|

بطاقة تعريف
الكاتبة:
وصال سمير

ولدت في دمشق 1940.
إجازة في اللغات الشرقية (عبري) القاهرة.
دبلوم آداب شرقية.
عملت في وزارة الاعلام- القسم العبري.
عملت محاضرة في كلية الآداب- جامعة دمشق- قسم التاريخ.
مؤسسة لاتحاد الصحفيين في سورية.
عضو جمعية القصة والرواية.
مؤلفاتها:
1- زينة- رواية- دمشق 1990.
2- ليست جريمتي- قصص- دمشق 1993.
3- بين الحلم والواقع رحلة اغتراب - خواطر - دمشق 1994.
5- عارياً يأتيك صوتي- خواطر - دمشق 1995.
كتبت عن أعمالها دراسات عدة.
 


نماذج من أعمالها

عالمان
حركاتها المغناج، وصوتها الرقيق العذب، وكلماتها المتقطعة والمعجونة
بدلال بكر، جعلت عريسها، يوافق على طلبها الصغير، الذي لن يكلفه سوى البقاء
أسبوعاً كاملاً معها في البيت، أي سبعة أيام فقط.
أيام العسل قصيرة، ولا بد من استغلالها استغلالاً حسناً.. وحين لمحت
العروس الصغيرة الرضا وقد ارتسم على وجهه الوسيم، وحطّت نظراتها في رياض عينيه
البنيتين الواسعتين.. ورأت عصافير روحها تحلق في أجواء من البراءة والحب.. أحست
أن الكون لم يعد يكفي لانطلاقاتها المرحة.
في اليوم الأول، ارتدت الحسناء الغضة فستان عرسها الأبيض المتواثب
حولها، فبدت فاتنة تحت الأضواء الساطعة.
عبق جسدها اللدن، أسكر الزوج العاشق.. ووصاله معها كان ملحمة حب
حقيقية -فقد تزوجها بعد فترة من الحب طويلة- واستيقظ مع الفجر على لحن زقزقاتها
المرحة.. وقابل سعادتها بغبطة عريضة.
في اليوم الثاني، ارتدت ابنة العشرين فستاناً بلون الزهور. كانت
جميلة.. ولكنها بدت أقل فتنة.. وكأن مصباحاً قد انطفأ في قلبها.. فكان إقبالها
على عريسها أقل حرارة.. لذا حاول العريس أن يكسو حركاته بشيء من الدفء المطلوب.
في اليوم الثالث.. زادت من زينتها، فبدت الزينة متكلفة فيها الكثير
من الصنعة.
تأملها العاشق بنظرة طويلة ومتفحصة.. وكأنه وقع فجأة على شيء لم يره
من قبل.. لذا أشاح بوجهه عنها دقائق معدودة. ثم اقترب من زوجه، وضمها بين
ذراعيه، واكتفى منها بالعناق.
في اليوم الرابع.. كانت الحسناء السمراء الفاتنة مرحة كطير غرّيد..
أما هو فقد أصابه الملل، بدأ يتحدث عن العمل، ومشاكل العمل، وأسهب في الحديث عن
خططه المستقبلية.
في اليوم الخامس.. تململ حين وقعت نظراتها الملتهبة على صفحة وجهه..
رافضاً قضاء كل ساعات النهار معها.. فدعا إليه الأصدقاء.
في اليوم السادس.. تنفس الصعداء، حين انشغلت عنه بصاحباتها اللواتي
جئن لتهنئتها، تنهد بعمق، وأخرج زفرات طويلة من صدره العريض، وابتسم لوجهه
المنعكس على صفحة المرآة.
أغلق باب الغرفة، ورفع صوت الموسيقا، وبعد دقائق أحس بالاختناق،
ولكنه ضغط على أعصابه، كيلا ينفجر من الحسرة.
وحين قبلته في المساء، أبعدها عنه دون أن يدري. فاحمرت خجلاً، ثم
شحبت على أثر الصدمة العنيفة.
في اليوم السابع.. ظلت العروس نائمة. حاول ألا يوقظها.. بل أصرّ على
ذلك.. حين تسلل إلى الحمّام، أخذ دوشاً دافئاً، دلق ماء الكولونيا على جسده
الفارع، ارتدى ملابسه بسرعة مذهلة، خرج من البيت، صفق الباب وراءه، وبدأ يغني
أغنية حلوة..
12/11/1996.
   
حين غضب القمر
غضب القمر، حين انتصبت كتمثال من الجمال، يفصل بينه وبين عشّاقه.
امتلكه النزق، فغاب عن أبصارهم، وبقيت هي وحدها متوردة مغناجاً.
سواد عينيها، سحر قلوب الناظرين إليها.. فتناسوا روعة القمر في
الليل البهيج.
الألق البهي في ناظريها أطياف حلم، امتدت، واتسعت، حتى غطت الكون من
حولهم.
تألم القمر الوردي، وهو يرى عشاقه، يلتفون حولها وهي تطلق ضحكاتها
ضحكة إثر ضحكة عبر إيقاع موسيقي.. ويتأملون تقاطيع وجهها بنظرات سكرى، يسكنها
الإعجاب الشديد.
صرخ القمر المستدير المتوهج الذي يتصدر قبة السماء، حين رأى النظرات
تتجه إلى الأرض وتنسى السماء.. وتساءل بحرقة ومرارة: أهجره عشاقه؟؟
استكان هو أيضاً لضحكاتها الناعمة.. وابتدأ يعيد حساباته مع نفسه
ومع الآخرين.. فأعطى الحق لعشاقها.
حين اكتشف هو نفسه أنه سرق نظرات سريعة منها، أشاح بوجهه خيلاء
وغروراً وهو يقول:
-سأستعيد ذات يوم نظرات عشاقي.. ولكن.. بعد أن تختفي تلك الحسناء
الواقفة بثقة شديدة بيني وبين من أحبوني مذ عرفوني.
غطى وجهه الجميل بهالة شفيفة.. وغيمة ظليلة.. تقعر واستند على جنبه
الأيمن.. ثم استدار حائراً، تقعر، واستند على جنبه الأيسر مستعيداً في ذاكرته
حالات العشق القديمة.. ثم أصرّ على الاختفاء.
الورود الملونة المغروسة في الحقل الواسع غضبت أيضاً.
فعشاق عطورها نسوها.. وتنسموا عطر تلك الواقفة بين أصدقائها وبينها.
ظلت الغانية تضحك وتضحك، وظل اللؤلؤ يخرج من فمها، وأقمار صغيرة
تبزغ من نظراتها المخمورة..
اكتفى الواقفون أمامها بأشعة عينيها.. فلم يتعبوا عيونهم برؤية
القمر.. واكتفوا بعطرها.. فلم يتنبهوا لعطر الورود. تعاون القمر والورود.. اتسع
القمر حتى ملأ صفحة السماء.. ونشر نوره على الكون الواسع.. وامتد ضوع العطور
حتى احتضن العالم..
وغابت الغانية في ضوع العطور، وضوء القمر. فرآها عشاقها أجمل.. وقد
سكنها النور والعبق.
5/12/1996.
   
لوحة
الورود موزعة في كل مكان، في عش الزوجية الصغير، وقد وقف الشابان
متقابلين وسط ضوع الزهور.
حملت الصبية الحلوة شمعة طويلة بيدها اليمنى، ومشعلاً في يدها
اليسرى.
فوقها انتصبت خيمة ملونة، هي كالستر..
باعدت الفتاة قليلاً ما بين ساقيها وكأنها تتحفز لانطلاقة جديدة،
رسمت هدفاً لها على الدريئة الحياتية.
وقف الشابان من جديد متعانقين على صخرة مرتفعة.. أما الدب الواقف
أمامهما فقد بدا ساكناً وهادئاً.. وكأنه خضع لإرادتهما..
مد يده اليمنى ليسلم عليهما.. وقد ارتدى بذلة غامقة.. تسلقت الفتاة
ظهر الدب.. واستقرت على مساحة ظهره المتسقة.. ثم صعد الشاب أيضاً..
في السماء كانت تحلق سلحفاة.. وقد برز رأسها الصغير خارج بيتها
الغضروفي.
في طريق الشابين، أطل خفاش صغير.. ظل الشابان متعانقين وأمامهما
شارة النصر.
امتدت الأيدي المتعانقة تحمل مشاعل، أضاءت طريق الحبيبين، وقف شيخ
وقور وباركهما.
الخبر، انتشر مثل الإشاعة.. ووصل إلى الأمكنة البعيدة، والحفل،
ابتدأ بالرقص الجماعي.
أما الفتاة، فقد رقصت وحيدة، فتهادت بثوبها الأبيض المفوف بقماش
الدانتيل..
تسامقت، وهي ترقص.. ومدّت ذراعيها كجناحي طائر أبيض.. أحاطتها
الأسئلة.. وغنت فيها السعادة...
فتيات جميلات، افترشن الأرض، يتأملن بهاء العروس.. عجوز تكورت على
نفسها وانطوت وقد أحنت رأسها.. وكأنها تعود بذاكرتها إلى الماضي البعيد. كانت
كئيبة وبائسة وغريبة في حفل بهيج، يفيض بعبق الشباب..
التف الشابان وراحا في بوح طويل.. التحما.. وكأنهما نسيا عالم
الأرقام.. وتجاهلا كل من كان في الصالة الدافئة.
فتاة رقيقة انزوت في ركن قصي.. لم تشارك في الفرح، ولم تظهر الغضب..
غرقت في حال من انعدام الوزن..
هرب شاب وفتاة إلى الشرفة.. حيث سرق منها الشاب قبلة خاطفة.. عادت
وهي تحلم بأكثر من قبلة.
نمت زهرات "التوليب" في حديقة البيت.. وأطلت برؤوسها الملونة.
غرق البيت بالضياء..
رحل الشاب إلى البعيد.. وجلست الصبية الحالمة، تسترجع ذكرياتها،
وترحل إلى المحيطات البعيدة، إلى حيث رحل الحبيب.
في الشرفة جلست، وقد أحست بالبرد يلفح وجهها.. فغطت ظهرها بعباءة
مخملية جميلة.
جلست بين جماعة من الصديقات. وكانت أحلاهن. وأكثرهن وفاء . فازداد
جمالها.
عبثن، فلم تعبث معهن، وتحدثن، ولم تنطق إلا بكلمات قليلة. الأرقام ،
خرجت من أفواههن .. وتماهت في ألسنتهم..
وظلت صامتة، تحلم برجوع حبيبها.. وقد غرقت بالنغم.. خرجن يملؤهن
الفقر الروحي، ويشرنقهن عبء المادة.. وبقيت هي غنية.. غنية جداً.
وحين عاد الحبيب بعد غياب طويل .. فقد ازداد شموخاً وانتصبت قامته
حين وقف منتصراً قبالة حبيبته المشتاقة.. بكت العاشقة بحرقة.. فنبت الشوق في
صدره.
وتنامى فصار شجرة باسقة
في 4/9/1996
   
نقطة الصفر
مدت بصرها إلى البعيد.. إلى حيث تصطدم الهضاب بالأفق المقفر..
إلى تلك النقطة.. التي تلاقت بها الروابي السمر مع زرقة السماء
المختفية خلف تلال أشحبها غبار المدينة.
من حاضرها المضطرب بدأت تناجي ماضيها.. وقد عصمت عينيها عن رؤية
المستقبل.
المجهول.. يختفي خلف هذا الأفق المتعرج، الذي رسمته التلال الصاعدة
والهابطة دون أي نظام.
مشاعر متضاربة ومتفاوتة في الشدة، تركها في صدرها هذا اليوم الشتوي
المعربد.
الغيوم السودا، تبشر بليلة ممطرة.. والجبال الجرداء تستجدي منابع
الغيث أن تأتي.
غرقت وحدها في لحظات الدفء.. وأنستها الراحة، التي تنعم بها للحظات
هموم الحياة.
الريح الحرون، هزت أشرعة النوافذ، ولسعت وجوه المارة بفيض برودتها.
تساءلت باسترخاء: أيستطيع الإنسان أن يحيا بمعزل عن الآخرين؟؟ ولكن
تعبها الأصم أسكتها، وكبّل حركاتها تاركاً سؤالها بلا جواب. الأيام الطويلة
التي عاشتها، فتحت عينيها على أمور كثيرة لم تتبينها من قبل.
ازدادت الرياح شدة، فطردت السحاب، بعد أن نهشته وشتتته ومزقت
خيوطه.. فتلاشى دون أن يخلف وراءه شيئاً من المطر.
غضبت وهي ترى العاصفة تقضي على كل شيء.. تدمر وتخرب، وتترك الأرض
ظامئة.
الدفء الحنون، أعادها من جديد إلى سكينتها.. فاكتفت بمراقبة الكون
من خلال النافذة العريضة الممتدة أمام ناظريها.
منذ مدة طويلة.. لم تعد الأحداث تعنيها، وكأنها مسافرة في قطار
سريع.. تطل عبر النافذة إلى المشاهد المتتابعة بسرعة عجيبة.. يصعب معها تحليل
ما ترى.. وسرعة القطار تجعلها ترى الأشياء متشابهة.. متعاقبة.. مكرورة.. لا
يحمل أحدها، ما يثير الدهشة، أو يرضي الظمأ إلى شيء جديد..
أسعدها دور المراقبة المحايدة.. تمثله على مسرح الحياة..
ترى، وتلمح، وتلاحظ.. ولكنها لا تحاول أن تتعمق في الأمور لتصل إلى
مغزى الوجود.
فهي تأخذ ما يأتي- كما هو عليه دون الدخول في التفاصيل، كمن يرى
الحياة معروضة على شاشة "تلفاز" لا يملك جهازه.. بل يراقب ما يجري من خلال
نافذة كبيرة، تفصل بينه وبين جيرانه.
ارتاحت لهذا الدور المسلي.. فبدت مستسلمة تملؤها الغبطة وقد عقدت
مصالحة مؤقتة بينها وبين العالم.
لن يدفع بها حب الاستطلاع من جديد إلى استجلاء مضامين الأحداث.
سنوات طويلة مشحونة بالأحداث الغريبة عاشتها وكانت كافية لرفع
الأسوار بينها وبين العالم الخارجي..
لذا.. أصرت على أن تضيف في كل صباح سوراً جديداً.. حتى غدت بعيدة
عما يحدث في المجتمع، ولكن.. هل حققت سعادتها؟
تركت هذا السؤال معلقاً في الفراغ.. لا يلقى جواباً.. فالجواب بحاجة
إلى إعمال الذهن.. وهي حريصة على ترك رأسها في حالة عطالة. فلماذا تفقد دماغها
الفوسفور المختزن فيه؟
نعم.. ستوفر هذا الفوسفور إلى الأوقات العصيبة.. وربما لن تأتي تلك
الأوقات أبداً..
وحين حاول الشك أن يتسلل إلى روحها.. أمسكت بيدها سوطاً، وهوت به
علىجسده الشوكي، فطردته قبل أن يتسلل إلى مخدعها.. استمرت في مقاومتها، فاغتالت
القلق.. فبيتها لا يتسع لتلك المشاعر السلبية.
امتلأ رأسها بالاستسلام والاطمئنان.. واحتفظت بظل ابتسامة على
شفتيها الرقيقتين.
ولكن سؤالاً خبيثا فاجأها..
هل أصبحت قدرية إلى هذا الحد؟؟
وجاء الجواب على هذا السؤال سريعاً لا يحتاج لأي عناء:
-نعم.. صرت قدرية.. أدركت تلك الحقيقة قبل سنوات، وأحست أنها تأخرت
في معرفة هذه الحقيقة.. التي انجلت أمامها بوضوح، حين تأملت حياتها الماضية
فوجدت -ولسوء الحظ- أنها لم تختر شيئاً من هذه الحياة.
كانت تجد نفسها في كل مرة أمام مفارق الطرق.. وفي كل مرة كانت تشعر
بأيد خفية تسحبها صاغرة، وتمضي بها إلى حيث تشاء..
همست لنفسها من جديد: يا ترى.. لو رجعت إلى نقطة الصفر.. ماذا كنت
سأختار؟؟
وجاءها الجواب لا لبس فيه ولا غموض..
سأرفض كلّ ما مرّ بي.. نعم سأرفضه بكل ما فيه.. بنيت حياتي على
أوهام كاذبة.. كأجنة خارج الأرحام.. من اللاحقيقة صنعت بيتاً.. وأنجبت أطفالاً،
وها أنذا.. أعانق الوحدة والاغتراب..
هاجمتها قوة جديدة.. انتزعت نفسها من أحضان غطائها الصوفي الناعم.
قاست بقدميها الحافيتين ممرات البيت جيئة وذهاباً.. هزتها ثورة غضب
واحتجاج.. أشعلت كل ما سكن في روحها من مواجع.
لم تجد أمامها مخرجاً سوى ارتداء ملابسها بسرعة جنونية، غادرت
المنزل، وقد غطت عنقها النحيل وأعلى كتفيها بغطاء سميك.. حملت معها مظلتها
السوداء.. وهرولت في الدرب وهي تحمل همومها، ونوبات جنونها إلى حيث يتواجد
الآخرون.
10/10/1996.
   
أغنية.. وإيقاع
قالوا لها: أنت أنثى..
خجلت.. تقلصت.. ثم انزوت.. وانطوت، واخفت وجهها الجميل وراء القناع.
وحين خرجت إلى النور بعد دهور طويلة فاجأتها غمزات الرجال..
-عودي إلى هناك، إلى ركنك الصغير.. لا تستبيحي حرمة النساء.. أتودين
التحليق في أرجاء الفضاء؟؟
ارجعي إلى بيتك.. اختفي وراء جدرانه.. فأنت ما زلت طفلة تحبو..
تعلمي السير الصحيح، ثم اخرجي إلى الضياء وإلا فاختاري العتمة.
انكمش جلدها اللدن، شحب لونه، غدا خريفيا، كثير التجاعيد.
بحثت عن نفسها في الماضي البعيد.. الموغل في القدم.. اكتشفت بعد تعب
طويل أنها كانت حلوة، ناعمة، قوية، قادرة على زرع العشق والاحترام في قلوب
الرجال، رأت.. ولعظم دهشتها أن امهات امهاتها.. كن رائعات وجدّات آبائها كن
عظيمات أيضاً.
تساءلت عن سر ذلك التغير الذي حلَّ ببنات جنسها، ولما أدركته بكت
بحرقة.
أيقنت.. أنه لا بد لها من قفزة.
خرجت من جديد، فأعمى عينيها النور الباهر..
رجعت إلى البيت، اختفت وراء الجدران العالية، يملؤها الإحساس
بالهزيمة..
في صمت مهيب.. بدأت تكتشف الطريق.. وتتعلم.. كيف تخطو في الظلام؟؟
من أجل طرد الاشباح وشياطين الجهل.. تزودت بشمعة مضيئة ثم بشمعتين..
ثم استبدلت الشمعات بمصباح ساطع..
مارست تجاربها العديدة.. كَبَتْ ثم نهضت وقد اعتاد نظرها على النور
القوي..
فتحت باب بيتها من جديد.. لاحظت قرص الشمس، يتصدر كبد السماء..
والحر لافح من حولها.
غطت عينيها براحتيها.. ثم رفعتهما.. فتحت جفنيها ببطء شديد.. ثم
ابتدأت تتأمل الطبيعة من حولها.. وقد نسيت الخوف والتردد.. أحست أنها تحتاج
لسنوات طويلة لتتعلم أغنية الحياة.. وعشرات السنين لتتقن الرقص على إيقاعات
العصر الحديث.
عارية وجدت نفسها أمام مرآة الحياة..
تأملت جسدها الفارع الممتلئ بكنوز الرغبة، ثم أشاحت بوجهها عما يثبط
همتها.
أرادت أن تقول شيئاً للآخرين.. وحين وجدتهم لا يلتفتون لكلامها،
انعقد لسانها، وأحست بالعجز.. فاض الحسن من هضابها ووديانها وروابيها الخالدة..
وشكل جداول من عصارة الكروم الخيرة.
لم تقل شيئاً.. ظلت صامتة.. ولكنها باحت بأشياء كثيرة.. تعلمت أن
صمت المرأة هو سرُّ جمالها.. فصمتت، وتركت مواطن الفتنة، تتحدث عن نفسها..
لم يرضها أن يكتفي الآخرون بتأمل جمالها..
أحست بالإهانة.. وغطاها الخزي، فهي ليست سلعة تعرض في واجهات
المخازن.
فاض فمها بكلمات مارقة.. تحمل من التمرد الشيء الكثير.. غابت في
محيطات من العنفوان، والكبرياء، والثقة.. غنت من جديد نغم الحياة.. قبل أن تمضي
عليها سنوات قليلة.
وأتقنت الرقص على إيقاع المتغيرات الجديدة.. وهي ما زالت في ربيعها
الندي الزاخر بالخصب والعطاء.
سمع الآخرون الغناء، فانتشوا من خمر طيب الفكر وسحر الكلام..
ورأوها.. ترقص في لجج الأحداث.. على أنغام الرفض والإصرار.. وصوت
الحقيقة والواقع، فأعجبهم رقصها، وسحرهم غناؤها..
تمايلت بقدها الأهيف.. وسهام الفكر تنطلق من رأسها المشع بأسرار
الوجود.
غدت أكثر جمالاً.. وأكثر إيقاعاً. وازدادت أعداد المعجبين بها..
شهقت.. وحلقت على أجنحة السعادة، وهي ترى الكون يفتح ذراعيه لها..
وقد امتد أمامها كفارس مشتاق.. يحتضن معشوقته، بعد أن فك عنها الحصار.
اتخذت مكانها في صدره.. اتسعت بوجوده.. واستسلمت لألوان المعرفة
الحياتية.
غنت بصوت مرتفع.. فأصغى الكون إلى غنائها الإنساني الرائع.
صدحت على مسرح الحياة.. وأنصت الآخرون إلى أوبرا حياتية.. ممتلئة
بالأحداث.. مصبوغة بالغنى.. ملونة بالمفاجآت..
رأت وجه الحظ.. الذي خلقته بيديها الاثنتين.. وارتاحت لجمال قسماته.
انتشت.. وهي تصغي لدقات قلبها المتدفق بدماء الواقع.. وحين تأملت
وجهها المنعكس علىصفحة المرآة، أصابتها الدهشة.. أطلت أمامها امرأة لم تعرفها
من قبل.
ابتسمت، وافتر ثغرها عن ابتسامة مشفوعة بالثقة والتواضع والكبرياء..
ارتاحت كثيراً.. لأنها لم تعد تنعي حظها، أو تخفي حبّها للوجود.
خرجت هذه المرة.. ولم تعد إلى البيت بسرعتها القديمة نفسها ، بل
عادت ببطء شديد.. يملؤها الفرح والإحساس بالنصر.
12/1/1996
   
زواج مصلحة
اخذها من يدها، وسار بها بين جموع الحاضرين..
في الصالة الواسعة المضاءة بمئات المصابيح.. ضمها إليه بشوق حنون..
وبدأ يرقص معها..
كانت الفتاة السمراء ذات الشعر الأسود الطويل صغيرة، ناعمة، تكاد
لاتبين بين ذراعيه الطويلتين القويتين، ذابت الصبية ابنة السادسة عشرة في صدره،
واسترخت لطيب رائحته.. وتناست عيون الآخرين...
وتساءل الرجال: من تكون تلك الفتاة ذات الثوب الزهري؟ ولم اختارها
وائل من بين مئات الصبايا؟؟
وتساءلت العجائز: ابنة من هذه الفتاة.. التي يعانقها قريبنا.. أما
كان الأجدر به أن يختار واحدة من بناتنا؟؟
واستنفرت نظرات الفتيات.. تابعن بعيونهن النهمة.. حركات وائل.. ورقص
وائل، وتمنين أن تمحّي تلك البنت الناعمة من الوجود.
نظرات الأم بدأت تحوم في أرجاء الصالة.. ولمحت فتاة طويلة القامة..
شقراء الشعر.. تهرول إلى والد وائل وهي تبكي..
أخذها الأب من ذراعها.. تحسّس تلك الذراع البضّة، ثم لفّ كتفيها
بذراعه اليمنى.. وضمّها إلى صدره.. وهو يعللها بأمر ما.
ملأ الخوف والفزع قلب الأم.. وأصغت إلى الهمسات التي تنطلق من
الأفواه..
-أهذه هي خطيبة وائل؟
وحين كانت الإجابات تتضارب.. سمعت صوتاً لطيفاً، يؤكد أن تلك الفتاة
هي حبيبة وائل.. وبعد التخرج ستكون خطيبته..
-أما وجد وائل في عائلته الكبيرة فتاة أخرى غيرها؟.
ظل الحبيبان يرقصان متعانقين.. ويدوران كفراشات الحقول لا يعرفان
ماذا يدور من حديث حولهما..
وبقيت الفتاة الشقراء الطويلة.. مختفية في زاوية صغيرة من صدر الأب
العاقل.. الذي أحاط به التجار من كل جانب..
فهمت الأم.. أن الصيّاغ جاؤوا أيضاً إلى حفلة الزفاف، وأن أب الفتاة
الشقراء هو واحد منهم.
العروس المحتفل بها هي أخت الفتاة الشقراء.. والأب ينوي تزويجها من
وائل..
كاميرا الفيديو.. تابعت حركات وائل ورشا.. متناسية العروسين المحتفى
بهما.
علقت العيون جميعها بالراقصيْن الساحرين.. الشاب الطويل الأسمر، ذو
الشعر الكثيف.. والقامة الفارعة.. والفتاة الصغيرة الناعمة ذات الشعر الأسود
الطويل.. والعينين السوداوين المشعتين بالفرح.
شريط من الذكريات مرّ سريعاً في رأس الأم الجزعة.. فالحب بينهما بدأ
منذ الطفولة.. مذ كانا تلميذين في المدرسة الثانوية..
أنهى وائل دراسته الجامعية.. وبعد سنة واحدة ستنهي رشا دراستها
أيضاً..
ولكن.. ماذا تفعل صغيرتها مع كل هؤلاء الطامعين..؟؟ لا.. لن يسمح
هؤلاء لهذا الشاب أن يخرج من حصارهم.. آلمتها تلك النتيجة.. وحين عادت الفتاة
إليها.. ضمتها إلى صدرها.. وهي تخشى عليها من الغد..
ودعهما وائل.. وسار معهما حتى باب الفندق الكبير.. متمنياً لحبيبته
ليلة جميلة.
بكت رشا بعد أسبوع واحد من حفلة الزفاف.. وشرقت بدموعها..
-وائل.. يا أمي سيسافر إلى أميركا.. إلى حيث يقيم أخوه الأكبر..
نعم، صدّقي.. سيسافر.. ويتركني.. فهو لا يملك القدرة على مقاومة أبيه.
وائل.. يا أمي ما زال صغيرا، ولا يملك مالا ولا عقارا..
بكت الأم أيضاً.. ونشجت.. وتابعت النحيب.. وكأنها دفنت قبل دقائق
فقط إنساناً عزيزاً عليها.
علا صوت بكاء المرأتين.. وحين انتبهت رشا لبكاء أمها وإلى صوت
نشيجها وحشرجات صدرها.. أصابتها نوبة من الضحك.. وكأنها نسيت مصيبتها.. ظلت رشا
تضحك والأم تبكي.. وبعد دقائق عصيبة من عمر الزمن.. خجلت الأم من بكائها.. حين
سمعت ضحكات رشا.. مسحت الأم دموعها.. وبدأت تضحك.. وسمع الجيران ضحكاتِ
المرأتين..
5/1/1997.
----------------------------------------------------------------------
أضيفت في 30/03/2005/ خاص القصة السورية من
مجموعتها حين غضب القمر الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب
   
إيمان
نطق قاسم بتلك العبارة , و هو يشعر بإيمان عظيم يملأ قلبه و
يروي عروقه.
قبل دقائق فقط , أنهى صلاة الفجر , و تلا آيات من القرآن
الكريم, أهداها إلى أرواح أبيه و أمه و الذين رحلوا من أقاربه و أصدقائه ...
مكتفيا بالقول :" انتم السابقون و نحن اللاحقون " اعتاد أن يتوقف عند كل عبارة
قرآنية , محاولا تفسيرها مستخدما ما جمعه في رأسه من ثروة لغوية ... و ثقافة
عامة...
يقف عند كل كلمة لحظات طويلة ثم ينتقل بعينيه إلى الكلمة الأخرى
... ثم يهمس لنفسه قائلا : إعجاز .. نعم إن هذا القرآن لمعجزة كبيرة .
رعشة خفية تسللت إلى جسده الممتلئ .. الذي ينضج بالصحة و
العافية ..
طوى سجادة الصلاة , و هو يردد آيات ٍ كان قد حفظها و ثبتت في
رأسه لا تبارحه.
البيت غارق في السكون ... تنقل بخطوات لطيفة لئلا يوقظ أحدا من
أفراد بيته.
خرج إلى الشرفة العريضة و الممتدة على مسافة أمتار ..
جلس على الكرسي المخصص له بسنادته المريحة .. و شعر بتلك
الاهتزازات المريحة للأعصاب , فاستسلم لها بعد أن اغمض عينيه .. ثم فتحهما
فأعجبه لون الخيمة البرتقالي ... ثم مد بصره فوقعت عيناه على مشاهد متباينة
...ثم استقرت على الهضاب المتموجة و المتعانقة باستكانة و اطمئنان.حمد الله مرة
أخرى و أصغى بانتباه و حب كبيرين إلى زقزقات العصافير المختفية في شقوق الجدران
, و بين أغصان الأشجار .
أحس أن العالم جميل جدا .. و أن الحياة جديرة أن تعاش , فبدأ
يلهج بعبارات الامتنان و الشكر لعظمة البارئ , مما جعله يبدو صغيرا و ضئيلا
أمام العظمة الإلهية شعر برعشة خفية , فانكمش في مقعده .
تحسس جلده بأصابعه القوية و الصلبة , فادرك في مساماته تلك
القشعريرة التي غطت ذراعيه , و امتدت إلى قلبه.
مد بصره إلى الحقل المجاور ... و قاس بنظراته مساحة السياج
المحيط به ... رأى الورود الملونة قد تطاولت و عانقت السور فحولته إلى شريط
مفوف و متجانس يشد بعضه أزر بعض.
نسائم الصباح اللطيفة , لامست وجهه الأسمر الوسيم . رفع رأسه
إلى السماء ... ففوجئ بزرقتها الصافية الخالية من أي شائبة .
شكر ربه مرة ثانية و ثالثة على نعمه التي أنعمها عليه و تساءل:
أيسكن هو في تلك البقعة الجميلة؟!!
رجع بذاكرته سنين طويلة إلى الوراء ... ثلاثين سنة أو أكثر و
ترك للصور حرية التتابع أمام عيني خياله الجامح.
انتقل نقلة سريعة و مفاجئة , و كأنه عاد إلى نقطة الصفر .
رجع خلال لحظات إلى فراشه المحشو بالخرق البالية .. و الذي كان
يتقاسمه مع أخيه .. و في النهار يطويه فينقلب إلى مقعد مريح , يغطيه بملاءة ...
ليستقبل عليه أصدقاء الطفولة.
في هذا الفراش العتيق , عرف قاسم برودة فصل الشتاء , فاحتمى من
قسوته بالالتجاء إلى أخيه , و معانقته ..و الالتصاق في ظهره , و كان الثاني لا
يتأفف من أخيه الأصغر بل يتركه على حاله و كأنه يدرك جيدا سر تلك الحركات
الطفلية البائسة.
الهواء البارد يتسلل من شقوق النوافذ ... و من تحت الأبواب و
يصل إليه.
أياما عصيبة عرفها في شبابه أيضا , و هو يدرك ذلك الفرق الشاسع
بينه و بين صديقه احمد .. الذي كان يقطن في البيت المقابل لبيته..
أمتار معدودة , تفصل بين البيتين ... و مئات الفروق تبرز واضحة
بين حياته و حياة أحمد.
أحمد ينام على سرير نحاسي اصفر .. و يغطي جسده بلحاف سميك و
غطاء صوفي ... و يستند برأسه إلى مخدة صنعتها أمه كما حدثه احمد ذات مرة من ريش
من النعام .. حين لمسها قاسم وجدها ناعمة كالحرير..
بيت أحمد واسع و عريض ... له فناء كبير تتوسطه بركة ماء تسقسق و
تحاور أشجار البيت من ليمون و نارنج , و برتقال, و تناجي أزهاره من ياسمين ابيض
و اصفر و زنابق ملونة.
كان قاسم , يتأمل كل ما تقع عليه عيناه ..محاولا اكتشاف أسرار
هذا الاختلاف .. بعيني طفل ذكي كان يتطلع إلى تلك الأشياء .. و يبلغ سروره أوجه
حين يزور ذلك البيت الجميل , كل شئ قد وضع في مكانه , كل شئ قد رتب بذوق رهيف ,
أصص الأزهار صفت و نظمت حول البحيرة و في أركان الفناء ..البركة الرخامية ذات
القاع الأزرق و النظيف تستقبل و تحتضن مياه النافورة الفضية.
واكثر ما كان يلفت اهتمام قاسم المطبخ النظيف ذو النوافذ
الواسعة المشرعة للنور و الهواء... و كم كان يملؤه الفرح حين كان يتابع بعينيه
الواسعتين حركات أم احمد و هي تروح و تجئ في مطبخها ...تحضر وجبات الطعام
المنوعة ... وكان اكثر ما يجذبه منها تقشيرها لحبات الثوم ..لكي تضعها بغزارة
على "الملوخية" ثم تضيف إليها "الكزبرة".
وحين كانت تخرج هالة من الحمام ... و قد أحاطت شعرها الطويل
بغطاء مطرز بالورود...كان يسائل نفسه لماذا لا تضع أخته غطاءً مطرز الحواشي مثل
غطاء هالة حين تخرج من الحمام ؟!!
أم أحمد تغسل الثياب في غسالة كهربائية ... ثم تأتي امرأة غريبة
فتمسح لها البلاط و تنشر لها الثياب...
أما أمه فكانت تتربع على بلاط المطبخ و أمامها طبق الغسيل ...و
إلى جانب هذا الطبق كان يراقب كفيها و هما تدعكان القماش حتى ينظف ... هذا
المطبخ يتحول فجأة إلى حمام بعد أن يوضع على الوابور وعاءً كبيراً ممتلئاً
بالماء ..
في المساءات , كان قاسم يرى أمه و قد أنهكها التعب .. متكورة في
زاوية من زوايا الغرفة ترفو الجوارب , أو تصلح الثياب . و حين يحاورها أبوه في
هدأة الليل كان صوتها يصله محتجا غاضبا متذمرا و كارهاً للحياة .
ومع مرور الأيام , انتقلت تقطيبة أمه إلى أخواته الثلاث و كانت
تلك التقطيبة , تنقلب فجأة إلى صراع حاد.. و إلى شجار عنيف, فتنهال الشتائم على
رؤوسهن , ثم لا يلبثن أن يقتربن منها محاولات إزالة غضبها بمداعبتهن و كلماتهن
الحنون.
قاسم الشاب ... كان يرى كل هذا ...ثم لا يدري لم كانت عيناه
تتجهان إلى المنزل المقابل لمنزله ... و تنهال عليه أسئلة كثيرة تحتاج إلى
أجوبة ...لا يملك الرد عليه فيصاب بالصداع.
و المشهد الذي ملأ عينيه و قلبه بالحسرة ... هو اضطراره لحمل
الصفائح التنكية ... ليملأها بالماء من بيت الجيران أو من الفيجة القريبة
متناوبا تلك المهمة مع أخواته البنات .. هذه المهمة كانت اصعب المهمات ..إذ لا
تتوقف حتى يمتلأ المستودع الكبير المبني في زاوية من زوايا المطبخ.
هذه الأمور و أشياء أخرى جعلته يدرك جيدا أن بونا شاسعا يفصل
بينه و بين صديقه أحمد..
الذي صار بيته في نظر قاسم مثلا يحتذى..
علا صوته الداخلي , مفتشا عن الخلاص , و رسم الأهداف البعيدة و
القريبة ... و أنهاها هدفا هدفا ... صلبا انطلق في دراسته الجامعية ..نال
الدكتوراه و هو يتلظى على نار الفقر و الحاجة.
|