أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: رياض خليل

       
       
       
       
       

 

طلقة في الهواء-قصص

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في اللاذقية عام 1948

 إجازة في الحقوق- جامعة دمشق

يعمل في الصحافة الأدبية

نشر أعماله الأولى في الصحف والمجلات

عضو جمعية القصة والرواية

 

مؤلفاته:

1-الريح تقرع الباب- قصص- 1976

2-الفراشة- شعر- 1978

3-بوابة الضوء- شعر- 1994

3-الكرنفال- شعر- 1994

5-القرش والأسماك- قصص- 1995

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

سعدية

خرافة

 العين المعدنية

 

العين المعدنية البيضاء

 

...جلسنا على طاولة خشبية مستديرة، مواجهةً جلسنا، اخترنا الزاوية الجنوبية الغربية، واجهتها البلّورية تسمح لنا بإطلالة..على مدى واسع.

خيوط الشمس تلوّح مودّعة النهار المرهق.

قِلّةٌ من الروّاد تبعثروا حول عدد من الطاولات، كانت الردهة فسيحة، طاولات وكراسيّ كثيرة تنتظر بملل وصمت.

بين الفينة والأخرى تتصادم عيون الرواد... ولا يمكن الجزم.. إن كان هذا يحدث مصادفة، أو عن قصد.

الندل يتحركون كالدمى، بينما الطاولات والكراسي تظل ساكنة.. مسترخية.

أحدهم يصفق. نادل يفهم المعني. يسرع... يعطي أذنه للزبون. الزبون يصب في أذنه كلاماً. النادل يدون الطلبات على صفحة من دفتر صغير في يده. ثم ينتصب...يتراجع. يدور. يمضي. الزبون ليس وحده. معه رجل ذكر...وامرأة مستهلكة، إنهم ثلاثة. بينما نحن اثنان. أنا... وهي.

الثلاثة مجاورن لنا. لقد استقرت طلباتهم على سطح الطاولة. وأخذوا يغازلون الطعام وهم. يتحدثون ويبتسمون.

الرجل الذي صفق. كان يختلس النظرات إلينا، وبتحديدٍ أدقّ...إليها هي.. التي تجلس مواجهتي تماماً.

كانت تبادله النظرات.. والابتسامات المقنّعة، وكان الرجل  ذا ملامح مذكّرة، والكرسي الذي يجلس عليه لا يبعد عن طاولتنا سوى بضع خطوات.. ثلاثة أمتار تقريباً.

هي لاحظت أنني ضبطتها.. حاولت التملص بالقول:

- كم هو وقح!!

ثم ابتسمتْ بشفتيها.. وعينيها معاً.

من جهتي تنكرت باللامبالاة.

منذ شهرين كنت أعتقد أنها تلائمني، وترضي ذوقي. كان إعجابي بها يذوب إثر كلّ لقاء.. وكانت صورتها تتغير... وتخسر ألوانها. هرب الرونق من وجهها.. فبدا جافاً...مستهلكاً..

هي تأففت. طقطقت بإبهامها وسبابتها، النادل فهم الإشارة هرع إليها. أمرته:

- غيّر هذه الموسيقى الميتة.

- تريدين أغنية محددة؟!

- أي شيء يرقّص

- أمرك

انزعجت. تذكرت الأشياء التي تحبها هي، والأشياء التي أحبها أنا. كنت أعدد لها فتشمئز، وكانت تعدّد لي فأغضب. لم يَرِدْ اسمي مرةً في لائحة ماتحب، وكان اسمها يمّحي في لائحة ماأحب.

كانت تتذمّر،  وتنتقدني، إذا أهديت إليها وردة، أو شمعة، أو كتاباً، وتصخب فرحاً إذا قدمتُ لها فستاناً أوقطعة حليّ ثمينة...أو مبلغاً من المال.. أو إذا دعوتها إلى سهرة في مكان كالذي نحن فيه الآن.

كنا نتحدث طويلاً... وكان الحديث يتكرر...كما تتكرر هي...والآن يبدو لي أن الكلام قد تبدد، وفقد وظيفته.

سال المساء على صفحة الأفق، وطمس المدى الفسيح خلف الواجهة البلورية اللامعة.

على الطاولة... جارتنا، كان الرجل شبه المذكر يوجّه كلاماً للمرأة، المرأة تهزّ رأسها...تضحك...تلتفت إلينا.. بل إليها هي.. إلى التي تجلس قبالتي، الرجل الآخر على الطاولة نفسها بدا حيادياً.

المرأة ليست حيادية، إنها تثير اشمئزازي. بدينة، قصيرة، قصة شعرها تشبه قصة شعر الرجل. وعمرها حسب الظاهر في الخمسينات.

كثفت التجسس...لاكتشاف المؤامرة الجديدة..

هاهي (أقصد التي معي) تهرّب نظرة مستسلمة مصحوبة بابتسامة حذرة للرجل شبه المذكر...ثم تنقل نظرتها وابتسامتها نحوي...وتراوغني مغازلة؟

- حبيبي...

نهضتُ بذريعة التعب من الجلوس. تمطّيتُ. تنقَّلَتْ ساقاي في المكان الضيق حول الطاولة، تفحصت الأشياء  والمواقع. ثم اتخذت مجلسي بشكل مغاير... صرت إلى جانبها. أعطيت ظهري لجارتنا: أقصد الطاولة المجاورة، التي يجلس حولها الرجلان والمرأة، وأعطيت وجهي  وعينيَّ للبلّور...الذي فهم خطتي، وكتم السرّ.

ازداد المشهد وضوحاً، هي اطمأنت، فراحت عيناها  تلعبان بحرية أوسع. تذكرت العبارة التي طالما تستفزني بها: "الطريق إلى قلب الأنثى عينها"..

ولكن عينها -(أقصد التي تجاورني)- كالبلّوعة!

البلّور يقدم تقريره بالصورة الصامتة ... و... بصدق.

داخل البلّور لم أجد لنفسي مكاناً، كان الرجل شبه المذكر يجلس في مكاني بالضبط. وجهه يكاد يلصق بوجهها، عيناها تعانقان عينيه!؟

كفي تعتصر شوكة طعام معدنية باردة بينما الحريق يلتهم مافي داخلي.

الآن! استوعبت كلام النادل... حين ادعيت الرغبة في قضاء حاجة. انتحيت بالنادل هناك...عند المراحيض. وضعت فمي في صيوان أذنه العميق، بعد أن كبست كفه بالمعلوم. قال:"هي أعطتني أكثر"... أعطيته المزيد. فتحرر لسانه. استطال أخذ يلعب...ويرسم القصة بمهارة...وموهبة:

"تعرفه. يلتقيان هنا. تدفع عنه الفاتورة"

هنا؟! وربما على الطاولة نفسها، والكرسي نفسه الذي أجلس عليه، النادل صادق. البلور صادق. إنه يجلس معها في مكاني تماماً، على الكرسي نفسه!

لقد فهمت الآن، لماذا لحقت بها المرأة الخمسينية ذات مرة.. إلى المراحيض، في هذا المكان نفسه..

الشهران يحتشدان في رأسي، بكل مافيهما، أستطيع الآن أن أفهم كل ماتقوله وتفعله.. (أقصد التي معي). الآن أعرف لماذا ومتى تبكي وتضحك، ولماذا عيناها تلعبان وتتأرجحان في كل اتجاه.

لقد احتملت...وصبرت طويلاً..لم يبق فيها سوى الأشواك والمرارة والرائحة النتنة...

يدي تضغط على الشوكة المعدنية الباردة، ذات الأسنان المدببة، عيناي تصوبان على بؤرة عينيها، اللتين زالت فيهما الألوان، سوى البياض المخيف.

والشكل المحدودب. بدتا كبيرتين جداً.

كالصدى تقرع في رأسي العبارة التالية:

عينها بلّوعة... بلوعة... بلوعة....

الحريق يستفحل في جسمي.. يدي تمسك الشوكة بثبات أسنان الشوكة تلتمع..عيناها تجحظان وتجمدان تماماً وعيناي تصوبان بدقة. يدي ترتفع.. ترتفع.. ثم تهوي بالشوكة الغاضبة على عينها اليمنى، ثم اليسرى...الشوكة ترتد كالنابض عن عينيها، الشوكة ترتجف كأنها تصطدم بكرتين فولاذيتين. أسنان الشوكة تلتوي، تئن ألماً... فيما عيناها ظلتا جامدتين.. سليمتين من أي خدش خفتُ.. ابتعدت هارباً.. وقبل الخروج نظرت ورائي.. لم أجد من يلاحقني، امتدت عيناي إليها.

كانت لا تزال تجلس.. إلى الطاولة.نفسها. لكنها لم تكن وحيدة... كانت تضحك بشهوانية، وكان الكرسي الذي كنت أجلس عليه قد استبدل بي الرجلَ شبه المذكر.

الجمعة في 25/4/1997م

 

 

خرافة

 

وقف إزاء المرآة، دهش. اقترب منها، حدّق جيداً، ماهذا؟! جالت نظراته، رأى السرير.. الخزانة.. الجدار.. السقف... وكل محتويات الغرفة، كلها بدت له واضحة... جليّة خلال المرآة! إذن لا عيب فيها... إنها تعكس الأشياء وتفاصيلها جيّداً. تعجب! هزّ الخوف قلبه، تساءل عن تلك الظاهرة المستحيلة؟ ما تفسيرها؟! غير معقول؟ ثمة سرّ غامض...مرعب. تحرك. استدار.  التصق بالمرآة، ابتعد عنها...لا فائدة! تلمّس جسده جزءاً جزءاً...ثيابه، نظر إلى أعضائه وأطرافه، تأكد من وجودها، بدت له طبيعية تماماً.

خطرت له فكرة: "سأخرج...وأسأل من أصادفه لأتأكد" بدت له الفكرة سخيفة وخطيرة، لأنهم سوف يؤولونها تأويلاً يسيء لسمعته وكرامته، واستنتج: "سيعتبرونني مجنوناً إذا بحت لهم بالسرّ"..صمم على استشفاف الحقيقة منهم بصورة غير مباشرة. خرج. سار بخطوات مضطربة. الشك يعتصر رأسه. صادف جاره. حيّاه. ردّ الجار التحية مشفوعة بابتسامة مجاملة. تابع. توقف عند محل تجاري يعرف صاحبه، اصطنع معه حواراً.

لم يسفر الحوار عن أي وضع غير عادي. نظر إلى زجاج واجهة المحل، الزجاج  يعكس صورة الشارع والأشياء كالعادة.. إذن العيب فيه.. وليس في المرآة، ولا في الزجاج..

كان الوقت ظهراً.. تابع طريقه عبر الشارع...فكرّ ملياً، راقب المارّة، لفتت انتباهه ظلالهم التي تتقدم بعضهم، وتتبع بعضهم الآخر، طبقاً لاتجاه سيرهم...أوحت له تلك الظلال بفكرة. ربما تفسّر حالته المنافية للطبيعة؟!

بحث عن ظلّه أمامه، لم يجد أثراً له... عكس اتجاه سيره، متوقعاً أن يكون الظل وراءه، لم يجد أثراً له. استدار أكثر من مرة حول نفسه بلا جدوى.

أحس بعض المارة ينظرون إليه باستغراب، استاء من نظراتهم المريبة. "يعتقدونني مجنوناً؟!" هكذا قال بينه وبين نفسه. توقف لحظة،  رفع رأسه إلى السماء، سعياً لرؤية الشمس، انبهرت عيناه من شدّة سطوعها.

طأطأ. أغمض عينيه مستسلماً للرعب الذي اجتاح أوصاله. أمام المرآة في البيت لم يعثر على صورته أو طيفه. مع أن الأشياء كلها كانت تبدو فيها. هو فقط لم يجد لنفسه مكاناً في المرآة، ولا في زجاج الواجهات العاكس للأشياء..

 

وهاهو لا يجد لنفسه ظلاً، مع أن لكل شيء حوله ظلاً، أشجار الشارع السيارات.. المارّة.. إلا هو.. لا ظل له. لا طيف في زجاج أو مرآة؟! متى  حدث ذلك؟ لا يدري. حار في الأمر غير الطبيعي. هل يتكلم؟ يصرخ؟ يجمع  الناس من حوله؟ هل يذهب إلى المشفى ويسأل الأطباء عن حالته؟... هكذا كان نهر الأسئلة يتدفق مزدحماً في رأسه، دون أن يفسح له مجالاً للاختيار..

ماذا سيفعل الآن؟ ومامصيره؟ "ربما حجروا عليّ في مشفى للأمراض النفسية والعصبية... ربما جعلوني مادة للاختبارات الفيزيائية...هذا خطير مؤلم..مرعب..لا..لا.." وصمت لحظة،. وراح ينظر إلى الأشياء من حوله، وراح الآخرون ينظرون إليه بشكل عادي جداً. لم يلاحظ في نظراتهم مايوحي  بالغرابة. لم يستطع أن يقاوم فضوله الذي فاض عن الحد. استوقف أحد المارة.

سأله: "هل تراني؟ هل ترى ظلّي؟" دهش الشخص...تفحصه بعينيه من  أخمص قدمه حتى رأسه.. جسّ بكفه جبينه. ارتسمت على شفتيه ووجه إشارة تعجب كبيرة!.  أجاب: "هل تعاني من شيء؟" هم بالمتابعة. منعه، قال له بلهجة حاسمة: "أجبني بوضوح وتحديد عن سؤالي"، ولكي يتخلص الرجل منه أجابه: نعم أراك.. وأرى ظلك...أنا متأكد، ولكن أستغرب مثل هذه الأسئلة....لم يسبق أن سألني شخص كهذه الاسئلة الطريفة". ابتسم الرجل...وانسل ذاهباً، بينما كان صاحبنا ساهماً  يتأمل ويحلل كلامه...

بعد قليل، تفحص نبضه. ذعر، لا نبض في شريان الرسغ، جسّ جبينه. كان بارداً...فكر أن يسأل شخصاً آخر... امتنع. توصل إلى أنه لا حلّ لمعاناته من خلال الآخرين.

عاد إلى منزله...دخل الغرفة، وقف إزاء المرآة عبثاً، لم يجد طيفه فيها.

أسرع إلى المطبخ، تناول سكيناً كبيرة بعض الشيء، ضغط برأس شفرتها على لحم ساعده، لم يشعر بأي ألم. نقلها إلى فخذه. حزّ اللحم. وصعق رعباً.

إنه لشيء خارق للطبيعة. لم ير الدم. لم تسقط قطرة منه تدل على وجوده.

وضع السكين إزاء صدره، مكان القلب. اخترقت السكين الصدر والقلب، ثم انتزعها، وشطر لحم بطنه، من الأعلى إلى الأسفل، دون أن يشعر بالألم، كما لم يلاحظ وجود الدم ولا سيلانه، تفحص أحشاءه، أخرج قلبه. تأمله.

تحسسه، لم يكن ساخناً، كان أشبه بكتلة من المطاط، شعر بالنعاس يسطو عليه، قاومه سدى، سقط في مكانه، وغط في نوم عميق لا قرار له.

 

 

سعدية

 

...البدر يبتسم باستحياء، يرش فضته على جبين سعدية. تأبطت ذراعه، شبكت أصابع أكفها الدافئة بأصابع كفه الفولاذية.

سرت رعشة لذيذة في جسدها، انطلقت من صدرها كلمة: "حبيبي" نسيم الصيف يتلوى، يلف جسديهما. يعابثهما. ينتعشان.

يتابعان نزهتهما القصيرة المعتادة على الدرب الأليفة والوحيدة. همس  أسامة في أذنها: "أحبك" فشعت عيناها، وعكستا ضياء البدر السهران. ابتسما، واستمرا يتمشيان...وقد تخاصرا.

حاول أن يقبلها. قاومت بنعومة. وأقنعته قائلة:

- لاتستعجل ياحبيبي... غداً زفافنا..

 

قال أسامة: أنت زوجتي منذ أول الدهر، وستظلين إلى الأبد.

قالت: ومع ذلك الاصول هي الأصول..

قال: حبنا أقوى من كل المبادئ والأعراف والأصول.

قالت: والناس يا أسامة؟!

قال: مالنا ولهم. كلها ليلة ويكون عقد الزواج قد تم. من سيعرف؟

قالت: أموت بحبك..

قال: بعيد الشرّ...لا تلفظي هذه الكلمة...أرجوك ياسعدية.

قالت: أنت تاج رأسي، ومنى عيني.. أسامة... معك أحس أني لا أملك نفسي. لا أستطيع أن أرفض طلباً لك. معك أصبح بلا إرادة، ولا عقل، فدتك نفسي.. ياحبيبي...ولكن أرجوك...لا تطلب مني هذا..

قال: كلانا شخص واحد، أنت مليكتي. سيدة قلبي، ومؤنسة روحي، ياجنتي وسعادتي..

قالت: حسبك...النسيم يسمعنا...قد يشي بنا.. والقمر يختلس النظر إلينا، انظر...إنه يبتسم كطفل مشاغب.

نظرت إلى وجهه. رأته ينظر معاتباً.سألته:

- هل غرت من القمر؟

- ثقتي بك بحجم القمر والدنيا. أنت لي تماماً... أنا واثق من نفسي ومنك واثق من حبنا الراسخ كالجبال، التي لا تزحزحها الريح ولا العواصف آه..ياسعدية...أتمنى أن أغفو وأفيق، فنصبح زوجين... زوجين حقيقين، تحت سقف واحد. غداً سأريك ياسعدية...

- أتهددني؟ قالتها مازحة..

- ياوردة عمري....

***

... توافد المدعوون. وغصّ المكان الفسيح حول البيت بالناس. أطفال وشباب وكبار ونسوة، ثلاثة طبول تقرع بشدة، وحلقة من المحتفلين تشكلت، حلقة من الرجال والنساء... تشابكت أكفهم، وراحوا يرقصون بضراوة، والقرباطي مسعود تنتفخ أوداجه، وهو يعزف على المزمار "المجوز" ومزمار القرباط الآخر المعروف بفتحته الواسعة أيضاً، تولّى العزف عليه قرباطي آخر.

في صدر المكان قبالة ساحة الرقص... صفت طاولات مغطاة بأطباق وأوعية الطعام والشراب.

بدت سعدية كالجوهرة وسط الحفل، وإلى جانبها يجلس أسامة. يتداولان عواطف الحب بصمت بليغ.

المدعوون يرشقونهما بعبارات التهنئة والثناء والود، وكانوا يحسّون بهما. كطائرين يوشكان أن يقلعا... ويرتفعا من شدة الفرح.

بدت أم سعدية مكتئبة...  وعلى وجهها مشروع بكاء ناقص. وعيناها تصارعان الدمع. بينما أم أسامة كانت لا تتوقف عن الرقص والزغردة...

كانت الزّفة لا نظير لها، وكان حب أسامة وسعدية حكاية مكتوبة على الدروب والأشجار والليالي الوديعة، وجبين القمر الولهان. عندما أوشكا أن يدخلا غرفتهما، صاحت أم أسامة:

- ابق رجلاً يا أسامة. ارفع رأسنا عالياً...لا تخذلنا يابني. رمق أسامة أمه وحماته، قال، وهو يتبختر كالديك:

-لا عليكما...سترون.

كانت سعدية نهباً لمزيج من مشاعر الخوف والقلق والسعادة، وتبرعمت على ثغرها ابتسامة غامضة.

أغلق أسامة الباب، وغابا عميقاً داخل الغرفة المخصصة، بينما بقيت ثلة من النسوة: قريبات وصديقات أم أسامة وأم سعدية، ينتظرن الفرج خارج الغرفة.. ويتلهين بتداول الملاحظات والتعليقات على العرس والعروسين.

طال انتظارهن بعض الشيء. أكدت ذلك إحدى النسوة فاكفهر وجه أم أسامة، وشعرت بالإهانة. كانت  واثقة دائماً بفحولة ولدها. سماته كلها تفصح عن رجولته. وفكرت أم أسامة متشككة: "لن يخذلنا...لكن...لقد تأخر فعلاً... الله يسترنا" أم سعدية ضاق صدرها، ولم  تعد تحتمل الصبر. إنها تنتظر "العلامة". روحها صارت في أنفها فلم تتمالك إلا أن قالت لأم أسامة: "دقي الباب...حثيه استعجليه". قالت امرأة: " نريد العلامة يا أم أسامة"..

وبقيت أم أسامة... تلوك غيظها بصمت، ولم تجد ماتردّ به عليهن. ارتسم الوجوم على الوجوه، أم سعدية تطلق من صدرها زفرة طويلة مرتفعة اللحن، كأنها زفرة قطار. اقتربت أم أسامة من الباب.. حاولت أن تظفر بحرف.. بكلمة... بهمسة... بصوت. عبثاً كانت محاولاتها... ضربت كفاً بكف دون أن تحرك فمها، انتحت جانباً، وقرفصت.

***

لم يكن الليل داخل الغرفة... يشبه ذلك الليل، الذي كان يحرسهما على الدرب الوحيد، ولم يظهر البدر الأنيس، الهواء كان راكداً... هامداً كجثة.

نيران العار تلدغ أسامة. أسامة العاشق...الواثق بحبيبته ثقته بنفسه...أسامة الولهان يحس أن آلاف العقارب تطبق  على قلبه الطري. السم يسري في الجسد.. يتفجر كالبركان.

بدأا ملاكين...طائرين... شفافين...متلألئين...عزفا أوبرا الحب مارسا طقس الحياة... بفصولها وألوانها. امتزجا. ذابا في إيقاع راقص نشوان. أكلا  التفاحة... وشما عبير الجنة.

خمد البركان قليلاً، سعدية استمرت تغلي سعادة هانئة مطمئنة. لكن أسامة شعر بمرارة الحنظل في فمه، خمن أن التفاحة معطوبة، مدوّدة. صحا من سكرته، عاد إلى عقله المزود بذاكرة غير مرنة. تحسس الأشياء  مرات ومرات. يئس. لم يجد ثمة لوناً أحمر. شعرت سعدية بتغيراته المريبة... انتقلت تلك التغيرات -بالعدوى- إليها انتشرت في جسدها، سرت في أوصالها، وانعكست في وجهها وعينيها قلقاً وخوفاً وفضولاً:

- ماذا حدث لك..ياحبيبي؟

- صمت...

- إنك تخيفني يا أسامة.. يانور عيني.... ونبض قلبي

- صمت.

أرجوك أتوسل إليك...أخبرني...ماالأمر...ماذا حدث لك؟

وبقي أسامة مذهولاً... وزادته عبارات سعدية استغراباً ودهش، بدت سعدية وردة نضرة تفتحت على يديه.. وجه سعدية يقول لو كان للبراءة اسم آخر، لكان سعدية!! إذن؟ أيهما الأصدق؟ الواقع؟ أم الوهم؟!

وفكر أسامة " لعله الحب يعمي قلبي وعقلي.. ما أراه هو الصحيح لن أكذب عيني...وحواسي".

تململت سعدية وتكورت على نفسها، وشدت الغطاء، لتستر جسدها الطري المرتعش. تمزقت في عينيها صورة أسامة، تمنت أن تنشق الأرض  وتبتلعها، وأسامة يفترسها بنظراته المتوحشة.. التي تفصح عن نياته الخطرة..المهددة..

سمع أسامة همهمات النسوة خارجاً، تخيّل نفسه ملوثاً.. مهزوماً عارياً إلا من الخزي، ورأى النسوة تلوك كرامته المهدورة، ورجال القرية يدوسون سمعته... يقرّعونه، ويشتمون رجولته.. ويصمونه بأحط الألقاب والصفات. وتذكر بيت الشعر الذي كان يردده معلم المدرسة:

"لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى

 

أضيفت في 08/06/20067/ خاص القصة السورية / المصدر: الكاتب

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية