ آه...".‏

 

ثم تردد أحمد القهوجي الذي فوجئ بالسؤال.‏

 

ـ ماذا هناك؟ قل!.‏

 

أعاد السؤال.‏

 

ـ لا أضمن سكوتك.‏

 

أجاب ابن القهوجي.‏

 

احتد ابن الصافتلي وبان الغضب في عينيه العكرتين فهاهو صديقه يعرّض به ودون تردد سأله:‏

 

ـ وهل أفشيت سراً فيما سبق ياقهوجي؟...‏

 

ـ لا! ولكن هذا أمر آخر إذا انكشف فالنقل لسجن آخر هو نصيبنا.‏

 

ـ قل إذن!...‏

 

ـ زنزانة السجن الانفرادي.‏

 

وسكت ابن القهوجي.‏

 

تطلع في وجهه بعد أن توقف عن السير وسأله.‏

 

ـ ماذا بها؟.. ما أمرها؟ احكِ يا رجل! ضاق صدري بك وبسرك!...‏

 

ـ زنزانة السجن الانفرادي حفرنا في جدارها الغربي ثقباً للتفرج على باحة سجن النساء. سينما ـ سكوب حقيقية يا رجل! فرحة بتّطير العقل.‏

 

ـ وماذا تريد مني؟‏

 

ـ لك دور في الفرجة...‏

 

ـ تفتيش!...‏

 

ودخل الملازم والمساعد أول. كان العثور على الممنوعات من دخان أو شفرات الحلاقة أو الصور الخلاعية يعني الشيء الكثير من شطف ممرات إلى شطف المراحيض أو الذهاب إلى الزنزانة الانفرادية.‏

 

تفقد الملازم البطانيات، واللحف المطوية، ثم توقف يعاين عدة الشاي وقد بان الغضب عليه.‏

 

كان نزلاء القاووش وقوفاً، بينما اتكأ ابن الصافتلي على الحائط بكتفه غير مبال.‏

 

التفت الملازم إليه وسأله:‏

 

ـ أين أغراضك؟...‏

 

ـ ....‏

 

ـ أنت يا سجين! ما اسمك؟‏

 

ـ ....‏

 

ـ ألم تسمع يا كلب!...‏

 

ابتعد ابن الصافتلي عن الحائط وتقدم خطوة، خطوتين، ثلاثاً ثم رفس الملازم على أعضائه التناسلية، شهق الملازم كثور ذبيح، وهجم المساعد الأول والشرطي يضربان ابن الصافتلي، وعلا الزعيق والصراخ.‏

 

طقة... طقتان... ثلاث، وانفتح باب زنزانة السجين الانفرادي، ودفع الشرطي بابن الصافتلي داخل الزنزانة.‏

 

بعد أن استعاد توازنه خطا نحو الجدار الغربي وبدأ يمسحه براحتي كفيه، ثم راح يتحسس ببطء تضاريس الجدار برؤوس أصابعه وكأنه يلامس جسداً أنثوياً.‏

 

كان يمرر رؤوس أصابعه بليونة ورقة حتى شعر بنتوءٍ..‏

 

توترت أعصابه، وتركزت كل أحاسيسه في رؤوس أصابعه التي نبشت بسرعة منديلاً ورقياً وبعض أعقاب السجاير، وكان يخالجه فرح طفولي، وهو يبصر بخيوط النور عبر الثقب السحري.‏

 

شد قامته وتطلع... أرسل نظرة طويلة عبر الثقب نحو باحة سجن النساء اللواتي يرحن ويجئن، سمراوات، شقراوات، قصيرات، طويلات، سمينات، نحيفات. توقفت نظراته عند واحدة تدخن وقد انحسر ثوبها عن ساقين عبلتين، فانبعثت الحرارة في جسده، ولم يتمالك نفسه من الهمس:‏

 

ـ يا الله ما أجمل ساقيها!‏

 

احتضن ابن الصافتلي الجدار، وتسارعت أنفاسه، اهتز جسده، وتصلب جذعه ثم ارتخى، لم تعد لديه قدرة على التماسك وهو يرى حركة الأجساد الناعمة أمامه، فهوى على أرض الزنزانة، وهو يلهث كثور ذبيح.‏

1 ـ الفورة: التريض في باحة السجن.‏

 

 

الـمـوت

 

 

أنا أذكر الألوان، أذكر أن جميع الألوان كانت رصاصية، تطلعت إلى الجدران، جدران "البرندا" الواسعة، وفتحات السقف المتساوية الأبعاد، وأشعة الشمس تتساقط من الفتحات، والنافذة الزجاجية العريضة المطلة على "البرندا" والتي تكشف وراءها عن خزانة للآنية الزجاجية تعلوها لوحة زيتية لفتاة تحمل جرة على كتفها وترتدي ثياباً شفافة وخماراً.

وأنا أقف بانتظار أن يطل "قاسم" رأيتها فجأة، كانت تقف خلف زجاج النافذة، فتاة سبحان الخالق لجمالها الحزين ووجهها الخالي من أية زينة، كانت تشير بيدها إليّ، اقتربتُ وفكرت أنني أود الدخول من الباب الذي ينفتح على "البرندا" فسارعت وفتحت درفة النافذة الخشبية وقالت بصوت عذب:

 

- حنفية الماء في الزاوية والنربيش خلف براميل المازوت!

انظر إلى عينيها، فأرى شيئاً كأنه بوادر ربيع، إنها لحظات لا أنساها، عينان من المستحيل أن أنساهما، كدت أقول لها أن عينيها جميلتان، ساحرتان، ولكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة، صدني حزنها الوقور.

جاء "قاسم" كان مسرعاً ويحمل في يده كيساً فيه بعض الأغراض، ظللت واقفاً، قاس "البرندا" بعينيه ثم مشى خطوتين ووضع الكيس على بلاط البرندا، ثم عاد ووقف بجانبي قرب الطاولة الخشبية الكبيرة.

قال:

"سنغسّله هنا"

لم ألتفت إليه.

تابع حديثه وهو يشير بيده إلى الداخل، إلى الميت الذي يرقد داخل البيت:

- "لقد تألم كثيراً أثناء مرضه، هكذا سمعت، لقد استراح".

لم أجب، كنت أتحاشاه، سمعت  أصوات نشيج وبكاء تصل من الداخل، بدت لي عيناها الملونتان كنجمتين تلوحان من بعيد، يخرج من الداخل رجل كهل، في الستين من العمر كما قدّرت من خلال التجاعيد تحت عينيه وعلى جانبي فمه، يقترب، تلعب أصابعه بمسبحة، حباتها من نوى الزيتون، يمشي بهدوء، الكهل يقترب ثم يلقي السلام علينا أنا وقاسم.

يرد قاسم.

- سلامات يا حاج! البقية في حياتكم!

- وحياتك الباقية.

يمسح الكهل وجهه بيده، بعد لحظات قليلة، وكأنه قد أنهى قراءة الفاتحة على روح الميت الذي يرقد في الداخل.

يبادره قاسم بالطلب:

- يا حاج، بلا مؤاخذة. نحن بحاجة إلى شرشف وماء ساخن.

- تكرم، كل حاجة ستكون جاهزة، ولكننا ننتظر وصول بعض الأهل.

يتابع قاسم وكأنه قد تذكر أشياء أخرى:

- والصابون والليفة والقطن.

- مفهوم! مفهوم!

 

يؤكد الكهل ثم يمضي إلى داخل البيت.

يطلب قاسم مني جلب نربيش الماء وربطه بحنفية الماء من أجل تعديل حرارة الماء، أتحرك ببطء فأنا لا يهمني أمر ذلك الرجل الميت.

منذ اللحظة الأولى كرهته، عندما قال لي قاسم صباح ذلك اليوم:

-"لدينا غسيل اليوم"!

كنت أتابع "شادية" في أغنيتها الجميلة "اتعودت عليك".

ينشغل قاسم في تجهيز الأربطة القماشية وتفقد كيس الحناء الصغير، اقترب من النافذة التي ظلت مفتوحة، أسمع أصواتاً نسائية، أميّز من بينها صوتاً له نبرة مبحوحة:

- "مسكين! يامسكين! قللي اعمليلي صحن فتوش قلتللو بس أنت مريض، والفتوش ثقيل على معدة مثل معدتك، ما بعرف كيف قبلت، يمكن ما كان لازم أسمع منه، أكل ثلاث أربع لقم وقام قللي أنا رايح على تختي بدي أنام، وما بدي حدا يزعجني"!

 

 

جلبت (دنيا) كرسياً من الخيزران، وضعته عند قائمتي السرير الذي ترقد عليه جثة زوجها، الألم يعتصر قلبها، كانت تشعر وكأن لهيباً من النار يحرق صدرها. قامت وتناولت زجاجة الكولونيا ورشت وجه الميت الراقد، تطلعت إليه، إنه رجل فقط رجل، ليس زوجها الآن، وليس عشيقها، وليس أي شيء آخر، رجل ميت، وحيد، تقدمت به السن، رجل حنون، (أحست به (دنيا) خشناً صلباً في البداية، ثم بعد ذلك رقيقاً حنوناً، عندما وضع يده على عنقها الأبيض الدافىء ارتعشت، فانحنى وقبلها على فمها، لم تقاوم، فكت أزرار قميصها، وتركت تنورتها تسقط على الأرض وتمددت على السرير، أخذها بين ذراعيه برفق فأغلقت عينيها).

فكرت في زوجها الميت، بعناقهما فيما مضى، كان لها، امتزج بها وامتزجت به، وأصبحا فيما بعد كلاً واحداً. أجمل لحظات حياتها كانت حين تراه يتحدث عن الحر في الكويت عندما عمل في ربط الحديد، أو عن وصفه لشاطىء البحر في بيروت والسابحات والسابحين، وعن أفواج الدجاج المولدة في مزرعة المعلم طوني، كان حماسه وسرده للتفاصيل الكثيرة يمنحها بهجة العيش ويغمرها بفرح كبير، كل شيء كان يدور بينها وبينه كما لو كان بسحر ساحر، ويضحك كثيراً وهو يروي كيف رافق (دنيا) من ساحة الشهداء إلى شارع فوش ثم ركبا سيارة سرفيس إلى الروشة، وكيف كانت مشدوهة وهي تعبر شارع الحمراء وتتطلع إلى التماثيل النسائية في الفترينات الزجاجية، كان يكفي أن ينظر إليها حتى تعرف ما يريد، الأمر الذي كان يجعلها موضع إطراء، تعلمت منه الثقة بالنفس.

يأمره "قاسم".

- "صب الماء!".

ويصب الماء، ويتصاعد البخار. كان الماء ساخناً ويدا "قاسم" تجوسان الجسد المسجى على الطاولة الخشبية، يفرك الذراعين بالليفة، ثم يسوي الشرشف. ويمد يده بالليفة والصابون، يدعك الصدر، ثم البطن.

يناول "قاسم" الماء، يدلقه ساخناً، يتصاعد البخار.

شم رائحة البخار، كان البخار يحمل إليه ميزة خاصة. ميزة يحبها ويعشقها، بخار يحمل رائحة النسوة اللاتي كانت خالته تعالجهن، كانت لهن روائح عطر وعرق، كان صغيراً وكانت خالته تمس بأصابعها أثداء النساء، أثداء مشدودة، وأثداء مترهلة، وكانت عندما تتزحلق أصابعها إلى أسفل الصرة، بعضهن يقرقرن بالضحك، وبعضهن يشحن خجلاً.

 

ذات مرة أخذته واحدة منهن في حضنها، كان طرياً وضخماً، احتضنته تلك المرأة وشم رائحتها ثم رائحة العطر والصابون.

يأمره قاسم:

" صب الماء وأزح الصابون"‍

ويصب الماء يتصاعد البخار يواصل قاسم عملية الغسيل ، يطلب منه صب الماء على الكتفين ينظر إليه " قاسم" وسط الصمت شبه المطلق إلا من صوت قطرات الماء المتساقطة ، وصوت حبات مسبحة الكهل الواقف على مقربة منهما. ينظر إلى بلاط البرندا فيرى فقاعات الصابون تنساب ثم تتجمع قبل ان تغوص في البالوعة .

لايعرف كيف اقتحمت ذاكرته الآن ، كان يافعاً ويجلب لهم الخبز من المحطة عندما مسك بمقبض باب الغرفة ، جاءه صوتها، لا !‍ أرجوك لاتدخل، يتراجع قليلاً إلى الوراء ، ثم يتقدم ويفتح الباب ، تقف عارية ، الصابون يغطيها، يتقدم، تدير ظهرها ، يده على ظهرها، يده في الصابون، تدفعه بعنف وتلتقط منشفة ويخرج ولايعود .

يبدأ قاسم تجفيف الجسد من بقايا قطرات الماء، يفرد قاسم ذراع الميت، يرى ماهر الوشم الأزرق . قلب كبير يخترقه سهم " كيوبيد" سهم الحب، وتحت وشم القلب وشم لوجه امرأة ملائكية الملامح واسم موشوم: "دنيا".

تطلع قاسم إليه، ثم غمزه وفرد الشرشف، رفعه إلى أعلى، تحت الذقن قليلاً، في الوقت الذي تقدم فيه الكهل وهو يحمل قماش الكفن الأبيض..

كانون الثاني/ دمشق 1997

 

 

 

الأرملة

 

كانت السيكارة متوهجة بين أصابعه، عندما دخل والده إلى الغرفة فجأة!

دس السيكارة بسرعة في جيبه، بقيت يده في جيبه، لمس جمرتها بأطراف أصابعها محاولاً إطفاءها، سرى الألم الحارق في عضلات وجهه، تململ في وقفته، تابعه والده بعينيه، ثم تقدم منه، وسأله بهدوء مفتعل:

- تدخن؟

لاذ بالصمت، وكأنه يبحث عن شيء يخصه لكي يتستر به، وجمرة السيكارة تلهب يده وهي تتفتت، كان يرتعش خجلاً، ومشاعر متضاربة تهز كيانه، لم يجب، ومضى والده وتركه لا يعرف كيف يداري خجله ودهشته!.

فاجأته أمه:

- لقد رآك الناس معها في المحطة تأكلان "السندويش".

لم يجب، وهمس لنفسه، "هكذا إذاً! الجميع يعرفون الأمر! خذها يا رجل كما هي! ليكن!".

لقد تعذب طوال فترة الخوف الماضية ولكنه الآن قرر أن يتجاوز كل ذلك، ولو اضطر إلى مغادرة جلده.

إنه مصمم على أن يخرج من دوامة المداراة، إلى الضوء، ضوء المواجهة مع الذات.

عندما يكون معها لا يحس بالناس ولا بالعالم.

ظلت أمه المتورمة من التعب، تقف أمامه، شردت عيناها ونفرت علائم الغضب من وجهها عندما ظل معتكفاً بالصمت غمغمت بتساؤل تتمطى الدهشة فيه:

- "ألم تعجبك إلا أرملة؟".

لم يجب ومضت أمه تحمل معها تساؤلها ودهشتها!.

لم يكن معه إلا جده العجوز، منذ البداية أحس أن جده يقف صامتاً إلى صفه، مذ سهرا في تلك الليلة الطويلة وتحدثاً، ضحكا، تسامرا، شربا "المتة" معاً، في تلك الليلة قال له:

- "سمعت عن علاقتك" ثم توقف قليلاً ليتابع "لا أريد أن أزجي النصائح، ولكنني بأعوامي الثمانين أقول لك، إذا كنت تحبها، وهي تبادلك الحب فقاتل العالم من أجلها!".

عندما يدخل الليل يبدأ مسامراته مع جراحه، من أجل أن ينفض عن روحه وجعها، كان على قناعة بأنه لا فجر يشرق إلا من ضحكة عينيها.

قام في تلك الليلة يتفقد صنبور الماء في الحديقة، مر خفيفاً بالقرب من نافدة غرفة والديه وكان الضوء ينبعث خفيفاً، كان البرغش يشكل دوامات متداخلة حول المصباح الخفيف، وكانت هسهسة الصراصير تتداخل مع صوت والده:

- ولكنها أرملة يا امرأة!

انحشر في مقعد جانبي من مسرح بصرى الأثري المفتوح غير آبه ببرودة المساء، وكانت بجانبه تحتل المقعد الحجري، فرحة وصغيرة مثل غيمة من المطر، تطلع فرأى عيون المعارف تتمركز عليهما، والرؤوس تقترب بعضها من بعض، وخمّن أن التهامس يدور حولهما، انشغل بالمطربة وهي تقف على المسرح وتشد عروق عنقها، لا يعرف لماذا قام فجأة، مد يده وشدها، قامت وهي تتساءل:

- إلى أين؟..

- نخرج لنشم الهواء، أكاد أختنق هنا!..

كانت شوارع بصرى ملك اليدين، ورغم ضيقها شعر بها فسيحة رحبة، وكان هواء الليل الرطب الواعد بأشياء طيبة يمخر رئتيه.

سارا في الطرق ذات الأقواس الحجرية والسراديب المليئة بالحكايات والأسرار وهما يعودان نحو القلعة قالت له فجأة:

- "أنا امرأة أكبر منك بخمس سنوات!".

كانت تتنازعها رغبة في أن تفر منه بعيداً، ورغبة في أن تظل قريبة منه، وتضمه إلى صدرها.

أجاب دون تردد:

- "لا تهربي مني! ابقي بجانبي فأنا بحاجة إليك".

كانت البيوت ساكنة، ومن شقوق الأبواب والنوافذ الخشبية تتسرب بقع الضوء.

توقفا في الساحة أمام القلعة الهائلة، وكان صوت فيروز المخضب بالعطر يضفي مهابة وجلالاً على المكان كله.

صباح اليوم التالي أفاق وحيداً مسكوناً بالتعاسة والأسئلة.. كيف لا يأتي إليها وهي تقول له في كل نظرة من نظرات عينيها "تعال إليّ"!

هو غير مقتنع بطلبها أن يبتعد عنها، يصعب عليه أن يبقى في متاهة التردد، تعب من أن يبقى مقهوراً.. عندما التقاها فاجأها بالقول:

- "تعالي نسافر إلى مدينة أخرى"!

علت شفتيها ابتسامة حزينة عبّرت عن عمق مشاعرها، وشمس النهار الدافئة تنسكب داخل اعطافه وهو يحتضن كفها الصغيرة، شعر بنفسه ينساب داخل دائرة عميقة من العيون.. عيون ذئبية، عيون غير حيادية، أعاد السؤال:

- "ماذا تقولين؟".

احتواها شعور غامض فيه من الرغبة أكثر من الخوف، أحست بضعف في مقاومتها، تذكرت أحلامها وحاولت جاهدة لملمة شتات قواها، لا شيء يقف الآن عقبة في طريق حلمها، أن تستقر في كنف شاب يحبها، ولكن صوتاً في داخل أعماقها كان يفح:

"لنضع خاتمة لهذه القصة"!.

تحدثت عن معارضة أهله، وعن الفرق في العمر وعن... ولكنه أعرب لها عن عدم اهتمامه بكل ذلك... كانت نبرات صوته مليئة بتوق، ليس من صدق أبداً إلا هذا الصدق العاري والعذب، عذوبة حرية لا نهاية لها. لجت بها رغبة لاعجة أن تعرف مرة أخرى رقة شفتيه، وبهجة ملمس وجهه، وشعرت بنشوة الأنثى المرغوبة من رجل.

وضجة الناس والباصات في "الكراج" تصل إليهما، أحست به كعصفور طليق، يجيء إليها من خوفه، من حرائقه، لكنها لم تشعر إلا وهي تقول له:

- "دعنا نحتفظ بذكرى هذه العلاقة التي صنعها الحب"!

في منعطف جانبي كانت تقف بجانبه مرتعشة، ودعتّه ومضت، وأحس الفراغ، فقد كان وجودها إلى جواره يملؤه بعمق الحياة وغنى الأنثى العذب، وهي تبتعد عنه، أحس وكأنه يسقط في بئر لا قرار لها، في لحظة كاد أن يرفس أقفاص الأشجار وأن ينقض على واجهات المحال يدمّرها ولكنه أحس بنفسه ينصاع بصمت ويمضي وحرقة تنداح في الحلق فتضرب الصدر ثم القلب ثم الجسد كله.

 

أضيفت في 14/12/2008/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية