الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

قصص

         

توازن

حول القصة

 سعدية

خرافة

العين المعدنية

تشرد

خطبة

جحود

الصندوق

حالة شاذة

الحائط

طلقة في الهواء

الرجل المسافر

الرجل

الناسك 

   الطيف

صفقة وهم

بقلم الكاتب: رياض خليل

طلقة في الهواء

الإهداء

إلى أولادي:

- لجين.

-عباب.

- وجد.

- مجد.

أقول لكم: الحياة حبّ وإبداعْ وعملْ. فلأفخرْ وأكبرْ بكم وبعطائكمْ ومستقبلكمْ

 رياض.

 

أفكار حول القصة القصيرة.

 

1- من الشائع خطأً تشبيه القصة القصيرة بـ "اللقطة" وهي مصطلح درامي معروف. والصحيح هو تشبيهها، ومقارنتها بالنص الدرامي ككل. بل وبالدراما كعمل منجز على المسرح أو بالصورة، إنها تكافئ البنية النصية الدرامية.

اللقطة لا قيمة لها بمعزل عن سلسلة اللقطات، التي تبني المشهد، كذلك المشهد لا يعطينا صورة كاملة عن العمل، إلا عبر ترابطه مع بقية المشاهد مع العمل الدرامي.

إن كل جملة في القصة القصيرة تشكل "لقطة"، وكل فقرة أو مقطع يعتبر مشهداً يغطي جانباً جزئياً من القصة ككل.

2- هنالك صلة قرابة بين الجنسين: القصة والنص الدرامي، ولا يمكن نفي العلاقة الحميمية بينهما، ولكن ماهو نوع هذه العلاقة؟

القصة القصيرة ليست نصاً درامياً.. ولا دراما مسرحية أو تلفازية بل هي دراما غير مباشرة، مسرحها الذات المتلقية، بالاستماع أو بالقراءة. والمتلقي هنا له دور كبير في صنع الدراما والمشاركة فيها كبانٍ إيجابي لها في شتى مراحلها.. إنه يؤدي دور المؤلف والمخرج والممثل والسيناريست والمونتير وسوى ذلك من وظائف، لا يمكن ممارستها حيال العمل الدرامي المعروف. بذلك تتخذ الدراما القصصية أشكالاً بعدد قرائها. إن المستمع أو القارئ هنا يتمثل القصة، ويعالجها عبر التخيل، بالتحليل والتركيب، وإعادة إنتاجها بصيغة درامية متخيلة. إنه، أي القارئ، يتخيل الحدث والشخصيات والصراع والمكان والزمان، ويعايش الموقف والنتائج، ويتخذ منها موقفاً نفسياً وذهنياً، بينما الدراما توفر على المتلقي هذا العناد كله. وتقدم له القصة جاهزة،  لكأنها تحدث أمام عينيه وحواسه، وإدراكاته مباشرة. بذلك تتخذ الدراما شكلاً واحداً محدداً سلفاً.

3- وإذا كانت القصة ليست نصاً أو عملاً درامياً، فالعكس غير صحيح، ذلك لأن كل نص أو عمل درامي هو قصة، كما تجمع التعريفات: "الدراما قصة قصيرة، أو هي قصة تروى بالصور". و" النص الدرامي هو قصة مكتوبة بطريقة يمكن معها تنفيذها بالتشخيص أو التصوير" أي أن النص الدرامي هو روح الدراما، هو برنامجها ومخططها على الورق، والخطوة التي تسبق مباشرة التنفيذ. وقد تتداخل وتتوازى معه أحياناً..

إن النص الدرامي معني بالتعبير عن أدق التفاصيل، وعن كل مامن شأنه توضيح خطوات العمل المزمع تجسيده، بينما لاتتقيد القصة بتلك الشروط، ولا تخدمها هذه الحرفة، إنها غير ملزمة بتقنيات الكتابة الدرامية، بل لا يجوز لها أن تسقط في هذا المطب الذي ليس من شأنها، ولا يدخل في إطار وظيفتها.

4- تمتاز القصة بكونها مادة أدبية، قابلة للمعالجة الدرامية، لأن القصة  قاعدتها أي عمل درامي من الناحية النظرية. وبالمقابل تستطيع القصة أن تفيد من تقنيات النص الدرامي إلى الحد الذي لا يسيء لتقنية القصة، ولا يمسّ خصوصيتها، وتوجد نماذج قصصية قصيرة قليلة استخدمت "السينارينو" جزئياً.. وبنجاح، في تعمير القصة، فازدادات قوة وجودة وجاذبية.

5- إن الدراما هي تعبير بالتشخيص أو بالصورة، أما الأشكال الأدبية المقررة والمسموعة، فهي تعبير باللغة ومفرداتها، وفي عصرنا هذا نواجه ثورة إعلاماتية، وثورة اتصالات، تجتاح حياتنا، وتغزو بيوتنا وذواتنا، وتعيد ترتيب وتشكيل البنى الأخلاقية والنفسية والفكرية والفنية، بقوة إغراءاتها.. وتلبيتها للحاجات الفردية والاجتماعية. المتزايدة. ولكل ثورة إيجابياتها وسلبياتها، فهي سلاح ذو حدين حدّ مفيد، وآخر ضار، ومن هنا تبرز أهمية التمييز والاختيار لنتمكن من السيطرة على منجزات الثورة ونوجه حركتها، بدلاً من أن يحدث  العكس. وأكثر ماتتجسد به الثورة إياها في التطور المتعاظم لدور  الاتصال والإعلام المرئي، الذي يشكل التّلفاز أداته الرئيسية الأولى  والحاسوب أداته الثانية.. والنجاح في الربط بين الأداتين عبر شبكة الانترنيت  العالمية ، التي تستخدم الأقمار الصناعية للربط بين مناطق العالم في شتى مجالات الاتصال والتواصل البشري.

6- في هذا العصر ذي المزاج المتقلب، والتبدل والتطور المتسارع، والإنجازات التقنية- العلمية الخارقة. يواجه الأدب بأشكاله  المألوفة.. المقروءة خصوصاً تحدياً كبيراً، يحس به كل أديب ومشتغل في الأدب، هذا التحدي يتجسد بأشكال التعبير المرئي عبر التلفاز..والحاسوب. هكذا تدخل تلك الأشكال  الساحة.. كمنافس فتي وقوي لأشكال التعبير الأدبية التي سادت عقوداً وقروناً من الزمن دون منازع. ودون أن تواجه ضغطاً كالذي تواجهه، هاهي تعاني من التراجع، وتقلص دائرة نفوذها، وحضورها الاجتماعي، مقابل تزايد نفوذ وحضور التعبير المرئي، واتساع دائرته ليعم كل فرد وبيت فما الذي يحدث؟ وماهو مستقبل ذلك الصراع والتحدي؟..

 

7- بالنسبة للمسرحية، من الواضح أنها تراجعت حيال الدراما المرئية. ولكنها تحاول التكيف مع الوضع الجديد، من خلال إمكانية تصويرها وعرضها تلفازياً، ومن ثم إيصالها إلى الجمهور العريض. ودخولها الشاشة الصغيرة، يتيح لها غزو كل بيت.

8- أما الرواية، فهي أكثر أشكال التعبير تأثراً بالغزو التلفازي والوضع الجديد.

قبل عصر التلفاز، كانت الرواية هي التلفاز، الذي يعرض ويصف ويحكي ويمتع ويحرض العقل والخيال، وينمي القدرة اللغوية عند الجمهور.

ولهذا كان لها شعبيتها الواسعة، وحضورها القوي بين الناس.

أما الآن فقد ساء حظها، واتجه الناس إلى الرواية المتلفزة بعد معالجتها درامياً. أو إلى الدراما التي تسود الآن عبر المسلسلات والتمثيليات والأفلام السينمائية المتلفزة (أي المعروضة على الشاشة الصغيرة). ومهما تكن قيمة الرواية، فإن هذا لايساعدها على الانتشار، وفرض النفوذ، والحضور بين الناس كما كانت تفعل سابقاً، كما أنها تجد صعوبة في الإفادة من وسائل الإعلام المقروءة، حيث تضيق تلك الوسائل عن عرض الرواية، إلا في حالات قليلة تعرض فيها الرواية على حلقات. ومع هذا نجد أن هذا التقليد  يتقلص يوماً بعد آخر.. حيث تميل الصحف والمجلات إلى ترشيد استخدام وشَغل مساحاتها لتغطي سائر أشكال التعبير المقروء، ومنه أشكال التعبير الثقافي-الادبي-الإخباري.

هنا يجوز لنا التساؤل عن مستقبل الرواية، وقدرتها على مواجهة التحدي. والاحتفاظ بالقارئ المثابر، القادر على تكريس وقت طويل لقراءة رواية، وقت قد يمتد لأيام.. فهل هذا ممكن؟

9- إن التلفاز والحاسوب يسطوان أكثر فأكثر على شتى أشكال التعبير، ويؤديان وظائفها بشكل متقن. إنهما يؤديان دوراً يتسع ليشمل المعرفة العلمية والأدبية والفنية. يغزوان كل مجالات النشاط الاجتماعي، كالتعليم والتربية والترفيه والإخبار والقصّ والدعاية.. وغيرها كثير. مما يجعلهما أهم أداتين في عصرنا.. لأنهما يسهمان بقوة في إعادة بناء وتربية الإنسان وتشكيل الأذواق، والتأثير في البنى السلوكية والفكرية... وحيال هذه القوة الجبارة، لانملك إلا أن نحاول السيطرة عليها ونتحكم  بها ونوجهها بما يحقق لنا الإفادة منها، والتكيف مع مناهجها وتحاشي كل ماهو سلبي منها، ولابدمن الاعتراف بسلطتها المتعاظمة.

10- نعود إلى القصة القصيرة. كواحد من الأجناس الأدبية المقروءة أو المسموعة. لنقف على وضعها ومستقبلها في حلبة التحدي التعبيري الجديد.

إن القصة القصيرة فن أدبي مرن جداً، حساس جداً، وشديد التأثر بسائر أشكال التعبير، التي يتعايش معها، وسنرى أن حظها من البقاء، ومقاومة عوامل الشيخوخة والنفي كبير جداً، وأنها تملك قابليات للتجدد، والتكيّف مع الظروف والشروط الجديدة.

11- تفيد القصة القصيرة من سائر أشكال التعبير والمعرفة. فهي تؤسس بعض فنيتها على منجزات العلوم، لاسيما الإنسانية منها، مثل علم الاجتماع وعلم النفس، والمنطق. وقد مكنها ذلك من توسيع آفاق تطورها، وقدرتها على اصطياد الأعماق، بما فيها من كنوز والإحاطة بالشخصية والحدث والواقع إحاطة باطنية وظاهرية معاً، بحيث تجعل من اللامرئي المتوارى، مرئياً واضحاً، واستطاعت كذلك أن تستخدم آليات رصد وعرض وبناء جديدة، مما جعلها تتخطى الترتيب المدرسي، والنظام التقليدي لبنيتها.

12- والقصة القصيرة تفيد من المسرحية، الرواية، الرسائل، السيرة، الحكاية، الخبر، "السيناريو" والصحافة بتنويعاتها التعبيرية.. ومن لغة الرسم والموسيقى، والشعر، وكل أشكال التعبير السائدة.

 

13- إن طول القصة القصيرة، وزمن قراءتها، لا يأخذ من المستمع والقارئ إلا وقتاً قصيراً (من بضع دقائق.. حتى نصف ساعة تقريباً)، أي أقل من الزمن الذي تستغرقه مشاهدة حلقة من مسلسل تلفزيوني.

هذه الميزة تتفوق بها القصة القصيرة على الرواية وسواها. إن القصة يمكن أن تلقى على الأسماع، بينما لا يمكن للرواية أن تلقى في قاعة أو مركز ثقافي، بسبب طول المدة.

والقصة القصيرة لها حظ أوفر في النشر والانتشار على صفحات الصحف اليومية والمجلات، لأنها لا تحتكر مساحة كبيرة، وهذا غير متاح للرواية، إلا استثناءً.. وعلى شكل حلقات. ونشر القصص القصيرة تقليد صحفي، قلما تهمله صحيفة أو مجلة سواء كانت سياسية إخبارية أو اجتماعية أو فنية.. أو حتى متخصصة،       لأنها لا تأخذ سوى حيز صغير أولاً، ولأنها تلطف المجلة أوالصحيفة ولأن لها جمهورها ومتذوقيها. إن قصة تنشر في صحيفة يعني أنها تصل إلى جمهور عريض، لأن نسخ بعض الصحف قد تتجاوز عشرات  بل ومئات الألوف. ولقد باتت مادة صحفية دائمة الحضور... كذلك يمكن القصةَ القصيرة أن تذاع، وهو مايحدث في إذاعات عربية ودولية...

 

14- إن المزايا المذكورة تجعل من القصة  فناً لطيف المعشر، خفيف الظل. فالقارئ يستطيع أن يختار مكان وزمان قراءتها. بينما لا يملك هذا الخيار حيال مسلسل أو مسرحية لها مواعيدها وأمكنتها المحددة.

القصة المنشورة في جريدة، مثلاً، يمكن المرءَ أن يقرأها ساعة يشاء وأنّى يشاء: في البيت: الحديقة العامة، المقهى، المكتب أو مكان العمل. في حافلة.. في الطائرات.. في أي مكان آخر، وفي أي وقت صباحاً.. ظهراً.. مساءً.. في منتصف الليل...الخ..

تلك الميزة تجعل العلاقة بين القصة القصيرة والقارئ... ودية.. ديمقراطية، لأنها لا تثقل عليه، ولا تفرض عليه مكاناً ومواعيدَ وشروطاً للتواصل، ولاترهقه ولا تزعجه. إنّها ليست ضيفاً ثقيلاً ومملاً.

15- تتوجه القصة القصيرة بشكلها ومضمونها إلى الآخرين، لتلبي حاجة عندهم، ولتحقق غرضها لديهم، ومن أجل تحقيق هذه المعادلة، ونجاح وظيفتها، تستخدم القصة كل ما يتوافر لها من مقومات فنية، وأساليب تقنية فكرية وأدبية، للاستيلاء على القارئ والظفر به.

16- إنك تدير ظهرك لحديث ممّل. ولكنك تنجذب لحكاية طريفة وشائقة.

وقد تسمع نكتة مرتين..من شخصين مختلفين، وبأسلوبين مختلفين أيضاً. فتجد أن تجاوبك ورد فعلك  يختلفان بين الحالة الأولى والثانية، إذ تشعر بفشل العرض وبروده عند أحدهما، بينما تشعر بنجاح وحيوية العرض عند الآخر. مع أن الفكرة هي نفسها...

17- وهكذا القصة، تحقق النجاح ، وتفرض سلطتها على الآخرين بقدر ماتثير فيهم الفضول والإحساس بالجمال والطرافة في الشخصية والموقف، والمفاجآت المثيرة، والسياق الرشيق، الذي لايتيح لعقل القارئ ووجدانه أن يتراخيا.. ويتأففا.

كثيراً مايقول لك شخص: "هات من الآخِر" وهذا يعني أنه غير مستعد لتضييع وقته بكلام فارغ.. لا يعينه. كل إنسان يود مواجهة المواضيع والأحداث باختصار، وبإيجاز لا يخلّ بالمعنى. وتلك مسؤولية القصة القصيرة، أن تضعك دائماً أمام الجديد والطريف والجميل والمختصر... أمام منعطف تلو آخر، ومفاجأة تلو أخرى... وتأخذ بيدك، وبكل نعومة ولطف، في رحلتها الممتعة لاكتشاف الأسرار والمناطق المجهولة، والنتائج المحتملة. على القصة القصيرة أن تسرق القارئ، وتغزو عقله وقلبه، وتثير مالديه من رغبات وحب، فينسى نفسه.. ويتبعها، ويستغرق في سياقها.. ليشبع ذائقته ويحقق مزاجه، ويلبي فضوله، وحاجته لاستطلاع كل طريف وطارئ من حوله.

18- وأهم فكرة يجب أن يتخذها القاص سنّة له، هي أن المعيار الفني للقصة وجد لخدمة القصة وتمكينها من الوصول بنجاح أكبر إلى الجمهور. إنك إذ تقص تستخدم كل مامن شأنه اجتذاب اهتمام، الآخر الذي تتوجه إليه بالقصة وشدّ انتباهه، فإذا فشلت.. فهذا يعني  فشل أسلوبك، وفشل فنية قصتك.. والنتيجة هي خسارة الآخر ورفضه متابعتك.

إن فنية القصة هي حلقة الوصل بين القاص والمتلقي، وعليها يتوقف نجاح أو فشل العلاقة إياها... وحتى ينجح القاص في تحقيق التوازن داخل تلك العلاقة -المعادلة. لابد أن يتمتع بالموهبة، ويتسلح بالثقافة والخبرة والتجربة، ويؤمن بأن المتلقي مؤشر حقيقي ملموس لنجاح أي قصة.

19- يلاحظ تقصير واضح في مجال البحث الأدبي المتعلق بالقصة القصيرة على الرغم من قيمتها وأهميتها ودورها، ومكانتها الكبيرة بين الأجناس  الأدبية الأخرى. ونحن نفتقر إلى دراسات وندوات وبحوث جادة وكافية حول القصة القصيرة. تقع مسؤولية ذلك على الجميع: أدباءَ، نقاداً، أساتذة أدب عربي، وطلاب دراسات عليا. ولابد من الوقوف على أسباب غياب الاهتمام بالقصة القصيرة نقدياً وسواء داخل الجامعات ومؤسسات البحث الأدبي أوعبر المؤسسات الثقافية والإعلامية المقروءة والمسموعة.

فلا ندوات.. ولا محاضرات.. ولادراسات أكاديمية أو غير أكاديمية تتناول فن القصة القصيرة، في أي جانب من جوانبه.. وإني لأتساءل: هل مردّ ذلك إلى كون القصة القصيرة هي ذلك الفن المتمرد؟ المتمرد على الناقد وعلى نفسه معاً؟!؟

20- يمكنني القول: إن القصة القصيرة هي بنت العصر، وأؤكد أنها ستظل وبالقدر نفسه بنت المستقبل، وعادة راسخة من عاداته الثقافية الأدبية.. وإن التطور العاصف.. الذي لن يتوقف، سيظل يوفر المناخ الأفضل للقصة القصيرة، وسيمنحها المزيد من السلطة والنفوذ، ويوفر لها فرص تجديد شبابها، وزيادة حيويتها وتأثيرها في الحياة الفردية والاجتماعية. وهذا كله يدعو إلى التفاؤل، والاطمئنان على مستقبل القصة وريادتها الأدبية.

4/7/1997 م.

 

 

 

توازن

 

ترى من هو ذلك الرجل؟ تبدوعليه ملامح الأبهة والنفوذ! لابد أن أعرفه.. ولكن كيف؟!

سيادته الفارهة... سحنته المهيبة... تصرفاته... أناقته... كل شيء يؤكد أنه رجل غير عادي.

حدث هذا في نادي الشرق المعروف، الذي يقع في كبد مدينة دمشق.

هذا النادي لا يؤمه إلا علية القوم وأكابرهم، لأن تكاليف سهرة فيه تعادل راتب أو أجر موظف لعام كامل..

لم تكد تقف السيارة تماماً... أمام مدخل النادي، حتى كان واحدٌ  من البوابين... يفتح للسيد الجليل.. باب السيارة الخلفي اليميني. إنه  تقليد اعتاده كل صاحب سلطان.

انحنى البواب ماداً ذراعه اليسرى. باتجاه النادي... وكفه مبسوطة وهو يردد:

- شرفوا سيديّ... أهلاً وسهلاً ... تفضلوا.

وبينما البوّاب يتكلم، كان الزبون الدسم، يخرج ساقه ورأسه وجزءاً من جذعه الأيمن، لينزل من السيارة، وماكاد يكمل خروجه. حتى كانت كفه تمتد إلى البوّاب بورقة نقدية من فئة خمسمائة ليرة سورية، ويتكرّم عليه بنظرة، ومشروع ابتسامة مدروسة. حصل مقابلها على سيل من عبارات الشكر والتبجيل.

انضمّ بواب آخر، لمرافقة الرجل عبر المدخل... ثم اتخذ خدم آخرون أماكنهم على جانبي المدخل، كانوا أشبه بفرقة مراسم، متأهّبة  لاستقبال الضيف الكبير، وراح هذا الأخير يوزع عليهم ورقات نقدية  من الفئة نفسها التي قدمها للبواب الأول.. ولم ينسَ منحهم النظرات وهزات الرأس الخفيفة، ومشاريع الابتسامات غير الكاملة، والصمت.

بدا لي أنهم يعرفونه، وينتظرون قدومه، وما أثار دهشتي كونه وحيداً لا رفيق معه!

عندما أصبح داخل النادي، كان النادلون قد أسرعوا لاستقباله والترحيب الحار به.. ومرافقته إلى أن اتخذ مجلسه الخاص المحجوز له كالعادة، كما صرح بذلك أحدهم.

كان الرجل قليل الكلام، والابتسام.. وكان بخيلاً بحركاته والتفاتاته. يخرج غليونه، يدخن بصمت، بينما كفّاه تنوبان عن لسانه في التعبير عما يرغب ويشتهي، وأحياناً لا يبخل باستخدام رأسه نيابه عن لسانه.

وكان النُّدُل -وياللعجب- يترجمون لغته بدقة وتفوق، ويفهمونها تماماً.فهاهم يحضرون له طعامه المدروس بعناية.. إضافة إلى مقبلاته ومشروباته المفضلة؛ التي يتعامل معها برفق ولين ونعومة وبطء... كأنه يخشى أن يمسّها بسوء. هكذا يمضي سهرته وحيداً، وسط اهتمام بالغ من العاملين في النادي، الذين لا يكفون يحومون حوله كالنحل، طمعاً في رشفة رحيق من جيبه الجواد.

ما إن أنهى الرجل عشاءه، حتى طقطق بأصبعيه: الوسطى والإبهام...  وسرعان ماقدمت له فاتورة الحساب على صحن. وسرعان ماوضع الرجل المبلغ المطلوب فيه، لكأنه درج عليه، أو لكأنه محسوب سلفاً بالنسبة إليه.. قال ولأول مرة:

-وزعوا الباقي فيما بينكم...

نهض... بينما كان أحد الندل يتبرع بتقويم سترته، والتأكد من حسن قيافته. سار الرجل بخطوات رزينة، لكأنه يمشي على البيض، بينما كان يشيّعه عدد من الشغيلة حتى غادر النادي، وأذناه تطنان بصدى عبارت الحمد والثناء والتبجيل.

ومرّت الأيام. وشاءت المصادفات أن ألبّي دعوة إلى مطعم العرّاد، الذي يتوسط نهر بردى، بعد قدسيّا.. غربيّ دمشق.

كانت دعوة إلى العشاء والسهرة على برنامج فني.

جلست وأصحاب الدعوة إلى طاولة، وبينما كنا نتبادل أطراف الحديث، كانت عيناي تستطلعان المكان ووجوه الزوار المتوافدين.

وفجأة توقفت نظراتي المترددة على وجهه. اتسعت حدقتا عينيّ، قلت في نفسي: "هل أكذب عينيّ؟!.. أنا في حلم أم في علم؟! أم هل يخلق من الشبه أربعين؟!"...

لاحظ صديقي الذي يجلس قبالتي، ماطرأ على وجهي من تغيّرات. سأل:

-مابك؟ ماذا هنالك؟

- لاشيء...

- وجهك يكذّبك!

- أشبّه على أحدهم...

- بسيطة...

لعله الشقيق التوءم، إنها لمفارقة لا معقولة.

في هذه اللحظة اقترب نادل من طاولتنا... ليسألنا حاجتنا... رأيت في النادل طرف الخيط يوصلني إلى غايتي... لن أدع هذه الفرصة التي طالما انتظرتها تفلت من بين يدي، لقد جاءني الحل على يديه وقدميه.

طلبت من النادل الاقتراب مني.. أعطاني أذنه وهو ينحني، سألته:

... من ذلك الشخص هناك؟! انظر بطرف عينك، لا تدعه يلاحظنا. وجه النادل عينيه بالاتجاه الذي أشرت إليه.. ثم نظر في وجهي وهو يبتسم ابتسامة ذات معنى. قال:

- هل تعرفه؟

- أشبه عليه..

- إنه سليم السرحان..

أحسست أن النادل يود التهرب من فضولي، فنقدته ورقة من فئة مئة ليرة، وطمأنته.

-لن أفشي السرّ... لا غاية لي سوى الفضول.. نيتي سليمة.

- هنا عرفت أن النادل قد فهم قصدي. فقال:

- إنه هو....هو بشحمه ولحمه...

- وضح أكثر...

- إنه الرجل نفسه الذي تشاهده في ...

- نادي الشرق؟

- نعم.. في نادي الشرق.

- ياللغرابة!! غير معقول...

- صدقني... أنا لا أكذب.

- شكراً لك... لا بأس..

واستغرقت في المفارقة، ولم أشعر بالنادل كيف ابتعد، عدت إلى مراقبة الرجل... كان نشيطاً...خفيفاً، يتجول بين الطاولات، ينحني لهذا الزبون... يقدم الطلبات، يمسح الطاولات بأدب جم... ولباقة تليق بنادل  محترف حقاً

عاد النادل. وتلاقت نظراتنا، غمزته، فانحني برأسه إلى جوار رأسي سألته:

.... ولكن لماذا؟ وكيف؟...

- سيدي! كثيرون سألوني، وكنت أسرد لهم الحكاية نفسها، كأني أسطوانة تكرر الأغنية نفسها، هذا الرجل قصته قصة ياسيدي إنه يعمل هنا منذ زمن طويل، إنه الشيف (رئيس النادلين)، ومع ذلك يقوم أحياناً بعمل النادل،.بمحض رغبته، إنه يحب عمله ويتقنه والجميع يشهدون له بالخبرة والتفوق وحسن التدبير والتعامل مع الزُّبُن.

سليم السرحان لم يتزوج حتى الآن، ولم يدخر قرشاً أبيض ولا أصفر... كل ذلك بسبب تلك "السوسة" (العادة) التي تسيطر عليه، تصور ياسيدي. كل مايجمعه خلال أسبوع ينفقه هناك في سهرة واحدة.. ينفقه على  شخصيته الأخرى التي يعبدها.. ويصدقها، ويتمسك بها. إنه ممثل بارع يستأجر سيارة فخمة بسائقها، يقضي سهرة في نادي الشرق تليق بدوره كسيد آمر، هناك يتحول من خادم إلى مخدوم محترم، من رجل عادي إلى رجل غير عادي..ولو  لبضع ساعات...يدفع ثمنها باهظاً.

2/9/1995م

 

 

خِطبة على الهاتف

 

(في اليوم الأول)

- ألو....

*  نعم....

- من يتكلم؟

* من تطلب؟

- هل أنت أنت؟

*  نعم .... أنا....أنا....

- إذن من يتكلم.... أعني مااسمك؟

* غلطان.

        وصفق جمّول السماعة بانزعاج، وهو يشتم الهواتف ومن صنعها ولكن الهاتف عاد ليرنّ من جديد، رفع السماعة. بادره الصوت: 

-ألو....

* أنت؟ ألا تذوق؟‍ استحِ على دمك.

- عفواً... أنت تسيء الظنّ بي..

* حسناً ما الرقم الذي تطلبه..

- أنا لا أطلب رقماً.. أنا أريدك أنت بالتحديد..

* هل تعرفني؟

- لا.... لم أتشرّف بعد.

* إذن؟

- إذن من يحدثني؟ قل لي أرجوك..؟

* قل  لي أنت أولاً.. مااسمك؟

- قل لي أنت أولاً.. أنا من يسألك

* أوه.... من سلطّك علينا.... أيها الـ..

        وصفق السماعة.... قاطعاً الخط.... بينما كانت زوجه قد لاحظت لهجته الغاضبة. وأتت تستطلع الخبر، نظر في وجهها.... والشرر يتطاير من عينيه.... فوجئت زوجه.... قالت:"لماذا تنظر إليّ هكذا؟ هل تشك بي؟"... وقبل أن يردّ عليها، كان جرس الهاتف يرن للمرّة الثالثة.... رفع السماعة ووضعها ليقطع الخط.... وهو يتمتم شاتماً لاعناً أولاد الحرام، الذين يتسلّون بإزعاج الناس هاتفياً، رنّ الهاتف رابعة. رفع السماعة. بادر:

* ياوقح... لو كنت رجلاً... لواجهتني...

- حقاً.... هل في صوتي أنوثة.... حتى تخالني امرأة. هل تشك برجولتي؟ صدقني.... أقسم لك. إنني رجل.... رجل حقيقي...

* إذا لم تتوقف عن السخرية والإزعاج.. فسأريك يابن الـ...

- أرجوك.... لا تعذبني.... أنا قصدي شريف.

* واضح.... واضح....

- سأكون أحسن منك وأقول لك من أنا..

* جميل.... هكذا تحلّ المشكلة.

- أنا اسمي عامر.... عامر بن ربيع سلمان.... هذا هو اسمي الثلاثي الكامل.... نعم الكامل.... عمري سبع وعشرون سنة....

* أنا لا أعرفك.... لم اسمع باسمك....

- أدري.... ولكنك ستعرفني.... ستعرف كل شيء عني....

* ما المناسبة ياسيّد....

- أعطني عنوانك....

* أيضاً....

- صدقني ياعمّي.... عفواً.... هل أنت عمّي....أقصد في المستقبل؟

* هل تحدثني أنت من مستشفى المجانين (لزوجته) ما الذي يحدث؟  ماذا فعلنا....حتى حلت علينا هذه البلوى؟‍!

- نصف الالف خمسمائة.... دعني أشرح لك...

رمى جمّول السماعة، وراح يرفع ذراعيه صائحاً:

* ياهو.... ياعالم.... ماهذه المصيبة التي حلت علينا....

        أغلقت زوجه الخط.... طلبت منه أن يمسك أعصابه، قالت:  "كل شيء بالعقل.. من رأيي أن تسمعه للآخر... وتفهم منه ماذا يريد بالضبط".

        ورن الهاتف خامسة، رفع جمّول السماعة، بادر بالقول:

* أنا جميل بن ملحم الخليل... عمري خمسون عاماً. رجل مستور والحمد لله.... والآن.... ماذا تريد ياسيّدي.

- استغفر الله.... أن أكون سيدك.... بل أنت سيّدي.... وعمي

* لم أفهم!

- أنا ياعمي صهرك...

* صهري؟!

- أقصد صهرك في المستقبل...

* (لزوجه) سمعت؟ (يقهقه كالممسوس) يقول: إنه صهري.. إنه سيكون صهري (للرجل) هكذا إذن؟!

- إذا كنت موافقاً فأعطني العنوان من فضلك، لنبحث التفاصيل  ونتفق على كل شيء.

* وماذا لو قلت لك: إنك غلطان. وأنه ليس عندي بنات للخطبة والزواج؟! (لزوجته) هل عندك بنت عازبة؟! الرجل يخطب على الهاتف! هل سمعت في حياتك بخطبة على الهاتف؟! عش كثيراً تر الكثير....

- لست غلطانَ....

* (يضحك ساخراً) حسناً يا.. ماذا قلت اسمك؟

- عامر.. عامر سلمان.. رجل... صدقني رجل.. عمري... سبع وعشرون سنة.. (يتظاهر بالمسايرة) حسناً.. حسناً ولكن أمهلني لأفكّر.. لا أستطيع أن أعطيك جوابي الآن..

- ولكن البنت موافقة!

* نعم؟!

- وأمها موافقة أيضاً..

        يلتفت بذهول نحو زوجه:

* سمعت؟! أنت موافقة على تزويجه ابنتكِ (يقرّب السماعة من أذنها) اسمعي.. اسمعيه بنفسك(للرجل) ماذا قلت؟

- قلت : البنت موافقة.. وأمها موافقة....  لم يبق سواك ياعمي..

* (لزوجته) توافقين من وراء ظهري؟!

        تجيب الزوجة:

        "هل نسيت نفسك؟! أنا ليس عندي بنات حتى أوافق أو أرفض".

* (يتابع لزوجه) فعلاً.... لقد نسيت...الرجل أخذ عقلي بكلامه...سيجننني بالتأكيد...أعجبك؟! ها أنذا سمعته للآخر! يريد أن يتزوج ابنتنا...  يقول: إن البنت وأنت موافقتان. من هو المجنون برأيك؟

- آلو.. آلو.. عمّي.. أرجوك.. لاتقفل السماعة بوجهي...

يترك جمول السماعة مفتوحة... ويضحك بشكل هستيري...بينما تتولى زوجه إغلاق الخط....بوضع السماعة على الجهاز...ثم تنزع "فيش" الهاتف... وتقول لزوجها:

-" هكذا أفضل. دعه يحاول ماطاب له. وأنت تجاهل كل ماحدث... هدئ أعصابك.. واسترح".

* إذا لم يكف عن إقلاق راحتنا.. فسأطلب مراقبة الخط....

- لا تهز بدنك...لسنا وحدنا الذين يعانون من إزعاجات كهذه..

 

(في اليوم الثاني).

رنّ جرس الهاتف. تردّد جمّول، همّت الزوجة برفع السماعة. منعها. رفع السماعة، قربها من أذنها. سمع صوت امرأة:

المرأة: ألو....

*      : من...؟

المرأة  : بابا؟

*      : من تريدين ياآنسة؟

المرأة  : ألَسْتَ السيد جميل؟

*      : هو بذاته..

المرأة  : أبي.. أنا فدوى... ابنتك فدوى..

        ودار الزمن في رأسه... أحس بصوتها يوقظ قلبه. تابعت المرأة:

المرأة  : طلّقتَ أمي.. قلنا: هذا يمكن احتماله.. ستة عشر عاماً... لم تسأل عنا خلالها... قلنا: هذا أيضاً يمكن احتماله. أما أن تنسانا...  أن تمحونا من ذاكرتك  إلى هذا الحد.. فهذا مالا يمكن احتماله... فهل أنت أبٌ حقاً؟ هل أنت أبي؟ وهل أنا من صلبك حقاً؟ أي إنسان يفعل هذا؟!

* فدوى... لا أصدق...

المرأة  : بل صدق... صدقني لولا أنني مضطرة لك... لما اتصلت بك ولا كلمتك... عمري الآن ستة عشر عاماً.. الرجل الذي اتصل بك خطبني من أمي.. أمي التي رميتها.. وفرطت بها... كما فرطت بي. أمي التي طلبت من الرجل أن يبحث عنك ويلتقي بك ليطلب يدي منك... باعتبارك وليّ أمري.. ومرجعي.. هل توافق على الرجل ياوليّ أمري المحترم؟

        جمول بدا وكأنه فقد لسانه... ولاحظت زوجه أنه يبكي  بصمت، والدموع تسيل على خديه..

        عندما أنهت فدوى كلامها.. طلب منها والدها أن يتكلم مع عامر..

        أمسك عامر السماعة وقال:

-      مرني ياعمي.. أنا تحت أمرك..

* عامر... يابني.. سجّل عنواني فوراً.. أنا بانتظاركما...

25/9/1995م

 

 

تشرّد

 

حدث هذا في أواخر شهر آب من العام 1995م في مطعم يربض على شاطئ مدينة طرطوس. كان الوقت صباحاً.

قال نبيل: اخترقت الاستغاثات المتلاحقة رأسي كطلقات الرصاص. انتزعتني من أغلال نومي الثقيل.. بادئ الأمر.. توهمت أنني أحلم، لكن تواصل  صرخات الاستنجاد.. قطعت عليّ شكوكي وأوهامي، وتيقنت من صحوتي.

أخذ صراخ الصبي يتحول في أعصابي إلى صدمات كهربائية مؤلمة، فانتفضت واقفاً، وهرعت لاستطلاع مايجري، بينما تعكّر الصباح  الرائق في عينيّ. فكرة واحدة استولت عليّ: إنقاذ الصبي.. مهما كانت الأسباب. وبغضّ النظر عن النتائج.

رأيت المشهد الفظيع. وفار الغضب والنخوة في رأسي، وسخرت من عبارة: "الإنسان حيوان عاقل"!؟!

- أغيثوني... دخيل الله..التوبة.. التوبة...

ورأيتني أردّ على كلمات الصبي الجريحة هذه، بصراخ وزعقات حيوانية شرسة. وأنا ألتقط عصا، لا أدري كيف عثرت عليها،  وأندفع كالمجنون نحو الجَمْعَة اللابشرية مهدداً:

- ابتعدوا... ابتعدوا عنه أيها الحمقى الأوغاد، ابتعدوا وإلا فسأضرب وأقاتل حتى الموت.

كان عدد من شغيلة المطعم يتحلقون حول الصبي، أحدهم يدلق عليه الماء البارد، بعد أن جردوه من ثيابه، وآخر ينهال على جسده الطري ّالمبلول ضرباً مبرحاً، بأنبوب ماء مطاطي (نربيج)، والصبي  يتوجع ويصرخ معولاً، ازرقّ جسمه واحمرّ من أثر الضرب الوحشي وترك النربيج آثاراً شنيعة على جسده.. لقد أكل من لحمه الطري بقسوة. وجه الصبي احتقن...  كاد يختنق ويموت ألماً ورعباً. وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره. وكان بقية الشغيلة يتفرجون بلا مبالاة. وبعضهم يهوشون ويحمسون الشغيل الذي يضربه للاستمرار في تعذيبه وضربه. وتساءلت عما إذا كان هؤلاء من طينة البشر! ياللهول!! ويالوحشية الإنسان العصرية!!

تحولت إلى حيوان مفترس، لمقاومة الذئاب والضباع، وتخليص  ذلك الأرنب الصغير البائس من بين براثنها وأنيابها. وكنت مقتنعاً إن قوانين الغابة لا تزال سارية المفعول تحت جلد حضارتنا المزعومة.

حينما شاهدني الجميع في تلك الحالة.. ذعروا وفوجئوا.... فتراجعوا وتجمدوا كالتماثيل، اتسعت أحداقهم وفغرت أفواههم دهشة  وفضولاً وترقباً. قلت بلهجة آمرة حازمة وجازمة:

- آمركم بالابتعاد عنه. اليد التي ستمتد إليه سأقطعها..

حاول الشغيل الذي كان يضربه أن يتكلم... فزجرته...

- اخرس... وانتظر حتى أرى ما المشكلة... وليمض كلٌّ في حال سبيله.

تفرّقت اللمّة الآدمية. وبقيت والصبي وحدنا.

كانوا قد أوثقوا يديه الصغيرتين، ورجليه بشدّة. وكان الصبي مايزال  يرتعش وينشج، على الرغم من براعم الاطمئنان التي راحت تتفتح وتلتمع في عينيه وأسارير وجهه البريء، رمقته بحنان، وأنا أطمئنه:

- لا تخشَ أحداً... ما دمت أنا معك. لن أدع أحداً يؤذيك...

وكان أول مافعلته هو حلّ وثاق الصبي... بهدوء ورفق، ثم ألبسته ثيابه، بعد أن جففت جسده بعض الشيء، وظل الصبي صامتاً لا يقوى على الكلام. أخذته إلى غرفتي الخاصة، حاول أن يتكلم، وطلبت  منه أن يؤجل ذلك حتى يلتقط أنفاسه.. ويهدأ، مسدت براحة كفي  على شعره، وأنا أبتسم في وجهه برقة وحنّو.

عندما هدأ بعض الشيء. طلبت منه أن يحكي لي عما جرى. قال:

- أنا يتيم. مات أبي، أمي لاتقدر أن تطعمنا...

كان يتكلم بشكل متقطع من أثر الإرهاق والتوتر. وكانت كلماته ممزوجة بالبكاء والألم. سألته:

- من أنت؟!