
بطاقة تعريف الكاتب:
نزار نجار

ولد في حماة، عام 1949.
إجازة في اللغة العربية وآدابها- جامعة دمشق.
دبلوم الدراسات العليا- جامعة دمشق
عمل في التدريس وتفرّغ للعمل الصحفي والإبداع الأدبي
مقرر جمعية أدب الأطفال في اتحاد الكتاب العرب
عضو اتحاد الصحفيين العرب.
أصدر في حماة مجلة مصورة للأطفال والناشئة بعنوان"تعال نقرأ".
وأميناً لسر فرع اتحاد الكتاب العرب بحماة.
نال أكثر من جائزة أدبية في القصة(داخل القطر وخارجه).
ترجمت بعض قصصه الموجهة للأطفال إلى الروسية والألمانية والألبانية
والفارسية.
مؤلفاته:
1-قصص البطولة للناشئين(عشرة أجزاء)- دار المعرفة- دمشق 1975.
2-قصص السيرة المصورة للناشئين- دار المعرفة- دمشق 1976.
3-أحلام الذئب- دار المعرفة- دمشق 1976.
4-الحيوانات الموسيقية، قصّة مصّورة للأطفال- دار المعرفة- دمشق 1977.
5-لماذا حزنت العصافير- قصص للأطفال- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1978.
6-قصص الفاتحين للناشئين- دار المعرفة- دمشق 1979.
7-قال القطار الصغير- كتاب أسامة- وزارة الثقافة- دمشق 1981.
8-حكايات إياد- قصص للأطفال- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1981.
9-السنونو طارت- قصة للأطفال- كتاب أسامة- وزارة الثقافة- دمشق 1983
10-صيحة من السماء- قصة طويلة للناشئين- دار المعرفة- دمشق 1983.
11-طفلة اسمها رزان- كتاب أسامة- وزارة الثقافة- دمشق 1986.
12-فارس القلعة الصغير- وزارة الثقافة- دمشق 1986.
13-بيتنا الصغير- قصص للأطفال- اتحاد الكتاب العرب 1988.
14-وجه القمر- قصص- اتحاد الكتاب العرب 1987.
15-الخنساء- شاعرة الرثاء والوفاء- عن دار النشر للجامعين- حمص 1978.
16-أدب الناشئة- وزارة التربية- بالاشتراك مع الأستاذين عبد الرزاق الأصفر
وسمر روحي الفيصل- 1989.
17-عذراً أيها السادة- قصص- دمشق 1992.
18-في أدب الطفل- دراسة- دمشق 1995- اتحاد الكتاب العرب.
19-سعيد العاص- قصة طويلة للناشئة- كتاب أسامة- وزارة الثقافة 1992
20-حكايات أحمد- قصص للأطفال- اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1993
21-في محل الألعاب- قصة طويلة- الجمعية الكويتية لتقدّم الطفولة
العربية-الكويت- 1996
22-فرسان البحر- قصص للناشئة- اتحاد الكتاب العرب- دمشق- 1996
23-تمثيلية، تمثيلية- قصص للأطفال-الجمعية الكويتية لتقدّم الطفولة
العربية-الكويت-1996
24-شكراً يا أمي- قصّة للأطفال- دار الحدائق- بيروت- 1997
25-في دارنا ثعلب- قصص للأطفال- اتحاد الكتاب العرب- دمشق-1998
26-صورة المشتاق- قصص- اتحاد الكتاب العرب- دمشق- 1998
27-في أدب الأطفال- اتحاد الكتاب العرب- دمشق- 1994
 


نماذج من أعماله

كعكات جدّتي
العيدُ يدقّ الأبوابَ، ويهمس:
- هيّا، ياأطفال، أنا قادم، يومان فقط، وأحلّ ضيفاً عليكم..
نتهيّأ لقدومه، تتهيأ جدّتي أم الطّاهر، يتهّيأ جيراننا، تتهيّأ
حارتنا لاستقباله كما يليق الاستقبال..
البيوت في الحارة، كلّ البيوت تستيقظ باكراً، والأطفال ينهضون مع
خيوط الفجر الأولى، وأهل الحارة يهرعون إلى فرن النحّاسين، يصلّون الفجر في
جامع الأشقر، ثم يقصدون الفرن، يأخذون دوراً عند" أبي صبحي".. والرجل يبلّ
قلم ( الكوبيا ) بريقه ، ويسجل الأسماء بخطٍّ مرتعش وحروف متشابكة ؛
لايفكُّ ارتباطها ولايعرف تناثر نقاطها غيرُ أبي صبحي نفسه..
ورقة مدعوكة، مقطوعة من دفتر مدرسيّ مسطّر لكنّها- بالنسبة إلينا-
ليست ورقة عادية، فهي مطرّزةٌ بالألقاب والأسماء والتوصيات:
- ابو أحمد.. فطائر بالجوز
أم عادل: هريسة بالفستق الحلبي..
أبو علي كرشة .. أقراص مرشوشة بالسمسم أم محمود الطبلة.. صينية
صغيرة واحدة..
سعيد الفهمان.. صينية كبيرة..
زنّوبة...
أمّا جدّتي أم الطّاهر فاسمها لابدّ أن يكون في رأس الورقة!.
قبقابي يوقظُ النائمين في الحارة، أقفز من الدار إلى الفرن، أقطع
الدرجات الحجرية، أجتاز البوابة المعتمة، والزّقاق الصّغير، تتفرّق القطط،
تركض بعيدة وقد أزعجها قرع القبقاب، أصير أمام الفرن ، رائحة الخبز الأسمر
الطّازج تستقبلني، أرغفةٌ منفوخة كالأقمار المعلّقة على السطوح ، تذوب في
الأفواه كما تذوب" غزّولة البنات"..
صوان نحاسية ذات أطرافٍ مدروزة تدخل الفرن أو تخرج منه، وأمام
الباب، هناك، يزدحم رجال بحطّاتٍ وقنابيز يحجزون دوراً، نساء قادمات من
أطراف الحارة، يجئن مبكّراتٍ ، على رؤوسهنّ أطباق القش الملوّنة، وقد عقدْن
المناديل المزركشة وفي عيونهنّ الواسعة لهفة وانتظار.. ترى هل يسبْقن
غيرهنّ، ويأخذْنَ أقراص العيد قُبَيل أذان الظّهر
جدّتي تمسح رأسي بكفّها الحانية، وتهمس لي:
- لايُفرحُ قلبي غيرك.. هيّا.. قمْ.. وخذْ دَوْراً عند أبي صبحي..
كعك العيد- في الصّواني- جاهز..
هذا أنا، أوّل من وصل..
ماأسعدني.. سبقت أولاد الحارة كلّهم، اسم جدّتي أم الطاهر في رأس
الصفحة، وكعك جدّتي بحبّة البركة واليانسون يدخل الفرن،...
يتقاطر الأولاد ورائي، حسن وسالم وفادي وعبّودة، ومحمد وأيمن
وبشير.. تتألّق عيونهم النّاعسة أمام نور الفرن، يتحلّب ريقهم وهم يَرَوْن
الفطائر والهريسة الغارقة في السمن البلدي، والكعك المسمسم، والأقراص
المنقوشة..
سهرت جدّتي الليل بطوله مع أمّي وعمّتي من أجل كعك العيد، وجدّي
لايحبّ إلاّ كعكات جدّتي.
لايأكل حلوى إلا من صُنْع يديها.. وأبي كذلك، وأمي وعمّتي وأنا
وإخوتي.. والأقارب، والجيران وأهل الحارة..
ما إن يقترب العيد حتى نتحلّق حول الجدّة ما أجمل السهر والسّمر
والحكايات التي نسمعها..
ونمدّ أكفّاً صغيرةً منمنمة.. ولا ندري كيف تُرْبَطُ- بعدئذ- في
أكياس قماشية، تشدّ جدّتي
وتقول:
- ضمّوا أصابعكم هكذا..
وتحذّر أمّي:
- ارفعوا أيديكم، بعيداً عن الأغطية والملاءات البيض!..
أرفع صوتي محتّجاً:
- ولكنْ.. أكبر كعكة من نصيبي!
تبتسم جدّتي وتهمس في أذني:
- أكبر كعكة يتقاسمها الجميع.. أنت ولد عاقل!
أهزّ رأسي مقتنعاً:
- نعم .. ياجدّتي.. الكعكة الكبيرة لي ولأخوتي..
حكايات جدّتي تحملنا إلى عالم مسحور.. نسافر إلى بلاد مجهولة، نقطع
غابة، نتسلّق جبلاً، نعبر نهراً أو بحراً، أو نهبط وادياً أو منحدراً..
الصّواني صارت جاهزة، والكعك الطّازج يخرج من الفرن،جدّتي تفرك
كفّيها بلهفة:
- أنت.. منْ يفرحُ قلبي.. كم أحبّك!..
أقفز أمامها..
- أكبر كعكة من نصيبي!
تمسك جدّتي بكفيّ وتقول:
- انتظر.. ليس قبلَ أنْ..
وتساعدها أمي:
- هاتوا أكّفكم ياأولاد!..
وننام تلك الليلة، أكفَّنا مضمومةٌ، وأصابعُنا مأسورة في أكياس
جدّتي القماشية، ننام بهدوء بعد أن يئسنا من إظهار مهاراتنا فوق الوسائد
والمساند، لاقفز ولا شقلبةَ ولا دحرجة..
وفي الصباح، صباح العيد، نفتح أعيننا مبكّرين، وتحلّ جدّتي عقدة
الأكياس، تحرّرُ أصابعنا، فإذا أكفّنا مخضّبةٌ بالحنّاء، تلك نقوش جدّتي
النّاعمة السّحرية!..
نفرد أصابعنا أمام وجوهنا، تضيء شموس، وتركضُ نجوم، لقد تلطّخت
راحاتنا الوردية برسوم مدهشة، وها نحن نتذوّق مع جدّتي كعكها الّلذيذ..
وأكبر كعكة نتقاسمها جميعاً..
تلك دارنا، فإذا اجتزتم الدرجاتِ الحجرية في أول حارة النحّاسين،
وعبرتم البوابة_ هناك ذات القوس القديم، ستجدونني أمام الباب الخشبي، كفّاي
ملطّختان بحنّاء جدّتي، وأنا أنتظركم، لتذوقوا كعك الجدّة، ولن تنسوا طعمه
أبدأً..
..............
* القبقاب: حذاء عال من الخشب له سير جلدي.
   
الأصدقاء
قال جدّي،وهو يضع يده على كتفي:
- قل ياصغيري، ماذا تتمنّى؟!..
انتظرت لحظةً، ثمّ التمعتْ عيناي بفرح ، كأنّما كنت أنتظر أن يسألني
هذا السؤال.. قلت:
- اتمنّى يا جدّي أن أنال شهادة علمية عالية . وأن أسافر ، رفع جدي
حاجبيه، وفتح عينيه، من دهشة، ثمّ أحاطني كعادته بذراعيه، واستفسر:
- تسافر.. أنت تتمنّى أن تسافر.. إلى أين؟!
قلت. وقد شعرت بالسعادة، لأنني أحظى باهتمام جدّي، ,أرغب في الإفصاح
أمامه عن أحلامي:
- أحبّ أن اسافر إلى كلّ مكان.. أحب أن اسافر لأرى المدن والبلدان،
واعرف الدنيا، وأطوف شرقاً وغرباً.. ما أجمل أن أمتطي حصاناً قويّاً، أو
أركب سيارة! ما أجمل أن استقلّ قطاراً، أو أنتقل على متن طائرة! ما أجمل أن
ابحر على ظهر سفينة، أو أنطلق في مركبة فضائية أتجوّل بين الكواكب والنجوم!
أنا أحبّ السفر كثيراً، ياجدّي
ابتسم جدّي، ثمّ قال بهدوء:
- حقاً. السفر مفيد، وفيه متعة، ولكنْ .. هل تعرف ما أفضل شيء تفعله
إذا سافرت؟!
أجبت دون تردّد:
- أفضل شيء هو أن أحمل قناعاً خفيفاً وأنطلق، وأن أدوّن في مفكّرتي
أسماء المدن التي أزورها، والأماكن التي أشاهدها!..
قال وهو ما يزال يبتسم:
- ذلك صحيح، ولكن هناك ما هو أفضل!..
وقفتُ متحيّراً.. ما هو الأفضل في رأي جدّي..
ولماّ طال انتظاره.. اقترب مني أكثر، وهمس بحنان ومحبّة:
- أفضل ما تفعله في سفرك هو أن تغرس شجرة في كلّ مكان تذهب إليه!..
- شجرة!..
ردّدت كلمة شجرة.. وأنا اشعر بالدهشة ..
ماذا يقول جدّي؟.. إنّه يريد ممازحتي كعادته..
هل من المعقول أن أسافر، وأن أحمل معي غراساً، أنقلها إلى كل مكان
لأزرعها.. أليس ذلك غريباً!..
قلت بلطفٍ:
- ولكنْ.. ما تطلبه صعب ياجدّي، أنا لا استطيع أن اقوم بهذا العمل،
ربّما أضيّع على نفسي متعة السفر، ربّما أنشغل عن مشاهدة البلدان،
والطّواف هنا وهناك، أأنا غارس أشجار أم رحّالة، مسافر!!
أجاب- هذا المرة- بإصرار:
- ومع ذلك، ياصغيري، لابدّ أن تغرس شجرة في كل مكان تسافر إليه!!
ازدادت دهشتي، واتسعت حيرتي.. كنت أتخيّل أنني أسير؛ وعلى كتفي غراس
من كل نوع غراس، كثيرة أنقلها بصعوبة. آه.. ما أتعب السفر وأنت تحمل هذه
الأحمال، ما أشقّ التنقّل والتّجوال! ثمّ .. عليّ أن أجد لغراسي مكاناً،
عليّ أن أبحث عن تربة تلائمها لأزرعها!... لا.. هذا مستحيل.. مستحيل.
وضع جدّي كفّه الحانية على رأسي، وهمس:
- أنت ذكيّ.. لم تعرف- بعد - ما قصدت إليه!.إنني أريد منك أن تتخذ-
في كل مكان - تسافر إليه صديقاً، الصديق كالشجرة، ,اصدقائي كلّهم كالأشجار،
أغصانها الأولاد، وثمارها الأحفاد، اتّخذ اصدقاء جدداً.. منهم الأشجار التي
تغرسها في كل ناحية!..
عانقت جدّي. لقد تعلّمت شيئاً جديداً، أحنيت رأسي أمام كلماته
العذبة.. كنت أردّد هامساً:
- سأفعل يا جدّي..
أتمنى أن تحقّق أمنياتي..
أن أنال شهادة علمية عالية،
وأن أسافر إلى كلّ مكان أحبّه،
وأن أغرس شجرة..
من أجلي ومن أجلك..
حتماً سيكون لدينا أشجار كثيرة..
كثيرة جدّاً..
   
الفأرة المغنّية
خرجت الفأرةُ الرماديّةُ من حُجْرِها، ثمّ ركضَتْ نحوَ بَيْتِ
المؤونة، ولكنّها لمْ تكدْ تقترب من الباب حتى وجدت الهرَّ " فلفل" نائماً
هناك، فتراجعت مذعورةً، ولم تدرِ إلى أين تذهب، فقد شعرت بالجوع..
كانت غرفة المكتبةِ مفتوحةً على مصراعيها فقفزت الفأرة الرماديّة
سريعاً، وجدت نفسها بين رفوف الكتبِ والمؤلّفات والمعاجم والقصصِ
والمجلاّت..
بدتِ الصفحاتُ لذيذةً هشّةً، والفأرةُ تقرضُ أطرافها.. ضحكتْ وقالتْ
لنفسها:
- كم يتعبُ الإنسانُ في تأليفِ الكُتُبِ، وكم يُجهدُ نفسه في سبيل
إخراجها ونشرها ! وها أنذا هُنا أَقْرضُها بهدوءٍ..
بدأت الفأرة الرماديّةُ بكتابِ الجغرافية، قَرَضَتْ بعضَ صفحاته،
حدّثتْ نفسها:
- الجغرافيةُ ضروريةٌ، علمُ البلدان ومعرفةُ الأوطان، الخرائطُ
والمصوّرات، البحارُ والمحيطات.. كلُّها مفيدةٌ.. ها.. ها.. ها..
انتقلتْ إلى ديوان شعر..
- وهذه الأشعارُ، والكلماتُ المختارةُ، والأفكارُ المحلقةُ محطّةٌ
للاسْتراحَةِ..
وقَرَضَتْ صفحتين مِنْهُ..
ثمَّ تحوّلتْ إلى قصّةٍ مُلوّنةٍ..
- هي ذي حكايةٌ مُمتعةٌ، ما ألذّها ! لشَّد ما أهوى هذه الرسومَ
الجميلةَ.. انظروا إلى هذا الولَدِ الذي يركض وراءَ الأرنبِ، قميصُه
الأحمرُ غير ملوّثٍ، وكفّاهُ غيرُ ملطّخَتْين بالحبْر، يبدو أنّه مجتهدٌ في
دروسِه، لأنّه لم يتركِ الكتابَ منْ يدهِ، يحبُّ النظافةَ والترتيبَ.. ها
.. ها .. ها.. وكركرتْ ضحكتُها..
كانت الفأرة تقومُ بمهمَّتها بنشاطٍ وحيويّةٍ، تقرضُ وتقرضُ وهي
تغنّي بين الصّفحات المرتجفةِ الخائفة:
ما أسعدَني، ما أسعدَني !
دِفءُ الأوراقِ يُصاحبني
والّليلّ الهادئُ يعرفُني
هذي الصفحات تُكركرني
ما أسعدني، ما أسعدني!..
وحينَ تركتِ الرفَّ الأخيرَ، قفزتْ إلى المنضدةِ المستديرة في وسطِ
غرفةِ المكتبة. وكان هناك بعضُ مجلاّت الأطفالِ، وبعضُ الكتب، فتوقّفتْ
تقلّبُ صفحاتها وهي ما زالتْ تغنّي وتضحكُ، ولم تُسمعْ في البيت الهادئِ
إلاّ دقّاتُ الساعةِ في الصّالةِ..
فتحَ الهرُّ" فلفل" عينيه، وأرهفَ سمعهُ وأذنيه، كانتْ هناك خشخشةُ
أوراقٍ وصوتُ غناءٍ، وضحِكٌ، وكركرةٌ؛ تلفّتْ يمنةً ويسرةً، فلم يجدْ
شيئاً، غير أنَّهُ شمَّ رائحةَ الفأرة الرمادية، فسار على رؤوس أرجلهِ
بخفّة ورشاقةٍ حتى أصبح أمام غرفةِ المكتبة...
كانت الفأرة قد بدأت تحكَّ أنفها بصور مجلّة الأطفال، وقد أثارتها
الصفحاتُ الزاهيةُ والصّورُ الملوّنة.. صارت تُدغدغُ رأسَها وأذنَيها،
وتُمرّغُ فمها وهي تغنّي..
ما أسعدني ما أسعدني!
عالمةً صرتُ مدى الزمنِ
دِفءُ الأوراقِ يُدغدغُني
والليلُ الهادئ يغمرُني
ومجّلةُ طفلٍ تعرفني
والصورُ الحلوة تسحرُني
ما أسعدني، ما أسعدني!
رفعت الفأرة رأسها عالياً، وفتحت ذراعيها ثم قالت:
- أنا، الآن، فعلاً، عالمةٌ بكلّ شيء، لقد اكتسبتُ كثيراً من
المعارف والعلوم، صرتُ أفهمُ في الجغرافية، صرت أعرفُ الأشعارَ والقصائدَ،
وها أنذا ألتهمُ القصصَ والحكايات..
سمع القطُّ” فلفل” ذلك.. وبقفزة واحدة صار أمامها. تماماً فوق
المنضدة، نظرت الفأرة الرمادية إليه برعبٍ، وقد اهتزّ ذيلها كأنّما مسّهُ
تيارٌ كهربائيّ..
كشف" فلفل" عن أسنانه البيضاء النّاصعة، وبدا شارباه جميلين وهو
يقول:
- سأكونُ أكثرَ علماً منك، وأكثر معرفةً لو التهمتك على الفور
يامغنّيتي الظريفة، ذاتَ الصوتِ السّاحر..
لكنّ الفأرة الرمادية، التي أحبّت مجلاّت الأطفال كثيراً، قفزت
بعيداً عن القطّ " فلفل" واختبأت بين صفحاتها، ثم.. اختفتْ!!
قلّب” فلفل” كلَّ مجلّةٍ صفحةً صفحةً، بحثاً عنِ الفأرة المغنّية،
فلم يعثر لها على أثرٍ.. قرأ الصفحاتِ ودقّقَ في زواياها وصُوَرِها، ولكنّه
لم يجدْ شيئاً..
ولايزال" فلفل" ينتظرُ، صدورَ كلّ مجلّةٍ للأطفالِ. في كلِّ أسبوعٍ
أو في كلِّ شهرٍ،لعلّهُ يعثرُ على الفأرةِ الرماديةِ المغنّية، ولايزالُ
البحثُ جارياً..
   
أصدقاء الغابة
كانَ الصّباحُ رائعاً.. والحياةُ بدأت في الغابةِ، الأشجارُ تتمايلُ
بهدوء- وأغصانُها تتمطّى باسترخاء.. والعصافيرُ الملوّنة تنتفضُ في
أعشاشِها فيلتمعُ ريشُها..
ثم لا تلبثُ أن تقفزَ إلى السّماءِ الزرقاء..
أمّا الأرانبُ البيضاءُ الصّغيرةُ؛ فقد انطلقتْ تنسلُّ هُنا وهناك
بخفّةٍ ورَشاقةٍ تقضمُ الأعشابَ الطريّة، وتطاردُ الفراشاتِ. وتداعبُ
الأزهار..
.. منْ بعيدٍ.. ظهرتْ عربةٌ عتيقةٌ، فوق الطريق المتعرّجة، يجرّها
حمار هزيل، كانت تتأرجح بركّابها ذات اليمين وذات الشمال تثير وراءها سحابة
من الغبار، وهي تقرقع بعجلاتها الخشبية، تنشر الضوضاء فيما حولها، وتعكّر
صفو الصّباح الجميل..
توقّفت الأرانب، نشرت آذانها الطويلة تستطلع القادمين ، لكنّها ما
لبثت أن هربت مذعورة تنادي الأمان، وطارت العصافير بعيدة في الفضاء، ثم
اختفت عن الأنظار.. أيّ صباح هذا؟!
بدت العربة تسير بتثاقل وضجيج، تئن وتصرصركأنما تشكو لسكّان الغابة
حظها التعيس بل إنّها تتوقف بين الفينة والفينة، حسب مزاج الحمار الهزيل..
كان الحمار ينصب أذنيه إلى الأمام، ويسرح مستغرقاً في التفكير، وحين
يفرقع السوط فوق رأسه يعضّ طرف الحبل، ويضرب الأرض برجليه ويحرن..
أيّة معاملة هذه التي يلقاها!!
عندئذ يبرز رأس أمّ سرحان العجوز الشمطاء، يرتفع نقيقها حادّاً
غاضباً، كان ذلك هو صوتها الذي يشبه قوقأة الدجاج، إنّها تأمر الحمار أن
يتابع المسير..
- هيّا.. هيّا، إلى الأمام، ياغندور..
لكنّ الحمار لم يكن يسمع ، لأنه لايبالي بهذا النقيق المزعج!..
هدوء الغابة يغريه بالتوقّف.. والتأمّل.
ما أطيب العيش هنا! ما أجمل الانطلاق في قلب هذه الغابة الساحرة! لا
عربة يجرّها، ولا سوط يفرقع وراءه، ولا صراخ هذه العجوز المجنون.. لاتنقّل
بين القرى، ولا تعب.. ولا جوع، ولا تشرّد..
ما أحلى أن ينعم بالحرية دون حدود، ينام كيفما يشاء، ويستيقظ حين
يحبّ أن يستيقظ، يأكل ما يشتهي، ويتمرّغ فوق هذا العشب الغضّ، يستلقي حين
يريد.. لقد سئم هذه الحياة، وملّ صحبة أم سرحان ونقيقها المتواصل، ملّ
زوجها أيضاً، وحيواناتها، ملّ الألعاب التي يعرضونها على النّاس لقاء
لقيماتٍ معدودة.. كره حياة التمثيل، والتصنّع، والتزييف، وطلاء الوجوه،
وتبديل الأقنعة، كره أصدقاءه كلّهم الكلب نمرود، الذي ينبح دون توقّف.
والقرد شدهان الذي يعاكسه دائماً، والقطّة عبلة، والديك يقظان، ألايحقّ
لغندور أن يستريح بعد الخدمة الطويلة، والتعب، والركض بين القرى والبلدان؟!
وشعر غندور بالحزن، ولم يكن بمقدوره إلاّ أن يقف معانداً أمّ سرحان،
والاحتجاج على سوء حظّه، فحرن وبدأ ينهق بصوت عالٍ:
- هيء.. هيء.. هيء.. هاء..
زعقت أمّ سرحان:
- أيها التّعس، ما بك اليوم، يبدو أنّك مشتاق للسعات السّوط. ها..
جلدُك بحاجة إلى حكّ.. هيّا.. هيّا قبل أنْ أسلخه..
نبح نمرود من ورائها بصوت مبحوح، إنّه يشارك في الفوضى التي بدأت
تسود ركاّب العربة، قفز شدهان في الهواء، قلّب شفتيه وضحك ساخراً وهو يقول:
- الحمار أغبى الحيوانات، انظروا .! غندور يرفض المسير.. ارتفع
صياح الديك المعهود:
- كوكو.. كو كو.. أنا أوافق على رأي القرد!
ولم يجد أبو سرحان بدّاً من التدخّل ليحسم الأمر، فاندفع يهدّد
الحمار؛ وهو يليّح بالسّوط في الهواء. إنّه يريد أن يعيد الهدوء إلى
العربة،
لينطلق إلى المدينة، يعرض ألعابه البهلوانية ويكسب المال...
تزحزح غندور قليلاً. صرّت عجلات العربة وهي تدرج ببطء على الطريق،
لكنّه فطن إلى شيء.. إنّه جائع، والحيوانات كلّها جائعة مثله، وستشاركه في
الاحتجاج هذه المرّة، نهق غندور ثانية:
- هيء هيء.. لن أمشي قبل أن آكل!!
وانتبهت الحيوانات إلى احتجاجه، نطّ القرد حتى صار فوق عمود العربة
المنتصب، كان يصيح محتجاً: أنا جائع.. جـ.. ائع.. وبدون انتظار لسعه سوط
أبي سرحان بخفّة وسرعة، فاستشاط غضباً وزاد صياحه وزعيقه..
صرخت أمّ سرحان:
- أخطأت يازوجي، ما كان عليك أن تضربه، ألم أقل لك منذ قليل، إنّ
الجميع جائعون، لن يصبروا مثلنا!!
صار شدهان إلى شجرة قريبة، تعلّق بها وهو يعول حزيناً، أهذا جزاء
مهارته في عرض الألعاب على الناس كلّ يوم؟!
هل هذه مكافأته على تعبه لتكون الألعاب مسلّية مثيرة؟! يرضى عنها
الناس في كلّ مكان.. لولاه لفشل أبو سرحان في حياته، وما نفع الكلب نمرود؟!
والقطة عبلة، والديك يقظان، إن لم يكن معهم!! أسرع القرد يبتعد غاضباً
حانقاً.. صاحت العجوز:
- شدهان . ياعزيزي، عُدْ إليّ، لاتغضبْ. أما اشتقت إلى حضني، لاتجعل
الغضب يستولي عليك بسرعة..
لكنّ شدهان رفض أن يسمع كلمة واحدة، انطلق يقفز من شجرة إلى شجرة
كأنّما أصابه الجنون.!.
قال أبو سرحان:
- فعلتها، أيها الحمار الغبيّ، أنت دائماً تثير الشّغب بين أفراد
الأسرة ، تحرن على الطرقات، وتفسد بقية الحيوانات!!
العربة ما زالت واقفة.. ركّابها تفرّقوا..
عمّت الفوضى وسادت البلبلة.. الديك يتوسّل إلى صديقه شدهان، راجياً
أن يعود، القطة تموء طالبة الهدوء، والكلب ينبح وأم سرحان تنقّ وتطمئنهم
أنّ رغباتهم ستتحقّق!.
ركض أبو سرحان في أثر القرد. كان يناديه ويعتذر عن تصرّفه
السّابق..
- شدهان، شدهان، أنت تعرف مقدار حبيّ لك ستأكل قبل الجميع، تمنّ
ورغبتك مستجابة!..
كان القرد قد صار علىرأس شجرة عالية، أدار ظهره، وتظاهر بالحزن، بدأ
يضحك بينه وبين نفسه، إنّ أبا سرحان يرجوني؛ إنّ أمّ سرحان تناديني بـ
ياعزيزي ؛ إنّهم يشعرون بأهميتي، حقاً، أنا ذو مكانة رفيعة بينهم، لن أقبل
بالذلّ بعد اليوم، لن أسمح للسوط أن يلسعني، سأقاوم الظلم، سأحتجّ وأثور،
هذا حقّي، وحقّ رفاقي أيضاً، لقد غلطت مع الحمار غندور، إنه ليس أغبى
الحيوانات على الإطلاق.. إنّه- هذا النهار- أذكاها وأروعها- هذا رأيي،
سأجهر به دائماً!..
انقطع صوت أبي سرحان، ما باله لم يعد ينادي.... ساد صمت ثقيل، ومرّت
لحظات بطيئة، صاحت أم سرحان:
- أين أنت يازوجي!..
لم يبد أيّ أثر للرجل!..
ياللغرابة!..
منذ قليل كان في هذا المكان، تحت هذه الشجرة، غير معقول.. لقد اختفى
أبو سرحان ! كيف حصل ذلك؟! صفّق القرد شدهان معلناً وجوده فوق الشجرة
العالية، لم يكن هذا له أهمية، فأبو سرحان وحده الذي يشغل بال الجميع..
ارتفع صياح أم سرحان:
- أين أنت يازوجي العزيز؟ ليس هذا وقت المزاح!.. بدا السكون يسود
كلّ شيء...
تلفّتت العجوز حولها، الأشجار هادئة غير مبالية. الغابة صامتة صمتاً
عجيباً، الكلب نمرود يبصبص بعينيه ويهزّ ذيله.. الديك يمطّ عنقه ولا يعرف
ماذا يقول.. القطة تلوذ يجذع شجرة وتحدّق ببلاهة، الحمار في مكانه أخذته
الدهشة.. أين أبو سرحان؟ كأنّما ابتلعته الأرض، أيّة غابة مسحورة هذه ،
الغموض يلفّ الأشياء، ولولت أم سرحان:
- آه.. إييه.. يازوجي العزيز، ما نفع الحياة بعدك! تجمّعت الحيوانات
حولها، حتى القرد تسلّل بخفّة وهبط واقفاً إلى جانبها، ماءت القطة:
- كلّ هذا بسببك ياشدهان !
- بل بسبب الحمار!
ردّ شدهان حزيناً،...
قال الديك:
- ليس هذا وقت توجيه الاتّهامات، فكّروا ماذا نعمل، نحن في مأزق!!
نصب نمرود أذنيه : وهمس:
- سكوت.. أرجوكم.. الهدوء.. لاترفعوا أصواتكم بدا كرجل المباحث، أخذ
يشمّ الأرض، ويدرس انحناءة الأعشاب، إنه يعرف كيف يقتفي الآثار، إنه وحده
سيكشف الأسرار..
نظر الجميع إليه بتقدير واحترام، حتى القطة عبلة تمسّحت به، وربّتت
بيدها تلاطفه، فنهرها وهو يرميها بعينيين ناريتين..
- ابتعدي، ليس هذا من شغلك. ابتعدي عن طريقي!.
هتفت أم سرحان بهدوء:
- هيّا يانمرود.. ابحث بدقّة عن معلّمك.. أيّة غابة ملعونة هذه؟!
***
وحده انطلق نمرود في مهمّته، لم يكن هناك صوت يُسمع؛ حتى الحمار بدأ
يهرش رأسه بطرف العربة من دون صوت، وأمّ سرحان استندت إلى جذع شجرة، واضعة
رأسها بين كفّيها، أهكذا ينتهي صخبهم!! إنّهم يشعرون بالأسف والحزن، ما
أصعب أن يحلّ الشّجار والنّقار بين أفراد الأسرة الواحدة!...
ونبح نمرود..
-هّوْ هَوْ.. هو هو.. هَوْ هَوْ..
كان نباحاً ظافراً. مستبشراً، ركضت أمّ سرحان ركضت الحيوانات
وراءها، تحلّق الجميع حول حفرة عميقة مغطاة بالحشائش والأغصان، نظروا
بدهشة، فغروا أفواههم، هذا هو أبو سرحان وسط الحفرة وقد أغمي عليه، صاحت أم
سرحان:
- أبا سرحان.. يازوجي العزيز، هل أنت بخير.. لم يكن هناك من يجيب.!.
صاح الديك:
- كو كو كو.. ما العمل- أيّها الأصدقاء- لن نقف مكتوفي الأيدي!
ماءت القطة:
- نياو.. نياو..تحركوا..اعملوا شيئاً.!
قالت أم سرحان:
- إليّ بالحبل، من العربة، ياشدهان.. تحرّك، لاتقف مفتوح الفم
هكذا..
واستعدّ الجميع..
وقفوا متكاتفين لإنقاذ معلّمهم، لقد تعلّموا أن يتعاونوا في
الشدائد، فالاتحاد قوّة، ويد الله مع الجماعة..
مرّت لحظات بطيئة،...
استفاق أبو سرحان، فوجد نفسه بين أصدقائه. كانت أم سرحان تبتسم،
والحمار غندور أيضاً، والقرد شدهان، والقطة عبلة، والكلب نمرود، والديك
يقظان.. هتف غندور:
- عاد معلّمنا .. عاد معلّمنا!..
هتفت أم سرحان:
- بل عاد الحبّ .. والوئام إلى أسرتنا..
معذرة يا أصدقاء.. سنصيب طعامنا وننطلق من جديد، ونحن أكثر تماسكاً
ومحبّة..
صفّق الأصدقاء..
|