|

بطاقة تعريف الكاتب:
إبراهيم خليل

ولد في الرقة 1944.وعمل في التدريس.
عضو جمعية القصة والرواية.
له:
1-البحث عن سعدون الطيب- قصص.
2-الضباع- رواية.
3-موكب من رذاذ المودة والشّبهات- شعر مشترك.
4-الهدس- رواية.
5- البازيار الجميل - قصص
6- مال الحضرة -قصص
7- غدير الحجر - قصص
8 الموروث الدموي- دراسة
 


نماذج من أعماله
عطش الهواء
- تأنقت المرأة:
فاستعد كل ما فيها لاستقبال الهواء، نوافذ الجسد، ومداراته السرية
وظلاله القاتمة، والثياب والحلي الفضية وعبقت رائحة الحبق من صدرها ممزوجة بزنخ
الإبط، ودقات قلبها، هذا الإله الشرقي الصغير، المستبد استبداد طفل وحيد ومدلل
ومع ذلك ظلت عيناها معلقتين بخنجر فضي يتدلى في الجدار.
- تأخر الوقت كثيراً . رفت الكلمات في البال ولم تحرّك ساكناً،
استسلمت لأنامل سرية تمتد إلى صدرها، وتتلمس نهديها ثم تنزلق إلى الأسفل تداعب
زهرتها النائمة.
تأنقت المرأة.
فبدت (ش) التي هي بكامل أبهتها، امرأة استثنائية طالعة من مخالب
الثلج كالبخار الكبريتي، فراشه تتهيأ للطيران بين جنة ونار ولا وقت لديها
للتراجع.
- ما الذي عوّقه؟!
وبدأت عذابات العطش تترمّد، بدءاً بالحلق، فالجوف، حتى أصابع
القدمين، عطش معذّب وشرس.
...
وقف الرجل وسط الغرفة.
كان حافياً وعاري الجذع، تطل من عينيه أحلام حزينة كموكب من جنياّت
شقية، ومع ذلك كان يقف مشدود القامة، يرقب شيئاً خفياً كالطمي النهري يتسرب في
عصبه، فيخلق داخله حالة من الخصب والشبق المتعطش، فتتحرك معسكرات النمل الوحشي
هناك في الأغوار البعيدة .
وقف الرجل فبدا(ع) الذي هو بكامل وحدته وخوفه وشوقه الحار إلى صدر
أنثى ليرتمي عليه كطفل جائع، وبدأ حالة من الهذيان العادية.
- لهذه المشاعر لغة سرّيه لا يدركها إلا العارفون بحالاتها، وهي لا
تسلم مفاتيحها إلا بعد وجد ومكابدات وأنا رجل عارف بها، حافظ لإشاراتها
الغامضة، فاهدأ أيها الكائن الجميل، ولا تبالغ في اندفاعاتك الجموحة فثمة عطش
يحاصرك، ثمة كون يضيق أو يتسع، ثمّة أنت ...وهي ... ثمّة.
توقف الرجل عن الهذيان، وكأن رجلاً أخر يتكلم، وتوقف جريان الهواء،
فمّد رأسه من النافذة، فلم يشاهد سوى طفل صغير على الرصيف المقابل يلهو، فتذكر
خوفه القديم من الاختناق، وأفاعي الماء، وكلاب الرعاة.
كانت المرأة شاحبة ومتقلبة تتكلم بسرعة، وتضحك في ساعات الفرح
كطفله مسكونه بروح مذهلة وعشق مزمن للنهر والعصافير ونباتات الزينة، وكانت
تحبّ الكلمات والقهوة والتدخين والنوم متأخرة، تدفن رأسها تحت الوسادة وتستحضر
كل كوابيس الدنيا لترتعش خائفة، فالخوف صديقها الذي ترتاح إليه، كما يرتاح
الغصن العطشان للمطر في الربيع، وكانت تحب زيارة الساحرات والمشعوذات وقارئات
الفنجان.
- أحبك
قال لها(ع) يوماً، ولم تجب ظلت ساكنة ترتعش
- أنا خائفة
قالت(ش) ثم فرّت هاربة وهي تشعر بعطش طاغٍ إلى الهواء والفراغ، حتى
لا تختنق.
....
كان (ع) رساماً
تلوث أصابعه الألوان، كما تلوث روحه هذه الرتابة القاتلة، ودبيب
الوقت البطيء وكأنه الرتيلاء، زماناً أحب الأشياء وعاشرها، ويوم ملّ الوجوه
والأمكنة وثرثرات الناس، عاش سباتاً طويلاً، يرسم بآلية، ويأكل، وينام، ويشرب
العرق في المساءات وحيداً وهو يحلم بجسد امرأة يخلده في لوحة من لوحاته.
كان (ع) هادئاً.
حين هبّت عليه عواصفها، فبدأ الخراب، خراب القبح والرتابة والأشياء
والأمكنة، حيث أعادت تكوينها من جديد فقال بعد الكأس الثالثة من العرق:
- إنها تعيد تشكيلي.تعيد لي الألوان البكر.
وكان يحس ببروقه القديمة تتحرك من جديد في التماعات وومضات تترافق
مع ضحكتها، هذه الضحكة التي تطلع من قاع حلقها مغسولة بالماء وصافية كالكريستال
العتيق، كما تترافق مع كلماتها السوقية التي تحب استعمالها في توصيف الناس
والوقت والأشياء، والأحلام، وأحياناً للتعبير عن الإعجاب المطلق بفوضى العالم
الذي يحيط بها.
- أحبك.
قال لها يوماً. ولم تجب، ظلّت ساكنة ترتعش.
- أنا خائفة.
قالت ثم فرّت إلى الخارج تركض كالوعلة الحذرة....
آخر مرّة التقيا قال لها (ع):
- هذه العلاقة لتي تربطنا لا أفهم لها معنى فأنا أحبك ومع ذلك
فأنت..
فردّت (ش) بإصرار:
- أنا خائفة
-إذن لنفترق بإرادتنا.
-لا.
صاحت برعب ويدها ترتعش.
-والحل؟!
-نفترق مؤقتاً، ونجرّب.
- نفترق مؤقتاً، ونجرب.
وافترقا مؤقتاً، لاذت هي بعالمها الخاص، وانصرف هو إلى العرق والرسم
في المساءات الثقيلة. وكانت رحلة العطش.
...
تحركت المرأة تمن مكانها.
فتحت الباب ثم اندفعت لا تلوي على شيء، وكان الشارع خالياً في تلك
اللحظة، والمقهى القريب شبه مهجور، ولم تسأل نفسها:
- إلى أين ؟
تركت لقدميها حرية الحركة والاندفاع إلى حيث تشاءان وكأنها منومه أو
مسلوبة الإرادة، فهذا العطش أعماها، عطل فيها كل شيء، فهو يسكنها يضغط على
أعصابها، فتلوب عيناها بحيرة وألم، وتتشنج أصابعها وعروق العنق، وينسحب الشحوب
على وجهها قناعاً مستعاراً بلون الطباشير .
...
عطشان يا صبايا.
جاءه الصوت من مذياع الجيران فهزّه، أقلق قنوته الخاشع، فاندفع إلى
الخارج زائغ البصر، مشوش الذهن، هذا العطش يقتله يحوله إلى كومة من الرمل
الجاف. ولم يسأل نفسه:
- إلى اين ؟
كانت المرئيات من حوله تتحرك كأشباح في ضباب، بلا صوت مجرد كتل
هلاميه، تأخذ مساحات من الفراغ، فتمنى لو كانت معه ريشته وألوانه لينقل هذه
الإحساس الغريب بالعالم إلى لوحة بالتأكيد ستلقى الترحيب من الجمهور.
كانت (ش) تشعر بأنها تحلّق.
ترتفع بجناحين من حرير، والعطش يقودها في أودية عميقة بين ماء ونار،
وكانت خائفة ومهتاجة، تعبر بين الظلال والألوان وكل شيء أمامها كبساط من صوف،
الفضاء، والسهوب، والعماير، والشجر، والمخلوقات، والعطش لا يفارقها، يدق جرس
القلب الصغير، ويضرب العصب بشدة.
- هذا العطش حارق وقاتل.
قالت ثم تابعت بعد حين باستسلام:
- هذا العطش اسمه (ع).
وتصور أمامها هذا العطش كرة من النار والضوء فاتجهت إليه باستسلام
قدري وهمست:
- إنه قدري.
...
كان (ع) يحسّ العطش شمساً من قصدير ولهب.
رملاً يشويه القيظ، وكان يراه فرساً تدوس بحوافرها صدره وعصبه وتفري
لحمه، تنثره في الحماد فيتبدد بين الرجوم، يضيع وسط عماء وحيرة.
- هذا العطش لا يطاق.
قال ثم تابع بحسم:
- هذا العطش اسمه 0(ش).
ومضى لا يلوي على شيء، عاصفة من الأوراق واللون والمشاعر الحادة.
....
وقفا وجهاً لوجه.
قالت (ش) باستسلام
أحبك .
قالها لها(ع):
- أحبك
واندفع تيار من الهواء يملأ نوافذ الجسد، ومسامه، وعصبه، وعبقت
رائحة عطر غامض، ودفنت (ش) وجهها في صدره وكأنها تريد أن تغفو.
   
المهرة والعذارء
كانت ليلة باردة وسوداء.
تهب ريحها معولة كالشياطين، فتثير في طريقها الغبار والأوراق
اليابسة والحصى، وتسفع الوجوه والجدران الطينية وذوائب الشجر الرعوي، فيتردد
صدى عويلها في الوديان والشعاب عميقاً مخلفاً وراءه رهبة وجلالاً وضيقاً بهذا
الجبروت، وهذه القسوة غير المبررة أحياناً، وغير المفهومة، لكنها باتت مع ذلك
أمراً واقعاً عند الساكنين وكأنه قدر لا مهرب منه.
وكانت أمي تقف بطولها الفارع، وثيابها السود، وهي ترفع بيدها اليمنى
قنديل الكاز، فتبدو في ضوئه الشاحب وجوه الحاضرين جامدة، قاسية الملامح
كالصوان، وقد ترجرج في العيون خوف قديم وخاشع ولهفة غامضة وترقب لما تـأتي به
اللحظات الغامضة.
كان الوقت رملاً ينسرب من بين الأصابع، أجنحة تحلق فوق الرؤوس
وتصطفق، كان صوتاً يأتي من كل الجهات يحمل إلى الواقفين نداء غامضاً لأغنية
الحياة المهددة، الحياة الخارقة التي تنبت في شقوق الصخور مثل وردة برّية من
شوك العاقول.
ومن داخل الحظيرة جاء صوتها، حمحمة عميقة، تتصاعد من صدرها العريض
وهي تدق بحوافرها الأرض، وكأنها تترجم ألمها الأعجم، لأنها غير قادرة على
الإفصاح عن أوجاعها، أوجاع المخاض الذي دهمها قبل الأوان، فانطرحت على أرض
الحظيرة، قبّة حمراء من الدم والألم والعصب والأنفاس اللاهثة والصهيل المحموم،
وقد تصاعدت في الموقد ألسنة النار إلى جانبها، تحاول أن تساعدها في مخاضها
الدموي العسير بالدفء والقوى الكامنة فيها.
- إنها تتألم.
قال أخي الأكبر بحزن وإشفاق فرد أبي بعصبية:
حتى الحمار يفهم أن الولادة لا تتم بدون ألم، فهل رأيت أنثى تلد وهي
تضحك؟ اسكت.
وسكت أخي وهو الذي اعتاد مثله مثل الآخرين أجوبة أبي القاسية في مثل
هذه المواقف المصيرية الحاسمة.
ونظرت إليه أمي، وكأنها تريد أن تقول له: انظر، كم تعاني الأنثى
لتلد، فهذه الأوجاع لا يحتملها سوى نبي أو امرأة حبلى لحظة الطلق الأخير.
....
- كيف الحال يا شيخ أحمد؟!
سأل والدي الرجل المشرف على ولادتها، وقد بدأت حمحمات الفرس تعلو
حيناً ثم تغيب بعدها طويلاً، وكأنها تحتضر لا تلد، فردّ الرجل المجرب:
- الله يأخذ بيدها.
- ونعم بالله.
- صلوا على النبي.
صاح الرجل وهو يدور حول الجسد المسجى، فترددت الأصوات بالصلوات،
أصوات خاشعة وعميقة ومرتعشة كشموع في محراب صخري.
- يا ربّ...
وكزّ على الأحرف وهو يرقب حركة الحافر الذي يدق الأرض والحمحمة
والعيون الخرساء الضارعة، والشخير، ثم شمّر عن ذراعيه حتى الإبط، ودفع يده
المشعرة في الرحم وهو يرفع صوته النائح بأدعية وصلوات، وينادي، أجداداً له
مغرقين في القدم، طالباً منهم العون والمساعدة في مثل هذا الموقف الحرج حتى لا
يخذل.
- يا باز... كراماتك.
وتتابعت الزمزات والحمحمات قويه هذه المرة، وتعالى صوت الرجل من
الداخل، واشتد عويل الرياح، وتراقص ضوء السراج بينما ارتجفت يد أمي، بينما
ازداد تصلب وجوه الرجال، كنا نحس الموت قريباً جداً، بل نسمع صوت خطواته على
الحصى وهو يتقدم متمهلاً مزهواً نحو الحظيرة.
النار، زيدوا النار حطباً، وهاتوا الماء الحار.
صاح الشيخ بصوت واثق، صوت بشري، فأسرع اخوتي يحملون الحطب، ويلبون
طلباته، والفرس تضرب براسها ويتصاعد لأول مرة صوت طوق الفضة والخرز الأزرق في
صدرها يطرد كل صوت عداه من المكان.
- الله أكبر.. صلّوا على خير البرية.
وشق الصهيل سكون الليل، فارتعشت الوجوه والحجارة والظلمة والأشجار
أمام الميلاد الجديد، وكان الجسد الأملس يندفع من الرحم بيسر وسهولة.
- مهرة
صاح الرجل بعد فترة صمت، فانطلقت الفرحة من الصدور على شكل أصوات
ودموع وحشرجات، ولأول مرة أرى أبي يبتسم.
ومن خلف البيوت جاءت جدتي، تتوكأ على عصاها، وحين رأتني صاحت بأبي
باستنكار :
- كيف تتركها؟
وأشارت بعصاها إلىَّ ثم تابعت حانقة:
- ملعونة كل امرأة شابة تحضر ولادة مهرة.
فسكت الجميع، فالتفتت إليّ، وصاحت:
- عودي إلى البيت .
فانسللت خفيفة رشيقة، وأنا أحبس الفرحة في صدري، فللمرة الأولى
سيكون لي صديقة في هذه البرية القاسية، صديقة أحدثها عن أحلام قلبي الذي بدأ
يكبر.
...
- هذه المهرة مشئومة.
قالت جدتي، وجدتي عارفة بالناس، وأحوال الخيل والنساء والفصول،
وأنواع الأعشاب النافعة.
- هذه المهرة أصيلة.
قال ابي باحتجاج خفي، ثم تابع وكأنه يقول مُسلَّمة لا تقبل الجدل أو
النقاش:
- والأصيلة لا تخون .
- ومن أدراك ؟!
- هكذا سمعت من أبي .
- أبوك؟!
وهزت رأسها ثم قامت إلى المهرة، وأشارت إلى خيط أحمر ورفيع، وصاحت
غاضبة وهي الوحيدة القادرة على الصياح في وجه الجميع دون أن تنتظر اعتراضا:
- لا تكن مجنوناً، انظر إلى خيط الدم هذا، إنه ينحدر من أعلى الأذن
إلى ما تحت العنق، هل لك أبوك يعني؟!
- وماذا يعني ؟!
- ليكن خط العفاريت، فكل ما أعرفه أن الأصيلة لا تخون.
أمام الخيل يتحول أبي إلى صخر، لذا حدجته جدتي بنظرة قاسية ثم
استدارت إلى الخلف وتابعت إلى البرية بحثاً عن بيوض العصافير والنباتات النادرة
والفطر.
....
وعاشت المهرة
كانت صغيرة ورشيقة، لها جلد أملس وعينان بلون الكحل الأسود، وعُرف
طويل، طالما ضفرته لها، وزينته بالخرز الأزرق وأجراس الفضة، فتبدو مثل أميرة
تتمايل في جريها، وتميس، وهي تدرك نبل أصلها وعراقته فلا تأتي بتصرف شائن،
تتناول طعامها من يدي فأحس وكأنها تهز رأسها شاكرة لي.
كان لمهرتي أناقتها..
وكان لها وسامتها..
وكان لها سلوكها الراقي.
وكان لها معجبوها .. أنا، والحجارة، والسهول، والأزهار ،وأهل البيت،
والطيور.
وحدها جدتي كانت تكرهها، وتشيح بوجهها عنها، وترى في وجودها كارثه
وشؤماً، فكانت كلما رأتها، تحوقل، وتبسمل، وتقرأ المعوذات وهي تنظر إلى السماء
بقلق، وإذا ما رأتني إلى جانبها صاحت بي :
- أنت هناك. تعالي واتركيها..
فكنت أسرع امتثالاً لأمرها مكرهة، وأنا ألمس في أعماقي خيطاً رفيعاً
يربط بيني وبينها، خيطاً من الدم الأحمر.
...
وكب جسدي، تفتحت كل ثماره الوحشية.
ولم يكن يرعى فيه سوى صهيل مهرتي وأنفاسها الحارة، مهرتي التي كبرت
فكنت أندفع إلى جانبها صاعدتين التل حيث تبدو رفوف العصافير أقرب وهناك أدفن
خطمها في صدري وأنا أضفر عرفها، فتصهل صهيلاً يوقظ كل شياطيني، بينما أحسّ
بنفسها يلسع لحمي الحيّ، فأنظر من أعلى التلّ أرقب الطريق وأنا أتوقع فارساً
يأتيني من وراء الغيم.
- قلبي يحدثني بشرّ مستطير.
قالت جدتي، وكان بصرها قد كفّ، لكنّ سمعها مازال قوياً.
- وكلي ربك با مؤمنة، هذه وساوس.
- قلبي لا يكذب فأنا أعرفه وأسمعه كما أسمع صهيل هذه المهرة. وتلاقت
عيون الحضور، ولم يفه أحد بكلام فقمت إلى فراشي وسط وجوم غريب يلفني، وفي نومي
رأيته في المنام، شاباً وسيماً يأتي من أعلى التلّ وكأنه بازي أو شاهين ينقضّ
علي ويقودني أنا ومهرتي إلى الشرق ومن خلفنا خيط من الدم الرفيع لا ينقطع.رأيته
يقودني بعيداً، وسط حقول خضراء مكسوة بالأقحوان وشقائق النعمان والباقلاء، ولم
يكن في تلك الأرض أحد من الناس، وكان ثمّة صهيل يتبعنا، صهيل ورائحة دم،
فاستيقظت مرعوبة، ولم أجرؤ على رواية ما رأيت.
...
مساء اليوم التالي ماتت جدتي .
غسلناها، ثم صلّى عليها الرجال، ودفنّاها في أعلى التلّ الذي كنت
أجلس عليه مع مهرتي دائماً، وكنت أحسّ في بعض الأيام بصوتها يتردّد في أذني:
- ملعونة كل امرأة شابة تحضر ولادة فرس وتتفتح على صهيل فرس. فأعود
إلى البيت، فأواجه عيون أبي وإخوتي وامي التي تجلس وحيدة في زواية البيت، وبعد
العشاء آوي إلى الفراش، وأنا باتنظار حلمي الذي بات يتكرّر كثيراً.
...
صباحاً انطلقت مع مهرتي.
درنا حول التلّ، راقبت من مكاني هناك طيور الحجل الصاخبة، وزهر
الأقحوان، وحجارة التل الساكنة، والسماء الزرقاء التي تمتد صافية كقبة من
الديباج.
صعدت التلّ، وجلست أتأمل كل ما حولي، كانت بيوتنا بعيدة، وفجأة سمعت
صوت حوافر جواده التي طالما تردّدت في أحلامي ،ومن بعيد رأيته قادماً، فصاح
قلبي بين ضلوعي، وصهلت مهرتي بصوت ضعيف، صكّت أذنيها، وقمت من مكاني، كان الصوت
يقترب.. يقترب.. يقترب والمسافة تضيق، فوضعت أصابعي على عنق المهرة، كان العنق
يرتعش، وصوت الخرز الأزرق، وأجراس الفضة يتعالى، وأصابعي تغرق في سائل لزج
ودافئ، للوهلة الأولى ظننته عرقاً يسيل فلما رفعت أصابعي، كان الدم يقطر منها
على شكل خيط رفيع، فتسمرت في مكاني، أعولت الريح، وصاح قلبي كطائر محاصر.
والفارس يقترب على صهوة جواده.
- لقد بدأ الغزو.
وتسمّر كل ما حولي، وظل الفارس وحده يتحرّك، وبدأ الصهيل، صهلت
مهرتي، صهل حصانه، صهلت عيناه، وصهل قلبي ولم ينقطع خيط الدم، فثمة صهيل آخر لم
يبدأ بعد.
   
شجرة الغَرَب
كانت القرية من قرى ذلك الزمان بيوتاً تتناثر ضمن دائرة السور
الأثري القديم، متلاصقة حيناً ومتباعدة أحياناً، أبوابها ونوافذها ذات أشكال
بسيطة، وأرضها من الجصّ وقد بُنيتْ منازلها من الطين والفخار الأحمر الذي نهبه
الأهالي من السور، وبنوا به فوق خرائب المدينة الأثرية القديمة، ولا رقابة أو
سلطة لحكومة آنذاك سوى سلطة "المخفر" وهو مخفر للدرك الخيالة قام على تل مشرف
خارج السور، وظيفته منع تعديات البدو على القوافل المسافرة في برّ الجزيرة
الفراتية، ثم أحدثت بعض الدوائر الرسمية الصغيرة، لتسيير شؤون السكان المحليين
ومراقبة بعض المنفيين من المغضوب عليهم من معارضي الحكومة أو قادة الأحزاب
السياسية المشاغبة.
وكان أهل القرية ميالين للمهادنة والسلم، يحبون الغريب ويتقاسمون
في الأزمات وسنوات الغلاء الخبز والبرغل والتتن والحكايات الشعبية والأحزان
والابتسامات.
أمّا سقوف تلك القرية المفتوحة على بعضها وكأنها بيت واحد بعشرات
الغرف، فكانت من التراب الذي جاء به الأهلون من البرية، لذا ما إن يهلّ الربيع
حتى تتحول السطوح المتلاصقة إلى حدائق معلّقة من العشب البري والنرجس والأقحوان
وكأنها بابل جديدة، بلوحاتها الإلهية وروائحها العبقة التي تدخل الأنوف والثياب
والبيوت وأعشاش الخطّاف والدوري وحجارة السور القديم في مهرجان فاتن للون
والعبق.
وكنا- يومها- صغاراً، أبالسة صغاراً، لا نهدأ ولا نعرف معنى السكينه،
نندفع قطيعاً من التياتل الصغيرة، أو الجراء الهرّاشة المرحة، نصعد طلل السور
القديم الذي بناه المنصور، ومن أعلى برج فيه، برج هجرته الثعالب والأرانب
والحمام البري والثعابين هرباً منا، نستطلع المكان الذي ينبسط أمامنا كصحن
واسع، مكسر الأطراف والحوافي، فإلى جانبنا مباشرة يقف باب بغداد الأثري جليلاً
باذخاً تفوح من آجره الأحمر رائحة القوافل العابرة ومواكب الرشيد، وتحت قدميه
المغروستين في الأرض والعشب، يمتد سهل واسع أخضر حتى الفرات القريب، تقوم في
طرفه الأيمن مطحنة للحبوب وسط عراء من شوك العاقول يحرسها من تعدياتنا بإبره
الطويلة التي تعرف الطريق جيداً إلى أرجلنا الحافية، وقد جاء إليها الرجال من
كل مكان يدفعون أمامهم حميرهم المثقلة بأكياس الحنطة ثم يجلسون حلقات حلقات في
الباحة ينتظرون دورهم وهم يثرثرون ويدخنون، تفوح نهم رائحة العرق والتعب.
وعلى اليسار تقوم المقبرة، مساحة مستوية من الأكوام الحجرية ذات
شواهد تسمى قبوراً، ولا بناء فيها سوى قبه من الطين أقامها أحد الزوار الغرباء
على مقام سيدنا" أويس القربي" تبرعاً لوجه الله، وقد اختلطت قبور الأهالي بقبور
من بقي معروفاً قبره من قتلى معركة صفين كعمار بن ياسر وابي بن كعب، وإلى جانب
قبة المقام المطلية بالجصّ تقف شجرتنا، شجرة الغرب، عملاقة جبارة بألف ذراع،
تذهب بعيداً في الفضاء، وتمدّ أغصانها المتينة وكأنها كائن خرافي يوشك أن يطير
إلى عالم سحري آخر غير عالمنا البسيط الذي لا يغري كثيراً في البقاء فيه.
شجرتنا التي كنا نعبدها بطريقة غريبة وقاسية وغير معقولة، تتناسب مع
عقولنا وتتفق مع رغباتنا وغرائزنا نحن المبللين بماء الفرات، المعجونين مع طينه
ورمله وحراشف شبابيطه.
كنا نصعد إليها كزوبعة، فتفرّ عصافيرها مذعورة، وتستسلم لأكفنا
الطرية وقلوبنا الحجرية أعشاشها وبيوضها وفراخها، فننثر الأعشاش في الهواء
ونتضارب بالبيوض فتسيل الحياة الصفراء على وجوهنا القاسية خجولة خرساء، ونرمي
بالفراخ في المياه الضحلة التي تتجمع في حوض وكأن قوة قاهرة حفرته لتستمر حية
شجرتنا، فالغرب لا يحيا بدون الماء، وبعد هذه الغزوة البربرية، نتساقط كثمار
فجة من بين أغصانها، وبقطع حديدية أو حجرية نفتح ندوباً في صدرها العريض، فيسيل
الدم والحليب والأنين السري، ثم نقصف ما تدلى من أغصانها على الماء، ليقيم
صلاته السرية التي لا يعرفها سوى شجر الغرب.
كنا وحوشاً، برابرة صغاراً، يعجب بنا الآباء، ويسخر من افعالنا
الأجداد، يهزون رؤوسهم، وينفضون عباءاتهم الحائلة اللون بنزق... ويقولون:
- نحن براء من هذا الجيل الشيطاني.
فيردّ الآباء:
- يكبرون ويعقلون.
- ويل لكم من عقولهم.
ويسكت الطرفان، يعلنان هدنة مؤقته، بينما نكون انطلقنا ساحبين خلفنا
ذيلاً من الغبار باتجاه ساقية قريبة اقامها أحد مزارعي القطن ليروي مشروعه
الزراعي، بواسطة مضخات حديثة تدار بالمحروقات، وهو الأول من نوعه في
البلد،وهناك نتعرى من ثيابنا عرياً كاملاً، وما أن تدبّ برودة الماء في جلودنا
حتى تستيقظ كل الشرور في نفوسنا، فننطلق وسط زوبعة من الصياح والعجاج إلى حقل
البطيخ القريب، نفتح في ثماره الخضراء ثقوباً ندخل فيها أعضاءنا الصغيرة
وأصابعنا وبعدها تبدأ المجزرة، ويتحول الحقل إلى ساحة حرب نحن جنرالاتها،
وسلاحنا تلك الثمار المسكينه، التي تملأ أشلاؤها الحقل وتسيل دماؤها الحمراء
على جلودنا، دبقة لزجة، ثم نفرّ بعد ذلك لنترك مسافة طويلة بيننا وبين صاحب
الحقل الذي يكون بالتأكيد في طريقه إلينا، ليشهد نكبته.
ولم يأمن الرجل شرّنا، إلا حين اشترى كلباً قرباطياً شرساً وسريعاً
يدركنا بثوان، وقد هزمنا في كل معاركنا معه، فرضينا بالانسحاب من المعركة إلى
الأبد.ولأننا خسرنا حربنا مع صاحب الحقل وكلبه، توجهنا بكل قواتنا الجهنمية نحو
شجرتنا، ننتقم،منها ومن جماعة الكراكي،التي كانت جموعها تقف على ساق واحدة في
الماء الضحل. فعرفت حجارتنا طريقها إلى الأجساد والسيقان الطويلة وابتهجنا
بأصوات الشكوى الحزينة.
كان أجدادنا يقولون وهم يهزون رؤوساً أثقلتها الدنيا بحملها،
وسكنتها الوساوس، والأهواء، وأخلاق الآباء:
- هذه الشجرة مباركة، لا شرقية ولا غربية، حرست قبور الصحابة يوم
هجر الناس خوفاً من الحناشل والأوغاد، وأوت الفارين من السفر برلك والوجع
والجوع من كل الملل والنحل، صلى تحتها العابد، وناجاها العاشق، وسمعت شكاة
المحروم، هذه الشجرة كنا نودع تحتها ما يزيد على حاجتنا من متاع حين نرحل في
الربيع مع أغنامنا طلباً للكلآ ومساقط الماء ،وحين نعود نجد الأمانة كما
تركناها دون نقصان، رغم أن قيّم المقام كان يرحل معنا، تاركاً مقام سيده، ونذور
الزائرين في حراسة الشجرة، فالبلد يقفر ولا طعام لديه يمكن أن يقيم أوده.
وكان أباؤنا يقولون بحب ينبع من القلب:
-شجرتنا من الجنة، وإلا لما تركت النهر، ووقفت حرسة على البلد
المهجور تحمي روحه من التلف والسوس، وبين أغصانها تتجاور أعشاش البواشق واليمام
والدوري، ويأوي إليها الهدهد والخضّر والخطاف، بينما تتبرد الكراكي المقدسه في
بركة الماء تحتها.
وتقول جداتنا بإيمان صوفي:
- من علقت خصلة من شعرها على غصن من اغصان شجرة الغربّ نالت مناها
وتحقق لها ما تريد.
وتقول أمهاتنا الشابات:
- الشجرة ؟!
ثم يتهامسن بخبث:
- هنيئاً لمن يجمع بين رأسين في الحلال.
وتقول الصبايا لأكبر مناسباً ممن ذقن الحليب، وعرفن سرّ البروق التي
تهيج في أمسيات القيظ، فتومض وتشلش النزل:
- الشجرة؟؟!
وتتلمظ الألسن كحيات مسلوخة، ثم يردفن ضاحكات بلؤم يليق بقمر الشتاء
الذي يخفي تحت معطفه المطر والرعد وسحاب الله القادم من المجهول.
- أمّ الأسرار لا تبوح ولا تفضح.
ويقول الغجر القادمون في مواسم الحنطة والحصاد، يدفعون كلابهم
ونسوتهم المدربات طلباً للصيد، حيث تفوح في البلد كمية هائلة من عرق وعطر غريب
وضحكات غامضة ونداءات لحوح، تعلن عن فسق كمين، وخطايا لا بدّ منها لتستمر
الحياة في القيظ:
- الشجرة ؟! هذه الساحرة لا يمكن لأحد أن يفكَّ طلاسمها، إنها رصد
ملعون.
ويوم الجمعه، بعد صلاة الصبح.
تتجمع العذارى وقد جّمشنَ خدودهن، فطفر الدم من الوجنات ذبيحاً،
بينما برق غامض موشى بالرغبات يظلل العيون المثقلة بالكحل الأسود، يفصح عن كلام
كثير وأمنيات محرمة، لا تفهمها سوى أغصان شجرتنا وحجارة اللبن في المقام، وحين
ينطلقن موكباً من ساحرات بابل يقف الصباح وحيداً امام البهجة وتثور زوابع صغيرة
وراء خطواتهن وتتردّد أناشيدهن الغامضة في الفضاء البلّوري.
إنها صلاة بكاء ضاحك، يفرد أجنحته خائفاً وراءحدود البال، يعلن عن
نفسه، وهناك تحت الشجرة تبدأ شعائر طويلة، وتهويمات حرّة من عيون منداة بالدمع،
عيون كثيرة:
- سيدي لك ما شئت شرط أن يكون الذي في بالي هو.
- مللت يا سيدي، واليوم لا يمرّ إلا بطلوع الروح.
- ومن لي غيرك يا شيخي؟.
- شفاعتك يا ابن خالة النبي.
- الله... الله بنا
ثم ينصرفن بعد ذلك إلى هدوء أشبه بالصلاة وكل ما حولهن صامت، القبور
والنهر القريب والساقية، والطاحونه وقبور الموتى الهادئةهدوء الحطب الجاف.
كنا برابرة من اسلاك وشغب
جنرالات حرب أعلناها على كل شيء، الناس والشجر وحجارة السور وغيران
الجرابيع والفئران، والقطط والكلاب، تسري في عروقنا دماء أجداد قتلة نصف رعاة
نصف مجانين، ويوم أحسسنا بالبروق تبثّ إشاراتها وبرسائل غامضة تبعث البهجة
والنار في نصفنا الأسفل أسرفنا في الشتائم نكيلها بسبب أو بدون للأمهات
والأخوات، وحين نجد فسحة من الوقت نوجهها إلى الحجر أو الربّ.
ولأننا جنرالات حرب موتورون ومدربون وقادرين ومنتصرون في معظم
غزواتنا بدأنا نرسم خططاً للتسلل كي نراه. هذا الذي يثيراً اسمه فينا البروق،
ونكثر منه في شتائمنا، ووجدنا الخطة، فمعظم أبواب الغرف من الخشب الذي تركت فيه
حرارة الشمس شقوقاً، ومعظم البيوت بلا حمامات، تغتسل النسوة في عتبة الدر، من
هنا تفتقت في عقولنا نحن الجنرالات خطتنا فكنا نتسلل، قططاً محاربة ومستفزة
وباحثة عن تلك القطعة من اللحم التي يزينها الزغب الأسود أو الأشقر كخيوط من
أسلاك هاتف علوي.
كنا ننحني وننظر من خلال الشقوق إلى الصبايا وهن في لحظات حميمة في
طشت الحمام المعدني، ويغرقن في الماء والصابون واللهاث الإلهي المتصاعد من
الصدور والأثداء والأعناق الممتلكات المبعثرة في فوضى.
كنا نواطير الكروم المحرمة ولصوصها، صانعي خمرها في ليالي اللهاث
المحموم ولا شاهد علينا سوى القمر أوطين النهر، هذا الطين الذي نصنع منه دمى
وآلهة نفسق فيها بأصابعنا الطرية، نهتك لحمها الغضاري بوحشية وكنت أنا والليل
نغرق في ليل لاحدود له، ولاحدّ لجناياته، ليل الحرمل البري والماء وكلاب
الحراسة والخرنوب، وحين أتعرى وحيداً، أتلمس أعضائي بلذة، فأود لو تتحول الأرض
امرأة، التلال امرأة، الشجرامرأة، النهر امرأة، لو تتحول المدينة امرأة، فأوقظ
كل التباريح، فأحضّ إلى وجع وخالق، وفتنة وحشية، وأمدّ براثن الذئب الفتى إلى
دغل القلب بحثاً عن أفراس النهر وكائناته.
كنا نحس رائحة، وحكايات وحكايات، ولم نكن نعلم كم كان أهلونا بسطاء
ماكرين، أقاموا بلداً من فخار وحكايات خرافية، كنا نحس بالحيرة أحياناً أمام
هذه الوجوه التي تتورد، وتتلون وتحكي، وتحاول أن تؤثل من الهباء أمثولة، ومن
الخواء ملحمة، وكانت ليالينا من مياه عكرة حاربناها بأكف ملوثة بالطين والقش.
...
-من لا يملك نهراً سيموت عشطاً.
- ومن لا يملك امرأة سيموت حزناً.
- ومن لا يملك جنة فهو يملك ناراً.
قالها لي بطريقة بسيطة صديق سبقنا إلى العشق ثم اردف بعد ذلك:
- كل حرف يكتب في غير الحب لا يساوي فلساً، ولا معنى له، فالمدن
والجبال والأنهار ماء وطين ولا يخلق من الماء والطين شيئاً عبقرياً إلا أصابع
العاشق.
لذا يوم عشقنا كانت حبيبتنا جميعاً امرأة واحدة.
وشاركنا عشقها كل رجال الحارة، سميناها الأميرة، واخترنا للمرة
الأولى لقباً متواضعاً «رعايا الأميرة» وكان أن اطلقنا اسمها على كل ما يحيط
بنا، الجسر وشجرة الغرب والحارة والعصافير وبستان البلدية ويوماً بعد يوم أصبح
كل شيء ملكاً للأميرة، وكل ما تملكه الأميرة مقدس حتى منزلها المتواضع كنا نراه
قصراً من البلور.
وكانت أميرتنا امرأة شابة، لا أحد يعرف من أين جاءت؟ فذات يوم عادي
من أيام حارتنا دخلها رجل وامرأة، كان الرجل اسود كالفحم ضخم الجثة بشاربين
مفتولين، وكانت المرأة فارعة كالرمح رشيقة يتلجلج بياضها كالفضة، سكناً معاً
في بيت مؤلف من غرفتين ومطبخ ومنذ اللحظة الأولى شعرت نسوة الحارة بغيرة وعداء
تجاه أميرتنا فقد كانت الأجمل، والأرشق، والأعذب حديثاً، تخرج ضحكتها من قاع
حلقها صافية عذبة كنا فورة ماء، هذه الضحكة هي التي سحرتنا كما سحرت رجال
الحارة.
وكان لأميرتنا شامة سوداء تحت شفتها السفلى، وقرطاً ذهبياً يزيدها
فتنة حين ينعكس على صفحة وجهها البدري، وهذا ما زاد في خجلنا فكنا نجلس على
الرصيف نرقب باب دارها من بعيد ننتظر خروج «عنتر وهو الاسم الذي أطلقناه على
عبدها. فنحن نرفض أن نسميها زوجته، وكان عادة في الصباح الباكر يحمل دلة القهوة
المرة، يمرّ بها على الدكاكين يصبّ لأصحابها، ويجودون عليه بما يتيسر وهي مهنة
غريبة على البلد آنذاك.
وبدأت الشائعات تتسرب في الحارة لتزيد في ذبول الرجال وتنمرّ النساء
فأميرتنا كانت تعشق أسودها حتى العبادة، ومع ذلك كان لا يأبه بها، فكل مساء
يجده الرجال في نزل الغجر يغني لهم ويرقص برشاقة غريبة وساحرة تفتن النساء،
ويظل إلى أخر الليل ثم يؤوب مطفأ الروح والجسد، ليسقط إلى جانبها جثة هامدة.
وكي نتأكد صعدنا السطح المقابل ورحنا نرقب من الظلام ،حيث لا يبدو
منا سوى عيون ملتهبة بالشوق، وقلوب تكاد تقفز من الصدور، لقد غادرنا الذبول
فجأة، وسرت الحياة في عروقنا حين رأينا اميرتنا في غلاله ورديه شفافة تنتظر
أسودها، فتصاعد لهاثنا وصممنا على الانتظار ونحن نقاوم النوم حتى دخل الأسود
بقامته الضخمة التي ملأت المكان وشاربه المفتول، فطارت إلى لقياه أميرتنا
مفتونه، قادته من يده إلى الفراش، فارتمى كجذع نخلة سحوق، فبدأت طقوسها الليلة
لكي تشعل في رماده النار دون جدوى، فقد غرق في نوم عميق وتعالى شخيره، بينما
وقفت أميرتنا أمامه تنظر إليه بعشق مفتون.
|