أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 21/10/2009

الكاتب: علي المزعل

       
       
       
       
       

 

 

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

ولد في قرية كفر حارب- القنيطرة 1953.

تلقى تعلميه في مدارس الجولان، ثم في مدينة دمشق ودرعا بعد النزوح.

إجازة في الأدب العربي- جامعة دمشق.

أمين فرع القنيطرة لطلائع البعث- أمين سر فرع اتحاد الكتاب العرب بالقنيطرة.

نشر قصصه الأولى في الصحف والمجلات السورية.

عضو جمعية القصة والرواية.

 

مؤلفاته:

1-شهادات على جدران الوطن- قصص- 1987. 

2-ندى الحصاد- قصص- 1992- اتحاد الكتاب العرب.

3-أبي خارج القبر- قصص- 1994- اتحاد الكتاب العرب.

كتبت عن أعماله القصصية دراسات نقدية كثيرة.

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

الكف

البحث عن ملامحي

حالات للشارع الرئيسي

أسرار وجه 

آخر لحظات طفولتي

المواجهة

ثلج وأحزان وعام جديد

المعطف الأزرق

 

أســـرار وجـــه

 

كانت المرة الأولى التي رأيت فيها هذا الرجل، حين قدمت إلى هذه القرية الحدودية التي تقع تماماً قبالة التلال المحيطة بمدينة القنيطرة، كتل (أبو الندى، وتل الشيخة، وتل عرّام) وغيرها من التلال الصغيرة المتخاصرة على طول الحدود.

في ذلك اليوم، نهضت من فراشي باكراً، وأنا محمَّل بأحلام وهواجس الليلة الفائتة التي يعاني منها عادة أي قاطن جديد في مكان لايعرف عنه الكثير. كان الجو بارداً يلسع وجوه المارة بمياسمه المحملة برذاذ ثلجي لم أكن معتاداً عليه طوال السنوات الماضية التي قضيتها في دمشق.. وحين نظرت إلى قمة جبل الشيخ خيل إلي أن هذه الريح الشمالية ستظل محملة بالثلوج إلى مالانهاية.

كان المارة يلتفون بمعاطفهم مسرعين إلى أماكن عملهم، وقضاء حاجاتهم في اتجاهات مختلفة من المناطق المحيطة بالقرية، وأطفال المدارس يسيرون جماعات متراصة يحتمي كل منهم بالآخر ويطلون برؤوسهم من ياقات معاطفهم الفروية المهترئة.. حتى تكاد لاترى إلا عيونهم وهي تحاول عنوة مقاومة الريح، وأصابع أيديهم المحمرة وهي تقبض على حمالات حقائبهم المبللة..

في هذا الوقت بالذات كنت متجهاً إلى المخبز الآلي الواقع جنوب القرية وحين وصلت كنت قد فقدت احساسي بأصابع قدمي، حيث تحول حذائي إلى قطعة من ثلج. وقفت خلف طابور طويل يصطف أمام النافذة التي يطل منها رأس البائع الملون بذرات الطحين، التي أكسبت ملامحه لوناً خاصاً ربما لايشاهده المرء في أي مكان آخر..

وشيئا فشيئا بدأت اقترب من النافذة، يجذبني إليها... ذاك التيار الحار المنبعث من داخل المخبز والمحمل برائحة الخبز الطازج وهو يجتاز دائرة النار ليستقر أمامنا عبر النافذة الضيقة، ورغبتي العارمة في العودة سريعاً إلى منزلي الجديد.. خلال هذه الفترة من الانتظار كان ثمة رجل يلتف بمعطف عسكري قديم، وعلى رأسه التفت بإحكام كوفية بيضاء مخططة، حتى غطت معالم وجهه تماماً وعلى عينية ارتكزت نظارة سوداء، حتى صار من الصعب تمييز ملامحه. كان يحتمي بجدار قديم من الإسمنت المسلح ويضع أمامه كومة من الأكياس البلاستيكية السوداء، وكلما خرج أحدنا من الطابور المصطف أمام النافذة أومأ برأسه.. كيس ياسيد. كان بعضهم يقف أمامه مصافحاً، ثم ينقده بعض الدراهم ثمناً للكيس الذي تناوله على عجل، وبعضهم لايأبه لندائه ويواصل السير مسرعاً دون أن يلتفت إليه. وحين خرجت حاملاً أرغفة الخبز الساخنة التي منحتني شيئاً من الدفء حتى صار بإمكاني تحريك أصابعي، سمعت النداء ذاته.. كيس ياسيد.. وقفت أمامه برهة تناولت كيساً ونقدته ليرة أو ليرتين .. لا أذكر ثم تابعت السير دون أن يعني ذلك لي شيئاً، سوى بعض الرثاء لوضع هذا الرجل الذي يجلس طيلة النهار في مواجهة الريح الشمالية الباردة.

صار منظره مألوفاً لديَّ، ففي كل يوم يتكرر المشهد ذاته، وتتكرر العبارة ذاتها

- كيس ياسيد..

الأمر الذي أثار فضولي، أن هذا الرجل ظل ملتفاً بكوفيته ونظارته السوداء رغم انتهاء فصل الشتاء وانحسار موجة البرد القارسة، حتى صار هاجسي التعرف إليه بأي شكل من الأشكال..

.. ذهبت بي الظنون إلى أفكار شتى، وساورتني مشاعر خاصة عكست حساسيتي تجاه هذا النوع من الرجال، وتنازعتني الأسئلة:

لماذا يلتف بكوفيته ونظارته السوداء رغم هذا الدفء الربيعي المنعش؟

لماذا يصر على إخفاء ملامحه إلى هذا الحد؟

ولماذا هذا العمل بالذات رغم القدرة الجسدية الواضحة التي تبدو في حركة يديه وتقاطيع جسده ونبرات صوته؟

ثم لماذا هذا المكان بالذات؟

أسئلة كثيرة تتنازعني في كل يوم، حتى أنه أحس بذلك تماماً عبر نظراتي المتلاحقة والمستنفرة في كثير من الأحيان.

سألني ذات يوم.. لماذا تنظر إلى هكذا؟

ألم يعجبك منظري؟..

ثم ضحك وهمهم بكلمات لم أفهمها، الأمر الذي أثار فضولي أكثر، حتى صار همي أن أذهب إلى المخبز كل يوم، لامن أجل الخبز فقط بل من أجل معاينة هذا الرجل والتعرف إليه.

قلت لأحدهم بعد أن صافحه:

هل تعرف هذا الرجل؟

ضحك.. ثم قال: اسأله وهو يجيب!..

رمقته بنظرة سريعة وتابعت السير، وظل هاجسي تلك الليلة أن أعود صباحاً لأعرف من هو تحديداً..

سأسأله هذه المرة مهما تكن النتيجة، رغم معرفتي الأكيدة أن ليس لي الحق في  ذلك... صباحاً كنت الأول في الطابور الذي بدأ بالتشكل لحظة بعد لحظة، حملت أرغفة الخبز واستدرت سريعاً.. وجاء الصوت المألوف..

.. كيس ياسيد.. وقفت قبالته، وقد بدت علي علامات الحيرة والارتباك.. نظرت في وجهه متفحصاً ملامحه وقد حاول التشاغل عني بترتيب رزم الأكياس الموجودة أمامه وبدت على يديه علامات استنفار واضحة، وبين وجهي ويديه المستنفرتين تراقصت نظارته السوداء.

فجأة بدد حيرتي وقوفه السريع على نحو يوحي بقدرة جسدية هائلة حتى صار وجهه مقابلاً لوجهي تماماً.

قال بنبرة حادة:

أنت تحاول أن تعرف سر وجهي، أليس كذلك؟..

قلت مترددا: لا.. لا.. هذا أمريخصك.. قلت ذلك وأنا مرتبك إلى حد كبير. قال: بل أنت تحاول ذلك منذ زمن، وقد أزعجتني سهام عينيك المريبة في كل مرة قدمت فيها إلى هذا المكان.

ثم امتدت يداه بسرعة خاطفة لتنزع الكوفيه عن رأسه ووجنتيه، والنظارة السوداء عن عينيه اللتين حلمت برؤيتهما طويلا.

تملكني الذهول، واعترتني الدهشة، وارتعد جسدي وأنا أرى أمامي رجلاً بلاأنف وقد غابت إحدى عينيه تماماً، حيث خلفت وراءها حفرة التأمت أطرافها فوق وجنة مشوهة كأنما احترقت على نار جهنم.

قال: أنا الرقيب أول محمود الهايش ياسيدي.. أقصد كنت الرقيب أول محمود الهايش.

قلت وقد لفني الحزن والندم والحيرة.

لم أقصد اثارتك ياأخي!

قال: أنا أجلس في هذه المنطقة لاحباً بنقودك، ولارغبةً في مشاهدة هذه الوجوه الصفراء الميتة.

كل مافي الأمر أني أجلس هنا في كل يوم لأشاهد تلك التلال المتعانقة على طول الحدود.

قلت وقد تماسكت قليلاً:

وماشأنك بذلك؟

قال: وقد طفحت عينه بالدموع.. ألا ترى ذلك التل ياأخي؟

//تل أبو الندى//

قلت: نعم أراه جيداً..

قال: على سفحه الشمالي غرست قطعة من جسدي وبترابه الطاهر امتزج دمي..كل الأجزاء التي لاتراها الآن في وجهي هي هناك.. هناك تحديداً.

هل عرفت الآن من أنا؟.. قال ذلك وقد رق صوته رغم التحدي الواضح في كل ملامحه.

وحدّ الصمت وجهينا، وابتلت الأهداب بدموعها... وتقافزت نظراتي بين ذاك التل الأشم في عمق الوطن المحتل، و هذا الأنف المقطوع والوجنة المحترقة التي تقف قبالتي الآن.

عانقته.. ارتجفت أكتافنا، تساقطت بعض أرغفة الخبز لتملأ الفراغ بين جسدينا. ثم انصرفت مسرعا وقد تعلقت عيناي بتل /أبو الندى/ حتى خيلَّ إليَّ أن هذا التل على ضخامته هو أنف الرقيب محمود الهايش ذاته.

 

 

 

 

حالات للـشارع الـرئيسي

 

للشارع الرئيسي المؤدي إلى منطقة القصور حالات عديدة، تصل أحياناً إلى حد التناقض..، ففي الصباح يبدو مكتظاً بالسيارات الفارهة ذات الراكب الواحد في معظم الأحيان، وأرقام وألوان متباينة على نحو يجعل الناظر يعتقد أنه في قلب العالم الجديد،.. وبعض السيارات يمر أشباحاً سوداء يخيل إليك أنها خالية من البشر.. بل يخامرك الشك في كثير من الأحيان بأنها تسير بقدرة خفية، حيث لاترى شيئاً إلا وجهك ينعكس سريعاً متقطعاً على نوافذها.. ويبدو رجال الشرطة المنتشرون على أطرافه وكأنهم أصنام لاحراك فيها اللهم سوى تلك الأكف التي ترتفع وتهبط بشكل آلي بين الفينة والأخرى.

وفي الوقت ذاته تكتظ الأرصفة بالمارة... منهم من يسير سريعاً في اتجاه محدد ومنهم من يجوس بعينه واجهات المحال اللامعة ومنهم من يقف لاحتساء العصير، وبعضهم يعابث الزمن في محاولة واضحة لتقطيع الوقت أو ربما لتحقيق أغراض أخرى.

وعند الظهيرة يتكرر المشهد ذاته مع تعديلات طفيفة.. وجوه رجال الشرطة مثلاً الذين احتلوا أمكنة زملائهم.. وأعداد السيارات وحركة المارة على الأرصفة. وإغلاق بعض المحال على طرفي الطريق، وانحسار الأماكن الظليلة، وكثرة القبعات ذات الاشكال والأحجام المختلفة التي تقي الرؤوس حرارة الشمس، وارتفاع عدد النظارات السوداء التي تركب الأنوف الشامخة أحياناً والمتطامنة في أغلب الاحيان وتفصيلات أخرى يصعب حصرها.

وفي المساء تزداد حركة المارة وتستأنف السيارات سرعاتها الجنونيه لتنهب ظلال الفوانيس المتدلية من أعمدتها على طول الشارع.. وتبني ضجيجها على نحو خاص لاتعرفه الشوارع الأخرى... وفي بعض الأحيان يخلو الشارع تماماً من المارة، وتنعدم حركة السيارات ويبدو الصمت سيد المكان، خلا سيارات من طراز خاص، وناقلات للجند تذرع المكان جيئة وذهاباً، وطائرات مروحية ترصد بدقة وأناة أسطحة البيوت المطلة على الشارع، وبعد طول انتظار يندفع موكب مهيب كأنه العاصفة تتقدمه دراجات الشرطة وتلحق به سيارات فارهة تكاد إطاراتها تسبح في الفضاء...

ثم لايلبث الشارع أن يقبض على حركته وناسه رويداً رويداً، وبعد لحظات فقط يصبح الموكب في عداد المواكب الكثيرة التي اختزنتها الذاكرة لاسيما في الآونة الأخيرة.

هذه الحالات جميعها خبرها جيداً أبو العبد صاحب محل العصير الواقع في منتصف الشارع تماماً.. ورغم ضيق المساحة التي يشغلها المحل حيث لايتعدى عمقه المترين وعرضه بحدود ذلك أو أقل.. حتى ليخيل إليك أنه اقتطع عنوة من المحال المجاورة.. على الرغم من ذلك فقد صار لأبي العبد شأنه الخاص في حياة الشارع، وفي حياة المارة الذين اعتادوا الوقوف أمامه ومداعبته واحتساء عصيره الطيب المذاق...

ويكفي أن تنظر إلى عناقيد الفاكهة المتدلية بسلالها الخاصة أمام الدكان حتى تقف مشدوهاً لرتابتها وحسن تنظيمها وقد رتها على استثارة شهيتك.

وأبو العبد كما يصرح دائماً لاعلاقة له بشيء.. كل مايهمه كسب قوت العيال والحفاظ على ثقة الزبن، ولاشأن له بقرض الكلام الذي يتشدق به الكثيرون.. وإذا ماحاول أحدهم استجراره اكتفى بالقول: دعني وشأني.، المهم أن يكون البلد بخير وأهله بخير أيضاً -وماعدا ذلك فلاشأن لي..

ويبدو أن هذا الأمر معروفٌ تماماً لدى السلطات أيضاً، ففي كثير من الأحيان يطلب من بعض أصحاب المحال اغلاق محالهم ومغادرة المكان عندما يحين الوقت لمرور موكب ما، في حالتي الاستقبال والوداع أو عندما تقتضي الظروف إخلاء الشارع لسبب أو لآخر.

أما أبو العبد فكثيراً مايقال له: أغلق باب الدكان ولابأس إذا بقيت في الداخل حتى انتهاء المراسم المعتادة... كان يعرف تماماً ويعرفون هم أيضاً أنه لايشكل خطراً من أي نوع.. على أن ذلك لاينفي احترازهم المستمر الذي تجلى في مواصلة الدراسة والتمحيص لأحواله الخاصة والعامة، وأوضاع أبنائه سيما الذين يتناوبون أحياناً لمساعدته على تصريف شؤون دكانه المتواضع.. الأمر الذي يجعله باستمرار حريصاً الحرص كله على الحفاظ على مركزه الهام في الشارع، حتى لو اقتضى الأمر تقديم الكثير من كؤوس العصير المجانية لأولئك الأشخاص الذين ألف وجوههم بحكم معايشته لهذا الشارع بحالاته المختلفة.

مساءً كان أبو العبد بقامته المربوعة يقف خلف منضدته، يواصل العمل لتقديم مايلزم لزبنه.. يضغط زراً كهربائياً أحياناً.. وينتقل إلى المغسلة بعد أن يلتقط الكؤوس الفارغة أحياناً، ويمسك بالنقود ليعيد قسماً منها أو يضعها جميعاً في درجه الخشبي المرتكز إلى جدار الدكان.. ويتبادل الأحاديث السريعة مع البعض ثم يرفع طرف وزرته ويسوي وضعه استعداداً لطلبات جديدة وحين يجد فرصة مناسبة يقف قبالة المرآة لينظر في وجهه الأجعد المتغضن ويمر بأصابعه النحيلة على فوديه الأشيبين.. فيلعن الزمن وقسوته الغادرة ثم يستدير سريعاً لمواصلة العمل.

قال أحدهم: كأس عصير لوسمحت.. قالها متلكئاً.. ومانوع العصير ياأخ؟.

برتقال.. أنا معتاد على عصير البرتقال... قال ذلك ببطء لافت للانتباه أيضاً. برتقال... طيب سيكون جاهزاً في الحال.

وبعد جلبة سريعة خلف حاجز زجاجي قال أبو العبد:

تفضل.. برتقال.. هنيئاً مريئاً.

رشفه بتؤدة ثم هز رأسه واتجه نحو باب الدكان، أجال النظر.. طارت عيناه في أرجاء المكان ثم ارتكزتا على أطراف الكأس.. رشفه بهدوء وأناة أيضاً...

رمقه أبو العبد بنظرة سريعة.. كانت ابتسامة واثقة على شفتيه وفي عينيه التماعات متداخلة لم يألفها أبو العبد من قبل سيما وأنه حفظ وجوه الجميع في هذا الشارع...

وبعد أن أفرغ الكأس قال: بلكنةٍ واضحة.. شكراً... ثم أخرج حفنة من النقود وراح يبحث بينها، كأنه أضاع شيئاً.. أو كأنه يبحث عن عملةٍ مناسبة.. واستمر الحال إلى أن عثر على مبتغاه.. وضعها أمام أبو العبد، واستدار منصرفاً نحو الباب

لأول مرة يجد أبو العبد نفسه مضطراً للخروج من خلف منضدته، وقف أمام الدكان والنقود مازالت في يده.

لاحقه بنظرات ثاقبة.. دقق كثيراً في مشيته، التهمه من رأسه حتى أخمص قدميه.. لاحظ شيئاً لم ينتبه له من قبل..

أحس رعباً بداخله... انطوت نفسه على مشاعر لم يكن يعتقد أنها موجودة لديه قبل الآن... قلنسوة على خلفية الرأس!!

ياالهي: كيف لم أنتبه إلى هذا الأمر؟... وراح يسترجع سريعاً دخوله ولكنته وابتسامته وبحثه عن النقود.... جرى خلفه سريعاً ثم توقف، ظلت عيناه عالقتين بقلنسوته حتى غاب في الزحام.. وقف حائراً نظر في يده، قلَّب النقود براحتيه، طارت عيناه في الأفق، طوحَّ بها في عمق الشارع وبصق خلفها.. حتى أن بعضها ارتطم بزجاج السيارات العابرة.. ثم عاد إلى منضدته.. أمسك الكأس الفارغة.. تسمرت عيناه في قعرها جاز بأنفه شفاهها ثم ارتد سريعاً.. أدار وجهه جانباً.. نظر حوله.. ألقى بها في سلة المهملات.

عاد إلى المرآة. حاول عنوة مداراة الدمع في مآقيه.. لعن الزمن وقسوته الغادرة.. حلّ إزاره.. ووقف صامتاً رغم نداءات الزبن وجلبتهم.

 

 

 

الـبـحـث عـن مـــلامـحـي

 

لم أجد ماأفعله هذا اليوم، ليس هذا اليوم فحسب، فكل أيامي تباهتت، وضاقت مسارب الروح فناء الجسد بحملها.

شاهت ملامحي وهي عنوة تقبض على آخر نبض للحياة، صار الزمن ثقيلاً قاتلاً رغم محاولاتي المتكررة للخروج إلى فضاءات جديدة، فالحياة اعتل نسيجها وصار من المستحيل أن أقبض على مفرداتها الجديدة... فذاكرتي مثقلة بتاريخ طويل لايمكن الخروج عن مداره.

قال لي بعض الأصدقاء: أنت لاتقوى على المواجهة، ولاتستطيع الخروج من أوهامك السالفة التي تجاوزها الزمن.. فالبيوت غير البيوت، والشوارع غير الشوارع. والناس غير الناس، ومخيم الذاكرة يبتلعه مخيم اليوم، وأحلام الأمس مزقت أشرعتها وقائع اليوم.

قلت: كيف لي أن أفعل ورائحة السلاح تعبق بها ملابسي، وتنزبها خلايا جسدي، ورائحة الدم تلف ذاكرتي؟

كيف لي أن أفعل وصرخات الأطفال تقض مضجعي، يتردد صداها في أعماقي دوياً هائلاً، وصوت أمي الحزين يقطع أوصال صمتي ونومي محذراً من سقوط الخيام تحت وطأة الثلوج والأمطار.؟

كيف لي أن أفعل وذاكرتي كهوف ودخان وأنين موتى واستغاثات ثكالى وورود مقابر؟ كيف لي أن أفعل وفي أعماقي هتافات غاضبة، ومواويل حزينة، وغناء أطلقته الدماء، وزغاريد مبتلة بالدموع وأشواك ظلت عالقةً بأقدامنا زمناً طويلاً ولازالت تنزصديداً موجعاً حتى يوم الناس هذا؟

 

نصحني بعض الأشقياء بعد أن أعيتهم السبل بمعاقرة الكأس هرباً من ربقة الذاكرة. رشفته بجنون فازداد صحوي، واشتعلت الذاكرة من جديد، ونهضت أحزاني الهاجعة، واستحال الكأس دماً على الشفاه، وفي قعره نبتت فوهات بنادق مترعة بالدموع، وأفواه تلوك ألسنتها بأيام الرحيل والموت على مفارق الطرق، وعيون مخضلة بالدموع وهي ترقب أسراب الطيور المتجهة إلى هناك.

تناهضت على قدمين متعبين، ارتكزت عيناي في قعر الكأس، ثم جاستا أرجاء المكان،... تعلقت نظراتي بخيوط الفضاء المنبعثة من نافذة خشبية عتيقة، ومن خلالها بدت لي أشجار المخيم ذابلة رغم تطاولها، تنوس ذؤاباتها أمام هبات الريح المحملة بسوّاد المدن ورائحة نفاياتها..... خرجت، دبت قدماي على الأرصفة التي ألفتها منذ زمن.. أصوات كثيرة تداخلت لتعلن عن ترويج بضائع جديدة لم نألفها من قبل، عربات مزينة تنوء بأحمالها، وواجهات لامعة تطل على الأرصفة لتعكس وجوهاً هدها الكد والتعب والانتظار، وبين هذا وذاك بدت كثير من الوجوه تخترق سمرة المخيم وفي حدقاتها تضيع أحلامنا، تابعت السير أبحث عن ملامحي في أزقة المخيم العتيقة، حيث مازالت الجدران تقبض على بقايا صور الشهداء الذين عرفتهم وعرفوني زمناً طويلاً، توقفت أمام إحداها، حاولت جاهداً أن ألملم أطرافها، وأن اقرأ السطور التي بهتت حروفها وعنوة استجمعت بعضاً من ملامحها.. وقفت أمام أخرى لم يبق منها إلا شفتان تنفرجان عن ابتسامة ساخرة، وبعض الأحرف التي قضمت أطرافها إلى حد يصعب معه تركيبها من جديد حيث ضاعت مع سواد الجدار، وتدلى بعضها الآخر مع أطراف ممزقة تعبث بها الريح.

ثم انتفلتُ إلى ثالثة مازالت تحتفظ بالكثير من ملامحها.. أمعنت النظر... العيون كما هي تنظر إليك أينما وقفت، وشعر فاحم أطلقته الرياح، يرتكز إلى جبهة سمراء عريضه، وأنف اتسعت فتحتاة على نحو يوحي بمحاولات متكررة لاستنشاق الهواء في مكان ضيق مظلم، وبدلة "فوتيك" خضراء تحاول ياقتها عنوة أن تطل من تحت كوفيه مخططة التفت حول عنق طويلة.

حاولت أن ادقق النظر أكثر.. أن أقرأ ملامحه من جديد، خطر لي أنه يشبهني تماماً، مررت بأصابعي على شعري الأشعث وجبهتي السمراء العريضة وتحسست ياقتي، ثم سويت الكوفية التي تلتف حول عنقي لتصبح تماماً كما أراها الآن في الصورة التي أقف أمامها.

فجأة تطاولت قامتي فارتفعت إلى أعلى الجدار، صار وجهي  قبالة وجهة تماماً.. تحسست أنفاسه الحارة، واستحالت أنفاسي. قطرات من الندى بللت وجهه فأحدثت مسارب عديدة وسط طبقة الغبار الكثيف التي تكدست على وجنتيه الدافئتين.

تمنيت لو أعانقه.. لكني تراجعت، قرأت في عينية عتاباً مراً لم أقوَ على تحمله.. اقتربت مرة أخرى تقريت ملامحه من جديد.. إنه

يشبهني تماماً.. نظرت خلفي.. كانت مجموعة من الرجال تقف وقفتي ذاتها، وأنظارهم تلتهمني حيناً وتتجه إليه أحياناً. قرأت في ملامحه شيئاً من الصحو والدهشة.. الأمر الذي أكد لي من جديد أنه يشبهني فعلاً.. تطاولت قامتي أكثر، وانفرجت أساريري، وانبعثت في داخلي الكثير من المشاعر التي صارت حلماً منذ زمن، تابعت السير وعيون الرجال تلاحقني بشيء من الإعجاب والتقدير، وقبل أن أبتعد كثيراً كانت رؤوسهم تتطاول نحو الجدار والتصقوا جميعاً حتى بدت أجسادهم كتلة واحدة وهي تحاول النهوض.

ومنذ تلك اللحظة صار هاجسي كل مساء أن أبحث عن ملامحي في بقايا الصور التي مازالت تتشبث بجدران المخيم أو تتشبث بها جدران المخيم.

 

 

 

الـــكـــف

 

كفه أعرفها تماماً.. فيها خمس أصابع كباقي أكف الخلق، ربما تميزت عن غيرها بأصابعها الغليظة المنتفخة قليلاً والمكسوة بالشعر الأسود الكثيف، حتى أن الخاتم الفضي الذي يلتف حول إحداها يكاد لايظهر أحياناً. وكفه هذه تركز إلى زند غليظة مكسوة بالشعر أيضاً.. وهي تنفرج عن التماعات بيضاء حين يشير إلى شيء ما، أو حين يرتفع لسبب ما.. على أية حال، هذه المزايا قد لاتكون مثيرة، وهي ليست هامة إلى درجة الانشغال بها إلى هذا الحد، لكن معايشتي له طوال سنوات ربما كانت سبباً في التفاتي إلى كل هذه التفاصيل.. فهو لم يتحدث يوماً إلاّ وأشار بكفه نحو الأعلى أو نحو اليمين، أو اليسار، وفي كثير من الأحيان يشير بكفه دون أن يكون مبرر لذلك لكنها العادة كما يبدو. وكان من عادته أيضاً حين نلتقي أن يصافحني معانقاً.

يحتضن بكفه اليمنى راحتي وأصابعي حتى تكاد يدي تغرق بين ثنايا أصابعه الغليظة وراحته المبطنة بجلد ثخين ينزُعرقاً في الكثير من الأحيان، بينما يلتف بزنده الأخرى، وكفه الأخرى حول أضلعي.. حتى تكاد أصابعه أن تترك أثراً، كان هذا يحدث كلما التقينا، ومهما كان زمن الانقطاع بيننا، وفي كل مرة كنت أقرأ في عينيه أحلاماً عشناها معاً وعملنا لأجلها، في حين أنطفأت في عيني كل تلك الأحلام وحلت بدلاً عنها سحابة من الحزن لاتبرح ناظري... لكني لا أكتمكم أني في كل مرة ألتقيه يعاودني شيء من الإحساس بالحياة وشيء من أحلامنا السالفة، فسحابة الفرح التي تملأ عينيه لاتلبث أن تترك ظلالها فور لقائنا، ووجهه الطافح بالمحبة لايلبث أن يترك آثاره في أعماقي كلما نظرت إليه. لكن كل هذا تغير تماماً.. فالكف التي أعرفها كما أعرف كفي، لم تعد تظهر والزند الغليظة التي تحملها لم تعد ترتفع كما كانت، صارت مسبلة تماماً ولاتتحرك إلا في مناسبات محدودة جداً. بل صار من عادته أن يضع يده في جيب بنطاله حتى  تكاد لاتبرحها، وبحكم هذه العادة التي رافقته منذ زمن أصبحت كتفه اليسرى يميل قليلاً نحو الأسفل، وأضحى من السهل أن تلاحظ الفارق بين الكتفين. بل وحتى عادته في العناق تغيرت أيضاً حيث يكتفي بالمصافحة فقط- وسحابة الفرح- التي سكنت عينيه زمناً طويلاً لم يبق منها إلا التماعات خافتة ممزوجة بشيء من الحزن وشيء من الغضب وأشياء أخرى لايمكن فهمها بمصافحة عابرة. وحتى عندما أهمُ بعناقه يكتفي بأن يربت على كتفي بكفه اليمنى وتظل الأخرى طي جيبه تماماً. وقد أعملت الذاكرة في كثير من الحالات كي أسترجع المره الأخيرة التي شاهدت فيها كفه الأيسر.. كان ذلك على ماأذكر عندما التأم شملنا في اجتماع عام للمقاومة الشعبية في القرية، يومها وقف متحدثاً وهو يشير بكلتا يديه في الفضاء، قال: للضابط الذي يترأس الاجتماع: سيدي هذه البنادق لم تعد تفي بالغرض نحن نتحدث عن البندقية الفرنسية /49/ ذات الطلقات العشر وهم يتحدثون عن بنادق رشاشة لا أدري كيف تعمل قال الضابط: هذا الكلام صحيح تماماً ولكن لامجال الآن لمناقشته.. علينا أن نقاوم بما نملك.

عند ذلك أقعى في مكانه والتفت أصابعه الغليظة حول بطن البندقية وصمت كالآخرين بانتظار التعليمات اللاحقة.

هذا المساء عدت إلى القرية بعد غياب طويل وحين توقفت الحافلة الوحيدة التي تأتي إلى قريتنا مرتين في الأسبوع. كان همي أن أراه، أن أستمع إليه أن أقول له شيئاً مما كنا نقوله سابقاً.

أسرعت الخطا على الطريق الترابي المؤدي إلى القرية، وضاعت عيناي في خضرة داكنة تلف القرية من الجوانب كلها، حيث كروم الزيتون والصبار والتين، وفي الأفق القريب لاح لي العلم يطل من بين الأشجار وهو يخفق على سارية المدرسة الابتدائية، تذكرت أيامنا الخالية وتذكرته هو تماماً حين كانت أصابعه تلتف حول الكرة في ملعب المدرسة حتى لايمكن لها الإفلات إلا بإرادته.. وحين وصلت قبالة المدرسة تماماً ارتكزت عيناي على الجانب الأيسر للطريق، حيث ماتزال بقعة سوداء محترقة تغطي مساحة من الأرض كانت يوماً ملجأ لأهل القرية، وعلى أطرافها ماتزال تتناثر الحجارة والكتل الترابية والإسمنتية المحترقة أيضاً.

في هذه اللحظة بالذات اقترب من المكان رجل طويل قوي البنية يسير على مهل وهو يضع يده في جيب بنطاله بينما أطلق الأخرى في حركتها الاعتيادية.

أسرعت الخطا واسرع هو أيضاً.. التقينا وجهاً لوجه عانقته كعادتي، حاول أن يرفع يده اليسرى لكنه تراجع واكتفى بأن وضع كفه اليمنى على كتفي وهو يبتسم مرحباً.

سرنا معاً إلى الساحة الرئيسية، وبعد استراحة قصيرة قادني إلى منزله في أطراف القرية. جلسنا هناك على شرفة متواضعة تطل مباشرة على بحيرة طبرية التي اكتسبت زرقة خاصة مع ظلال المساء. بدت لنا الزوارق المعادية وهي تشق الموج في حركات مستقيمة أحياناً  ومتعرجة أحياناً أخرى، وعلى أطرافها يزبد الموج في حركات متتابعة تثير في النفس شجناً خاصاً، ألفناه منذ زمن. تبادلنا الأحاديث واجتررنا الذكريات وبين الفينة والأخرى ظلت تلوح في ذاكرتي تلك الكف القوية ذات الأصابع الغليظة المكسوة بشعر أسود كثيف، وفي أعماقي يتردد صدى حزين لصوته الأجش حين صرخ: طارت كفي- .. طارت كفي، وهو يركض في ساحة القرية ومن زنده تنفرد ماء حمراء قانية تركت آثاراً متعرجة على حجارة الطريق.

يومها، كان مكلفاً بحماية ملجأ القرية وتأمين مايلزم لراحة النساء والأطفال المختبئين فيه، وقد باشر مهمته فور خروجنا من اجتماع المقاومة الشعبية الذي عقد من أجل الاستعداد لمواجهة الغارات المحتملة. بينما توزع الباقون في أماكن أخرى لمواجهة الأخطار المتوقعة، وقبل أن تستقر الشمس في حضن الأفق الغربي كان القصف على أشده، وكانت قذائف المدفعية تتساقط من الجانبين، وحين اقتربت طائرة معادية من فضاء المكان أشرع بندقيته الـ (49) الفرنسية الصنع، وأمطرها بطلقات متلاحقة. ارتفعت قليلاً، ثم استدارت وانقضت بكل ماتحمل فأحالت المكان إلى رقعة سوداء محترقة حتى أنك لاتستطيع أن تميز بين كتل التراب المحترق وموجودات المكان المتفحمة التي امتزجت داخل الملجأ وخارجه... أما هو فقد طارت كفه، طارت تماماً كأنما بُترت بسكين حاد.

صرخ: طارت كفي -.. طارت كفي وركض خلفها قال: رأيتها وهي تهبط على سطح مجاور، ركضت نحوها فانهار السطح قبل أن أصل، وبين حجارته ضاعت كفي وأردف متردداً ذاهلاً... شاهدت أصابعي تطير في الفضاء وخيلّ الي أن خاتمي الفضي التمع مرات متلاحقة رغم كتل الدخان التي ملأت فضاء المكان. ومنذ ذلك الوقت استقرت في جيب بنطاله كف بلاستيكية ميتة وانتقلت ساعته إلى المعصم الأيمن وصار ربّاطها في موقع معاكس تماماً.

 

 

 

آخــر لــحـظــات طـفـولـتـي

 

عرفت الحرب أول مرة في حياتي حين كنت في السابعة.

مساء، الشمس تتدلى للالتحام مع الأفق، ورطوبة المساء المنعشة بدأت تلف البيوت الطينية العتيقة، لتمتص منها وهج النهار، ومواشي القرية تغادر مراعيها في طريق العودة، وكبار السن يتربعون على مصاطبهم الطينية أمام الأبواب الخشبية الهرمة، وثمة طيور في السماء تبحث عن مبيتها فوق الأشجار التي بدأت ذؤاباتها تنحني قليلاً امام هبات الريح المسائية اللطيفة.

في هذا الوقت تماماً كنا نلعب على بيادر القرية، أكبرنا لايتجاوز العاشرة، كنا نلعب بكرة قماشية صنعناها بأنفسنا... تضيع أجسادنا وسط الغبار ونحن نتدافع نحو الهدف كل منا يريد الوصول.. يتعثر بعضنا ويمضي آخرون.. ويتكوّم الجميع في زاوية مامن الملعب الترابي ثم ننهض متفرقين وقد علا صراخنا استعداداً لجولة جديدة.

فجأة توقف كل شيء، غاب الصراخ وتباطأت حركة الأقدام حتى تلاشت تماماً، وتسمرت عيون الجميع نحو سيارة قادمة على الطريق الترابي الوحيد المؤدي إلى القرية وهي تلتف بزوبعة من الغبار، تتكاثف حيناً وتنقشع أحياناً كلما هبت ريح المساء.

وحين اقتربت أكثر هب الجميع لملاقاتها، ... ركضنا خلفها، صارت أجسادنا اشباحاً تتسابق وسط الغبار، وتعالت صيحاتنا، وارتفعت الأيادي النحيلة بالتلويح للجنود الذين يطلون من نوافذها... نلامسها حيناً وتبتعد عنا أحياناً وهي تجتاز حفرة من حفر الطريق.

وحين دخلت القرية انطلق بوقها بالصراخ فاحتشد الناس على الجانبين واعتلى بعضهم أسطحة المنازل، وارتفعت الراحات تظلل العيون الهرمة.

قال رجل عجوز: يارب سترك.

وقال آخر: رحماك يا الله.

وكانت المفاجأة أن السيارة توقفت أمام بيتنا تماماً، تقافز منها الجنود توحدت ملامحهم مع ملامح الفلاحين ولم يعد يميزهم إلاّ شاراتهم العسكرية وقسمات وجوههم التي امتزج فيها الحزن والقسوة والحنان.

أشرعت باباً خلفياً انكشف عن تابوت خشبي يلتف بعلم ملون هو ذاته الذي نراه كل يوم يرفرف على مدرسة القرية... حمله الجنود على أكفهم ودخلوا أرض الدار، ..عقدت الدهشة ألسنة الجميع، حتى أمي لم تنطق بكلمة، تعلقت عيناها بأطراف التابوت ووجوه الجنود التي لفحتها الشمس والغبار.

قال أحد الجنود وهو يحاول جاهداً أن يباعد بين شفتيه:

هذا جثمان الرقيب محمود.. وبعد صمت أردف قائلاً:

قضى وهو يعارك العدو الذي حاول اجتياز مواقعنا يوم أمس..

كان شجاعاً رحمه الله، لم يوص شيئاً.

ثم وضع رزمة من الاوراق بين يدي أمي المرتجفتين، واستدار سريعاً وهو يداري الدموع التي انساحت على وجنتيه ويحاول عبثاً التخلص من اسئلة الفلاحين ولغطهم الذي أحاط به من الجوانب كلها.

عندها تعالت الأصوات بكاءً، وزغاريدَ، وغضباً واصراراً على الثأر.. وحين حملني أحد الرجال وهو يقبل جبيني قائلاً:

غداً ستكبر وتنطلق إلى هناك، حيث دماء أبيك ورفاقه... عندها عرفت تماماً أن الشهيد أبي، وعندها عرفت معنى الحرب، وقرأت في عيني أمي، كيف يكون المرء شجاعاً، وكيف يكون المرء صابراً ومحباً.

وكانت تلك اللحظة آخر لحظات طفولتي، كبرت أحلامي فجأة، غادرت الفراشات الملونة ذاكرتي إلى الأبد. وصارت البنادق حلماً يراودني كل يوم، وامتلأ صدري بكل إيمان الرجال.

((فمن قال أن الأطفال لايعرفون الحرب))! ؟

 

 

 

 

الــمـواجـهـة

 

كنت أعتقد حتى هذه اللحظة أني أغلقت الباب جيداً، حيث وضعت عدداً من القضبان الحديدية في فتحات متعددة على طرفي الجدار، بعد أن أولجت المزلاج جيداً وكذا فعلت في النوافذ كلها.. ومع كل هذا يساورني القلق،.. فها قد اقتربت خطواتهم.. وقع أحذيتهم يصل إلي عبر الظلام الدامس الذي يلف القرية ليس أحذيتهم فقط بل همهما تهم أيضاً، وكلما حاولت الإصغاء أكثر ينتابني شعور بأن قلبي سيتوقف حالاً عن الخفقان، ويخيل لي أحياناً أنه يتوقف فعلاً ثم مايلبث أن يستأنف ضرباته من جديد فتصل إلى مسمعي كأنها نقر على جلد منفوخ، الآن بدأ الباب بالإهتزاز، ومع كل حركة جديدة أزدادُ تحفزاً واستنفاراً وتقترب أصابعي من زناد البندقية الموجهة أبداً نحو المدخل الرئيسي.. أشدها على كتفي جيداً، أسوي وضعي بين الفينة والأخرى.. أسند ظهري إلى الجدار، ثم لاألبث أن أعتقد أن مكاني ليس مناسباً فأنتقل حذراً إلى جدار آخر، أستند وأعاود شد البندقية إلى كتفي.... ثم أتذكر أن الأطفال نيام، فأتمنى ألاّ يستيقظوا الآن، فالمشهد قد يكون مروعاً لا أحد يعرف كيف ستكون الحال بعد قليل.. ربما أستحم بدمي، وربما يستحمون بدمائهم فلحظات المواجهة قريبة جداً..

الطرقات على الباب في تصاعد مستمر، وقد أخذت الآن شكلاً مرعباً أكثر، يبدو أنهم يضربونه بأحذيتهم وأعقاب بنادقهم معاً.. ماذا سأفعل لابد أن أصرخ، أن أرفع عقيرتي منادياً الجوار... لكنهم كما يبدو ليسو أحسن حالاً فأبوابهم تضرب أيضاً حيث تداخلت الأصوات والهمهمات حتى خيّل إلى أن أبواب القرية كلها تضرب في اللحظة ذاتها... إذن لابد أن أواجه الحال بمفردي فأنا في الموقع الأقوى.. سألتقطهم واحداً تلو الآخر.. فها أنا الآن أستند إلى جدار متين وبندقيتي تلتهم الباب تماماً.. وما أن ينجحوا في الدخول حتى تبدأ معركتي الحقيقية.. نعم أنا في الوضع الأفضل فلماذا الخوف اذن؟ أحاول عنوة ضبط أنفاسي.. أنظر حولي، لاشيء سوى ثوب الليل، وأنفاس الأطفال في الداخل التي خيّل إلي أني  أسمعها جيد، وفي تلك اللحظة تماماً ازدادُ تحفزاً.. سأمنع دخولهم بأي ثمن.. كيف ستكون الحال إذا وصلوا إلى فراش الصغار؟

كيف سيكون حال الصغار إذا تناهبتهم الطلقات والأحذية؟

كيف لي أن أحتمل ذلك؟

الموت إذن هو الحل ولاشيء غير ذلك.. سأموت وليكن مايكون.

يبدو أن الأمر صار صعباً جداً، فهاقد بدأت النوافذ تهتز أيضاً.. طرقات حاقدة تحاول عنوة اختراق النوافذ الموصدة، ..حالة المواجهة اتسعت تماماً، إلى أين ستكون بندقيتي؟

صوّبتها نحو نافذة رئيسية، صار ظهري قبالة الباب تماماً، أحسست بالخطر أكثر، استدرت سريعاً -صار ظهري للنافذة، الطرق يشتد والأصوات تتداخل، والأطفال بدأوا بالتململ وأنا لازلت أصوبُ بندقيتي نحو النافذة تارةً ونحو الباب تارةً أخرى، وانتقل من جدار إلى آخر ولازال الطرق يشتد ويشتد، بل بدأت أسمع الآن وقع أقدام ثقيلة على سطح البيت.

يبدو أن لحظة المواجهة قد بدأت فعلاً، لاأدري كيف سيكون الحال... تنتابني رغبة في البكاء ومشاعر لايمكن حصرها.. ليس ذلك مهماً الآن.. المهم أن جسدي وبندقيتي في المواجهة تماماً.

 

 

 

ثـلـج وأحـزان وعــام جــديــد

 

أسطحة البيوت في المدينة مازالت مثقلة بالثلوج التي تراكمت فوقها خلال الأيام الأخيرة، وهي وإن بدأت بالتلاشي في بعض الأماكن المشمسة لكنها لازالت تعطي لونا واحداً للمدينة كلها، ومع حلول المساء تهب رياح باردة  محملة برذاذ ثلجي ينذر بتساقط المزيد في الساعات القادمة.

سكان المدينة يستعدون لمواجهة موجات البرد التي لم تعتد المدينة عليها إلا منذ سنوات قليلة، ويكفي أن تنظر من النافذة لتلاحظ تأهب السكان لمواجهة الاحتمالات القادمة... معظم الناس يرتدي المعاطف الفروية الطويلة، والكثيرون منهم يلفون أعناقهم بشالات صوفية ثقيلة، وبعضهم يرتجف كعصفور ولايجد مايستر جسده إلا بقايا من لباس قديم، وهنا وهناك ترتفع الكثير من المظلات القماشية فوق رؤوس غاب نصفها في ياقات المعاطف.. وبين هذا وذاك تبدو عصافير الدوري وهي تلج المداخن طلباً للدفء.

وفي كل الأحوال تعيش المدينة طقساً خاصاً جداً يتناغم مع فضائها الثلجي المتجمد.

ومع كل ذلك فإن الاستعداد للاحتفال برأس السنة الجديدة يجري كالمعتاد في الكثير من بيوت المدينة.. إعداد الطعام، وأشرطة الموسيقى والتأهب للذهاب إلى مكان ما وارتداء الملابس الجديدة.... وغيرها من المظاهر التي بدأ السكان يهتمون بها في السنوات الأخيرة.

في بيتنا مثلاً بدأ والدي منذ الصباح بإحضار كل مايلزم لاحتفالنا المتواضع الذي اعتدنا أن نمارسه في مثل هذا اليوم من كل عام حيث نلتقي جميعاً.. الأخوة والأخوات والأصدقاء لاحياء هذا اليوم استعداداً لاستقبال العام الجديد.... في المطبخ تراكمت أنواع المأكولات، وفي الصالة الرئيسية وضعت آلة التسجيل، وتخاصرت العديد من المناضد ليوضع فوقها الطعام والفواكه التي أعدت لهذه المناسبة وارتفعت ألسنة اللهب في الموقد الكبير الذي يتوسط الصالة الرئيسية وتم ضبط جهاز التلفاز المتوسط الحجم لينقل إلينا مراسم الاحتفالات التي تعم المدينة والمدن الأخرى المنتشرة في أرجاء الوطن، وربما احتفالات الأقطار المجاورة أيضاً.

ومع حلول المساء تصاعدت حدة الرياح وتساقطت الثلوج فاهتزت النوافذ الهرمة حتى أوشك بعضها على السقوط، وانحنت ذؤابات الأشجار حتى كادت أن تتوحد مع جذوعها، وتلألأت أضواء المدينة وهي تلتف بهالات من الغبش الثلجي الذي بدأ بالتكاثف كلما أوغل الليل.

وبدأت أصوات المحتفلين تعبر النوافذ مقطعةً مرتجفةً، تارةً تحسب الصخب خلف النافذة، وتارة تغيب الأصوات إلا صوت الريح.

وتصاعد دخان البيوت يرسم هالات سوداء متعرجة تركض متناثرة على صفحة الثلوج التي تغطي بيوت المدينة.

رفع والدي بيده النحيلة نخب العام الجديد إيذاناً ببدء الاحتفال وقد بدا أنه يصطنع الفرح وأن شيئاً مافي داخله يوشك على الانفجار، أو قل إن ملامحه عكست شيئاً مافي داخله رغم محاولته إخفاء ذلك.

ومع هذا فقد ارتفعت الأصوات بالغناء والتصفيق، وارتفعت جلبة الصغار والكبار معاً، وعلى شاشة التلفاز بدت مظاهر عديدة: أضواء.. وأشجار مزينة، وحلبات تزدحم بالراقصين، وموسيقا تصم الآذان، وشبان يتحدون الثلوج ويعلنون عن فرحهم بوسائلهم الخاصة...

كل هذا ووالدتي تقبع على كرسي في طرف الصالة، صامتة تفيض عيونها بالدهشة والحزن وهي تلتف بمعطفها الاسود الذي تحسبه لاينطوي على شيء.

تناهضت ببطء شديد وبعد أن جاست وجوهنا جميعاً بعينين غائرتين، أدارت قرص التلفاز نحو محطة أخرى لسماع نشرة الأخبار كما هي عادتها في كل يوم..

كنا جميعاً ننظر إليها بدهشة.. تلاشت جلبتنا حتى انعدمت تماماً وبدأ المكان يقترب من حافة الصمت عدا أصوات بعض الصغار الذين لم يرق لهم صمتنا المفاجيء.. بل لم تخل عيونهم من نظرات احتجاج واضحة..

بدأت الشاشة تعكس جبالاً من الثلوج تسبح في فضاء أبيض حتى ليخيل إليك أن الأفق قد اتصل بالسماء، وفي أحضان الجبال البيضاء بدا العديد من الفتحات السود التي تفضي إلى خيام غمرتها الثلوج.. تطل منها وجوه سمراء تحاول عنوة الصمود في وجه الريح وهي تحمل ملامح التحدي رغم التعب والكد والانتظار.بعضهم يحاول إشعال النار وبعضهم يكسح الثلوج عن بوابات الخيام.. والبعض الآخر يأبى السكون في محاولة لاشتعال الجسد في وجه الكون المتجلد.

وما أن انتهى العرض حتى امتلأت المآقي بالدموع وتوقفت الريح عن نقل صخب البيوت وجلبتها وتقاطعت نظرات الحزن، واشتعلت النفوس بالعديد من الاسئلة عندها نهضت والدتي من مقعدها مسرعة نحو سطح البيت، لحقنا بها جميعاً، أقعت على طرف الجدار وقد انغمست أقدامها بالثلوج وأدارت ظهرها للريح وهي تتكور كطفل.

قال والدي وهو يبدي تعاطفاً واضحاً معها:

أنت لاتقوين على مواجهة البرد.. أنت كومة من عظام.. ماذا ستفعلين لهم؟.. ماذا ستفعلين حتى لوبقيت الدهر كله؟.

ثم قال أخي الأكبر: حياتك في خطر ياأمي.. هيا انهضي لاأحد يعرف عنك شيئاً.. حتى لومتِ تحت الثلوج.

إذا كان مئات الرجال يعاركون الثلوج تحت نظر العالم أجمع، إذا كان الموت يهددهم جميعاً.. ولم يستطع أحد أن يفعل لهم شيئاً سوى نقل صورهم على شاشات التلفاز.. إذا كان كل العالم لم يفعل شيئاً.. فماذا ستفعلين ياأمي؟.

قالت وقد ضاعت عيناها في بياض المدينة وهي تباعد بين شفتيها بصعوبة بالغة. قد لاأفعل شيئاً.. وقد أموت الآن... يكفي أن أكون معهم في هذا اليوم بالذات، يكفي أن أكون مع أمهاتهم وزوجاتهم وأطفالهم في هذه الليلة على الأقل... هذا ما أستطيع.

تحلقنا حولها وقد غرقنا جميعاً في بحر من الحزن حتى نسينا أطرافنا تماماً وقد غطتها الثلوج.. وطارت أنظارنا في الفضاء واستسلم كل منا لشروده وأحزانه التي قطعتها في كثير من الأحيان رائحة المواقد المشتعلة وعصف الريح وضربات القلوب المتعبة.

وبدت أضواء المدينة وهي تقطر دماً وغناءً حزيناً.

حاول بعضنا إقناعها مرة أخرى.. إلا أنها أحجمت عن الكلام وفي عينيها تراءت لنا الجبال البيضاء وهي تحتضن وجوهاً سمراء تشتعل في ثناياها ابتسامات واثقة واصرار على التحدي رغم كل شيء.

غاب بعضنا لحظات. إلا أنه مالبث أن عاد، وحين لاح الفجر بدا الكون جليدياً صلباً يحمل في ثناياه رائحة الموت، وبدت الشمس وهي تحاول عنوة النهوض فما أن تطل أطرافها حتى تغيب مرة أخرى.. عند ذاك... حاولت أمي النهوض فما استطاعت.. اقتربنا منها ببطء شديد كان جسدها قد تلاشى تماماً.. حتى خيّل إلينا أننا نمسك بمعطف مبتل لايلوى على شيءلولا تانك العينان اللامعتان الغائرتان تطلان من بين خصلات الشعر الاشيب المبتل.

نهضنا معاً بصعوبة بالغة ونحن لانملك شيئاً إلا ضربات قلوبنا وتمتمات شفاهنا المتباطئة، وحين استوت على اكتافنا قالت بصعوبة بالغة وهي تئن وترتجف: كل عام وأنتم بخير.. قالت ذلك وقد أسلمت نظراتها لريح الشمال حيث مرج الزهور.. هبطنا أدراجنا في موكب من الصمت يقطعه حفيف أقدامنا ونشيج أبي.. وهو يقول أيضاً كل عام وأنتم بخير وتمتمت شفاهنا بالعبارة ذاتها..

كانت نار الموقد لازالت تحتفظ بآخر ذبالاتها وقد بدا كل شيء في صالة بيتنا رمادياً ميتاً حزيناً رغم خيوط الفجر التي بدأت تعبر النوافذ.

  

 

 

الــمـعـطـف الأزرق

 

على الرصيف المقابل للمشفى، ثمة رجل عجوز في حالة ترقب واستنفار دائمين، تحمله خطواته المتوترة نحو اليمين تارةً وأخرى نحو الشمال، وفي أحيان كثيرة يندفع نحو بوابة المشفى محاولاً الدخول، فيدفعه الجنود خارجاً، ثم لايلبث أن يعود إلى مكانه على الرصيف المقابل تماماً.

عيناه عالقتان بنافذة في الطابق الثاني للمشفى... هناك تتحرك ظلال عديدة لأناس كثر في حركة دائبة، ظلالهم تحجب النور تارةً ومن خلالهم يتسلل النور تارة أخرى... وأحياناً تهدأ الحركة حتى تبدو الغرفة وقد خلت تماماً..

المصباح الكهربائي المعلق في سقفها يتحرك ببطء شديد، ومعه تتحرك عينا الرجل العجوز الذي يحمل بيمينه معطفاً صغيراً أزرق اللون له ياقة فروية مهترئة، واكمام مخططة بقطعة قماشية فقدت ألوانها بفعل الزمن.. ينظر إليه، يمعن النظر في قبعته المنداة بالدماء يقلب ثناياه الداخلية، ثم لايلبث أن يضعه تحت أبطه ويندفع مجدداً نحو بوابة المشفى.. هناك يدفعه جندي مسلح:

أرجوك.. لحظة فقط

أريد أن أراه، إنه حفيدي الوحيد

اخرج من هنا.. لامجال على الاطلاق

ارجوك.. لحظة فقط..

فوهة البندقية تتجه نحو صدره، وحذاء ثقيل يرتفع... يتماسك، يغالب السقوط، أصابعه الهرمة تلتف بقوة حول قبعة المعطف... يعتصر أحشاءه.. يتناهض ببطء شديد، ثم يعود إلى الرصيف المقابل، فتتعلق عيناه مجدداً بظلال آدمية.. تبدو خلف زجاج النافذة، يدقق النظر، تغوص عيناه في ظلال الحاجبين... يحاول عنوة كشف الظلال المتحركة، تتداخل ملامحها، تتوحد ثم تفترق وتتلاشى قليلاً، ثم تعود لتشكل سداً يحجب النور..

يشعر بالتعب يلف جسده الهرم، يقعي على بلاط الرصيف، ينظر إلى قبعة المعطف يتملى ثناياه جيداً ثم يضمه إلى صدره...

يتابع النظر،... بوابة المشفى مغلقة، ومسلحون يتناوبون الحراسة.. وبين الفينة والأخرى تنهب صمت المكان سيارات الإسعاف التي تتوقف سريعاً ثم لاتلبث أن تغادر المكان بعد أن تفرغ حمولتها من الأجساد الآدمية المهشمة، ومع كل سيارة قادمة، يزداد عدد الواقفين إلى جواره على الرصيف إلا أنه لايأبه لكل ذلك، كل مايهمه أن يعرف مايجري في الداخل، ولحفيده تحديداً..

ياإلهي: في الصباح ذهب باكراً إلى المدرسة بعد أن وضع في حقيبته لفافة من الزعتر وبعض قطع الحلوى، وعند الظهيرة عاد في الوقت المحدد تماماً..

داس عتبة البيت.. نظر خلفه، كان الجنود يركضون في اتجاهات مختلفة ويطلقون النار، أحدهم صوب بندقيته نحوه، فأصابه في رأسه، خر الطفل صريعاً، تخبط بدمه كعصفور، وحين حمله بعض الشبان كان يئن.... يصرخ.... ينادي، قال كلمات لم أفهمها.

حقيبته فقط ظلت على الأرض، ومعطفه أيضاً خلعه الشبان وألقوا به على عتبة البيت، وهاقد شارف الليل على الرحيل، وبدأت تلوح في الأفق خيوط حمراء قانية، ولم أعرف عنه شيئاً..

يتناهض قليلاً، يرفع حاجبيه المتهدلين، لقد سكنت الحركة في الغرفة المقابلة... الظلال الآدمية لم تعد موجودة، المصباح الكهربائي فقط ينوس في سقف الغرفة.

لاأدري، قد لايكون هناك تحديداً، ولكن إحساسي يؤكد ذلك، ثمة رائحة تنطلق من هناك، هي ذاتها رائحة المعطف الذي بين يدي، يخيل إليه أن كفاً صغيرة تلوح له خلف زجاج النافذة... يندفع نحو بوابة المشفى:

أرجوك ياسيدي... دعني أدخل...

ألاتملك قلباً؟

وقبل أن ينتهي الحوار، كان عدد من المسلحين يحملون جثة صغيرة على نقالة بيضاء ويهبطون الدرج.. نحو البوابة الرئيسية.... ارتكزت عيناه فوق جثة هامدة، تتماوج قليلاً مع حركة أقدام الجنود، حدق في وجوههم ملياً، تجمد الدمع في عينيه ثم تراخت يداه، وعلى الأرض سقط المعطف الأزرق الصغير، ومن جيوبه تدحرجت بعض قطع الحلوى وبقايا لفافة الزعتر.

بينما كانت مآذن القدس تغتسل بنثيث المطر الذي حملته خيوط الصباح.

 

أضيفت في 13/04/2005/ خاص القصة السورية

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية