الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 12/01/2009

مجموعات قصصية / الكاتبة: حنان درويش

بوح الزمن الأخير

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة المجموعة القصصية

 

 

المجموعة القصصية

زائر

الشمس لا تشرق

الفائزة

تمرد

بوح الزمن

مات الياسمين

قلق

غرفة رقم 13

أحزان ع الرحمن

معادلة

حكاية كل شهر

حالة غضب

أزرق أحمر

تهيؤات حمود

خلف الزجاج

مفاتيح العتمة

ثم عاد

بنت الدهشة

   آخر الهدايا

مركز اجتماعي

 

بوح الزمن الأخير 

 

 

 

الإهداء:

إلى مصياف

مدينتي الغافية

على كتف المحبّة، والدفء، والجمال.

 

بوح الزمن الأخير

 

 

اقتعدت الرصيف، وليس في ثنايا ثوبها البالي سوى خلايا ميّته، كأنمّا جلبت من قبور، ما أو من احتضار زمن. جسمها يترنحّ. العالم يترنحّ، فتهمّ بالسقوط. في كلّ يوم تواجه مصيراً جديداً، وتتعرّف ملجأ جديداً، وتستسلم لذبح جديد.

الدروب المؤديّة إلى غياهب الماضي باتت سالكة بصعوبة أو مستحيلة العبور. لملمت أطراف ذكرياتها، وقفلت راجعة تطوي أيّامها، وتغيّب حضورها تباعاً.

كلُّ الذين كبروا تحت جناحها، طاروا عندما نبتت بواكير ريشهم. كل الذين أقسموا في حضرتها على الوفاء غدت أيمانهم أوراقاً صفراء تتلاعب بها الريح.. البيت، والأولاد، والكنف الدافئ، وعريشة الياسمين.. أصبح بينها وبينهم أراض وفياف وقفار، لو حاولت اجتيازها لابتلعتها مفاجآت بعيدة عن الحنان.

" أين سأبيت الليلة؟؟.."

واجهها النحيب بعدم الإجابة. لم يتنام إلى سمعها أيّ صوت، ولم تبادر أيّة رحمة إلى انتشالها سوى رحمة الأرصفة.

بدا الفراغ الهلامي أمامها مقفراً، إلاّ من بعض الراكضين وبعض غريبي الأطوار، وبعض المظلاّت السوداء، والحمراء، والبنفسجيّة.

الليلة الشرهة تعوي في عظامها. يودع البرد سياطه فوق صفحة وجهها. ثمّة مطر غزير، وثمّة عواصف متخمةٍ بالفجاجة تقتلع أوتاد خيمتها، وتصبُّ في قلبها ذعراً لم تستطع مهادنته... تنتفض. تختنق. يتبعثر حطام المرأة في داخلها...

ترى، لماذا غرّر الزمان بها؟.. وكم مضى منه على تلاشي أنفاسها؟.. هل ماتت؟، أم هي في فلك النهاية تدور؟. انتشلت رأسها من القاع. رفعت سحنتها الغارقة في الطين. أسلمت أذنيها لهمهمة مداهمة.تسلّقت عيناها السيقان التي صارت إلى جانبها تحت المظلّة الحجريّة. صاعدت تلاحق أنفاسها. أصدرت  اصواتاً وحركاتٍ وجلبة تستجدي شيئاً من العطف، يفضي بها إلى مأوى تبيت فيه. لكنّ المنتظرين لم يكترثوا لوجودها، ولم يمنحها أحد منهم نظرة رفق..أو حتىّ نظرة واقفة على الحياد.... فقد كانوا مشغولين بحديث لم يسقطوا من حسبانه إشارات التعجّب والاستفهام.في البداية، لم يكن الكلام يعنيها أو يهمها.. لكنّه، شيئاً فشيئاً أصبح حاراً بعكس طبيعة تلك الليلة، ومؤلماً إلى درجة الفجيعة.. يخرج من بين الشفاه مدهشاً وطريفاً أحياناً.. مبعثراً وثقيلاً على السمع أحياناً أخرى، كأنّ شيئاً أمسك بخناّقه، وأعاق عبوره، فضاع في متاهة الطريق.

التصقت بالواقفين.. قرّبت أذنيها من افواههم تريد اكتشاف هويّة اقوالهم. كان التصرّف بدافع الفضول أوّل الأمر.. لكنّه، بالتدريج، راح يفصح عن مقصد فتح أمامها بوّابة، أخذت تتسع وتضيق بمقدار.

-" لقد قرأت اليوم خبراً مثيراً تلبّستني غرابته حتىّ هذه اللحظة.."

قال أحد الموجودين مضيفاً إلى حديثه موسيقا خاصة يصدرها اصطكاك أسنانه، ثم تابع:

-"وضعت دائرة السجون إعلاناً يشير إلى أن أحد المحكومين بالإعدام حين سئل عن الأمنية التي يرغب بتحقيقها قبل الموت أجاب.. بأنّه يريد امرأة.."

أطلق رجل آخر استنكاراً حادّاً، ابتلعه على الفور استهجان أكثر حدّة:

-" وماذا يبغي المهتمّون بالأمر من الإعلان؟.."

-"يريدون تنفيذ الرغبة للمتّهم إن أمكن.."

-" هذا مستحيل.. فما من امرأة في الدنيا، تدفع بنفسها إلى السجن لقضاء ليلة شرسة مع المجرم، مهما كانت المغريات المقدّمة..".

كقطّة بريّة أغرقها المطر حتىّ الثمالة انتفضت...

راحت تموء بشكل جنوني. تفجّرت براكين سكوتها.

انبثق من عينيها ما يشبه الصراخ...

" السجن؟‍‍.."

غشت  رؤيتها غفوة وذهول. غيّبت وعيها ثمّ أحضرته... لابدّ أن المسافة إلى هناك شائكة ومتعبة... لابدّ أنّ الدرب وعرة ومظلمة..

" السجن ؟‍‍.."

كيف المسير إليه؟.. كيف الوصول؟.. ومن أين الانطلاق؟. لاوقت لإطالة التفكير.. ولماذا التفكير؟، مادام يوجد في النهاية سقف وجدران وحماية من البرد والمطر، ولو لليلة واحدة.. فليس في جعبتها أيّ متّسع للتفاوض.

شدّت شالها حول رأسها، لفّته بإحكام. تأبّطت العنوان، ومعالم الخطوات، ثمّ اسلمت ساقيها للمجهول، تقتفي أثار العتمة، والقهر، ورائحة احتراق لشيء ما.. بينما السيول تجرف سرّها الدفين، تودي به إلى  مالا قرار.

عند بوّابة الزنزانة وقفت.. ارتجفت.. انزرعت في الأرض مثل شتلة واهية الجذور.. غلّفها الحيّز الأسود بقفره ووحشته.. لكنّ الشيء الوحيد الذي اكتشفته هناك، والذي رطّب بعضاً من جفاف صحرائها، أنّها لم تجد ما هو غريب أو جديد على عالمها... فقد أحسّت مع تقادم الدقائق بإلفة الموطن، وبترجيع رئة الزنزانة لصدى أنفاسها، وبأنّ الرجل القابع في الزاوية هو منها وإليها... فلم تبد عليه بوادر الأمنيات، ولم تتكفّن رؤاه إلاّ بالصديد، ولم تغفل أجنحة الغربان عن مواساته.... يداه تحتضنان كوابيسه، وصدره يعلو ويهبط في رحلة متساوقة مع رحلة الزمن العابرة ببطء شديد.

الفضاء الضيّق بحلكته ينضمُّ إلى مجموعة من الفضاءات الأخرى، والتي غرزت بين جنباتها أشخاصاً تلبّستهم التهمُّ..  صدقاً أم زوراً، حقيقة أم تلفيقاً، لا أحد يعرف.. المهمُّ أنهّا تلبّستهم وانقضى الأمر.. وإلى  أن تبين الحقائق، وتنجلي البيّنات، يكون الدهر قد أصدر حكمه، ويكون الوقت قد أدرك بغيته على عجل.

الهنيهات هناك ركيكة وقاتلة، والجمود يصلب الوقت على جدار من رهان، والشفاه تيبّست وتشقّقت، وأصبح النطق صعباً.

-" منذ متى أنا هنا..؟‍‍!!

يتساوى لدى الرجل الليل والنهار.. الإشراقة والدكنة. تحاول الذاكرة الاستيقاظ، فيظهر الماضي برداء قميء، متعدّد الثقوب، ألبسوه إيّاه عنوة.

-" لماذا؟؟.."

- سألهم ولم يجيبوا !

تكالبواعليه مثل وحوش كاسرة- ألصقوا به تهمة قتل متعمّدة.. تهمة كان بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لتصبح بعد حين أرجلهم في الخلاء، ورقبته ضمن حبل المشنقة.

- من أنت؟...

- أنا.. أنا الـ..

خرج صوتها من أعماقها كأنّه يخرج من أعماق بئر، ثمّ ما لبث أن دوى مجلجلاً، يخترق حواجز سجنه، ويقتلع الساكت في نفسه، فتستيقظ بقايا جذوره. يقف في مكانه، يملأ صدره بهواء الصدى.. إنّه لايعرف كيف يتصرّف، وكيف يتعامل مع تلاحق الدقائق المتكئة على هامش الترقب والانتظار.. هل يضحك؟...

هل يبكي؟... بالتأكيد هو لايحلم، فالحلم جفّت مفرداته، وأسقط آخر كلماته في هوّة سحيقة. حاول أن يباعد ما بين شفتيه، أن يقول شيئاً..

أحسّ فجأة أن شيئاً ما يشبه الضوء يتسّرب إلى عينيه. ارتجفت أصابعه وهو يقبض على المسافة الفاصلة بينه وبينها.

-" امرأة؟!!"

منذ متى لم يتلمّس الندى.. ولم يكتشف عطر الورد في دوحة المنى.. ولم تتقرّ عيناه وجهاً سوى وجه سجّانه العالي، والذي نضب منه ماء الحياة منذ أمد بعيد.

اقترب خطوة، واقتربت مثلها.. هل ما يراه حقيقة أم شبيهتها؟... أم أنّها الريح أرسلت إليه خيالاً يعزّيه في سويعاته الأخيرة.

وقفا متقابلين، ثمّ نزلا رويداً، رويداً إلى أسفل ضمن مساحة لاتتسّع إلاّ لألميهما معاً.

أبحر في غابات عينيها، قرأ شيئاً من المكتوب. شعور غريب مغيّب أخذ يتناوب بالظهور متداخلاً مع مشاعر مبعثرة لاتماثل ايّة مشاعر. شيء من التوحّد مع عالمها ترجمته قواسم الهموم المشتركة، والتي بدأت ترتفع لتشكّل ركاماً.

شرقت بالدمع، وشرق أيضاً.. تسارعت خطا الزمان بينهما بشكل يدعو إلى الاندهاش. وصل نزيف كلّ منهما إلى الطرف الآخر عبر خطّ مستقيم غير ملتوٍ. أضافت إلى أشجانه أشجانها، وحكى لها عن ظروفه، وعن أيّامه، وعن حظّه العاثر.

رقدت يداها في يديه، ووضع رأسه على صدرها، وغمرتهما حالة من الدفء والسكينة والأمان.

قالت له:

- تعال نتجاوز كوابيس هذه اللعبة.

- وماذا بالنسبة للغد؟..

التمعت عيناها ببريق ليس له شكلٌ أو طبيعةٌ أو ديمومة.. شعّ البريق في أعماقه فيما يشبه الأمل..

بينما صوت انهمار المطر في الخارج يترافق مع صوت انهمار دموع السجّان الذي كان يجلس قرب باب الزنزانة.

 

 

تمرُّد

 

 

ذات صباح غريب، وفي ذمّة يوم مختلف كلّ الاختلاف عمّا سبقه من الأيّام، طرأ على عالم الحمار طاريء  لم يحسب له أيّ حسّاب... فقد نظّف أبو صطّوف وجه حماره، وجسمه، وقوائمه، ووضع فوق ظهره بردعة جديدة، واستبدل حبله بحبل آخر، وأحاط رقبته بطوق من أعواد الريحان المتضافرة. وزيّن الطوق بوردة. سارع أبو صطّوف الخطا، فسارع الحمار وراءه. تمهّل قبل القفز فوق الساقية، فتمهّل معه، تريّث في ظلّ شجرة الجوز العتيقة يدرج لفافة تبغ.. فتريث أيضاً.

" إلى أين يقودني أبو صطّوف؟!!.."

تساءل الحمار متوجّساً، ثمّ تابع وهو يحرّك رأسه نحو اليمين ونحو اليسار.. يقدّم أذناً، ويحرّك أخرى " لابدّ أنّه يسير بي إلى سوق الخميس ليبيعني !".

عند دكان واسعة وسط المدينة كان مستقرُّ المطاف.

تبادلت الحمير الموجودة هناك إشارات معيّنة، وعبارات ذات مدلول. نظراتها التي التقت صمتت عاجزة عن التعبير، وحالة الجمود التي سربلتها لم تتكهّن بشيء...

لكنّها، وكيفما اتفق، تحايلت على الإشكال، بالإذعان والطواعية، كما اعتادت حيال كلّ أمر.. إذ عرف بعضهم، وممّن يزورون الدكّان لأوّل مرّة، أنّ المكان يخصّهم، وعرفوا سبب الزيارة المفاجئة لرجل يلقّب بالبيطار.

أحضر الرجل مستلزمات العمل بدربة الصانع المتمرّس ماسكاً مطرقة صقيلة، شكلها ينبئ عن قوة تـأثيرها.

نادى بصوت خشن ممزوج بحشرجة تقتضيها المهنة:

- أعطني علبة المسامير ياولد..

ولأوّل مرّة، يشاهد الحمار وهو يخرج عن الطور، ويتجاوز حدود المألوف. بينما أكبر المسامير حجماً ينفذ إلى قائمته اليمنى، مارّاً بثقب مستدير في الحدوة المثبّتة فوق الحافر الذي غدا أملس بفعل معالجة أوليّة من آلة حادّة. تشنجّت أذناه. تصلّب ذيله. انبسطت الأرض به، ثمّ ضاقت، ثمّ زلزلت. رفس ونهق بآن، متسائلاً عن معنى أن يكون له حذاء تشبّهاً بالمخلوقات التي تسير على اثنتين، محتكماً إلى عدالة الطبيعة في هذا الموضوع. نهيقه النشاز أجفل زملاءه الذين ينتظرون دورهم للدخول.. تشتّتوا، تفرّقوا، أخذوا يعدون، وينهبون أرض الشارع نهباً، كأنّ الطير ابت أن تستقر فوق رؤوسهم، أو كأنّ جنون البقر قد بدأ ينتقل إليهم بالتناوب.

ساد الصمت في المدينة كما لم تصمت مدينة من قبل...

هدأت الأصوات. جمدت الخطوات الهادرة. غرق المكان كلّه في مهابة واحتباس أنفاس، انتظاراً لاحتجاج أكثر إفصاحاً.

- اصبر.. اصبر، فقد عهدتك من الصابرين..

ومن قلب المعارضة، واتّساع مساحة الدهشة، ومع تلاحق دخول بقيّة المسامير، في بقيّة الثقوب، انتقل الوضع من حال شديد، إلى حال أكثر شدّة، دون أن يكون لكلمات أبي صطّوف أيّ تاثير يذكر...

فقد حلّق في جوّ المكان شبح حمار راح يحارب بقوائمه الهواء بين إقبال وإدبار.. يرفع راسه ويخفضه كمن يؤدّي حركات بهلوانيّة مثيرة..

هكذا رآه الواقفون ضمن معمعة الغبار المتصاعدة، مائجاً كبحر.. هائجاً كبركان.. متوتّراً كحالة عصيّة على الحل... يناور حيناً، يهادن حيناً، يقفز فوق العضلات القويّة المتكاتفة في أكثر الأحايين.

تألم الحمار وتأزّم.. نظر بعينين حزينتين وهو يعود برفقة أبي صطّوف من حيث أتى.

كلُّ الأمور التي حدثت لم تكن متوقّعة.. فقد وردت أمامه خطفاً مثل حلم لم يوقظه منه سوى صوت الحوافر الحديديّة ترنُّ على أرض الشارع كإيقاعات رتيبة جنائزيّة.

حين سأل نفسه:

" لماذا الآن... وبعد هذا العمر..؟"

لم يسمعه أحد..

لكنّ التصرّفات التي بدرت منه بعد ذلك، تجاوزت حدود الأسئلة والكلمات، إلى فعل له ديمومة التمردّ المستمر.

 

 

القصيدة الفائزة

 

 

ساد صمت جليّ على القاعة حين اعتلى الشاعر أنور الفالح المنبر بثقة  وهدوء.

-" مساء الخير ياأهالي هذه المدينة الجميلة.. أنتم أصحاب ثقافة وأدب.. لذا جئت إليكم أحمل زوّادة، هي عصارة فكري، ونبض قلبي."

صفّق الحضور، توثّبت قسمات الوجوه، استنفرت الأحاسيس... وتأهّب الجميع لسماع قصيدةً" ذوبان" التي قدّم لها، وقدّم لصاحبها مدير دار " الإبداع "، مشيراً إلى فوزها بالمرتبة الأولى، من بين مجموعة كبيرة من القصائد المشاركة في المسابقة المعلن عنها سابقاً.

أذوب.. أذوب

كرنفال يمرُّ

تهرق زنبقة..

لمن المنابر أورقت؟

أنا لست خنزيراً بريّاً..

ولا زجاجة حبر..

في ساحتي" عربشت

مواسم القحط

ونمت القبيلة..

تململتُ في مقعدي. التفتّ إلى يميني، ثمّ إلى شمالي..تفاءلت وأنا ألمح بصيصاً من التوثّب ما زال عالقاً على الوجوه، وبعض نأمات انتظار، للآتي من فم الشاعر، الذي تصدّرت صوره ومقابلاته الصحف والمجلاّت، فكان معه الحوار تلو الحوار، واللقاء تلو اللقاء.

ياغابة من الفستق الحلبي..

ياامرأة..

زلزلت الأرض

أرعدت السماء.

ناقوس يدقّ

شوارع حبلى

لن يدخل الوقت من سم الإبرة..

لن يدخل..

ابدأً.. ابداً..

اغتاظ أحد المتعصّبين للشعر العمودي. سعل سعلة مقصودة كسرت جليد الصمت. بدأ يوزّع نظراته المستنكرة على الجميع بالتناوب، وهو يقول همساً:

" هل فهمتهم شيئاً؟.."

ثمّ يرفع راسه بالنفي مجيباً عن سؤاله بنفسه. شعوره اللامتناهي بالغيظ شاركه إيّاه شخص آخر كان من أنصار شعر التفعلية، وراح يردّد:

-" هذا ليس شعراً.. هذا ليس شعراً..".

حالة التأفّف تلك  لم تطل، فقد أنقذها من ورطتها رنين هاتف مجلجل أقبل من غرفة المدير الخاصّة.

نهض الأستاذ نعمان، وعلى سيمائه علائم غير مقروءة، وغير مفهومه :

- ألو.. من.."..

- أنا أبو ميسّر

وقف المدير بوضعيّة استعداد حال سماعه للإسم.

- أهلاً.. أهلاً أبو ميسّر كيف الحال؟.. كيف الصحّة" كيف ؟.. كيف؟..

- بخير، بخير.. لكنّني عاتب عليك يارجل.

- لماذا؟.. كلُّ شيء يهون إلاّ غضبكم... أنتم تاج راسنا، وأولياء نعمتنا.

- " لقد سمعنا أنّك قد أقمت مساء أمس حفلاً فنيّاً ساهراً بمناسبة مرور عام على تدشين مبنى الدار، وكان المغني" فصيح الأخرس".. هو بلبل السهرة- وأنت تعرف كم أنا مغرم بصوت هذا المطرب.. فلماذا لم تدعنا؟.. لو كنت فعلت، لجلبنا الزوجة والأولاد وجئنا نتسلّى.."

جمد الأستاذ نعمان في مكانه، ولم يستطع أن يجيب.. ولواستطاع لقال له:

-" لقد أرسلت إليك عشرات البطاقات من أجل حضور أمسيات وندوات ومحاضرات ثقافيّة... لكنك لم تأت، لذا أحجمت عن دعوتك".

اعتذر المدير عن تقصيره غير المقصود.. اعتذر كثيراً، ووعد بأنّه لن يكرّر فعلته الحمقاء بعد اليوم... ثم عاد إلى مقعده يتابع ما تفضي به قريحة الشاعر:

رجع الصدى آت..

يتسلّق التلعات

يعبر مفازات الرؤى

من منكم بلا خطيئة

فليرمها..

أذوب.. أذوب..

فالقرنفلة أشرفت على

الانتحار

أذوب.. أذوب

وأرضع لبن الشماتة

واشتمُّ رائحة الملل..

حالما خرجت كلمة" ملل" من فم الشاعر " الفالح"، كان نصف الجالسين على أهبّة النهوض، بينما النصف الآخر يتأرجح ما بين النوم واليقظة.. وهاهو جاري " أبو سليم" يغطُّ في نوم عميق كعادته، حتى لكأنّ شخيره يطغى على مخارج حروف القصيدة، فلا أكاد أفهم ما أحاول فهمه.

-" ما دمت تنام في كلّ مرّة، فلماذا تأتي ياعمّاه؟"

-" لعن الله السكرّي.. هو السبّب.".

خيبة أمل اعترتني، أحبطتني، شدّتني إلىأسفل، وأنا أرى القاعة المهيبة الرحبة خاوية الوفاض إلاّ من بعض القلّة المهتميّن، والذين باتوا يعدّون على أصابع اليد.. لماذا؟.. وما الذي حصل؟.. وما هو السبب؟... لا أحد يدري.. وربّما يدري، وهنا تكمن بذور المصيبة. سقى الله الأيام الخوالي، عندما كنّا نذهب إلى المراكز الثقافيّة لنحضر أمسية أو محاضرة فلا نجد لنا كرسياً نجلس عليه، فنضطر للوقوف كي لاتفوتنا نعمة الإصغاء.

صرخة قوية أخرجتني من حالتي، فأوليتها الانتباه:

بم.. بم.. بم..

سمعت دويّ الأقحوان

صعد الرجل إلى السماء،

أمطر امرأة..

بكت..

من يزود؟...

أنا عنترة الزمان..

ولا زمان.. ولا زمان..

عند نهاية القصيدة، فوجيء الشاعر بخلوّ القاعة.. لم يجد من يصفقّ له، فصفقّ لنفسه، ونزل عن المنبر، بالثقة ذاتها التي اعتلاه بها.

 

 

الشمس لاتشرق كلّ حين

 

 

عندما انفتح الباب، نفث البيت رائحة عفن قديم..

دفع صابر عربته وصاح:

- تعالي يارضيّة.. أين أنت؟..

هرعت الزوجة ملبية النداء، تساعده على إدخال أشيائه التي عادت معه بعد عناء يوم طويل.

فوق مصطبة الدار، جلس صابر متكئاً، ورضيّة إلى جانبه، بينما ظلال الحزن تزحف رويداً، لتغطيّ مساحة وجهها الذي ملّ البقاء..

بادرت بنبرة أسى:

-" رحم الله أيّام زمان" وقت كانت الشمس تزور هذه الدار كلّ يوم..".

- لكنّ إحساسنا الحقيقي بها ما زال باقياً ياعزيزتي.

لم تستطع  أن تستوعب مدلول كلماته.. فقط رفعت رأسها إلى الأعلى لتتابع:

- هذه العلالي مخصوصة بمخلوقات سوانا.. أمّا نحن فجدير بنا أن تأكلنا الرطوبة حتىّ الموت.

عرف قصدها، ومرمى قولها... تريده أن يرحل كما رحل جيرانه وذووه.. قبضوا اثماناً باهظة، ثمّ اختفوا...

أمّا بيوتهم، فقد هدمت ليشاد مكانها أبنية ضخمة تكاد تناطح السحاب.

صحيح، أنّ المنزل صار قديماً جدّاً، وصغيراً جداً بالنسبة للعمارات المحيطة به... وصحيح، أنّ هذه العمارات قد سرقت منه نور الشمس إلى الأبد.. لكنّه لن يبيع.

فكم لعب بهذا المنزل وهو صغير..وكم جلس  على هذه المصطبة ونام.. وكم غازل الفراشات ونادم أطياف الحمام. تطلّع إلى الخلف، ومن خلال النافذة واجهته صورة أبيه، فرآه ذا سكينة ووقار، وعلى جبهته قرأ سطوراً لاتحصى عن عراكه مع الأيّام.

***

حين يأتي النهار متراخياً إلى جفني صابر، ينهض من نومه. يغادر داره متجاوزاً الدرجات الخمس...

الأولى، الثانية، الثالثة.. عند الرابعة يتمهّل..

من باب الدار، إلى الشارع.. ومن نهايته المتفرّعة الاتجاهات يمشي إلى وسط المدينة. تتكشّف له السماء.

يخترق النور خلاياه، مخزّناً جسمه الدفء اللازم لاحتمال رطوبة البيت الذي سيؤويه حين يعود.

رحلة العربة اليوميّة بالنسبة إليه كانت بهجة تغلّف حياته المجرّدة من اللون.. ولا يزوره الارتياح إلاّ هناك، في تلك الأزقّة الرحبة رغم ضيقها.

حين تطأ قدماه  أوّل الزقّاق يتوهّج بحبّ متقّد، وتتوارد إلى شفتيه أطياف ابتسامات لاعدّلها، وتبدأ أغنياته الشعبيّة بمطالعها المألوفة، يترنمّ بها على حاجياته التي يحبّها الصغار.. فيخرجون من بيوتهم كنحل يندفع من خليّة.. الفرحة تضوع على ألسنتهم، وتغرق عيونهم بالسعادة.. يرفعون رؤوسهم الصغيرة، واللهفة ما تزال تعابث أفواههم:

- ماذا أحضرت لنا اليوم ياعم صابر؟..

- هل أتيت بما وعدت البارحة؟..

ويجيب صابر على تساؤلاتهم. تتعانق أصابعه مع أصابع كلّ يد تمتد إليه. ينسى نفسه بين الأطفال، وهو يضغط على أكفهّم الطريّة.. يتقاذفه حب كبير، بينما القطع النقديّة تتسابق إلى جيبه، حيث يمضي وهو يعرف إلى أين.

****

سرت في أوصاله رعشة، تحوّلت شيئاً  فشيئاً إلى رعب حقيقي. وقف لايدري ماذا يفعل. كان الانتظار عقيماً جداً، وصعباً جداً. عالج ابواب الغرف جميعها فتحها باباً إثر آخر. نادى زوجته كما تعوّد أن ينادي كلّ يوم، لكنها لم تجب.. فقط ردّدت  الغرف الحزينة صدى صوته الأجش:

- رضيّة ... اين أنت؟!..

عاد إلى الطريق.. تطلّع بغير هدى.. واجهته أبعاد مستحيلة لرؤية ئائهة النظرات. أحسّ بوجع يتورّم في داخله.. مرّت ساعات ورضية لم تحضر.

اتجه صوب الغرف من جديد.. فتح ابوابها ثانية..

ثمّة بقع كالحة الألوان، وخيالات مختلفة الحجوم، تتوزّع فوق الجدران. احتضن صورة ابيه بعينين متوسلتين.. حاصره همٌّ إضافي:

- ترى.. من أين يأتي النور؟..

زجاج الصورة يعكس ضوءاً يتسرّب إلى الداخل حز مة متعرّجة، ويعانق حيّزاً من ارجاء الغرفة.

استغرب الأمر... زاد استغرابه أكثر عندما رفع رأسه إلى الأعلى.. لقد بدا له سقف الغرفة بقسمين مختلفين، كلّ واحد يحاول الابتعاد عن الآخر.. والنور الذي يتسلّل، مصدره شق واضح هناك.

عبر دهر، وصابر لايزال متيبساً في مكانه.. القسمان ينأيان، والشرخ يكبر، والنشيج في قلبه في تنامٍ.

أطبق جفنيه..

المباغتات كالسيوف تحيط به.. يريد أن ينجو منها على عجل، فيرى أيّامه وقد عادت إلى ما كانت عليه، تصالحه، وترفق به.. لكنّ الجدران ذات البقع الكالحة الألوان.. لم تترك له وقتاً كافياً لتحقيق الأمنيات. فقد بدأت بالتداعي.. بينما أعماقه تتمتم تحت الركام:

" لابدّ أن الشمس أرادت أن تزورنا كلّ حين.."

 

 

زائر مع سبق الإصرار

 

 

يوم دخل بيتنا.. يوم داس عتبة أعناقنا، كان النهار شاحباً، والوقت غائماً. داهمنا بغته.. أقبل على عجل.

لم ننتظر مجيئه، ولم نفرد وجوهنا مساحة ودًّ لاستقباله، ولم نرفعْ لأجل عينيه راية الودَّ والقبول.. حاربناه.

شهرنا ألسنتنا سياطاً عليه.. قلنا له بصريح العبارة:

- اخرج من هنا.. نحن لانريد يدك.

هذا ما حصل في البداية.. أمّا فيما بعد، وعندما تجاهل شعورنا، وضرب عرض الحائط برضانا، واستشرى بيننا كهمّ ثقيل.. عندما فعل هذا كلّه أقمنا عليه الحد، وقرّرنا بالإجماع- نحن أفراد الأسرة- محاربته دون خوفٍ أو خجل.

انقضت ساعات، تلتها أيّام، كبر فيها حقدُنا عليه..

حتىّ صار تلالاً لاتزحزحها ريح، ولا تنقصها، بل تزيدها جاماتُ الغضب المتتالي صلابةً وصلفاً. إذ لم تنفع أشاحةُ الوجوه، ولا الترصّدُ، ولا المباغتة، كان الزائرُ يدخل ويخرج على هواه.. يتوسّدُ الأرائك ويفترش الموائد، ويرقّص شاربيه الأسودين كمن يترنّم بأغنيةٍ حديثةٍ عصيّةٍ على الهضم، ثمّ يلقي تحيّة المساء ويمضي.

أهلُ المنزل جميعاً، يضعون رؤوسهم- كلَّ ليلة - على مخدّة الغد وينامون، وهم يحلمون بصباح جميل خال من الغرباء.

أهل المنزل جميعاً ينادون الوسن، فيأتيهم طيّعاً أليفاً، دون تعب أو معاناة...

وحدي فقط.. استجدي الراحة فلا تبين..

عاداني الرقاد، خاصمني.. صارت بيني وبينه جفوةٌ، وبيني وبين الأرق صحبةٌ وحوار.. فأنا ومذ تعرّفته، تغيّرت أحوالي، وتبدّلت طباعي، وتعطلت أعمالي..لا ليلي ليل، ولا نهاري نهار. أعصابي متشنجة.. نظراتي هائمة.. في قلبي علّة، وبرأسي دوار.. سئمت الحياة، ونأيت عن الطعام، حتىّ هزلت، واختار الشحوب صفحة وجهي مسكناً له.

- عصام.. إسمع.. الليلة بالتحديد يجب أن ننتهي من هذه المهزلة، وإلاّ غادرت المنزل، ولن أعود حتىّ تجدّ حلاً لما يجري.

تأفّف زوجي. ضرب كفّاً بكفّ. صرخ بوجهي للمرّة ما بعد العشرين، مؤكدّاً أنهّ أكثرُ قلقاً منيّ، وأنّه يتمنّى طردَ الغريب اليوم قبل الغد.

لكنّه عاد إلى هدوئه وحازماً أمره من جديد، آخذاً بعين الاهتمام موضوع مغادرتي للمنزل إذا لم تحسم المشكلة المعلّقة.

ابتسمت لذاك لقرار.. فلا بدّ من وضع النقاط على الحروف، ولابدّ من رفع الصوت أكثر، ليس الصوت فقط، فالكلامُ لم يعد يجدي..وإنّما العصا الغليظةُ التي أُحضرتْ كدواءٍ ناجع لزائر البيت الثقيل، بالإضافة إلى عصيّ أخرى كانت تمسكُ بخنّاقها قبضاتٌ صغيرةٌ أجبرت على ذلك الفعل بتأثير من الأب الذي لايريد أن يأخذ أولادُه الجبنَ والخوفَ عن أمِّهم، والذي كان يردّد:

- ما دمتم تتبعون خطاها.. فلن تفلحوا!

ويقصدني أنا... وأنا لم أكن أتذمرُّ من كلامه، ولا أتأفّفُ، أو أشكو.. فهي نقطةُ ضعفي، وعقدةٌ حمّلتني إيّاها الطفولةُ... ومعه الحقُّ، الحق كلُّه في تأنيبي، ووصفي بالجبانة، ما دام الأولاد يتأثرّون بي، ويتصرّفون على شاكلتي حيال الطواريء التي تداهم منزلنا بين حين وحين.. مثله، مثلُ أيّ منزلٍ في الدنيا.

لزمت فراشي تلك الليلة، أغلقت بابَ غرفتي خوفاً من وصول الغريب إليها، وإنْ كنت قد تأكدّتُ من وجوده في المطبخ. عرفتُ ذلك من صياح ابنتي الذي ارتفعَ بما يشبهُ الزعيق.. فكأنَّ الدقائق الأخيرةَ له كانت تلفظُ أنفاسها، وكأنّ ساعةَ النهايةِ قد أزفت.

فقد بات وجه الدخيل والعصيُّ في تقابل مباشر...

ضربةٌ من هنا، وأخرى من هناك صنعتْ جلبةً..

لم تكن الضرباتُ تصيبُ، لكنّها ترعبُ، تهوّلُ، تصدرُ ضجيجاً وجعجعةً، وإن لم تصلْني بوادرُ الطحن بعد.

استطالَ الزمنً.. استطالَ كثيراً.. وهاهو موعدُ انبلاجِ الفجر على أهبةِ المجيء.

معقول؟!.. حتى الآن لم يستطيعوا إخضاعه!...

إنّه واحدٌ، وهم أربعةْ..

نضبتْ الدماءُ في عروقي. جفَّ حلقي، واعترتْني رجفة..

فالمعركةُ لم تؤتِ أكلها، وزائرنا ما زال يناورُ، يخاتلُ، يشاكسُ يراهنُ على مشروعيّة وجوده، يتشبّثُ بالمكان إلى حدِّ الاستماتةِ.. إنهُ يفضّلُ الموتَ على أن يخرج مستسلماً.

" لماذا.. يامن اغتلت أماننا، واعتديت على هدوئنا، وشوّهت أقّانيمَ حياتنا؟... يامن سمنتَ على حساب طعام أطفالنا، وسدتَ بتفريقنا، وأتيتَ على هناءة عيشنا. قد يستطيعُ الباقون تجاهلك، وقد يتأقلمون مع طبيعة حضورك.. لكن أنا.. لا.. إنّ القلق منكَ ومن أمثالكِ واشباهِك يشتّتُ طمأنينتي، وينغّصُ راحتي، ويبعثُ في نفسي الكدر. لاتسعدُني رؤُيتكِ، ولا تروق لي تصرّفاتُك الزئبقيّةُ، ولا أستطيعُ التعوّدَ عليك..".

ما زال المطبخُ عامراً بالعراك، ما زال أبطالُ المسرحيّة في تحفّز وتوتّر. إنّني استشعرُ عن بعدٍ احمرارَ وجناتهم وأطرافِ آذانهم، ,أحسُّ بالتهابِ حناجرهم، وازرقاقِ شفاهِهم، وارتعاشِ أهدابهم، وارتجافِ قلوبهم.

إنّني ألمحهُم، وقد وصل بهمُ اليأسُ حدّاً جعلني أتأكدُّ من  انحسامِ النتيجةِ لصالحِ الغريب، وفوزِه، وبقائهِ وتثبيتِ مواقعهْ. كيف أطمئنُ، وأنا اسمعُ خبطَ الأبواب، واصطدامَ الكراسي، واحتضارَ الصحون والكاساتِ واحدةً واحدة.

 عقبَ تفاقمِ تلكَ الحالِ، وبعد أن بلغَ التشنجُّ منيْ مبلغه التامَ، وكدتُ أصابُ بقنوطٍ كاملٍ سدَّ في وجهي سبلَ الانفراجِ... انتبهتُ أن سكينةِ مريبة قد سيطرت على الجو، هي إلى سكينة المقابر أقربُ.

الصمتُ لم يطلْ، عقبهُ هرجٌ ومرجٌ وضحكٌ عالٍ، ودعاباتٌ متفرّقةٌ. رفعت الغطاءَ عن وجهي.

رصدتُ أحاسيسي وجوارحي كلَّها لخدمةِ تلكَ اللحظةِ، وكان لي ما أردتُ:

- ماما.. ماما.. لقد قضينا عليه.

فتحت البابَ، سرّبتُ من انفراجته البسيطة نظرةً فيها شيءٌ من الوجلِ والترقّبِ.. رأيت وجوهاً صغيرةً أضناها العراكُ، ولمحت عصاماً وقد وضع" الجرذَ" على محفّةٍ من الورق المقوّى قاصداً بابَ المنزل لرميهِ في الخارج، متشفّياً منه بكلماتٍ تفوحُ منها رائحةُ الشماتةِ.

في تلك الأثناءِ.. كانت قدماي تؤوبان إلى السرير بخطا متهالكة، تسترجعان ذكرياتٍ موجعةً لأيامٍ خلت.

 

 

معادلة

 

 

في الزمن الأوّل

وقف الرجل على قمّة الجبل، يعانق السماء، ويمسك بذؤابات الأفق. وتمتدُّ يداه تفتحان نافذة مغلقة...فتهطلُ مُزنٌ لم تتقن التهطال من قبل. وينظر الرجل إلى اسفل، فيرى الأشياء كلّها نقاطاً صغيرة تتحرّك.

وبينما هو فوق، يدندن أغنية العلا، ويحكي أسطورة الرجولة الخالدة، حانت منه نظرة ثاقبة تمشّط عمق الوادي، فلمحها.. كانت المرأة تتوضّأ بفيض الألق، وتوشّي جناحيها بطهر النهار، وتلوّن قلبها ببهاء قوس قزح، وتواري مفاتنها بظلال السكينة الوارفة، وتلملم زهور الأقحوان لتصنع منها وسادة للمبيت.

ناداها.. لم ترفع الطرف إليه. كانت مشغولة بحبّها لذاتها، وشغفها بطيوف الرؤى.

تابع النداء :

“ أيّتها الأنثى.. أنت منيّ، ومن ضلعي ولدت، ومن كينونتي صرت، ومن صنعة اصابعي تشكّلت، ومن روحي خرجت روحك، فاصعدي إليّ، آمرك في هذه اللحظة أن تصعدي إليْ."

 خفقت المرأة بجناحين من عبير. تابعت الهدهدةَ والرفيف ومحاكاة الفراش. كان الصمت يجري هادئاً  عميقاً في مملكتها.. تركن إليه، وتجول ضمن فضائه، وتنام على زنده حين يدهمها الكرى.

أفزعتها الصرخة الإنسيّة المفاجئة، زلزلت قدسيّة عالمها. أدهشها الصخب المدوّي..

" آمرك أن تصعدي إلى"،

في الزمن الخامس

غادر الرجل القمّة والفسحة الرحبة، ونزل إلى منتصف الجبل. كان كلُّ شيء يشدّه إلى اسفل. من هذاالموقع يستطيع أن يراها بوضوح، وتستطيع هي أن تسمعه بوضوح. وميض الرغبة الجموح يحيط به، يحوم يحوم، ثمّ يستقرُّ قريباً من فردوسها. وأوردة قلبه تنضج فيها مواسم الحب ساخنة مزهرة.

تابع المسير، فتوالى على مسيره ألف ليل، وألف نهار، وألف مدى يوحّد الأرض بالسماء، ويهصر المسافة المتبقيّة بينه وبينها. القمّة صارت ظهراً له، والسفح أصبح صدره، والخطّ غير المستقيم يتلوّى يميناً ويساراً، وبين الجهتين تمتد برك وجداول وبساتين، وتنتصب أعواد عملاقة من قصب السكّر. وصل الرجل إلى قلب الوادي.. كانت المرأة هناك ما تزال تحتفل بأعياد العصافير، وتتزنرّ بالقصائد.. تحمل على جناحيها قرنفلتين.. الأولى بلون الشوق، والثانية بلون الصباح.

قال لها:

" ياأميرة الوادي.. يادفق الأنوثة.. أيّتها التحفة النادرة ها أنذا نزلت إليكِ.. تركت جبروتي وقوّتي وعزّة نفسي، وأتيتك طائعاً صاغراً مستسلماً.. أحمل ولهي، وخزائن نفسي الحبلى بحقول القمح.. ما أسعدني اليوم بلقياك، وأنا أتنسّم طيب أنفاسك، وألمح نمنمات وجهك، وأتعرّف طقوس يومك عن قرب.".

جاءها صوته هذه المرّة أكثر ضعفاً وتوسّلاً، وأكثر غنىّ وصدقاً. رفّت قليلاً، استدارت صوبه، رقصت رقصة معيّنة أذابت بعضاً من ثلوج التمنّع لكنّها عادت تواصل الطيران، رأسها باتجاهه، وجناحاها إلى الأمام.

في الزمن ما بعد العاشر

تكثّفت ساحة الشعور بينهما فاجتمعا. عند أحد مفارق الطرق التقيا. أقيم عرس، وضجّ مهرجان، وارتفعت راية بيضاء. بعد أن كان اللهاث خلف المرأة قد أضناه، وهدّ حيله.. وبعد أن ذهب من العمر أغلبه، وابتلعت الشعرات البيضاء جلّ مساحة الرأس، والسنوات جلّ مساحة الشباب.

" لقد قضيت الأيّام أعدو وراءك، أقطع المفازات، وأجتاز التخوم، وأطوي الطرق الجبليّة الوعرة.. وقد آن الأوان كي تلتفتي إليّ.. إلتفتي، أجعل مشيئتك شريعتي سحابة الحياة، وأظلُّ خاضعاً لك طول الزمن." لشدو المناجاة رقّت، وللأحلام البشريّة الرائعة رفعت هامتها الصغيرة، وللحب الحقيقي أصبحت ليّنة وديعة، فاسدلت جناحيها،  ضمّتهما إلى صدرها، وشيئاً فشيئاً راح يضيق، يضيق ما بين الكتفين، حتىّ اختفى الجناحان تماماً، ونبت لها قدمان جميلتان مشت بهما إليه.

في الأزمنة اللاحقة..

كان الناس يشاهدون الرجل يطير، والمرأة تركض خلفه.

 

 

أحزان عبد الرحمن

 

 

عندما تحرّكت ساقاه باتّجاه المحطّة، كانت المدينة التي غادرها جائعة للابتسام، نام الفرح فيها، فانتعشت الكآبة، وبعثرت أحاسيس ملونّة. وهجعت الطمأنينة فعاث اليأس وصيرّ أحلامها كوابيس.

لم يحتمل.. ثمّة خيط من الدموع وجد طريقاً يمرُّ من خلال الأخاديد التي حفرها الصبر.. وبين لحظة متوّثبة وأخرى، يتحوّل بفعل غائب حاضر إلى ظل باهت يركض، وتركض خلفه السنون. فجاءة.. انحسر وجه الشمس عن خارطة بألوان عربيّة تفصل رقاعها حدود أو شبه حدود. أحسّ بتفاقم الوجع يهبط فوق جرحه، ويحفر غصّة بحجم الوشم. اقترب عبد الرحمن من الخارطة، ألصقها ببؤبؤي عينيه، فرأى البحر غير البحرّ والسماء غير السماء. قلّب جهاتها، فأتته الأنباء فيّاضة بالانكسار، يلفظها مذياع عجوز ضمن مقهى مثقل بالثرثرات.

تحسّس جواز سفره بلهفة شديدة للابتّعاد، مخلّفاً وراء ظهره سنوات كليلة، وكماً من القصائد المبعثرة، ليبصر فيما يشبه الوجد مدناً ندية المزاج، وبحاراً تتسابق لاحتضانه.

يغرق في التماهي...

" لماذا تكون الساحات هناك مضيئة ورحبة؟.."

نادته في أثناء العبور إلى المحطّة امرأة أحبّها، على وجهها مسحة من تفاؤل:

- يا... لاتسافر‍..

نسيت اسمه، فقد كان معلّقاً على عمود في الشارع بجانب أسماء مصلوبة هناك.

بعض الحب الذي أرسلته المرأة لم يصل إليه، بعثرته الريح، فتلقّفه الفراغ المنهك، ودخل حيّزاً بعيداً عن قوّة التلقّي بمسافة لم يكن جوّها يحتمل سوى حلم السفر.فوق مقعد خالٍ وسط ردهة المحطة، جلس ينتظر دعوته للرحيل. في تلك اللحظة، كان عبد الرحمن يعبر بذاكرته إلى سنين جرّت أذيالها ومضت، عاد خلالها مساءً إلى بيته.. ألقى عباءة أوراقه وقصائده، وادوات كتابته، وراح ينشد أغنية شجيّة. حين سمع جاره الأغنية اصابه الأسى، ,اصابت العدوى الحارة والحارات الأخرى، ومن ثمّ المدينة بأبعادها المشمولة برعاية الحزن.

عرف حكيم الزمان ما حلّ بعبد الرحمن، وأهل بيته وجيرانه.

تناول أفكاره ورجاحة عقله ومجلّدات حكمته، واستحضر مرايا تبصرّه.. لكنه في النهاية، عبرّ عن عجزه عن التأثير، وإعادة الأمور إلى أمكنتها.

وأطرق الطبيب النفسي رأسه مستسلماً لعدم مقدرته على وصف دواء ناجع لذلك المرض العضال.

وقالت عرّافة البلد:

" إنني لا أملك نبوءة محدّدة لمثل هذه الوافدات التي تقبل  على عجل..".تكرّست الحالة، واستعصى الهمُّ، وباتت الغبطة أمراً صعباً يندرج ضمن قائمة المستحيلات...

وبغتة، وبشكل ملفت للانتباه، خارق للوضع الراكد، تناثرت في فضاء المحطّة ضحكات أطفال  صغيرة ومتناغمة كاهتزاز أوتار عود. الضحكات العابرة ظهرت على مرآة الحكيم، وعلى طاولة الطبيب النفسي. وحرّكت بطن العرّافة فيما يشبه المخاض....

ما حدث ترك على وجوه الناس ومضاً، لم يعرف أحد حتىّ الآن مداه أو قوّة تأثيره.

 

 

غرفة رقم 13

 

 

كان يحدجها بشكل مريب.. نظراته غير محبّبة، وكذلك ابتسامته ذات اللون الفاقع، وطريقة شربه للشاي ووضع اللفافة بين شفتيه الغليظتين، والنكات السمجة المرافقة لقهقهاته، وقهقهات الشلّة من حوله، والكلمات المقصودة التي يرميها بها بين الحين والحين.

حملت ندى أشياءها ونهضت دون أن تلتفت إليه.انتحت جانباً آخر من البهو الكبير. جلست تتصفّح جريدة كانت بحوزتها....

الكلُّ من حولها يصخبون، يشوّشون.. أقدامهم تروح وتجيء، تغادر وتدخل.. تصعد أدراجاً، تهبط أدراجاً.. وحديث مبعثر عن هموم الأدب بشكل عام.

هذا اليوم للتعارف فقط، ومنذ الغد يبدأ برنامج المهرجان الذي أعلنت عن إقامته جريدة السؤدد الفكريّة تشجيعاً للمواهب والإبداعات.

الرجل ذو الابتسامة الفاقعة، لم يدع ندى وشأنها، ترك شلّته ونكاته، ولحق بها منضمّاً إلى شلّة أخرى قريبة منها. رفع صوته بالحديث كي يشدّ الانتباه ... واجهته بعدم الاكتراث كحالة لاتعنيها.بعد قليل جاءت صديقتها سمر، وكانت قد غادرتها لبعض الوقت. ألقت التحيّة وجلست.نُبّهت  بصوت خفيض إلى ثقيل الظلّ الذي  يجاورهما.

- لاتنظري إليه، ولا تعيريه أيّ اهتمام.. فهو يلاحقني منذ أتيت.

ضحكت سمر ضحكة ساخنة، ولم تعلّق بشيء.

تابع" سلطان"- وهذا هو اسم حبيب الغفلة الذي لايملك من اسمه أيّ نصيب - تابع استعراضه وفضوله، وحركاته البهلوانية، ومضايقاته التي لا تنتهي.. فأينما يّممت ندى وجهها كانت تراه قبالتها، ينشر ضمن مناخها ذرّات الدبق والاشمئزاز، ويحيط دائرتها بكابوس مقيت، ظانّاً أنّه خفيف الوقع على الآخرين، وهو بالتأكيد.. من أكثر المخلوقات التي ولدتها الأمّهات فظاظة... وعند تذكّر الأمّهات تواردت لذهنها صورة والدته، فرثت لحالها، مستغربة كيف استطاعت هذه المرأة أن تلد مثل ذلك الطبل المتحرّك.

- غداً سأقرأ قصّة لم تسمع بمثلها.. لابدّ أنّها ستعجبك وتعجب الآنسة.

أعرضت بوجهها عنه، وهو ما يزال يقترب منها، بينما يخاطب زميلاً له. زكمت أنفها رائحة تبغه الممتزجة برائحة عطر كريه. هربت على الفور إلى الحيّز الذي يعلّقون فيه مفاتيح الفندق. ناولها الموظّف مفتاح غرفتها التي طالما ناورت كي تمكث فيها وحدها.

خطواتها السريعة على الدرج تعقّبتها خطوات لها وهج المباغتة والاقتناص.

كانت الغرفة مرتّبة جميلة... وأجمل ما فيها أنّها تطلُّ على البحر مباشرة. تنفّست الصعداء.... بينما عيناها تقبّلان الليل المسفوح أمامها بحبّ ورغبة..يعانق البحر أعماقها، يمحو قرفها وقزازة نفسها....تشعر بالأمان... البحر عظيم قوي، وهي لاتحبُّ سوى الأقوياء. ترفع هامتها، تتطاول قامتها، طرق خفيف على الباب.

- من..؟.

وظنّتها سمر جاءت تشاركها قهوتها برفقة البحر..

لكنّ القادم لايجيب، يتدثرّ صوته بشوك الصمت.

توالت الطرقات، وتوالى تهدّج الدهشة، وسيطر على الجوّ تحفّز من نوع خاص... وفوراً تنبّهت، توثّبت مثل لبوة.. تذكّرت الخطوات الطائشة التي تعقّبتها على الدرج.

-" لابدّ أنه سلطان.. ترى، ما الذي يبغيه هذا الأهوج؟".

استلقت فوق السرير. أسلمت نظراتها إلى تشاغل متعمّد توزّع بين الأثاث البسيط، والستائر الزرقاء، وحدقتي الليل المتسّعتين

ماذا ستفعل ؟ وكيف تواجه ذلك المتسلق جدار أوهامه؟... هل تفتح الباب؟.. أم تنتظر أن يملّ ويمضي لحاله؟.. وإذا لم يفعل.. هل تتشبّث بالصراخ؟.. ومن يسمعها سوى فضاء الغرف الخاوية؟.

أطبقت جفنيها على قلق وحيرة. نازعتها أفكار مرعبة، وهموم  شديدة العصف كنوء غادر.

" ربّما لم يكن سلطاناً.. ربّما كانوا آخرين على شاكلته.."

تقاطرت الأشباح البشعة إلى مخيّلتها، تواردت متقاربة متباعدة، متآلفة متنافرة، جاءتها من عطفة العمر، فأصبح الوقت بلون الرماد.. هي الهاربة ابداً...الباحثة عن حضن أمان.. عن صدر تسفح على مساحته غصاتها، وتلقي بين ضلوعه بقايا وجع.

- دق.. دق.. دق.. دق

لم تعد ندى تجيب. ابتلعت الكلام ومعالجة الحروف.

غيّبت معالمها ونهايات أطرافها. تغلغلت بين الغطاء والفراش. انزلقت إلى أسفل.. بينما صفير الفراغ، وصرير الأبواب، وأنين الرهبة يتسّرب إليها مع الطرق اللحوح. ينفذ إلى خلايا تفكيرها، يخترق حرمة أعماقها. يرسم أشكالاً هيكليّة لأشخاص حاربوا صباها، وحاصروا بواكير تألّقها، وأجمعوا مع القبيلة على وأد بزوغ فجرها .... فيوم نمت في قلبها فكرة الخروج من المستنقع قالوا:

" يجب أن تبقى هناك برفقة الجنادب وضفادع المياه الآسنة"...

ويوم عرفوا دبيب الإنسان في دمها، دعوا لاجتماع عاجل أسفر عن قرارات معيّنة.

حين تذكّرت شخوصها تلك، تذكّرت قتلة ومجرمين وسارقين وسفّاكي دماء.. وقرأت شيئاً مهمّاً في سفر تاريخهم.. فهم من الذين لايتباهى الزمان بهم، ولا تعترف بأمثالهم سوى الغابات، وحفلات التنكّر، والزيف والأقنعة.

" لابدّ أنّهم وراء هذا الحاضر، يحملون خناجرهم وسكاكينهم...سيمزّقونني إرباً، ويقذفون بي إلى حيتان البحر.... ايّها البحر، إغسل أحزاني وأدرانهم، فأدرانهم مرض عضال مستحيل الشفاء.".

شعور الاختناق يخاتل أنفاسها، وحالة الاستعداد للمواجهة بدأت تتسلّل إلى أوصالها.... فالساكن خلف حدود الصمت لم يصمت.. ما زالت يداه تضربان رأسها مثل مطارق متوحّشة، ما زال يؤكد لها بإصرار مطلق على ثباته، وعدم تراجعه.

حملت أشلاء قامتها.. نهضت.. مشت على رؤوس اصابعها.. تلمّست طريقها المصبوغ بالخوف، لم تصدر أيّة إشارات توحي باتجاهها إليه. ألصقت عينها بالعين السحريّة المثبّتة بقامة الباب على مستوى النظر...رأته.. أجل رأته.. كان وجهه أكثر بشاعة ممّا توقّعت، تتجاذبه الجهات الأربع، فيبدو مستطيلاً، ثمّ مستديراً، ثمّ مربّعاً، ثمّ يتلاشى رويداً رويداً حتىّ يمحي تماماً.

ناوشتها مشاعر جديدة مستعصية على الفهم.

استنجدت بالبحر، مدّت إليه إحدى يديها، بينما أصابع كفّها الأخرى تحاول معالجة المفتاح على عجل.

في تلك اللحظة، وبشكل غير متوقّع.. هبطت إليها من علٍ سلة فيها انفراجة مفاجئة دعّمت موقفها.. فقد وافاها الواقع بأنباء تشير إلى أن الجميع قد بدأوا بالتوافد إلى غرفهم بعد أن داعب الوسن الجفون....

" تصبحون على خير"

" تصبحون على خير"

عانقت وجهها ابتسامة يتيمة، وهي تنصت إلى تبادل عبارات الوداع قبل  النوم. تشجّعت من جديد. اندفعت إلى الأمام بكلّ هياجها وما بين لحظة ولحظة، كانت ندى قد وجدت نفسها أمام الرجل.. الشرر يتطاير من إهابها، والنار تنبعث من أصابعها الجائعة للالتهام.

" سأنشب أظافري في وجهك.. في عينيك.. في قلبك.. في.. في.. في.. ".

ويا للمفاجأة التي جمدّتها، ولملمت شظايا جنونها..

فلم يكن بالباب سوى شاب رقيق العود، خافض الرأس، مغضّ الطرف، يحمل حقيبة سفر سوداء، ويضع على عينيه نظارة طبيّة ذات عدستين سميكتين، بينما غبرة السفر  تغطّي مساحة وجهه النحيل.

تفرّست معانيه الباهته. مسحته بنظرة شاقوليّة جيئة وذهاباً.. العرق يتفصّد من جبهتها، والفتور ينال من أطرافها.

- عفواً آنسة.. هذه الغرفة غرفتي

- ومن أنت؟..

- أنا شاعر، وقد وصلت لتوّي من محافظتي البعيدة.

صمتت برهة خالتها دهراً.

- وما هو رقم غرفتك؟..

رفرفرف برموشه.. قال متلعثماً، والحروف تكاد تسّاقط من بين شفتيه.

-31..

- لكن هذه الغرفة رقمها 13........ انظر

رفعت يدها مشيرة إلى اللوحة النحاسيّة المسمّرة على الباب. قرّب الشاب ذو العدستين السميكتين وجهه من اللوحة.. ألصق عينيه بالرقم  تماماً....

ابتسم، ثم مضى ببرود يفتّش عن غرفته.

 

 

قلق

 

 

كان المعرض بديعاً. تتدافع الألوان لتحضن حيّز الضوء، ويهرب الضوء ليسرق مساحة الفيء، وتهرع الريشة متراكضةإلى دروب الحياة.

اللوحات مجموعة قزحيّة يُنشر فيها السحر كقطعة موسيقيّة ناعمة، أو كنقلة غزال رشيق، امتدت إليها يد الفنّان بعفويّة وانطلاقة لاتنثني عن العبور إلى فرح الغابات، وعذوبة الأصوات، وابتكار مسمّيات وجدت لها رصيداً على أرضيّة الواقع.

قالت سلوى:

- هنيئاً لك ياربيع هذا التألّق الجميل.

- هنيئاً لنا معاً.

ما زالت الصالة تفتح ذراعيها.. تنسكب في فسحتها تيّارات مختلفة من البشر، يمعن بعضهم النظر بخشوع، تأخذهم أوّليات الخطوط، يتماوجون جيئة وذهاباً، يبحرون ضمن مواضيع  حياتيّة لاتنتهي.يسألون الفنّان، يستفسرون  عن جزئياّت صغيرة....وفي النهاية  يسجّلون على الدفتر الصغير الهاجع فوق الطاولة قرب الباب ملاحظاتهم، وانطباعاتهم.

وقف ربيع عند ركن منزوٍ يقلّب صفحات الوجوه، يقرؤها في محاولة منه لإقناع الذات بأنّ ما قدّمه للناس كان مرضياً، وأنّ رسالته قد وصلت بأمانة، وأن الهاجس الآخر الذي يشغل باله ويؤرقه لم يلحظه أحد.

عرفت سلوى ما يعتمل داخل الكيان المرهف. سرى إليها الإحساس عبر خيوط خفيّة تصل  ما بين نبضه وأعماقها...فكم حاول مراراً تشكيل لوحة بعينها، لكنّ حكمه عليها لم يتم... تأكد من ذلك في حتميّة ووضوح وترجيع في الروح لايسبر، ولا يدرك كنهه لأوّل وهلة.

-" إن المشهد الذي أريد أن يهزّ روحي، ويحفزني على استيعابه فلا استطيع يبدو لي من الضخامة بحيث لايمكن للخيال إنجازه".

كثرت معارض ربيع، وفاح صيته كعطر، واصبح إبداعه محطّ أنظار النقّاد والمهتميّن.. لكنّ شجناً معيّناً تلبسّ نهاراته ولياليه، وقلقاً مزمناً ما فتيء يعذّبه ويشقيه.فقد اهتمت ريشته بأدق التفاصيل، وعنيت رسوماته بجزيئات عالمه ونمنماته.. ففي كلّ لوحة تقرأ وجوداً خاصّاً وتستقرئ أنساً فريداً، وتسجّل انطباعاً يختلف عن الانطباع السابق... كما هي الحال لدى قصص سلوى المشحونة بعواطف إنسانية، وأحاسيس وجدانيّة نبيلة، هي أوّلاً وأخيراً تعبير صادق لما تتلمّسه من معاناة الآخرين.

إنّه القلق الذي يتولّد من استحالة وضع المدينة الصغيرة بمجملها ضمن صورة واحدة. فهذه المبادرة تتطلّب جهداً عسيراً لم يقدر عليه رغم محاولاته المتكرّرة.. وتشكيل اللوحة على هذا النحو يجب أن تلتقطه العين من علٍ.. من فوق.. من أعلى قمّة ترتفع غرباً.. وتسلُّق الجبل ليس بالأمر السهل...فكم جرّب الصعود إلى هناك.. وكم درّب ساقيه على ذلك ... وكم قاس كي يعانق الذروة.. لكنّ احلامه ومخططاته صدمها واقع مؤلم.

لم تكن سلوى تريد تثبيط همّته، أو الوقوف في وجه طموحه.. لكنّها كانت تبغي الإفصاح عن رأيها انطلاقاً من تجربتها ككاتبة لها مسارها الخاص ضمن عالم الأدب الفسيح.

-" ليس المطلوب من الفناّن أو الأديب أن يمخر عباب البحاركلّها، أو يخوض التجارب الحياتيّة جميعها كي يحقّق إبداعاً.. بإمكانك أن تتخيّل مثلي، أن تعيش الحالات بينك وبين ذاتك، ثمّ تخرجها للنور صحيحة معافاة.."

_" لاياسلوى.. إن الفن الحقيقي هو ابن تجربته، والفنّان الذي يحترم إبداعه هو الذي يلاصق المشهديّة بعينيه وفكره وأصابع يديه.."

تطلّع ربيع من النافذة نحو الجبل.. تسلّقه.. ارتفع، ارتفع، ارتفع.. وقف على الذروة. ضمّت عيناه الكروم، والبساتين، والمنعطفات، والأزقّة، والوجوه المتعبة، وأرغفة الجدّات، والزنود السمر، وإشراقة المحبيّن. وشمخت أمامه الآبدة العملاقة بصمودها، وثباتها، واصالتها، ومرجعيتها.. توغّل صدر التاريخ.. رسم سيف صلاح الدين الأيوبي.. شخّص المدينة بكلّية ابعادها، ثم اكتملت اللوحة.

أفاق ربيع من زحمة افكاره. أزاح أضغاث الأحلام بيديه. خرج من المكان، وفي جعبته محاولة جديدة للصعود إلى القمّة.

 

 

مات الياسمين

 

 

في الفجر كانت  بواكير التفتّح، وفي الصحوة كان تمام الألق.عبر الضوء على مهل يتغطى بغلالة شفيفة. داعب الوريقات الناعمة.  قالت له الياسمينة:

- تأخرّت كثيراً ياصديقي، وأنا قد رتّبت شرفتي لنشرب قهوة الصباح معاً.

- كنت أعبّئ سلالي بغمار الندى، كي أقدّمه إليك هديّة.

خفضت الياسمينة رأسها خجلاً. أضمرت أن تردّ الهديّة  بأحسن منها، فأخرجت من جرارها عطرها، وتوحّدت مع الضوء في عناق عذب لذيذ... فصارا واحتي التي أفيء إليها، أبثّها لواعجي، وانشدها الكتمان، واكتب أشعاري إلى جانبها.... تمنحني بيدراً من دفء، وتدفع لي بأضاميم، اقطف منها وأقطف، ثمّ أركض إلى مزهريات صغيرة، أودع ما قطفته، واضع في كلّ ركن من أركان المنزل مزهريّة... عندها يبدأ العالم احتفاله، وابدأ أنا نهاري بتفاؤل جديد.

في كلّ الصباحات المكلّلة بالانبهار، ترفع الياسمينة وجهها الوديع، تقبّل أنامل الشفق، فيتوالد السحر، ويتسّرب البخور دفّاقاً، وينهض اللون في أجنحة الفراش.وفي عيون العاشقين تنام اضمومة من الألق متواترة الارتعاش.

ببطء.. تقبل مزنة رائعة تتباهى بصداقة الزهور، وتوافي الياسمينة بزخّات تشهق بالوداد، وتنعش دروب القلب الذي اشقاه الظمأ.

تسألني الياسمينة:

- هل باستطاعة لمسة حنان أن تغسل دهراً من الألم؟

- نعم...

أجيبها، وطيف  ابتسامة يؤاخي محيّاي، فيصبح الكون أمامي قبرّة تطير، وروحاً تتلهّف إلى وعد جميل.

***

يومها رأيت الفجر رماديّاً، والسماء بلون الدخان، وبدت بعض العيون سعيدة بما حصل. لقد كانت الياسمينة تُحتضر، أوراقها إلى يباس، وبياضها الناصع صار صفرة، وأمّا القامة الريّانة فقد داهمها المرض، ودبّ في أوصالها الذبول. استحضرت مواكب الحزن، اقمت لها فسحة وداراً.ندبت:

أي ريح شرسة راهنت على أشجاني، وايّة يد حقود قايضت بفرحها على احتراقي، وايّة دودة عابثة تجرّأت  على إتلاف الجذور، وأيّ لهب ذاك الذي رموه في دائرة الطهر، واي وقت قائظ ألقوه رداء على حبّات الندى، وأيّة أمراس قاسية أحاطوا بها جيد البياض المهدور

-" ربّما لم تعتني بها.. إن الياسمين يموت عندما تبتعد يد الرعاية عنه،"

"لا.. لم أهمل ياسمينتي، لأنها جزء منيّ.. أتلهّف لرؤيتها، وأسعد بلقائها، وتمتد يدي برفق إلى حمايتها، وإبعاد الأذى عنها."

سمع عصفور الدار الاتّهامات الموجّهة لي.. قال:

" إن الوجع يبرعم في عينيكِ.."

لم اقدر أن أجيب.. فقد كانت عيناي تزهوان بدمع جم.

عرف العصفور ما صار، وأدرك أن الضوع قد غادر الحديقة إلى الأبد، وأنّ النقاء لم يعد له بيتاً، أو ناصية، أو عرزالاً ينام فيه.

رفع صوته باحتجاج، بغناء حزين، بتراتيل، باستفسارات لاتنتهي... هرولت اسئلته كوعول في متاهات الضياع.تكلّل الاختناق بإجابة واحدة:

" مات الياسمين"

قتلوه.. جمعوا له أعواداً من حطب الغابات ,اشعلوها في حضرته.. حملوا إليه وجوها مخيفة ضاقت مساحاتها بالود، فأرعبته، وعجّلت بنهايته.

قامة من الابتهالات كانت ياسمينتي، تبارك الرواح والغدو، تنشر ألقها في أماسٍ مزدانة بالفرح.تضمّخني بظلالها وهمسها فأنتشي... أدسُّ راسي بين حناياها كعادتي، أمرّغ وجهي على صدرها، وأنسى ، لحظة، أنني في حضرة الموت أقف، وأن الغالية تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتهمس لي:

" إن حياتك تذبل دون ياسمين"..

في الأيّام التي تلت، كانت وصيّة الراحة قد أصبحت قيد التنفيذ، وكانت ياسمينة أخرى قد أرسلت لي في أوّل صباحاتها، أوّل هجائيات بوحها.

 

 

خلف الزجاج

 

ورآها تخرج من البوّابة.. زنبقة تتفتحّ وتميسُ، وتحنيّ شعرها صهباء الغروب... كلّما لوّحت لها الأيّام بمنديل، ازداد صباها حسناً، لايرضي مقامه سوى العلو والانعتاق مع السحاب، فتشمخ مثل نخلةٍ في تباهٍ.

اشتعل الشارع بجمالها كما اشتعل أوارُ قلبهِ.. إلى جانبها ينتعشُ، يحسُّ بأنّ جيوبه تمتلئ بعد إملاقِ، وبأن العالم قد بدأ يظهر له الودَّ كلَّه، والصلح كلّه، ويفرش له الطريق بمنثور الرضا.

- هيفاء..

- نعم.. ماذا تريد؟..

دفعت إليه بإجابة متجهّمةٍ متبقّية من فيض قسوة...فمضى يمنيّ النفس بها، ومضت تشيّعه بنظره غير راضية تقول:

" أملك بي، أملُ إبليس في الجنّة..".

ساعة غادرت هيفاء المعمل، كان الأصيل في اكتماله، وحضور، الأفق بهيّاً ساحراً. درجت وزميلاتها كسرب من يمام يغطيّ فسحة الانصراف،  تفوح من ثيابهنّ رائحةُ/ الغزل والنسيج/، وصخب الآلات، وتعب النهار الممزوج بعرق يسحّ، فتتلقفه أصابع مرهونة للشقاء.

قالتْ فاطمة:

- ليت يداً سحرية تحملني بغمضةِ عينٍ، وتنقلني إلى فراشي، فأغطُّ في نوم عميق.

عقّبت سعاد:

- هنيئاً لكِ، فأنتِ تستطيعين النومَ.. أمّا أنا، فهنالك خمسةُ أفواهٍ تنتظرني على أحرِّ من الجمرِ.

وحدها هيفاء، بقيت تتابّط الصمت، كما تتأبّط زوّادة عادت برفقتها، وبقايا ألق وحبورٍ يرافقانها، وهي لاتفتأ تنتقل من رصيفٍ إلى رصيف تستمع إلى أحاديث الصديقات بشرودٍ، وبفكرٍ لايرتاح إلاّ هناك... وهناك حيث محطّتها اليوميّة عند ذلك المفترش المسائي الجميل.

توقّفت، تريثّت، تأملت، بعد أن أسلمت الجميع إلى مفارق الطرق.. وبقيت كالعادة تمعن النظر في الواجهة الزجاجيّة ذاتها، توزّع فوق مساحتها نبضات قلبٍ تعلّق بها. والواجهةُ منبسطة كأنها راحة كفّ تلوّح أصابعها بشيء من التباين والاختلاف.

فوق شهقة الأثواب المعلّقة بفنيّة رائعة تغلغلت، ذابت مع الألوان والأزياء... ومن حالة الإدمان تلك، أتاها ترجيع قديم جديد، وذكريات حالكة، وفاقة وفقر، وبيت قاتم الأركان، وطفولةٌ دون أعياد.

" العيد ليس لنا"

كلمات أبيها تئن في ذهنها كناعورة أتعبتها مياه النهر.

" العيد ليس لنا"

تغزل أمّها لها ولإخوتها كلًّ ليلةٍ قمصاناً جديدة من خيوط الصبر، والصبر مفتاح الـ...

" سافر العيد". خرج من شقوق الأحذية، ومزق الأثواب التي كانت مزهرة في يوم من الأيام.

" سافر العيد"..

فكّرت بصوت مسموعٍ نبّه العابرينَ.

امرأةٌ مضمّخةٌ بالعطر والمواعيد أدارت رأسها معبّرة عن احتجاجٍ.

" لاتبالي.. إنّها صديقة المساء.. تمرُّ كلَّ يوم من هنا، تبحث عن ريشة رسّام، أو عن آلة تصويرٍ، أو ربّما عن شاعرٍ يريد ملهمةً..".

هذا ما حدّثتها به الدميةُ المصلوبةُ خلفَ الزجاج.

أدرك محمّد وقتها أنّ أيّاً كان لايستطيع انتزاع هيفاءَ من وقفتها.. خاف.. ارتعش، وهو يرى عينين ثعلبيتين تلتهمانها وتدعوانها للدخول:

- تفضّلي.. في الداخل ما هو أجمل..

تمرُّ الأيّام على محمّد ثقليةً كباقةٍ من غبارٍ تقبع فوق الصدور. يهاجر الهمُّ إلى قلبه صبح مساء، عبر مجامر ملتهبة تحرق ما بقي له من عزاء. يقلّب صوراً متلاحقة، فلا يجدُ لأمانيه واحة، ولا لحبّه متسعاً للحضور.

هيفاء لاتريده.. أحلامها أكبر منها.

قالت له أكثر من مرّة:

- محمّد.. أنت عامل مثلي، وأنا لاأحبُّ الانتقال من مقبرة إلى مقبرة.

في كلِّ يومّ تقف فيه هيفاء أمام الواجهة، كانت تستعيد النهار كيف مضى، وكيف تمّت مجريات الوقت. تجتر واقعاً كالح الألوان. تتزاحم ألأفكار في مخيّلتها، تتعانق، تتشابك، ثم تفترق، لتتسكّع في شوارع الرؤى....

وبعد تصارع الممكنِ واللاّ ممكن، تتهادى إلى سمعها ترجيعات الصدى شفيفة ...فقد تم الوئام على ناصية التصافي، وصارت إلى حقيقة اكتحلت بها عيناها المغمضتان أصولاً. وأعلنت الطاعة لرجل عرف كيف يقدّر حسنها، ويلوّن أعماقها الخديجة بالأمنيات، وينفذ إلى مسامات جلدها، فينتفخ الجلد فقاعات هنا، ونتوءات هناك.

حسمت الأمر، وذيّلت قرارها بتوقيع الموافقة المنقوشة في أعماقها....

تجاوزت عتبة المخزن الكبير..

ضحكت هيفاء..

وبكى محمّد...

للمجد الطارئ صفات حلم انتظرته، ولم تره إلاّ الآن.  ترقبّته دهراً ثمّ أتى، وكانت تظنّه لن يجئ. فتحت عينيها على صباحات مزيّنة بثياب ملوّنة، وقهوة، وهيل. تسربلت في إهاب الوعود، ومضت إلى آفاق خالية من التجاعيد، وغابات بيضاء، بيضاء...

رمت بخيوط/ الغزل/، وبالرفيقات، وبمن أحبّها على قارعة الطريق، ثم مضت إلى فم الثعلب راضية صاغرة.

مات الماضي.. مات، مات.

ماتت هيفاء.... ماتت، ماتت.

لكنّ محمّداً لم يستسلم لفكرة الموت والولادة تلك، ولم يستطع أن يغيّب وجود أغلى الناس بالنسبة إليه. عبر من هناك.. من قرب المكان الذي اعتادت المرور فيه. أخذته الذكرى بعيداً إلى اتجاه ما يغافله من الرصيف. سحبته يد إلى المشهد القريب، انتحت به، فمضى متوّجاً بجروح الحالة.. وكلّما أوغل بالاقتراب، تلمّس قلبه خائفاً أن  يغادر الضلوع، وخال أنّ راسه ليس له... هناك، خلع عليه المارّة نظرات مريبة قادته إلى يقين أكيد.

يوم.. يومان، شهر.. شهران، هيفاء لم تأت.

سأل عنها مرّات ومرّات، ولم يورق السؤال.

" أتراها مسافرة.. أتراها مريضة.. أتراها.. أتراها؟"

يسقط الشتاء. يهجع الخريف. يمور الربيع. ينضج الصيف.. تغيبه الفصول جميعها، وحاله كما هي في البحث.

وذات يوم...

ذات وقت..

ذات لحظة..

وبينما هو يسامر الشارع القديم، يسائله ويناجيه، ويمشّط ملامح عابريه، يفتّش بين الزحام عن وجه بعينه... نبتت في حلقه أشواك جرحته.

تلاشى مع حالة مواجهة غير طبيعيّة. تمزّقت المفاجأة عن صرخة مدوّية:

- يالّله.. ماذا ارى.. إنّها هي !..

كانت هيفاء تقف هناك، بشحمها ولحمها..

ليس أمام الواجهة الزجاجية كما هي العادة، ولكن خلفها.. ترتدي ثوباً بلون الشمع، وقفّازين بلون الأرجوان... وقد اختفى من عينيها البريق الذي اختطف محمّداً لسنوات من برودة الرصيف، لينتقل إلى برودة تجربة مرّة، تكتمل الآن..

باختناقه..

باختناقها..

لاأحد يدري..‍.!...

 

 

تهيّؤات حمّود

 

 

صفقوا الباب خلفه. دفعوه إلى الشارع المظلم. صفعت وجهه رياح تشرين الباردة، وزخّات المطر الموجعة. بجانب الباب المغلق أصلح هندامه. رفع رأسه وأماله بطريقة مسرحيّة. دسّ يده اليمنى في جيب بنطاله. أخرج " سيكارة" من علبة فخمة، وضعها في زاوية فمه، فأصبح ميلها متناسباً مع وضعيّة الرأس. رفع قدمه راسماً قفزة انتصار في الهواء.. صاح:

- لقد غلبتهم.. لقد غلبتهم!.

ركض تحت المطر دون أن يحتمي بشيء.. فقد نسي مظلّته في الداخل، ولم يجرؤ على العودة لأخذها.

هرول غير عابئ بالوحل يلوّث ثيابه، وهذا الشعور جديد عليه.. فقضيّة الكياسة، وحسن المظهر تهّمانه وتشغلان باله... حيث يسعى على الدوام إلى بيوتات / البالة/، ينتقي منها ما هو مناسب... وعندما يسأل عن المحلاّت التي اشتراها منها يجيب باعتزاز:

-" هذه البدلة من محلات ربييركا ردان/.. وهذا القميص من كريستيان ديور/.. أمّا ربطة العنق هذه، فقد أتتني هديّة من وزير الأناقة، بمناسبة عيد ميلادي."

يبتسم الموظفون، يهّزون رؤوسهم عجباً، وهم يستمعون لتهيّؤات حمّود، مستخدم الشركة.. المختلف/ شكلاً و موضوعاً/.. ففي كلّ صباح ينتظرون حضوره، ويعدّون أنفسهم لسماع أخباره الوهميّة، حيث يدلف عليهم بصينيّة القهوة، فيتناوبون باستفساره:

- مع من سهرت البارحة؟

- ايّة شخصيّة مهمّة قابلت؟

- كم مسؤولاً التقيت؟..

يشدّ حمّود قامته القصيرة. يسحب كرسياً ثم يجلس عليه. يطلب لنفسه/ سيكارة مالبورو/. يضع ساقاً فوق ساق، دافعاً بنصفه السفلي إلى الأمام، مرجعاً رأسه إلى الخلف، ثمّ يبدأ الحديث فيقول مثلاً:

-" ليلة البارحة لم يرقد لي جفن.. هاتف قويّ أيقظني من عزّ نومي.. فقد  أخبروني، أنّ الجماعة يريدونني لحلّ مشكلة مستعصية، تتعلّق بأمن البلد.."

تقاطعه ماجدة، ضاربة الآلة الكاتبة:

- وهل حللت المشكلة؟..

- ولو ياآنسة ماجدة.. سامحك الّله.. أنا شخص مهمّ، ولا يستطيعون الاستغناء عنيّ.

ذات مرّة، سأله أحمد، محاسب الشركة:

- وماذا بالنسبة لزواجك من الأميرة/ ديانا/؟.. فقد أخبرتنا أنّها أرسلت تطلب يدك.

أجاب:

- هذه المسألة بحاجة لتروّ وتفكير.. فأنا لاأتزوّج امرأة سبقني إليها واحد آخر.. مع العلم أنّ الأميرة قد صرّحت في أكثر من مقابلة إذاعيّة وتلفزيونيّة، بأنّها قد تخلّت عن الأمير، تشارلز/ من أجلي.

تتعالى قهقهات الموجودين من عاملين ومراجعين، وهم يصغون إلى حمّود، مجمعين أنّ الرجل يعيش أوهاماً يصدّقها، ويخيّل إليه أنّها حقيقيّة.

هذه الليلة بالنسبة إليه كانت مختلفة، انفجرت فيها قنبلة أجهزت على البقيّة الباقية من عقله. في أوّل الليل.. خرج من منزله، وفي ذهنه حشد هائل لأفكار وترتيبات متزاحمة. حمل مظلّته، منطلقاً باتّجاه الشارع الرئيسي في المدينة، يمارس عادته اليوميّة في السير. لم يكن المطر وقتها شديد الوقع، فقد بدا نزوله لطيفاً، يداعب النوافذ، والأسطحة، ومرايا  الوجوه... بينما تشويشات حمّود تأخذه إلى البعيد البعيد، تشدّه من ياقة معطفه...إلى الأمام حيناً.. إلى الوراء حيناً.. وبين الجهتين يصنع محطّة فاصلة، يكلّم فيها نفسه بصوت مرتفع:

-" أنا هتلر.. أنا نيرون.. أنا هارون الرشيد.. أنا.. أنا.. أنا..".

عندما وقفت تلك السيّارة بجانبه، أجفله صوتها القويّ، فارتجف.... وعندما أمره صاحبها بالوقوف، ارتجف أكثر، وتبعثرت نظراته، فصار الشرق غرباً بالنسبة إليه، والغرب شرقاً.

- أنت ... تعال إلى هنا.

لم يتحرّك من مكانه.. شيء ما سمّره.. ثبّه.

- قلت لك.. تعال.

نزل الرجل من سيّارته.. اقترب منه.. سحبه من يده، وهو يتحدّث بصوت يختلف عن اصوات الناس الذين سمعهم من قبل:

- هل تجيد لعب الورق

- و.. و.. ور.. ق؟!..

- نعم ورق.. أقصد ورق الشدّة.

حاول حمّود لملمة شتاته. أخرج من جيبه منديلاً طوي بطريقة ملفتة للنظر. مسح حبّات العرق التي تفصّدها جبينه. أجاب بتوترّ:

- أ.. أجل

- إصعد  معي.

في ذلك / المنزل، الفخم.. كان كلّ شيء مرتّباً جميلاً، موضوعاً في مكانه حسب الأصول، ورائحة التميّز والغنى تنداح في أعماق المكان، ورهبة الموقف تتأرجح على حافّة الوقت.. أمّا عيناه، فقد تخاصم بؤبؤيهما، وراحا ينوسان ضمن حدقتيهما كرقّاص ساعة معطّل.

" ياإلهي.. أين أنا؟.. ثمّة خطأ ما في ترتيب الأمور حصل.. ثمّة مقدّرات ستنبئ عن أهوال قادمة.." حدّث نفسه وهو يلمح في منتصف البهو رجلين يجلسان إلى طاولة مستطيلة الشكل يفردان ورقاً ملوّناً مزركشاً أمامهما، وقد سيطرت على سحنتيهما علامات التوفّز والانتظار. قال أحدهما بتملّق ظاهر:

- أهلاً.. أهلاً.. تفضّل إلى هنا.

جرّ حمّود خطاه إلى المكان الذي دعي إليه، وشيئاً فشيئاً، وبعد زمن قصير كانت الأمور تسير على أحسن ما يكون..فقد كشفت حجب الأمور عنه، وفسّر له سبب وجوده بين شخصيّات طالما حلم بلقائها، وطالما منّى النفس بالحديث معها، وطالما تخيّلها تجالسه وتسامره.

لقد تعوّد كلّ من حسّان بيك، وعزّت باشا، وفرحان أفندي، وكامل آغا، أن يقضوا سهرة الخميس معاً، وذلك من أجل التسلية، وغسل الهموم، ورمي المشاكل جانباً.. فيلعبون بالورق حتىّ الصباح.

هذا الخميس تحديداً، غاب فرحان افندي لسبب قاهر، فوجدوا أنفسهم ثلاثة، واللعبة تحتاج إلى أربعة..

حاولوا الاتّصال بالاستاذ مصطفى رئيس البلديّة، لكنّهم لم يجدوه. ركب عزّت باشا سيّارته، وخرج يفتش في الطريق عن رجل يكمل الطاقم، فرأى حمّوداً أمامه، وكان يريده تكملة للعدد ليس إلاّ..لكن الطامة الكبرى حدثت، عندما اكتشف الجميع أنّ حمّوداً يلعب أفضل منهم، فيحقّق له ولشريكه الجالس قبالته الفوز تلو الآخر..وعقب كلّ فوز ينفش ريشه كديك الحبش، ويطلق ضحكة تمزّق بقيّة اللاعبين غيظاً. بعد ساعات من اللعب المتواصل.. بعد جولات أعقبتها هزائم، حسم حسّان بيك المسألة، وصاح:

- كفى..

كلمة/ كفى/.. أرجعت كّلاً إلى مكانه الرئيسي، وأعادت ترتيب الأمور، وفرزت الحابل  عن النابل، ووجد الغالب نفسه بغمضة عين خارج باب المنزل، بعد ركلة قويّة من قدم أحدهم.

الصباح.. كان بهيّاً مشرقاً بالنسبة لحمّود..

زغردت أمامه غرف المكاتب.

رقصت صينيّة القهوة في يده.

بشرّ الداخلين والخارجين  بإنجازات الليلة الفائتة.

حدّث الموظّفين والموظّفات.. المستخدمين والمستخدمات عن أحلامه التي تحقّقت، وعن الشخصيّات الهامّة التي قابلها.

قال لهم:

-" لقد غلبتهم.. والله العظيم غلبتهم!..

تبادل الجميع نظراتهم كالعادة..

هزّوا رؤوسهم كالعادة..

ضحكوا كالعادة..

ثمّ انصرفوا إلى أعمالهم.

 

 

أزرق.. أحمر

 

 

عام من الزمان مضى ولم يجتمعا..

لم تعرفه إلاّ عبر سمّاعة الهاتف.. وكان  اللقاء بينهما مصادفة أوّل مرّة:

- ألو..

- من؟..

- هنا بيت الأستاذ مروان؟

- لا.. النمرة غلط.

- شكراً.

بعد أن قالت " النمرة غلط".. أحسّ في صوتها دفئاً غريباً، ملمساً مخمليّاً، ودافعاً قويّاً يحثّه على الحديث معها، ثانية، وثالثة، ورابعة، وعاشرة... ثمّ كان ما كان.

ففي كلّ مساء، وبعد أن يسكن الليل، وتغفو عيون الورى، يسكب في أذنيها عبر سمّاعة الهاتف عواطف مضمّخة بالنشوة، فتتسرّب خلال الأسلاك كأنّها الشلال يترنمّ بأنشودة الأزل. وعندما تكتنز العتمة،ويجادل النعاس الأجفان، تهبه سحر نبراتها، فيسكر عن بعد، ويصغي إلى التي لم يلمحها بعد.. لكنّه رسم لها صورة غارقة في الجمال، وإهاباً مترعاً، وطرفاً كحيلاً، ومشية كالغزال.. وصاغت له من عالم الخيال شكلاً يشابه فرسان الأحلام.. شهامة، ووسامة، ورجولة، فيبدوان قريبين أحدهما من الآخر، كأنهما يتلامسان.

قال لها:

- متى سنلتقي ؟

- في الأوّل من نيسان.. مارأيك؟

- لكنّ الناس يعتبرون هذا اليوم فرصة للكذب.

- ليس المقصود.

- أخاف أن يكون حبّنا كذبّة.

- لاتخف.

- قد لا أعجبكِ.

- وقد لا أعجبكَ.

ضحكا مليّاً، كما تعوّدا أن ينهيا حديثهما.. وغفا كلّ منهما على زند ضحكة الآخر، وهما يحلمان بغد يطيران إليه على جناح وردة.

قبل موعد  اللقاء بيوم، وقبل أن يطوي الماضي آخر أوراقه، راح يخاطبها بالتلميح، وبالتصريح، بأنّه ينتظر الآتي بفارغ الصبر، يهادنه، يسايره، علّه يعجل بالمجئ.

- ولكن.. كيف ستعرفني.. وكيف سأعرفك؟..

- ارتدي ثوباً أزرق بلون البحر، فأنا أحبُّ الأزرق وسأحمل بيدي قرنفلة حمراء.

- وأين سيكون الملتقى؟

- عند حديقة " المحبّة"، في تمام السّابعة مساءً... موافقة؟..

- موافقة.

" سألبس ثوباً  أزرق.. أزرق.. أزرق..."

طارت كفراشة.. رقصت.. غنّت، ونسيت كلّ شيء ما عدا الغد.

في فسحة الوقت الموعود، وقبل الساعة المتّفقّ عليها ببرهة، نهضت إلى خزانتها العامرة، قلّبت ما فيها تريد الرداء الذي طلب..

اكتشفت أنّها لاتملك ثوباً بهذا اللون.. ارتبكت.. انزعجت:

" ماذا سأفعل؟.. كيف سأتصرّف؟.."

اتصلت بصديقتها " منى"  سألتها على عجل:

- ألو.. منى.. هل لديك" فستان" أزرق؟..

-لا... لماذا؟...

لم تجب.. أغلقت السّماعة على الفور.. فاللحظات حاسمة، ولا تحتمل الأخذ والردّ.

آلمها الموقف، حزّفي نفسها. اتصلت به لتقول له أن يغيّر رأيه في اللون الذي اختاره، فلم تجده..

احتارت بأمرها.. لكنّها سرعان ما مسحت الموضوع فارتدت ثوباً قرمزيّاً، ثمّ فتحت باب الدار وخرجت.

في الطريق إليها.. تذّكر أيضاً أنهّ لم يأت بالقرنفلة الحمراء. شعر بحزن كثيف يتوسّد أعماقه:

- ما الذي أصابني؟. وكيف نسيت؟

فتش هنا وهناك يطلب النجدة. هداه تفكيره إلى قطف زهرة- لاعلى التعيين- من إحدى الجزر الصغيرة المزروعة وسط الشارع المؤدّي إلى مكان الموعد... وما أن مدّ أصابعه إليها، حتىّ جاءته صرخة الحارس قويّة مؤنبّة:

- ابتعد.. ابتعد..

رجع وجلاً، وهو يتلفّت كأنّه الطفل الحيران..

فلم يعد في جعبة الوقت أي مجال. لقد شارفت  الساعة على السابعة، وهاهما يجدان نفسيهما قرب بوّابة الحديقة المختارة.

ويالضحكة الزمن يفترّ عن ثغر منضّد اللآلئ.

ويالفرحة الرجل الذي تيّمه الصوت، فغدت أذنه من العاشقات.

ويالبهجة المرأة تستنشق من المدى فوح من أحبّت، وتشعر بوجوده قبل أن تفئ إلى عينيه.. فقد ازدادت شوقاً، واترع صبابة.

اندفع نحوها..

اندفعت نحوه..

قال:

- أهلاً فاتن.

ردّت:

- أهلاً  أسامة.

دخلا الحديقة، وفي قلبيهما إحساس فيّاض بالحب يقول:

" لقد عرفنا بعضنا..

دون فساتين زرق،

دون قرنفل أحمر."

 

 

حالة غضب

 

 عاصفاً مثل الريح، دخل نضال إلى بيته، يحمل هموم الدنيا فوق منكبيه، لم تستطع أميمة استيعاب حالته الطارئة، ولم تراع وضعه النفسي المتوتّر، لأنّها كانت تعيش ضغوطاً مشابهة... وبينما اللحظة تناطح اللحظة، وبينما الاستفزاز يناور الاستفزاز، حدث مالم يكن بالحسبان.. فقد تكوّر وجهها بين كفّيه - فجأه - صفعة من هنا، صفعة من هناك، غيّبت معالم الودّ بين الزوجين، وغدا الأنس في خبر كان ... تعالى الصياح، وعصف العنف في  جوّ جامح مشحون، أدّى إلى تخريب السكينة، وإلى تلاشي الهدوء على عتبات التهوّر. وراحت الحيرة تعانق متاهات لا بارق فيها ولا أمل، واستنفرت أسئلة أيقظاها بتفاهات الخلاف الذي نشب بغتةً .... الأسئلة مثل طعنات لم تغادر الجوارح، فظلّت نازفة مدماة على مدار أسابيع، بل شهور ...

بعد انفجار البركان ... صاح نضال:

-  أخرجي من البيت، ولا تعودي إليه.

 رويداً، رويداً.. ابتعدت. رويداً، رويداً.. راح وجهها يتحنّط داخل تابوت الفقد. الثلج يتساقط داخلها، وأوقات الحزن تصفرّ ورقة، ورقة، وصدرها يعايش أنيناً مكتوماً يشدّها للإصغاء عنوه:

 قالت أمّها:

- سيدفع الثمن غالياً

قالت خالته:

- طباعها لا تحتمل، وتستأهل الضرب.

 قال عمّها:

 - أنا أعرف شغلي معه.. نهايته ستكون على يدي.

قال  جدّه:

- من لا تطيع زوجها ذبحها حلال.

 وجلست أميمة في بيت أبيها تنتظر ... وهل يحفل الانتظار، إلاّ بسوء الختام، بعد أن تفاقم الوضع، وأنبأت المشاكل بأخبار لا تسرّ، وتأججّت حرب طاحنة بين أهلها، وأهل زوجها، لم تخمدها وساطات المقرّبين، وفاعلي الخير.

استنفرت البنادق .لمعت نصال المدى. أعدّت الأسلحة بجاهزيّة كاملة، وصار كلّ فرد من أفراد الأسرتين يتوعّد، يترصّد، يهدّد الآخر بالنذير.

- " ليت يدي كسرت قبل أن تمتدّ صوبها "

أخذ نضال يندب، يوبخ نفسه، بينما أصابعه العشرة تقف أمام عينيه مثل شبح أسود. كره عمره، عيشته، طول لياليه.. هو الآن في طريقه إلى فقدان الصبر، والقبيلة توزّع  إرثها القديم، وحقدها عليه، منذ أن ارتبط وأميمة رغماً عن الجميع. إنهم يصفّون حساباتهم معه ... يستعدّون لشرب دمه.. يحرّكون دفة السفينة في الاتجاهات المواتية لريحهم -"لماذا يا أميمة ؟.. وكيف هان عليك الود ؟.. دعيني أعترف لك... دعيني أبُح.. لقد اشتقت إليك، والولدان أيضاً.. ألا تريدين رؤيتهما ؟ وسام ومريم، قرّة عيني وعينك... ألم يوحشك البيت؟ ... ألم تحنّي للياسمينة وصحن الدار ؟... وأنا ... ألم؟.."

تحجرّت الدموع في عينيه، تمنى لوتسقط، لكنّها لم تشأ..تعمّدت الجفاء.

نحلت أميمة ،جفّ عودها، صارت مثل عصفورة جمّدها الصقيع. لم تكن تدري أن مشادّة بسيطة ستتحوّل بسرعة البرق إلى فاجعة كبرى، تجرّ بساط الإلفة صوب هاوية القطيعة والانفصال ... إنه نضال.. عشير عمرها، حبّها الذي ضحّت من أجله بالكثير.. فكان صدره - في كلّ حين - ملاذاً لرأسها، حين يناوشها التعب، ومودّته قنديلها، ودفؤها، وفرحة عمرها.

- " ماذا لو ضربني مرّة ؟.. ماذا لو أضطر وفعلها ؟..  ألم يكن غاضباً ؟ ألم يكن مشحوناً بألف سبب وسبب؟.. ألم يتصّرف بشكل خارج عن إرادته ؟ ... لماذا لم أتحمّله ؟.. لماذا لم أبرّرله ؟.. ولماذا تركت البيت ؟.. أنا نادمة، ولن يفيد الندم .."

لقد احترق الهشيم بعود ثقاب، وخرج المصير إلى الشوارع، والبيوت والمقاهي، وإلى أروقة المحاكم، وراح الناس يحيون الميّت من الأفعال والنقائص الماضية في تاريخ العائلتين، وينقلون لكلّ عائلة عن لسان الأخرى أنباء يوميّة واتّهامات تزيد الطين بلّة.

 اشتعلت النيران في رأس .نذير، فانطلق يرغي ويزبد:

 - واللّه لأقضينّ عليهم واحداً واحداً ... واللّه لأحرقنّ الأخضر واليابس من ديارهم ..من يرمي أختي بوردة، رميته بشوكه تدميه، وتجرح قلبه، وتفقأ بؤبؤي عينيه ؟

ركض نذير باتجّاه معيّن، تناهبته الأرصفة، وارته البيوت، تلقّفته عتمة الأزقّة، سكّينه تلمع في يده، وشرّه متأبّط.هجم على أهل نضال في عقر دارهم.. شتم ولعن، وتقاذف معهم حجارة الإهانات والسباب والألفاظ النابية.

 أقسم بأغلظ الأيمان أنّه قادم لذبحهم. تجمّع الجيران، وأهل الحي، وشتات من الأحياء القريبة والبعيدة. جاء الأخوال والأعمام ... الخالات والعمّات.. الأبناء والأحفاد، من قبل الطرفين، تشاجروا، تلاسنوا، تضاربوا، سالت دماء، ندبت نساء، مُزّقت أردان وياقات، حملتهم الحال الصعبة إلى وضع بعيد عن الصلح بعشرات السنوات الضوئية.

 في تلك الأثناء..

كانت أميمة تعود إلى زوجها وولديها، دون أن تلتفت إلى الوراء.

 

 

حكاية كل شهر

 

 

القطع النقديّة الصغيرة والكبيرة تتتابع أمام عينيه، يستلمها مذهولاً، يعدّها مذهولاً، يوقّع على سجّل الاستلام مذهولاً ... هو ليس هو.. لو نظر إلى صورته في المرآة لما عرف نفسه.. لو رأته زوجته لأنكرته، ولهال أولاده منظره.

 عشر سنوات، وهو يعمل في الوظيفة نفسها، معتمداً للرواتب ".. عشر سنوات وهو يذهب في مطلع كلّ شهر إلى المصرف مبكّراً، يتسلم رواتب المعلّمين ويسّلمها لهم بأمانة، دون أن تنقص ليرة سورية واحدة، وإذا ما صادف وفقد مبلغاً معيّناً دون انتباه فهو الخاسر، ولا أحد سواه ... فما باله اليوم؟..

 أغلق الحقيبة السوداء على آلاف الليرات، أغلقها بإحكام ... فهذا الشهر بالذات يختلف عن سواه من الشهور.. فيه مبلغ إضافي، يعتبر كزيادة، سيأخذّها المعلّمون عن شهرين متتاليين. استقلّ سيّارة أجرة، خائفاً متوجسّاً متلفّتاً حوله بقلق شديد، ضمّ الحقيبة إلى صدره،.. في عينيه أمر آخر غير الخوف المعتاد، يحسّ وكأن السائق ينظر إليه بارتياب يسبر أعماقه، ويعرف فيم يفكرّ ...

 ما الذي حدث أيّها الرجل المستقيم ؟ أيهّا النزيه العصامي ؟.. منذ البارحة وأنت مضطرب، هل ضخامة المبلغ الذي تحمله هي السبب ؟.. أم أنّك لا تستيطع مقاومة الإغراء القادم في حقيبة سوداء، حدّث نفسه، وهو ينفي عنها هذه المبررّات ... فقد أدمن العادة، وتآلفت أصابعه مع الأوراق النقديّة، ولا تشكّل رؤيتها له أيّة حالة طارئة ... راتبه كرواتب البقية ولا يحقّ لمثله أن يفكرّ بقرش واحد ليس له .

هاهو يصل  " معتمديّة الرواتب ".. يوقف السائق سيّارته حسب ما طلب منه. يحاسبه بسرعة، يدخل باب المبنى بحكم العادة، يجلس خلف مكتبه، في حين يمتّد طابور المعلمين والمعلّمات أمامه..

وجوههم تحمل تعابير شتّى من ابتسام، وشكوى، ومعاناة، وتذّمر.. يصل أذنيه فيض من الكلمات:

- سأفي بالزيادة ثمن ثياب العيد التي اشتريتها للأولاد .

- سأوزّعها مع الراتب ديوناً متفرّقة.

- سأدفعها للأقساط الشهريّة المترتبّة.

تتكوّم النقود أمام ناظريه. يعدّ لكلّ معلّم مرتبه وهو مشتّت الفكر ... شيء ما يتململ في داخله ... لديه التزامات لا تحصى، ويجب أن تعطّى تلك الالتزامات حقّها، والراتب لا يتناسب مع حجم المسؤولية الشهريّة الملقاة على عاتقة كربّ أسرة تتألّف من سبعة أشخاص.

 صوت هادئ عميق يناديه ... صوت أليف ناعم ينتشله من شروده:

- ازرع البسمة على شفتيك ... أعط الزملاء رواتبهم دون تشنّج، أو ارتباك ... قابل تعليقاتهم وأحاديثهم بوجه باش، وصدر رحب، لا تجعل منظر النقود يغيّر من طبيعتك، وقناعتك، وثقتك بنفسك.

إنّه صوتها ... صوت زوجته، رفيقة الدرب الطويل، الصديقة الوفية، والصدر الحنون ... إنّها تناديه، ترجوه عن بعد، تستحلفه، أن يبقى كما كان، قويّاً صلباً، لا تلوي عنقه إغراءات، ولا تضعف نفسه العزيزة كنوز الدنيا بحالها ... ما أحوجه اليوم إليها، إلى إيمانها  بالقيم، والمبادئ والأخلاق، إلى الزخم العامر يسكن عينيها، إلى تشجيعها يعزّز خطواته، ويرعاها، ويوجهّها نحو الدرب القويم.

منذ خمسة وعشرين عاماً عرفها، لم يتغيّر فيها شيء حتّى الآن ... مازالت عامرة بالطيبة، والأصالة، والابتسامة الهادئة.. لا جديد على وجهها سوى بعض التجاعيد الصغيرة، كأنها تواقيع يتركها الزمن من حين لحين، ليؤكّد هيمنته وجبروته الذي لا نستطيع منها فراراً،

منذ خمسة وعشرين عاماً التقاها، وكان اللقاء على الطريق اليوميّة المؤدّية إلى تلك القرية النائية، حيث كانا يعلّمان.. الطريق كانت طويلة ووعرة، فيتحايلان على الوقت والمشقة بتبادل الأحاديث المتنوّعة، وأغلبها كان يدور في فلك معاناة المعلّم، وظروفه ..... ومع مرور الأيّام، أحسّا بقواسم مشتركة تجمع بينهما، بوشائج قويّة تربط بين قلبيهما ... شخصيتّها المريحة، وجهها الوديع، ملامحها المطمئنة، دفعته للارتباط بها.. وبقيت كما هي لم تتبدّل أبداً ... أبداً ...

- ما بك أستاذ.. هل أنت مريض ؟

كلام إحدى المعلّمات نبهّه من شروده ..عاد إلى مباشرة العمل.. بدأت أصابعه بآلية العدّ، وكأنّه لا يلامس شيئاً.

 

 

 مفاتيح العتمة

 

تركض الأيّام إلى سدرات المنتهى، تتناثر على شرفات الوقت، بينما زينب ترتّب أوراقها، أشياءها، تفاصيل طقوسها  الباهته حيناً، المتألّقة أحياناً أخرى. تمرّ الأيّام، ترحل السنون، تخلّف وراءها ذكريات، وأحاجي، وحالات متفاوتة المذاق.. فحين وعت زينب رتابة الحياة، وحين وعى رأسها الذي لا يتعب تواتر التلوّن والاستلاب، وعت حاجتها الملحّة للأمنيات، ووضعت أحلامها في مقدّمة المحافل الشتويّة، والصيفيّة، وبقيّة الفصول ... تبني أعشاشاً لآلاف القبّرات، وعرائش متوهجّة بنسائم الحب، وذرى مشرّعة تغري بالصعود، أمنياتها كبيرة، صغيرة، متوسّطة القامات..

مدبجّة أجواؤها بالفرح، ونمنماتها بدفء الابتسام.

حقلاً من الأحلام كانت زينب ..تعترف ..أنّها بددتها عرابين على أعتاب الأمكنة التي باغتتها بإشارات قاتمة، أو لنقل رمادية، أو مغبرّة. كفكفت أحزانها، بينما الطبيعة تعضّ العالم بنابها. " هزّات أرضيّة - عواصف رمليّة  - أعاصير - سيول"

 وكان لذلك كلّه تأثيره السلبي على الدنيا من مشرقها إلى مغربها، وأبيدت مدن، وهدمت بيوت، ومات آلاف البشر. وقفت زينب مشدوهة، فاغرة فاها، لا تستطيع النطق، وهي ترى طباع الناس وقد باتت من طباع الطبيعة.. تنقلب، فينقلبون.. تبثّ سمومها، فيبثّون.. تغرز أظافرها، فيغرزون.

حزنت زينب.. تساءلت كثيراً:

 " ماذا حصل  ؟ "

وعقب كلّ سؤال، كانت تكتشف أن الآخرين لم يتغيّروا، ولم يتبدّلوا.. لكنّها هي التي لم تستطع رؤية حقائقهم منذ البداية، ولم تقدر على قراءة دواخلهم بسرعة.

فتقرّع نفسها، وتلومها:

 - " إنّني  طيبّة إلى درجة المرض "

تعذّبها الحال، تضغط على عنقها، فتهرب إلى مكان بعيد لا يراها فيه أحد ... مكان تسفح على صدره عبراتها المشفوعة بالمرارة، والفجيعة، والصدمة بالآخرين.. وترجع - كعادتها الجميلة - لتتعلّق بأهداب الحلم ... تتوغّل فيه، تروّضه لصالحها.. تذوب منه .

بالحلم تحارب كوابيسها الماضية، وبالحلم تبدّد أرق السحاب، وتنزع الحبق الذي هدّه الصقيع، لتغرس بدلاً منه حبقاً أكثر نضاره ... وتقلب صفحتها، لتفتح صفحة جديدة.. يدها جاهزة دائماً للرسم.. تعيش حالة ألق متطوّره، خطّها البياني ينبئ بذلك، فضاؤها الرحب يحفل بآلاف الصور ... تصفقّ يداها نشوانة بالنصر، تقايض مطراً بمطر، وحمائم بأجنحة عصافير.. لكنّها، وعلى البعد تفاجأ من جديد بجوانح صقور تملأ المكان، وتقتحم هدوء مملكتها ..تصرخ زينب..

- خذوا كلّ شيء، ودعوا أمنياتي

تضحك الصقور ملء شدقيها، تسرق الأمنيات، وتسلّمها مفاتيح العتمة.

 

 

ثمّ عاد

 

 

 ذهب دون وداع.. لم يقل شيئاً قبل الرحيل.. حزم أمتعته في غفلة عن البيت، ثمّ خرج إلى غير رجعه. تنبهّت فاطمة إلى غياب سليم المفاجئ، لكنّها لم تقم بأيةّ إجراءات تخص التلميح أوالتصريح، خشية انتشار الخبر بشكل ينعكس عليها، وعلى أطفالها سلباً.

أخفت همّها بادئ الأمر، لعل الزوج يكون قد غادر المنزل في مهمّة قصيرة، ثمّ يعود ...

لكنّ الفترة طالت، وتجاوز الغياب حدّه المعقول، وبات السكوت مستحيلاً. أخبرت صغارها بالحقيقة، مختلقة لرحيل أبيهم المفاجئ أعذاراً متعدّدة، وكان عددهم ستة، بالإضافة إلى جنين في أشهره الأولى ... ينام في بطنها الذي مافتئ ينتفخ شيئاً فشيئاً، معلناً تمّرده على ماحدث. بعد عام ونيفّ، وبعد أن كانت الأم قد أنجبت طفلة، واجهت عيناها النور، دون أن يهدهدها أب، ودون أن يطلق عليها اسماً، أوحتّى يحتج على مجيئها.. بعد عام ونيّف من الضنك والعذاب أمضته فاطمة متنقلة بين هنا وهناك في السؤال والتقصيّ .... عرفت أخيراً مكانه وعرفت أنّه قد غادر القطر، ولن يعود إلى الوطن أبداً .

ذرفت دموعاً مالحة كملوحة أيّامها المقبلة. بكت بحرقة على حظّها، وعمرها، وشبابها.. حاولت أن تتعرّف على سبب واحد لهجرانه لها، فلم تجده.. فتّشت عن مبرّرات مقنعة وكافية لتبرئته أمام نفسها، وأمام أولادها، وأمام المجتمع، فلم  تعثر عليه، بدأت رحلة الهموم بالنسبة إليها، وراح الصغار يكبرون، وتكبر معهم المسؤوليّات الجمّة التي عجزت في البداية عن حملها ... إذ استنجدت بالأقارب فلم ينجدوها " ولجأت إلى الأصدقاء والمعارف، فتهرّبوا منها.. لذلك، قرّرت أن تعمل ... وكان عملها أوّل الأمر يتوزّع ما بين الخدمة في بيوت الناس صباحاً، ومابين صناعة بعض المعّجنات لأحد مخازن الحلويّات مساء ... ثمّ استقرّ حالها بعد ذلك على القيام بمهنة كانت قد تعلّمتها منذ صغرها، وهي الخياطة.. فقد ملكت مقدرة مزاولة هذه المهنة، وأتقنت أداءها بالتدريج.. لذلك اشترت ماكينة خياطة ... جمعت ثمنها قرشاً إثر قرش، وراحت تخيط للآخرين بالأجرة.. لم يكن الوضع سهلاً أو مريحاً في بدايته، لعدم شهرتها، وقلّة زبائنها.. لكنّ الله لم ينسها، فقد أعانها على خوض مرحلتها الجديدة، وسهّل لها الطريق الذي صمّمت السير فيه، لتصبح بعد زمن من العمل الدؤوب المستمرّ، إسماً معروفاً في عالم الحياكة والتطريز، وبدأت أحوالها الماديّة تتغيّر، وأمور أسرتها تنتقل من الحسن إلى الأحسن.. حمدت الله وشكرته على نعمته وفضله ورحمته التي شملها بها، وعوّضها عن فقرها، وفرّج كربتها بعد نضال مع الزمن دام سبعة عشر عاماً، استطاعت خلالها أن تربيّ أبناءها أحسن تربية، وتخرجهم للدنيا رجالاً ونساء صالحين، وتوصلهم إلى وضع حياتي مقبول .... أمّا الأب فقد قلّت أخباره وندرت حتىّ انقطعت تماماً، ولم يعد يسأل عنه، أو يذكره أحد... إلى أن كان يوم..

طرق الباب فيه على عجل، وكان الطارق برقيّة تقول: " سآتي بعد أسبوع "

ذهلت فاطمة ... سكتت عن الكلام، ولجمت لسانها الدهشة حين قرأت التوقيع ... معقول ؟! سيعود ؟! بعد هذا العمر ؟!.. ولماذا ؟  بدأ لسانها يتمتم، يتخبّط بنواشذ الكلام ...قلب الأولاد جميعاً شفاههم، مستنكرين الأمر، مبدين عدم الارتياح، وعدم قبول ما سمعوا.. قالت إحدى البنات..

- لماذا يريد العودة ؟

عقّب أخوها

- ماذا يبغي منّا ... وماذا نبغي منه ؟

تابعت الصغري:

 - نحن لا نرغب بمجيئة ...

 ثمّ أضافت:

- أنا لا أعرفه، ولا أريد..

 بقيت الأم على شرودها ساهمة، واجمة، حائرة بماذا تجيب، وكيف تتصرف ّ، وماذا تقول للأولاد، وعلى أيّ أساس تقنعهم بوجوده، وبأيّة صفة تستقبل ذاك الذي هجرها عمراً بحاله، وتركها وأطفالها وهم بأمسّ الحاجة إليه ... عاد كالغريب، رجع، وقد نأت عنه العافية، وتغيرّت أحواله وملامحه.. أتى مريضاً مشلولاً محمولاً على نقّالة، ينخر السوس عظامه، والعلل تتوزّع دماغه وقلبه ... ولا بدّ له من خادمة وممرّضة للعناية به.. وليس هناك سوى فاطمة، التي حكمت عليها الحياة بالعذاب.. ترى هل تقبله ؟.. أم ترفضه ؟ وما رأيكم ...؟

 

 

 

بنت الدهشة

 

شارداً كان ... في الأويقات المتقدّمة في المساء ... مرّت أمامه غزالة منقوشة في ذاكرته منذ قديم العهود.. استدرجته الغزالة لعالم معشوشب بالخضرة والمواعيد، تكورّ داخله مثل طفل صغير ... أخذه الحب، والدفء، والجمال ... صاح:

- وجدتها ...!

تربعت "غاده " على عرش قلبه.. اتخذّت مملكتها هناك، ثم أغلقت الباب.. أضاءت أيّامه، بوجه بديع، وحديث أخّاذ، ومع إصغائه إليه ... راح يحضن حلمه القديم، وينتشي به حتى آخر قطره .

- " أنتِ من أردتكِ، أنتِ ... "

قال لها ... وسبح في ملكوت سمائها، وغيّب من عمره كلّ خطايا الانتظار.. أطلق عليها أسماء  النساء كلها، وصفات الأميرات.. فصارت دميته المدلّله الساحرة، التي لم يستطع أي وصف أن يطولها، أو أي رسم أن يعبّر عنها.. أحبّها حتىّ غصّ قلبه بالصخب، وبدت كل لحظة تمر عليه، تعادل مليون عام. نام، نام، ثمّ استيقظ.. نبهّته " غادة " من رقاده، أشعره قربها بشيء خفي يجتاحه لأوّل مرّه..

- " ماذا تراني أفعل بهذا الحسن ، ماذا أفعل بهذا السحر ؟.."

باح لها، وباح ... ثمّ جرى ما جرى !"

 كم مضى من العمر العابر على دروب الحياة، والممزوج بأفانين الرغبة، وهو يغزل أحلامه الواضحة، الغامضة.. والتي لم يكن خياله يتّسع لأكبر منها.. كم كان ينسّق، يرتّب، يبني بيته المقبل، عشّه الزوجي المركون في فضاءات الصباحات والمساءات المعطّرة بالانبهار، والمغسولة بماء الورد، يزرع أملاً يمنحه قوافل عطاء، لا تملكها سوى زوجة رسم لها في ذاكرته نموذجاً معيّناً، لا يتخلّى عن مواصفاته قيد أنمله ؟؟

- " أريد عروساً جميلة إلى درجة تفوق الوصف.. إذا نظرتُ إليها أسرتني.. وإذا لا مستها صعقتني، وإذا أصغيت لحديثها، أذابني حلو الكلام، وإذا اختليت بها أصابني مس ... الخلاصة.. أريدها.. بنت الدهشة ".

 وجرى التعبير على ألسنة أصدقائه، متندرين، مشفقين:

- أحمد لن يتزوّج سوى " بنت الدهشة ".. وإن لم يجدها، فعلى زواجه السلام.

الأيّام تسحب الأيام ... والرأس يمتلئ بالشيب وقد تجاوز الأربعين.. لكن الأمل مازال في باكورة تألّقه، ووجه الحبيبة يروح ويجئ، والصورة المرتقبة ماثلة أمامه لا تحيد.. ملامحها مرسومة بدقّة، وتعابيرها ذات مواصفات مدروسة.. الطول، الوزن، اللون، والعينان، النطق، الشعر خفّة الظلّ، الحضور، الثقافة، ... إلخ ضاع الوقت، هدر على شرفات الترقّب، سرقته خديعة الأحلام ..قال:

.. حتىّ الأحلام تتقن فنّ السرقة ".

لكنّه لم يتراجع عن شروطه في الاختيار، ولم يتنازل عن الرغبة في الشكل الذي يريد، والذي لن يقبل بديلاً عنه أبداً، فهو إن لم يردِه قتيلاً عند رؤيته له، فلاداعي إليه على الإطلاق " وحدث ما أراد ... التقى بغادة بعد رحلة من التمنيّ طويلة.. باغتته الظروف بها تعبر من أمامه وهو جالس على ناصية مقهى..

.. إنّها هديّة الله من السماء "

لفحته نار الحب في اللقاء المفاجئ، وصرعه الجمال منذ أوّل نظرة، وجاءت إليه على قدميها تسعى.

قدٌّ، وعينان، وطول فارع، وشعرها كالليل، وحضور بهي.. !

"إنكِ أنتِ.. أنتِ نفسك من جريتُ وجريتُ حتّى لحقت بك"..

 اعترف لها، تلاشى في حضرتها، نسي العالم بوجودها معه..

غبطه الأصدقاء، وربمّا حسدوه، وتحلّقوا كلّ يوم يتهامسون:

" لابدّ أنّه يعايش الضياء، ويطير في سموات الحبور، ويصفّق للفرح، في مطر صيفه القائظ ندى.. هنيئاً له.. لقد صبر ونال..

أفضت القرب ما أفضت، ثم راحت الشفاه تتلمّظ بمختلف الأوجاع:

قال نبيل:

- " لقد تزوّجت رغماً عنّي.. ألزمتني رغبة الأهل ".

قال عامر:

- " سعادة الحياة أن تفتح عينيك في الصباح على وجه جميل، وليس على وجه يابس، كما يحدث معي ".

قال سعيد:

- " لو انتظرت مثله، لكنت الآن أسبح في بحر من العسل ".

غاب أحمد عن الجميع، غادر الشلّة والرفاق، لم يعد أحد يراه.. شهر، شهران، ثلاثة شهور.. إلى أن كان مساء..

وبينما الأصحاب يلتفوّن حول إحدى الطاولات في أحد المقاهي التي اعتادوا التواجد فيها، يشربون القهوة والشاي، ويدخنون النراجيل.. و إذا بالعريس يدلف إليهم..

يحييّ،. يأخذ كرسيّه المعتاد، ومكانه المعتاد، وقد أمّحت عن وجهه أيّة تعابير توحي أنّه ينتظر حلماً.. أو دهشة ما.

 

 

آخر الهدايا

 

 

قالت... وسنواتها السبعون تجرّ خيطاً من ذكريات، والشيب يملأ الرأس والقلب، والحديث عن الصبا له في الفم حلاوة السكرّ:

- لو تعلمين ..كم كنت جميلة أنيقة وفريدة الحضور ! لو تعلمين.. كم شغلت الحياة بي، وشغلتُ بالحياة..  البهجة كانت رفيقتي، والزهو صنوي، والتألّق صديقي. كان يا ماكان، في قديم الزمان، والعمر يذوي، والوقت قطعة ثلج تذّوب، تذوب، ثم تنتهي، والشباب ربيع، والربيع أقصر الفصول.. آه.. تابعت حديثها عن ذكرياتها بشغف وتوق، وتمنيّت ألاّ تصمت.. فكلّ كلمة كانت تخرج من بين شفتيها تشدّني كي أصغي أكثر، واستمرئ الاستماع.. فمازال في نطقها بقية من براعة، وفي مخارج حروفها لكنة محببّة، وفي حركة يديها صورة امرأة عاشت وعايشت، وعانقت الدنيا طولاً وعرضاً.. وإن بدت بيادر اليأس تتزاحم في عينيها العجوزين، فلأن سفنها أسلمت مراسيها للريح، ولأنّ الزمن حطّاب نشيط، ولأنّ تخوم السنّ تلوّح لها بمنديل.

أطبقت جفنيها، وفتحتهما، ثم عادت تسردلي:

- " كنت أثيرة لدى زوجي.. يحبّني، ولا يرفض لي طلباً، ولا يتوانى عن تلبية أمر لي رغبة به ..أقول للشيء كن فيكون.. كيف لا !.. وأنا أميرة زماني، وسيدّة وقتي، والدمية المدللّة لديه.. زوجي كان إنساناً ذكيّاً، وشهماً، وكريماً، وسيّد الرجال.. لكن !.

- لكن ماذا ؟

 - كان فيه عيّب معيّن.

 - ماهو ؟

- لم يقدّم لي خلال سني عمري معه سوى هديّة واحدة.

- ماهي ؟

- حذاء أحمر ... وكان ذلك في مستهلّ حياتنا الزوجيّة.

فقد عاد إليّ ذات يوم يضجّ بهجة وسعادة، يحمل بين يديه كيساً أنيقاً.. قال لي:

- افتحي الكيس، وشاهدي ماذا أحضرت لك.

وبشوق الأنثى ورغبتها وضعفها أمام هديّة الرجل، اندفعت لأرى ماذا أحضر لي ..وبسرعة خاطفة، وقبل أن أنعم النظر جيداً، ارتسمت على وجهي علامات غضب مفاجئ.. رميت مابيدي جانباً وأنا أغمغم:

- إنّه ليس جميلاً، ولا أنيقاً، ولا يناسب ثيابي .

بهدوء أجاب:

- لا بأس، لابأس.. إذهبي غداً، واستبدليه بما يلائمك ويرضي ذوقك.

 في اليوم التالي..

ذهبت وجارتي إلى سوق الحميديّة ... توجهّت صوب المكان الذي دُللت إليه.. قلّبت مافيه من أحذية، فلم يعجبني أي حذاء.. استعرضت دكاكين السوق من أوّله إلى آخره أكثر من مرّة فلم أحظ بما أريد.

تفحصت عشرات المحلاّت.. جرّبت عشرات الموديلات.. تناولت عشرات الألوان.. ثم عدّت في آخر النهار، وبصحبتي الحذاء الأحمر .

 

 دخلتُ البيت.. حدّق زوجي إلى الكيس، ثمّ إلى وجهي.. وعلى عجل، قرأ على ملامحي إشارات ودلالات تخالطها معان كثيرة. ابتسم..

 ابتسمت..

 وكان الحذاء الأحمر آخر هداياه لي.  

 

 

مركز اجتماعي

 

 

صعد الحافلة، ببذّته الأنيقة، وهندامه الحسن، وربطة عنقه المنتقاة من أشهر محلاّت الألبسة. شدّت أحاسيس الموجودين رائحة عطره المميّزة ولفتت انتباههم هامته المرفوعة، وطريقة حمله لحقيبة " السمسونايت " السوداء، التي كانت توحي بشخصيته الهامّة.

خمّنت، وكنت من ركّاب تلك الحافلة -، أن الرجل.. ربمّا كان من " رجالات الأعمال، المرموقين الذين لهم باع طويل         ضمن صفقات الاستيراد والتصدير التجارية، وربمّا كان يتبّوأ موقع مسؤوليّة لابأس بها. وربمّا كان أحد الأدباء الذين ولدوا، وفي فمهم ملعقة من ذهب.. هذه الـ " ربما ".. لم أجد لها جواباً محدّداً.. لكنّني عرفت أن الرجل ذو أهمّية، من خلال حديث دار بينه وبين جاره في المقعد، وهو واحد من أبناء مدينته الصغيرة، الذي التقاه في الحافلة عن طريق المصادفة، والذي لاحظتُ عليه علائم الاستغراب لدى رؤيته الشخص المذكور.. قائلا ً:

 - معقول أستاذ ؟.. أنت تركب الحافلة ؟! أين سيّارتك ؟!

 امتعض الرجل عند سماعه الكلام الحامل في طيّاته دهشة وشكاً مبادراً إلى إجابة مقتضبة:

- للضرورة أحكام.. سيّارتي في التصليح.

 هزّ الآخر رأسه دون أن يتفوّه بكلمة، ثمّ نزل بسرعة إلى أحد المطاعم الموجودة في مركز انطلاق السيّارات، واشترى لفافتين من الفلافل.. راح يأكل واحدة منهما بنهم.. أمّا الثانية، فقد قدّمها للرجل بحياء وتردّد شديدين، متوقعّاً - سلفاً _ رفضه لها _ وفعلاً، فقد رفضت الضيافة مشفوعة بكلمات الاعتذار، والترفع، وإشاحة الوجه.

في تلك الأثناء، وبينما أنا أتابع أحداث ما يجري، استرقت نظرة إلى عينيّ / المعني /، فلمحت شيئاً مخالفاً لسلوكه الذي قام به، وقرأت رغبة متلهّفة، وجامحة لتناول / لفافة الفلافل /.. بدليل اللعاب الذي كان يسيل من فمه.  

هذا الكتاب

مجموعة قصصية مستوحاة من البيئة الاجتماعية تمتاز بوضوح الرؤية.

فهي تقف مع الحياة الخيرة تناصرها ومع الناس الفقراء والمسحوقين الذين لا يملكون إلا أحلامهم.

ومع الحب في بعده العاطفي والأخلاقي والانساني ومايمثله من قيم نبيلة وسامية.

رقم الايداع في مكتبة الأسد الوطنية:

حكمة الهدهد : قصص قصيرة للأطفال/ حنان درويش- دمشق؛ اتحاد الكتاب العرب ، 1999- 74ص؛ 24سم.

 

أضيفت في 15/06/2007/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية