أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: سامي حمزة

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في قرية خناصر في محافظة ( حلب) عام 1948

يعمل في التعليم في مدينة الرقة

عمل في المسرح المدرسي والشبيبي، والمركز الثقافي.معداً وكاتباً ومخرجاً.

كما عمل في الصحافة والإذاعة مراسلاً ، وأميناً لمكتبة المركز الثقافي العربي بالرقة

له أعمال درامية متلفزة، كتبها عن نصوص أدبية له.

عضو في جمعية القصة والرواية.

وحالياً : أمين سر فرع اتحاد الكتاب بالرقة

 

له:

1-استنشاق رائحة اللون- قصص.1982

2-المطر في خامس الفصول- مسرحيات.1984

3- اضطرام الهويس- قصص 1998

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

دمنة

بكور يلحق بكروم

في الروح يسكن الجسد

جورية والجوال 

شخصية وستة مؤلفين

أبعاد حمامة بيضاء

عبد الله وعبد الإله

الذي قصم ظهر الحصان

 

جــوريَّــة والـجـوّال

 

 

- شبت رشيقةً كالسهم، تثير غيرةَ النساء قبل هوس الرجال، وهنَّ يرينَ لهفتهم على جوريّة المهرة الحمدانية، عند النبع أو في المرج، وقد سرى في الحيِّ ما أطلقه الشباب عنها، وتشبيه فتياتهم بها. حتى بعد أن سُرِقَتْ ظلت مثلاً، وبقيت صورتها حاضرةً في الأذهان مزدانة بطلاوةٍ وعنفوانٍ، وبعضهم لا يخفي حسرته عليها وإن حاول كتم غيرته من سارِقِها، لأنه حَظِيَ بما لم يحظ به غيرهُ.

كان "حرير" الجوّال قد سئم رعي حمير الحي وكدشه ، وضاق من إهمال الناس له، وأيقن أَلاّ أهمية لوجوده يوم داهم السيل المرعى، فتراكض أصحابُ المواشي فزعين يتخبطون في الماء والطين لتخليصها من الخطر المحدق بها، حتى إذا تسنى لهم توازعها، وجد نفسه وحيداً في بريّةٍ موحشةٍ خاليةٍ من أنيسٍ سوى حمارته، لو سأل عنه أحدهم مثلما سأل عن بقرته العجفاء!. لو اهتم به أحدهم اهتمامه بحماره المدبور!.

-: لو كانت لك قيمة حمارٍ لسألوا عنك.

تضخم الألم في أعماقه، وطغى حنظلاً في جوفه، وازدادت مرارة حلقه؛ إذ تنداح عواطفه على تفكيره، فيقبض فتحة ثوبه عند الصدر ويمزقها إلى سرَّتِهِ وينيخ على ركبتيه كجملٍ هائجٍ رافعاً وجهه إلى السماء، ضارباً صدره بألم المكبوت الذي لم يعرف الحيّ حباً كالذي يغلي في قلبه، ولا أحد يدري.

-: إلام يا رب الخلق؟.

وتسيح دموعه على خديه فتعلق بشعر لحيته الكثة، أملاحاً مصهورةً بمرجل قلبه، ويفرُّ قلبه في الصباح لقدوم صبحه تقود جوريّة، وكلما اقتربت ازداد نبض القلب وانبثقت هواجسه كمن يتوجس النوائب. سيحدثها، سيقول "القصيد" بقدِّها ونحرها وجيدها وهدب عينيها وخصرها وشعرها.

-: يا صبح...

وتتقدد الألفاظ الندية على شفتية المتفدعتين، وتسري البرودة في نخاع الظهر، وترتخي مفاصله، وتلفحه ريح الخيبة للمرة التي لم يعد يعرف عددها، حين عقدت صبحة رسن جوريّة، فانطلقت هذه وأدبرت تلك...

صاحت الشياطين، وعوت الذئاب، وأنشبت عشرات القطط مخالبها في صدره، فالتوى زفيره يُضرم النار في أحشائه.

-: هاهي ذي قد أكدت لك مرة أخرى أنها لا تعيرك اهتماماً، ولا فرق عندها بين حمارتك وبينك.

فدبَّ كالمجنون نحو جوريّة. اقتادها واعتلى الصخرة والجفاف يمزق لهاته، وتعاظمت صبحة في خياله هادئة مستسلمة جوريّة الآن. وحين حاول امتطاء صهوتها هوى مرتطماً بالقاع كخرقة بالية مبللة، إذ قفزت جوريّة تصهل كما لم تصهل من قبل، وراحت تجوب المرعى، فقعد على الصخرة محموماً تتفجر في صدغيه وقحف رأسه كلماتها: صبحه يا بنات لن تكون إلا لمن يأتيها على صهوة فرسٍ مثل جوريّة، فيأخذها رغم أنف أكبر رأسٍ في الحي.

وهوت فكرةٌ في رأسه كسيفٍ يهوي على رقبة غافٍ فشقت تفكيره وشطرته.

-: أتفعلها يا ولد؟. افعلها واصنع رغبتك. واجعل من قدها فرس ليلك، مثلما ستكون جوريّة فرس نهارك وغزواتك، فتكون الفارس الذي امتطى اثنتين من الأصائل في وقت واحدٍ، واجعل لك من صبحة ذريةً بعدد شعاب الجبل، واجعل من جورية جذع شجرة خيل أولادك، ولتكن فارساً خلّف فرساناً.

امتدت يده فامتلأت قبضته بأضمومة ورد النرجس، فأبرزها على كفه وتقدم بها نحو جوريّة، حتى حاذاها فأمسك جيدها، وبكل قوته قفز على ظهرها، وصاح صيحة انتصار، وراحت به مسعورة مأخوذة بالمفاجأة، هي المهرة التي لم تعتد أن يعتلي صهوتها أحد. كالسهم ومثل رصاصة طارت به، يتطاير الحصى والثرى خلفها زوابع غضب مستثار، وينشق الهواء بعنف صدرها، ويتمزق المدى بقوائمها، وبرأسها تعلن اللعنة على كل ما يصافدها، فلا تذر ولا تُبقي من سهل ومرتفع، غضب قد ذهب بكوابحها، وإهانة لم تحتملها، جعلتها كوحشٍ قد استضرى.

وحرير قرادةٌ تلتصق بظهرها، أحس بورطة غير مرةٍ إلا أنَّ نار قلبه من صبحة كانت تجعله كعنترة.

غرقت جوريّة بعرقها، والتهب جوفها عطشاً، فزفرت وتوقفت، فكبا حرير من فوقها ملقىً عند رأسها وقد امتلأت رعباً، وأنهاه الخوف والتعب فأخذ يئن، وجوريّة تشخر.

- ها أنت ذي يا جوريّة، نصف دربي إلى صبحة.

همَّ بامتطاء صهوتها، فهوى ساقطاً، حاول ثانية فأطاحت به.

-: ماذا.. أيضيع الحلم هنا؟!

تَدَلَّه لها. سامها العذاب. لاطفها. أهانها. دون طائل، وبدأت حمى الرغبة ترضخ للواقع، ثم ثارت الأحلام براكينَ تقذف الرغبة والإصرار، ثم ما تلبث أن تسكن سكون العاصفة التي تعصف بكل شيءٍ فتخرب وتدمر ثم تنتهي إلى وحشةٍ وفراغ، ولا يعود لها اسمها!!

جوّعها. ربطها إلى عربة حمولة وجالَ بها البراري والقرى، ثم حاول امتطاء صهوتها فأخفق.

-: لست فارساً.

-: بل هي ليست أصيلة.

حاول كثيراً وطويلاً، ولم يتمكن حرير أن يكون فارسها بعد تلك المرة. يئس فباعها واشترى كديشة وعمل حيث حلَّ جوّالاً يغرق في صمته وحزنه، فصار بنظر أصحاب البهائم؛ الدرويش الذي لا يبغي سوى لقمة العيش، فيزداد إصراراً على الصمت، ودموعه تنسكب في داخله طويلاً. إلا أن قدوم جوريّة بعد حين وخلفها فلوان "فرس وحصان" في جبين كلٍّ منهما غرة بيضاء، حركت قرارته فأدرك أنه قد خسر نهائياً وصار محالاً عليه الاستمرار، وجوريّة أمامه تستجر إليه خيال صبحة كلَّ دقيقةٍ، فقرر إنهاء عذاباته. وعندما قاربت الشمسُ الغروب، وبات قريباً موعد عودة القطيع، اقترب من جوريّة ووقف أمامها وقال: سامحيني. رغبتي الأخيرة أن أسمي الفلوين، فهي صبحة وهو حرير. ثم اختنق بعبرة بكاءٍ جاشت في صدره، واستعصت على مآقيه، فدفع القطيع شمالاً نحو القرية، وأدار كديشته نحو الجنوب، ومضى شبحاً يغرق في الغسق مختفياً بظلمة أول الليل.

 

 

 

 فـي الـروح.. يــسكن الـجــسد

 

 

-: كان يفكر بالتناقض الحاد، بين زحام الشارع على بعد خمسين متراً، وهدوء صالة العرض الخالية إلا من أشخاصٍ لا يتجاوز عددهم عدد أصابع اليد الواحدة. هناك لهفة وإلحاح على بضائع وحاجات، وهنا تصلب لوحاته طوال الوقت تمر بها عيون عجلى، ثم تتابع ضياعها في خضم الزحام.

-: لابأس. تمتم، وأخذ نفساً عميقاً من لفافته، ثم نفث الدخان متنهداً، وقد سَلَّم باندحار فنه أمام طغيان الاستهلاك، فليس سهلاً إقناع الناس بما لا يمس حياتهم مباشرة، هذا شأن الإنسان. إنه لا ينسى ما يملأ به جوفه، وما يبرقع به هيكله، ليبدو في النهاية مهرجاً في سيرك رخيص!.. بينما ينسى دهاليز روحه معتمة دون إنارة.

هست اللفافة وهي تكوي إصبعيه، وقد شرد فانتفض ووقف أمام أحدث لوحاته، يرى فيها اختناق نبض قلبه وقلق روحه، هاهي ذي أرجل بلا أصابع، بعضها بمخالب، وأخرى بحوافر، تعلوها قامات ممسوخة عمَّها التشويه، واندلقت أعصابها حبالاً تشنق الأفئدة.

ثمة إحباط وقتامة في الدرب المنحدر إلى الهاوية، وحناجر طيور تكاد تنشق صارخة: "هذا درب الخلاص فاطرقوه". بيد أن الجماجم بلا آذان!.

- أحسَّ بأنفاسٍ تلفح رقبته، استدار فكانت تنتظر في أعماق عينيه وتُطل منهما إلى سدرة روحه، جمدا في مكانيهما؛ بل تحرك كل ما فيهما، واستأنفا بعينيهما حديثاً كأنهما كانا قد بدأاه من سنين!.

-: أين كنتِ طوال سنواتي العجاف؟. أيتها الخرافة الحلم!. انتظرتك كامنة في ذاتي دهراً، ما لقيتك أو وجدت دليلاً نحوك.

-: أيها الرجل الفار مني أبداً، لن تهرب مني اللحظة ولا بعدها، انظر ما فعلته بي الشتاءات القارسة؛ وأنا أحلم بساعة قدومك تذيب ثلج العمر.

-: إنني أصارع ذاتي كي لا أقضم شفتيك هاتين اللتين لا أدري لِمَ لمْ أستطع رسمهما، رغم أنهما في خيالي! لقد أَثْبتِ لي عجزي في التكوين ومزج الألوان.

-: أَحِسُّ بدمائي غزيرة في كياني، يا أنت الذي حلمت به يأتيني بالأغاني المفعمة حِسَّاً ليرقص على أنغامها دمي في شراييني، فهلا شدوت؟

-: أيتها الفرحة القادمة من نهايات الآفاق، أُحِسُّكِ هنا في صدري، تداعبين أوتاري، فتعزفك أغنية للعمر الآتي. ما من لوحةٍ هنا في القاعة تمثلني الآن، إنك فوقها جميعاً، إنني أُسلم بضحالة خيالي أمام طود ذاتك.

-: لن يهون عليك أن تدب الكهولة في مشاعري وقد أيقظتها بعد سبات، إنني طوع يديك، خذني إليك.

-: هأنذا أهاجر إليك يا وطني، أزرع رجولتي نخيلاً وعنباً في أنحائك. إنني لا أرى في هذا المكان أية لوحة، أنا وأنت اللوحة.

-: بعثت فيّ الإحساس بأنوثتي.

-: كنت قبلك رملاً.

-: خذ سكوني على أنه الذي يسبق العاصفة، أُحِسكَ إعصاراً يزلزلني، انفخ في الصور كي تحيي ذراتي وهي رميم، أوقدها، اجعلها لهيباً إنني أتوهج ضياءً. أنت النبع الذي يروي (يبس) حقولي، إنها تحتاجك لتثمر، خذ رمالي يا نبيي واجبلها برضابك، شكلها كما ترغب، وانفخ فيها تجدها روحاً تَسَّاقط عليك عاجاً رطباً، إنني خُلقت بك الآن وأكلمك من مهدي.

-: إنك الروح، وهأنذا جسد قد تمَّ تكويني، ادخليني راضية وتشعبي في شراييني، وازرعيني قمحاً وكوثراً، فما عدت الأبتر.

امتدت يداهما معاً، تماسكتا كحمامتين توضعتا أُنساً، ثم سارا خارج صمت القاعة وسلكا النسيم مثل طائرين انطلقا نحو ربيع عمَّ كل الفصول وفاض إلى السنوات الآتيات، يكسو أيامها نضارة، فينجلي الليل ويخضر الكون، وتخرج العصافير جماعات من وكناتها، وتزهر الأشجار، وهما ييممان وجهيهما وقلبيهما وجسديهما نحو النهر، يسبحان تحت نور قمر أخضر

 

 

 

 بــكـور يـلـحـق بـكـروم

 

 

-: حين باع بكور آخر زوجٍ من حمام "أسود ذيل" الذي سرقه من زكور، كان وجهاء الحي قد اكتمل عددهم، واتخذوا أماكنهم على مصاطب مضافة كنجو "أبو عبدو" رَجُلاً بجانب رَجُلٍ، ونرجيلة بجانب نرجيلة، بينما تراكمت في العتبة مجموعة من الأحذية المبوّزة، المطوية أكعابها بألوانها الكرزية والسمنية والبيضاء.. وكان هو اللون الغالب. تنحنح شحود "أبو صطيف" وطَرَفَ بعينه لكدرو، وأشار ناحية كنجو قائلاً:

الكلام يا شباب "للعقيد"، وما على الحاضرين إلا سماع ما يتفضل به، وعُمُر السامعين يطول.

ورد الحضور: تفضل أبا عبدو، إنّا نسمع.

عالج العقيد شاله الحريري، وعدَّل "العرقية" وأزاح طرف "الجمدانة" بعد أن مسح طرفي فمه وقال: شرف "الكار" مصون بهمتكم وغيرتكم ونخوة الرجال.

ردد الجميع: تعيش أبا عبدو.

فأردف: رجال (الكار) في الحارات الأخرى لن يرحمونا إن وصلهم الخبر.

قال شحود بصوته الممطوط: خبر بكور سر في صدورنا يا عقيد.

ودون أن يلتفت إلى شحود قال العقيد: ليس خبر بكور هو الذي يجب أن يبقى سراً؛ بل خبر أن يقوم واحد مثل بكور بنشل حمام ابن (كار) مثله، ونبقى نحن عقيداً ووجهاء ساكتين.. هذا هو الخبر الذي نخاف أن يعلموه. شهامتنا يجب ألا تدع مجالاً لأي عقيد في أية حارة أن يُمسك علينا زلَّة "باطل!". أما أن يسمعوا بما فعله بكور؛ فهذا ضروري، وإذا لم يسمعوا حتى الآن، علينا أن نرسل إليهم من يخبرهم.

قال زكور: يستأهل التشنيع.

فقاطعه العقيد: لا تغلط يا زكور بحق (الكار)، سنسمعهم بما فعله بكور بعد أن نكون قد قلنا كلمتنا فيه، لقد "قلَّبت" الأمر في عقلي يا شباب، وما رأيت طريقة لصون شرفنا إلا أن نرمي بكوراً خارج الحارة، وأنت يا أبا بكور، قل أمامنا الآن: الخلف والعوض على الله فيه.

أطرق أبو بكور صامتاً مغمضاً عينيه هازاً رأسه، فاركاً كفيه ببعضهما ثم نشق ما في أنفه.

قال العقيد: لم ترد يا أبا بكور!. هل بكور أغلى من كروم!؟. وحياة "شنبك" شعرة شعرة، ما أن سمعت خبر فعلة كروم مع الولد في الخان، حتى حلفت بالطلاق ألا يدخل الحارة ستة أشهر، ثم بعثت له صرة ثيابه، وحفظت لكم شرف الحارة، وقد رأيتم وقتها كيف قدَّر عقداء الحارات فعلتي، وقد قالوا: إن حارتنا حارة رجال، لقد نسبوا إليكم جميعاً ما قررته ونفذته وحدي. لماذا فعلت هذا بابن أمي؟. أليس لأجلكم؟. الآن أنهيت كلامي، وقسماً بالواحد القهار لن أزيد كلمة، والمشورة للرجال. ردَّ الجميع: فصِّل لنا ونحن نلبس، كلمتك لا تصير اثنتين.

مَسَّدَ العقيد شعيرات “شنبه” وامتص كمية هائلة من دخان نرجيلته على دفعات متواصلة، وتبعثر الدخان مع قوله: بكور يلحق بكروم.

قال كدرو: ابعث له صرة ثيابه يا أبا بكور.

قال العقيد: شرف "الكار" فوق كل اعتبار.

قال أبو صطيف: الحارة التي لا عقيد لها خرابة. ابتسم العقيد عن صفين من أسنان مكسوة بطبقة من الفضة بينها واحد مكسو بالذهب تتوسطه فيروزة زرقاء. ثم نوّس نظرته وعقد بين حاجبيه، وبطرف إبهامه داعب "شنبه" وقال: يتوزع الشباب في مضافات الحارات ويبثون الخبر.

وقام العقيد فهبَّ الجميع. اقترب أبو بكور من العقيد وهمس:

لكن كروماً في "بحسيتا" يا عقيد!.

ردَّ العقيد: أعرف.

ثم انفض الرجال مرتاحي النفوس، رافعي الرؤوس.

-: نكهة خاصة لعالم قائم بذاته. بوتقة للمتناقضات، وأعراف لم يشرعها أحد، لكن الكل يرضخ لها ويُلام من يخالفها، ذعرٌ وتربصٌ وتوترٌ واستهتار، وأيضاً خفر!. وشتائم مصوغة مسبوكة منغمَّة مضبوطة بإيقاعات منسجمة مع استثارة الغرائز، تتناسب مع ما يُلمس في المكان وما يُذاق ويُشم ويُبصر وما يُسمع.

وكان كروم قد اتخذ الزاوية القريبة من "مسرح غازي" مكاناً يزاول فيه عمله، ثلاث قوائم خشبية طويلة، عليها دفة منزوعة من صناديق شاي سيلاني، وبضع "كشتبانات" وحبة مضغوطة من القشرة الفضية الداخلية لصناديق الشاي، وقد صار بكور شريكاً له، يربح دائماً أمام هذا الوافد من ريف الجزيرة السورية أو تخوم البادية، فيبدي بكور أمامه اهتماماً خاصاً باللعبة، فيكتشف دائماً موضع الحبة المضغوطة تحت "الكشتبانة" إياها دون سائر الأخريات، وكروم يدفع له.

وشيئاً فشيئاً يفسح بكور مكاناً للصيد الوافد. متشاغلاً بِعَدِّ الورقات النقدية التي ربحها، ثم يهمس للصيد أن يلعب، ويشيرُ خلسة إلى "الكشتبانة" الرابحة.. بينما كروم يُبعد نظره عن التمثيلية، متشاغلاً بشيءٍ لا أهمية له، حتى يضع الصيد ورقة نقدية فيربح. ويتحمس أو يطمع فيربح مرة أخرى، فيهمس له بكور: ضع خمسين ليرة.

فيخسر، فيلومه بكور لأنه أخطأ إذ لم يسمع له، فقد أشار له إلى تلك وليس إلى هذه، ويحثه أن يضع عليها ضعف المبلغ ليعوض، ويقلب له "الكشتبانة" فتظهر الحبة، والربح مضمون. وكروم يتشاغل مع الذبابة يهشها عن وجهه، ويمد الصيد الورقة النقدية فيسارع كروم إلى تحريك "الكشتبانة" بلهفة، وتسارع أصابعه تلقف الورقة، ويتظاهر بكور بأن دورية الشرطة تكاد تباغتهم فيهمس متوتراً: "عباية.. عباية". وينطلق فاراً من الخطر الذي اختلقه، ويسرع كروم هارباً بِعِدَّتِهِ... بينما الصيد في حيرة وحسرةٍ والقهر يأكل قلبه، ويمضي يجر رجليه والعرق يتصبب من جبينه، وقد تكدر مزاجه وغلبه الغم.

وكروم وبكور يتناوبان العمل حتى موعد عملهما الثاني. إذ ينتقل كروم ليقطع التذاكر في كوَّة "مسرح غازي" وبكور يقف بالباب ممسكاً مكبر الصوت منادياً: تعال، متّع ناظريك، وشنّف أذنيك. رقص وغناء وفرجة، الليلة وكل ليلة مع الغجرية الحسناء... حتى إذا انتهى "البورغرام" رافق كروم المطربة المزيفة إلى زقاق الدعارة المرخصة، على بعد أمتارٍ من ذاك المسرح والسينما في آنٍ معاً، فيدخلان مدخلاً عليه لافتة مضاءة باسم "فيوليت اليونانية"!. فيجلس كروم بالباب مدللاً مشجعاً ذاك الريفي القادم على استحياء وقد نزل المدينة ومرَّ بصالون مزيِّن، ثم توجه إلى هنا مبهوراً وقد أخذته الدهشة من هذا الذي يراه وهو ما لا يخطر له على بالٍ وفوق ما يمكن أن يتخيله، مأخوذاً أمام الأجساد نصف العارية، وكتل اللحم الأبيض، وقد عُرض ليكون في متناول الأيدي...

وسيخرج من هنا ليأكل "الكباب" عند "سطّح" ثم يذهب لينام في أحد فنادق "جب القبَّة" ليسافر في اليوم الثاني عائداً إلى البريّة يجني الكمأة.

-: هُدِمَ ذاك العالم وانتهت الحياة فيه، وانتشر سكانه في شتى الأحياء يمارسون جُلَّ نشاطهم ليلاً، ويزّجون الوقت في بعض الساحات، وبأيديهم ساعات مذهبة وسبحات كهرمانية وحمام نادر، وبضائع مهربة وأشياء مسروقة، يدللون عليها، وفي الآن نفسه يبرمون اتفاقيات وصفقات ومواعيد ليلية في شقق متوزعة في أدنى وأرقى الأحياء، وبعض فنادق "بستان كل آب" وقد ملك بكور وكروم أحدها، حيث يمضيان فيه أياماً متشابهة، فها هو "كروم" يرشف من كأسه متنهداً ويقول: مضى العمر يا صاحبي بين هذه الكأس وتلك اللقمة وذاك الفراش.

ويرد "بكور": نعمة يا صاحبي نعمة... وما العمر لولا هذه وتلك وذاك؟

-: أخشى ألا يكون قد بقي من الزمن فسحة. وقد أمضينا حياتنا ".عكرته.". أرى كأني سأمضي قهقه "بكور" قائلاً: لا تحزن يا صاحبي، إن مضيت فسألحق بك. لا تحزن.

 

 

 

 دِمــنــة.!.

 

 

-: أنا ناظرٌ أرافق القطارات المسافرة، لمحطةٍ أو محطتين، تقصر المسافة إن قلَّ عدد الركاب، وتطول إذ يكثر المسافرون، وإن أنهيت مراقبة البطاقات وتأكدت أن الكل قد دفع، أنتقل إلى مقصورة القيادة، أتبادل والسائق الحديث ونشرب الشاي، إلى أن يصل القطار محطة، فأنزلها بانتظار القادم بالاتجاه المعاكس.

كان الوقت بعد العصر قبيل الغروب، في نهايات خريفٍ ناست شمسه. ابتعد التواء القطار عن مرأى العين، ومازال وقت وصول الثاني بعيداً. مشيت بمحاذاة السكة، وقفت، عدت، تطلعت على مدِّ البصر. لا شيء يتحرك!. صمت مطبق، ونسمة هجينة هبت. رفعت لها طرف سترتي، وأشعلت لفافةً واتكأت على حافة عربةٍ مهجورة، والشمس ذابلة يهمد وينوس نورها ويستمر أفولها.

الوحدة موحشة، في بيت، في سجنٍ، في بريّةٍ، فوق جبلٍ، وعلى شاطئٍ؛ وفي صحراء.. سواء. وربما هي كذلك في أعالي البحار وفي الفضاء!.

ضجرت.. وشعرت بحاجتي لأية حركة، لكن لا شيء البتة. عبثت بشظية بازلت مفلطحة مما يُفرش تحت العوارض.. تذكرت أموراً سيئة. امتعضت لتطواف خيالات مرعبة، حادثة رأيتها في صغري ظلت في ذاكرتي كالنقش على الحجر، يوم وقف جدي دون حقه، وطيف الباغي غارزاً خنجره في صدره، من غير أن يرف له جفن، وراح مزهواً يختال بغلوائه، وهو من صعَّرَ خده وكاد يجعله مداساً لمتجبر فتاك، سلبه فحل بقراته، فساق إليه بقرة تملقاً ضارعاً إليه أن يقبلها والعربة المحملة علفاً، لتؤنس غربة الثور وتؤمن شبعه وتضمن فحولته!. وكي يطمس السخرية ويفلش ما ارتسم على وجوه الناس مما اعتمل في النفوس، فرقع سوطه وأمهلهم سويعات ليعوضوه بثورين وأربع بقرات وثمان عربات محملة علفاً!!. كنت أنظر إلى السماء وأتساءل لِمَ لا ينشق القمر؟ وأستغرب كيف أن الشمس مازالت تشرق وتغيب، كأن شيئاً لم يحدث!. وأتابع أيام الأسبوع مدهوشاً أنها لم تنقص أو تزيد!. أو يأتي أحدها قبل غيره أو بعده!. والجبل لم يتصدع من هذا الهول!. ولم أكن أفهم معنى الخنوع وقد جعلته العجائز مَزِيَّة سمّيْنها الصبر!. وكنت أترقب الغضب وحنق الرجال، وأهتز حماسةً ورغبة في أن ينفقع أحدهم فيكون سبب انفجارمَنْ حوله من الحانقين المنتفخة عروق رقابهم، وتوجست جلجلة الجلل لحظة إثر لحظة. استعجلتها ورمت وقوعها، إلا أن ذلك تأخر، فاغتظت وأوشكت أن أنفلق وأنشطر وأتشظى احتجاجاً، لكن ذلك لم يحدث، ومازلت بين دهشة السؤال وحيرة الوقوع على الجواب، أكيل اللوم لغيري، وهأنذا أعلق فتور غضبي على مشجب الزمان، وأسحب نفساً عميقاً من لفافتي كشهقة الحسرة، ثم أرميها بعيداً بدفع من سبَّابتي. أراقبها وهي تشكل قوساً من نهاية امتداد ذراعي، متعاظماً في نقطة عَلَتِ الأفق، وانحدرت منحنية على بُعْدِ أمتار، هست في بقايا عشب أوقف الخريف نسغ حياته. أدهشتني هذه الصورة الحسية وهي تشكل خيالاً عبر بؤبؤ الذاكرة لتلك الهواجس التي راودتني قبل لحظاتٍ على تخوم طفولتي ذات القروح المتقيحة. تباً للوحدة ما أفظعها وهي تنبش الروح وتنكأ دماملها!. لمحت حيواناً خمنته كلباً، استأنست بمراقبة هذا الكائن الحي، ولم أُفجع بكونه كلباً، للحق استأنست ليس به؛ بل لأنه شغلني عن قتامة ما توارد في أفق الذاكرة. نظرت في ساعة معصمي فكان كلُّ ما انقضى لا يتجاوز الدقائق العشرَ. تابعت ذاك المخلوق وهو يخبُّ ناحيتي كأنه حصان، قصرت المسافة فصرت أشك أن يكون كلباً!. خطوات قطعها ناحيتي فاستبنت شيئاً يعض عليه، ثم تأكد لي أنه ليس كلباً، ولما وقف رفع رأسه وشنَّفَ أذنيه فتحقق لي أنه ابن آوى يحمل دجاجةً. أكمل استدارة تحرَّى خلالها المكان. انكمشت غريزياً محاولاً ألا يراني، ويظهر أنَّ بذتي وكسارة البازلت والعربة المتقادمة، كانت بألوان متقاربة في تدرجها، مما جعله لا ينتبه لوجودي. أسقط الدجاجة وتطلع إليها، أدنى خطمة منها، التقطها ثم أسقطها ومازال ابن آوى يُشَنِّفُ وينظر إلى فريسته، مسترجعاً غزوه مزبلة القرية مرتع الدجاج البلدي، فيقنص ثم ينقذف نحو أول القطيع فيهجم لتعلو صيحات فزع ورعبٍ ففرار مبعثر، وابن آوى الظافر يفر نحو مكان آمن -رَكْضٌ ثم تلفتٌ فركضٌ فتلفتٌ فاطمئنانٌ، ثم مَشيٌ أقرب إلى العنجهةِ تزيده مرونةً بهجة الظفر، ويكسر ليونته خوفٌ غرسته في الأعماق غريزةٌ ازدهرت بالتجارب المتتالية. تطلَّع مستديراً ثم ابتعد عنها مشمشماً الأرضَ من حولها، واقتربَ وعضَّ على جيدها، ودغدغ عرفها، ثم أقعى وتمطى وأطلق "زغردة" ونفض رأسهُ وخبط الأرض ثلاثاً، ورفع مؤخرته نحو القرية وقوّس ذيلَهُ؛ ثم حملها ورماها، ونبش التراب وطيَّرَهُ خلفه زوبعة كساترِ دخانٍ في مناورة تمويهٍ؛ أو معركةٍ، وَجَدَّ في النبش والتراب يتراطب متراكماً خلفه، ثم أقعى في الحفرةِ، فما عاد يظهرُ منه سوى أعلى جبينه وأذنيه، ثم خرج ودار حولها مرتين، نظر إليها وتلفت حوله، ثم أتاها فضرب صدرها وواراها الحفرة، وهال عليها التراب بتؤدةٍ، ثم أسرع حتى انتهى، عندها وقف لاهثاً، فرفع قائمةً فوق الردم فبال وتغوط وهرول باتجاه القرية، وعلى بعدِ نحو عشرين متراً، استدارَ، فانكمشتُ، ولما تابع حثيثاً تنفستُ، وحين اختفى قمتُ بحذرٍ ناحيةَ المكان، وما غفلتُ عن مراقبة المدى. قلتُ: أَلْعَبُها مع ابن آوى ، فأزحت الغائط على مهل، ونبشت التراب الرطب، أخرجتها فبان جزُّ رقبتها بقدرِ موضع أنيابه الحادة، ثم أعدت التراب وفوقه الغائط كما تركه، وأخفيت ما ظهر من مواطئ قدميّ، وعدت إلى العربةِ قرب المحطة شبه المهجورة، ألقيتها أمامي جثةً مازالت أوصالها تختزن بعض حرارة حياةٍ كانت فيها -هوت مخترقةً جمجمتي صورة ابنة الباغي ومِزَفَّتها كنعشٍ يخرج من هودج، يوم جعلها والدها رشوة لذاك الأشنع منه بغياً. ارتعشت الزغاريد على شفاه النسوة، ثم تمددت فانجزرت واستحالت عويلاً، قالوا: لأنها ما استطاعت أن ترفض انتحرت. وقالوا إنها قالت: تلك ميتة وهذه أهون.!.- لمحتُهُ عائداً لا يحمل شيئاً، وبدا لي أنه غير آبهٍ إذ عنده ما يعزي به نفسَهُ، وكلما اقترب زاد يقيني أنني سأضحك من ابن آوى كما لم يحدث له من قبل. ولما وصل، شمَّ غائطه، وأعاد الشمَّ فتأكد، ثم بدأ يمارس طقساً خاصاً يصعب تخيله. أزاح النجاسة بحركة صاحب كار، وبدأ يزيح التراب كمن يزيح الجليد عن معتقة يُبردها. كانت حركاته مغناجةً نشوانةً، ولما أزاح كميةً من التراب، صار نبشُهُ متوتراً، وازداد تشنجه، توقف مرتجفاً، عاود كالملدوغ، ارتمى في الحفرة، تلوى. دار كالمصعوق وانتفض، وارتفع قافزاً في الفراغ وارتمى، انتفضت قائمتاه وسكنت حركتُهُ، ثم.. تقدمتُ حذراً، فرأيتُ دماً قد سال من لسانه إذ عضه حنقاً فانقطع... تراه أبى أن يُسْلَبَ فانتحر!!!...

 

 

 شــــخصـية وســــتة مـؤلفـين

 

-: لم يكن حول المائدة البيضاوية غير مقعد واحد فارغ، فارتميت عليه وأنا ألهث وأمسح العرق عن وجهي. عمَّ القاعة صمت بعد لغوٍ، ونظرات متباينة موزعة منوعة، توحدت فيها إشارة تعجب مقترنة باستغراب من بعض الزملاء الذين وصلوا قبلي إلى قاعة الاجتماع الملحقة بمكتب السيد رئيس قسم "الدراما".

أسقطت من اهتمامي تلك النظراتِ المبهمةَ منها والصريحة. ونظرت باهتمامٍ إلى رئيس القسم، وفي عيني اعتذار مبطن، لكنه أغرق نفسه بما بين يديه، للحظة أحسست أنه غير آبهٍ بي، ولم أستأ لذلك، بيد أنني لم أرضَ ألا يكترث بي إلى هذه الدرجة، غمست إحساسي هذا بشعورٍ نما في داخلي للتو، بأنه لعمق طيبته اختلق لحظاتٍ مفرغة من حبِّه لأساليب اللوم والتأنيب والتقريع، وأطال النظر في الأوراق التي تحجب وجهه أحياناً، ولأنه أغرق نفسه بما لا يشير إلى أية حالةٍ تنذر بشيءٍ سيقفز من فمه للتو، وجدت متسعاً لأتنفس الصعداء، وألبست وجهي وعيني نظرة ناطقة صوبتها إلى الزملاء أقول لهم فيها: لا يكن أحدكم غيوراً على الأمر أكثر من صاحبه. فها هو ذا السيد رئيس القسم كَحَملٍ وديع طيب السريرة قد خيَّبَ رغباتكم المحمومة العطشى المتشهية سماع طلقات اللوم والتأنيب والتقريع، وهي تنفلت من بين شفتيه لتردمني وتغمر أية محاولة لاتقائها.

رمقني أولهم شزراً، وابتسم آخر لا مبالياً، والثالث أفهمني أنه يسخر، وهزَّ أحدهم رأسه مقدراً الظرف القاهر الذي جعلني أصل متأخراً.

كل ذلك حدث خلال بعض الدقيقة، فانتبهت إلى نفسي متلبساً بفرحةِ الوصول بعد خمس دقائق فقط عن موعد الاجتماع. أسدلت كُمَّ قميصي على ساعتي، وأهملت نظرات الزملاء الذين تكهربهم عداوة "المهنة" المستفحلة غيرة وحسداً مكبوتتين.

ركزت نظارتي على أنفي، وعلقت نظرتي بمحيا رئيس القسم، ورسمت على وجهي ما يؤكد أنني أتابعه باهتمام منذ انتهاء الاجتماع المنصرم، وهأنذا مشدود إلى ما يتبرعم على شفتيه المزمومتين أبداً. التقت نظرتي بنظرته، فدفعت ابتسامةً إلى شفتي، وأكدتُ على نفسي ألا أزيغ البصر، فوجهت البؤبؤ إلى البؤبؤ، وأسلت بينهما جدول معزّةٍ وإعجابٍ" وشعرت أنه شرب فاستطاب الشراب. -هنا تذكرت ما كنت أداريه عن رفاق الطفولة خجلاً، وهو أني حفيد صياد كان يرافق مشاهير الصيادين البيروتيين الذين كانوا يأتوننا غير طامعين بغير "التقويص" على العصافير، وعلى رأسهم "فيلمون وهبي" فيعودون مترعين بعصافير وزارزير وبطٍ وحمامٍ وأرانب وثعالب-. الآن أُحِسُّ بالإفادة مما كنت أخجل منه سابقاً.

-: حسناً. طلقة -بل- لفظة وحيدة نبستها شفتا السيد رئيس القسم ثم زمَّ وضمَّ وقلَّبَ وبلل شفتيه، وها نحن قد شغلنا -مثل كل مرةٍ- بتلك التعابير والحركات المبهمة التي تسبق قوله أول كلمة تخص العمل، ثم تتلوها كلمات مقتضبة لا تكاد تفي الفهم، ما لم يكن أيٌّ منا قد تابع ما قاله في أول اجتماع حول الموضوع ذاته. هذه فهمتها عنه، لذا كنت أسجل آخر ما تكرم بقوله في الاجتماع السابق، فأربطه بأول ما يقوله في الاجتماع الذي نحن فيه، فلا تضيع عليّ أية حلقة من سلسلة أفكاره التي لا يعيدها، ولا يكرر شيئاً منها.

ضغط على زر جرس بجانب يده اليسرى -إذ كان أعسر- عقبها دخل "السكرتير" ودون أن يلتفت رئيس القسم إليه، هزّ رأسه وحركه نحو اليمين، وزاول تقليب الأوراق التي وضعها أمامه، ولم تمضِ لحظات حتى دخل الرجل الذي حاورناه واستعرضناه ودرسنا أفكاره مراراً بعد أن قال لنا رئيس القسم: هذه هي الشخصية التي ستتناولونها.

ثم ترك لنا فرصة للتأمل وتوجيه الأسئلة وتدوين الملاحظات، إلى أن استنفدنا كل ما يهمنا، يومها مضى الشخص هازاً رأسه، ساخراً أو مستغرباً أو حائراً، لكنه بدا أنه يستهجن ما يجري، ويرأف بنا كأنه يقول عنا: مساكين!.

نقر رئيس القسم على الطاولة، وقد شدَّ حاجبيه بعضهما إلى بعض، حتى بَدَوا كأنهما حاجب واحدٌ يشبه المدَّ فوق ألف، وقال: السيد المنتج سجَّل علينا تأخيراً سيؤثر سلباً في ميزانية العمل، لذا احسموا الأمر.

وصوّب نظره نحو أولنا قائلاً: هات ما لديك أستاذ أسود.

همهم الأسود وتمايل على مقعده، وفتح مصنفه، وتحركت شفتاه ليقول. وقبل أن يقول شيئاً، لا بأس أن أقول: إننا مكلفون نحن المؤلفين الستة، أن نكتب عملاً درامياً، عن شخصية اختارها رئيس القسم بعد أن شاور رئيس قسم "اليجوز واللايجوز" وما يتلاءم مع المطروح، والذي ليس عليه محذور، وما لا يمس الظالم والمظلوم والسائل والمحروم، والقاضي والمحكوم، والأمير والوزير، والعاشق والمحبوب، والذهب والمذاهب، والجشع والمرتشين، والغدر والقَدَر، والثأر والانتقام، والأَيْمان، والرقص والطرب، والحسب والنسب، والدم وابنة العم!!

تباعد الأسود عن بعضه، وأفرد مساحةً لشحوم وسطه، ومَسّدَ شاربيه ثم قرأ:

1-: في إطار صراعٍ كامن كالجمر في الرماد، يكون البطل منضبطاً ملتزماً بدوامهِ، يأتي قبل الجميع، ويغادر بعدهم، يبدي انكساراً لرؤسائه، وتواضعاً لمرؤوسيهِ، يشرب الشاي المهيّل، ولا يعرقل عمل مراجعيه، لكنه لا يبت في أية معاملة إلا بخروج الروح، يتبول كثيراً، ولا يترك مكتبه إلا لهذا السبب، يكلم مراجعيه وهو ذاهب إلى دورة المياه معتذراً، ويعود وهو يكمل كلامه، يمتدح كرمهم، ويلمح إلى حاجته، يدعو بالخير للجميع ولا ينسى نفسه.

-: من هم مراجعوه؟.

-: عاديّون لا شبهة من أي نوعٍ على أيٍّ منهم، كلهم من ذوي "البيك آبات" اليابانية، والمحركات المائية التي تغرف الماء من الآبار ومجاري الأنهار. زرّاع مكافحون، هذا ما يصرحون به، وفي واقع الحال لا أحد منهم يعمل أو يفهم شيئاً في الزراعة، فلكل منهم أُجراء جفت المياه في مناطقهم فأتوا يستزرعون أراضي غيرهم فيحصلون على حصصٍ مقابل خبراتهم في رعاية الخضار.

بعد فترة يبدأ السهر خارج منزله، وحسب أقوال زوجته تتدهور أحواله النفسية، وتتحسن أحواله المالية، يُصاب بالأرق ورجفان اليدين واحمرار العينين وهو يكدس الأوراق النقدية في صندوق ورثه عن جدته لأبيه.. يبدو مرهقاً حيث يقضي وقته في الوظيفة، ويمضي وقتاً أطول في مكتب الاستقامة الذي افتتحه باسم زوجته حيث يسيّر المعاملات التي عرقلها في مكتب الوظيفة، وكل شيءٍ بثوابه!.

تبدو عليه حالات من الذهول والهيام، إلى أن يشاع قرب زواجه من ابنة رئيسه في العمل، بعد أن أصر على أن تهجر الدراسة، وخضّب شعره الأشهب بصباغٍ فاحمٍ نصحه به صديقه الصيدلي، وهذا ما أثار حفيظة زوجته وغيرتها، فنشرت غسيله على الملأ، فافتضح أمره.

صاعقة شرخت هدوء بيته، إلا أنه سرعان ما لملم الأمر، وقد تأبط عدة رزمٍ نقدية أخذها -ثمن فنجان قوة- لأحدهم، ويخرج من عنده بعد ساعة نظيفاً بريئاً؛ بل مظلوماً، ليرفع دعوى على مستهدفيه الذين حاولوا تشويه سمعته الناعمة كالحرير!.

ولا يطول الوقت حتى يطلق أم أولاده، عاقداً نكاحه علناً على ابنة رئيسه الذي يضيف مكرمة إلى مكارمه فيأبى أن يقام حفل الزفاف في أي مكان عامٍ، فـ"دارته" الواسعة ذات الطبقتين، وحديقتها الفسيحة تفي بالغرض، وتشرّف المدعوين مهما علت مقاماتهم. وتشع الأضواء، وتنهال الهدايا والتهاني وابتسامات المجاملات من أصحاب المصالح المعلقة في مكتب الوظيفة، وكانت هديته لعروسه مكتب الفتح والتيسير الذي افتتحه باسمها بمباركة من والدها.

-: لحظات ليست قصيرة تلك التي قضاها رئيس القسم وهو يسند فكه السفليّ على كفيه اللذين شكلاً صحناً لبطيخة نصف ناضجة، ثم أشار بإبهامه وطرف فمه للرمادي أن يقرأ ما لديه.

فقال الرمادي:

2-: شفافُ البشرةِ، تكاد ترى باطنه وأنت تنظر إليه، جرحٌ عميق مازال أثره واضحاً على قسمٍ من جبينه وبعض خده الأيمن، حادث قديم تعرض له فذهب بنور عينه اليمنى، يغطي عينيه بنظارةٍ سوداء، لا يتخلى عنها إلا وقت ينام، وفي الحمام.. يتولى إدارة مالية، يُسهل معاملات المتنفذين، ويأكل لحم أكتاف من لا ظهر لهم، ينصب على النصابين، يمنح القروض لمن يمنحه هدية نقدية غالباً، وعينية أحياناً، مجامل يلبي الدعوات، مقامرٌ، يكنز ما جناه، وينفق من حساب من دعاه، ولكل قرضٍ رسمٌ، وعلى كل مبلغ حسمٌ، حازم صارم في معاقبة مرؤوسيه. ولأنه يحب السهر، فقد وضعه بعض الخبثاء موضع هدفهم، فيتحينون ليلة يكون فيها ضيفاً على أحد زُبُنِهِ ضمن حفلةٍ أقيمت في مكانٍ راقٍ بمناسبة ليلة رأس السنة، ويكون مدعواً مع حرمه، أما ابنتهما الوحيدة، فقد تركاها تبيت ليلتها عند جدتها لأمِّها "ست زبيدة".

في تلك الحفلة يتصدر مائدةً عامرةً، تقابله زوجته، وحولهما الداعي وبعض الأصدقاءِ رجالاً ونساءً، حتى إذا أزفتِ الساعة وأشار عقرباها إلى اللحظة الفاصلة الواصلة بين عامٍ انصرم وعامٍ أطلَّ.. أُطفئت الأضواء وعمت الضوضاء، ثم أُعيد النور، فابتسم من تجهم، وتجهم من ابتسم، ذاك على أمل قادم، وذياك على زمن مضى من عمره.. والضوضاء تخف وتخفت، وتقدم النادل من شخصيتنا، همس وهو يشير إشارةً خفيفة إلى مكان الهاتف

-: آلو.

-: كل عام وأنت بخير خميس بك.

-: كل عام..!. من أنت؟.

-: فاتني أن أكون معك، قلت: لا تفوتني التهنئة ولو بالهاتف، خميس بك.. أعتذر عن عدم تمكني من تقبيل وجنتيك، بمناسبة عامٍ جديدٍ من عمركم المديد.

-: من أنت؟.

-: ولو.. ألم تعرفني؟

-: لا.. قل من أنت.

-: صديق. لابأس، أكمل سهرتك، وغداً ستفاجأ أنني لم أنسك.

أغلق الهاتف. وعاد خميس وحرمه إلى بيتهما مع خيوط الصباح الأولى، ودخلا غرفة نومهما يكملان الاحتفال الذي لا يتكرر في العام غير مرة!

كان يأبى تلبية رغبتها باقتناء الحلي الذهبية، وهو القادر على درعٍ من الفضة مصفحاً بالذهب، يستحيل على العيون اختراقه إلى مفاتنها التي ناور طويلاً للحصول عليها، فقد تنكر لوالده الإسكافي واقتلع نفسه من جذورها، وداس بحذاءٍ ثمنه خمسة آلاف ليرة على جذوة القيم، لأجل أن تكون ابنة طبيب الحمل بالأنابيب وأمها الأمازونية، زوجة له، عمه الطبيب هذا الذي جعل نصف محدثي النعمة الذين لن يتركوا خلية لا يستهلكونها كلياً في الرغبة المتأججة بالتهام نصف البشرية، يعيدون تشكيل ذواتهم في خلفٍ ينوب عنهم في العمل على نيل ذاك الكم الهائل من إناث البشر!.

أما هو فقد كان ألمعياً، يتفاخر، ويدعي أنه خُلق ليكون ضابط شرطةٍ، لكن الحادثة التي أودت بعينه حرمته من تلك الأمنية التي لا تصل إلى مرتبة الحلم، وأفرحت المنحرفين الذين كان سيوقع بهم!.

ها هي المآذن ترفع نداء صلاة الظهر، وعلى الباب وقفت " ست زبيدة " تحتضن حفيدتها وتقرع الجرس، والهاتف ما برح يرن منذ وقت غير قصيرٍ. تحركت زوجته، واستيقظ على مداعبتها، هبّت نحو الباب، وهبَّ نحو الهاتف. استقبلت والدتها وابنتها بالقبلات، وكان قد رفع سماعة الهاتف مغمض العينين -بل الأصح مغمض العين- فأتاه الصوت عبر سماعة الهاتف.

-: خميس بك، لِمَ لا ترد منذ ساعة؟!. لا تشغل بالك، كل ما في الأمر أنني رغبت في أن أؤكد لك أني ما نسيتك. انظر حولك وستجد أني وفيت بوعدي.. كل عامٍ وأنت بخيرٍ خميس بك.

-: أيُّ وعد؟!!.

-: ولو خميس بك.. هدية رأس السنة.

-: هدية!. أية هدية هذي التي فلقتني بها؟!

-: انظر حولك، تجول قليلاً في منزلك، ولابد أنك واقع عليها، فقد أكرمناك كما تكرمنا.

يغلق الهاتف ويهيم في غرف المنزل باحثاً، رافعاً النظارة عن أرنبة أنفه. شاكاً بذكائه الذي خلّصه مرات من براثن التفتيش.

يضع النظارة ويتهالك على أقرب مقعدٍ في الردهة واضعاً إبهامه في فمه والسبَّابة على صدغه، فيبدوان كمسدس بيد راغب في الانتحار.

-: ماما أين التلفاز؟

وحماته تسأل: هل بعتم "الفيديو"؟.

صاحت زوجته: أين آلة التسجيل؟.

هبَّ من مكانه مرعوباً. رافعاً النظارة السوداء عن أرنبة أنفه، وراح يبحث في الخزانة فلا يجد ما تركه فيها من نقودٍ، وتحضن الزوجة رأسها بكلتا يديها باكية: لا وجود للسجادة.. ولا ثيابي الداخلية!!.

ضرب رئيس القسم شفته السفلى بسبَّابته وقال: هات ما عندك أستاذ ليلكي.

وقف خضر ليلكي، وابتلع ريقه عدة مرات، وهاهي حنجرته ترتفع وتنخفض. كم يرعبه السؤال، وكم يربكه أن يطلب إليه الإدلاء برأيٍ، أو أن يعبر عما لديه، ربما كان صادقاً حين يقول: يا جماعة، اقرؤوني، فهذا أفضل لي ولكم من أن تسمعوني.

لكنه الآن في فخٍ لا سبيل له إلى الخلاص منه، فالسيد رئيس قسم الدراما ينقر بإصبعه على شفته، وعيناه تسبحان في المجهول، كما يفعل حين يريد أن يستمع.

حرَّضت خضراً على الكلام، فقرأ:

3-: ما لدي إيجاز وافٍ.

رجل خمسيني، يُظهر غير ما يبطن، أصفر الوجه دون علَّةٍ، فاحم الشعر، حليق الذقن، كث الشاربين، لا يتكلم إلا نادراً. يوهم مَنْ حوله أنه من الدمثاء الذين يسمعون أكثر مما يتكلمون، والحقيقة أنه لا يتكلم لمعاناته من علَّة نطقية تجعل كلماته تركب بعضها بعضاً، ويسبق آخرها أولها، وتجنح بعض الحروف فتزدحم في أنفه ضالةً طريقها من فهمه، يداري عقد النقص المتشابكة في داخله تشابك سيرته الشخصية المختلطة إحباطات وتشرد وطفولة تعسة وتربية بيتية سائبة ودراسة غير منتظمة، إلى أن يسعفه الحظ فيستزلم، يعالج المشكلات بقبضته القوية، ويترقى من عاملٍ بسيط يقدم الشاي والقهوة لصاحب "الكراج" وزبنه، إلى معاون سائق حافلة، ثم كبير "قبضايات" الكراج، ثم نائب صاحب "الكراج" ومعاونه العام... ومن هنا ينطلق إلى تسلم مهمة التسويق السياحي -وهي سمة العقد الحالي- وأضحى نظيف اليد من الرشوة النقدية، لا يساوم ولا يقبل الولائم، يأنف، يرفض، لا يتنازل، يصبّر زوجته أن ترضى الآن بالمتاح، لتنعم بكل ما لا يخطر لها على بال، بعد أن ينتهي من غسل حاضره من أدران ماضيه، وخاصة لقبه الذي كان "أخو حفته" ليصبح "أبو حلا". هاقد استتب له الأمر، وأضحى كبيراً أكثر مما كانت زوجته تتصور، وبأسرع مما كانت تتوقع. الهاتف لا يهدأ، وغرفة الضيوف لا تفرغ، والمطبخ قائم لا يقعد، والدسم والزفر رائحة تنفحها شقتهم إلى كل بيوت الجيران. السمك والشواء والسمن العربيُّ والتوابل واللوز والجوز والصنوبر. زهقت هذه الحالة، فصارت تطلب الكباب والمتبل والموز و"الويسكي" بالهاتف. كانت ذات (صنان ولَّخَن ودَّفْر)، فأمست مالكة أكبر محلات العطور في المدينة!.

كيف حدث هذا؟. كل ما في الأمر أن الرخصة لأية منشأة لها علاقة بالتسويق السياحي لا تعتبر مشروعة ما لم تخرج من بين يديه حاملة توقيعه، وتوقيعه البدائي البسيط ذاك، يعني ثلث المنشأة باسم ابنته الثيب، أو ابنه صاحب ثلة "السلبطة" ولكم أن تتصوروا الحيثيات؛ سيدي رئيس القسم الموقر.

لم يعلق رئيس القسم بكلمة.. استدار قليلاً نحو زميلنا فهد الأزرق، الذي ما صدق أن تأتيه تلك الإشارة حتى انهال قائلاً.

4-: ثبت فساده، وفاحت رائحة جيفته، وزكمت الأنوف تطاولاته، واستاء منه حتى حُماتُه، فاقترحوا تنحيته حفاظاً على كياناتهم، لكنه تحداهم وأهمل رغباتهم، وتشدق بما أخرسهم إذ قال: السفينة.. إما أن تغرق بالجميع، وإما أن أفوز بقبطنتها. وسافر مدة يومين ومعه مليونان، وعاد خالي الوفاض، دفعها هناك، وهنا هللت هدلة زوجته واضعة عوداً في عين الحسود، فقد ثَبَتَ في مكانه كالأمر الواقع، قَدَرٌ لا سبيل إلى دفعه، فأخذ يصول ويجول، يحشو فم "فلان" وينبش جيوب "علتان"، يرمم متراً فيسجل كيلو متراً، ويبّدل جلدة صنبور فيسجل شبكة ريِّ حيٍّ.. أجوف، ثعلب، كذوب، متغطرس أمام (اللاحول لهم)، مدّله عند من يلقمهم، يسهر ليلة الجمعة في حلب، ويعود ليتحدث في النقد والأدب، يهدم البيوت ويقطع أشجار التوت، ويتعطر برائحة "البنكنوت". انتهى سيدي رئيس القسم.

ضحك رئيس القسم فتضاحكنا، ربت على كتف زميلنا الأزرق فغرنا؛ هدأ فهدأنا، وعاود الضحك فاستضحكنا، ثم صمتنا حين أشار إلى زميلنا زهران الصفراوي، فتدافع الصفراوي بجثمانه ولسانه ولهاته، حتى كادت حباله الصوتية تشنق كلماته، لفرط ما انفعل؛ حباً ورغبةً بأن يستأثر بالعمل، هَمْهَمَ منوّساً عينيه، قابضاً ومرخياً، مقلصاً ومفرداً، ضاباً وفالشاً عضلات عنقه وما بين الحاجبين والصدغين. قال زهران الصفراوي.

5-: يتستر بشهادة بحجم إمارة "موناكو"، فارغة المضمون خالية المكنون، جعلته يدعي المعرفة والثقافة، والحقيقة أنه غير قادر على إبداع جملة نثر، أو بيت شعر، لا يميز بين السيكا و"الجيكا"، ولا فرق لديه بين الحوارية واستجواب الشرطة، يقطع وعوداً ولا يفي بها، يدغم الخطأ بالصحيح، يكتم ما يجب البوح به، ويبوح بعكسه، مغترٌ بنفسه، يعامل أصحاب الأقلام بفوقية، جعلته في أعينهم دون ما يريد. رغوة طائفة. وظّف أولاده تحت إدارته، وأبقى تحت تصرفه أبواب الأقسام الأكثر مردوداً، وزرع في كل قسم أحد أقاربه، إنها فرصته، يعرف أنه لا شيء إن بات خارجها. يدرك ذلك في قرارة نفسه، ويعرف أنه تسنم جملاً ليس له، لذا لا يتوانى عن استغلال كل ما عند الجمل من صبر، يتعشى قبل العودة إلى البيت، وفي الصباح يُفرغ ما في جوفه فيكفي ألفي جُعل!. وحين تعرض منزله للتهدم إثر زلزال، هرب بشهادته وهام في الشارع ناسياً زوجته تحت الأنقاض وهي التي شقت له الطريق نحو الأضواء!. وفي الطريق صادفته دورية تتصدى للكلاب الضالة الشاردة، ولأنه لم يكن يحمل بطاقته الشخصية، حملته معها وهو يصرخ محتجاً أنْ هذه شهادتي.. انظروا. ضحك أفراد الدورية، فقد كان بلا هوية، وشهادته خلبية.

بعد أيامٍ عرضوه داخل قفص في حديقة الحيوان، ومنادٍ يصيح: تعالوا انظروا.. كلب يدعي أنه إنسان!. لم يطل الصمت، فقد قطعه رئيس القسم قائلاً لي: وأنت؟.

قلت:

6-: كتبت عشرات الصفحات عن شخصيتنا المقترحة، إلا أنني للتو فكرت أن ألغي ما كتبت، لأجعل من اجتماعنا هذا والاجتماعات السابقة، وكيف أن كل واحد منا قد تناول الشخصية برؤيا خاصة، لبّ الصراع الدرامي بيننا نحن الكتّاب حول شخصيتنا، آمل أن يتكرم السيد رئيس القسم والسادة الزملاء منحي هذه الفرصة.

زمَّ رئيس القسم شفتيه، وصمت طويلاً.. وكلنا ننظر إليه وننتظر منه أن يدعم أحدنا. خمسة منا ستخيب آمالهم، ولا أظن أننا سنغبط السادس. التفت رئيس القسم إلى شخصيتنا وسأله: أي منهم وصل إليك؟

قال: لا أحد منهم، وكلهم.

ذهولٌ عمنا، وصمت خيبة لفّنا، وقد أخذتنا حيرة، بعضنا وقف محتجاً، وأحدنا هَمَّ بتمزيق ما كتب، لولا استدراك رئيس القسم: حسناً.. فلتكن شخصيتنا مثل زهر النرد ذي الوجوه الستة، تناولوه جميعكم مشتركين في وضع السيناريو والحوار، لنبدأ التصوير خلال شهر.

 

 

 

 أبـعـاد.. حـمـامــة بيـضاء

 

فوق:

مثل حمامة تخلص جسمها من بقايا الزغب، شعرت أنها دخلت طقوس اكتمال تكوّن الجسد، فاحتدمت في كيانها صراعات صغيرة، تميل بها نحو إشهار عواطفها، فعصفور صدرها يرغب أن يرفرف بجناحيه ليفر خارج عشه في فضاء أبعد من حنان الأم، وخلف عطف الأب.

ضاق بها البيت، وعجزت المرآة عن احتواء أفكارها، وما عادت ثيابها قادرة على إخفاء فوران الاكتنازات والتكورات، وهي تصهل مقتحمة عيون الليل، تستحم بنور القمر، فيتصدع منبهراً على لدن هذا العاج المغمود.

خملت الرغبة نحو دردشة الود مع الأخت الأثيرة، وفقد خيط الحرير الذي يربطهما نعومته، ولم تعد بسمة الأخ هي ما تتشوق أن تسبل عليها الجفنين لتهدهدها في سريري العينين اللتين زاد بريقهما، وصارتا بحيرتين أكثر عمقاً وصفاءً وتلألؤاً، يطفو على صحفتيهما همس الروح في نسيم الليل الحامل إليها طيف ضجة الرجولة، يقتحم عليها سور البيت، وعيون الأهل، وباب غرفتها.

غريب عن الدار، قريب من وجيب الفؤاد، تخفيه عن الدنيا، وتحافظ عليه، فيتكون لها أول أسرارها.

تسرب الطيف إلى الإمارة المغلقة، وبات اسماً تردده بحسٍ جديد، همسته شفتاها، التقت عيناها بعينيه، لمست كفه يداها، إنه الآخر الأقرب، تواجد أمامها ليقول لها بكل لغات الحواس، إنها ممشوقة وريّانة، وأن المارد المقمقم فيها قد صادف من يضعف ويركع ويسجد قدّامه.

فرد جناحيه وطار قلبها يزقزق في رحلةٍ إلى فضاءات الخمائل، وجنات الأحلام الدافئة، سلكت وارتعاشة بحّة صوته دروب الشجو والشجن، تغرد في أفيائها بلابل الصبابة وكنارات الفتون.

تحت:

أفاقت، فأرعبها أنه قد صار من اللازم سترها مع نصيبها، فقد تقدم لها من رأى أنه جدير بها.

ومضت مع مهندس الديكور، وقد اختارها مقدراً جمالها، فأغدق عليها ما يزيدها بهاءً، وقد صارت من مقتنياته، فزيّن بها جدار حياته، وجعلها طاووساً يختال زينة مثلما يزين بيته بلوحات وتماثيل ومنحوتات.

سألت نفسها ما الذي ينقصها؟. فكان الجواب ضبابياً، أو أنها أسدلت عليه ستاراً تكرر السؤال مخنوقاً، فأحست أنها في فراغ.

كبر السؤال، ألح وصار مشاكساً، يواجهها، يصدع رأسها، يقف لها في زوايا البيت، في الطريق، عند الجيران؛ بين الأهل؛ وسط المعارف؛ أمام المرآة، داخل أطر اللوحات. صار قرعاً وضجيجاً وشغباً يملأ كيانها، يمد رأسه من خزانة الثياب، تجده في العلبة بين الحلي، يتوقد على لهيب المدفأة، ويصب عليها الماء في الحمام، يجلس قبالتها على الشرفة، يتجول معها في الحديقة، يقفز أمامها من بين سطور المجلات، يرافقها في الخلوات، يستيقظ فيها صباحاً، ويمضي معها النهار. حاصرها في كل مكان، وجعلها في حالة حدود!.

أفق:

صار قرنفلاً.. سمعته لحناً.. أنصتت إليه شعراً، أعاد إلى خديها تورد الخجل، واعترى شفتيها ارتعاش ألق الحياة، ما عادت تستطيع أن تنكره، فهي قد وقفت أمامه وجهاً لوجهٍ؛ وفتحت له صحائف عينيها يقرأ فيها الصبابة والجوى، وحين غيَّبه الزحام بحثت عنه غير قادرة على منع نفسها حتى التقته. أحست أن بعضها قد رُدَّ إليها.

فاختزل فيها النساء مجتمعات، وتوَّجها أميرة، فأدركت أنه أعادها حمامة بيضاء. ثم... في لحظة أحست أنها ضعفت، فهبَّ الطاووس فيها، هارباً بها من خدر أريج القرنفل وعذوبة اللحن وسحر الشعر.

اندست بين النسوة المجوفات، خالعة تاج الإمارة، وتقوقعت مثل طائر الفينيق بين التماثيل والمنحوتات.

-: ذاك وهم وأضغاث. إنه الشيء غير الموجود.

عمق:

سيدي.. أهانوك!! جعلوك وهماً، قالوا: إنك أضغاث مهابيل، وأنك انتفيت من حياة البشر! هم وأدوك ثم أنكروا وجودك، قالوا: هي ذي الدنيا قد هرمت وشاخت، وليس لك عليها تأثير أو أثر، كذَّبوا أن رأوك، أو أنهم يوماً عرفوك، قد بغوا مثل ثمود، قل ذلك يا سيدي، وأن الدنيا لم تزل -بفضلك- صبية ما اكتمل ربيعها العشرون بعد، وأنك والموت حقيقة الأزل، قل شيئاً فهم لن يتوانوا عن حذفك من الوجود، وأنك متخلف جداً عما آلوا إليه، قل إنك لست وهماً، وأنك كبير شفيف ونيّر مثل الشمس والقمر، وأنك صافٍ لا شبيه ولا بديل لك؛ ولا غنى عنك، وأن نورك يعطي للعيش معنى يليق بالبشر. واضح بليغ مكثَّف مثل قصار السور.

أعرفك جباراً، لست طاووساً ولا طائر الفينيق، سرك في ضعفك. لا تنعكس، لا تمل ولا تبتئس. لا تموت وإن ذبلت، ولك من الأرواح ما لا يحصى، ومن التأثير ما لا يبلى، ومن القدرة على الانبثاق ما لا يحد، تتناسخ فيقال إنك قد تجددتَ، وما همك إن أسميناك مائة من الأسماء، فأنتَ أنت، يراك من صرت عيونه، حمامة بيضاء 

 

 

عبد الله وعبد الإله

 

-: ناور طويلاً وهو يحدث صديقه، نوّه فلمّح، ثم أفضى بهمه، وبيّن أن الشتاء طويل.. طويل. واستعرض الألبسة الصوفية اللازمة للأولاد، والمدفأة وحاجتها للوقود، وحوائج المطبخ من زيت وزيتون، وهو يأمل من كل ما أتى به أن يدرك صديقه غايته فيقرضه بعض المال.

ولما استلم عبد الله دفة الحديث زاد على ما ذكره عبد الإله أنه أنفق راتبه واستدان أكثر منه؛ ولم يسد ثغرة الشتاء.

همهم عبد الإله، كأنه يمسح ماء وجهه الذي سفحه مجاناً وقال: كلنا في الهواء سواء.

واستدرك بسؤالٍ: أسمعت ما سمعت؟.

-: ما قصدك؟

-: يا أخي عن تخفيض قيمة مائة سلعة.

-: أتمزح!

-: ألم تسمع بذلك؟

-: الذي سمعته ستون سلعة.

تمتم عبد الإله قائلاً: نرضى حتى لو كانت عشرين.

رد عبد الله: قولك.. بشرى لو صدقت الأقاويل، ولكن.

فقاطعه عبد الإله: لا "تلكنها" يا رجل.

ثم روى عبد الإله، أن صديقه عبد الله وُجد مشنوقاً -بعد أيام- في ساحة السوق التجارية، فاستدعيت إلى المكان مفارز حفظ النظام والطوارئ والانضباط والقضاء والإطفاء والنجدة والإسعاف ورجالات الأحياء والمخاتير ومندوب جمعية الاستشعار عن بعدٍ والأمن والشؤون الاجتماعية وعناصر أقرب مخفر. فأبدى الجميع اهتماماً فائقاً بالمواطن عبد الله، كما بدا من تحركاتهم ونظراتهم وهمساتهم، وصمتهم الطويل، الذي تقطعه أسئلة المحقق واستفساراته عن اسم المشنوق، ومن يكون؟ فيشتعل السؤال على ألسنة المسؤولين اشتعال النار في الهشيم. الكل يسأل ولا مجيب!!.

إلى أن قال أحد الموجودين في الصفوف التي تبعدها الشرطة إلى الخلف.

-: إنه معروف، نراه يومياً.

-: أين؟

سأل المحقق بحدةٍ، فقفز حول الرجل عدد من العناصر، وأحاطوا به وعزلوه عن الجمع إلى أن قال: في الشارع.

فانفضوا من حوله وتركوه نقطة تتلاشى في الموج، وعاد السؤال يقفز على الشفاه:

-: ما اسمه؟ ألا يعرف أحدكم اسمه!؟!.

وتُسمع كلمات مبعثرة من أشداق الجموع: معروف -شكله مألوف- ليس غريباً تماماً- نلمحه أحياناً يمر بشارعنا- بالأمس كان يبحث عن... -قبل أيام سأل عن -قبل يومين باعني فراشاً- منذ مدة اشتريت منه مذياعاً -أول الشهر دفع- بعد يومين استدان-

-: ما اسمه.. اسمه؟.

طال الصمت ولم يجب أحد، وتلاقت عيون المسؤولين، ومسح بعضهم عرقاً تصبب على جباههم.

قال المحقق: قبل تشريح الجثة، لابد من معرفة شخصه، لذا لابد من البحث مرة أخرى في جيوبه.

بحثوا عن بطاقةٍ، أو إثبات شخصيته، فَعُثِرَ في شقٍ من جيب سترته على ورقةٍ مطوية، تناولتها الأيدي حتى وصلت إلى المحقق، نظر فيها ثم فضها، وبدأ يقرأها في صمتٍ ورأسه تنخفض مع سطورها، وتلوح من اليمين إلى الشمال بتؤدة، ثم تعاود القفز وتلوح من اليمين وتنسحب شمالاً وتستمر؛ وأحياناً تتسمر، حتى أتى عليها فطواها، ودفع بها إلى أول مسؤول وصلت إليه يده مشرئبة كالعنق، فقرأها وطواها ودفع بها إلى آخر، وظلت الورقة تنتقل من يدٍ إلى أخرى، ومَنْ يقرأها يغادر المكان، حتى انفض رهطهم، ولما قرأها آخرهم طواها وألقاها على مقربة من المواطن عبد الله.

ساد الصمت برهة، فتجرأ أحد الناس فاقترب واقترب باقي الناس، وهَمَّ أحدهم فالتقط الورقة وفضها، وارتفعت أصوات من حوله، أن اقرأها وأسمعنا.

فقرأ: يخفض ثمن الزنجبيل والعطوس والكافور والبخور والزعرور والقلفونة والصرمصرة وأجور الختان والطهور.

وعندما أتم قراءتها لم يجد أحداً غير الجثة شاخصة كأنها تقول: تصور!.

فخاف وأسقط الورقة من يده وأسرع مولياً.

قال عبد الإله: عندها كنت قد وصلت المكان، فهالني المنظر، وأخذتني المفاجأة، وسحقني الغم والحزن.

تطلعت حولي ولم أدرِ ما أفعله أمام جثة في فراغ. جثة من؟ جثة صديقي عبد الله!.

حاولت الاستنجاد، ركضت ذات اليمين وذات الشمال. لاحظت قدوم امرأة، عرفتها فهي زوجة المرحوم إذ سألته: أين "البونات" يا عبد الله؟.

أردت الركض إليها، لكن ورقة ملقاة عند قدميه جعلتني أتريث، أخذت الورقة فقرأتها وتابعت: يُخفض ثمن الدم... يُخفض ثمن السم.. إلخ..

 

 

 

الذي قصم ظهر الحصان

 

 

-: عَلَّم تلاميذه رسم الجياد، جميلة أبيَّة، بينها قواسم لعلَّ أبرزها الأصالة والاعتداد. وما كان يعترض على أصباغهم وهي تلونها. حمراء أو سوداء أو حتى خضراء!.

لكنه ما قبل أن تبقى دون ألوان.

معتدٌّ بنفسه كحصان، رضع حليب أمه والشهامة بكفتي ميزان. كان أبوه يحلم أن يجعله فارساً، لكنه مات مع حلمه، وقد تبدل الزمان. هو ذا الأستاذ أحمد، ربى بنيه وتلاميذه على الصدق وعفّة النفس والنبل، متواضع، يشق الليل ليصنع نهاراً، لا يعرف القناعة في المعرفة، ومازال مبهوتاً أمام مدهشات الكون. لطيفٌ يذوب في النفس كرائحة الورد، لم يتنازل عن حقٍّ، خصمٌ لدودٌ لكل ما ينافي الإنسانية، والأمر الواقع المرير الوحيد الذي هزَّ له رأسه بصمتٍ، أميّة عديله المترع غنىً من تجارة عرق السوس وتفل الشوندر، وروث المباقر وسوق الغنم، وذرق دجاج المداجن.

بينما حياة الأستاذ تسير وتمضي وتستمر دون منغصاتٍ، ولِمَ لا؟. وزوجته امرأة مدبرة، تصنع من الطحين العديد من المأكولات. أدامها نعمة والحمد له، طالما أن الأولاد متفوقون؛ يلتهمونَ العلم ويخزنونه في أدمغتهم، كما يفعل اليمنيون بالقات. أما ابن خالتهم الوحيد على تسع بنات من ثلاث زوجات؛ مدلّهٌ كسول، يصرف على حماقاته في أقل من أسبوع، ما يكفي أسرة الأستاذ لشهرين، يشارك في الرحلات والمناسبات كافة، وفي غرفته "فيديو" ومجسمات وآلة حاسبة ومراجع وأرجوحة، وصور المغنين والراقصات، يطلب طعامه بالهاتف من المطاعم إن لم يستسغ طبخ أمِّهِ الدسم!. ومذ كان في الأول الابتدائي، خلع عليه والده لقب "دكتور". بعدئذٍ لم يجرؤ أحدٌ من أسرته أو زوجات أبيه وعمّاله، أن يناديه باسمه إلا مقروناً بذاك اللقب الفضفاض.

أما بكر الأستاذ فتجده يستعير المراجع من هنا وهناك، كذلك يعتمد على ما لدى والده من معلومات، وعلى جهده الخاص في التحصيل مكتفياً بالليرات المعدودات التي خصصها له والده راتباً أسبوعياً، منذ صار في الثالث الثانوي، يشعر بغبطة حين يقول لوالده: أستاذ.

اليوم حيّره كلام أمه: الأستاذ يا ولدي رأى حصاناً قد شُدَّ إلى عربة، وصاحبها الجلف يسوطه بفظاظة، وهو يحاول دون جدوى أن يمضي بالعربة. تَدّخل الأستاذ لإقناع الرجل بأن الحمولة فوق طاقة الحصان، فسخر منه ونهره، وأصر الأستاذ على أن الحصان في موقف لا يجوز أن يوضع فيه، فقذفه صاحب العربة بقوله: فلتجرها معه مادمت تشفق عليه.

وكان في جمجمة الأستاذ عقلٌ.. فطار، فكَّ الحصان، وربط صاحب العربة مكانه وصاح به: جرَّها أيها البغل.. هيا.

أفاق أبوك وهو يصيح؛ وأفقت، جفلت، حوقلت وبسملت ومسحت عرقاً تفصد من جبينه، نظر إليَّ لاهثاً وقال: الحصان في وضع لا يحسد عليه.

نظر الابن إلى أمه طويلاً وظلا صامتين.

مساءً أُعلنت نتائج الشهادة الثانوية، حلّتِ البشارةُ فحاصرت الأستاذ بين حالتين فَرَحٍ بنجاح ابنه متفوقاً، وحُزنٍ لسبب نافذ كخردقة خبأها في القلب، هاهو أمام الحصان المربوط إلى العربة، فهو إن أرسل ابنه إلى أقرب جامعة، فالراتب قد لا يكفيه!. وليس له غير راتبه مصدر قوت وحاجات العيال!.

إعصارٌ عصف بعقله وأعصابه، أصابه ذهولٌ ناخ له وأركع الحصان في مخيلته، وعديله قد طلب إليه أن يتكفل باستخراج وثائق سفر ابنه إلى شرق أوربة ليعود بشهادة طبيب، ولم يتلكأ الأستاذ، والخردقة تمزق دسامات القلب.

وفي المطار، حلقت الطائرة، وانزلقت دموع عديله؛ وهو يهذي ضاحكاً باكياً، بينما الأستاذ يلجم مناحة تجتاح صدره، وتتحجر دموع ابنه كالخردق، وهو ينظر إلى الوالد الأستاذ؛ وإلى الطائرة التي ارتفعت عالياً فوق الغيم بأدنى العلامات.

التفت العديل إلى الأستاذ وقال: لا أدري كيف أرد جمائلك ومعروفك، أفضل من أن يبقى دون عمل، ما رأيك أن يعمل -المحروس- عندي في الخان؟.

لحظتئذٍ قُصِمَ ظهر الأستاذ

 

أضيفت في 13/04/2005/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية