الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 22/04/2008

القصص

 

ثرثرة في المحطة

تفاصيل أخرى للعشق

خبز المقهورين

نشرة الأحوال

نقر على الذاكرة

مجرد عبور إلى

المغني

فستان الشيفون الأسود

 

بطاقة تعريف الكاتبة: أنيسة عبود 

ولدت في جبلة 1957.

تلقت تعليمها في مدارس جبلة. 

تعمل مهندسة زراعية وتكتب في الصحف. 

عضو جمعية القصة والرواية.

نشرت أعمالها القصصية والشعرية الأولى في الصحف والمجلات السورية.

مؤلفاتها:

1-حين تنزع الأقنعة -قصص- دمشق 1991.

2-حريق في سنابل الذاكرة- قصص- 1994.

3-مشكاة الكلام -شعر- 1994.

كتب عن قصصها العديد من الدراسات والمقالات النقدية

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمالها

نشرة الأحوال

 

أيقظها المطر.

خربش على النوافذ، ثم نقر بقوة فاستيقظت.

"ماذا تريد أيها المطر؟!"

"أريد أن أشرب القهوة معك"

"اتركني أرجوك. إني نعسانة. كنت أرفو جوارب الطريق كي يمشي بي إلى الأمام، لقد تعبت من وقوفه. وكنت أرتب حطب البرد كي أشعله في مساء قادم. أظن سيعمّ البرد. يهطل الثلج..

تبرد القلوب، فتبرد الحروف. تهرب من برد إلى برد. لكنهم سيجدونها، أخيراً، ميتة على قارعة المدارس"

"ياه..."

"لاتبتئس أيها المطر. هذه هي الحقيقة المرّة التي تقف بعيداً على بوابة الزمن"

يبكي المطر. يمسح دموعه في النافذة، يستلقي على الأسطحة، يسأل بقهر، "والأطفال؟!"

"ماذا يفعل الأطفال؟ سيلعبون بالحروف الميتة، وقد يملؤون

جيوبهم بها، يأخذونها إلى المنازل، يعرضونها على الآباء، لذلك سيبكي الآباء سراً في الليالي الممطرة".

"مع ذلك أودّ أن أشرب القهوة معك"

"قلت لك أنا نعسانة.. وحبيبي مايزال نائماً. إذا استيقظت فإنه سيفيق، سوف ينزعج..

غضب المطر. ضرب النوافذ. أحكمت إغلاق الأبواب. لكنه كسر أغصان شجرة البرتقال الصغيرة. فرفط ثمارها، ثم نزل إلى البحر يتسكع بين الحارات النائمة.

(2)

هطل المطر بغزارة هذا المساء.

أمي خاطت أكمام حكاياتها حتى لاتبرد.

أبي العائد من الحقول، ربط الثيران في حظيرة تدلف. ثم أشعل ضوءاً صغيراً كي تتفرج الحيوانات على بعضها.

"هل تعرف الحيوانات بعضها يا أبي؟! هل تحفظ الملامح؟!"

هزّ أبي رأسه بالإيجاب. قال لأمي: دعي المطر يدخل. ربما يذيب بعض هذا الأسى.

ظلت أمي منهمكة في عملها، أمرني أبي أن أفتح الباب كي يدخل المطر. لم أعترض. فتحت الباب. "افتحي النافذة" حاضر أبي. لكن المطر يرفض أن يدخل، ليس عندنا نار ولاموقد، ولا حصير، ولا سجادة تهريب ، ولا.. التفت إلى أبي فوجدته يذوب، يذوب ويصير بحيرة ماء.

(3)

كلما عاتبته لأنه مشغول، يقول لها: ولمن أعمل أليس من أجلك؟ تنهدت "ولكنك تطيل الغياب. أكاد أنسى رائحتك، وأنسى حركة يديك. وأكاد.. يلعن أبو الشغل، ينتهي العمر ولا ينتهي.. "هكذا هي الحياة.. العمل يتطلّب ذلك".

سنوات والعمل يتطلب ذلك. يسرق لحظات من الزمن. يلتقيان، ثم يغيب مجدداً.

كل صباح تشرب القهوة وحدها. تحضر فنجانه. تصب له القهوة، ولكن لايحضر. تشرب قهوتها وهي تكتب له نشرة الأحوال.. أحوال الروح، الجسد، المدينة، الأصدقاء، الحياة، ألـ..

في الفترة الأخيرة لم تعد تكتب له. ماعاد للكلام قيمة.

عندما عاد آخر مرة رمى بالهدايا والأموال أمامها.

"انظري ماذا جلبت لكم؟‍"

ظلت قابعة في كرسيها الهزّاز، حدثها، لم ترد.

امتدت يده تشدّ على أصابعها، شعرت أن أغصاناً يابسة بين أناملها.

"مابك؟"

نهضت عن كرسيها، صنعت القهوة ثم عادت، "تعال نشرب القهوة هنا" بصعوبة كان يمشي، بصعوبة كان ينتقل، أمسكت به، ساقته إلى المرآة. همست بقهر "تأمل نفسك".

حدق جيداً، رفع يده يتلمس وجهه. أيقظته خطوط الزمن إلى بياض الشعر. إلى أنفاسه المتعبة.. إلى وجه زوجته المكدود. إلى ..

أنزل يده. تأملها. رآها قطعة خشب يابسة. أطلق دمعة كبيرة.

الدمعة صارت غيمة. حلّقت في الغرفة واستقرت على المرآة. غامت عيناه.

تلمست المرأة شعره "أيسترجع هذا الكنز الذي حملته شعرك الأسود؟"

لم يرد. ظل واقفاً.

"أتعيدني هذه المجوهرات إلى أنثى حارة، فتية، تذوب بين يديك؟"

ظلّ صامتاً ثم سار باتجاه أول كرسي، استرخى عليه، وأغمض عينيه متعباً.

في الفترة الأولى، كانا يجلسان معاً ويتبادلان تحية الصباح ويشربان القهوة مع نشرة أحوال موجزة.

بعد فترة، صارا يتبادلان تحية الصباح ثم يشرب كل منهما قهوته وحده.

لكن في الفترة الأخيرة. ماعادا يتبادلان تحية الصباح.. ولايشربان القهوة. إنها مضرة بالصحة.

(4)

حين رآني بعد غياب طويل أصرّ أن أزوره، كي نتبادل الأخبار

وأحاديث الصبا والأصدقاء.

"لقد كبرت ياماهر!"

"هكذا.. نولد كي نكبر، وأنت أيضاً ابيض شعرك"

حين ودعته أصرّ أن نلتقي. ثم راح يشرح لي أين يسكن.

"ياسيدي تشرّق إلى الشرق عدة كيلومترات. هناك على الطريق الذي يمر قرب السنديانة العتيقة ستجد قصراً منيفاً. له آجر أحمر وجدران رخامية. هناك كلاب حراسة كثيرة، ستنبح عليك. لاتخف إنها فقط للنباح لا أكثر. بعد القصر بأمتار يقبع بيتي. بعد بيتي يوجد شجرة زعرور وبقرة مربوطة إلى ساق الشجرة. هل حفظت العنوان؟!"

"حفظته. سأزورك قريباً"

"أهلاً بك... لاتنسى ها؟! بيتي قرب القصر.. ولكن أريد أن ألفت انتباهك إلى شيء مهم. لاتسأل أحداً.. بيتي معروف جداً. ولكن لاتخطئ به وتظنه بيت كلاب الحراسة إنه منخفض، وترابي، وبسيط، لكن.... هذا هو بيتي فمتى تأتي؟!"

ضغطت على يده، لم أستطع أن أحدد له موعداً. لكن بالتأكيد لن أذهب. "لو كان الفقر رجلاً لقتلته؟!".

إذن. كيف أصادقه أنا؟!

(5)

آلو..

نعم...

حبيبتي. كيف أنت؟!

اشتقت إليك، أتعلم أن الشوق يجعلني أبكي. تعبت من الشوق. هيا تعال.

حاضر. سأجيء. جهزي القهوة.

ألو.. لقد جهزت القهوة، تأخرت، هيا.

حاضر. افتحي الباب. مدّي يديك، أبعدي المطر عن النوافذ

كي لايراني عندما أعانقك.

"حاضر. ها أنا أطرده"

"أنا قادم.."

"لقد بردت القهوة. لماذا تأخرت؟!"

"أنا قادم ياروحي"

أغلقت السماعة. نظرت حولها. قهقه المطر شامتاً.

هي تعرف بأنه لن يأتي.

وهو يدرك بأنها تعرف بأنه لايقدر أن يأتي، لأن المسافات عاقة، ولأن المفارق كثيرة.

لكن، كلاهما كان يحلم. لذلك، زعلت القهوة. أهرقت دموعها السوداء على البياض وقالت:

تكذبون عليّ؟!

(6)

أنهت قصصها القصيرة.

طوت الورق ووضعت قلم الحبر فوق الأوراق المكدسة. تنفست بهدوء. امتدت يدها إلى فنجان القهوة، لكنها ارتبكت حين سمعت صوتاً يأتي من بين الأوراق. إنه صوت أنثوي جميل، حزين. نظرت حولها لم تجد أحداً. أشعلت سيجارة من علبة تبغ بيضاء وراحت تراقب الدخان الملتوي. عاد الصوت مرة أخرى" أخرجيني من أوراقك".

ذهلت. "من؟!"

"قلبت لك أخرجيني من أوراقك. لا أريد أن يسجنني الحبر والورق. أريد أن أخرج إلى الهواء، إلى النور، أريد أن أمشي في المدينة، أغير شارعاً، أبدّل حديقة، أصنع رجالاً على طريقتي. أهدم قناعات. أريد... هيا أخرجيني."

"أنت من؟! قولي. من أنت؟"

"ألا تعرفين من أنا؟!! تعبثين بي. تلبسينني كل مرة قميصاً بلون. وزمناً بلون. تأمرينني أن أقول ماتريدين.

لقد تعبت، وكرهتك. أريد أن أرحل."

تراجعت الكاتبة. أطفأت السيجارة. "ولكن لم أعرف من أنت؟!"

"أنا.. أنا الفكرة.. انظري. ألا ترينني؟!"

نظرت الكاتبة إلى الورق. رأت دمعة كبيرة، ورأت الحبر يذوب ويرسم أشجاراً مقطوعة.

 

 

 

 

خبز المقهورين

 

أقسم بأني لم أزعل.

ماذا لو تبادلنا الأمكنة والأزمنة؟

الروح تسير عارية، والجسد لايتوكأ على ذاكرة. إذن الأمور تجري ببساطة. بلا عقد. وبلا قيود. أعرف أني لم أقل شيئاً حتى الآن .أليست هذه مقدمة لقصة؟: فليفرح النقاد: لقد خالفتهم. لكن هذا ماحدث فعلاً. هذه المرّة لن أقسم بالمزارات، ولا بسنديانة جدي برهوم. صدقتم أم لم تصدقوا، الأمر ماعاد يهمني. أنا أحكي لنفسي. كل يوم أقصُّ الحكاية، أشذّبها، وأحياناً أزيد عليها لتأخذ الشكل المناسب. إنها قصتي وحدي وأحاول إرضاء نفسي فقط. فتنحّوا أيها النقاد.

***

عادة...

كنت أقرأ في المقبرة. أجل المقبرة: مكان هادئ، صفصاف على ضفة الماء الجاري، ريحان مبعثر، قبور مسيجة بأسلاك شائكة وأخرى ابتلعتها الأرض والعشب والزمن،

فخارات مكسورة فيها بقايا بخوّر كأنها بقايا أحلام محروقة. أمي تناديني: الغداء جاهز. يعني البرغل والبصل الأخضر. لا أهتم لصراخ أمي.

كنت منشغلة بإنجاز قصيدة مطولة أتحدث فيها عن جدتي التي ترقد في المقبرة منذ فترة وجيزة فقط.

جدتي تدعى مريم. لها شعر طويل، طويل، حتى قدميها. حين تستحم جدتي في النهر كانت ترخي بشعرها الطويل على جسدها فلا يراها الرجال الذين يختلقون الحجج كي ينزلوا إلى النهر ويلتهموا بعيونهم الأجساد العارية المسيجة بالماء والعتمة.

الصفصاف البرّي يشكل جداراً، لكنّ بعض ذوي النفوس الـ.. من رجال القرية كانوا يختبئون فيه. أسراب النساء تصعد إلى القرية. رائحة الصابون تفوح، وحبق مدهوس بين الأثداء، ضحكات ووشوشات، رجلٌ يخرج من بين الصفصاف، بسم الله الرحمن الرحيم، تصرخ جدتي، يذوب الرجل، تقسم بأنها رأت جنياً.

***

نعم.. كنت أقرأ في المقبرة.

لم يزعجني أحد، كان الوقت ربيعاً. الورق يتفتح عنيفاً على الضوء.

الروح شاسعة كعطر. برّية: وأنا أفترش المكان بعيني.

الريحانة التي على قبر جدتي كبرت فجأة، ارتفعت أغصانها، اسودت ثمارها الصغيرة، قطفت بعض الثمار، لم أستطع مضغها، حاولت أن أبلعها، عجزت، تشردقت، ونزلت الدموع، كدت أختنق فندهت "ياعجمي".

مايزال العجمي يقبع منذ طفولتي على الطريق الراحل إلى الجبال، عارياً يقف العجمي. عليه بقايا بخور وشرائط خضراء وكأس ألمنيوم. إنه مايزال ينتظر النساء المقهورات من عشاقهن. هنّ ينذرن الخبز الحاف، يضعنه في سلّة عتيقة معلقة في رقبة شجرة الزعرور، ويملأن جرّة الفخار بالماء بانتظار نساء مقهورات قادمات.

أياد كثيرة طافت بسلّة العجمي. تعبت السلّة وماانتهى القهر. ذات يوم راحت تصرخ بأعلى صوتها، فاهتزت شجرة الزعرور فزعاً. تساقطت أوراقها وثمارها الصفراء اللذيذة، وظلّت السلّة معلقة عند رأس العجمي.

***

أرجو ألا تضطروني لحلف الأيمان، هل رأيت أنا ذلك أم أني لم أرّ؟ المهم: هكذا قالت جدتي لأمي، وأمي قالت لي، وأنا أقول لكم. ها: أمامكم العجمي على بعد عدة كيلو مترات من القرية، إلى الشرق قليلاً، الشرق أكثر، حيث كان الخطيب يعلّم القرآن، وأنا أغرّب وأشرّق ثم أرتاح عند المقبرة حتى تناديني جدتي.

جدتي مريم. ألم أذكر لكم اسمها من قبل؟!

كانت جميلة جداً. حملها جدي من ريف صافيتا. في ليل عاصف، البحر مسكّر، والطرقات مقطوعة.

"جدك ككل الرجال، لايقبل بامرأة تعطيه نفسها فوراً.

يجب أن تكون شرسة. شرسة للغاية، أو أنها تدّعي الشراسة لتفسح له مجال اقتناصها. عند ذلك سيزيح "طربوشه باعتزاز" وسيفخر برجولته الفذّة."

"ولك يامريوما خطفتك من ألف رجل.. "

ومريوما تزداد بهاءً. لكن الذي كسر خاطر مريوما صديق جدّي. وقف أمامها وهو ينظر إليها وإلى جدتي: أهذه مريوما التي ناضلت من أجلها؟!

"قم.. اخرج من بيتي" هكذا قال جدي لصاحبه. "صبّي زوفا يامريوما.. ماببدلك بألف مرا..." لكن جدتي أقسمت بأنه أحبّ غيرها أكثر من واحدة بعد ذلك.

لا، أنا لم أكن قد تكورت في بطن أمي. أمي كانت ترفض الانجاب كي تظل ممشوقة ورقيقة. هكذا كان أبي يحبّ، وعندما حملت بي أخذت تدحرج الرحى على بطنها، وتصعد الأسطحة، تدحل الشوفان البرّي النابت، لكنّي قاومت. أتيت إلى الحياة رغماً عنها، فأعطتني اسم جدتي قبل أن تموت.

"مريم".

ينادونني فأرد، وترد جدتي. تمرضُ وأشفى أنا. تبكي مريوما فأضحك.

تنهرني بحزن فأهرب بعيداً وأختبئ وراء حائط التنور. وعندما تنام وأدرك أنها استغرقت في النوم، أصرخ بأعلى صوتي "مريم" فتفتح عينيها وتقول: ياعجمي تريحني، ثم تركلني بعصاها. فأدعي بأني أنادي نفسي لأمرّن صوتي على النداء من أجل احتفالات المدرسة.

تذرف جدتي دمعة وتصمت، أو تخرج عند الجيران حيث يرحبون بها وهي ترتاح لذكرياتها عندهم. وإذ تذكر اسم صافيتا، تهزّ رأسها وكأن صافيتا تبعد عنها آلاف القارات.

"كنّا في صافيتا نقطف التين! كنا نذهب إلى نبع "الغمقة" كنا. وكنا"

" أبداً... لم أنس ما أود قوله.. لكن" قل كلمتك وامشِ"

***

عندما سألني هشام بكل جرأة وتوسل: أيذهب خيالي معك إلى المنزل؟"

صمتّ لحظة، تذكرت وصية جدتي "الرجل يحب اقتناص المرأة التي ترفضه لذلك أكذبي"

"أنا أكذب ياجدتي؟ "

أنا بعد أن نلتُ شهادة كبيرة من الجامعة، ودرَّستُ مئة طالبة، وتلقيت مئات الرسائل والقصائد، سأخالف مريوما. قلت لهشام: لا. خيالك لايذهب معي. كنت صادقة، هو ظنّ بأني أتمنّع وأنا راضية. ظلّ هشام يطاردني لكني أحببت سامي. رأيته لأول مرّة في مطعم بحري. صوت الموج كان يدندن في دمي. نظرات سامي تنفرط على جسدي. عندما خرجنا من البوابة العالية للمطعم، همست له أن نلتقي. وعندما التقينا، شرحت له إعجابي، ثم حبّي، ثم فرّ هارباً باتجاه لبؤة يصطادها. لبوة شرسة كالتي حدثتني عنها جدتي. قلت له: فلتذهب أنت ولبوتك المصطنعة إلى الجحيم. العجمي يقصف عمره. خرجت بعد ذلك مقهورة، أحمل الخبز إلى العجمي. كان الخبز خبز أفرانٍ وليس خبز التنور المعجون بقهر النساء المحرومات، الملهوفات. بكيت أمام العجمي وقلت له: ياعجمي "موّت أمه وأباه، واجعل أشجار قريته أفاعي. ودجاجات خالته جرابيع. ياعجمي". ثم مسحت دموعي ونظرت إلى الخبز فرأيته يتطاير عالياً كقبرات. لماذا لم تقبل النذر ياعجمي؟!

غاضبة عدتُ. كان الطريق يمرّ بحقول الزيتون. تلفّت إلى الوراء بقهر وقلت: إسمع ياعجمي: جدتي ماتت. وأنا حفيدتها مريم. رفضت خبزي. أي رفضت شفائي من قهري. مع ذلك لن أرتدي ثوب لبوة حقيرة. سأقول مشاعري. وسأكون أنا. أنا . لماذا اللف والدوران والزيف؟! لماذا عليّ أن أصنع رجولة زائفة لمن أهوى؟! ليمت.. ليشعر بأنه ممسوخ وقزم. ماعلاقتي أنا؟ "

***

عند شجرة الصفصاف التي تنحني على قبر جدّتي جلسنا. تحدثنا في الأدب والعشق، ثم قطف لي باقة من شقائق النعمان. اقترب مني راغباً في أن يطوقني بذراعيه. ابتعدت. ارتعش جسدي. شعرت سياط الزيف تنهمر.. سمعت صوت العجمي. أجل لقد كذبت. كنت راغبة في وروده وذراعيه وهمسه. ولكن لا أعرف لماذا شعرت بالخوف من الموت الذي يهددني به العجمي إن أنا كذبت. هكذا كنت قد نذرت. وهكذا أجدني خائفة "ألا ترغبين بي؟"

لم أرد. نظرت إلى قبر جدتي. رأيت شجيرات "الريحان" تهتز. وكأن ريحاً عابثاً عصف بها، ثم سمعت صوتاً مدوّياً. ركضت أحتمي بشجرة الصفصاف، فرأيت صبية فاتنة تخرج بهدوء من القبر. دهشت من رؤية شعرها الطويل، الطويل، ومن أصابعها الطرية، شعرها الأسود يتدلى إلى كاحلها. تلمست شعري، قرّبته من عيني فإذا به أبيض كالثلج. أخرجت المرآة الصغيرة التي أحملها، رأيت وجهي ممتلئاً بغضون السنوات العجاف، أصابعي مكدودة، خطواتي ثقيلة. بكيت "ياعجمي" ناديته. سأحمل لك الخبز والماء. سأصنع أقراصاً بالسمن والعسل، ولكن...

بعد صمت.

بعد توجع روحي، لم أسمع إلا ضحكة جدتي. نفضتْ ثوبها من التراب واقتربت من الرجل. ألقت برأسها على صدره وراحت تغني. ناديت العجمي، ناديت القرية، كأن القرية بلا أبواب، بلا آذان. كأنها تلاشت واختفت "جدتي" اقتربتُ منها.. كان القبر فارغاً مفتوحاً أمسكت بثوبها، شددته، بقيت قطعة من الثوب في يدي. شعرت أصابعي تحترق. نظرت إلي بغضب. أشارت بيدها إلى القبر. ثم التصقت بالرجل مرة أخرى.

كان لابد من أن أنزل، أنزل بهدوء، أتلفتُ حولي، أفجّ الريحان، أهزّ الأغصان، أنتظر، لاأعرف ماذا. ناديت الرجل الذي أحببته "أنا أحبك يا.. أتسمعني؟"

ابتسمت جدتي. لقد خسرته ياصغيرتي. أنا صغيرتها؟!!

شعري أبيض وجسدي ليس جسدي.

كان الرجل يقتنص جدتي وأنا كنت أحاول الهروب. أبتعد، فيقترب القبر مني. يمدّ ذراعيه. يناديني هشام الذي أحبني، لكني أرفض، ماأزال لاأحبك ياهشام،

"دورك الآن. هيا، انزلي إلى القبر"

تأملت القرية النائية. الأشجار. ماء النهر الذي لايهدأ. ثم نزلت القبر دون حزن. دون اعتراض. أغمضت عيني وأنا أتمدد، أستلقي، أرخي يدي، أشعر ببرودة التراب. ناديت: جدتي، أغلقي عليّ القبر أرجوك. لم ترد، ناداني هشام. مدّ يده كي يخرجني. رفضت. تركني ومضى وأنا رحت أنتظر جدتي لكي تغطيني، أو تأخذ مكاني.

 

 

 

تفاصيل أخرى للعشق

 

قال لها: أنا بعيد جداً.

مدن كثيرة تمتد بيننا، وموجٌ شاسعٌ بين أعيننا، مع ذلك أسمع صوتكِ، فتكونين معي. وحين أمشي على ضفّة البحيرة تكونين معي أيضاً.

أشعر أنه يكفي أن أحرّك أصابعي لألمس أصابعكِ وأشم عطركِ.

أو لأحضن قامتك الرهيفة.

غصّت، ولم تقل شيئاً. كانت عاجزة عن الكلام أمام غول المسافة القابع بينهما. أبعدت السماعة قليلاً كي لايسمع نحيب شوقها، وتمزّق أنفاسها.

"أتسمعينني؟ "

"تنهدت. ألا تراني؟. إني أهزّ رأسي".

كان الشوق مستبداً. طاغياً. لكنها تدرك تماماً، أن الحياة بلا شوق كالجسد بلا روح. الشوق يجعل الحياة رحبة، والأمنيات يانعة. يجعل لألواننا فضاء، ولعطورنا قيمة. ولوجودنا معنى.

"أجل. ها أنا أراك عبر الأسلاك، وعبر المسافة وعبر الزمان، أراك بثوبك الكحلي الذي ينساب على جسدك الجميل.. اسمعي"

ابتسمت. "لماذا تأمرني؟ "

"آه. أبداً. الشوق هو الذي يأمر. غداً عيد الحب. أريد أن أحتفل به من أجلك. أريد أن أقدّم لك الورد، لكن كيف والمسافة تفتح شدقيها.. ذبلت من الغياب".

كادت تبكي. ماأسرع أن تنهمر دموعها، وتكاد تقول له، أنا التي ذبلتُ من الغياب ومن الانتظار. ذبلت من الوقوف على الشرفة ومن اللهفة بانتظار رنين الهاتف. لكنها آثرت الصمت. لاتريد أن تعرّي وجعها ولا أن تسبب له الأرق "الحب تضحية".

"الحبّ هو الذي بلا مقابل. لاثمن للحب أبداً.. إلا الحب.. "

-ألو

أتسمعينني؟! ألو. هل انقطع الخطّ؟

وإذ ترد بصوت منكسر يرش أوامره بسرعة كي لايفضحه الحزن ويبتلع صوته "اذهبي إلى بائع الزهور، ألا يوجد بائع زهور في المدينة؟ اشتري وردة جورية حمراء ملفوفة على عطرها، ضعيها في كأس ماء، أمامك، على الطاولة، أو قرب فنجان قهوتك الصباحية. واكتبي إهداء سريّاً جداً خوف عيون الجدران والجيران وستائر المنزل -"منّي.. إليك" وأرجو أن تسمعي موسيقا النهر الخالد لعبد الوهاب. موافقة؟! "

لم ترد. كانت الذكريات حارقة، والشوق طاغٍ. إنه يتفجر فوراً عبر كل همسة تنساب.. عبر كل حرف يسيل في خطوط الهاتف.. إذن الهواتف تفجّر الشوق. تجمد اللحظات. وربما شاركها الحبر المنسكب في الرسائل والقصائد والروايات. الحبر الذي نستخدمه يثبت الزمن أكثر ويمسك باللقاءات الهاربة. كم مرة كتبت له وإليه. ثبتت تفاصيل لقائه أو تفاصيل زعل أو تفاصيل شوق؟!

"أنت السبب ياحبيبتي"

"بل.. أنت..."

"انتبهي. الخطوط مراقبة. قولي كلاماً محترماً،"

"يعني كلام الشوق غير محترم؟! ثم ماذا يدفعنا للكلام لولا الشوق. ليراقبوا، هل يحاكمون الورد على عطره؟ اسمع. اسمعوا. أنا مشتاقة إلى..." تضحك، ها أنا لاأكمل العبارة حتى يبقى الاسم سراً. عند ذلك سيجنّدون الجيوش والورد للبحث عن الاسم.

يضحكان. هاهما يخرجان من حزن الشوق إلى أسئلة أكثر رحابة.

"برأيك من المسؤول عن الحب؟"

"أظنه. القلب هو المسؤول"

"أليس الصوت؟ هو المجرم لأن يثير الزوابع والبراكين. يهدم جبلاً ويرفع آخر. يعلق حدائق ويحرق غابات...؟"

ربما.. هي لاتستطيع أن تتخيله دون صوته، مرة استبد بها الحنين فذهبت إلى قريته. راحت تبحث عنه. لم تجده. هي تدرك بأنها لم تجده، وتعرف بأنه وراء البحار يشرب القهوة الآن، أو يمشي في شوارع مكتظة بالورد. لكنّها كانت تبحث عن خطواته على الطرقات. عن وجهه على النوافذ. عن عينيه في عيون أهل القرية. شعرت أنها تسمع صوته. يناديها، كادت تتهاوى فاستندت إلى أول شجرة سنديان وراحت تتلمسها بأناملها.. "هذه الشجرة تلمسها حبيبي وربما صعد إلى أعاليها كي يشدّ البحر إليه".

-آلو..

لم تستطع الرد. أجهشت بالبكاء. لم تعد قادرة على الاستمرار أكثر.

أهي الحياة هكذا تفنى بين وداع ووداع؟!!

... ... ...

الوردة في الكأس

الغرفة واسعة جداً.

الهاتف لايرن. إنه صامت، أخرس، يتحداها.

الوردة صامتة، تحدق بالجدران التي تفصلها عن الحدائق والشمس.

هل يحزن الورد؟

تساءلت المرأة التي تتكور في مقعدها الجلدي.

الصباح واسع، البرد واسع، والجسد ضيق جداً. شعرت أن روحها تطفو فوق حريق يتعالى. شعرت أنه عليها أن تحرق نظريات كثيرة كي تصنع قهوتها في آخر الليل والمدينة نائمة.

الهاتف لايرن. ياه. كم من الأرواح معلقة على أسلاكه؟ كم من الأيام تذوب عبر صوته؟

جرس الباب يرنّ، تستيقظ من نفسها، ترفع سماعة الهاتف، يالها من خيبة!.

إنه الباب ياسيدتي، تنهض، من الذي هناك؟!

... ... ...

الجسد ضيقٌ

الشوق واسع.

أقصد الحب يجعل الروح شاسعة، والقصيدة أكبر من مدينة. أقصد الحروف تضيق على الوجد.

"يا للترهات. ترهات امرأة تعيش لجسدها"

"أبداً.. الجسد يعني أنت. الجسد معرفة. له لغة خاصة. إذا فقد لغته، يتحول المرء إلى حيوان. انظر حولك، كم من الحيوانات ترى؟ الذي قتل طفلة الجيران.

الذي أغلق باب دكانه على امرأة عجوز؟

الذي أطفأ عقله وإنسانيته في حيوانات الـ...."

"أعيدي ماقلتِ؟! "

"قلت: هي ترهات الشوق، الحلم، القتل. آه. أبعد يدك عني. إنك تخنقني"

اليد ترتفع. اليد تمحو العقل أحياناً، اليد تنتزع القلب كنبتة برية أحياناً أخرى.

 

الوردة في الكأس، تحدق في الوجوه الغريبة التي تملأ الغرفة "منّي.. إليك"

"مجنونة. تكتب إهداءات لنفسها".

تبكي الوردة. ألف عام وربما أكثر يحتاجون ليفهموا لغة الورد. نزع كبيرهم عمامته. فرشها على الأرض. ركع، وتمتم. خلع ثيابه. تعرى.. ظهرت قرونه المخيفة. العالم مجنون. العالم يقتل الورد. ماذا يبقى بعد ذلك؟

هل تنوب الأشواك عن الورد؟ الحجارة عن الحدائق؟ أيكفي أن نكدس الرخام والإسفلت والكريستال والعمامات الملفوفة على الأفاعي لنكون سعداء؟

... ... ...

اليد..!!

يده.. وسادتي.

يده تطوق خصري.

يدي. تخربط شعره وقميصه وأزراره وجسده.

اليد..

تحمل السكين. تقطع الحلوى. تقطع الجسد. تصافح.

"يدك.. أحبّها"

يدانا... أصابع عشرة تتعانق في جيب واحد.

ماذا تفعلان؟!

"البرد ياسيدي"

كانا معاً. سارا تحت المطر. تعانقت الأصابع العشرة. رآهما الحارس.

أطلق صوته خلفهما. فرّا هاربين.

اليد! ترفع الوردة تمزق البطاقة "منّي..إليك" تفرط وريقات الوردة ورقة. ورقة. تتناثر البتلات، تملأ الغرفة.

"هيا.. انهضي. ادعسي بتلات الورد"

"ياإلهي.. ماذا تقول؟"

"أقول: دوسي بقدميك الجميلتين هذه الوردة اللعينة. أقول: ياامرأة. اخرجي من باب الورد. ادخلي باب النار. اخرجي من حدائق الشوق ادخلي باب الشهوة. هيا. ها نحن نفرش العمامات، هيا.."

... ... ...

أقول: ذبلت من الوقوف على الأبواب

أقول: مات الورد.

تشهق "مابك؟"

هاهي تراه الآن على الطرف الآخر من الكرة الأرضية. يحرك يديه عبر آلاف الكيلو مترات ويطوقها. "كيف حال الوردة؟"

 

تلعثمت. أرادت أن تقول شيئاً، لم تقدر، تودّ أن تبكي الآن بين يديه. أن تلقي برأسها في حضنه. يكرر السؤال، تقول هامسة: هذا ليس زمن الورد، إنه زمن الصقيع.

"كيف حال الوردة؟ هل اشتريت وردة وسمعت كلامي؟ "

"... آه..."

"الصوت بعيد. ارفعي صوتك"

" آلو.."

هي لاترد.

"ماتت الوردة، أليس كذلك؟"

انفجر غضباً. أعرف. البعد يجعل الورود تموت. كان من المفترض أن أدرك ذلك. وأن أدرك بأنك غير قادرة على الصبر وعلى تحمل الحبّ الكبير.