الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتبة

قصص

         

زائر

الشمس لا تشرق

الفائزة

تمرد

بوح الزمن

مات الياسمين

قلق

غرفة رقم 13

أحزان ع الرحمن

معادلة

حكاية كل شهر

حالة غضب

أزرق أحمر

تهيؤات حمود

خلف الزجاج

مفاتيح العتمة

ثم عاد

بنت الدهشة

   آخر الهدايا

مركز اجتماعي

بقلم الكاتبة: حنان درويش

بوح الزمن الأخير 

 

 

 

الإهداء:

إلى مصياف

مدينتي الغافية

على كتف المحبّة، والدفء، والجمال.

 

بوح الزمن الأخير

 

 

اقتعدت الرصيف، وليس في ثنايا ثوبها البالي سوى خلايا ميّته، كأنمّا جلبت من قبور، ما أو من احتضار زمن. جسمها يترنحّ. العالم يترنحّ، فتهمّ بالسقوط. في كلّ يوم تواجه مصيراً جديداً، وتتعرّف ملجأ جديداً، وتستسلم لذبح جديد.

الدروب المؤديّة إلى غياهب الماضي باتت سالكة بصعوبة أو مستحيلة العبور. لملمت أطراف ذكرياتها، وقفلت راجعة تطوي أيّامها، وتغيّب حضورها تباعاً.

كلُّ الذين كبروا تحت جناحها، طاروا عندما نبتت بواكير ريشهم. كل الذين أقسموا في حضرتها على الوفاء غدت أيمانهم أوراقاً صفراء تتلاعب بها الريح.. البيت، والأولاد، والكنف الدافئ، وعريشة الياسمين.. أصبح بينها وبينهم أراض وفياف وقفار، لو حاولت اجتيازها لابتلعتها مفاجآت بعيدة عن الحنان.

" أين سأبيت الليلة؟؟.."

واجهها النحيب بعدم الإجابة. لم يتنام إلى سمعها أيّ صوت، ولم تبادر أيّة رحمة إلى انتشالها سوى رحمة الأرصفة.

بدا الفراغ الهلامي أمامها مقفراً، إلاّ من بعض الراكضين وبعض غريبي الأطوار، وبعض المظلاّت السوداء، والحمراء، والبنفسجيّة.

الليلة الشرهة تعوي في عظامها. يودع البرد سياطه فوق صفحة وجهها. ثمّة مطر غزير، وثمّة عواصف متخمةٍ بالفجاجة تقتلع أوتاد خيمتها، وتصبُّ في قلبها ذعراً لم تستطع مهادنته... تنتفض. تختنق. يتبعثر حطام المرأة في داخلها...

ترى، لماذا غرّر الزمان بها؟.. وكم مضى منه على تلاشي أنفاسها؟.. هل ماتت؟، أم هي في فلك النهاية تدور؟. انتشلت رأسها من القاع. رفعت سحنتها الغارقة في الطين. أسلمت أذنيها لهمهمة مداهمة.تسلّقت عيناها السيقان التي صارت إلى جانبها تحت المظلّة الحجريّة. صاعدت تلاحق أنفاسها. أصدرت  اصواتاً وحركاتٍ وجلبة تستجدي شيئاً من العطف، يفضي بها إلى مأوى تبيت فيه. لكنّ المنتظرين لم يكترثوا لوجودها، ولم يمنحها أحد منهم نظرة رفق..أو حتىّ نظرة واقفة على الحياد.... فقد كانوا مشغولين بحديث لم يسقطوا من حسبانه إشارات التعجّب والاستفهام.في البداية، لم يكن الكلام يعنيها أو يهمها.. لكنّه، شيئاً فشيئاً أصبح حاراً بعكس طبيعة تلك الليلة، ومؤلماً إلى درجة الفجيعة.. يخرج من بين الشفاه مدهشاً وطريفاً أحياناً.. مبعثراً وثقيلاً على السمع أحياناً أخرى، كأنّ شيئاً أمسك بخناّقه، وأعاق عبوره، فضاع في متاهة الطريق.

التصقت بالواقفين.. قرّبت أذنيها من افواههم تريد اكتشاف هويّة اقوالهم. كان التصرّف بدافع الفضول أوّل الأمر.. لكنّه، بالتدريج، راح يفصح عن مقصد فتح أمامها بوّابة، أخذت تتسع وتضيق بمقدار.

-" لقد قرأت اليوم خبراً مثيراً تلبّستني غرابته حتىّ هذه اللحظة.."

قال أحد الموجودين مضيفاً إلى حديثه موسيقا خاصة يصدرها اصطكاك أسنانه، ثم تابع:

-"وضعت دائرة السجون إعلاناً يشير إلى أن أحد المحكومين بالإعدام حين سئل عن الأمنية التي يرغب بتحقيقها قبل الموت أجاب.. بأنّه يريد امرأة.."

أطلق رجل آخر استنكاراً حادّاً، ابتلعه على الفور استهجان أكثر حدّة:

-" وماذا يبغي المهتمّون بالأمر من الإعلان؟.."

-"يريدون تنفيذ الرغبة للمتّهم إن أمكن.."

-" هذا مستحيل.. فما من امرأة في الدنيا، تدفع بنفسها إلى السجن لقضاء ليلة شرسة مع المجرم، مهما كانت المغريات المقدّمة..".

كقطّة بريّة أغرقها المطر حتىّ الثمالة انتفضت...

راحت تموء بشكل جنوني. تفجّرت براكين سكوتها.

انبثق من عينيها ما يشبه الصراخ...

" السجن؟‍‍.."

غشت  رؤيتها غفوة وذهول. غيّبت وعيها ثمّ أحضرته... لابدّ أن المسافة إلى هناك شائكة ومتعبة... لابدّ أنّ الدرب وعرة ومظلمة..

" السجن ؟‍‍.."

كيف المسير إليه؟.. كيف الوصول؟.. ومن أين الانطلاق؟. لاوقت لإطالة التفكير.. ولماذا التفكير؟، مادام يوجد في النهاية سقف وجدران وحماية من البرد والمطر، ولو لليلة واحدة.. فليس في جعبتها أيّ متّسع للتفاوض.

شدّت شالها حول رأسها، لفّته بإحكام. تأبّطت العنوان، ومعالم الخطوات، ثمّ اسلمت ساقيها للمجهول، تقتفي أثار العتمة، والقهر، ورائحة احتراق لشيء ما.. بينما السيول تجرف سرّها الدفين، تودي به إلى  مالا قرار.

عند بوّابة الزنزانة وقفت.. ارتجفت.. انزرعت في الأرض مثل شتلة واهية الجذور.. غلّفها الحيّز الأسود بقفره ووحشته.. لكنّ الشيء الوحيد الذي اكتشفته هناك، والذي رطّب بعضاً من جفاف صحرائها، أنّها لم تجد ما هو غريب أو جديد على عالمها... فقد أحسّت مع تقادم الدقائق بإلفة الموطن، وبترجيع رئة الزنزانة لصدى أنفاسها، وبأنّ الرجل القابع في الزاوية هو منها وإليها... فلم تبد عليه بوادر الأمنيات، ولم تتكفّن رؤاه إلاّ بالصديد، ولم تغفل أجنحة الغربان عن مواساته.... يداه تحتضنان كوابيسه، وصدره يعلو ويهبط في رحلة متساوقة مع رحلة الزمن العابرة ببطء شديد.

الفضاء الضيّق بحلكته ينضمُّ إلى مجموعة من الفضاءات الأخرى، والتي غرزت بين جنباتها أشخاصاً تلبّستهم التهمُّ..  صدقاً أم زوراً، حقيقة أم تلفيقاً، لا أحد يعرف.. المهمُّ أنهّا تلبّستهم وانقضى الأمر.. وإلى  أن تبين الحقائق، وتنجلي البيّنات، يكون الدهر قد أصدر حكمه، ويكون الوقت قد أدرك بغيته على عجل.

الهنيهات هناك ركيكة وقاتلة، والجمود يصلب الوقت على جدار من رهان، والشفاه تيبّست وتشقّقت، وأصبح النطق صعباً.

-" منذ متى أنا هنا..؟‍‍!!

يتساوى لدى الرجل الليل والنهار.. الإشراقة والدكنة. تحاول الذاكرة الاستيقاظ، فيظهر الماضي برداء قميء، متعدّد الثقوب، ألبسوه إيّاه عنوة.

-" لماذا؟؟.."

- سألهم ولم يجيبوا !

تكالبواعليه مثل وحوش كاسرة- ألصقوا به تهمة قتل متعمّدة.. تهمة كان بريئاً منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، لتصبح بعد حين أرجلهم في الخلاء، ورقبته ضمن حبل المشنقة.

- من أنت؟...

- أنا.. أنا الـ..

خرج صوتها من أعماقها كأنّه يخرج من أعماق بئر، ثمّ ما لبث أن دوى مجلجلاً، يخترق حواجز سجنه، ويقتلع الساكت في نفسه، فتستيقظ بقايا جذوره. يقف في مكانه، يملأ صدره بهواء الصدى.. إنّه لايعرف كيف يتصرّف، وكيف يتعامل مع تلاحق الدقائق المتكئة على هامش الترقب والانتظار.. هل يضحك؟...

هل يبكي؟... بالتأكيد هو لايحلم، فالحلم جفّت مفرداته، وأسقط آخر كلماته في هوّة سحيقة. حاول أن يباعد ما بين شفتيه، أن يقول شيئاً..

أحسّ فجأة أن شيئاً ما يشبه الضوء يتسّرب إلى عينيه. ارتجفت أصابعه وهو يقبض على المسافة الفاصلة بينه وبينها.

-" امرأة؟!!"

منذ متى لم يتلمّس الندى.. ولم يكتشف عطر الورد في دوحة المنى.. ولم تتقرّ عيناه وجهاً سوى وجه سجّانه العالي، والذي نضب منه ماء الحياة منذ أمد بعيد.

اقترب خطوة، واقتربت مثلها.. هل ما يراه حقيقة أم شبيهتها؟... أم أنّها الريح أرسلت إليه خيالاً يعزّيه في سويعاته الأخيرة.

وقفا متقابلين، ثمّ نزلا رويداً، رويداً إلى أسفل ضمن مساحة لاتتسّع إلاّ لألميهما معاً.

أبحر في غابات عينيها، قرأ شيئاً من المكتوب. شعور غريب مغيّب أخذ يتناوب بالظهور متداخلاً مع مشاعر مبعثرة لاتماثل ايّة مشاعر. شيء من التوحّد مع عالمها ترجمته قواسم الهموم المشتركة، والتي بدأت ترتفع لتشكّل ركاماً.

شرقت بالدمع، وشرق أيضاً.. تسارعت خطا الزمان بينهما بشكل يدعو إلى الاندهاش. وصل نزيف كلّ منهما إلى الطرف الآخر عبر خطّ مستقيم غير ملتوٍ. أضافت إلى أشجانه أشجانها، وحكى لها عن ظروفه، وعن أيّامه، وعن حظّه العاثر.

رقدت يداها في يديه، ووضع رأسه على صدرها، وغمرتهما حالة من الدفء والسكينة والأمان.

قالت له:

- تعال نتجاوز كوابيس هذه اللعبة.

- وماذا بالنسبة للغد؟..

التمعت عيناها ببريق ليس له شكلٌ أو طبيعةٌ أو ديمومة.. شعّ البريق في أعماقه فيما يشبه الأمل..

بينما صوت انهمار المطر في الخارج يترافق مع صوت انهمار دموع السجّان الذي كان يجلس قرب باب الزنزانة.

 

 

تمرُّد

 

 

ذات صباح غريب، وفي ذمّة يوم مختلف كلّ الاختلاف عمّا سبقه من الأيّام، طرأ على عالم الحمار طاريء  لم يحسب له أيّ حسّاب... فقد نظّف أبو صطّوف وجه حماره، وجسمه، وقوائمه، ووضع فوق ظهره بردعة جديدة، واستبدل حبله بحبل آخر، وأحاط رقبته بطوق من أعواد الريحان المتضافرة. وزيّن الطوق بوردة. سارع أبو صطّوف الخطا، فسارع الحمار وراءه. تمهّل قبل القفز فوق الساقية، فتمهّل معه، تريّث في ظلّ شجرة الجوز العتيقة يدرج لفافة تبغ.. فتريث أيضاً.

" إلى أين يقودني أبو صطّوف؟!!.."

تساءل الحمار متوجّساً، ثمّ تابع وهو يحرّك رأسه نحو اليمين ونحو اليسار.. يقدّم أذناً، ويحرّك أخرى " لابدّ أنّه يسير بي إلى سوق الخميس ليبيعني !".

عند دكان واسعة وسط المدينة كان مستقرُّ المطاف.

تبادلت الحمير الموجودة هناك إشارات معيّنة، وعبارات ذات مدلول. نظراتها التي التقت صمتت عاجزة عن التعبير، وحالة الجمود التي سربلتها لم تتكهّن بشيء...

لكنّها، وكيفما اتفق، تحايلت على الإشكال، بالإذعان والطواعية، كما اعتادت حيال كلّ أمر.. إذ عرف بعضهم، وممّن يزورون الدكّان لأوّل مرّة، أنّ المكان يخصّهم، وعرفوا سبب الزيارة المفاجئة لرجل يلقّب بالبيطار.

أحضر الرجل مستلزمات العمل بدربة الصانع المتمرّس ماسكاً مطرقة صقيلة، شكلها ينبئ عن قوة تـأثيرها.

نادى بصوت خشن ممزوج بحشرجة تقتضيها المهنة:

- أعطني علبة المسامير ياولد..

ولأوّل مرّة، يشاهد الحمار وهو يخرج عن الطور، ويتجاوز حدود المألوف. بينما أكبر المسامير حجماً ينفذ إلى قائمته اليمنى، مارّاً بثقب مستدير في الحدوة المثبّتة فوق الحافر الذي غدا أملس بفعل معالجة أوليّة من آلة حادّة. تشنجّت أذناه. تصلّب ذيله. انبسطت الأرض به، ثمّ ضاقت، ثمّ زلزلت. رفس ونهق بآن، متسائلاً عن معنى أن يكون له حذاء تشبّهاً بالمخلوقات التي تسير على اثنتين، محتكماً إلى عدالة الطبيعة في هذا الموضوع. نهيقه النشاز أجفل زملاءه الذين ينتظرون دورهم للدخول.. تشتّتوا، تفرّقوا، أخذوا يعدون، وينهبون أرض الشارع نهباً، كأنّ الطير ابت أن تستقر فوق رؤوسهم، أو كأنّ جنون البقر قد بدأ ينتقل إليهم بالتناوب.

ساد الصمت في المدينة كما لم تصمت مدينة من قبل...

هدأت الأصوات. جمدت الخطوات الهادرة. غرق المكان كلّه في مهابة واحتباس أنفاس، انتظاراً لاحتجاج أكثر إفصاحاً.

- اصبر.. اصبر، فقد عهدتك من الصابرين..

ومن قلب المعارضة، واتّساع مساحة الدهشة، ومع تلاحق دخول بقيّة المسامير، في بقيّة الثقوب، انتقل الوضع من حال شديد، إلى حال أكثر شدّة، دون أن يكون لكلمات أبي صطّوف أيّ تاثير يذكر...

فقد حلّق في جوّ المكان شبح حمار راح يحارب بقوائمه الهواء بين إقبال وإدبار.. يرفع راسه ويخفضه كمن يؤدّي حركات بهلوانيّة مثيرة..

هكذا رآه الواقفون ضمن معمعة الغبار المتصاعدة، مائجاً كبحر.. هائجاً كبركان.. متوتّراً كحالة عصيّة على الحل... يناور حيناً، يهادن حيناً، يقفز فوق العضلات القويّة المتكاتفة في أكثر الأحايين.

تألم الحمار وتأزّم.. نظر بعينين حزينتين وهو يعود برفقة أبي صطّوف من حيث أتى.

كلُّ الأمور التي حدثت لم تكن متوقّعة.. فقد وردت أمامه خطفاً مثل حلم لم يوقظه منه سوى صوت الحوافر الحديديّة ترنُّ على أرض الشارع كإيقاعات رتيبة جنائزيّة.

حين سأل نفسه:

" لماذا الآن... وبعد هذا العمر..؟"

لم يسمعه أحد..

لكنّ التصرّفات التي بدرت منه بعد ذلك، تجاوزت حدود الأسئلة والكلمات، إلى فعل له ديمومة التمردّ المستمر.

 

 

القصيدة الفائزة

 

 

ساد صمت جليّ على القاعة حين اعتلى الشاعر أنور الفالح المنبر بثقة  وهدوء.

-" مساء الخير ياأهالي هذه المدينة الجميلة.. أنتم أصحاب ثقافة وأدب.. لذا جئت إليكم أحمل زوّادة، هي عصارة فكري، ونبض قلبي."

صفّق الحضور، توثّبت قسمات الوجوه، استنفرت الأحاسيس... وتأهّب الجميع لسماع قصيدةً" ذوبان" التي قدّم لها، وقدّم لصاحبها مدير دار " الإبداع "، مشيراً إلى فوزها بالمرتبة الأولى، من بين مجموعة كبيرة من القصائد المشاركة في المسابقة المعلن عنها سابقاً.

أذوب.. أذوب

كرنفال يمرُّ

تهرق زنبقة..

لمن المنابر أورقت؟

أنا لست خنزيراً بريّاً..

ولا زجاجة حبر..

في ساحتي" عربشت

مواسم القحط

ونمت القبيلة..

تململتُ في مقعدي. التفتّ إلى يميني، ثمّ إلى شمالي..تفاءلت وأنا ألمح بصيصاً من التوثّب ما زال عالقاً على الوجوه، وبعض نأمات انتظار، للآتي من فم الشاعر، الذي تصدّرت صوره ومقابلاته الصحف والمجلاّت، فكان معه الحوار تلو الحوار، واللقاء تلو اللقاء.

ياغابة من الفستق الحلبي..

ياامرأة..

زلزلت الأرض

أرعدت السماء.

ناقوس يدقّ

شوارع حبلى

لن يدخل الوقت من سم الإبرة..

لن يدخل..

ابدأً.. ابداً..

اغتاظ أحد المتعصّبين للشعر العمودي. سعل سعلة مقصودة كسرت جليد الصمت. بدأ يوزّع نظراته المستنكرة على الجميع بالتناوب، وهو يقول همساً:

" هل فهمتهم شيئاً؟.."

ثمّ يرفع راسه بالنفي مجيباً عن سؤاله بنفسه. شعوره اللامتناهي بالغيظ شاركه إيّاه شخص آخر كان من أنصار شعر التفعلية، وراح يردّد:

-" هذا ليس شعراً.. هذا ليس شعراً..".

حالة التأفّف تلك  لم تطل، فقد أنقذها من ورطتها رنين هاتف مجلجل أقبل من غرفة المدير الخاصّة.

نهض الأستاذ نعمان، وعلى سيمائه علائم غير مقروءة، وغير مفهومه :

- ألو.. من.."..

- أنا أبو ميسّر

وقف المدير بوضعيّة استعداد حال سماعه للإسم.

- أهلاً.. أهلاً أبو ميسّر كيف الحال؟.. كيف الصحّة" كيف ؟.. كيف؟..

- بخير، بخير.. لكنّني عاتب عليك يارجل.

- لماذا؟.. كلُّ شيء يهون إلاّ غضبكم... أنتم تاج راسنا، وأولياء نعمتنا.

- " لقد سمعنا أنّك قد أقمت مساء أمس حفلاً فنيّاً ساهراً بمناسبة مرور عام على تدشين مبنى الدار، وكان المغني" فصيح الأخرس".. هو بلبل السهرة- وأنت تعرف كم أنا مغرم بصوت هذا المطرب.. فلماذا لم تدعنا؟.. لو كنت فعلت، لجلبنا الزوجة والأولاد وجئنا نتسلّى.."

جمد الأستاذ نعمان في مكانه، ولم يستطع أن يجيب.. ولواستطاع لقال له:

-" لقد أرسلت إليك عشرات البطاقات من أجل حضور أمسيات وندوات ومحاضرات ثقافيّة... لكنك لم تأت، لذا أحجمت عن دعوتك".

اعتذر المدير عن تقصيره غير المقصود.. اعتذر كثيراً، ووعد بأنّه لن يكرّر فعلته الحمقاء بعد اليوم... ثم عاد إلى مقعده يتابع ما تفضي به قريحة الشاعر:

رجع الصدى آت..

يتسلّق التلعات

يعبر مفازات الرؤى

من منكم بلا خطيئة

فليرمها..

أذوب.. أذوب..

فالقرنفلة أشرفت على

الانتحار

أذوب.. أذوب

وأرضع لبن الشماتة

واشتمُّ رائحة الملل..

حالما خرجت كلمة" ملل" من فم الشاعر " الفالح"، كان نصف الجالسين على أهبّة النهوض، بينما النصف الآخر يتأرجح ما بين النوم واليقظة.. وهاهو جاري " أبو سليم" يغطُّ في نوم عميق كعادته، حتى لكأنّ شخيره يطغى على مخارج حروف القصيدة، فلا أكاد أفهم ما أحاول فهمه.

-" ما دمت تنام في كلّ مرّة، فلماذا تأتي ياعمّاه؟"

-" لعن الله السكرّي.. هو السبّب.".

خيبة أمل اعترتني، أحبطتني، شدّتني إلىأسفل، وأنا أرى القاعة المهيبة الرحبة خاوية الوفاض إلاّ من بعض القلّة المهتميّن، والذين باتوا يعدّون على أصابع اليد.. لماذا؟.. وما الذي حصل؟.. وما هو السبب؟... لا أحد يدري.. وربّما يدري، وهنا تكمن بذور المصيبة. سقى الله الأيام الخوالي، عندما كنّا نذهب إلى المراكز الثقافيّة لنحضر أمسية أو محاضرة فلا نجد لنا كرسياً نجلس عليه، فنضطر للوقوف كي لاتفوتنا نعمة الإصغاء.

صرخة قوية أخرجتني من حالتي، فأوليتها الانتباه:

بم.. بم.. بم..

سمعت دويّ الأقحوان

صعد الرجل إلى السماء،

أمطر امرأة..

بكت..

من يزود؟...

أنا عنترة الزمان..

ولا زمان.. ولا زمان..

عند نهاية القصيدة، فوجيء الشاعر بخلوّ القاعة.. لم يجد من يصفقّ له، فصفقّ لنفسه، ونزل عن المنبر، بالثقة ذاتها التي اعتلاه بها.

 

 

الشمس لاتشرق كلّ حين

 

 

عندما انفتح الباب، نفث البيت رائحة عفن قديم..

دفع صابر عربته وصاح:

- تعالي يارضيّة.. أين أنت؟..

هرعت الزوجة ملبية النداء، تساعده على إدخال أشيائه التي عادت معه بعد عناء يوم طويل.

فوق مصطبة الدار، جلس صابر متكئاً، ورضيّة إلى جانبه، بينما ظلال الحزن تزحف رويداً، لتغطيّ مساحة وجهها الذي ملّ البقاء..

بادرت بنبرة أسى:

-" رحم الله أيّام زمان" وقت كانت الشمس تزور هذه الدار كلّ يوم..".

- لكنّ إحساسنا الحقيقي بها ما زال باقياً ياعزيزتي.

لم تستطع  أن تستوعب مدلول كلماته.. فقط رفعت رأسها إلى الأعلى لتتابع:

- هذه العلالي مخصوصة بمخلوقات سوانا.. أمّا نحن فجدير بنا أن تأكلنا الرطوبة حتىّ الموت.

عرف قصدها، ومرمى قولها... تريده أن يرحل كما رحل جيرانه وذووه.. قبضوا اثماناً باهظة، ثمّ اختفوا...

أمّا بيوتهم، فقد هدمت ليشاد مكانها أبنية ضخمة تكاد تناطح السحاب.

صحيح، أنّ المنزل صار قديماً جدّاً، وصغيراً جداً بالنسبة للعمارات المحيطة به... وصحيح، أنّ هذه العمارات قد سرقت منه نور الشمس إلى الأبد.. لكنّه لن يبيع.

فكم لعب بهذا المنزل وهو صغير..وكم جلس  على هذه المصطبة ونام.. وكم غازل الفراشات ونادم أطياف الحمام. تطلّع إلى الخلف، ومن خلال النافذة واجهته صورة أبيه، فرآه ذا سكينة ووقار، وعلى جبهته قرأ سطوراً لاتحصى عن عراكه مع الأيّام.

***

حين يأتي النهار متراخياً إلى جفني صابر، ينهض من نومه. يغادر داره متجاوزاً الدرجات الخمس...

الأولى، الثانية، الثالثة.. عند الرابعة يتمهّل..

من باب الدار، إلى الشارع.. ومن نهايته المتفرّعة الاتجاهات يمشي إلى وسط المدينة. تتكشّف له السماء.

يخترق النور خلاياه، مخزّناً جسمه الدفء اللازم لاحتمال رطوبة البيت الذي سيؤويه حين يعود.

رحلة العربة اليوميّة بالنسبة إليه كانت بهجة تغلّف حياته المجرّدة من اللون.. ولا يزوره الارتياح إلاّ هناك، في تلك الأزقّة الرحبة رغم ضيقها.

حين تطأ قدماه  أوّل الزقّاق يتوهّج بحبّ متقّد، وتتوارد إلى شفتيه أطياف ابتسامات لاعدّلها، وتبدأ أغنياته الشعبيّة بمطالعها المألوفة، يترنمّ بها على حاجياته التي يحبّها الصغار.. فيخرجون من بيوتهم كنحل يندفع من خليّة.. الفرحة تضوع على ألسنتهم، وتغرق عيونهم بالسعادة.. يرفعون رؤوسهم الصغيرة، واللهفة ما تزال تعابث أفواههم:

- ماذا أحضرت لنا اليوم ياعم صابر؟..

- هل أتيت بما وعدت البارحة؟..

ويجيب صابر على تساؤلاتهم. تتعانق أصابعه مع أصابع كلّ يد تمتد إليه. ينسى نفسه بين الأطفال، وهو يضغط على أكفهّم الطريّة.. يتقاذفه حب كبير، بينما القطع النقديّة تتسابق إلى جيبه، حيث يمضي وهو يعرف إلى أين.

****

سرت في أوصاله رعشة، تحوّلت شيئاً  فشيئاً إلى رعب حقيقي. وقف لايدري ماذا يفعل. كان الانتظار عقيماً جداً، وصعباً جداً. عالج ابواب الغرف جميعها فتحها باباً إثر آخر. نادى زوجته كما تعوّد أن ينادي كلّ يوم، لكنها لم تجب.. فقط ردّدت  الغرف الحزينة صدى صوته الأجش:

- رضيّة ... اين أنت؟!..

عاد إلى الطريق.. تطلّع بغير هدى.. واجهته أبعاد مستحيلة لرؤية ئائهة النظرات. أحسّ بوجع يتورّم في داخله.. مرّت ساعات ورضية لم تحضر.

اتجه صوب الغرف من جديد.. فتح ابوابها ثانية..

ثمّة بقع كالحة الألوان، وخيالات مختلفة الحجوم، تتوزّع فوق الجدران. احتضن صورة ابيه بعينين متوسلتين.. حاصره همٌّ إضافي:

- ترى.. من أين يأتي النور؟..

زجاج الصورة يعكس ضوءاً يتسرّب إلى الداخل حز مة متعرّجة، ويعانق حيّزاً من ارجاء الغرفة.

استغرب الأمر... زاد استغرابه أكثر عندما رفع رأسه إلى الأعلى.. لقد بدا له سقف الغرفة بقسمين مختلفين، كلّ واحد يحاول الابتعاد عن الآخر.. والنور الذي يتسلّل، مصدره شق واضح هناك.

عبر دهر، وصابر لايزال متيبساً في مكانه.. القسمان ينأيان، والشرخ يكبر، والنشيج في قلبه في تنامٍ.

أطبق جفنيه..

المباغتات كالسيوف تحيط به.. يريد أن ينجو منها على عجل، فيرى أيّامه وقد عادت إلى ما كانت عليه، تصالحه، وترفق به.. لكنّ الجدران ذات البقع الكالحة الألوان.. لم تترك له وقتاً كافياً لتحقيق الأمنيات. فقد بدأت بالتداعي.. بينما أعماقه تتمتم تحت الركام:

" لابدّ أن الشمس أرادت أن تزورنا كلّ حين.."

 

 

زائر مع سبق الإصرار

 

 

يوم دخل بيتنا.. يوم داس عتبة أعناقنا، كان النهار شاحباً، والوقت غائماً. داهمنا بغته.. أقبل على عجل.

لم ننتظر مجيئه، ولم نفرد وجوهنا مساحة ودًّ لاستقباله، ولم نرفعْ لأجل عينيه راية الودَّ والقبول.. حاربناه.

شهرنا ألسنتنا سياطاً عليه.. قلنا له بصريح العبارة:

- اخرج من هنا.. نحن لانريد يدك.

هذا ما حصل في البداية.. أمّا فيما بعد، وعندما تجاهل شعورنا، وضرب عرض الحائط برضانا، واستشرى بيننا كهمّ ثقيل.. عندما فعل هذا كلّه أقمنا عليه الحد، وقرّرنا بالإجماع- نحن أفراد الأسرة- محاربته دون خوفٍ أو خجل.

انقضت ساعات، تلتها أيّام، كبر فيها حقدُنا عليه..

حتىّ صار تلالاً لاتزحزحها ريح، ولا تنقصها، بل تزيدها جاماتُ الغضب المتتالي صلابةً وصلفاً. إذ لم تنفع أشاحةُ الوجوه، ولا الترصّدُ، ولا المباغتة، كان الزائرُ يدخل ويخرج على هواه.. يتوسّدُ الأرائك ويفترش الموائد، ويرقّص شاربيه الأسودين كمن يترنّم بأغنيةٍ حديثةٍ عصيّةٍ على الهضم، ثمّ يلقي تحيّة المساء ويمضي.

أهلُ المنزل جميعاً، يضعون رؤوسهم- كلَّ ليلة - على مخدّة الغد وينامون، وهم يحلمون بصباح جميل خال من الغرباء.

أهل المنزل جميعاً ينادون الوسن، فيأتيهم طيّعاً أليفاً، دون تعب أو معاناة...

وحدي فقط.. استجدي الراحة فلا تبين..

عاداني الرقاد، خاصمني.. صارت بيني وبينه جفوةٌ، وبيني وبين الأرق صحبةٌ وحوار.. فأنا ومذ تعرّفته، تغيّرت أحوالي، وتبدّلت طباعي، وتعطلت أعمالي..لا ليلي ليل، ولا نهاري نهار. أعصابي متشنجة.. نظراتي هائمة.. في قلبي علّة، وبرأسي دوار.. سئمت الحياة، ونأيت عن الطعام، حتىّ هزلت، واختار الشحوب صفحة وجهي مسكناً له.

- عصام.. إسمع.. الليلة بالتحديد يجب أن ننتهي من هذه المهزلة، وإلاّ غادرت المنزل، ولن أعود حتىّ تجدّ حلاً لما يجري.

تأفّف زوجي. ضرب كفّاً بكفّ. صرخ بوجهي للمرّة ما بعد العشرين، مؤكدّاً أنهّ أكثرُ قلقاً منيّ، وأنّه يتمنّى طردَ الغريب اليوم قبل الغد.

لكنّه عاد إلى هدوئه وحازماً أمره من جديد، آخذاً بعين الاهتمام موضوع مغادرتي للمنزل إذا لم تحسم المشكلة المعلّقة.

ابتسمت لذاك لقرار.. فلا بدّ من وضع النقاط على الحروف، ولابدّ من رفع الصوت أكثر، ليس الصوت فقط، فالكلامُ لم يعد يجدي..وإنّما العصا الغليظةُ التي أُحضرتْ كدواءٍ ناجع لزائر البيت الثقيل، بالإضافة إلى عصيّ أخرى كانت تمسكُ بخنّاقها قبضاتٌ صغيرةٌ أجبرت على ذلك الفعل بتأثير من الأب الذي لايريد أن يأخذ أولادُه الجبنَ والخوفَ عن أمِّهم، والذي كان يردّد:

- ما دمتم تتبعون خطاها.. فلن تفلحوا!

ويقصدني أنا... وأنا لم أكن أتذمرُّ من كلامه، ولا أتأفّفُ، أو أشكو.. فهي نقطةُ ضعفي، وعقدةٌ حمّلتني إيّاها الطفولةُ... ومعه الحقُّ، الحق كلُّه في تأنيبي، ووصفي بالجبانة، ما دام الأولاد يتأثرّون بي، ويتصرّفون على شاكلتي حيال الطواريء التي تداهم منزلنا بين حين وحين.. مثله، مثلُ أيّ منزلٍ في الدنيا.

لزمت فراشي تلك الليلة، أغلقت بابَ غرفتي خوفاً من وصول الغريب إليها، وإنْ كنت قد تأكدّتُ من وجوده في المطبخ. عرفتُ ذلك من صياح ابنتي الذي ارتفعَ بما يشبهُ الزعيق.. فكأنَّ الدقائق الأخيرةَ له كانت تلفظُ أنفاسها، وكأنّ ساعةَ النهايةِ قد أزفت.

فقد بات وجه الدخيل والعصيُّ في تقابل مباشر...

ضربةٌ من هنا، وأخرى من هناك صنعتْ جلبةً..

لم تكن الضرباتُ تصيبُ، لكنّها ترعبُ، تهوّلُ، تصدرُ ضجيجاً وجعجعةً، وإن لم تصلْني بوادرُ الطحن بعد.

استطالَ الزمنً.. استطالَ كثيراً.. وهاهو موعدُ انبلاجِ الفجر على أهبةِ المجيء.

معقول؟!.. حتى الآن لم يستطيعوا إخضاعه!...

إنّه واحدٌ، وهم أربعةْ..

نضبتْ الدماءُ في عروقي. جفَّ حلقي، واعترتْني رجفة..

فالمعركةُ لم تؤتِ أكلها، وزائرنا ما زال يناورُ، يخاتلُ، يشاكسُ يراهنُ على مشروعيّة وجوده، يتشبّثُ بالمكان إلى حدِّ الاستماتةِ.. إنهُ يفضّلُ الموتَ على أن يخرج مستسلماً.

" لماذا.. يامن اغتلت أماننا، واعتديت على هدوئنا، وشوّهت أقّانيمَ حياتنا؟... يامن سمنتَ على حساب طعام أطفالنا، وسدتَ بتفريقنا، وأتيتَ على هناءة عيشنا. قد يستطيعُ الباقون تجاهلك، وقد يتأقلمون مع طبيعة حضورك.. لكن أنا.. لا.. إنّ القلق منكَ ومن أمثالكِ واشباهِك يشتّتُ طمأنينتي، وينغّصُ راحتي، ويبعثُ في نفسي الكدر. لاتسعدُني رؤُيتكِ، ولا تروق لي تصرّفاتُك الزئبقيّةُ، ولا أستطيعُ التعوّدَ عليك..".

ما زال المطبخُ عامراً بالعراك، ما زال أبطالُ المسرحيّة في تحفّز وتوتّر. إنّني استشعرُ عن بعدٍ احمرارَ وجناتهم وأطرافِ آذانهم، ,أحسُّ بالتهابِ حناجرهم، وازرقاقِ شفاهِهم، وارتعاشِ أهدابهم، وارتجافِ قلوبهم.

إنّني ألمحهُم، وقد وصل بهمُ اليأسُ حدّاً جعلني أتأكدُّ من  انحسامِ النتيجةِ لصالحِ الغريب، وفوزِه، وبقائهِ وتثبيتِ مواقعهْ. كيف أطمئنُ، وأنا اسمعُ خبطَ الأبواب، واصطدامَ الكراسي، واحتضارَ الصحون والكاساتِ واحدةً واحدة.

 عقبَ تفاقمِ تلكَ الحالِ، وبعد أن بلغَ التشنجُّ منيْ مبلغه التامَ، وكدتُ أصابُ بقنوطٍ كاملٍ سدَّ في وجهي سبلَ الانفراجِ... انتبهتُ أن سكينةِ مريبة قد سيطرت على الجو، هي إلى سكينة المقابر أقربُ.

الصمتُ لم يطلْ، عقبهُ هرجٌ ومرجٌ وضحكٌ عالٍ، ودعاباتٌ متفرّقةٌ. رفعت الغطاءَ عن وجهي.

رصدتُ أحاسيسي وجوارحي كلَّها لخدمةِ تلكَ اللحظةِ، وكان لي ما أردتُ:

- ماما.. ماما.. لقد قضينا عليه.

فتحت البابَ، سرّبتُ من انفراجته البسيطة نظرةً فيها شيءٌ من الوجلِ والترقّبِ.. رأيت وجوهاً صغيرةً أضناها العراكُ، ولمحت عصاماً وقد وضع" الجرذَ" على محفّةٍ من الورق المقوّى قاصداً بابَ المنزل لرميهِ في الخارج، متشفّياً منه بكلماتٍ تفوحُ منها رائحةُ الشماتةِ.

في تلك الأثناءِ.. كانت قدماي تؤوبان إلى السرير بخطا متهالكة، تسترجعان ذكرياتٍ موجعةً لأيامٍ خلت.