أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتبة: علياء الداية

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتبة

بطاقة تعريف الكاتبة

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتبة

 

مواليد سورية 1982
حاصلة على درجة الماجستير من جامعة حلب، في الأدب العربي، تخصص علم الجمال، بتقدير امتياز، عام 2008

•معيدة في قسم اللغة العربية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة حلب / سورية

•تكتب القصة القصيرة، وقصص الأطفال، والنقد الأدبي

•تنشر القصص والمقالات في عدد من الصحف والمجلات والدوريات العربية منها:

 صحف:

تشرين (دمشق، سورية)،

 والجماهير (حلب، سورية)،

والقبس (الكويت)،

ومجلات:

الموقف الأدبي السورية،

والعربي والكويت والبيان الكويتية.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

اشتعال

نورا

الفراشة والكتاب

لميس والليمون 

الجدار

 

لميس والليمون

قصة للأطفال:

 

أسرة لميس تستعد لاستقبال العمة التي تسكن في مدينة بعيدة، وهذا هو اليوم الأول من زيارتها التي تستغرق أسبوعا. لميس سعيدة بهذه الزيارة ورائحة زكية لطعام الغداء تنبعث من المطبخ، فتتجه إلى هناك.

ـ إياك أن تضعي زجاجة الليمون على الرف الرخامي، ضعيها على طاولة الطعام.

ـ حاضر يا أمي.

وقفت لميس ترقب أمها وهي توجه هذه العبارات لأختها الكبرى سلوى.

أخذت سلوى زجاجة الليمون ووضعتها على طاولة المطبخ الخشبية.. وقالت لها الأم:

ـ هذا الرف الرمادي مصنوع من الرخام يا سلوى، وهو يتأثر بالليمون الحامض، فإذا سقطت بضع قطرات منه على سطحه فإنها تترك بقعة بيضاء تشوه منظره وتصعب إزالتها فيما بعد.

التفتت الأم إلى لميس وقد لاحظت وقوفها بجانبهما:

ـ وأنت أيضا يا لميس ... انتبهي إلى هذه المسألة، وفيما عدا ذلك بإمكانكما وضع أي شيء على هذا الرف الجميل.

مضى اليوم على ما يرام ولميس وسلوى تستمتعان بحكايات العمة الممتعة التي ترويها لهما عند المساء.

في صبيحة اليوم التالي بعد طعام الفطور، شعرت لميس بالعطش فهمّت بشرب كوب من الماء، ولكنها تذكرت كم تحب شراب الليمون . فانطلقت إلى المطبخ الذي عادةً ما يكون خاليا في مثل هذا الوقت من النهار. كانت لميس تحب تقليد أمها وأختها في إعداد هذا الشراب المنعش، وقد قررت الاعتماد على نفسها هذه المرة، ولحسن الحظ وجدت كوبا مليئا بالليمون في الثلاجة، فأخرجته ووضعته بحرص على الرف الرخامي الرمادي، تذكرت لوهلة ما نبهتها إليه أمها البارحة، لكنها تلفتت حولها فلما لم تجد أحدا قالت لنفسها: (ما المانع أن أضعه هنا ؟ إن طاولة المطبخ أكثر ارتفاعا وأخشى أن تنزلق مني الزجاجة فأخسر العصير).

تذكرت لميس أن العصير بحاجة إلى سكر ليغدو مستساغا طيب المذاق.

أحضرت كرسيا من الكراسي التي حول طاولة الطعام، وصعدت عليه وهي مستندة إلى الرف، حتى تصل إلى ارتفاع الخزانة، ومدّت ذراعها، ففتحت بابها الأيمن وسرت لرؤيتها وعاء السكر وقد ملئ نصفه، فأمسكته بكلتا يديها بعد أن أحنت ظهرها إلى الأمام، وهي تحلم بملعقتي سكر تضيفهما إلى العصير.. ولكن، ما هذا ؟

لقد اتضح لها أنها لم تكن قد دفعت بكوب العصير إلى الداخل، بما يكفي، لذا فهي لم تشعر وهي تحاول إنزال وعاء السكر إلا بركبتها مصطدمة بطرف زجاج الكوب مما تسبب في قلب الكوب وانسكاب كمية من العصير على الرخام الرمادي الجميل، ثم وبلمح البصر يتدحرج الكوب في طريقه إلى أرض المطبخ فيرتطم بالأرض منكسرا مقسما إلى عدة أجزاء حادة الأطراف مع قليل من شظايا الزجاج تلتمع كالنجوم على أرضية المطبخ البيضاء.. كانت لميس قد نزلت من على الكرسي تاركة باب الخزانة مفتوحا وقد وضعت الوعاء على الرف وهي مشدوهة، أنظارها معلقة بشظايا الزجاج المنثورة، لتفاجأ بأفراد الأسرة من حولها وقد شدتهم الضجة وفي مقدمتهم الأم وهي تصيح:

ـ ما الذي فـعلته ؟ شظايا زجاج.. ثم.. ما هذا الليمون على الرخام! أنسيت ما قلناه البارحة؟

تطلعت لميس في عيني أمها الغاضبة ثم خطفت نظرة إلى عمتها التي وقفت عند عتبة الباب، وقبل أن تطغى سورة الغضب على الأم اندفعت العمة وهي تربت على كتفها:

ـ لا بأس يا عزيزتي، لميس طيبة نعرفها جميعا.. لم تكن تقصد ما فعلته.. إنها ستعتذر وتعد بألا تكرر ما حصل مرة أخرى.. أليس كذلك يا لميس ؟

لميس تنقل نظراتها بين وجوه أفراد أسرتها: عمتها، والدها، سلوى ثم أمها، لتقول: (بلى.. أنا آسفة).

 

    

 

الفراشة والكتاب

          

قصة للأطفال:

                  

ماذا أرى؟ كتاب! إنه حتما قد ضل طريقه، ولكن كيف؟

تساءلت فراشة الربيع الصفراء، وقد أذهلتها رؤية الكتاب فوق سطح منخفض لمدخل أحد المباني في المدينة... كان متخذاً شكل الخيمة مستنداً على دفتيه، تعلوهما طبقة كثيفة من الغبار تكاد تخفي تماماً غلافهما الأزرق الداكن.

كانت بشائر الربيع قد أقبلت منذ أسبوعين تقريبا، وبدأت النباتات في حدائق سكان الطوابق الأرضية تزهر، وأشجار الأرصفة على جوانب الطريق تتخذ لباسا زاهيا من البراعم الخضراء والأوراق الصغيرة، كما اعتدل الطقس فنشطت حركة الفراشات وابتهجت الكائنات بمقدم هذا الفصل الجميل.

اقتربت الفراشة الصفراء بمرح من الكتاب وحطت قربه...بادرت بالسؤال:

-لماذا تقبع هنا؟ هل هربت من المكتبة؟

فأجاب الكتاب بنبرة حزينة:

-لا، لم أكن أصلاً في المكتبة.

-أين كنت إذا؟

-إنه حادث مريع... يا له من ولد مشاغب!

-هل كنت في منزله؟

-إنني كتاب جغرافيا للمرحلة الابتدائية،وقد رماني الولد قاطن الطابق الرابع من الشرفة إلى هنا... فالامتحانات على الأبواب، وهو ولد كسول، وساذج أيضا! تخيلي، لقد اعتقد أنه بتخلصه مني سيتخلص من امتحان الجغرافية... وهكذا وصلت إلى هنا!

-يا للمسكين! ولماذا اختارك أنت بالذات؟ ألم يرم بأي من بقية الكتب؟

-لا أدري، كنت أتمنى أن يؤنسني زملائي، ولكن يبدو أن أهله قد اكتشفوا اختفائي فشددوا العقاب عليه!

-وهل مر عليك زمن طويل؟

-أسبوع ويومان، هذا الغبار مزعج، وأنا أتحمله يوما بعد يوم، فصل الربيع فصل غير مستقر، وعندما تهطل الأمطار سيبتل سطحي ويتحول الغبار إلى طين...كما ستغرق أوراقي بالمياه، هذا إن لم تتسبب الريح في ترنحي وسقوطي في بركة من الماء!

-أمر محزن...لو تخيل ذلك الولد ما تخشاه لما عاملك بهذه القسوة.

-هذا غير صحيح، كل الأولاد مثله مزعجون شرسون! لا أصدق أبداً بأن هناك ولداً تسرّه رؤية الكتب المدرسية على مقربة منه.

-أنت تبالغ بالتأكيد... البارحة كنت أطير بين الأزهار في الحديقة العامة... كم كان منظر الأطفال رائعاً وهم يلهون بدراجاتهم ويلعبون بالكرة في المساحات المفتوحة تحت أشعة الشمس الدافئة... منتهى البراءة والجمال...

-لكنهم مشاكسون لا يطيعون آباءهم.

-بعض منهم، وليس الجميع!

-تدافعين عنهم وكأن أحدهم أسدى إليك معروفاً!

-وأنت! لقد اتخذت من الإساءة إليك منفذا لتعميم أحكامك على الكل بلا استثناء... هذا ليس عدلا! انظر، ها هو تلميذ قادم يحمل حقيبته على ظهره...

-يبدو ذاهبا إلى المدرسة.

-حسنا! هيا بنا! وتأهبت الفراشة الصفراء للطيران!

-ماذا تفعلين؟ إلى أين؟

-سوف أنقذك... هذا الولد تبدو عليه أمارات الذكاء.

-عن أي ذكاء تتحدثين؟

-سوف أطير أمامه وألفت انتباهه إليك... ربما يخلصك مما أنت فيه.

-إنك مغفلة، ستتعرضين للخطر.

قالت الفراشة وهي في طريقها مغادرة باتجاه التلميذ:

-أنت متشائم، وأنا أحاول، سيكون ذلك خيرا لك من حفلة ماطرة!

لم تبذل الفراشة الكثير من الجهد، فسرعان ما تنبه إليها التلميذ:

-كم أهوى جمع الفراشات!

وصار يركض وراءها حتى تجاوزت سطح المدخل وتوارت عن الأنظار.

-أين ذهبت؟ تساءل التلميذ، لاحت الفراشة من جديد طائرة فوق السطح... رآها التلميذ فترك حقيبته عند الباب وتسلق سور الحديقة الملاصق لسطح المدخل إلى أن تمكن من ارتقائه والوصول إلى السطح.

-ياه... يبدو أن هذا الكتاب سبقني إلى هنا! ها ها...هل كان يطير بدفتيه مطارداً فراشة؟ لنر...ما محتواه؟ وفتح التلميذ الصفحة الأولى: الجغرافيا الطبيعية... كتاب مفيد، بما أنه مرميّ هنا فلا أحد يريده، سآخذه معي...إنه يلزمني للسنة القادمة.

وأخرج من جيبه منديلا تعاقبت عليه الطيات حتى غدا شديد السماكة، فرده وأخذ يمسح الغبار عن الكتاب.

-غلافه جميل...أزرق داكن كسماء الشتاء البارد...

ورفع رأسه وقد تذكر السماء التي بدت فيها الغيوم منذ الصباح الباكر... فرأى الفراشة الصفراء... كانت تبتسم للكتاب سعيدة بينما التلميذ يرمقها قائلاً في نفسه:

- لقد نجوت، لكنني ظفرت بما هو خير منك... سأصطادك في مرة لاحقة! 

 

 

نورا

 

السماء مكفهرة ملبّدة بالغيوم، ولكنني مع ذلك مضيت إلى كشك الهاتف وسط المدينة، هذا الطقس لن يشجّع الكثيرين على الازدحام أمامه. أخيراً جاء صوتها : آآلو ... من يتكلم؟!

آه، يا للصوت المخيف ... مشوّش لكنه مرتجف يهتزّ في إيقاع مرعب، كأنه صوت حقيقي لشبح قادم من العالم الآخر! ماذا أفعل؟

-آآآآلو...

قررت المضي قدماً لأنني قد أفقد الخطّ، إنها تهنئة سريعة على كل حال، ولن أطيل، ليس معي ما يكفي من قطع النقود المعدنية للآلة.

-أمي، كل عام وأنت بخير... هل تسمعينني؟

-آآآه، نورااااا!

-ما...

يقاطعني الصوت القادم:

-أين اختفيت يا نورا يا ابنتي؟

هل قالت نورا؟ ربما لم أسمع جيداً بسبب الخط الرديء هذا.

-كل عام وأنت بخير يا أمي.

-بخير؟ أي خير هذاااااا؟ بعد أن تركتني وحيدة؟

حسناً، الخط يصبح أوضح قليلاً الآن،لا شك أنها ليست أمي، إنه تشابك الخطوط مجدداً. أهم بإقفال السماعة ولكن يتناهى إلى سمعي بكاء.

-أخيراً يا نورا خطر في بالك الاطمئنان على أمك المريضة! لا شكّ أن لديك الآن طفلاً أو أكثر، أحفادي الجدد!

-ولكنني لست نورا، أنا بانة.

-آه، أنت صديقتها التي حرضتها على السفر، حسناً قولي لنورا إن إخوتها تركوني هم أيضاً، سافروا فلا أراهم سوى مرة في العام! كم أنا وحيدة وحزينة.

هل هي عجوز خرفة؟ ماذا أفعل؟ إنها حزينة كما تقول، سأحاول أن أشرح لها. لكن الخط يسوء مجدداً، وأسمع أناساً آخرين بكلام مبهم بعيد. عبر زجاج الكشك تبدو كتل الغيوم متقاربة في مساء آذار. ستمطر، حسن أن المظلة جاهزة معي. يعود صوتها سائلاً:

-ماذا قلت؟ لا أسمع جيداً .

-لا شيء، إنه الخط يتداخل مع آخر.

-أين أنت يا نورا؟

-أنا بانة ، إنها مكالمة خارجية.

-آه، نعم ، كم أنت بعيدة إذن ، ولا تفكرين بزيارتي...

ويعود صوت البكاء مجدداً . كيف أنتهي من هذه الورطة؟ كانت الأضواء قد أخذت تبدو أكثر لمعاناً وتوهجاً مع خيمة المساء التي تهبط على الشارع وما فيه. لم يبق معي سوى قطعة معدنية واحدة، إنه التحذير مجدداً، سينقطع الخط، أضيف آخر ما تبقى معي، لنر ، سأكمل الجولة لا مفرّ.

-يا سيدتي ، أنا لست نورا .

-من أنت؟ صديقتها؟ لماذا لا تتحدث هي معي؟ أريد أن أسمع صوتها... أخبريها أن ...

 وانقطع الخط ... لا شيء الآن سوى الصمت الذي يبتلع جهاز الهاتف... هذا ما تبقى لي: تهنئة مميزة لوالدة بعيدة في عيد الأم !

أخرج من كشك الهاتف هذا، كانت الأمطار منهمرة بشكل تدريجي آخذ بالازدياد، بينما تمرّ السيارات والحافلات مزهوة بأنوارها: صفراء، بيضاء، حمراء ... يتطاير رذاذ مياه الأمطار مع حركة عجلاتها على الأرض . أقف بانتظار فرصة لعبور الشارع بينما كان القطار الطويل مطلقاً نفيره المستمر الشبيه برنة هاتف حزين. عبرت بقربي فتاة احتواها الكشك ذاته، تدير الأرقام الأولى، من يدري؟ لعلها تكون نورا!

 

 

اشتعال

 

في منتصف الصفحة، أتوقف عن القراءة. منذ زمن طويل لم أتسلّ باستطلاع الشارع، هواية قديمة. أنظر عبر النافذة، الإنارة خافتة، الليل والهدوء يعمان المكان، سيارة، اثنتان، تمران مرور الأشباح. من وضع هذه الكومة هنا؟ على الرصيف المقابل، قرب أشجار الصنوبر المتصلة بحديقة الجيران أكداس رماها بعضهم، لا شكّ أنهم الجيران في الحارة القريبة، دائماً يلقون بالمخلفات أمام بيوت الآخرين!

"كالنار في الهشيم" كان أخي الصغير قد عاد اليوم من المدرسة وجادت حصة العربي عليه بهذه العبارة، وكي يشرح لي هذا المثَل قال: "لنتخيل كومة من القش، وقد اشتعلت فيها نارٌ، ستمتد النار وتنتشر لتأكل كل شيء وبسرعة! هذه هي: النار في الهشيم". أخي ذكي جداً، واسع الخيال، ويحفظ دروسه جيداً!

يعود السكون الاعتيادي. لكن ها هما متسكعان يقتربان، تسبقهما قهقهاتهما، يدفع أحدهم بقدمه علبة قصدير فارغة فيملأ ضجيجها المكان، تخف الجلبة، يبدوان كأولاد الجيران المشاغبين الذين تصرخ فيهم أمهم على الدوام: "لا تكذب، ستذهب إلى النار". سيمضي هذان الشابان بالتأكيد وسيختفي وقع خطواتهما مع الشارع الممتد الطويل. ولكن لا، شيءٌ آخر يحدث، مغاير للتوقع. هناك يتهامسان، يشير أحدهما إلى كومة القش، يتبعه الآخر. ثمة ضوء ينبعث بينهما، عود ثقاب؟ يختفي الضوء وقد مال أحدهما وصار ظهره باتجاه الشارع في حين صفّق الآخر ثلاث مرات مبتهجاً! لا! ليته لا يفعل ذلك! ولكن، الشرارة وسط القشّ، يرمقها الشابان بنظرة ثم يوليان مسرعين ليبتلعهما ليل الشارع الممتد الطويل.

الشرارة تتطور، أتسمّر ويداي ملتصقتان بالنافذة، النار تكبر، وتكبر. عيناي مأخوذتان بالمشهد، برتقالي، أحمر، أصفر، ألوان النار الساحرة، اشتعالها، ألسنة اللهب. هذه هي النار، "إلى النار"، ستشتعل أشجار الصنوبر المجاورة، وتتسلل النار إلى أبناء الجيران، وتزورهم مرّة واحدة، يا للبؤساء! "تنتشر لتأكل كل شيء وبسرعة!" هل ستأتي إلينا أيضاً؟ وأفزع من الخاطر الرهيب، أصرخ! أركض لأنير المصباح، الأهل... وريثما يهبّ الجيران وتصل سيارة الإطفاء يأتي أخي الصغير فأرفعه إلى مستوى النافذة لينظر: "كالنار في الهشيم"!

 

 

الجدار

 

"قبل قليل كنت تنعم بصحبة صديقك الفنان التشكيلي في منزله حيث تتجاور اللوحات والنافذة ذات الإطار الأخضر، فتنسى أن ثمة جدراناً، ويغدو المكان مفتوحاً متسعاً على ضيقه، وتنسى أيضاً ما تموج به المدينة من القلاقل. أحمر، أصفر، أزرق... دوائر، مستطيلات ومربعات، أحجام وأبعاد ألوان وطيوف تجعل من هذا المكان إشعاعاً يجذبك في هذا الحي القديم بمسحته الأثرية، بعيداً عن الحي الحديث حيث تقيم. أما الآن، فأنت وحيد تتأبّط اللوحة "هواجس" التي أهداك إياها صديقك، يحتويك هذا الظلام والحواري الضيقة".

"ماذا دهاك يا سعيد؟ "

قدماي مشدودتان إلى نابض يحركهما كالآلة! أهو الخوف؟ خطوة فخطوة وأنا منحبس الأنفاس. في هذه الحواري المتجاورة لا بد من استخدام المصباح نهاراً، والآن لا مفرّ من عبورها فهي طريق مختصر بعيد عن العيون ترصد مخترقي حظر التجول. فالدوريات الموزعة في شوارع المدينة لن تشمل هذه الأزقة الموحشة.

"تشعر كأنك مطارد... تقف! إنه المنعطف الشهير، فهو يبدو للوهلة الأولى وكأنه جدار، ثم ما يلبث القرب منه أن يتيح زاوية يميل معها الطريق ليفضي إلى انعطاف يدخل في الحارة التالية. لكنك تقف، تكاد اللوحة تسقط لكنك تشد قبضتك، ويخفق قلبك كالطبل:"هنا جن الحاج مناور!" وتحاول عبثاً طرد العبارة، تستقر في قلبك، وكأنها انطلقت من الجدار حيث تتسمّر نظراتك... ومع ضبابية الظلام تشعر أن ضربات قلبك تأخذك إلى عالم من الخفة، فقدماك ليستا الآن على الأرض، وإنما أنت في عالم آخر وقد عادتك ذكرى ذلك اليوم: كنت في المكان ذاته طفلاً مع الأخ الأكبر وأصحابه حيث وقفتم فجأة ودوت العبارة :"هنا جنّ الحاج مناور!"

ما تزال الآن واقفاً والمخيلة تستعيد الرواية الشهيرة: [ لم يكن حينها قد صار حاجاً بعد، مناور كان مثلنا ليلاً يمشي في هذه الدرب الحالكة، وصل إلى حيث المنعطف المعهود، كالمعتاد، إنه يبدو جداراً، اقترب... ما يزال الجدار ماثلاً، اقترب أكثر حتى لم يبق سوى شبر واحد... جدار! مدّ يده، لمسه، فإذا به شيء طري، يشبه الوسادة. يا للعجب! خطر له خاطر، فأخرج سكينه، غرزها، خطّ بها من أعلى لأسفل. يا للدهشة! إنه الدم! ثم كأن شيئاً لم يكن اختفى كل شيء، والجدار. أكمل مناور طريقه عجلاً إلى البيت وقد توجّس مما جرى، ولكنه ما كاد يستقر في غرفته على سطح الدار ويهدأ للرقاد حتى برز له رجلان اثنان ضخما الجثة، عظيما المهابة... وقبل أن يتمالك نفسه من الرهبة بادراه بالقول:"أيها الإنسي، لقد قتلت أخانا في ليلتك هذه، وإنا قوم من الجنّ لا بدّ لنا من الثأر، وما يمنعنا إلاّ أن أخانا هذا متزوّج، وله ولدان، فإما أن نقتلك، وإما أن تصحبنا فتتزوج الأرملة وتكون للولدين الراعي المقيم." فما كان إلا أن قبل الخيار الثاني، ثم إنه اختفى لا ندري من أمره شيئاً، إلى أن عاد فجأة بعد سنوات أربع، وقد علمنا أنه مكث في ديارهم إلى أن حلّ الله عقدة من أمره فتيسّر له سبيل العودة...].

والآن يا سعيد، أماضٍ أنت أم واقف؟ ما تزال متأبطاً اللوحة، وما يزال الجدار أمامك، ولكن، ما أكثر الجدران!

 

أضيفت في 23/04/2006/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتبة

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية