الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

القصص

 

عجز

هاتف المساء

السور الواطيء

في عراء المنفى 

الأظافر المكسورة 

للآه عيشة

 المصيدة

 

بطاقة تعريف الكاتبة: رزان مغربي ليبيا

 

 المؤهل العلمي: بكالوريوس تجارة-محاسبة -جامعة دمشق

بدأت نشر الأعمال الأولى في مجلة المرأة العربية في سوريا أثناء المرحلة الإعدادية

البدايات الحقيقية كانت في 1990 مع صدور صحيفة الشمس في ليبيا

حيث عملت معهم ولا أزال وكان لدي زوايا مثل /بقعة ضوء/ ولماذا

ثم تدربت على العمل الصحفي

ولدي كم كبير من التغطيات التي تخص معارض الفن التشكيلي وهي قراءات نقدية أكثر منها متابعة

وكتبت في عدة صحف عربية ومحلية منا صحيفة الشط /ومجلة

المؤتمر/ مجلة الملتقى/ مجلة غزالة والتي لي فيها زاوية باسم لحظة حياة وهذه إصدارات ليبية

في تونس نشرت أعمالي في الملحق الثقافي لصحيفة الحرية وفي مجلة قصص

في سوريا نشرت أعمالي في الأسبوع الأدبي وفي لبنان صحيفة المحرر العربي

وفي صحيفة العرب اللندنية وأجريت معي حوارات في عدة صحف عربية ولقاءات تلفزيونية

كتبت عن أعمالي عدة دراسات منها بقلم الروائي ياسي رفاعية والروائي والناقد التونسي دكتور صلاح الدين بوجاهو

أيضا كتبت الروائية التونسية آمال مختار عن روايتي وكتب الناقد التونسي طارق سليمي عدة دراسات / في ليبيا

كتب الأستاذ كامل عراب عن الرواية وكتب الروائي خليفة حسين مصطفى عن مجموعات القصصية

الندوات والمؤتمرات:

 حضرت العديد من المعارض والندوات والأمسيات الشعرية

الإصدارات:

في عراء المنفى قصص-دار الافلق-بيروت 2001

الجياد تلتهم البحر-قصص دمشق -دار الأوائل

إشارات حمراء-شعر-دمشق -الأوائل

الهجرة على مدار المل-رواية-دارالاوائل

نصوص ضائعة التوقيع- مجلس تنمية الإبداع- ليبيا -تحت الطبع

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

  نماذج من أعمالها  

السور الواطئ

 

 

على تمام الساعة السابعة صباحا …بدءوا  يحطمون الجدار …سمعت صوت ارتطام أحجاره،  صوت سقوطها ،يسقط معه حكاية …عمرها بعمر الجدار …

عندما بنوا ذلك السور فوق المنزل …ليفصل سطحهم عن سطح دارنا ،طلبنا منهم أن لا يكون مرتفع هذا الجدار ….‍‍طلبنا منهم أن يبقى لنا صوت ..مكان نجلس عليه؛ ويدور حوار ….سمعوا لأمنيتنا ..كانوا كرماء معنا …ونحن جيران …والجار لسابع دار الآن … ماذا يحدث !!! ولماذا يفاجئونني    بقرارهم ….

بالأمس قالت زوجته:

-سيبني لنا عمي بيتا مستقلا…هنا على هذا السطح  !!

نهضت باكرا جدا…أحببت أن أستعد للحدث ،وكأنني غير مصدقة الآمر، ولكن هاأنذا أسمع أصوات عمال البناء ..معاولهم تهدم…وضجيجهم …يصم أذني …أنهم يحطمون بقايا السور المنخفض الذي يفصل دارنا   عن دارهم، السور الذي يجمعنا كل ليلة  للسهر والحكايات ……يصلني صوتهم  ..واسمع في داخلي صوت تحطم وهمّّ كبير عشته طوال عمري ….

أخذت استعد لمغادرة المنزل ،فبعد قليل عليّ أن أجهز ليصطحبني أبي كما كل يوم إلى عملي …حيث يصر عل حمايتي لآخر لحظة، من المشي في الطريق…. وأنا بهذا الشكل …فتاة عرجاء …ولا يقبل مني الذهاب في سيارة العمل لأنها تجمعني بالزملاء والزميلات …

يصافحني وجهه في المرآة …يحدق باستغراب ..أنظر إليه بذهول ..لكن صوته القوي فاجأني :

-لماذا تأخرت اليوم في ارتداء ملابسك ..تبدين متعبة وكأنك لم تنامي طيلة الليل ؟؟

-لا…أجل ، أنا متعبة " ويتناهى لي صوتي واهنا ..ظاهرا  الإعياء أو هو كذلك …فلا أميز هل أنا مدعية كاذبة أم أنها حقيقة أشعر بها ...…لكنه يسارع للتخلص من عبئ مرافقتي:

-إذا" ..أبق اليوم في البيت ..لا تغادريه ..!! مالك ومال التعب والعمل !!!!

بعد أن التقطت أذناي صوت اصطفاق  الباب خلفه …انخرطت في بكاء مفاجئ، وكأن لدي مخزون هائل من الحزن أريد أن أفرغه بلحظة واحدة !!!

فهل ألوم أبي وأمي اللذان قصرا بحقي أنا دون أخوتي …فأصابني شلل الأطفال  دونهم…أم يلام هو  ….الحبيب الأول ..الذي تفتحت مشاعري البكر على حبه !!؟ فلم أرى سواه،  لأنني …لا أسير مشيا على الأقدام كثيرا في الشارع…وهم جيراننا  …كنت أفضل النزول إلى دارهم عبر السطح …حيث أتسلق سطحنا من السلالم  ثم أقفز السور الواطئ بكثير من حذر والفاصل بيننا ثم أنزل من على درجات سلا لمهم  المؤدية إلى فسحة الدار عندهم… كنت أعلم أنهم يحسون بقدومي …من صوت أقدامي التي تنوء بثقلي على درجات السلم …لكنني أنسى عاهتي حين تشرق ابتساماتهم …الحارة تستقبلني  ،وفرحة أمه…. بوجودي معها في الدار أحمل عنها بعض الأعباء …تسعدني !!!   بناتها يذهبن أما للجامعة أو للعمل ،وأنا لاشيء أتوسله في فراغي الكبير   غير ذلك …ووالدي الرافض دوما خروجي من البيت حتى لا أبتلي بنظرات الجميع إلى عاهتي …حتى فضلت أ ن لا أصل بيتي الملاصق لبيتهم من خلال الشارع ،بالرغم من ضيقه ومعرفة الجيران لي ……

حينما اكتشفت سعادتها تلك …أخذت نفسي تطمئن لهم ولترحيبهم ومحبتهم،…..ولطالما أحببت التسكع في دارهم ،حيث يملؤني حلم صاخب …..هو أن يثير وجودي حياة "وليد" ولطالما عدت إلى فراشي في المساء أتسلق سلالم البيت،أحمل حقائب ملآنة أسى ..على انتظار عقيم     ‍‍‍‍‍‍‍‍  ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍   في الصباح ، انهض …ينهض الأمل في جوانحي ..وأنا أتأمل وجهي في المرآة أجمل ما أملك …العينان الخضر واتان الواسعة ،والبشرة ناصعة البياض …و أسأل نفسي ؟ إلى متى سيبقى مغمض العينان ؟؟؟

والى متى ستبقى الرغبة عندي في إثارة اهتمامه؟؟؟

لكن مع مرور الأيام …وجدته يرسم ابتسامات عذبة  ،ويلقي بتحية الصباح لي بطريقة مختلفة ..ثم يأخذ بفتح حوارات معي حول شؤوني الخاصة ….ما اعتدتها منه قبلا..!!! وفي أحد الصباحات فاجأني  بسؤال:

- "سعدى"…‍  لماذا درست وتعبت حتى نلت الشهادة في علم الإدارة ؟؟ ولا أجدك  إلا هنا مع والدتي تساعدينها في شؤون المنزل ..وبعد أن تنهي أعمالك في البيت …؟؟

-وماذا تريدني أن أفعل غير ذلك

-لا تستسلمي ، أقنعي والدك بالعمل ..أسوة بأخواتك ..أنت رائعة ولا…ولا يعيبك شئ …"قالها ولم يلق بالا" أو نظرة إلى عاهتي …" 

يومها شعرت إنني يجب أن أخرج وأسير في الشارع لأصل بيتنا وليس عن طريق السلالم…كنت خفيفة الحركة مثل ريشة …كلماته أنعشتني …وزرعت الأمل لدي …..

ويوما بعد يوم ،أصبح هذا الحديث يشدني إلى وهم كبير …بأنه يحبني !!! كان يكبرني بعام واحد …لكن هذا الوهم كاف ليقتل ضجر العمر من حالة العنوسة!! وقتها ،كنت أنظر للحب والحياة والزواج من ثقب صغير على واجهة عريضة للزمن تحمل لافتة صغيرة  مكتوب عليها "كوني امرأة عاملة عضو فعال في المجتمع"

وانطلقت أتوسل أبي ليسمعني …بل أخذ صوتي يعلو ويصبح أكثر قوة وإقناع وطلبت منه أن يساعدني للحصول على وظيفة  …وكان لي ذلك …ولكن بشروط والدي…..:

- تعملين في مكان قريب وفي سلك التعليم وأنا من يتولى مرافقتك للعمل بسيارتي …قبلت ..فهذه خطوة رائعة …وشرفة واسعة أطل منها على عالم يزدحم بالجديد والمثير…وهناك حيث كانت بانتظاري فعلا "فتون "زميلتي بالعمل والتي حكت لي قصة زواجها المتأخر …عمرها تسع وثلاثون عاما وزوجها يصغرها بست سنوات ؟؟؟وبررت استغرابي بما حصل وقالت : تعرفت عليه منذ سنة واحدة جاء مراجعا للمدرسة ليطمئن عل ابن أخيه …فأخذت أبدي اهتماما به …وأعجب بي …ولا تنسي إنني امتلك شقة وأحوالي المادية جيدة …وفتن بي وهاأنذا  كما ترين حامل للمرة الأولى …فدعي الأمل يغمرك …سيأتي نصيبك في هذه المدرسة  "ياسعدى" …

كنت أعود منهكة وتعبه لكنني  محملة بجعبة من القصص والحكايات  علي أن أفرغها …..والسطح حاضر على الدوام ..وحينما ينكفئ أخر ضوء للنهار نستلم خيوط العتمة الساترة فنسهر ونعتلي السور الواطئ  …. نجلس عليه ،ونرمي بأقدامنا تتطوح  في فراغه …مثل الحكايا …هذا السور مازالت له نفس الروعة التي كانت قبل سنين مضت، حيث اعتادت شقيقاتي وقبل زواجهن، وشقيقاته  أيضا……… أن يجتمعن وتفرغ كل واحدة جعبتها …كنا نرصد العابرين في الشارع !!!من أبناء الجيران … نتحدث على كل واحد منهم وكأنه استثناء في حياتنا ؟؟؟

يطول السهر ….وفي مرات عديدة نحاول اختراق حصار الهاتف المفروض علينا في ذلك الوقت !!! حيث قررنا شراء جهاز وأخفيناه لاستعمالنا السري في تلك السهرات …نصعد إلى السطح ..ونأخذ السلك الهوائي لخطنا الهاتفي وربما لخطهم لا فرق ..وحتى أننا  تجرأنا على سرقة خط جيراننا اللذين كانوا مسافرين في إجازة ….كل هذه المغامرات من أجل الاستمتاع بحديث هاتفي تافه !!! ومع شخص مجهول لا يعرفنا ولا نعرفه ..المهم لدينا سماع صوت ذكوري يرد على الطرف الثاني !!! وكم من مرة  خاب أملنا وسمعنا توبيخا لم يثر لدينا  إلا الضحكات …… لا أكثر ولا أقل !!

السطح ، والسور الواطئ، كان متنفسا جيدا لبنات محاصرات في المنزل صيفا وفي الشتاء بالمدرسة ..الآن ،أصبح للسهر طعم مختلف ..ونكهة خاصة ، أحاديث عن زملاء العمل …وآمال بالزواج ربما تتحقق ..وقصص وحكايات متناثرة من هنا وهناك …تسد فجوة الوقت الضائع …. وفي سهرة قبل عام …قررت جارتنا تزويج "وليد" …هكذا نزل الخبر علي مفاجأ" …حين قالت أخته:

-سوف نخطب لوليد ابنة خالتي!؟

تمت المراسم بسرعة عجيبة …"هكذا رو ادني شعور "!!!!

ونحن الجيران أول المشاركين والمهنئين في كل الطقوس ..وعلينا تقديم الواجب والخدمات …وعلينا أن نفرح لهم، والفرح بالنسبة لي ..له طعم آخر…طعم مرّ ..وفيه تختلط المشاعر ،حيث يمتزج الفرح والغبطة وحنان مكسور بمدى الانتظار ….وقتها تأخذ العين تستدعي دمعها….

تلك الحيلة نلجأ أليها بعد أن نكبر ..نبكي مدعين المرض والتعب …تماما مستعيدين إحساس طفولي عذب ..ولكن بصورة مختلفة…لكن الشعور هو نفسه ..الحاجة للحب والحنان هو ذاك الذي نفتقده!!! وحين ننال المشتهى ..نمتلكه إحساسا ومعنى ..نحتويه داخلنا متجسدا في الأعماق كطفل نال كل ما يريد  …فتقفز للعين دمعة  ولا نعرف كيف نصفها …!!

وربما كنا نحتاج إلى صفعة ..فقط لنتأكد من الحقيقة متجسدة وليست حلما بعيدا فحصل أو واقعا فرض علينا فقبلنا به …

فقط حينما تركض السنين على ملعب الزمن كخيل جامح لا يعرف مبتغاه …لا تعنينا الأيام ولا نحصيها ..نجري معها مغمضي الأعين عن الأشياء التي نخفيها ولا نظهرها للآخر ..خجلا" ،وربما خوفا"!!؟؟

هي تلك ، الساعات ..التي توقف الزمن ..ونتمنى أن لا يمضي العمر بنا نريد الخروج من إطاره الوقتي الذي يحدنا بالآخرين وهم يراقبون ما ظهر من سعادة على وجوهنا وأيضا ما قد نخفيه من خيبة داخلنا …هكذا تم الزواج…

لكن الأزمة ،مرت بسلام …وسكنت عروسهم إحدى غرف الدار …وبعد أيام أصبحت هي الأخرى من رواد السطح ..لدرجة أنني اتخذتها صديقتي المفضلة …أحببتها ،لا أدري كيف ولماذا …ربما نوع من التواصل في الحب …بحيث أمرر حبه عبر حبي لها وإخلاصي أيضا ….كون الحقيقة طي الكتمان أعيشها بمفردي …وبقيت سعيدة جدا"….المهم، أن السور الواطئ مازال يجمعنا في الليالي ..ومنها أسمع أخباره وربما بت أعرف أكثر عن تفاصيل حياته الخاصة أعرفه كيف يمكن أن يكون حبيبا وزوجا وماذا يقول لها من كلمات غزل ….وفيما أذهب لتوسد مخدعي ..أسقط ما أعجبني من عبارات قالها لها على أنها هي لي لشخصي …وأروح ابني عليها قصصا وحكايات لن تحدث ..حتى يغلبني النعاس فأنام…

لأنهض من جديد …نهار …آخر أحمل في صدري أملا" وتفاؤل  بالحب القادم من خلال العمل ….

الأمسيات، التي سبقت أمس ….رو ادني شعور بالخوف …كانت تحكي لي أن خالتها تزعجها ..وأنها تريد الانفراد ببيت تكون سيدته …لكني طمأنتها أن هذه المشاكل سوف تنتهي بعد زمن …وفي قرارتي كنت خائفة …لو فكروا بالرحيل ..والاستقلال ببيت لهم …لو انهم ذهبوا إلى مكان بعيد لا أستطيع رؤيتهم ..أو حتى رؤية صغيرهم القادم ….ماذا سيحدث لي ؟؟؟

لكنها بالأمس ألقت بالخبر ..وكأنها تلقي بحجر في بركة مياه قالت:

-قرر عمي أن يساعدنا …..لن نستطيع الحصول على شقة   بما يملك وليد من مال لكن عمي ،سيبني لنا دارا" هنا على هذا السطح الواسع .."وقتها فقط رأيته ضيقا" ..وأخذ يضيق صدري ..وانبعث من الداخل صوت رافض للحل  ..وصرخت:

-لا…لا، ونحن كيف وأين نسهر …"من جديد اكتشفت أن صرختي مثل معزوفة نشاز على آلة صدئة أزعج الآخرين بهمومي وأوهامي …" لكن أخته ولأول مرة تلحظ شعوري الحقيقي فقالت:

-- مار أيك لو نقترح أن يكون هناك بابا يطل على سطحكم من الشرفة ؟؟

-- رائع ..سنتواصل عبره ..ولكن من أي جهة سيفتح هذا الباب من سطحنا أم من شرفتكم ؟؟

-- لا أدري …لكني أعلم فقط أن العمال قادمون غدا" في الصباح البكر…هذا ما أعرفه !!

انطلقوا ..جميعهم ينامون في أسرتهم هانئين وبقيت وحدي أودع هذا الفضاء الذي كان رحبا يتسع همومي والذي سيضيق من الغد ليتسع أسرة صغيرة …وحدي أختزن الحزن في جهة من قلبي  وفي جهة أخرى منه يحدوني الأمل أن يبدل السور الواطئ بباب مشترك أو حتى نافذة ..أو ثقب صغير لأطل منه كل مساء على عالم صفع أحلامي بقسوة!!!!

 

 

هاتف المساء

 

كل الأشياء التي تزعجنا نعتادها في نهاية الأمر بعد التكرار، هذا بالضبط ما خطر لي وأنا أعد له فنجان القهوة قبل ذهابي إلى الفراش، ليرفع سماعة الهاتف ويبدأ  مسامرة صديقه. كنت في المطبخ، أتأمل ماء القهوة السميك وهو يتقلب ويخرج فقاعة كبيرة قبل أن يغلي ويفور، ضجراً من نار الموقد الحامية، كما ضجرت أنا مما يحدث معنا قبل ثلاثة أشهر، حيث كانت الحياة تمضي بنا رتيبة وهادئة مثل مياه نهر تعرف منتهاها،  ولكن فجأة ظهر له هذا الصديق الذي شغله وغير الكثير من طريقة حياتنا. كيف حدث هذا التعارف وأين لاأعلم.

مضى على زواجنا عشر سنوات، اتفقنا على إنجاب طفلين، وهاهما يرقدان في غرفتيهما المشتركة. حينما تبدأ برامج التلفاز، أضع كراسات التلاميذ على الطاولة لتصحيحها وأتابع بلامبالاة ما يخطر من صور أمامي، وغير معترضة على تقليب البرامج بجهاز التحكم، لأظنه بعد أن يمل، يمسك بأقرب كتاب أو جريدة ويأخذ في حل الكلمات المتقاطعة، ويحدث أن تمر ليال كثيرة، هادئة لا نثير فيها جدالا حول تربية الأطفال، أو نقاشا بماذا يفكر من مشاريع جديدة، وحتى لم أعد استفزه ليحدثني عن أحلام يقظته بالسفر والأشياء الغريبة التي يودّ

فعلها، كما كان يحدث قبل سنوات،

بعد أن يغلبني النعاس، أشعر بيده تربت على كتفي، يوقظني، واذهب إلى النوم،  كانت أياما هانئة  لكن جاء من يعكر صفو مياهها الهادئة كل مساء.

كان السؤال في البداية يؤرقني:

- لماذا يطلب مني فنجان قهوة قبل ذهابي إلى السرير؟ وهو اعتاد أن لا يتناول القهوة بعد السابعة مساءً، ثم يهاتف هذا الصديق المجهول، وحينما أدخل زمن المراوحة بين النعاس والاستسلام الكلي للنوم، أكون قد التقطت نتفاً من الحوار الدائر بينهما، اسمع أحياناً جملاً لا رابط بين كلماتها؛ وربما استغرقته ضحكة طويلة؛ بعد أن يروي لصديقه آخر طرفة سمعها،،، كان زوجي وعلى غير مااعتدته منه، يستأثر بالكلام، وأحياناً أظن أن صديقه يرفع السماعة فقط، ليستمع لهذه القصص والتي بت أعرف من خلالها بعضا من هموم ومشاكل العمل التي تزعجه، فهمت في أحد المرات أن زميله أخذ ترقية ولم يكن جديرا بها، وأن عمله بات مملاً وليس لديه حافز يجعله يبذل جهدا فيه، لهذا لم أعد أشعر بكثير من الإزعاج، ولو أنني كثيرا ما تمنيت لو أنه باح لي بذلك؛ كنت وقتها شكوت له همي؛ من مدير المدرسة في صرف ساعات إضافية إلى صبية حسناء، جاءت تعمل معنا مدرسة لمادة الرياضة البدنية.

ثم أصبحت اللامبالاة من طرفي مصدر راحة له، ولم أعد أصّر على معرفة من يكون هذا الصديق الذي يفضل محادثته ليلاً، بدل الذهاب إليه أو معه إلى مكان ما، أو حتى يأتي لزيارتنا!

كان مطمئناً في أغلب الأوقات أنه لا يصلني صوته، ولا أعرف ما يدور، ولكن يوما بعد يوم أخذت أسترق السمع باهتمام شديد، وخطر لي مرة أن يكون معه على الطرف الثاني امرأة، لكنني استبعدت هذا الخاطر، أعرف أن زوجي رجل له طبيعة تبعده عن مثل هذه المغامرات وإلا لكان قابلها وغاب عن المنزل وادعى أن لديه عملا ما.

المصارحة التي كثيراً ما سمعتها، جعلتني اقترب أكثر وأكثر من زوجي، وأخذت أعرف عما يقلقه من هموم، كنت أعتقد أنها لا تعنيه؛ وانه سلبي تماما ولا يفكر مثلاً في طريقة لزيادة دخلنا أو حتى حمل عبء عمل إضافي جديد، وصلتني إجابته وهو يقول لصديقه:

-أبذل جهداً في الحصول على عمل مسائي يقتل ضجري ويزيد دخلي

كنت لا اعرف ماذا ينصحه الصديق، ولكن  كان لدي حل، أن يعمل مع شركة زوج شقيقتي دون الشعور بالحرج من أنهم يقدمون له المساعدة!

انتهيت من إعداد القهوة، وكانت المكالمة قد بدأت، وفيما كنت أضع له الفنجان على الطاولة قريباً من جهاز الهاتف؛ تعثرت وكدت أفقد توازني خفت أن تنسكب القهوة عليه،  تماسكت، استندت على حافة الطاولة بينما ضغطت أصابعي على زر مكبر الصوت بالهاتف؛ دون قصد، وإذا بصوت ناعم ينطلق بشكل آلي من الجهاز قائلاً:

الساعة الآن العاشرة تماماً وعشر دقائق وعشر ثوان …ثم أخذ الصوت يكرر العاشرة..و … , و…،  نظرت إليه؛ كانت ترتسم في عينيه نظرات الخيبة والحزن والمرارة…بينما انطلقت نحوه دون شعور،  احتويه، أعانقه بحنان بالغ،  وامسح كتلاً من الصمت التي أبعدتنا عن بعضنا سنوات طويلة (( رزان نعيم المغربي))  

 

 

عجز..!

 

هبط المساء ثقيلا، ورشحت فوانيس الحديقة ضوءها الخافت؛ الذي تناثر على الزوايا والممرات ؛ لكن العتمة بقيت أعم وأشمل ! وهي مازالت تسند ظهرها إلى جذع شجرة ضخمة،أرست جذورها في الأرض على عطفة الحديقة الكبيرة ، حديقة أشجارها متباعدة تحتل طرف المدينة وتطل عليها، وهي تلثم سفح الجبل المرتفع!

شعرت بالرطوبة تنفذ إلى جسدها الواهن، تحمل في أحشائها  الجنين الذي طال انتظاره ،وتمنت لو تجد مقعدا خاليا تجلس عليه ، المقاعد لم تكن شاغرة تماما،بسبب كثرة زائري الحديقة،  وهي لا تجرؤ على احتلال طرف واحد منها يشاركها الجلوس فيه رجل ؟! لو جاء ورآها سيقيم الدنيا ولا يقعدها ، خفضت رأسها وأخذت تراقب عن كثب عبثه وهو يكاد يمزق جلدها ضجرا، تسعة أشهر! مسجون في ظلمة لكنها ظلمة حانية؛أما هي فالظلمة التي حلت ترعبها، الجارة قالت لها المشي مفيد جدا يسهل الخلاص بالسلامة، وأقنعته هذا الصباح وتوسلت إليه لو يأخذها في مشوار سيرا على الأقدام،وافق على أن يتمشيا حتى الحديقة.

-سأحمل قليلا من العسل معي ربما عثرت على زبون، حين نصل الحديقة؛ تأخذين قسطا من الراحة وأذهب لبيع العسل،في الحديقة لم يمكث معها أطمأن لجلستها وتأهب للمغادرة.

-لن تتأخر؟

-كلا! انتظري هنا، إجلسي تحت ظل هذه الشجرة الوقت يقترب من المغيب. سأدع معك بقية العسل لن أحمل الاثنين معي !

استدار خارجا من البوابة ، ولم يعد، والسؤال داخلها يحتل كل عقلها :

-فقط لو أعرف متى يعود ،وهذا الألم الذي ينتابني ؟ماذا أفعل ليس لدي نقود وأخافه،أوصاني أن لا أغادر؟!

 

***************  

في قسم الشرطة !

كان يقف محني الظهر، ويضع يده على خده؛ الصفعة قوية ، وما كان يعلم أن الشاري الذي اصطاده قريبا من الحديقة ضابط يحمل هذه الرتبة ؟! وله يد تضرب بهذه القسوة ! وإلا لما تورط في بيعه العسل ؛ العسل؟ لا يملك  من الدنيا حرفة يعمل بها إلا بيعه، وزوجته تساعده في تصنيعه،  كان يعتقد بأن الحظ سيحالفه هذا المساء، ويبيع برطمانا أو اثنين،  وربما وجد سائحا كريما اشترى الكمية كلها دفعة واحدة ، لكن الحظ خالفه!  ووقع في الشرك، الذي كان قد نصبه للشاري قبل أيام، ولم يكن سوى هذا الضابط الذي قبض عليه متلبسا، وهاهو يمطره بالأسئلة والتي يعتقد أنه  لا جدوى منها؛ سوى شعوره بالمرارة والخذلان:

-تكلم ، يا نصاب ولا تحاول الكذب ، منذ متى تغش وتبيع العسل ؟

-دائما، يا سيدي !!

يستدير الضابط ويقلب أوراقه؛  ينشغل بالرد على الهواتف، والآخر مشغول يتلظى بهواجسه، مستغربا؛ كيف لضابط أن لا يسامحه! لم يرتكب ذنبا كبيرا، والنقود التي دفعها ثمنا لكيلو من العسل لن تفقره  ! ؟

ويحدث نفسه ، أنا فقير معدم وتجوز عليّ الصدقة! ليعتبرها حسنة وله أجرها، كم يبدو قاسي القلب لا يعرف الرحمة،  لقد صرفت كل ما أملك على علاج زوجتي حتى تنجب. وهي الآن في الحديقة؛ والجو الخريفي بارد في الليل، الذي تسلل وأنا هنا؛ والضابط لا يعفو عني ولا يتركني اذهب لشأني ،حظي أسود، إنني تجولت في نفس المكان الذي بعته فيه العسل، للوهلة لم أتذكره ! إلا حينما امتدت قبضته، وشدتني من ياقة القميص ،نظرته الغاضبة أخافتني وارتبكت ،بدا وكأنه لم يعرف الضحك منذ ولدته أمه! لم يضحك ويمزح إلا وهو يشتري العسل،تلك المرة كانت برفقته سيدة جميلة! ربما زوجته ،أو لعلها عشيقته،  أخذ  يمازحني ويطلب مني أن أعدد فضائل العسل من ناحية إمداد الرجل بالقوة ؟!

                               

************

الضابط غير غافل عنه!

لكن الموقف لا يتعدى خطأ ارتكبه رجل فقير؛ يريد أن يحتال ليأكل لقمته ، لكن مثله لا يقبل أن يكون ضحية لنصاب حتى ولو كان المبلغ زهيدا ؟!

وراح يتلهى بالأوراق وينقر الطاولة بأصابعه ،يريد أن يوحي بلامبالاة للرجل صاحب العسل، وفي الحقيقة هو مشغول ومستغرق بما دعاه إلى شراء العسل أكثر؛ وأقر لنفسه بأن هذا الرجل الأبله مسكين ويستأهل الشفقة، ولكن كيف ينسى أنه بقي ضالته لأيام ، لن يرحم هذه النظرة الحافلة بالانكسار والذل ..حتى ليبدو عاجزا عن النطق ..عاجز !هذه الكلمة مؤلمة، منذ متى بدأ يشعر بهذا العارض؟ لم ينتبه إلا حينما بدأت تلمح له بأن عليه مراجعة الطبيب ، الطبيب كم يصعب عليه زيارته وعرض مشكلته وهو بهذه الهيبة ؟ لكنها ما تزال فتية لم تتجاوز الثلاثين وهو قارب الخمسين؛ والرغبة تذوي منه مثل شمعة بدا ضوؤها يخفت! بادئ الأمر، اعتقد أن الأمر طارئ من ضغط الحياة والعمل، وأن في  الصبر أفضل حل، لكنها  أخبرته أن العسل جيد لمثل حالته،  حينما رأت الرجل يبيعه؛ أصرت على أن يشتري ويجرب، ولم ينفع معه! وخجل من مصارحة أقرب الأصدقاء إليه ،وهم جميعا يتباهون في جلستهم الخاصة بفحولة يعتقد جازما أنهم جميعا يكذبون ؟

هذا الأبله، صفعة قوية ، جعلته يبلع لسانه ويركن للصمت ويوم باعني العسل أفاض في الحديث عن حسناته ؟

-ماذا تعمل غير بيع العسل المغشوش ؟

-أبيع العسل فقط الذي تصنعه زوجتي ، سامحني يا سيدي وأرد لك المبلغ، ودعني أذهب  إنها تنتظرني في الحديقة، وهي حامل في الشهر التاسع !

-ربما سبقتك إلى البيت لتصنع العسل؟

-لا، لن تفعل طلبت منها أن تنتظرني، وهي لا تملك نقودا ،ولم تعد تستطيع صنع العسل

-كيف تصنعه ؟

-تخلط مقدارا من العسل الحقيقي؛ مع عشر أمثاله من الماء المغلي بالسكر والنكهة.

-أرباحك وفيرة؟

-كلا،الآن في الخريف لا يوجد كثير من السائحين، الذين يشترون بكميات كبيرة ويدفعون بسخاء.

-سعيد،هه ، تشوه سمعة البلد ؟

-سامحني، لن أعيد الكرة، هات يدك لأقبلها "وحينما اقترب منه ،ابتعد الضابط وصرخ"

-قف مكانك ،وانتظر !

 

*****************

 وقف في الباب جندي متأبط يد رجل ويحمل معه برطمان عسل :تقدم الضابط وهو يتأمله بنظرة متفحصة،ثم توجه إلى الجندي يسأله:

-نعم من هذا الرجل ؟ هل هو بائع عسل أيضا؟

-سيدي ، هذا الرجل استلمناه من المشفى العام ،قبضوا عليه ، ويعمل سائق سيارة أجرة،  بعد أن أوصل سيدة  في حالة وضع ،وقد أغمي عليها تماما والسيدة لا تحمل مستندات رسمية ويدعي عدم معرفته بها !

-أين وجدت السيدة ؟

-سيدي ،كانت حالتها صعبة وكنت قريبة من الحديقة في طرف المدينة وهي وحيدة لا تملك النقود حين فاجأها المخاض ،طلبت مني إسعافها مقابل برطمان عسل أصلي !

انتفض الرجل قائلا:

-سيدي أنها زوجتي !

-أخرج مع السائق ليوصلك إليها هيا انطلقا

استدار الرجلان فرحين بنجاتهما من الورطة التي فاجأت كليهما هذا المساء، وبقي العسكري واقفا وهو يتأبط  برطمان العسل وينظر إليه بشهوة بادية

-وأنت ؟

-حاضر سيدي !

-خذ العسل ، سيمدك  بالطاقة والقوة، قاوم به برد الشتاء القادم؟!                 

 

 

 

في عراء المنفى !

 

الحقيبة تتأبط متاعي، ساكنة بغير ملل قريبة من المدخل، وأنا في جلستي على آخر كرسي في الصالة وقريبا منها مازلت أتأبط انتظاري الممل!

كان شوقي لرؤيته قبل الرحيل؛ لا تضاهيها سوى رغبتي  في بقائه مستسلما لنوم عميق ،حتى يحين موعد سفري وارحل دون وداعه!

الآن فقط،أدركت مدى تعلقي بهذا الرجل والذي قبل ثلاثة أشهر فقط، لم أشعر بضرورة التعرف عليه.

 ****************************

لبيت دعوته، ولم أكن قد عرفته بعد وجها لوجه ،فقط سمعت عنه ،،كنت أشعر بحرج شديد،مرده خوفي من أن يكون منتميا إلى المعارضة ، ومع ذلك بقي شغفي لمعرفته أكبر بكثير من خوفي.

صديقي، المقيم هنا في روما ، فهم ما اعتمل داخلي ،فهمس لي ونحن في الطريق نهم بركوب السيارة :

-لا تخف، هواجسك لا أساس لها، الرجل غير محسوب على المعارضة.

وحين هممت بتفسير ما دار في ذهني من خواطر،تابع قائلا:

-أفهم، لأنك صحفي وفي بداية الطريق تخشى على نفسك؛ من السير في مغامرات لا طائل منها، ولكن كما سمعت، هذا الرجل شخصية ثرة، لا تفوت فرصة معرفتك به .

 ربما أصاب صاحبي، ولا أنكر أن شوقي ازداد لمعرفته .

****************************

ومنذ أن فتح لنا الباب، وجدت يده تعانق كأس الشراب كما لو أنها تعانق حبيبة.

على منحدر المساء التقينا، ومرت الساعات، نتسكع رصيف الليل حتى هجع، ثم أخذ مّضيفنا وهو في حكاياته الحلوة؛ يعطر السهر بقفشات ظريفة ،ثم إذا ما انتابه حزن مفاجئ، قضى عليه بسيل من الشتائم ،وراودنا الشعور بثمله؛  وهو ينتحب غربته وبعده عن الوطن، وأخذت الألفة بيننا شكلها النهائي؛ في غفلة من حواسنا،لم نخطط لها ولم نتفق عليها، لكنها جاءت، تعلقت به؛ وبادلني ذات الشعور، فاقترحت عليهما، أن الوقت حان للرسو على مرفأ الصباح الذي لاحت شقوقه .

لكنه،بادرني أنا شخصيا، بدعوة خاصة  للإقامة عنده،  لم أمانع،ورحبت بالدعوة،  والاقتراب  من رجل قارب الخامسة والستين، أنفق ما يقارب الأربعين عاما في مهنة المتاعب (الصحافة).

 كنت إلى جانبه في هذه الأيام، أجد نفسي كلما توغلت في أعماقه، أغراني الفضول للمزيد،لأراقب رجلا قرر أن يجرد نفسه من لحاف الوطن، ويتوسد عراء الغربة والمنفى. بالرغم من أن ما كان يجري في عروقه، هو ماء ينابيعها وسواقيها،عروقه التي تنبض بذاك الحنين الذي لا يستباح ولا يكشف عنه، إلا في بقايا ثمالة آخر كأس يتجرعها كل ليلة.!

**************************

في الماضي،كان صحفيا امتلك ناصية الكلمة، فراح قلمه؛ يرمح فوق صفحات جريدته دون وجل أو خوف،كانت الرؤية لديه أبعد مما يجب لتلك المرحلة،واكتشف أنه حتى يكون شفافا وصادقا، عليه أن يلملم أوراقه ويرحل.

استيقظ ذات صباح، وهو في قمة مجده، حمل حقيبته دون حبر أو ورق،بعد أن  ضاقت الإجابات على أسئلته المبهمة والتي ظن خطأ أن الوقت قد حان لطرحها، رحل وهو يودع أحلاما صدئة، درجت مع الريح لإصدار صحيفة، من ملجأه الجديد .

مساعيه خابت فقط، لأنه لم يجد المال الذي يدعمه. وأخذ يمضي أيامه ينفق مما يصله من أهله، أو حينما يأتي أحد المعارف في زيارة أو مهمة، ويطلب منه تحويل ما يملك من العملة، حيث يتبقى له مبلغ هو الفرق بين الأسعار ،وهذا ما فعلته أنا أيضا .

لكن الموجع،هو ما اكتشفته بنفسي ..كان يصرف المبلغ الذي استفاد به من جديد على ضيافة  نفس الشخص ،أما بدعوته إلى العشاء أو الخروج في نزهة .

كان كريما مضيافا،ولكنه يتحول إلى شخص شرس،قادر على شتم من في ضيافته بعد أن يصبح ثملا.

وبقيت حياته في الغربة، مثل محارة قذفتها الأمواج في لحظة غضب بحرية، إلى رمل الشاطئ فأخذت تنتظر بين الشهقة والأخرى؛ مد البحر وجزره على أمل مدّ قوي أو موجة صاخبة تعيدها إلى أعماقه من جديد.

*******************

لم يتبق لي سوى أيام وأعود، لكنه هذا اليوم فاجأني بطلبه:

-أعلم أنك تتكلم اللغة الإنكليزية بطلاقة ،وأتمنى لو تحضر معي لقاء من نوع خاص وأريد أن تكون المترجم بيني وبين سيدة تملك  أكبر دار نشر وهي بريطانية .

-وتعلم أن هذا من دواعي سروري أ ن أكون برفقتك وبرفقة سيدة مهمة.

******************

سيدة  لم تتجاوز الخامسة والثلاثين ،رقيقة وجميلة ، تفرغت لاستضافتنا بشكل لائق، كانت سهرة رائعة، وصاحبي حلق في تجليات البوح حتى قارب الحد الأقصى و بات يقترب من مرحلة السكر ، طلبت مني السيدة أن أنقل له عرضها  :

-السيدة تقدم لك مليون دولار، مقابل أن تنشر مذكراتك عن الفترة التي عايشتها في الوطن أثناء مرحلة التغيير، على أن تكتب كل شيء عن أصدقاءك العسكريين ورجال الأعمال عن رجال الصحافة عن الفقراء لا تستثني أحدا،وهي كما تقول عنك أنك شخصية غنية، وكأن الوطن أودعك ذاكرته.

كنت وأنا أنقل له الكلام، في حالة قلق من قدرته على استيعاب العرض ، بل اعتقدت أن السكر استبد به، لكنه انتفض فجاءة وأنا أحاول تكرار ما سبق عرضه،وأشار إلي بسباته أن التزم الصمت ورد علي بصوت هادئ قوي لا يشوبه انعراج :

-سيدتي ، سررت بضيافتك ، أنت سيدة جميلة ورائعة للغاية،ولكن نسيت شيئا هاما ،وهو إنني قد أختلف مع نظام الحكم في بلدي، ولكن أبدا لن أخون وطني . قبل أيام تحدثت مع البعض بنيتي في كتابة مذكراتي ،لكنني لم أكتشف كم هي بشاعة الجريمة التي سأرتكبها فيما لو فعلت، إلا بعد أن قدمت عرضك هذا – أشكرك .

***********************

شبك يده بيدي، وانطلقنا في الشارع المبلل بنثيث المطر ،وسمعت صوت زفراته والتفت ناحيتي ليقول:

-يحضرني قول لأحد مفكري الثورة الفرنسية يعبر عن حبه للوطن فيقول(( يا للأسف لا سبيل أن نموت من أجل أوطاننا إلا مرة واحدة..))

قبل أن أعلق وجدته، يترنح في مشيته؛ عائدا من جديد  إلى  ثمالته ، كما كان قبل عرض السيدة .

ومشينا، نقطع المسافة الطويلة سيرا على الأقدام .وأنا أحاول استفزازه ببوح أكثر ،لأعرف كيف يرفض عرضا، وهو أكثر من يحتاج المال؟ وهل داهمه شعور بالندم أم هو مقتنع بما فعل؟ بقيت أسئلتي دون إجابات شافية، وكأنه بعد خروجنا ،قرر أن يوصد ذاكرته على ذلك الماضي ،بينما رحت أناوره  لأكنس المزيد من غبارها،كنت أعرف حلمه في جمع ثروة ليصدر صحيفة وصارحته لكنه أجابني بثقة:

-إذا ما باغتتنا خديعة الأحلام،تصبح مثل الشوك النابت في المآقي .

-مرة سمعت متسولا يقول:" الأشواك لا تؤذي إلا الأيدي الآثمة؟!

-وستبقى يدي نظيفة،لن تخدعها أحلامي.

وقتها أدركنا أننا أنفقنا الليل ونحن في نفس الدوامة، وشهقنا بفرح طفولي ونحن نستسلم لانبلاج ضوء الفجر وقد اقتربنا من المنزل.

 **********************

هذا الصباح ،أزف موعد الوداع، أبقيت أحزاني معلبة ،خوفا من انفراطها في هذه

الساعة،لئلا تتناثر شظايا مؤلمة لكلانا .

سمعت صرير باب غرفته، تقدم وهو يدعك جفنيه من آثار النعاس ، وقبل أن أسأله من جديد قال لي :

-هل تعرف يا صاحبي، أحيانا اشعر بأن حياتي كانت سلسلة من المعارك ، دفعت حريتي ثمنا لها ،المشكلة أنني كنت أخوض حربا لصالح الآخر الذي أمسك على الدوام بعنقي ،ما أتعس أن يخوض المرء حربا غير مؤمن بجدواها،لكن الحروب من أجل الوطن شيء مختلف ومن الأفضل؛ أن تبقى بعض الأحداث طي الكتمان ، لا تحزن لأنك لم تعرف السبب لكن لدي شيء واحد أقوله لك ، الآن ،أرى نفسي مثل لاعب سيرك ،يمشي على حبل مشدود وفي فمه نصل حاد، الحبل صراطه للوصول إلى الضفة الأخرى ،وكي يصل يتوجب عليه المحافظة على هدوءه واتزانه.هذا ما أفعله بدقة.

حملت حقيبتي ،لم التفت إلى الوراء، ولم أنطق بحرف ،كنت أشعر أن حبال صوتي أصابها اليباس وأنني لن أقدر على وداعه .

           

 

 

الأظافر المكسورة

 

(1)

بدأت الصالة تزدحم بالمسافرين، الكل يستنفد لحظات انتظاره في الوداع، حتى آخر قطرة من الزمن ،وحدي أنا ،هاربة منه،الوداع، لا حزنا،بل مقتا له، من يكون حتى أغتال وقتي في وداعه، وهو اغتال داخلي كل شيء جميل …

انتهت المساحة على  الورقة الصغيرة ، الحقيقة أكتب كلماتي على بطاقة من تلك التي تعطى للمسافرين أثناء دخولهم إلى المطار ،نماذج ، وأنا أخذت أجمع منها المرمي وأكومه على الطاولة في صالة الترانزيت من الخلف بيضاء،لا بأس تتسع لنثر همومي ،لكنها أرق من أن تحملها؟!  

(2)

-هل مازالت دماؤه تجري  في عروقي ؟  تغذي قلبي؟! وتدخل إلى دماغي فتنهل منها ذاكرتي ماءها، مخيف ؟! سأبدلها!  أجل سأغير دمي، أطلب تبرعا بالدماء، وأشتهي أن تكون نظيفة صافية  لا تلوثها الأخطاء ، مثل دم الأطفال ! إنها فكرة رائعة هل أجد متبرعا ؟

حسمت أمري ،واتخذت قراري ، وجسدي يرتدي الكرسي في صالة الانتظار،ويدي اليسرى عالقة بأذن الفنجان الخامس ثم ترتاح لتعلق بأهاب  السيجارة العاشرة، تمتص شفتي، واليمنى تسود الصفحات البيضاء الصغيرة ، كما هو وجود بعض البشر يجعل حياة من حولهم باهتة دون لون

صوت المعلن – في المطار – لم يتعب وهو يعلن عن تأخير الطائرة لأسباب طارئة!

وأنا – هل جئت هذه الدنيا بسبب نزوة طارئة ؟اللعنة !هل كنت من صلبه؟ من صلب ذاك الرجل ؟ أم أتيت في غفلة من زمنه وهو لا يدري،ثم أدرك بحدسه ؟؟

واسمه، أجل اسمه مدرج يزيل أسمى !  افتح جواز سفري لأتأكد ،يا للخيبة حتى هو سأقدم طلبا للجهات المختصة أغير اسمي أليس هو من اختاره ..وبالطبع اسمه أيضا سيمحى من كل أوراقي، ومن ذاكرتي.

 

(3)

ماذا لو أنه كان مختبئا في حقيبتي، مسافر فيها؟! عندما أصل وأكون مسرورة بالهروب منه يفاجئني موظف التفتيش يقول :

-افتحي الحقيبة !  ويصرخ ،من أين جئت بهذا المسخ ؟ مسخ نعم هو كذلك،

يا إلهي، تهزني المبالغة في التصور، لا مستحيل خلفته ورائي ،متأكدة اللعنة، قطف الأحلام الحلوة من عمري وزرع بدلا" عنها كوابيسه، تطاردني في كل زاوية ؟؟

(4)

آب اللهاب ..!!

انه السبب ..؟ الشهور الحارة في الصحراء تغلي الدم في العروق وتغلي معها الشهوة!  ومتعب هو ؟ وأمي هجرته ! وما ذنبي أنا ؟  إنها أمي الحقيقية التي حبلت بي وهنا على وهن …حينما أصل ،سأرمي بكل أثقالي وهمومي وثورتي في وجهها،  هذه المرأة التي اختارت رجلا" ليس أبي، وستقول لي بسكينة وضعف وما ذنبي أنا ؟!

أجل، لا  ذنب لها  سأرمي بنزقي من نافذة الطائرة ، ليتناثر في هواء المدينة،  سيلوثها بقذارته .!

-هل تريدين مزيدا من القهوة ؟

-نعم، من فضلك هل لديك قهوة للنسيان ؟

يبتعد النادل وهو يهز رأسه ضاحكا!  يظن أنني أمازحه!  لا يدرك مدى سعادتي، بأنني حينما أصل، سأتمدد في فراشي أفرد جسدي دون وجل أو خوف، هذا النادل لا يتصور كيف قضيت الليالي الماضية، متكومة داخل جسدي مثنية على وجعي، منكمشة في فراغ الغرفة الضيقة في إحدى زواياها، مختبئة عن عينيه ؟  لكنني كنت ارتعش وأنا أسمع صوت أنفاسه في الغرفة.

يطفئ النور في الصالة، ويتقدم، اسمع دعساته على الأرض تدب، تدب، دب، دب، دب،  يرفع الغطاء الثقيل عني –ونحن في عز الصيف ويسألني ببراءة :

-هل تشعرين بالبرد ؟

-ابتعد عني،أرجوك؟ أصرخ ،  آي، يخرسني. تمتد يده القوية تلجم صرختي الثانية وتبقى عيناي تحدقان به للوهلة، أخجل؟! نعم أغمض عينيّ، ثم …،

هو لا يعنيه الأمر ..لا يهتم ،حينما يتضرج وجهه وتلهث أنفاسه قريبا من وجهي واسمع نبض قلبه .تك بم ..تك بم ..تك بم ..لا،انه قلبي ..أنا خائفـــــــة ماذا يحدث ..؟

 

(4)

هكذا صرخت في المرة الأولى ؟ ماذا يحدث ……….أتذكر جيدا:

-      ماذا يحدث؟ ما …با … ،أمسكت بزجاجة المياه الباردة ورميتها على البلاط ، تناثرت قطع الزجاج حولنا ،لم يهتم، تقدم بشراسة أكبر، طرحني على الفراش من جديد، وارتفع ثوبي، كان يكابد داخله وحشا نهما!  يهوى افتراس اللحم البشري؟  كان شبقا لأنثى! أي أنثى!

لا يهم إن كانت دماؤنا واحدة! وانه أبى؟ الذي افترش قبل نصف ساعة سجادة الصلاة !ورتل آيات الذكر الحكيم! ؟

لكنني لم أرحمه، .غرزت أظافري الطويلة والحادة في لحمه، وسال دمه! وأنا أيضا، نسيت انه أبي، الحاجز انكسر؟؟  هذه العبارة قالتها صديقتي!