أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: ماري رشو

       
       
       
       
       

 

أول حـب… آخر حـب-رواية

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

ولدت في اللاذقية 1942.

تعمل أمينة سر لفرع اتحاد الكتاب العرب في اللاذقية.

نشرت قصصها الأولى في الصحف والمجلات السورية.

فازت بجائزة الرواية لأصدقاء دمشق، وجائزة مهرجان الأطفال في القاهرة عام 1996.

عضو جمعية القصة والرواية.

 

مؤلفاتها:

1-قوانين رهن القناعات- قصص.

2-وجه وأغنية- قصص.

3-هرولة فوق صقيع توليدو- رواية.

4-عند التلال- بين الزهور- رواية.

5-الحب في ساعة غضب- رواية.

6-توليدو ثانية- رواية.

7-كلمات في صحيفة مهملة- قصص.

8-أول حـب… آخر حـب- رواية

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتبة

هو ...وليلى

كأننا لم نفترق

الطائر الذي أراد الحياة

أجمل النساء 

الزوجة والبحر

الحافلة الجميلة

نظرات ليلى الحزينة

لن أشعل النار ثانية

 

أجـمل النسـاء

 

يستعيد خالد تفاصيل ما حدث، ذات يوم. كان مدعوّاً إلى حفلة أقامها لـه الأصدقاء، وقبل أن ينهض الجميع معلنين انتهاء السهرة. كانوا قد تحدّثوا في أكثر المواضيع أهمية. استعادوا تاريخ المنطقة، وما يحدث في الجنوب، فكان لأطفال الحجارة نصيب، للمقاومة وللشهداء نصيب، ولم يفت الحاضرين الحديث، عن حقّ سيعود إلى أصحابه، إن عاجلاً أو آجلاً، فهناك من يقدّم ذاته فداء لكل شبر من أرض الوطن.

كان خالد ضيف السهرة، ومحطّ اهتمام الحاضرين، فإلى جانب ما يربطه بأكثرهم من صداقات، يحمل فكراً واعياً، وهمّا وطنياً، ويحلم بزيارة معالم المنطقة، والتعرّف عن كثب على المواقع المتضرّرة، وما ألحق بها من تدمير.

حين نهض الجميع، دعته منى للمبيت عندها. شدّت على يده برغبة وثقة. تلك اللحظة طاف بنظراته فوق الوجوه، وجدهم متحمّسين، فمنى امرأة مضيافة لا يخلو بيتها من الأصدقاء المميّزين.

لم يكن خالد يدري ما يفعله، وهو ينساق وراءها بجسدها الممشوق، وشعرها الكستنائي المنسدل. شعر بنشوة وهو يسير بتلقائية، ولا يتجاسر على التفكير، فلم يسبق أن دعته امرأة للمبيت عندها، بهذه الثقة والعلنية والوضوح.

صعدا الدرج إلى الطابق الثاني. ابتسم حين التقت عيونهما، كانت تدير مفتاح الباب وقد رفعت كفّها الأخرى تلامس كتفه تحبّباً. شعر بقشعريرة، وتابع الخطا بذهول.

بدا المكان واسعاً، وزعت فيه الأرائك، ومقاعد خشبية ومنضدة، وفي إحدى الزوايا برّاد قديم الشكل. تركته منى وهي تشير إلى أنها ستغيب قليلاً، وعليه التصرّف بحرّية ريثما تجهز غرفة النوم.

خفق قلبه. نهض. دار في مكانه، فهو لا يدري ما يفعل. مسح رأسه. استطاع استراق نظرة من زجاج النافذة المغلق. هل يبدو وسيماً؟ اكتشف أنه لا يقوى على التفكير، أو أن السهرة استنزفت كل قواه. هو لا يريد أن يفكّر، لا يريد أن يحسب، فهي ستعود كما قالت، تذكّر أصدقاءه في تلك السهرة. هم شجّعوه على مرافقتها. توقّف فجأة عن التفكير.

فتح زجاج النافذة. عبقت رائحة أشجار الصنوبر. كان الليل يزحف، وضوء قمر يتسلّل خلف غيمة. تحرّك نحو البرّاد. فتحه. كان فارغاً. أغلقه. ثمّة شعور كالخدر يعبر جسده. إنه مشتاق للحب، لمعانقة امرأة. تذكر نصيحة أصدقائه، منى ستحتفي بك! بالأمس كان حامد وقبله زياد، وغيرهما.

لم ينمّ عن البيت همسة واحدة. كل شيء يوحي بأن منى تعيش بمفردها. تلك اللحظة عصفت به الرهبة. هل يكون فخّاً؟ تذكّر الطريق المؤدية إلى البيت، كانت متفرّعة عن الشارع العام، وسط غابة الصنوبر. لم يجل بذهنه خاطر. كان مأخوذاً بسحر الطبيعة في ضوء القمر، وبرفقة امرأة واثقة تضجّ بالأنوثة والجمال.

سمع خطواتها. ارتبك. بدت تسبقها ابتسامة. خفق قلبه بشدة. وارى بصره. استطاع التقاط تفاصيل جسدها تحت قميص النوم المنسدل، بذلك سيتخيّل أكثر مساحة من فخذها الأبيض الذي ارتسم بشكل مغر، تحت القماش الناعم.

فوجئ بها تقول بطريقة لا تخلو من الجديّة:

-لابدّ أنك تعب. باستطاعتك النوم متى تشاء. لقد جهّزت لك الغرفة.

نهضت والابتسامة لا تفارقها. قالت:

-نلتقي صباحاً. اتبعني لأريك مكان نومك.

ولج الغرفة. أقسم أنه لم ينم تلك الليلة. كان يعدّ نسمات الليل، وثواني الساعات، وكان ينتظر حدثاً ما. حاول الاستلقاء، غير أن جملة من المشاعر والأحاسيس تربّصت به، وجملة من الأفكار تصارعت في رأسه وأعماقه. كانت اللحظات تمر، وكأنه ينهض في كل لحظة من إغفاءة طويلة. من هذه المرأة؟ من هو؟ لماذا تورّط في ليلة كهذه؟ وهو الذي غادر بلده ليجد الراحة والسلام. من دفعه لهذا المصير؟ لماذا يجتاحه القلق والأرق. ضاقت الغرفة به. نهض. خرج. ألقى نظرة على الأمكنة. تفحّص كل شيء، النافذة المطلّة على ساحات الصنوبر. السماء بنجومها المتلألئة. غيمات تغادر باطمئنان. القمر يرحل، وهو يقتعد ويطيل التفكير والنظر.

كيف يخرج ممّا هو به؟ هو لا يريد شيئاً. يريد أن يغفو. أن يرتاح. لكن.. لماذا يعتقد بقدوم منى إليه؟ قدومها كأنثى. إنهما رجل وامرأة، وحيدان. لم لا يكون الشيطان ثالثهما؟ لابد من ذلك؟ ستأتي. فقد خالجتها مشاعر وأحاسيس مشابهة. كان غارقاً في التأملات حين اكتشف أن لكل شيء من حوله صوتاً. للجدران. للأرض. للمقاعد. خطوة إثر خطوة، ومضى قسم كبير من الليل، لكن منى لم تأت.

أقسم ثانية أنه لم ينم، وحين خرج من الغرفة صباحاً، تأكّد من حركة في البيت قد حدثت. كانت سلّة من الورد الجميل فوق المنضدة، وكانت اللمسات واضحة فوق الأرائك والمقاعد، وحين نظر إلى البرّاد شعر بالعطش. هرول يفتحه، وجده مليئاً بالأطعمة والفاكهة. أغلقه مجفلاً. التفت نحو الصوت القادم. كانت منى مليئة حيويّة وهي تلقي عليه تحيّة الصباح، لاحظ تورّد خديّها. اكتشف أنها غفت باطمئنان طويلاً. قالت:

-هل نمت جيّداً؟

أجاب بارتباك:

-طبعاً.

قالت بثقة:

-هنا ينام المرء ملء جفنيه.

-أجل. أجل.

نادت أحد الرجال لإحضار القهوة الجاهزة، وخلال دقائق تسنّى لـه مراقبتها. كانت جميلة، نقيّة البشرة، وكانت أشعة شمس دافئة تغزو المكان، حين اكتشف ولأول مرّة نظرة أسى في عمق عينيها، فقال متشجّعاً:

-أرى حزناً في عينيك؟

رشفت قهوتها. تنفّست بعمق. قالت:

-هكذا يقولون لي. لكني لا أشعر به، وربما أعرف أسبابه.

حافظ على دهشته، وتلهّف للاستماع، فبدا منصتاً، وهو ينظر إلى عينيها. تابعت:

-السبب يا صديقي.. أنني وحيدة أخوتي الذكور الأربعة الذين يقطنون في الخارج.

صمتت برهة. فتساءل بهدوء، وقد رسم ابتسامة فوق وجهه:

-هل يسبّب هذا حزناً؟

-أجل. حين يقف ذلك عثرة في طريق اخترتها بصدق وإيمان. لكن. دعنا من هذا الآن.

-كما تشائين.

حلّ صمت قصير. تذكّر خالد ليلته الطويلة. تململ. سألها بتهذيب واضح قائلاً:

-هل يعيش أحد معك؟… أقصد. من جلب الورد؟ و…

ضحكت. قالت:

- رفاقي!

- أين هم؟

- في أول طابق من هذا المبنى.

تابعت بعد صمت قصير:

- المبنى كبير، إنه إرث من جدّي.

مضى الوقت سريعاً. كان خالد يفكّر بمنى. لم تكن تتعدّى الخامسة والعشرين من عمرها. جميلة، وربما ثريّة. لكنّها حزينة لسبب ما. كان مصرّاً على الخوض ثانية. قال:

- أعتقد أن أخوتك يحبّونك كثيراً!

- وأنا أعتقد هذا.. قصّتي تشبه الدبّ الذي قتل صاحبه، لقد كلّفتني محبّتهم ثمناً غالياً.

تساءل بلهفة:

- ثمن ماذا؟

أجابت بلا تردّد، وقد ازداد الأسى بعينيها:

- بقائي حيّة.

قال بذهول:

- لم أفهم؟!

لنترك هذا الآن. ألا تريد الإفطار؟

كان يمضغ اللقمة بصعوبة. شعر بأنه يعيش لغزاً. أخذ يستعيد كلمات أصدقائه. يعيش لحظات المساء والليل. يستجمع قواه ليعرف ويدرك، وقبل أن ينتهيا من الإفطار كانت منى تتحدّث وتسهب، فهي لم تفكّر منذ ذلك اليوم بما كان. ما تذكره أنها كانت مهيّأة لكل شيء.

حفظت المواقع والطريق. كان جسدها وعقلها متّفقين. كان عليها أن تتّجه في الصباح الباكر. تقود سيّارتها المفخّخة. وتتّجه إلى ذلك الموقع الذي رسمته مئات المرّات، وحفظت خطوطه ومعابره، وهناك تفجّر نفسها، وتفجّر مزيداً من مواقع العدو.

تمتمت:

-أشعر بأنني في عالم آخر. أتحدث وأضحك وأفكر.. لكن جسدي ليس لي. ليس معي، وكأنني مت ذلك اليوم.

ظلّ مشدوهاً. كانت يداه تتقلّصان وهو يعيدهما إلى حجره، وقد تيبّست الحروف فوق شفتيه، ومنى تتابع:

-إنهم أخوتي.. تدخّلوا في قراري. استطاعوا التأثير على المعنيين بالأمر، وإثارة الجانب العاطفي، لأني وحيدتهم الغالية، فاستبدلت في الساعات الأخيرة بزميلة، كانت تنافسني باستمرار على الاستئثار بشرف الموت والشهادة.

تابعت وقد شردت قليلاً:

-تلك الفترة دخلت في صمت طويل. لم أكن أريد الحياة. كنت –ودون أن أدري- أرفض المتابعة، والاستمرار، وكأنني أهجم على الموت. أسترد أرضي وكرامتي.

كان خالد مستغرقاً ومشدوهاً، حين سألته وفوق وجهها ملامح الجد:

-إنني منى.. الشهيدة الحية.. ألا تعرف هذا؟

أقسم أيضاً.. إنها أجمل النساء، وإن الهالة التي أحاطت بوجهها وأغفل عنها منذ المساء، وجدها في عيون أصدقائه، فهي منى.. التي تابعت مهمّتها، ورفضت التراجع. إلى أن استشهدت وهي تعبر أرضها السليبة. لكنها أيضاً لا تدري كيف عادت لتحمل شرف البقاء والاستمرار.

كان صوتها يتسلّل إلى كل خلية في جسده (إنني منى.. الشهيدة الحيّة.. ألا تعرف هذا؟)

ردّد بوجل:

-أجل يا سيّدتي… لن أنسى هذا أبداً.

عبق المكان برائحة الصنوبر، وكانت النسمات تتوالى بفرح.

مازال خالد يستعيد ما حدث، وذكرى ذلك اللقاء، تجعله أكثر عشقاً وهياماً، بامرأة ليس كمثلها بين النساء.

 

 

 

الطائر الذي أراد الحياة

 

ها هو يوم آخر. نهضت بعد أرق الليل. تحركت كما في الأمس. احتسيت القهوة. ارتديت ملابسي، فتحت الباب، وخرجت.

مشيت كما في كل يوم. أحياناً تحت المطر، وأحياناً بلا مطر، قد يكون برد أو حر، أرى وجوهاً مبتهجة، أو بلا صفات، أتجاهل كل أمر، لا فرق إن أزبد البحر أم أمطرت السماء، إن زلزلت الأرض أم سكن الفضاء، ففي منطقة ما من الداخل يوجد مؤشّر يعيد الأشياء إلى الصفر أو النقطة التي تبلّدت عندها الأحاسيس وانعدمت الأحلام، فالأمور في طريقها إلى الحقيقة حيث يتحول إلى كل شيء إلى لا شيء.

كان الشارع مكتظّاً بالناس، بعربات الباعة الجوّالين، أطلت النظر نحو البعيد، كل شيء مسطّح، الأبنية والأشجار، الأعمدة والجدران، سكينة تخترق الطريق، أقدام متعبة، رؤوس منكّسة، المسافات بعيدة، والنهايات واحدة، وأنا نقطة في بحر الحياة، أتحرك مستسلمة للآتي، للقادم، مذ ماتت الأسئلة وتوقف البحث، أمشي، أكرر الأرقام، وراء كل خطوة، واحدة، اثنتان، ثلاث، أعود ثانية إلى البداية، أعدّ، أعدّ، لا شيء يجدّد الحياة، كل الأمور تصب في بوتقة واحدة، كل الناس نحو هدف واحد، الجائع والمتملّق، الصغير والكبير، كل شيء بعيد عن الجمال، اختلفت المعاني، الحب والحاجة والأهداف، تعدّدت الأسباب والمنطلقات، لا شيء يستحق التفكير، لا شيء يستحق الاهتمام.

في غمرة ما أنا به، سحبني صوت ارتطام على الأرض، ملت بلا مبالاة، وجدت طائراً يتخبط وقد فرد جناحيه وكأنه في النزع الأخير.

هبطت بطريقة لا شعورية، حملته، عدت أدراجي نحو البيت، نحو صنبور الماء، وبأصابعي نقلت القليل إلى جوفه، ربما ينتعش أو ينفي مظاهر الموت، غير أنه مات.

عدت للطريق ببساطة، للفراغ الطويل، لا يعنيني أحد، أو مكان، قدماي وعيناي تعرفان الطريق، اكتشفت بأنني لا أعرف التفكير أو أنني لست مهيأة لذلك، وخلال ومضة فوجئت بالسؤال القديم، ما الذي شتّت ذهني؟ أو ما الذي بعثر مشاعري؟ لماذا غادرني الشوق؟ لماذا احتلّني الضياع؟ استغربت، إذن أنا أبحث عن سبب، وهذا يعني تأشيرة خروج من الحالة المزمنة التي أعيشها، أبحث عن شيء لا أدري ما هو، لكنه موجود في مكان ما، في زمن ما، غير أنه لا يشبه ما أنا به في شيء.

كانت السماء مغبرة قليلاً. إنه الغروب، غروب الصباح، مثلما تغرب شمس النفوس، وشمس السماء، الناس والطبيعة متآزران، فكرت، هذا مزيد من التشاؤم، سأفكر بأشياء مختلفة تزاحمت الصور في ذاكرتي بسرعة، متسوّلة تحمل طفلها وهو عاري الرأس والقدمين، طفل آخر يسأل العون، فتيات يتسكعن بوجوه مصبوغة، رجل يحتج على فواتير الهاتف والكهرباء، خادمة لا تتعدى العاشرة من عمرها، سمسار يمتطي سيارته الفاخرة.

أبعدت الصور عن عيني، ذلك لا يعنيني في شيء، أن يسقط عامل من طابق عاشر، أو يموت جاري بمرض عضال، أن أصل إلى القمة أو أسقط إلى الهاوية، أن تدّق الطبول أو تقرع الأجراس، كل الأمور تنتهي أخيراً، يطويها الزمن والنسيان، ربما كانت في استمرار، غير أن اللحظة تختلف، تتبدل وتتغير، تحمل الجديد، نهاية لشيء، وبداية لآخر، تتكرّر الأحداث، لكن بصور وأزمان وحقائق مختلفة، قال لي أحد الزملاء يجب الابتعاد عمّا هو مؤلم، يجب أن نتذكر ما هو جميل، فكرت بالنسمة التي كان لها فيما مضى فعل السحر، والكلمة التي تحمل أعذب الألحان، كان كل شيء عذباً فأرى نفسي منخرطة مع الآخرين، في الفرح والحزن وأكتشف في كل مناسبة ما في أعماقي من حب وعطاء، وأتلمس في لحظات الهدوء سعادة هي في جلب البهجة إلى المحيط، وإزاحة الأسى، ومقدرة على المشاركة وأنا مشحونة بالثقة والأمل.

هاجمتني صورة الطائر الذي مات، شعرت باللامبالاة، انتقلت إلى غبرة السماء التي ملأت مساحة عيني، إلى الحر المشتّد، صدح صوت بائع الغاز، بائع الحظ، وقعت عيناي على ملصقات الجدران، مطرب وراقصة، متوفّون، لافتات، أشحت ببساطة، كانت قدماي تتجهان نحو مقر عملي، لا أحمل ذكرى أو أفكاراً.

دخلت الغرفة كالعادة، الجو مكتظّ بدخان السجائر، قرقعة أقداح القهوة، ردّت إحدى الزميلات تحيّة الصباح، تساءل آخر عن تأخري، نظرت إلى ساعة الحائط، ببساطة، جلست ألملم بعض الأوراق، وخلال دقائق كنت أشغل نفسي بالعمل.

بدا الجو ساكناً، للعمل نكهة العدم، كما لعقم الأيام، كل الأشياء متشابهة، الليل والنهار، الدقائق والساعات، أشياء تشبه التعوّد والتكرار، تشبه الملل، يتساوى الرفض والقبول، الحب والكره، التوقّف أو الاستمرار.

في تلك السكينة، التقطت عيناي شيئاً ما يعبر خلف النافذة، رفعت رأسي، كان طائر يروح ويجيء، ذكّرني بطائر الصباح، وبطريقة لا شعورية رحت أراقبه، كان مختلفاً، يبدو قوياً، يطير بحركة دائرية، يعود في كل مرة إلى الشرفة المطلّة على الغرفة، يخفق بجناحيه، فيبدو وكأنه يشارف على السقوط، غير أنه يصرّ على المحاولة والطيران من جديد بطريقته الهندسية اللافتة، وخلال ثوان هيِّئ لي أن مصيره قادم كما حدث للآخر، فكرت ببساطة، لماذا تموت الطيور هذا الصباح؟

نهضت. وقفت عند الباب. جذبتني حركة في أرض الشرفة، حدّقت، كان فرخ طائر صغير فقد التوازن، يتمايل بجناحين، ملأهما ريش أسود ناعم، بدا في حركته وكأنه يستجدي العون، ارتجف فجأة وقنط، كنت قد فتحت الباب وهممت بالخروج، نقلت نظري بينه وبين العش المبني بدقّة في الأعلى وبين الطائر الذي مازال يدور في الفراغ، كان رأسي يعمل بسرعة، وقد تجسّد المشهد لعيني، بيت وأسرة، أم وأطفال، راقبتهما لحظات وأنا مكتوفة الأيدي، كان الطائر يذهب في رحلة أمتار ويعود إلى الشرفة، واثقاً جريئاً، يرخي جناحيه فوق الصغير، يرفرف بقوة ويعود إلى البداية، في حين سكن هذا، والتصق بالأرض ليبدو أقل حجماً، برأسه المتمايل، وريشه الموزع بدقة، وجسده الضئيل المنكمش.

بدا الطائر مصرّاً حتى النهاية، وهيِّئ لي بأن المشهد قد طال، خاصّة وهو يعود في كل مرة أكثر جرأة وقوة. كان جميلاً بريشه الأسود اللمّاع، بجناحيه المصفّقين، وبإصراره، كأنه يريد شيئاً، أن يقوم بفعل ما، مازال الصغير في أرض الشرفة، يرفع رأسه إلى الأعلى ينتظر شيئاً، يصفّق بجناحيه الصغيرين، ويراقب الطائر الذي يتعمّد الدوران فوقه، قبل أن يعود ويكرّر المحاولة من جديد.

أتاني شعور أن الطائر في مأزق، ويقين بأهمية ما يقوم به. وجدت نفسي أغوص في التساؤلات، وخلال ومضة، دفعني شعور غامض نحوه، إنه يطلب المساعدة، بل إنه يريد الحياة، له هدف، وطريق، وبداية واستمرار، ودون أن أدري شعرت بشيء يهزّني، شيء يدفعني للمشاركة، اندفعت، هبطت نحو الصغير، وضعته فوق كفي، كنت أرتجف وأنا أهمس له بالاطمئنان، وأبسطه إلى الأمام مواجهاً للطائر المحلّق، وكأنني نقطة في مسيرته المرجوّة، انتظر اقترابه بتحفّز مشوب بالرهبة.

ازدادت السرعة فجأة، ضاقت الدائرة، اتجه الطير نحو راحة كفي، اقترب، لامس جناح الصغير، ابتعد ثانية ليعيد الكرّة من جديد، خفق قلبي بشدّة، شعرت بأنني نقطة الوصل، كل شيء في أعماقي يتدفّق، يأمل، تقلّصت أصابعي، تململ الصغير، وقف، رفرف قليلاً، اقترب الطير للمرة الأخيرة، لامس أصابعي بجناحيه، مال نحو الصَّغير الذي رفرف بقوة، ثم اندفع يلحق بالطائر بين دهشتي، وما حملته خلال الدقائق القليلة.

حضنت كفي، شيء في أعماقي يتدفّق، شيء أكبر من الدهشة والإعجاب، شيء يشبه الوجل، لم أكن أسمع شيئاً آخر، كان قلبي يخفق وهما يبتعدان، تلاحقهما عيناي بحب، كل الأشياء جميلة، السماء والشجر، الأرض والبشر، شعرت بالبهجة، حملت أشيائي وعدت، طالعتني الابتسامات العذبة، الآملة، تلك اللحظات، مرّ شريط طويل من الذكريات، بما فيها الحب والأمل، الحزن والشقاء والفرح، شعرت برغبة الاستمرار، برغبة المتابعة، كان لي قدرة على الطيران والتحليق، نظرت إلى الجميع بحب، وابتسمت.

 

 

 

كأننا لم نفترق

 

قبل أن أحتسي القهوة، شعرت بوقع خطوات تتوقف، أتاني صوت نسائي بطريقة أقرب للتمني منها للسؤال:

-هل أستطيع الجلوس؟

قلت وأنا أرفع عينيّ عن محتويات حقيبتي:

-طبعاً.

جلست بهدوء وهي تضع قدح القهوة أمامها، لاحظت ابتسامتها، وعينيها اللتين تشعّان ببريق، أضفى على وجهها الأسمر الممتلئ، مسحة من الجمال.

جلت ببصري فيما حولي، كانت الاستراحة تغصّ بالمسافرين، حركة متواصلة سريعة مسافرون إلى دمشق، عائدون منها، وجوه متعبة، أجساد مرهقة، الوجوه تبتسم، بعض آخر قلق. عدت إلى المرأة، كانت مكتنزة، ترك الزمن بصمات فوق الوجه، كانت عيناها لا تفارقان وجهي. لاحظت رغبتها في الحديث، في السؤال. تعمّدت تجاهلها، فقد مللت من السفر والمحطات، من الأسئلة والأحاديث، فالسفر منذ الفجر الباكر أرهقني، في كل الأحوال، هي مسافرة عابرة، تجمعني بها المنضدة الواحدة، بين الضجيج والحركة، والصمت الذي أطبق علينا.

بدت المرأة مرتبكة. ملت برأسي جانباً"، فلكل همومه، ومشاكله، غير أنها سحبتني من الهدوء. الذي كنت بحاجة إليه قائلة:

-هذا الحر مزعج!

عرفت أن الحديث موجه إليّ، قلت بتكاسل:

-أجل!

تابعت قائلة:

-الحر في دمشق مقبول. أنا أحب مناخ دمشق، أما اللاذقية ورطوبتها؟ يا إلهي كم هي مزعجة!

قلت أصطنع اللطف:

-الحق معك.

اعتقدت أن الحوار انتهى، غير أنها سألتني بجدّية، لا تخلو من الاهتمام قائلة:

-هل أنت من دمشق؟

قلت باقتضاب وأنا أحاول إخفاء ضجري:

-لا.

بدا الانشراح في نبرات صوتها، قالت:

-أنا أيضاً لست من دمشق، كنت أقيم مع زوجي وأبنائي في الخارج، والآن في دمشق بسبب العمل.

أنهت حديثها ورمقتني بنظرة، وكأنها توحي لي بتفاصيل أوسع، كان عليّ الهروب من حديث لا أرغب فيه في وقت كهذا، أخرجت بعض الأوراق من الحقيبة، فكّرت بكل ورقة، ورحت أحسب الوقت الذي كلّفني لتصديقها. تذكّرت سائقي سيارات الأجرة. شعرت بالامتعاض لعنت العدّاد الذي خرّب ضمائر السائقين الذين يمارسون الشطارة على الغرباء.

أعدت الأوراق. كان قدح القهوة يشارف على الانتهاء. نظرت إلى الساعة. تململت.

ألقيت نظرة فيما حولي. التقت عيناي بعيني المرأة التي ابتسمت. بادلتها الابتسام. فكرت بالنهوض والتحرك نحو الباص. غيّرت رأيي إذ وجدت السائق غارقاً في صحن طعام أمامه، بينما انهمكت يداه بتقطيع رغيف الخبز.

شغلت نفسي بمراقبة الآخرين. امرأة مسنّة تراقب الرجل المسنّ الذي يجلس قربها شذراً، بينما هو يتابع بعينيه المتهدّلتين إحدى الصبايا العابرات. ضحكت في سري. قفزت طفلة تلاحق ولداً يقاربها في السن وهما يتضاحكان. كان المشهد ممتعاً حين سحبتني المرأة من تفكيري. وقد حمّلت السؤال مزيداً من اللهفة قائلة:

-هل أنت ذاهبة إلى دمشق؟

أجبت على عجل:

-لا.. إني عائدة منها.

-أنا عائدة من اللاذقية. كنت بزيارة لإحدى قريباتي.

هززت رأسي في اللحظة التي تابعت متسائلة:

-من أين أنت؟

نظرت إليها ملياً ثم قلت بنزق:

-من اللاذقية.

لاحظت تبرمي، لجأت إلى صمت قصير، أعقبته بحركة من يدها وهي تتأفف، وفجأة بدت وكأنها قرّرت الحديث، سألت:

-إذن أنت من اللاذقية؟

لم أجب، غير أنها أصرت على المتابعة:

-لقد عشت في اللاذقية بضع سنوات. كان هذا قبل ثلاثين عاماً.

هززت رأسي. بدت محبطة. غير أنها استعادت ثقتها بنفسها، وهي تحاول إثارتي:

-اللاذقية في الصيف لا تطاق، وتدعو إلى الملل في بقية الفصول، لا منتزهات، لا أماكن خاصّة بالرفاهة.

لاحظت خلال ثوان عذوبة ابتسامتها، غير أنني لم أستسغ حديثها، وكنت أفكر بدمشق الحارة جداً، فكرت أن أقول شيئاً، تراجعت، فأنا أهوى اللاذقية، فهي أجمل المدن، الحرّ فيها جميل، والبرد، والدفء، والرطوبة، وكل ما فيها جميل، قفز إلى ذاكرتي شريط من الذكريات، هنالك عند الشاطئ الصخري الذي كان يفصلنا عن البحر خطوات، كنا نرتاح هناك، نعبر الطريق بمحاذاة الشاطئ الجميل، كنا أكثر من صديقة، نحلم بالحب، فتأتي المواعيد مع الغروب، مع الأمل والانتظار، وكنا نثرثر، نضحك لأي شيء، وكان لكل منا حبيبها الوهمي الذي سيعبر بعد قليل، قد يلقي السلام، أو الكلمات، أو يسرق نظرة، تلك الأيام التي ما برحت تهاجم الذاكرة بين الحين والحين، توقظ ما يشبه الحنين إلى أيام مضت، كان كل شيء مختلفاً، البحر والسماء، الشمس والقمر، الأرض والشجر، والعلاقات بين الناس، الحب، الصداقة، وأكثر الأشياء، كان في وجوه الأطفال إشراقة الصبح، وصفاء النهار، واستراحة الحلم، كان الحاضر يبشّر بالآتي الجميل، كان بلدنا ينتظر امتداده الكبير، هكذا حلمنا تلك الأيام. سينطلق كل منا على امتداد الوطن، محققاً مع الآتي الحلم والأمل اللذين كانا أقرب إلى الحقيقة، بل كانا الحقيقة، لم لا، وكيف لا؟ وربما يكبر الحلم ذات يوم مع اللاذقية التي كبرت، وأصبحت أجمل، لتبقى الذكرى تعرج دون موعد، كما هي الآن.

سحبتني المرأة من أفكاري، وكأنها تصر أن تخطف الحلم من عيني، وهي تردد ببساطة:

-بماذا تفكرين؟

أصابتني الدهشة لسؤالها، ها هي تتدخل بشؤوني، وخلال لحظات انتابتني موجة من الضحك، رحت أفرغ تعب النهار بلحظات من المرح، أو أن حالة الإرهاق التي أعيشها تبحث عن ثغرة للهروب، وتذكرت أن النفس والجسد، يستطيعان الدفاع عن وجودهما، بطريقة من الطرق، وكنت ألملم الدمع من عيني، وألاحظ أن امرأة تمعن النظر إليّ. تبادلني الضحك، ثم تشرد قليلاً، إلى أن قالت:

-كان لي صديقة من اللاذقية!

تجاهلت كلماتها التي حمّلتها مزيداً من النقاء، ورحت أشغل نفسي بأشياء أخرى، وقد لازمني شعور المرح. نظرت إلى الساعة، ثم إلى السائق الذي نفض يديه ونهض، نهضت، وكنت أفكر بالإسراع واللحاق به.

اكتشفت أن المرأة تسير بمحاذاتي. ضحكت ثانية. هززت رأسي باستغراب، لكنها أصرت على الإمساك بي. خفت أن تعود للأسئلة التي على بساطتها كانت مملّة. كان في نظرتها شيء غريب، مختلف، شيء يذكر بأشياء، ترى ما الذي ستقوله أيضاً"؟ ومع نداءات الباص المتكرّرة، سألتها لأول مرة وعلى عجل:

-ماذا لديك؟ قولي!

أجابت بطريقة جادة:

-قلت لك، كان لي صديقة في اللاذقية!

قلت على عجل أيضاً:

-سمعت هذا، وماذا أيضاً؟

كان وجهها ينضح بالذكرى، وقد انبثقت من عينيها، ألوان من بحر وأرض وسماء، وهي تحدّق بعينيّ وتردّد:

-كان اسمها ليلى. ربما تعرفينها!

خفق قلبي، غير أن صوراً كثيرة استيقظت في داخلي، سألتها وقد تهدج صوتي:

-من أنت؟ ما اسمك؟

قالت وهي تحدّق بعيني أكثر:

-اسمي حياة!

كانت تتابع، وأنا عبر الدهشة والتذكّر، وربط الصور، والأسئلة، وتقاطيع الوجه التي جسّدت صورتها كما أعرفها، وخلال ومضة تأكدت أنها هي. إنها هي، حياة الجميلة التي أحبت، وتزوجت، ووفت، ثم رحلت مع الزوج إلى الخارج.

علا صوتها وهي ترتمي علي. عانقتها وأنا في ذهول. كانت كل منا تردّد اسم الأخرى بفرح ولهفة، وخلال لحظات تلاشى كل شيء. احتللنا المكان والزمان، كنا معاً نبتعد عن الآخرين، عن الباص، عن السائق الذي استشاط غضباً، وكأننا نعبر شاطئ اللاذقية الجميل، كما في الماضي، نثرثر. نضحك لأي شيء، وكأننا لم نفترق أبداً.

 

 

هــو.. وليلى.

 

أشار إلى صدره بأصابع دقيقة. قال بصوت أجشّ:

-أنا رجل ناجح، لي اسم وهوية. أتحرك. أكبر. أما أنت؟ تابع باستخفاف:

-أنت شبح، لا اسم لك ولا عنوان.

أصلح وضع المرآة. حدق في العينين المنفرجتين. تنبّه إلى نظرات الرجل القابع خلف الصفحة الزجاجية. ابتعد محتفظاً بآخر انطباع. ارتمى في فراشه وهو يتمتم:

-أكره هذه الصورة.

*******

منذ أيام وهو على حالته هذه. يستلقي في الفراش. ينهض. يواجه المرآة. يحدث نفسه. يفكّر بليلى التي غادرته. يحاورها. تهرب منه. يناديه رجل المرآة. ليلى محقّة. ينتفض. إنه يريدهما معاً. ليلى ورجل المرآة.

دخل الغرفة يسترق الخطوات. أغلق الباب بتأن. يتبعه ظل. يسبقه. يدخل الصفحة الزجاجية. رجلان متحفّزان. يفصل بينهما جسم لامع.

آثار الليل أنهكت الوجه والعينين. حدّق إلى الشعر الأشعث. إلى الابتسامة الهازئة. انقبض. أدار وجهه متمتماً:

-لقد قررّت.. وتابع:

-قرّرت الاستمرار في عملي.

صمت. عاد ينظر إلى المرآة. بدا الرجل غاضباً. كان قد اتهمه بالأمس. وصف أعماله بالسطو. كانت ليلى تشارك رجل المرآة الرأي. إنهما يتّهمانه معاً.

كان جاداً ومستغرباً. إنه رجل مختلف. حباه الله بالذكاء والفطنة. أخضع تجاربه للعمل، لكشف الخبايا. إنه قوي بالمعرفة، ويعرف ما يريد. لا يهمه رأي رجل المرآة، أو ما تقوله ليلى. أتاه صوت واثق. قال:

-ألا تريد ليلى؟

صمت. تذكّر لقاءاته معها. أصبحا يتشاجران في كل لقاء. هي ورجل المرآة متآزران. استرق نظرة من المرآة. فكّر:

-سيكون الجدال عقيماً. لن نتّفق أيضاً.

ارتدى سترته. خرج.

في الطريق أيضاً تذكر ليلى. هو لا يذكر زمن وجودها في حياته. شبّهها بنفسه، بقطعة من كيانه. لم يلحظ التصاقها به. لاحظ مغادرتها. أدهشه ذلك التلازم بين الاكتشاف والمغادرة. رجل المرآة يصرّ. إنها الأجمل. برحيلها يرحل الحب والخير والجمال.

*******

منذ زمن لم يعترض حياته شيء صعب. يصل دائماً إلى مبتغاه. لا يعنيه المستحيل. لا تهمه العقبات. مذ شبّ وعارك الحياة. مذ عرف التملّك ورسم لنفسه الطريق. أما طفولته؟ ابتسم للذكرى. حين أحب مرآته. تلك اللحظات المدهشة. مرآته كانت المنفذ. والقوة. كان طفل المرآة يشبهه. يحبّه. يهمس له بالأسرار. يشكو آلامه. كلما تذكّر يشعر بالأسى. كان طفلاً بائساً. لا يحب التفكير بالأطفال البائسين. لا يحب هذه الذكريات. تقلّص وجهه. لوّح ذراعه في الفراغ. شتم رجل المرآة الذي تغيّر. سمعه يدافع عن نفسه. ويقول بسخرية (الألم يلد الحب والعطاء، وآلامه هو أنجبت مزيداً من الآلام).

عاد إلى البيت منهكاً. لملم بقايا الأمس. صحون. زجاجات. ألقى نظرة على الغرفة. أجواء تعبق بالروائح. ألقى نظرة فيما حوله. النوافذ المحكمة. الستائر. استغرب تجاهله لكل ما يتعلّق بالعمل. انقبض. أغلق الباب. وهن في قدميه. في جسده. ارتمى في الفراش. غاب عن عمله أياماً.

*******

أزاح الغطاء عن جسده. لم يكن مرهقاً أو حزيناً. اتجه نحو المرآة باسترخاء. ألقى نظرة سريعة. أشاح. فكّر! لماذا فقد ليلى؟ لماذا فقد أشياءه الجميلة؟ مرّت الصور كشريط واه. نهض متثاقلاً. كان في ذهنه رجل المرآة. اتجه نحوه. نظر بعينيه طويلاً. قال بأسى:

-لماذا تكره نجاحي؟

-هذا صحيح! والأسباب كثيرة.

تململ. قال:

-أنا لا أستغلّ أحداً. لست أنانياً. لست وصولياً. أريد التعويض للطفل الحزين الذي يسكن أعماقي!

شعر رجل المرآة بالغضب، غير أنه تمالك نفسه وهو يؤكد قائلاً:

-طفلك بحاجة لأمان. للحب.

طال مكوثه في البيت. أحكم إغلاق النوافذ والأبواب. لم يشأ الرد على الهاتف الذي يرنّ باستمرار. كان جسده حاراً وعيناه ذابلتان. مشتت الذهن والتفكير. منهوك القوى، وحين ارتمى في الفراش، لا يدري كم مرّ من الوقت. حلم بكوب ماء، ويد تمسح فوق جبينه. حلم بكلمة صدق وفرح تجلبهما الحبيبة. برد في جسده وصقيع. وهن ووجع. لماذا يرتجف؟ دثّر جسده. رأسه. لم لا تكون ليلى زوجته؟ حاول استرجاع أحاديثها، مواقفها. كانت تشبه رجلاً في الذاكرة. تشبه رجل المرآة، وكأنهما اتفقا منذ الأزل.

-حدّثني عن عملك؟

-أصنع المعجزات! أسيطر على من أتعامل معهم. أنا الرابح باستمرار.

سألته بحزن:

-كيف؟

-إني أحفظ اللعبة جيداً. أحوم حول نقاط الضعف. أخطط. أستغل الظرف.

امتلأت عيناها بالدموع. كانت تفكر بالخير والحب، بالصدق والعطاء، وكان يفكر بامتلاك كل شيء، طالما حفظ طريق الوصول.

*********

لا يدري لماذا تهاجمه ذكريات الطفولة. كان يحلم باللعب كبقية الأطفال. يشتاق لحضن أم. لتمرّد. لعصيان. للمطالبة بما يحب ورفض مالا يحب. كان يعرف أن للأطفال أمهات يغفرن الذنوب، ويتحملن الصعاب، فيلجأ إلى تلك المرآة. كان يريد لنفسه أماً. لماذا ماتت أمه؟ ولماذا تزوج أبوه؟ قال له: (هي في مكانة أمك). لم يصدّقه. اختلف معه طفل المرآة. كان يحثّه على المبادرة:

-ثابر على الحب.. إنه عدوى.

ويصمتان من جديد.

حلم في طفولته بيوم يمسح فيه حزن الأيام. كان لا يغفو قبل التسكّع في الأزقّة. يصبح رجلاً هاماً. يأخذ بيد طفل، بيد شيخ. يعاقب الظلم. يقتل الأحزان.

بكى ذات مرّة، وقبل أن يغفو، حلم بيد أمه الغائبة تمسح جبينه. كان في عينيها نظرة تشبه الاعتذار. قال له طفل المرآة في الصباح:

-أمك لم تمت.. تراقبك من بعيد.

صمت. لكنه لم يصدّقه.

******

مذ دخلت ليلى حياته، وهو يشبّهها بأمه التي لا يذكرها. ربما تحمل ملامحها. كانت أمه جميلة، يجب أن تكون جميلة، وليلى جميلة أيضاً.

ها هي ليلى لا تفارق ذاكرته. كأنها أمامه الآن. بابتسامتها العذبة. بعينيها الصافيتين. بأحاديثها. بأحلامها. كانت تحلم بطفل ينجبه الفرح. طفل ذكي الملامح. يكبر، ويكبر معه الحب.

قال له أبوه ذات يوم:

-حين مرضت أمك، حاصرها الهم.

تساءل ببراءة:

-لم؟

-كانت تحبك وتخاف عليك.

اغرورقت عيناه. تابع أبوه:

-حاول أن تسعدها!

تساءل ببراءة:

-كيف؟

-كن طفلاً طيباً.. ورجلاً طيباً.

*****

لم ينم تلك الليلة، ومع استمرار الذكريات، أحاط به أكثر من وجه. كان موقناً من وجود أمه، وطفل المرآة، وليلى. هيئ له أن الجميع بصحبته، وليلى التي لم تفارقه. رافقته حتى الصباح. مسحت جبينه أكثر من مرة. أحضرت له الماء، سامرته. وكان مندهشاً ومغتبطاً.

استيقظ باكراً. آثار دموع فوق وجهه. حرّك ذراعه وقدميه. نهض. ها هو يخرج من حلم طويل. استعاد تفاصيل ليلته. جالت في خاطره أفكار تحبّها ليلى، وتحبّها أمه. شعر بالفرح.

مرّ الصباح. اغتسل. شرب كوباً من اللبن. استرخى على مقعد جانبي. أطال المكوث. أطال التفكير. منذ زمن لم يلحظ ما يراه الآن.غرف البيت المتّسعة. لوحات جدرانية. قطع فنية. مناضد. كتب. ابتسم. تسلّلت إليه البهجة.

التقت عيناه بعيني الرجل في المرآة. ملامح تشبه الطفولة. بادله ابتسامة عذبة. سرت الطمأنينة في نفسه. منذ زمن لم يبتسم لـه رجل المرآة. كرّر المحاولة. تكرّرت الابتسامة. لا يدري كم مرّ من الوقت. يذكر أن الغرفة كانت تدور. خاف في البداية. أراد الهروب. قبع في إحدى الزوايا.

مسح وجهه براحة كفّه. أغمض عينيه. فتحهما. تأكد أن أمراً غريباً قد حدث. حدّق إلى المرآة طويلاً. أجفل. كان إلى جانب وجه الرجل القابع في المرآة وجه ليلى.

لم يشك من أنه وحيداً أبداً. غير أنه التفت يبحث عنها. اقتربت منه بثقة. فتحت ذراعيها. ضمّته. عانقها فرحاً.

نظر إلى المرآة ثانية. اختفت ليلى. وجد الرجل الذي يشبهه مبتسماً. أشار إلى أن ليلى تعيش في أعماقه. ابتسم في سرّه مصرّاً على الكتمان. فلن يصدّقه أحد، غير أنه كان واثقاً ممّا حدث، ومن وجود ليلى التي أصرّت على الانتصار.

 

 

 

الزوجة والبحر

 

كان الجو حاراً، رغم بعض النسمات الصافية.. تمتم زاهي: (هذا يوم جميل) البحر، الشمس، الرمال. هكذا أحب نهاره، وهو يستلقي إلى جانب زوجته التي تحرّرت من قيود الملابس، وراحت تستمتع بالشمس.

ثمّة موسيقى تتسرّب من هنا وهناك.. فكّر (إنه البحر.. فسحة للفرح، وحالة للتغيير) لقد اعتاد بين حين وآخر على هذه الأجواء. حيث الأولاد يمرحون، والصبايا ينطلقن بلا قيود، أو يبتهجن حين يلامس الماء أجسادهن، وحيث يتحوّل الكبار إلى أطفال، يتراشقون كرات الرمل، أو رذاذ الموج.

أغمض زاهي عينيه. نسمات دافئة تلامس جسده، وشعور بالانتعاش يسري في جنباته. خيّل له بأنه يركض، يلعب. باستطاعته رمي نفسه إلى أعمق نقطة في البحر. هنا يتذكّر سنوات المراهقة، والحب. يحلم بالحبيبة، يناديها، يركض وراءها، يسقطان في الماء، يغوصان، يكرّران اللعبة. تصبح الأشياء أجمل، تختلط الابتسامات بدفء الشمس، ورذاذ الماء. دائماً يشتاق للحب، لحضن الحبيبة، سيرمي في سمعها كلمة غزل، وربما اقتنص لمسة، أو كلمة، أو كليهما.

هكذا ينقله البحر إلى حالات من الصفاء، يجدّده، يحييه، فيتدفّق شوقاً، البحر عالم من حياة، من فرح وبهجة، له خصوصياته، وأحلامه، بعيداً عن اليابسة. هنا تتقاعد المدينة، تصبح نائية، بهمومها ووجعها، يشعر في كل مرّة بالتفاؤل، والولادة من جديد.

تحرّكت زوجته. رفعت نظّارتها. ضمّت أجفانها. اختطفت نظرة من المحيط، من الشمس، من الشاطئ. بدت وكأنها تلتقط الصور، ثم عادت للإغماضة من جديد.

مرت الساعة الأولى. كل شيء هادئ، عدا صوت الأمواج، والموسيقى الهادئة. راح يتأمّل ما حوله، الأطفال، الصبايا، الشبّان. لفت انتباهه شاب، لوّحت الشمس جسده، يبدو مغروراً بمشيته، فيذرو الرمال مع كل خطوة، يتلفّت ذات اليمين، وذات اليسار، وحين يتوقف، يثبت في الأرض كجذع صلب، ويمسح البحر والشاطئ بنظرات طويلة وغامضة. لاحظ زاهي أن الشاب مفتون بنفسه، بعضلات جسده، وربما بلون بشرته. أشاح مبتسماً. فكّر بعذوبة الموسيقى والبحر. أغمض عينيه، وعاد للاستلقاء.

جميل كل شيء. فكّر زاهي وهو يستمع إلى حركة البحر، وخطوات الشاطئ، نسمات ووشوشات تعبر سمعه، فينتشي. كانت الحرارة تتصاعد، وثمة وجوه وأجساد تتدفق. كان الشاطئ والبحر يغصانّ بالبشر، كل يبحث عن الهدوء، والاستمتاع بالدفء، إلى أن تحوّل المكان إلى لوحة تغصّ بالحياة.

في غمرة ما هو به، كان زاهي يستمع إلى خطوات العابرين جيئة وذهاباً، ويروق له تآلفها وتداخلها مع أنغام الموسيقى العذبة، فتأتيه كالهمس، كان يعدّ الخطوات ريثما تبتعد، خطوة.. اثنتين. ثلاثاً. أربعاً. ويعود للعد من جديد، هذه المرّة أتت الخطوات أكثر جرأة، فقد صفعته النسمة مع الرمل المتطاير، حاول متابعة العد، توقف، أصغى السمع، كان صوت الخطوات قد توقف، حسب مسافة آخر خطوة، أجفل، فأحد ما على مقربة، فتح عينيه على عجل، طالعه الشاب الذي كان مفتوناً بعضلات جسده، وهيِّئ له، أنه أكثر ضخامة، كان زاهي يراقبه، وكان هو منشغلاً عنه بأمور أهم.

مازالت الزوجة مستسلمة للإغماضة، نظر زاهي إليها، وعاد للشاب الذي على ما يبدو قد فتن بها. لم يصدّق زاهي في البداية، تابع مواقع نظراته، كانت عيناه على الخصر، ثم الردفين، فالساقين، وحين هبّ واقفاً، كان هذا يغادرهما، وكأن شيئاً لم يحدث.

مشى زاهي بضعة أمتار. توقف. شعر بأن الشمس ترسل نارها. جسده ينضح عرقاً، ويشتعل مع كل خطوة. أكثر من الحركة، وقد عجز عن التفكير. زوجته في إغفاءتها الهادئة، والشاب قد غاب بين الأجساد، وهو الذي حلم بالهدوء. شعر بأنه حبة رمل تذروه الرياح.

عاد إلى مكانه. جلس قرب زوجته وقد عقد ذراعيه. تفرّس فجأة في جسدها. كررّ ذلك عشرات المرات. شعر صعوبة في التفكير. بدا كل شيء تافه. الوقت. الاستمرار. مرّت أمامه إحدى الصبايا، لاحظ تناسق جسدها، جمال خصرها، غادرها ببساطة. كان يراقب تفاصيل زوجته. هاجمته الذكريات، اللقاء الأول، الثاني. هاجمته نظرات الشاب. شعر بالغضب.

تململ. نفض الرمل عن جسده. تأفّف. ضرب كفّاً بكف. حاول إصدار أكثر من صوت، ونظر إلى زوجته التي لم تحرّك ساكناً. شغل نفسه بعقد المقارنات، قبل مجيء الشاب وبعد مجيئه، تأفّف بعصبية، وراح يرسم فوق الرمال أشكالاً، ويمحوها ثانية، حاول الانسجام مع صوت الموسيقى، مع النسمات الدافئة، تلك اللحظة لاحت منه التفاتة، وجد الشاب عن بعد، يتنقّل أو يقف، راح يراقبه بلونه الداكن الجميل، بمشيته الواثقة، إنه يطيل النظر إليهما، وربما يتّجه نحوهما. شعر بالغضب. نظر إلى زوجته، فكّر. هي ملك له، يحارب من أجلها، يقاتل من أجلها. ألقى نظرة عليها، كم هي رائعة؟ وأجمل نساء الشاطئ.

اقترب منها هامساً:

- هل أنت نائمة؟

- لا.

- الشمس محرقة. انتبهي.

- ….

- بشرتك بيضاء. قد تحرقها الشمس.

- ….

هل تسمعين؟

- يا إلهي.. ما بك؟

- اعتقدت أنك ضجرة.

-لا.. إن كنت ضجراً، اذهب إلى الماء.

- وأنت؟

تأففت. غيّرت من وضعها. سقطت حبّات رمل من أماكن متفرّقة. أحكمت وضع نظارة الشمس، وعمّ الهدوء.

أحسّ زاهي بالقلق، الثواني طويلة، والوقت بطيء. راح ينقّل نظراته هنا وهناك.

لأول مرة يكتشف تفاهة قتل الساعات، إن كان ذلك تحت الشمس، أو في الماء، أو فوق الرمال.

استفاقت المدينة بجمالها. أصبح بيته أهم أماكن الراحة والهدوء، لكن! كيف سيبرّر لزوجته قراره المفاجئ؟ ماذا سيقول لها؟ أطال النظر إليها، وعاد يراقب الشاب الذي غيّر مساره، وانخرط بين الأجساد المنتشرة في كل مكان.

في غمرة ما هو به، سحبته جلبة وأصوات. رفع رأسه. كان بعض الشباب يتجمّعون تباعاً. لاحظ وجود الشاب بينهم، ولاحظ أنه يغيب بين الأجساد ويظهر. ويرفع ذراعه أو يسقطها. يحني رأسه ثم يعود للظهور. خفق قلب زاهي. نهض. أسرع لمعاينة ما يحدث. وعن كثب وجد الشاب يتلقّى الصفعات، بين تهديد وتوعيد، إذ لم تنج امرأة أو صبيّة هذا الصباح من معاكساته، وغسْل جسدها بنظراته الدنيئة.

همّ زاهي بالمشاركة، وصفْع الشاب كان قلبه يخفق بقوّة، وقدماه تتقافزان بجرأة. إنه معني كغيره. سيلقنه درساً لا ينساه. إنه يشتاق لشتمه، وصفعه، وكان يهجم ليحقق رغبته. حين تعالت فجأة أصوات، وموسيقى، وخرج من الصالة القريبة رجال ليسوا بلباس البحر، أسرعوا نحو الجلبة، وبهدوء فرّقوا الناس، فالشاب مريض، وضعيف الإدراك كما تثبت تقاريره الطبّية.

ابتسم الشاب للجميع، وبين لحظات الغضب والتحفّز والذهول. انتابت زاهي موجة من الضحك. ضرب كفاً بكف وقد تهدّلت ذراعاه. عاد أدراجه نحو زوجته التي كانت تجلس متصالبة الذراعين. ترقب المشهد بابتسامة عذبة، فبدت بعينيها الصافيتين المندهشتين أقرب للطفلة، أما وجنتاها الملوّحتان بدفء الشمس فكانتا أكثر نضارة. تذكّر يوم التعارف الأول. تمتم في سرّه: (مازالت جميلة). ابتسم للملاحظة. أدار وجهه للشمس. تمتم ثانية (فسحة للراحة.. وحالة للتغيير). ألقى نظرة أخيرة على الزوجة المستسلمة باطمئنان. كرّر الملاحظة (مازالت جميلة) هزّ رأسه، واستسلم للإغماضة من جديد. 

 

 

الحافلة الجميلة

 

لن ينسى يومه هذا! فكّر وهو يترجّل من سيارته الفاخرة، منقبض النفس، منكمشاً. أغلق باب غرفته. راقب وجهه في المرآة. لماذا رفضته تلك الفتاة؟ وهو الذي لم ترفضه امرأة من قبل؟ شعر بالأسى. أسند رأسه بكفّيه، وراح يستعيد التفاصيل.

كعادته كل صباح، تنهّد بحزم، بغية جلب الصمت. ألقى رأسه على المسند تاركاً للسائق فرص التكيّف بالسرعة، كي يصل في الوقت المناسب، وكعادته أيضاً، راح ذهنه يعمل، يصنّف الساعات القادمة. يوظّف الأفكار. يرتّب عمليات تعود بالفائدة المرجوّة، مطلقاً العنان لعمليات الذهن الصعبة. يجمع، يطرح، يضرب. تململ.. يجب الاهتمام بأشياء مختلفة. غرق في استرجاع قصير، يحمل نشوة النجاح. شعر بالخصوصية والتميّز. راح ينظر نحو البعيد. لم يشأ التعليق حول تفتّح الزهور، التي جلبت البهجة لعينيه. تنبّه لسرعة السيارة. قطّب. كرّر تنهيدته حاسباً المسافة والزمن. فكّر بالسائق الذي يسترق النظر إليه، من أكثر من مرآة. استطاع قراءة أفكاره. لماذا لم يتزوّج سيّده؟ أو لمن سيترك ثروته؟ أسئلة أجابه عليها منذ اليوم الأول، بطريقة ألغت جميع الأسئلة اللاحقة.

لعن ذاكرته وأفكاره. قرّر الاستكانة والاستسلام للآتي. لاحظ جمال الطبيعة. أخذت عيناه تلتقط الصور. السماء. الحقول. السيارات العابرة. فكّر. كل شيء رائع. هاجمه شعور البهجة، إنها حالة تنتابه بين الفينة والفينة، حالة لا يدري مصدرها. يعيش بها لحظات، ويغادرها بلا مبالاة. فمشاعر الاكتفاء تتسلّط عليه، ويرجع ذلك إلى حياته المليئة بالعمل، والمغامرات، وقصص الحب، ولا يستغرب مواقفه أمام الذكريات التي تعبر ببرود، أو دون لمسة ألم أو فرح أو كليهما.

عمّ الأجواء صمت، عدا صوت الموسيقى المنبعث من المذياع، ووشوشة النسيم الآتي كالحلم. أتاه شعور جميل، وكأنه يطير. يشقّ الفراغ. إنه يعبر بقوّة. لا مشاكل لديه، لا هموم. يسخّر طاقاته للعمل. تكبر ثقته مع انقضاء يوم مليء بالحركة، وبرفقة الموظفين الذين يقدّمون فروض الطاعة والولاء.

يا إلهي كم جميل هذا الصباح؟ فكّر وهو يعبر الطريق. كانت الصور على الجانبين تتوالى أمام عينيه، لوحة إثر لوحة. تغادره، وكأنها تعده بالآني. كل شيء رائع. إنه يوم مختلف، جديد، جريء. هل هو الربيع الذي يفرض وجوده؟ يشعره بالدفء؟ يزرع في عينيه الجمال؟ يوقظ عنده الشباب؟ لماذا تتسلّط عليه هذه المشاعر؟ فكّر ثانية. تململ. هذه أمور لا تهمّه. يجب التفكير بقضايا وخصوصيات العمل. أطبق عينيه. فتحهما، ثم أغلقهما. وخلال ثوان، اكتشف عذوبة الموسيقى الآتية كالحلم. أشياء تدغدغ مشاعره، تحمله وتطير. يا إلهي! إنه يشعر بالحاجة لشيء ما، الحب مثلاً. تراءت صور نساء من حياته. ابتسم تنبّه إذ تذكّر عيني السائق في المرآة. نهض يتابع الطريق.

في غمرة ما هو به. لاح لعينيه شيء يشبه باقة ورد. أحنى عنقه، وقد دفع بوجهه إلى الأمام. كانت الورود تخطو ثم تتوقّف، ثم تعود للحركة. وبطريقة لا شعورية طالب السائق بالتمهّل. وخلال ثوان توضّحت الصورة. كانت صبيّة ربيعية الألوان. تتحرّك بثقة. تمشي بخيلاء. تحوّل كل ما يراه وما يقع تحت بصره، وعلى امتداد لامتناه، إلى لوحة يلحظها لأول مرة، وتخلق في نفسه مشاعر غريبة، تشبه الحنين إلى مرابع الطفولة والجمال.

سأل السائق بطريقة لا تخلو من الذكاء قائلاً:

-ما اسم هذه المنطقة؟

-النزهة!

تظاهر بالمزاح، وهو يشير إلى عشرات الأمتار:

-هذه فتاة تقوم بنزهة!

لم يضحك السائق. احتفظ بهدوئه وهو يقول:

-ربما تنتظر الحافلة!

-أية حافلة؟

أجاب السائق بطريقة لا تخلو من الهدوء أيضاً:

-الحافلة التي ستقلّها إلى المدينة!

فتح النافذة. مدّ نصف جسده. أخرج ذراعه. تلقّى نسمة صافية. راح بصره يشق الطريق، يسابق الزمن، يتساقط على باقة الزهور، يلامسها بقبضة يده، وخلال ثوان ولد ألف قمر، وألف فكرة. خطف نظرة سريعة فيما حوله. تمطّى. إنه على موعد مع الفرح.

سيقترب وجه الصبية. يتفحّص جسدها. تقاطيع وجهها، عينيها، نظرتها، حركتها، سبائك شعرها. تلك اللحظة. قفزت إلى ذهنه طرق التنقل، ووسائط النقل. تذكّر منطقة المرائب، وصوراً شتّى، لحافلات، تزدحم بالأجسام، وكم فكّر بهم، حين تتقيؤهم الحافلة، إذ تتقيّأ معهم، الروائح والأنفاس. تذكّر أيضاً فتيات كثيرات كنّ يتهافتن على صحبته، ورفقته، في نزهة، أو زيارة، شعر بالزهو. ستلبّي الفتاة دعوته، تدخل عالمه، تهرب من عالم يضجّ بالقلق والحاجة، تراءت له بابتسامة مشرقة. ابتهج. اقترب. اقترب وجهها. اكتشف جمالها، أنوثتها الصاخبة.

فكّر بثوبها الفضفاض الذي يخفي أجمل الأجساد. قفز قلبه. تحفّز. عانق المقعد الأمامي آمراً السائق بالتوقف.

توقفت السيارة. توقفت الصبية. توقف الزمن. تصارع الفرح في أعماقه. أصبح ملهماً. أصبح شاعراً. قطع المسافات. عبر الأماسي والأصباح. استعاد أيام الطفولة، وقصص الأحلام، وما تعنيه مواسم الزرع والحصاد، وبيادر القمح والعصافير، وربط الجمال بوجه أطلّ فجأة، ليتلقّف الحرف من ابتسامته، ويترجم أحلى كلماته. ها هي تقول شيئاً. تنظر إليه. في عينيها لهفة واستجابة. إنها ترغب به، بالجلوس إلى جانبه، إنها لحظة الأبدية التي تباغت عمره، حاملة الحلم والأمل، والاستعاضة، وبطريقة لا شعورية، أدار مقبض الباب. أفسح مكاناً، أومأ كي تجلس، وقد شحن كيانه بكل ما في نفسه من رغبات.

أجفله صوت الباب الذي صفق ساخراً. أسقطه في ذهول، وخلال ثوان، تراجعت كل التفاصيل. تراجع الربيع. تناءت الصور. غابت. كانت عيناه تشيّعان الحلم. تلتقطان بأسى صورة الحافلة التي توقّفت على عجل، وبقايا زهور لثوب يغيب.

لن ينسى هذا اليوم بكل ما حمل. لن ينسى هديل الحافلة وهي تضمّ الصبية. مازال قلبه يخفق. مازالت مساحات عينيه مزروعة بورود مختلفة الألوان، ورود لها رائحة البشر. اجتاحته أفكار عدّة، ومشاعر عدّة. أغمض عينيه ثانية، وراح يستعيد التفاصيل من جديد.

 

 

 

نظرات ليلى الحزينة

 

يجول سمعي عبر الليل. يهرب بي إلى الزوايا. أبحث عن الأمان. أعود. أنصت. ألتقط الكلمات. يهتز زجاج نافذتي. يعصف بي الوجع. يحاصرني الألم. أخبئ عيني. أبتعد. يطل وجهها بلا ألوان. يشيع الرعب في نفسي. يهزّني. أقفز بقدمين عاريتين. أشق الستارة. أبحث عن وجه ليلى. تقابلني الشرفة الموصدة:

ـ سيزوّجونني!

ـ يجب أن لا يحدث.

ـ ربما يحدث.

ـ مستحيل ستنتظرينني!

ـ لا عذر لي.

ـ اخلقي عذراً .. أرجوك.

يناديني الصوت. أختبئ بذعر. تهاجمني قصص حديثة ومشابهة. أجفل. ستتزوّج ليلى. أنكمش. تتردّد في أوصالي أصداء المستحيل. أقف مشدوهاً، مسلوباً، يغدق الليل صور الطفولة، صوراً أزلية الملامح.

ابتسم لي أبوها ذات مرّة، كان يناديني بالشقي. سألني وكنّا على أبواب الامتحانات. قال:

ـ كيف استعدادك؟

ـ لابأس!

ـ ستتفوّق ليلى عليك!

ـ أنا مجتهد.

ـ سنرى!

ناداها من بيننا نحن الأطفال. حضنها. أسندت رأسها إلى كتفه. سألها إن كانت ترغب بشيء ليلبيه. عانقها بسعادة، بدا مبتهجاً قبل المغادرة، وهو يملي علينا ضرورة مراعاة الفتيات. كان يضحك من أعماقه، وكان أخوها يتوارى أحياناً، أو يتحفّز لنقاش جريء، فيرد بطريقة لا تخلو من الغيرة. قائلاً:

تعودّت وجود ليلى بحكم علاقة الجوار بين أسرتينا، وتعودّت هي وجودي، وحين هاجمتنا مشاعر الحب لم نفاجأ. كان تأكيداً على استمرار العلاقة بيننا، واعترافاً ترجمه الصدق الطويل. لا أذكر أنني عانقتها عمداً، أو بعد تخطيط، كانت لقاءاتنا عفوية، لا تتعدّى اللمسة، فتشعل في جسدي رغبة اللقاء، وأدرك أنها تشاركني المشاعر، فنغرق في التحام قصير. تهرب على إثره، وأوقن أن اللقاء سيحدث. أعدّ سنوات الدراسة، أفكر بالعمل، بالمستقبل، وتهاجمني فكرة الزواج. أفرح. أخاف. يتدخّل وجه ليلى نقياً، صافياً، ( لا أريد شيئاً يا أبي). كان الأمل يدفعني للدراسة، لتحقيق الحلم، خاصّة وأن أسباب المعيشة في بيتنا، تضني أبي باستمرار، وتوقعه في متاهات التفكير، فيمنّي النفس في ساعات الأمل، بيوم أشاركه عبء الحياة والمعيشة.

مازلت في مكاني، أستند إلى الجدار الباهت، وعند الوسادة غفت بعض أوراق شقيّة تفتقد اللون والأمل، كوجه ليلى المستنجد بي.

ـ إني محاصرة.. لا عذر لي.

ـ افعلي شيئاً.

ـ وأنت؟

ـ سأفعل.. ليس الآن.

بكل أشيائها تقتحم ضعفي. أخاف. أرتجف. أفكّر بأبيها الذي يشابه أبي، بظروف حياته وأحلامه، وشعوره بالمسؤولية، كان طيّباً كأبي، حدّثاني معاً عن ليلى التي ستتزوّج. استمعت إلى مؤهّلات الزوج. فكّرت بمؤهّلاتي. تراجعت. منّيت النفس بموقف ليلى التي ستصرّ على الرفض. كنت واثقاً أن حبنا محصّن ضدّ الصعاب، والهجمات، ولسوف يخترق صوتها جميع الجدران بجرأة وقوّة. عانقت الأمل تلك الليلة. كان وجهها يملأ ساحات عيني. وكنت أكتب لعينيها أجمل الكلمات. سطّرت الشعر والقصيدة. عزفت نشيد النصر، فلن يتجرّأ الليل على حبنا، لن يتجرّأ شيء، وكنت أشبهها بفراشة تواجه الريح، ولا تخشى العواصف، فأعدها بالفرح، والحب، والأمل، وحين غفوت. كانت صورة ليلى الطفلة التي لا يرد لها طلب تزغرد في أوصالي، وتملأ جوانحي.

هل كنت أحب ليلى؟ هل كانت تحبني؟ أذكر أنني استيقظت ذلك الصباح على أولى الزغاريد، تبعتها العشرات. أصوات. بهجة. أفراح تنبئ عن حدث سعيد. تعلن مجيء الفرح، وقوعه، وكانت ليلى ستتزوّج.

أذكر أنني سقطت وكأني أهوي في فراغ. كنت نقطة في دوار، يأخذني عبر دوائر بعيدة، لا أعرف الرجوع، لا أعرف الاستمرار، كانت أذناي تتلقّف قذائف الزغاريد، بينما الدوي يشقّ الحواجز. ويقطع المسافات، يصل كل الأسماع، ويعلن للمرّة الألف أن ليلى ستتزوّج، وترحل، وتغيب.

********

سألني والد ليلى في إحدى جلسات المساء الهادئة، وقد حنّ إلى الذكرى قائلاً:

ـ اعتقدت في يوم مضى، أنك وليلى على اتفاق سينتهي بالزواج، وأبعدت  الفكرة حين لم تحرّك ساكناً.

ضحك والدي الذي تجلّى حنينه قائلاً:

ـ أتاني شعور مشابه أيضاً، انتفى مع صمت مطبق حلّ على الاثنين.

نظرت إليهما طويلاً، كانا قد شاخا، نهضت أغادر المكان، ونظرات ليلى تلاحقني، كأنها تحمّلني ذنوب المقبل من الأيام.

 

 

 

لن أشعل النار ثانية

 

 

لاح الجدّ في طرف الممشى الترابي.. خفق قلب مدى. أسرعت تركض نحوه مبتسمة.

مسح رأسها محتفظاً بابتسامته. كانت فرحة ومتحفّزة في آن واحد. تذكّرت أفراد الأسرة الذين يحبّونه ويحتفظون أمامه بالجد. تذكّرت حديث أمها وخوفها على صحّته، وقرارها بزيارة القرية التي تبعد عن المدينة بضعة كيلو مترات والتي يقطنها الجدّان، ولا يغادرانها إلا في المناسبات.

ردّدت بحب وبراءة قائلة:

ـ ألست مريضاً يا جدّي؟

ابتسم. مسح فوق رأسها بسعادة. أجاب:

ـ قليلاً..

ـ ألا تخاف البرد يا جدّي؟

ضحك. رفع الشال الذي حاكته الجدّة ذات شتاء إلى كتفه. وقال:

ـ هذا البرد يحمل إلي المداعبة.

بدت منهمكة وهي تتابع مؤكّدة:

ـ قالت أمي إن البرد يضرّ بكّ!..

ضحك. تساءل  بتحبب:

ـ وماذا  قالت أيضاً  يا مدى؟

ضحكت. ردّدت:

ـ أنت لا تفكّر بالراحة. تعتقد أنك شاب.

ضحك الجد أكثر. بينما مدى تراقب ثيابه الخاصة بالعمل، وتنهمك بإزالة بعض بقع الغبار عن أطراف سترته. ردّدت بطريقة تشبه اللوم قائلة:

أمي غاضبة لأنك لا تتوقّف عن العمل.

ردّد بثقة:

حين أعمل أصبح شاباً، فأهزم المرض.

أخذ بيدها وسارا. قطعا الطريق القصيرة على مهل. كانت مدى تراقب قدميه وهما تتحاشيان الطين. تعتلي الحجارة المرصوفة التي تتلقّى خطوات الجد بصداقة محببة، وعلاقة ودّ طويلة. اتجها نحو زاوية البستان، حيث أقام منشأة صغيرة لصنع حجر الخفّان.

لم يمض وقت  حتى كانا بين العمال. دبّ هرج قصير الزمن. بعض العمال يرحّب بهما. ابتسمت. إنهم أصدقاء جدّها. راحت تراقب عجينة الرمل والحصى وهي تخرج قوالب طريّة، وتنشر متباعدة ريثما تجف، وتفكّر. كيف ستمضي النهار؟ وتتسلّق الأشجار؟ حيث تنظم بين أغصانها المساكن، وتقيم مآدب التين الأخضر، شعرت فجأة بالفرح. تذكّرت مقام الشيخ (عبدالله).

يمسح الجد رأس مدى، يجيبها على كل سؤال. قال:

ـ كان الشيخ عبد الله رجلاً مميزاً.

تتضخّم الصورة في رأسها الصغير. يسحبها الجد من الشرود قائلاً:

ـ اختلف عن الآخرين بنهجه للحق والخير والصدق. كان يهتم بالجميع، ويحب الجميع، خاصّة الأطفال.

أجمل الأيام  تلك التي تقضيها مدى في القرية، تمنّي النفس بعطلة مميّزة، فتخضع مع أمها لحوار حول المدرسة والاجتهاد، وتفوّق يرتبط مع تحقيق الأحلام. تحزن أحياناً أو تغضب، غير أنها تقول دائماً:

ـ سأنجح وأتفوّق وأذهب إلى القرية.

يقع بيت الجد في أجمل مكان في القرية، أو هكذا تراه مدى تستلقي في ساعات القيلولة أمام فسحة الدار الواسعة، حيث تتدلّى دالية العنب بإغراء لافت، فيخطر لها قطف بعض الحبّات الحامضة، وتدرك أن الجدّة التي حفظت عدد العناقيد ومواقعها ستنهرها بشدة. تضحك من أعماقها وتسترسل في التفكير، أو ترسل بصرها عبر الفراغات، أجمل ماكان يروق لها في ساعات الهدوء تلك اللحظات الصامتة. تبحر عبر السماء الممتدّة. تعيش  المواعيد الجميلة قرب غيمة أو أكثر، فتعبق النسمة من حولها بعطر الورد والياسمين، وتهبّ من الطرف الآخر للبستان رائحة بخور… تتذكّر ضريح الشيخ عبد الله. تنهض. تفكر بزيارة سريعة إلى هناك.

كان الصيف حاراً،وأشعة الشمس محرقة، شعرت بسعادة وهي تتفيأ في ظل شجرة، فقد حملت لها تلك الوقفة مزيداً  من الأفكار، إذ اكتشفت وعلى مساحات متفرّقة مزيداً من النباتات والأعشاب اليابسة، متجمّعة حول الضريح وبين الأشجار، وخلال وقفة صغيرة حمّلت نفسها، مسؤولية جلب البهجة إلى المكان. لم يطل الوقت حتى راحت تلبّي أهم قرار أملاه تفكيرها، مندفعة إلى قلع مايحيط بالضريح من عشب ونباتات، تمنع عنه

الجمال والتميز.

باءت محاولاتها بالفشل. لم يمنعها ذلك من التمادي، ازدادت صلابة أمام تصلّب الأعشاب، معتقدة أن الدفاع عن جمال الضريح، جزء لا يتجزّأ من إيمانها بعظمته، وما تلك المقاومة، سوى نوع من تجربة، تنتهي باختبار هام، يحقق صدق مشاعرها. كان لابدّ من التفكير، فتمهيد الأرض وتنظيفها أهم أمر. سخّرت عقلها وذهنها، إلى أن تحقّقت الفكرة، فأشعلت عود ثقاب في أقرب يباس حول الضريح.

لم يطل الانتظار، تعالت صيحات النار تعلن عن نهم وجوع شديدين. شعرت برعب، المكان ينذر بالغضب، بالعقاب، نار تبتلع الجذوع والأغصان، صدى وأصوات، ركض ورجال، الجد، العمال. الأطفال. النساء.، وكلهم يهرعون لإخماد النار، تصاعد خوفها. هربت. سقطت في فراشها، وكأنها تغطّ في نوم عميق.

نادها الجد حين عودته، بدا مجهداً، منهكاً، اقتربت مطرقة الرأس. قال:

ـ أخمدنا الحريق. خفنا من امتداد النار!

لم ترفع رأسها. تابع:

ـ كان عملاً ضرورياً!

لم تحرّك ساكناً. غير أنها تساءلت بعد برهة:

ـ أي عمل يا جديّ؟

ردّد  واثقاً:

ـ نزع الأعشاب اليابسة.

تابع:

ـ إنهم يبحثون عمّن أشعل النار. إنه حتماً من الجوار.

لم تجب. تابع قائلاً:

ـ إنه الطمع.

لم تجب أيضاً. تابع:

ـ يحرقون الغابة بغية توسيع أراضيهم!

توسّعت مقلتاها.. نظرت نحوه بدهشة.. ردّدت بعفوية؛

ـ لا ياجدي!

ـ قال:

ـ هذا ما أعتقده!

صمت. كانت تستمد الجرأة. تساءلت بصوت خافت مشوب بالخوف متسائلة:

ـ ماذا سيحدث للفاعل يا جدّي؟

بدا جاداً. ردّد:

ـ يعود ذلك لدوافعه.

تجزّأت. قالت:

ـ كان يقصد خيراً.

ردّد بطريقة أقرب إلى المزاح:

ـ تبدين على معرفة به!

قالت بخوف:

ـ لا.

غادرها قائلاً:

ـ انتهت مشكلة الحريق. نحن ننتظر اعتراف الفاعل.

لم تلحق جدّها كعادتها، جلست تنتظر المساء. تستعيد زياراتها للقرية الجميلة. حبّها للأرض الممتدّة. لساعات اللعب. حواراتها مع جدّها. ذكرياتها قرب الضريح. فكّرت بالحريق.تراءت الصور. الناس. الجد. العمال. النار. الخوف. الهروب. طمع الجوار. قفزت ذكرى الشيخ عبد الله. كان يحب الأطفال. يحب الصدق. إنهم ينتظرون الاعتراف. كانت تقصد خيراً، وكان في أعماقها شيء يشبه القرار، يكبر وينتظر.

ذلك المساء. عانقها الجد بعد حوار طويل بينهما، وبعد أن نقل لها كل فكرة راودته خلال أحداث النهار. كان موقناً من أنها التي سبّبت الحريق، وواثقاً من اعترافها، غير أنه أراد امتحان مقدرتها على الصدق أولاً، ثم نفي الرعب من عينيها، وهو يستمع إلى صوتها جريئاً، قوياً، وبلا خوف.

كانت هادئة، بينما ترن في سمعها، آخر الكلمات، وهي تردّد بصدق:

ـ لن أشعل النار ثانية.. أبداً يا جدّي.

 

أضيفت في 15/04/2005/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية