الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | مواقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 12/10/2008

القصص

 الهدية

 ساعات

امتثال     قهر   كمرا

   شهرزاد    عروس البحر

نقوش على جبين الأيام

تحد

فداء

دبيب الروح مرة أخرى

النجم المسافر

رائحة الأيام

لقاء

أقاصيص

 

بطاقة تعريف الكاتب: وائل وجدي مصر 

 

• من مواليد 10/6/1962- القاهرة .
• ليسانس الحقوق - جامعة القاهرة عام1985.
• عضو اتحاد كتاب مصر.
• عضو نادي القصة - القاهرة.
• عضو جمعية الأدباء - القاهرة.
• عضو اتحاد كتاب الانترنت .
- صدر له:
• البداية - قصص عام 1987.
• دبيب الروح - قصص- مكتبة النيل للطباعة والنشر - عام 1999.
• عبد الله السيد شرف ، الذي عرفته- مركز الحضارة العربية عام 2000.
• رائحة الأيام - قصص - الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2002.
• الحنين - مختارات قصصية - سلسلة أصوات معاصرة عام 2002.
• حمائم الكعبة - نص سردي - سلسلة أصوات معاصرة عام 2005.
• نهار الحلم - قصص - مطبوعات اتحاد كتاب مصر عام 2006 .
• ساقي اليمنى – رواية – دار شرقيات عام 2008 .
- تحت الطبع :
• هادي والبحر - قصص للأطفال – ( كتاب قطر الندى ).
• غواية الصمت – قصص قصيرة .
- نشرت أعماله القصصية في العديد من الصحف والمجلات المصرية والعربية، منها :
• جريدة: شباب بلادي، الوفد، المساء، الأهرام المسائي، الشعب، مايو، القاهرة .
• مجلة : الأهرام الرياضي، الجيل، كتابات معاصرة، إبداع، القصة،

الثقافة الجديدة، الشاهد، الثقافة العربية، زينة، ألحان، حواء، السينما والناس، ألواح، الراوي، الهلال، الجوبة.
• نوقشت أعماله القصصية في البرنامج الثقافي، والبرنامج العام، وصوت العرب بالإذاعة المصرية.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

 

  نماذج من أعماله

              

شهرزاد ..

                                                                    

.. تأخرت " شهرزاد " عن  موعدها؛ لم يجدها بجواره –  مثل كل ليلة –  قام " شهريار " من سريره – الوثير – يبحث عنها في القصر..

وهو يخرج من حجرته.. وجدها، تهل عليه.. وجهها  شاحب .. احتضن وجنتيها براحتيه ، لثم ثغرها .. همس في أذنها :

- أين أنتِ ؟ !

بصوت واهن:

- متعبة بعض الشيء .

مسد على شعرها الأسود – الناعم – بحنو :

- هل أحضر لك طبيباً ؟

ابتسمت بشحوب :

- لا .. لا .. سأكون بخير إن شاء الله .

بنبرات قلقة:

- لست مرتاحاً.. ما بك يا شهرزاد ؟ ..

احكي لي؛ عما يضايقك ..

تنهدت بعمق :

- ألم يحن وقت التخلص مني ؟ !

بنظرات مرتابة :

- لا أفهم ما تقولينه ..

- لم يعد عندي حكايات .. وجاء وقت

 مسرور ؛ كي يقطع رقبتي..

- شهرزاد؛ أنت زوجتي...

- ألم تتخلص من زوجاتك ؛ في ليالي العرس ..

- هذا زمن قديم .. لا أحب تذكره ..

- في كل ليلة ؛ كنت أخشى من النهاية المباغتة ؛ بعد

أن تنتهي حكاياتي .. وأجد رقبتي ؛ تحت سيف مسرور ..

بصوت حان :

- شهرزاد أنت زوجتي  وحبيبتي ؛ وأم أولادي ..

  لا أستطيع التخلص منك... حتى لو انتهت الحكايات .. أنت

حكايتي التي لا تنتهي ..

ضحكت شهرزاد ؛ ضحكة عذبة :

- تصور أنه مازال لدى حكايات أخرى ..

----------------------------------------------------------------------                       

أضيفت في 05/05/2007/ *خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

   

 

عروس البحر

 

 

.. تجلس على رمال شاطئ البحر ...

خيوط الشفق ، تنساب في صفحة السماء ...

نثار الموج، يلفح وجهك...

رخات الهواء البارد ، تنعش خلاياك ...

تولع ، بتموجات البحر...

البحر... والمدى اللامتناهي .. يسربلانك ...

.. تمر ساعات .. تسرح في الأفق ...

 البحر.. حصيرة  هادئة...

 تجفل عيناك .. تشعر بمن يتحسس ملامحك ، يضغط على كتفك .. تنتبه -  على ضوء القمر - تبصر وجهًا ، مستديرًا ، ينسدل عليه شعر طويل ، يطمس قسماته - تمامًا - يرنو بأنفاسه نحوك ... تسري رعشة في أوصالك .. تشم رائحة غريبة ..

جسد امرأة، عار، ممشوق..

 تفرك عينيك .. تقف .. تقترب منها .. ترفع براحتيك : خصلات شعرها .. تطالعك عيناها الخضراوان  تضويان في الظلمة ..

تدهشك ضحكتها، الناعمة:

- أيقظتك من حلمك ؟!

- أتسبحين هكذا ؟!

تزداد ضحكاتها .. تشير إلى البحر ، بأصابعها :

- أنا من هنا ...

- لا أفهمكِ ...

تطلب منك الجلوس على رمال الشاطئ .. تأخذ من حقيبتك قميصًا .. تعطيه لها .. تهم بارتدائه .. تلتفت برأسك ؛ حتى تنتهي ..

تجلسان.. تمسك براحتيها حفنة من الرمال .. تطيل النظر ، تهمس :

- ولدت في مملكة المرجان ؛ بأعماق بحر ، الوادي السحيق ..

 لم يرزق والدي بسواي .. أفرط في تدليلي.. سئمت القصر، وما فيه..

في يوم ؛ سبحت أميالاً وأميالاً .. لمحتك ؛ تجلس على الشاطئ .. تابعتك ؛  وأنت تناجي البحر .. تسرح بنظراتك إلى الأفق البعيد ..

لا أعلم لماذا شغلت تفكيري ؟..

 واليوم ؛ سبحت من أجل أن أراك ؛ وأحدثك ..

 بالفعل وجدتك ؛ تجلس في نفس المكان..

 يصيبك الدوار  ؛ تتلعثم . تنطق ،  بصعوبة:

- أكيد أنك تداعبينني .. هل يوجد في عصر المعلومات .. عروس بحر ؟!

- أعرف أنك لا تصدقني؛ ولكن هذه هي الحقيقة.. أتريد أن أثبت لك !!

أعطني يديك .. لم تشعر إلا وهي تجذبك إلى البحر ..

 تقاوم.. لم تستطع أن تفلت من يديها ؛ اللتين تحولتا إلى زعانف ؛ فور ملامستها الماء.. ضربت بها ماء الأعماق .. أحاطتك غلالة شفيفة ؛ تتنفس من خلالها.. تسبح أمامك بسرعة؛ وأنت تتبعها ..

 ظلمة شديدة؛ تشعر بأشياء تلامسك؛ لعلها كائنات بحرية..

 بعد لحظات .. تجد الظلمة ؛ تتلاشى تدريجيًا .. ضوء ساطع ، مبهر.. أسماك صغيرة؛ بألوان الطيف .. تكوينات صخرية ؛ لم تر مثلها من قبل.. قصر  عالي البناء ، متسع الأرجاء.. ثريات؛ تدهشك أنوارها.. تنتفض فرائصك .. تشملك رعشة شديدة.. أحست بك .. أخذت تعود بك مرة أخرى.. دخلت إلى الظلمة .. تشعر أنك تطفو .. تضرب بزعانفها ؛ الغلالة ؛ التي تحوطك.. تكتم أنفاسك.. تصعد برأسك.. تأخذ نفسًا عميقًا .. تسبح إلى الشاطئ .. تنظر وراءك؛ تبحث عن عروس البحر..

.. ظلمة البحر شديدة ، و الأمواج متلاطمة ....

.. لم تستطع أن تقف على ساقيك .. الخدر ، يسري في خلاياك .. العتمة تغشاك ..

.. تفتح عينيك .. وجوه شائهه ، تطل عليك .. تحاول أن تستنطق الحرف . تأخذك الغفوة ..

.. تشم رائحة اليود .. تنفض غطاء سريرك ..  تمد يدك للأباجورة  ؛ تضغط مفتاحها ..

.. تفتح خصاص نافذتك ... تطل على البحر .. تتأمل غبش الفجر.. تملأ رئتيك بالهواء ، الرقراق ...

.. رأسك مشوش ، تحاول أن يتسق تفكيرك .. ملامحها ، لا تبعد عن خلدك .. تأسرك عيناها ، ولمسة أناملها ، البضة .... تعرج إلى الكورنيش .. تجلس على رمال شاطيء البحر ... تتابع تموجات البحر ..

نثار الموج ، يلفح وجهك ...

رخات الهواء البارد ، تنعش خلاياك ...

البحر ... والمدى اللامتناهي .. يسربلانك ....

----------------------------------------------------------------------

أضيفت في 05/05/2007/ *خاص القصة السورية / المصدر الكاتب

   

 

كاميرا

 

                                           

.. المشهد ، يغيب تشكيله البصري ... سحابة بيضاء – شفيفة – تحجب رؤيتك ..

.. لم تعد تستطيع ضبط أبعاد الصورة ... البطلة ؛ تتماهى ملامحها ..

العرق – البارد – ينساب على جبينك ..

صراخ المخرج ؛ يأتيك بلغة لم تسمعها من قبل ... رعشة ، تغزو خلاياك ..

.. تسربلك العتمة ...

تفتح جفنيك - المرملين – خيالات تتحرك أمام عينك اليسرى .. عينك اليمنى ، تبصر بها يداً تفحصك ..

تصيخ سمعك ؛ لنبرات دافئة ، حانية :

-سلامتك .. أقلقتني عليك ..

تهم برأسك من فوق الوسادة ..                 

يأتيك ، صوت حاد :

-من فضلك .. ممنوع الحركة ..

ما الذي شعرت به  في موقع التصوير ..

بصوت واهن :

-زغلله في عيني اليسرى ، لم أدر إلا وأنا هنا ..

-هل حدث لك من قبل ..

-منذ شهرين تقريباً ، شعرت بألم بسيط في عيني اليسرى ..

-هل كشفت على عينك ..

-لم أهتم بالألم... أرجعته إلى إجهاد التصوير ..

-هل قمت بإجراء التحليلات...

-لا أحبها ؛ لقلقي من نتيجتها..            

تفرد جسدك على السرير .. أبر تغز جلدك .. رأسك ثقيل ، ثقيل .. عينك اليسرى ، يعصرها الألم ..

خيوط النهار ، تنسل من خصاص النافذة ..نقرات - منتظمة - على باب حجرتك ..

تلتفت برأسك نحو نبرات باسمة :

-لعلك اليوم في حال أحسن ..

-الحمد لله ، لكن عيني تؤلمني ..

-في المساء ، ستظهر نتيجة التحاليل والأشعة ..

ستكون بخير  إن شاء الله..

شريط الذكريات ، يمر أمام عينيك ... تسلمك الجائزة الأولى عن مشروع التخرج ... الحصول على جائزة التصوير في مهرجان القاهرة  السينمائي ... جائزة التصوير في مهرجان الإسكندرية السينمائي ... المركز الأول في مسابقة التصوير الضوئي ...

تطفر دمعة ، تمسحها أنامل - حانية -  تهمس لك : لا تحزن ...

تلمحها بعينك اليمنى ، تحاول أن تبتسم لها ، لكنك لا تستطيع ...

تتأمل نصائح الطبيب :

-الابتعاد عن الإجهاد النفسي والبدني ؛ لإنهما العدو - اللدود - لمرض السكر .. عليك أن تحافظ على عينك ؛ التي لم تتأثر  بالآثار الجانبية...

تسمع صوت الممرضة ؛ تحثك على الإفطار ؛ حتى تأخذ علاجك الذي قرره الطبيب ... تمتعض ؛ لكنك تمتثل مرغماً...

كل صباح ، ألفت الحقن ، أقراص الدواء ؛ التي تبتلعها بالأمر ....في المساء - بعد العشاء -  تأخذ حقنة أخرى ؛ تتألم  من كثرة غز الإبر ؛ ولا حيله سوى التحمل ...

يزورك الأصدقاء والزملاء ؛ يؤازرونك بالكلمات الودودة ، لكن الوحدة والسأم ، تملآن قلبك...

بعد عودتك إلى منزلك ؛ تجلس ساعات - طويلة - في حجرة المكتب ؛ تسرح مع ألبومات الصور - حياة كاملة - تمر أمامك  كالطيف ...

تقف في الشرفة ؛ تتطلع إلى بدر القمر ؛ ينير صفحة السماء الداكنة..  تخرج حقيبة التصوير من مكتبك... تفتحها ، تحضن بيدك الكاميرا ....

تعود إلى الشرفة ، تلتقط الصورة ....

--------------------------------                       

أضيفت في 14/06/2005/ *خاص القصة السورية

 

   

قهر..


- 1 -

... ركلات شديدة بباب شقتك . ترتعد . تنفض غطاء سريرك . تبحث عن مقبض بابك في العتمة . تخرج رأسك . تجابهك أجساد بشرية ، وأعين يتطاير منها الشرر .. أصوات ، متداخلة النبرات..
تسقط أرضاً . تدهسك الأقدام . تهصر عظامك..

- 2 –

... العتمة ... والعتمة ... والصمت ؛ سمت أيامك الفائتة ...
تسمع فتح باب ، وصوتاً غليظاً ،أجش :
- الطعام أمامك ...
.. الجوع ، ينهش معدتك . تأكل ، ولا تعلم كنه ما تلوكه أسنانك...
عندما ، تشعر بألم معدتك ، وضرورة قضاء حاجتك ؛ عليك ، أن تنقر ثلاث نقرات ، متتابعة – كما نبه عليك – اللحظات الوحيدة ؛ التي يسمح لك ، أن يرفع عنك غطاء عينيك ...
... القبر وظلمته ، أهون من العتمة والخرس ، وأنت حي ...
ماذا اقترفت ؟

- 3 -

... بعد أيام ، لا تعلم عددها. وجدت نفسك ، تجلس في حجرة أخرى . هواؤها رطب ...
يخلع عنك ، غطاء عينيك . الضوء يغشي بصرك . تضع يديك على عينيك ...
ترامى إلى مسامعك – صوت – وكم أنك مشتاق إلى أي صوت ، يؤنس عتمة وحدتك ...
: ما اسمك ؟
- ...............
: ندمت على جريمتك ...
قلت ، بشده :
- أي جريمة اقترفت ..
قال ، بفظاظة :
- هل نسيت شارع المطار ؟
قلت :
- شارع المــ..........
- واعتداءك بالضرب المبرح ، على مواطن شريف ...
صرخت :
- مواطن شريف .. كيف ؟ .. يتحرش بفتاة ، ويحاول إجبارها على صعود سيارته ...
يجذبها من شعرها ..كانت تصرخ وتستغيث ...
تكلمت معه بهدوء ، أن يتركها في حالها...
بصق على وجهي وسب أبي وأمي..
بنبرات ، عابثة :
- ما شأنك ..
قلت ، بحدة :
- كيف لا أهتم . أين نحن ؟..
زفر الرجل ، حدجك ، بغيظ :
- للمرة الثانية. ما شأنك يا بن ألـ.......
أختك ، زوجتك ....
إذا لم تعتذر له ، لن تخرج من هنا ... مفهوم ....
قلت ، بانكسار :
- مفهوم ... مفهوم ....

--------------------------------                       

أضيفت في 06/04/2005/ *خاص القصة السورية

 

   

 

امتثال

 

 

الوظيفة، لم تكن من أحلامك.. تمقت القيود.. تعشق الحرية.. لا تحب الشكليات..

 ربت خالك كتفك:

-  لا تحتاج إلى التفكير.

ضغطت على شفتك السفلي :

- لا أحب الروتين والرتابة الوظيفية.

قال خالك، بحيرة:

- إن التعيين في بنك من الأمور النادرة، هذه الأيام.

نظرت إلى سقف الحجرة، وقلت بهدوء :

- إ نها فرصة ، ولكن لا أتصور نفسي موظفاً.

لاحت ابتسامة ، على ثغر خالك:

- المهم أنك موافق على الفكرة.

                               

جفاك النوم - في الليلة السابقة لذهابك إلى العمل – أيكــون تعيينك في البنك  ، هو الذي تسعى إليه ؟ . أم هي تجربة ، تتبعها  تجارب أخرى ؟ .. هواجس كثيرة تضاربت في رأسك  وتداخلت الدوائر.. وجلست تتأمل الفراغ ، مستنشقاً نسمات الهـواء – الشتوية - التي تنساب من خصاص نافذة حجرتك، مع ظـلال النور الخافت، الساقط على الحائط.

 قطع السكون السادر رنين " المنبه "  . أغلقته ، ونظـرت إلى عقارب ساعتك.. ألفيتها تقترب من السابعة.. هرعت مسرعاً ، ترتدي ملابسك .. نثرت وجهك بالماء البارد، المندفع من الصنبور ، وخرجت من شقتك .

قفزت في أتوبيس ، متجهًا إلى ميدان التحرير.

 

لم تكن تعلم، ما هي وظيفة خالك – بالضبط – كل ما تعرفه : أنه في درجة وكيل وزارة.

سألت عنه: موظف الأمن .. رحب بك ، وقال: الدور الرابع... وقفت أمام المصعد – الأوسط – المخصص للأدوار الزوجيــة .. وبعد دقائـق  دخلـت فيـه ، وطلـبت الـنزول في الدور الرابع..

خرجت من المصعد تطالعك: لوحة إرشادية ذهبية اللون: "قطـاع  التخطيط والتنظيم والتدريب "، وسهم يتجه إلى الجهة اليمــنى

.. اتجهت خطواتك ، عبر ممر قصير، مفروش بسجادة قانيـــة الحمرة.

ودلفت إلى مكتب ، مدون على بابه:" مكتب رئيس القطـاع" .

قبل أن تسأل عن خالك ، وجدت في انتظارك " عباس " - الذي عرفك بنفسه - أسمر البشرة ، ذو شارب دقيق ، وأنف حــاد ، نحيف القد.. يرتدي قميص أزرق ، وبنطلون أسود ، ورباط عنق  ، تتداخل ألوان الطيف في نسيجها .. وقال بتودد:

-  خال سيادتكم في اجتماع طاريء، ولقد كلفني بأن أنهى إجراءات تعيينك.

وقفت حائراً، ورددت:

- شكراً .. 

.. مكثت في إدارة شئون العاملين : تملأ أوراق التعيين ، بعد تقديم مسوغا تها ، وتوقع على أوراق ، وأوراق ...

تقابلك ابتسامة الموظف المختص ، والمديح في شخص خالك .. وإصراره على الترحيب بك ، بطلبات : الشاي والقهوة.. لكنك لم ترتح لتلميحات بعض الموظفين ، وتحيتهم الباهتة..

 

جلست -  في مكتب خالك -  تتأمل عالماً جديداً ، لم تألفه من  قبل ..

وبعد ساعة تقريباً ، فتح باب الحجرة ، ودخل " عباس"  وخالك -  مبتهجاً - وسلم عليك ، قائلاً :

- كنت في اجتماع رؤساء القطاعات ، ولعل عباس قام بالمطلوب..

-  لقد قمت بالانتهاء من إجراءات التعيين.

قال خالك ، وهو يجلس على مكتبه:

-  فوراً ، يتم تخصيص مكتب له في حجرة إدارة القضايا..

  ولا تنس أن توصي عبد الخالق سعيد، وأن يعتني بابن شقيقتي.

هز -  عباس - رأسه :

-  في الحال ، ستنفذ أوامرك ، يا سعادة البك..

أخذك " عباس" إلى الدور السادس ، ودخلتما - آخر حجرة - وكان الباب مفتوحاً .. وبادر " عباس "  بتعريفه بك لـ " عبد الخالق سعيد " .. ألفيته يهم بالوقوف من وراء مكتبه .. ويشد على يدك بحفاوة ، وقال :

أهلا بك في إدارة القضايا ، وإن شاء الله ، نكون عند حسن ظنك.

قلت ، بارتباك:

- شكراً ..

وجلس على الكرسي ، الملاصق لمكتبه ، وأخذ نفساً عميقاً مـن سيجارته ، وأشار بيده ، كي تقعد ، وردد:

- سأعرفك بزملائك ، وبعد ذلك نتحدث عن العمل.

والتفت وراءه ، وضغط على مفتاح .. انبعث رنين متصل .. ودخل ساعي المكتب ، قائلاً:

-أ يوه يا فندم ..

نظر إليه ، وبنبرات حازمة:

- بلغ المحامين إدارة القضايا الحضور لدى فوراً..

قام " عبد الخالق سعيد " ، وأزاح كرسي مكتبه .. قعد عليه ، وسحب أحد الملفات -  المتراصة أمامه - أخذ يقلب في أوراقه يقرأ صفحاته بتركيز .. ينظر إليك سارحاً ، ثم يعود مرة أخرى

إلى الأوراق..

نقرات ، متتابعة ، ومنتظمة على باب الحجرة ..ودخل ثلاثة من زملائك .. وقفوا قبالة مكتب " عبد الخالق سعيد " .وضع نظارة القراءة أمامه ، وأخذ رشفة من كوب الشاي:

- والآن يا خيري ، سأعرفك بزملائك.

وأشار بيده ، قائلاً :

- عماد.. سامي .. نرمين..

هموا بالتسليم عليك ، والبشاشة والترحاب ، تطلان من عيونهم.. نظر إليك " عبد الخالق سعيد " .. زوى ما بين حاجبيه:

- من قرار تعيينك يتضح ، أنك معين أخصائي شئون قانونية ، ولست فنياً ..

قلت :

-  أرجو الإيضاح .

أضاف :

-  وفقاً للائحة البنك ، وقانون الإدارات القانونية ، واللائحـة التنفيذية. لا يكون التعيين في وظيفة محام إلا بإجراء مسابقة ، يعلن عنها في جريدتين رسميتين .

على العموم .. ستوزع عليك ملفات القضايا المنتهية ، لكي تتعلم من قراءتها . بإشراف زميلك عماد.. وأي معضلة .. أنا تحت أمرك.

.. لم تنبس بكلمة ، وخرجت مع زملائك من الحجرة ..

 

جلست على مكتبك –  الصغير –  لصق الحائط الأوسط لحجرة  القضايا  ..على يمينك " عماد" .. أمامك " نرمين" .. وفى الجانب الأيسر " سامي " .. بادرك عماد، قائلاً :

- أجدك شارداً ..

بنبرات خفيضة:

-   حديثي مع مدير الإدارة ، أقلقني .

لا تهتم بكلامه كثيراً..أنت حاصل على ليسانس حقوق مثلنا..

بحزن ، قلت :

-  لقد أصابني بالحيرة .

 قام " سامي " من مكتبه ، ودنا من مكتبك ، وبصوت جهوري :

-  سيادة خالك ، مشرف على قطاع الشئون القانونية .. لا تقلق..

بضيق ، قلت :

-  صحيح خالي ، هو الذي عينني في البنك ، لكن لا أحب أن

تكون معاملتي على هذا الأساس ..

ابتسمت نرمين:

-  سامي ، لم يقصد ذلك .. المهم لا تتأثر بكلام عبد الخالق سعيد..

فتح " عماد " ، أحد أدراج مكتبه ، سحب ملفاً ، وبنظرات ودودة:

-   اطلع عليه ، وسنتناقش فيه ، وأي استفسار . لا حرج في الأمر ..

 

... رنوت إلى عقارب ساعتك .. الثالثة تماماً .. توقفت عن قراءة الملف ، ووضعته في أحد أدراج مكتبك ، كي تقوم بالتوقيـع في دفتر الانصراف ..

لم تنتظر المصعد ، وهبطت على السلم .. الزحام خانق .

.. خرجت إلى شارع " قصر العيني " ، تستنشق هواءً ،  عابقـاً برائحة الانفلات من الروتين...

                              

   

 

  ساعات

 

...بالضبط شارع أحمد نسيم ، ولكن أين تقع المحكمة التأديبية ؟ .ارتفع صوتك محدثاً. أول من لمحته . استفسرت . أشار بيـده إلى بقايا سور معلق عليه لوحة معدنية ' المحكمة التأديبية '. فتحـت حقيبتك ، وتأكدت من توكيل الموكل ، والدمغة . مسحت حبات العرق ، وصعدت السلم . لفح أنفك دخان السجائر . سحبــه الكثيفة تحجب إضاءة المصباح المدلى من السقف . تحسســـت خطوك بين الواقفين والجالسين ، لأخذ ( رول ) المحكمـــة من الحاجب ، الذي لم يعر اهتماماً لسؤالك :

- هل انعقدت المحكمة أم لا ..؟

جذبت الرول من يده ، وبحثت عن الدعوى ، لم تجدها . جاءك صوته :

- صباحي أم مسائي ؟

استقرت عيناك على اسم الموكل في الرول المسائي ، وتساءلت :

- متى تبدأ الجلسة المسائية ؟

- إن شاء الله الساعة الواحدة ظهراً.

الساعة - الآن - الحادية عشر ، مازالت أمامك ساعتان .

احتواك الطريق ، ها هي مدرستك الابتدائية - مدرسة أسماء فهمي القومية -وبوابتها الخضراء، الفناء الذي طغت عليه المباني الخرسانية ، النخلة السامقة ، عم مصطفى بواب المدرسة وبسمته الودود.

دخلت إلى حديقة ' الأورمان ' تأملت الأشجار ، الزهور . جلست على الخضرة ، متصفحاً ملف الدعوى . وعندما تململت من القراءة عدت إلى المحكمة الساعة الواحدة ظهراً . اختنق المكان بالموكلين والمحامين .. رحت تدور حول نفسك .

...رفعت الجلسة . أغلق الحاجب غرفة المداولة . تعالت أصوات القضاة : ضحكا وعصبية . دق جرس متقطع . فز الحاجب من كرسيه ودخل .. خرج مندفعاً إلى ' بوفيه ' المحكمة ، أحضر أكواب الشاي والسحلب . لم تمر ثوان ودق الجرس مرة أخرى . جرى إلى الأمام ، ولحق به قاض . فتح باب الحمام ، أضاء المصباح وأغلقه . بعد قضاء حاجته ، تبعه إلى غرفة المداولة.

تكرر دق الجرس ، وملاحقة الحاجب لقاض ، تلو قاض ،النعاس غلبك ، مضغت بضع حبات من النعناع.

-  متى تبدأ الجلسة المسائية ؟

-  بعد أن يبرد السحلب .

-  بعد القهوة!

-  من المحتمل أن يدخل قاض إلى الحمام لقضاء حاجته ..مرة أخرى .

في الساعة الخامسة راح الحاجب ، ينادى : محكمة .

جحظت عيناك ، صداع كسر رأسك . تصفحت ملف الدعوى بسأم . نادى الحاجب . رول (4). تحركت تسحب سـاقاك..دخلت غرفة المداولة..القضاة ؛ استطالت وجوهم ، أفواههم اتسعت  ، أعينهم تصغر وتصغر...ملف الدعوى ؛ تضخم  ، لم تعد تستطيع حمله...وغسلتك الأمطار... في الطريق  ..

 

 

 

الهدية

 

أمسك بريشته ، يضع اللمسات الأخيرة. بورتريه لفتاة ، عيناها زرقاوان ، أهدابها طويلة ، شفتاها رقيقتان ، لون شعرها باللون البني .. ثم وضع ريشته على لوحة الألوان بهدوء ، خلع منظاره الطبي ، واتجه إلى الشرفة ، وقف متطلعاً إلى حديقة المــنزل ، وانداحت نسمة باردة محملة بأريج الورد والياسمين .

أشاح بوجهه إلى المنضدة المجاورة لسور الشرفة . الدهشة عقدت لسانه. اختفت الزهرية . ضباب الكآبة ينتشر داخل صدره ، راح يتحرك .. يبحث عنها أسفل المنضدة ، لم يجدها . خطا إلى حجرته ينقب في أركانها ، فوق المكتب ، على أرفف المكتبة .. لا شيء.

<