|

بطاقة
تعريف الكاتب: د. عبد الرحمن أقرع
فلسطين
من مواليد عام 1971 في مدينة نابلس بفلسطين
*حائز على بكالوريوس في الطب والجراحة العامة من جامعة الطب في مدينة فارنا
بلغاريا
*حائز على الماجستير في علم وظائف الأعضاء من جامعة العلوم والتكنولوجيا
الأردنية
*عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب
*مدير المنتديات الثقافية لمجلة أقلام
*مدير عام منتدى النخبة الثقافي الإلكتروني
* رئيس تحرير مجلة الغربال الرقمية
*عضو نقابة الأطباء الفلسطينيين
*عضو الجمعية المصرية لأمراض الغدد الصماء والسكر
*عضو صديق في جمعية بيولوجيا الخلية البلغارية
*شاعر وقاص يكتب باللغتين العربية والبلغارية، ومترجم
له: ديوان(نسائم من الشرق) باللغة
البلغارية
صادر عن دار الحروف(بوكفيتي) للنشر في صوفيا/
بلغاريا 2007
المؤهل العلمي:
ماجستير في فسيولوجيا الإنسان
المهنة الحالية:
أستاذ جامعي في كلية الطب البشري/ جامعة
النجاح-فلسطين
 


نماذج من أعماله

الخلد والفلاح الأصم
أخذ بحفر
نفقه في غياهب التراب بمخالبه التي شحذتها الفطرة لتمكينه من العيش تحت
الأرض ، كان حدسه هو قائده الوحيد بعد أن خلق اكمها لا يبصر ، وبدأ بقضم
جذر نبات البصل الذي صادفه أثناء الحفر دون أن يكتم انزعاجه من وقع خطوات
بني الإنسان فوق الأرض هامسا في نفسه :
-ألا يكفيهم
أنهم يسودون فوق الأرض ويقتاتون من ما تفتقت عنه أكمام الحياة من نبت
وصيد ليحفرون في الأرض أيضا هادمين علينا بيوتنا وإنفاقنا نحن بني الخلد
الذين نحيا تحت الأرض بعمانا المفروض علينا منذ الولادة؟
- الم يكفهم
ما شقته محاريثهم ومعاولهم في الشتاء السابق عندما حرثوا الحقول ليزرعوها
بالبصل ، ليأتوا اليوم بمعاولهم من جديد هادمين ما بنينا من أخاديد فيها
نحيا ونسير دون أن نزعجهم بمنظرنا الممسوخ ؟
أولا يشعرون
بخوفنا وانقباض قلوبنا مع كل ضربة معول ، قد تصيب الواحد منا في مقتل دون
أن يشعرون. أم تراهم يضنون علينا لقيمات بصل نمضغها أثناء الحفر لتقيم
أودنا.
كان الخلد
مشغولا بحديث نفسه تحت التراب وهو يقضم فلقة البصل ، أما على ظهر الأرض فقد
كان الفلاح الأصم يذرع الحقل جيئة وذهابا بحنق شديد شاتما بني الخلد جميعا
:- ذلك الكائن الممسوخ الذي اتلف حقل البصل الذي دأبت على رعايته طوال
الموسم ، حتى إذا نضجت الأبصال أتلفها بأنيابه المقززة.ولكن لا بأس ،
سأعلم هذا المخلوق الأعمى الهش القبيح درسا لن ينساه ، وسأستل روحه بمعولي
هذا قبل أن يتلف ما بقي من أبصال.
أمسك الفلاح
الأصم معوله بحزم وبدأ يرسم في ذهنه خطة الهجوم ، وخلص أخيرا إلى إتباع
المسار الافتراضي الذي يسلكه الخلد تحت الأرض بدءا من شق جحره ليستبقه
بخطوات وليبدأ بعزق التراب تاركا طبقة رقيقة منه لكي تهتز حبيبات التراب
فيها حين يمر الخلد من تحتها لحفر أخدوده فيبادره بضربة من معوله تستأصل
شره وتنقذ ما بقي من بصيلات الحقل . ثم بدأ بعزق التراب بالمجرفة تدفعه
الرغبة بالخلاص من ضرر الخلد إلى التمتع بمرأى كوم التراب الصغير المتراكم
تدريجيا رغم فقدانه للحاسة التي تمكنه من سماع صوت المجرفة وهي تغرف من وجه
التراب ما يرققه. ليجلس بعذاك منتظرا ويداه قابضة على المعول مشحوذ النصل
تأهبا لمرور الخلد من تحت التراب .
أما الخلد
فكان يواصل حفر أخدوده تحت الأرض سادا جوعه أحيانا بقضم فليقات من البصل
الطازج ، ثم سكن مليا في الوقت الذي عملت فيه مجرفة الفلاح حفرا في الأرض
خوفا من مكروه قد يناله وهو يتخبط في عماه حافرا أخدوده، ليواصل الحفر بعد
أن سكن صوت المجرفة مستشعرا الأمان المنبثق عن الصمت ..وفجأة :
---
أأأأأأأأأه ..أأأأأأأأأه
صرخ الخلد
صرخة مدوية وقد طعنه نصل معول الفلاح الأصم ، بعد أن قاده قدره من تحت
الطبقة الرقيقة من التراب حتى إذا اهتزت حبيباته بفعل اهتزاز جسده فطن إلى
وجوده الفلاح الأصم المتربص ليعالجه بضربة قاتلة من معوله مبتسما ابتسامة
ظافرة .
----أأأأأأأأأأأأه
..أأأأأأأأأأأأأه
كان صراخ
الألم مدويا مجلجلا رددت صداه الطبيعة من حوله حيث سمعه كل شيء إلا قاتله
الأصم ، والذي رأى فغر الخلد لفيه صارخا من الألم المميت ، فظنه يتجشأ
لتخمة أصابته من أكله لثمار البصل ، فابتسم بزهو ملقيا جثمان الخلد الدامي
جانبا وقد أخذ بثأر موسمه الذي اتلف الخلد جزءا منه مطمئنا على الجزء
المتبقي ، ثم بدأ بجمع متاعه عائدا إلى منزله تاركا جثمان الخلد الذي لم
يبصر قط قاتله ، طريحا تبكيه الطبيعة التي أشفقت من صرخة الموت المنبعثة من
حنجرته ، والتي لم تصل إلى سمع قاتله.
   
فرخ الشنار
كانت الشمس
ترسل بواكير أشعتها الذهبية لتنشر في حنايا الحياة دفأها ، لتنفتح شفاه
الزهور البرية عن ابتسامة ريانة بالحياة في يوم جديد من أيام القرية
الوادعة ، أعلنت العصافير عن ميلاده بزقزقتها التي بلغت عنان السماء مصحوبة
برفيف أجنحتها الغضة وهي تتطاير من شجرة إلى شجرة فرحة بالحياة المتدفقة
مع أولى خيوط الشمس .
كانت
المرأتان تجدان الخطى بهمة ونشاط نحو حقل القمح الأخضر في ذلك الصباح
النيساني ليبدأ مشوار الكدح متواصلا مع أيام سبقت ، وموعودا مع أيام
ستلحق في جدلية متواصلة منذ اشتد العود وتسرب الجبين بالعرق العطر بعبير
الحنون وشقائق النعمان. واتقد في الضمير الإدراك لفلسفة الحياة التي لا
تطعم دون عطاء ولا تكسو دون كد وشقاء.
كانت
أحداهما تمسك بأدوات العمل بيديها ، أما الأخرى فكانت تمسك الزاد بشمالها ،
وتمسك بكف طفل في ربيعه الخامس باليد الأخرى ، تقتاده نحو الحقل ليرتع
ويلعب إلى جوارها ريثما تأذن لهما الشمس بالعودة إلى البيت حيث الراحة من
يوم شاق.
وبدأت
المرأتان بالعمل ، وأخذت أيديهن اللواتي خشنت بفعل آلات الفلاحة عبر السنين
تتناوب على اقتلاع كل ما سوى القمح من أعشاب برية تتطفل على سويقاته الغضة
مقاسمة إياه عصارة الطين والماء دون وجه حق لتذره ضعيفا فيما هي تزداد قوة.
قبل أن تسارع أيدي الفلاحتين باجتثاثها من جذورها ليهنأ القمح بهبة الأرض
والسماء ، مانحا ذاته للفلاحين بعد أن تصفر السنابل في موسم الحصاد.
وعندما علت
الشمس في كبد السماء وازدادت حرارة أشعتها جلست الفلاحتان للراحة وتناول
الإفطار تحت زيتونة هرمة مفترشتين التراب الأحمر برفقة الطفل ليهنأ ثلاثتهم
بتناول الخبز الأسمر مغموسا بزيت الزيتون موشى بالزعتر ألأخضر ، يتخلله
حديث بين المرأتين حول مواضيع شتى لم يرتق وعي الطفل لفهمها فانشغل
بالطعام. وفجأة نهضت حداهما واقفة على قدميها وكانت أم الطفل وقد تهلل
وجهها بشرا ولمعت عيناها عزما وإصرارا لتركض نحو الحقل المجاور والمزروع
بنبات (الكر سنة) مطاردة لإحدى إناث طائر الشنار التي كانت تسير حاملة
أفراخها تحت جناحيها ولا تقوى لذلك على الطيران . كانت المرأة تهرول
بتثاقل بين سيقان الكرسنة الملتفة كشبكة صياد املآ في أن تلحق بالطائر
الأنثى وتنتزع احد أفراخها ليلهو به طفلها ، فيما ازدادت سرعة أنثى الشنار
يدفعها سعار الأمومة وظمأ الحياة لتقاوم التعثر بين سيقان الكر سنة في
محاولة محمومة للفرار من أنثى الإنسان وقد ملأ صوتها الفرار وكأنها تستغيث
بكل الطبيعة من حولها لتهب لنجدتها ونجدة أفراخها الجاثمين تحت جناحيها دون
أن تتمكن من فرد جناحيها إلى السماء الرحيبة حيث لا تطالها يد الإنسان.
كانت المرأة تهرول بتثاقل بين
سيقان الكرسنة الملتفة كشبكة صياد املآ في أن
تلحق بالطائر الأنثى وتنتزع احد
أفراخها ليلهو به طفلها ، فيما ازدادت سرعة أنثى
الشنار يدفعها سعار الأمومة وظمأ
الحياة لتقاوم التعثر بين سيقان الكر سنة في
محاولة محمومة للفرار من أنثى
الإنسان وقد ملأ صوتها الفضاء وكأنها تستغيث بكل
الطبيعة من حولها لتهب لنجدتها
ونجدة أفراخها الجاثمين تحت جناحيها دون أن تتمكن من
فرد جناحيها إلى السماء الرحيبة
حيث لا تطالها يد الإنسان.
وبعد هنيهات عادت
الأم جذلة ممسكة بفرخ الشنار
ككنز ثمين لتقدمه لطفلها بدل لعبة لم يقدر والده على
شرائها عله يجد ما يفاخر به
أقرانه ..كان فرخ الشنار جميلا موشحا بخطوط سوداء من
الزغب الناعم حول منقاره الوردي
وعينيه الفائضتين خوفا وحزنا تلقفه الطفل بفرح
طفولي يجهل فلسفة الأشياء ،
وسيكولوجية اليتم والفراق ليجري حاملا الفرخ بيديه لا
تكاد الأرض تسع فرحته
.
وعند الظهيرة يعود الطفل إلى
بيته برفقة أمه واضعا
فرخ الشنار في قفص صغير ، مقدما
له الحب والماء في محاولة منه لإطعامه واسقائه دون
جدوى ، إما لصغر سنه وإما لمرارة
الفراق التي سقته إياها أنثى الإنسان بانتزاعه من
تحت جناح أمه بغلظة
لتقدمه ملهاة لطفلها.
وفيما انشغلت الأم في تدبير شؤون
المنزل أخلد الطفل إلى نوم عميق
لتسرح روحه بين أطباق الأحلام فيرى أنثى الشنار وقد
تعملقت وامتد جناحاها بقوة
ليحيطا به وينتزعاه بصلف لتطير به بعيدا تاركة أمه بين
فكي الحزن والذعر لا تلوي على
شيء. أفاق الصغير من حلمه مذعورا ليثب إلى القفص رغبة
بإطلاق فرخ الشنار ، الذي وجده
مسجى على ارض القفص مفارقا للحياة
   
العابد
ضجت القرية
الوادعة لانقطاع الغيث الذي هدد محاصيلها بالتلف منذرا بمجاعة لا يسلم منها
لا الأطفال الرضع ولا البهائم الرتع ، والتي إذا نفقت عطشا وجوعا فستزيد
الفاجعة لانعدام مصدر آخر للغذاء بنفوقها إذا نفقت ، فاجتمع وجهاء القرية
في منزل (المختار) بحثا عن حلول أو بدائل ، وهناك جلس الجميع وكأن على
رؤوسهم الطير بغد أن شبعوا أخذا وردا بانتظار المختار ليدلي بالرأي الفصل.
مسح المختار
قطرات العرق التي تصببت على جبينه لجسامة المسؤولية الملقاة على عاتقه ،
وأدار نظره بين الجموع المنتظرة قوله ، فابتلع ريقه وقال :
-إننا أيها
الأخوة والأحباب نواجه عسرا لم نألفه من قبل ، ولا أبالغ إذا قلت أن بقاءنا
مرهون بزواله ، ولم نجلبه بتقاعس منا عن العمل ، أو إيثارا منا للدعة
والاسترخاء بقدر ما هو قدر من أقدار السماء التي لا نملك معها ردا ، والتي
ما كانت لتحل لولا خطايانا وتفريطنا في جنب الله . وعليه لا أكاد أجد لكم
مخرجا إلا أن نخرج جميعا إلى الطرقات رجالا ونساء وأطفالا لنجأر إلى الله
سائلينه الفرج والخلاص . ربما تقولون أننا فعلنا ذلك كثيرا ، وصلينا
الاستسقاء مرات ومرات دون أن يستجاب لنا ، غير أن الحق أقول لكم : أن رحمة
الله واسعة وهو بكاف عبيده.فلنكرر مرات ومرات حتى يرأف بنا سبحانه وهو
الرءوف الرحيم.
- على رسلكم
يا قوم.
التفت الجميع
لرؤية الهاتف الذي دخل الديوان بغتة يكسوه الغبار من رأسه إلى أخمص قدميه
ليتبينوا في ملامحه وجه الشيخ حكيم ،عابد القرية المشهور بزهده وتقواه ،
والذي عزف عن مخالطة الناس منذ عهد بعيد رغبة عن معايشة الفتن واقتراف
الصغائر من الآثام .فابتاع غنيمات يتبع بها مواضع القطر كما أوصى الرسول
من قبل في زمن الفتن. ولم يشاهد بعدها واعظا في الناس ، وإنما كادحا لكسب
رزقه أو متصفحا كتابا بصمت جليل.
-على رسلكم
يا قوم..نعم إن الله كاف عبده ، غير أن أهل العلم قالوا من قبل : إن الله
يلتزم بكفاية العبد بقدر ما يلتزم العبد بعبوديته لله ، والعبودية للرب لا
تتجسد في السجود لوجهه الكريم في الضراء فقط ، بل هي أشمل من ذلك بكثير لا
أقلها أداء حقوق الله ، وأداء حقوق عباده كذلك في السراء والضراء.
قال الشيخ
ذلك ولحيته الطويلة البيضاء تهتز لفرط الانفعال مع كل كلمة ينطق بها، وإذ
لمس اهتماما لدى الجمع بكلامه واصل حديثه بنفس التأثر والانفعال:
-إذا أردتم
أن يهطل الغيث من السماء من جديد فهيئوا له موضعا على الأرض ينزل عليه،
والا فلا جدوى من صلاتكم.
-ماذا؟؟؟؟..تساءل الجميع بصوت واحد تعتريهم الدهشة.. أو يهيأ للغيث مكانا
؟؟؟ إن هذا لأمر عجاب . تساءل رهط منهم.
-أجل يا قوم
، هيئوا مكان رضا للسماء على الأرض، واعلموا أنني لا أتحدث بالطلاسم ،
ولكنه الحق والحق أقول : ليعط المختار شقيقته حقها في الميراث أولا قبل أن
يقود الناس إلى صلاة الاستسقاء ، فدموع تظلمها على الأرض تحجب عنكم غيث
السماء ، ولينبذ إمام المسجد أخاه الذي شهد رهط من ثقات القرية على تلاعبه
بالمال العام ، فبشر ببراءته من على المنبر في يوم الجمعة ، وتوعد متهميه
بعقاب الله الأبدي واصفا إياهم بعصبة الإفك.. لان افتراءه على الله أنزل
أللعنة على قريتكم فأحيط بثمرها . وليذهب رهط من وجهاء قريتنا إلى القرية
الجارة استرضاء لمعلم الصبيان الذي نبذته القرية وأوكلت مهام التعليم
لشاب جاهل من أبناء القرية لصلة قربى تربطه بكبير وجهاء القرية ، لان
تجهيل الأجيال فناء لكم إذا نجوتم من فناء المجاعة ...
- لقد أثقلت
القول يا شيخ بما لا يليق بعابد مثلك . صرخ أحدهم مقاطعا ليسري هرج ومرج
كطنين النحل في المجلس ، وكأنهم كانوا بانتظار من يخرق جدار الصمت ليشوشوا
على إدانتهم. إلا أن الشيخ رفع يده بحزم وتابع حديثه:
- لقد أخذ
الله الميثاق على العلماء ليبينون الحق للناس ولا يكتمونه ، لذا فالحق
والحق أقول : إنكم لم تجهزوا بعد لاستقبال هبة السماء ، ثم شق طريقه بين
الناس ليخرج من حيث عاد ، ثم وقف على باب الديون واستدار مواجها الجمع
ليواصل الحديث قائلا :- إذا قررتم تحكيم الحق والصواب ، وتهيئة الأرض
لاستقبال ما ستغدق به السماء ، فلا تنسوا أن تأخذوا الدية من قاتل شقيقته
الذي يمشي آمنا مطمئنا بين ظهرانيكم ، وتعدونه مثالا للنخوة والحمية .
وقدموا الدية عونا للشباب الراغبين في الزواج دعما لعفتهم.
فصرخ به رجل
من الجمع: لقد تماديت في غيك يا هذا ، وتابع ثان : سبحان الله ، أو يدافع
عابد لله عن زانية ، وأردف ثالث : إذا كان الزهاد العابدون كذلك فلا حرج
علينا نحن العامة ، وابتسم ابتسامة ثعلبية ، وهنا انتهرهم الشيخ قائلا :
-إن الله
الذي حرم الزنا هو ذات الله الذي حرم القتل ، ولو أخذت كل نفس القانون
بيدها ، فما جدوى كتب الأنبياء ؟؟!
ثم خرج من
الباب الذي دخل منه دون أن يبادر أي من عقلاء القوم على استيقافه ناهيك عن
جهلائهم ، ليواصل طريقه نحو الجبل ساعيا بغنمه بحثا عن منبع ماء بثقة
يفتقدها من تركهم مجتمعين في الديوان ، ثقة جعلته يحس بشفاه الأرض المتشققة
ظمأ للمطر تبتسم رضا عما قال وفعل ، والشجر المتيبس عطشا بأغصانه التي
يداعبها النسيم تلوح له محيية إياه بغبطة وفخر.
   
الحرب والمحراب
1-
كانت شوارع
القدس العتيقة مكتظة بالناس على عادتها رغم شدة برد الشتاء القارس ، وكانت
البسطات المكتظة بخيرات الأرض تصطف على جانبي الطرقات بهجة للناظرين على
امتداد الطريق من باب العمود إلى أبواب الحرم القدسي ، تزخر بخيرات الأرض
الطيبة ، والتحف الخشبية والنحاسية ..تعلو أصوات باعتها وتختلط حينا ثم
تذوي عندما تقترب من مكتبة الصدقات حيث يعلو ترتيل شجي لقاريء حسن الصوت
منبعث من جهاز تسجيل في ركن المكتبة التي تغص بالكتب والمطويات و تعبق
أجواؤها بعبير المسك والورد والكافور المنبعث من قارورات زجاجية صغيرة
متعددة الألوان والأحجام : الأمر الذي يضفي بهاء فوق بهاء لشوارع البلدة
القديمة.
دلف الصديقان
إلى فناء المسجد الأقصى ليخفق قلباهما لرهبة الولوج إلى باحات أولى
القبلتين والسير على الأرصفة الواسعة المبلطة بأحجار بيضاء كبيرة ..ولم تكن
تلك زيارتهما الأولى ، بيد أنها تميزت بميزتين اثنين ، فهي الزيارة الأولى
التي يقومان بها معا من جهة، ومن جهة أخرى لكونها زيارة عفوية وليدة اللحظة
يقومان بها خوفا من أن لا يظفرا بمثلها بعد اليوم ، فقد نقل المذياع
الإنذار الأخير الذي وجهته قوات التحالف لصدام حسين محددة له موعدا أخيرا
للخروج من الكويت ، الأمر الذي دفع الجامعة لتعليق الدوام لإتاحة المجال
للطلبة للعودة إلى بيوتهم قبل اندلاع حرب قد تكون ضروسا تأتي على كل أخضر
ويابس بفعل الدمار المنتظر للأسلحة غير التقليدية التي كدسها الطرفان أهبة
للمعركة التي لم تعرف ساعتها بعد. اذذاك كانا يزمعان العودة إلى مدينتيهما
في الشمال ليكونا مع الأهل في انتظار قدر لا يدركان كنهه ، ومصير يكمن رعبه
في مجهوله.عنذاك التفت إلى صديقه قائلا:
-أتعلم أيها
الصديق أنني كنت قد قرأت في احد ى الكتب أن المسجد الأقصى سيهدم في آخر
الزمان
أجل، وأنا
قرأت أمرا مماثلا ذات يوم ، وربما تكون هذه الحرب المجنونة هي آخر العهد
بهذا المسجد. رد الصديق
-أو ترى
المسجد المبارك يعد أيامه الأخيرة أيضا .
- ربما..
ربما مع الأسف ، حاله حال ملايين البشر الذين ستحصدهم هذه الحرب الضروس إذا
اندلعت. طأطأ صديقه رأسه بأسف عابثا بطرف شاربه.
-فما تقول في
الذهاب لنصلي فيه صلاة مودع ، فقد ودعنا الزملاء والأتراب خوفا من أن لا
نلقاهم أو يلقونا بعد انقشاع غبار هذه الحرب التي خلعت قلوبنا خوفا قبل أن
تندلع ، وستسل أرواحنا إذا اندلعت. فلم لا نودع المكان كما ودعنا الإنسان
طالما أن الأمكنة كذلك باتت في عصر التكنولوجيا المدمرة مادة للفناء كما
الإنسان.
-لا بأس..لا
باس ، فلنذهب. أجاب صديقه وهو يفرك يديه معا جلبا للدفء.
كان المطر
يهطل غزيرا طوال الطريق ، ولم يتسنى لهما رؤية شيء من نوافذ سيارة الأجرة
المتجهة نحو القدس إذ كانت السماء كأفواه القرب في منتصف يناير.ولم يكن
للمسافرين من حديث إلا عن الحرب القادمة وما أعدا لها من خزن للطعام وتغطية
للنوافذ بطبقات (النايلون) خوفا من تسرب الكيماوي المزدوج إلى داخل البيوت
لخنق الكبار والصغار معا. وكانت المشاعر شتى ، والتكهنات مختلفة إلا أن جو
الخوف كان هو المسيطر على الحديث الدائر بين السائق والمسافرين ، خوفا بدده
للحظات مداخلة لامرأة عجوز تجلس إلى جانبهما في المقعد الخلفي ، إذ هزأت
(بالنايلون ) ومن يبتاعونه قائلة بلهجة الجنوب الفلسطيني :
-(ييجيكو
الموت ولو كنتو في بروج مشيدة) تقصد قوله تعالى : ( يأتيكم الموت ولو كنتم
في بروج مشيدة). فنظر كلاهما إلى الآخر مبتسمين ربما للمرة الأولى منذ أيام
طويلة.
كان المطر قد
توقف عن الهطول عندما دلفا إلى باحة الأقصى ، إلا من رذاذ خفيف تتسلل عبر
غلالته بعض خيوط الشمس لتزداد قبة الصخرة توهجا كلما داعبتها ، توهجا ضاعف
من جمالية تركيبتها المعمارية ، وإذ ذاك شعر كل منهما بغصة في حلقه ونظر
إلى صاحبه سائلا بصمت:
-أيعقل أن
يصبح هذا البناء المذهل بما يحمل من عبق التاريخ أثرا بعد عين؟!
وعندما هبطا
السلالم المؤدية للمسجد الأقصى أحسا بألفة غير طبيعية مع المكان ، وكأن
المسجد المبارك على موعد معهما ، يرمقهما باسما عرفانا وتقديرا لسعيهما
لوداعه، باشا مرحبا بهما ، وعندما دخلا صحن المسجد كانت الإنارة خافتة
واصمت مطبق لا يقطعه سوى خطى المصلين على السجاد الناعم متوجهة نحو المحراب
حيث أذن للصلاة ، واصطف المصلون صفوفا مكبرين الإحرام خلف الإمام الذي قطع
حبل الصمت مكبرا يجلجل صدى تكبيرته في إرجاء المسجد الواسع ترتعش لجلالها
أعمدته الرخامية العملاقة ، فيم اسر بصلاة العصر واقفا في الصف إلى جانب
صلاته ، يتساءل كلاهما في قرارة نفسه :
-أهي حقا
صلاتنا الأخيرة فيه؟؟
2-
دخل ممسكا
بكف عروسه إلى باحة الأقصى بعد أعوام تسع من زيارته الأخيرة مع صديق دراسته
. كانت عروسه الشابة من فلسطينيي الخليج لم تر القدس إلا على شاشات التلفاز
و صفحات المجلات ، وكانت تبدو في مخيلتها مدينة أسطورية على بقعة ما من
ربوع وطنها الذي جابت أرجاءه عدة مرات برفقة ذويها في اجازات الصيف دون أن
يمروا ولو لمرة بالقدس ، فبقيت المدينة المقدسة في مخيلتها صفحة من التاريخ
، وبقعة دائرية الشكل على الخريطة الجغرافية ورحلة مرتقبة ذات يوم . لذا
كانت ترسل النظر في كل ركن من أركان الساحات الرحيبة ، دون أن تخفي شعورا
غير مألوف لديها بالانتشاء برؤية ما حلمت برؤيته عيانا ، غير مصغية إلى
طويل شرح زوجها الذي أسهب في ذكر المراحل التاريخية المختلفة لهذا البنيان
العريق ، وأكنافه المقدسة من سائر الأديان.
ربت بيده على
كتفها أمام مدخل قبة الصخرة ليوقظها من إغراقها في تأمل الزخارف الجميلة
والقبة الذهبية المتوجهة بفعل الشمس ، مرشدا إياها إلى مصلى النساء ،
ومحددا موعدا للقاء بعد أن يفرغ هو من صلاته ، طفق يهبط السلالم من جديد
ليسجد خلف المحراب في بقعة سجد عليها ذات يوم إبان الحرب الضروس التي انتهت
وبقي المحراب في مكانه.
   
أصوات وصور
هو الذي منح الأشياء بهجتها فغني
بذكره يا بلادي) واصلت الطالبة
الحسناء قراءة مقاطع من ملحمة (جلجامش
) بصوتها الرخيم كترانيم الكنائس في غرفة
دراسية في كلية الآداب ، بينما
كان جالسا إلى جانبها يصغي السمع بإحساسه الأدبي
المرهف بأذني رأسه حينا ، وبآذان
روحه أحيانا ، وأختلط صوتها الرخيم بأصوات شتى
انبعثت من داخله ، تصدح بالنشيد
الروحي الأخاذ حينا ، و بترتيل الآيات حينا لتتداخل
الصور مع الأصوات في توليفة
روحية مذهلة أخذت بذاته عن الوجود بعيدا لتجول به في
أرجاء الفراديس حيث الصفاء
والنقاء المعصومين من دنس الأرض ، وحيث الجمال السرمدي
الذي لا يشوبه القبح ، ليعود
بعدذاك إلى عالم الأرض بوكزة من زميله منبها إياه إلى
انتهاء وقت المحاضرة.
وفي الخارج كانت ردهات الجامعة
تزدان بالصبايا الحسان
من ذوات القد الممشوق والقوام
المعتدل ، ناشرات عطر الأنوثة في كل اتجاه ، فيما
اصطفت الجدران باللافتات
المزدانة بالشعارات المختلفة، والتي اكتست إطاراتها
الورقية بألوان شتى بحسب التوقيع
الممهور على زواياها السفلية لهذا الإطار الطلابي
أو ذاك ، فأخذ يجيل نظره بينها
قارئا ومتفحصا فحواها ، مقارنا بين الخطوط التي كتبت
بها ومنسوب البلاغة والركاكة في
مضمون هذه أو تلك حتى أفضى به المسير إلى المخرج
ليجد نفسه وجها لوجه مع الشارع
المائج بالطلبة والطالبات مصطفين أسرابا عرضية
تغطيهم اللافتات والبيارق
واللافتات القماشية الضخمة منطلقين في مظاهرة ضخمة ،
وأصوات حناجرهم تشق الصمت في
هتافات مجلجلة منتظمة حدت الركب في سيره على طول
الشارع الرئيس وعرضه ليجد نفسه
في وسط الركب دون أن يلوي على شيء ، وبدت منه
التفاتة إلى الأعلى ليرى كيف
احتشدت النساء والأطفال على سطوح وشرفات المنازل
يرقبون المسيرة فيما أخذت إحدى
النساء برش الأرز والسكر مباركة الركب ومن فيه ،
فيما انفجر سعار أبواق السيارات
المصطفة على طرفي الشارع لتتيح المجال للمتظاهرين
بالمرور فيما دوت الأغاني
والأهازيج الوطنية من أجهزة التسجيل في بعض المركبات ،
أما بعض المارة فكانوا يجدون
الخطو غير عابئين لاعتيادهم على هذا المنظر اليومي،
وأخيرا وصل الركب إلى مشارف
المدينة لينفض تدريجيا ويتفرق الجميع قاصدا كل
غايته.
لف الظلام غرفته في السكن
الجامعي حيث يتلقى دراساته العليا في جامعة
(السور
بون ) بباريس إلا من تراقص أشعة التلفاز منبعثة من الشاشة الفضية بينما جلس
انتظارا لسماع ومشاهدة الأخبار
لمعرفة أحوال البلاد بعد أن غادرها منذ اشهر ليحضر
لشهادة الدكتوراة في الآداب.
بدأت المذيعة بتلاوة النشرة فيما ظهرت على خلفية
الشاشة صورة لمبعدي (مرج الزهور
) يرتدون الأكفان متجهين جنوبا نحو الأرض التي
اخرجوا منها بالقوة ، كانت
الصورة مهيبة وحزينة في آن وقد سار شيوخ وشبان من مختلف
الأعمار مجللين بالبياض نحو
المجهول : لا يدرون أيسمح لهم باجتياز الحدود بسلام أم
تتلاقهم النار ليدفنوا على أرض
حزينة دافنين معهم حلم عودتهم إلى الأهل والديار
.
وبعد انتهاء النشرة أطفأ التلفاز
وأشعل مصباح الغرفة تلاه بإشعال سيجارة نفث منها
نفثة عميقة فيما ترادف صمت
التلفاز بإيقاع الموسيقى الصاخبة المنبعث من ملاهي باريس
وحاناتها ، فتناول مجلة عن
المنضدة أمامه ليتصفح شيئا ليقع بصره أول ما وقع على
الغلاف الذي يحمل صورة لفتاتين
من بلاد البوسنة والهرسك تندبان عفافهما المغتصب
وأهليهما القتلى على أيدي الجنود
الصرب، فألقى بالمجلة من يده مطفئا سيجارته التي
لم يكمل تدخينها بعد في منفضة
السجاير
.
كان نهارا دافئا من أيام آذار ،
احتسى فيه القهوة المرة وجلس
محاولا التحضير لمحاضرة الغد في أدب الملاحم ،بيد أن
أصوات الرصاص الملعلع في الفضاء
دفعه للخروج من خلف مكتبه إلى شرفة المنزل المطلة
على الشارع الرئيس في نابلس ،
حيث كانت الشوارع تغص بما يناهز نصف المليون إنسان
تعلوهم الرايات والبيارق ذات
الألوان المختلفة ، تتقدمهم عربات الأمن الوطني وعربات
الإسعاف تحمل جثامين بضع عشرة
شهيدا سقطوا في حادثة قصف سجن نابلس المركزي . كاد لا
يرى إلا خضما بشريا متموجا بتموج
الرايات المتعدد فوق رأسه كأنها أشرعة مواكب تمخر
عباب بحر بشري متلاطم ، فيما
انبعثت الصرخات الغاضبة من الحناجر الثكلى وكأنها صوت
الموج المتكسر على صخور الشاطيء
العملاقة . وفيما كان يطيل النظر ، كان يمعن الفكر
مدركا أن الأصوات هي ذات الأصوات
، والصور هي عين الصور. وما من مختلف سوى اختلاف
الليل والنهار وتبدل الأمكنة
   
لقاء الشياطين
حفر بأظافره
المتسخة كوة صغيرة في جدار الكهف المظلم الرطب ليحفظ فيها صرة القطع
الفضية التي وهبه إياها الشيطان هذا المساء . كان يدمدم غضبا ويزفر غيظا لا
يستطيع له تنفيسا خوفا من أن يسمعه ولي نعمته الشيطان فيبطش به ، لقد توقع
منه مكافأة مجزية على ما أنجز ، كان الأولى أن يمنحه قطعا ذهبية على الأقل
..أجل : قطعا ذهبية ذات بريق لامع أخاذ يسر الناظرين لا قطعا فضية باهتة
بلون البرص ، فما أنجزه ليس بالقليل الم يتقن القنص هذا الصباح ، ويسدد
جيدا إلى رؤوس الأطفال لتخترق الرصاصات الجماجم الغضة ناثرة الدم في كل ما
حولهم .أو لا يشبع شهوة الشيطان مرأى أدمغتهم الرخوة وهي تسيل من مخرج
الجراح ممتزجة بالدم ؟ وأي شيء يرضي غرور هذا الشيطان إن لم يشبعه انطفاء
الزنابق في خدود الأطفال القتلى ، وشخوص أبصارهم نحو السماء استنجادا باله
كتب على نفسه الرحمة والعدل وقد أدركت أرواحهم البريئة وهي تزهق أن لا مغيث
في الأرض.
-(يبدو أن
الأخيار أشد ذكاء منا معشر الأشرار عندما يصفون مولانا الشيطان باللعين)
همس في قرارة نفسه . غير انه أدرك أن همسه للنفس لم يكن آمنا عندما اضطربت
جدران الكهف ومادت أرضه من تحت قدميه لينعقد دخان كثيف كريه الرائحة زاد
الكهف ظلمة فوق ظلمته ونتانة فوق نتانته ليتجسد أمامه الشيطان تهتز قرناه
غيظا ، ليمسك بتلابيبه صارخا فيه بأنكر الأصوات ناثرا لعابه الكريه في وجهه
:- ويح أمك !! أو تلعنني أنت أيضا وأنا ولي نعمتك ؟
-(معذرة يا
مولاي ، والذي جعلني لك تابعا لم تكن إلا زلة لسان ) أجاب وهو مرتعد
الفرائض رعبا : صدقني ، زلة لسان لا غير ، ربما هي أيضا وسوسة......) ثم
صمت بغتة وقد أدرك خطورة ما كاد ينطق به.
-(اخرس) صرخ
في وجهه الشيطان بأنفاسه النارية النتنة، ثم تابع قائلا : تريد أن تقول
وسوسة شيطان ، أنا أقرب إليك من نفسك أيها المأفون فأنا مقيم في دمائك،
فحذار من التلاعب معي.
-(المهم)..قال الشيطان وهو يذرع الكهف جيئة وذهابا ،- ( يجب أن تأتي الآن
معي ، فهنالك رهط منا ينتظرون سماع ما قمت به ، بعبارة أخرى : يريدون منك
تقريرا ، ليخططوا للمرحلة المقبلة من العمل الشيطاني . سأهبط الآن في الأرض
فاتبعني حيث ذهبت ولا تلتفت يمنة أو يسرة) . قال الشيطان ذلك ثم بدا يهوي
في أرض الكهف ليتبعه هو دون أن يملك اعتراضا.
سار وراء
الشيطان في أقبية الأرض المظلمة وأنفاقها النتنة الرطبة حتى وصلا إلى بهو
مهيب توسطته مائدة ضخمة اصطفت خولها عدة مقاعد ، فأراد أن يهوي بجسده
المنهك على أحدها لينال قسطا من الراحة ، بيد أن الشيطان انتهره صارخا :
-( ابق في
مكانك ، فلم تنل الحظوة بعد لتجلس ) قال ذلك رامقا إياه بازدراء .
وبعد هنيهات
انتظار ، مكثا خلالها واقفين على الأقدام فتح باب في صدر المجلس ليخرج منه
ثلة من الشياطين تتبعهم ثلة من الآدميين ببدلات فاخرة وربطات عنق غالية
الثمن، تمعنهم فاغرا فاه دهشة إذ عرف في ملامحهم وجهاء مجتمع كثيرا ما
تستضيفها الفضائيات لتطيل الردح ، مهاجمة بعضها بعضا ، وأكثر ما أثار
استغرابه وجودها معا هنا تحت الأرض بصحبة الشياطين ، ثم سرت في جسده رعدة
حسد وغيرة عندما رأى كبير الشياطين يشير بيديه إلى المقاعد الفخمة مرحبا ،
حيث اتخذوا لهم مجلسا لتدور عليهم كؤوس الضيافة الشيطانية ، وإذ ذاك تنحنح
كبير الشياطين وبدأ الاجتماع قائلا :
-( نجتمع
اليوم أيها الأعزاء ، لنحتفل بنجاحنا الذي لعنتنا لأجله رمال بحر غزة وماؤه
، ناهيك عن جموع الأخيار في الأكوان قاطبة ، واللعنة منهم هي بمثابة
المباركة في عرفنا الشيطاني. فقد تكللت جهود أحد عناصرنا الصغار في اقتناص
حياة مجموعة من الأطفال ستكون فاتحة شر على الخيرين جميعا ، وما كان هذا
لينجح لولا جهودكم الشيطانية المثمرة في إشاعة ثقافة الكراهية والترجيف في
حنايا المجتمع ، مما هيأ البيئة الصالحة لعنصرنا الجريء ليبدع بفعلته ) .
ابتلع كبير
الشياطين ريقه الكريه ثم واصل حديثه:-( إن معركتنا مع الوجود الخير فوق
الكوكب تكمن في إثارة الفرقة بين الأخيار ليسهل علينا السيطرة ، ولن نستطيع
ذلك إلا إذا دمرنا عامل الثقة بينهم ، وعندما تتم الشرذمة ..وقتذاك لن
تضرنا لعتاتهم)
   
مطاردة في قطار
كانت المحطة
تعج بالمودعين والمسافرين معا تختلط أحاديثهم فلا يفقه منها المرء شيئا ،
فيما سرت رائحة الفحم المحترق ليستحيل الدخان طبقة ثالثة في ظلمات ثلاث :
الليل ، والسحاب والدخان ، ليل تزينه المصابيح الكهربية الخافتة التي يعكس
الجليد أشعتها ، فترتسم على قضبان السكة الحديدية كلوحة تجريدية من لوحات
الطبيعة المتألقة والتي كانت ستسترعي انتباهه لولا ظلمات الهم واليأس
والإحباط التي أطبقت على فؤاده وهو يجر حقيبة سفره ذات العجلات المهترئة
محدثة ضجيجيا خفيفا لاصطكاكها بالأرض المغطاة بطبقة خفيفة من الجليد
المتجمد.
أشعل سيجارة
بأصابع مرتعشة لا يدري ارتعشت للبرد أم للهول القادم في هذا المساء الذي
تحتم عليه السفر من العاصمة إلى مدينة الميناء حيث يقيم ويتلقى علومه بعد
أن وصل بعد الظهر من البعيد على متن الطائرة ، فنفث دخان سيجارته لتتفرق
خيوط الدخان ثم تجتمع في ضوء مصابيح المحطة راسمة صورا شتى تجسد أحداث
رحلته الطويلة من المطار إلى محطة القطار . قال له صديق عمره انه سينتظره
في المطار ليزوده بالمال اللازم لابتياع تذكرة قطار ، ووجبتي طعام ، إلا
أنه لم يكن بانتظاره ، وعندما هاتفه في البيت أخبروه انه مسافر ، فاشترى
بدراهمه الأخيرة علبة سجاير وتذكرة باص أقلته إلى محطة القطار ، عسى الله
أن يهيئ له مخرجا يمكنه من الوصول إلى مدينة الميناء ، فلطالما امن
بالمعجزات في زمن بهتت فيه كل المعاني الإنسانية ، واصطبغت الحياة بصبغة
مادية داكنة اللون كئيبة المنظر..لم يتبق معه سوى علبة سجاير ، وحقيبة سفر
قديمة وخاتم زواج فضي وأمل بالوصول إلى مدينة الميناء.
دلف إلى إحدى
العربات واضعا حقيبته على الأرض إلى جانب النافذة ، ووقف متظاهرا بالتمتع
بالمشهد الخارجي حيث تلوح مئات الأكف بالوداع بعد أن أعطى القطار إشارته
الأخيرة للمغادرة فيما بدأ القطار بالترنح بعجلاته الثقيلة على سكة الحديد
ليخلط نسيم المساء البارد بدخان الفحم المحترق الدفيء تماما كما يختلط في
داخله الخوف بالرجاء .
-التذكرة
لطفا .. بادره صوت أجش ليثني وجهه عن النافذة متأملا مصدر الصوت ، ليجد
نفسه بإزاء رجل في الأربعين من العمر ، يرتدي زيا رسميا أزرق اللون ،
ونظارة سميكة العدسات تحول بينه وبين قراءة تعابير عينيه ، إلا أن ملامحه
كانت من الصرامة بحيث لا تمنحه أدنى توقع بخير.
تظاهر بالبحث
في جيب معطفه ، ثم الجيوب الداخلية فجيب القميص ، فالمحفظة دون أن يعثر على
شيء ، فأجاب بنبرة كاذبة :- (معذرة..يبدو أنني أضعت التذكرة)
-( إذن
فستهبط في المحطة القادمة على بعد 10 كيلومترات من هنا ) أجابه المراقب
بغلظة .
-(ولكني
متوجه إلى الميناء ، وأمامي ما لا يقل عن أربعمائة كيلومتر ، فماذا سأفعل
في المحطة القادمة.)؟
-(الأمر بسيط
..ستدفع قيمة التذكرة نقدا لأمنحك تذكرة جديدة).
-ولكن..لا
مال لدي .. لقد اشتريت تذكرة القطار بآخر ما لدي من مال )
-(إذن ستنزل
في المحطة القادمة )
-(ولكن).............
-( أو تدفع
ثمن التذكرة ).
-( اسمع يا
سيدي ..سأعطيك هويتي الشخصية ، وجواز سفري رهنا ريثما نصل الميناء ..وهناك
سأهاتف أصدقائي ليأتوا بالمال فورا .....)
-(هذا ما لن
يحدث )قاطعه المراقب بحزم ، وتابع وقد رفع نبرة صوته متوعدا :( إما التذكرة
، أو قيمتها نقدا ، أو ألقي بك خارج القطار في المحطة القادمة ، فهذا قطار
سفر وليس تكية ) قال ذلك وأدار ظهره بصلفة ليواصل جمع التذاكر من المسافرين
، فيما وقف هو حائرا لا يلوي على شيء .
سردت رعدة في
جسده وقد تخيل الليل والبرد والغربة في مدينة لا يعرف فيها أحدا إذا ما
القي به من القطار في المحطة القادمة . فبدأ يفكر بتوتر محصيا خياراته : قد
يتوجه إلى مركز للشرطة؟ ولكن ماذا سيفعل هناك ؟ سيقولون له : هذا مركز
للأمن وليس تكية ، ناهيك عن صعوبة الوصول حتى إلى مركز الشرطة دون أجرة
سيارة . قد يحاول الكرة ثانية مع المراقب ويقنعه بأخذ جواز سفره
كرهينة..ولكن ملامحه الغبية الصارمة لا تشعه على محاولة كهذه..أيلجأ لبقية
المسافرين؟؟..يا للعار !! انه يتحرج من حاجة الأقرباء ..فكيف بالغرباء ؟
ولكن : (من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) هكذا همس لنفسه مشجعا
لاتخاذ الخطوة الأولى من مبدأ اختيار أخف الضررين .
-(عفوا سيدي)
..توجه إلى رجل مسن توسم فيه مسحة من الطيبة والوقار . أنا طالب جامعي
متوجه إلى مدينة الميناء ، وقد أضعت تذكرتي ولا مال لدي ، أرجو أن تسلفني
سعر تذكرة وسأترك جواز سفري معك رهينة ريثما نصل الميناء).
-(وأنا لم
يتبق معي مالا يا ولدي ..اسأل غيري ) أجابه الرجل المسن ببرود متناولا
جريدة غطى بها ملامحه .
-(معذرة
آنستي ...) كرر نفس الرجاء أمام صبية حسناء من بنات سنه ، فواصلت حديثها مع
زميلتها وكأنها لم تسمعه . ابتلع ما بقي من ريق في فمه لم يجف بمرارة لم
يعهدها من قبل ، وعندما لمح المراقب من بعيد قرر المراوغة ، فجر حقيبته
وأخذ بالتنقل من عربة إلى عربة حتى وصل إلى عربة المقهى ، حيث تنتصب طاولة
في الوسط يقف إليها المسافرون ريثما يشربون شيئا أو يدخنون ، فألقى
بالحقيبة أرضا وجلس إلى جانبها مؤملا النفس بأن المراقب سيحتاج الكثير من
الوقت قبل الوصول إليه هنا في عربة المقهى ، وربما ينسى أمره ريثما يتجاوز
القطار المحطة القادمة ، وبعد ذاك قد يهيئ الله له مخرجا ، تأمل الوجوه
الواقفة عله يقرا في ملامح إحداها مسحة طيبة وعطاء ليكرر محاولة الاستلاف
إلا أنها كانت جميعا عابسة مكفهرة ، وبعضها كانت بلا ملامح تظهر حمرة
أعينها كم أسرفت في الشرب ، فأشعل سيجارة أخرى وأدار وجهه للنافذة حيث أطبق
الظلام حاجبا الرؤية إلا من فتات ثلج يتساقط على ضوء مصباح النافذة الباهت
فأحس بالبرد من جديد وقد تخيل كيف سيلقى به عند الوصول إلى المحطة القادمة
.
-( في وجهك
تقرأ الآلام جلية يا فتى ) هتف به رجل طويل القامة عريض المنكبين وقد انحنى
إلى جواره تسبق رائحة الكحول كلماته المنبعثة من فيه القبيح ، تأمله جيدا
ليرى رجلا غجريا باسم الوجه على قبحه.
-(أجل يا
سيدي..لقد أضعت تذكرة القطار وسيلقون بي على رصيف المحطة القادمة ويرفضون
أوراقي الثبوتية رهينة ريثما نصل مدينة الميناء ) قال بنبرة تحمل طابع
التوسل جليا وان أخفاه ، فهو يعلم أن الغجر هم أفقر الفقراء ، يستلون عيشهم
بالتبصير والتنجيم والحيل ، ولكنه أحس برغبة في مبادلة الحديث مع كائن من
كان ، فلربما يجد يدا عند مراقب التذاكر كي لا يقذف به على رصيف المحطة
القادمة حيث الليل والبرد والغربة وقطاع الطريق.
-(وماذا تحمل
في هذه الحقيبة) سأل الغجري برقة ودهاء في آن واحد
-(ثيابي
وكتبي )
-(أجديدة هي
الثياب)
-(نعم
اشتريتها لتوي ولم ألبسها إلا لأيام معدودات)
وفتح الحقيبة
مخرجا منها قمصانه وبناطيله ، كمن يدلل على سلعة غالية ، محاولا إغراء
الزبون بالشراء ، تفقدها الغجري قطعة قطعة بشيء من الرضا أتقن إخفاءه قائلا
:- -( إنها جميعا لا تكفي ثمنا لتذكرة السفر ).
فغر فاه دهشة
لبخس السلعة من قبل الغجري الماكر ، إلا أنه لاذ بالصمت كي لا يفسد الصفقة
عازما على المساومة ، فأردف الغجري قائلا ، ليقطع عليه أي طريق للمساومة :
( غير أني سأشتريها جميعا وسأنقدك ثمن التذكرة عملا للخير وأملا أن أجد ما
أنجو به في عر صات الآخرة حين يقوم الناس لرب العالمين ).
-(ولكن ثمنها
أغلى بكثير، بامكانك أخذ بعضها ) قال بضيق ، وقد لمح مراقب التذاكر يصل إلى
عربة المقهى..
-(على كل أنا
مضطر للمبلغ ..خذها كما تشاء ) قال قانطا.
ابتسم الغجري
بدهاء ومد يده مصافحا إعلانا عن إبرام الصفقة ناقدا إياه الدراهم الكافية
لشراء تذكرة القطار ، واضعا الملابس في كيس متسخ ، ملوحا بيده مودعا وسروره
بالصفقة الرابحة لا يخفى .
جلس على
الأريكة في عربة المسافرين بعد أن ابتاع التذكرة إلى جانب الفتاتين اللتين
عزفتا عن سماع شكواه بإزاء الرجل المسن الذي لا يزال مقنعا وجهه بالجريدة ،
وتنفس بارتياح بعد أن ضمن الوصول إلى مدينة الميناء حيث الجامعة والأصدقاء
، مغتبطا أن حقيبته أصبحت أخف وزنا مما يمكنها من جرها بسهولة بعد وصوله
دون الحاجة إلى سيارة أجرة أو حافلة ، فلم يعد فيها إلا بعض الكتب وملاءة
المختبر البيضاء .
   
سمات
هنا رقدت
(سمات) رقدتها الأخيرة ، وعلى هذا السرير شخصت ببصرها للمرة الأخيرة نحو
السماء في نظرة وداع للروح التي غادرت الجسد المنهك نحو عالم أبدي ريان
بالحياة موسوم بالخلود، ليبكيها كل من أحبها ، ولم يعرف سمات أحد إلا
وأحبها إلى درجة الشغف ، فهي امرأة تقمصت جسد طفلة، وطفلة زهت بسحر امرأة
مشت الهوينى على دروب الحياة لثلاثة عشر ربيعا لتنتقل روحها بعذاك إلى حيث
رياض الخلود الأبدي لتتدرج على دروب الفراديس التي لم يرها من الخلق أحد .
دخلت إلى
المشفى القديم ذي الأسوار التي تشبه قلاع المماليك، وارتقت السلالم الحجرية
بإرهاق باد تستقطعه لحظات للراحة عند كل درجة يضيق عليها النفس الذي أعاقه
المرض الخبيث من إنعاش الجسد الطفولي الذي كانا ناضرا إلى ما قبل زمن
وجيز.. كانت الدرجات القديمة تتعالى إلى حيث قسم الأطفال على اليمين ، وعلى
اليسار برز من تخوم الأرض ضريح رجل أسس المشفى قبل قرن من الزمان كما يذكر
الرواة في تناقض واضح بين رسالة الحياة التي يحملها المشفى ومعالم الموت
التي تطل متطفلة على ركب الحياة .
كانت جلسات
العلاج الكيماوي مضنية ، تتلوها سويعات من الألم والغثيان والتقيؤ ممعنة في
اذبال الزهرة التي تفتحت للحياة لتزيد بهاء البستان الأرضي ، وتنشر عبير
الجمال في حنايا العيش الدنيوي بابتسامة لم تكن تخبو إلا مع اشتداد الألم ،
وعذوبة أحاديث لم يكن يقطعها إلا هاجس الموت الذي كان يفرض نفسه عند موت
أحد النزلاء دون أن تتمكن أمها الحكيمة من إخفاء الخبر عنها ، وان اجتهدت
بعدذاك في تخفيف وطء الفاجعة عنها ، وطرد شبح الهواجس.
ربما كان
أسعد أيام إقامتها في المشفى المذكور هو ذلك اليوم الذي قدم فيه (رفعت )
،شريك قدرها في المكوث تحت قهر السرطان ، فقد كان نفس الهاجس يطارد روحيهما
، وذات الحقن تسكب في أوردتهما ، فكان أن ألف كلاهما لصاحبه ، وانعقدت عرى
الحب الطفولي بينهما في صورة زخرف الأهل جماليتها بأحاديث مرحة عن مصاهرة
مستقبلية في كذب صريح على الذات وهم يعلمون إن قدريهما بقدر ما يقتربان من
بعضهما بعضا فهما يبتعدان عن خضم الحياة إلى شواطيء غير مرئية ، لا تمكن
أحد منهم من الفرح بالعرس المتخيل ولا من تقديم هدية زواج.
-(لا ينبغي
التهاون في تركهما معا ، فهما على أعتاب سن حرجة) قالت إحدى الممرضات.
-(يا لله )
ابتسم الطبيب بمرارة محاولا كبت دمعة ألحت في الانسياب على خده المتغضن
فمسحها بكم ملاءته البيضاء وتابع : ( لا تخشي ضيرا يا أختاه ، فهما حقا على
أعتاب سن حرجة ، ولكنهما لن يتجاوزا الأعتاب )
-(الأعمار
بيد الله ، فلماذا كل هذا التشاؤم)
ازدادت
ابتسامة الطبيب مرارة وهم بالانصراف من غرفة التمريض إلا أن الممرضة
استوقفته كمن تذكرت أمرا ، وقالت: ( بالمناسبة ، سمات ترفض أخذ الحقنة إلا
في وجودك).
-(حسنا..أنا
متوجه إلى غرفتها الآن)
واستكانت
(سمات) للطبيب الذي أفرغ قارورة الدواء الثقيل في وريد يديها ، وقد طفح
وجهها الباهت بشرا لحنانه الأبوي ، فهو الذي شاطرها أحاديث شتى عن كراس
الرسم ، ويوميات المدرسة ، وأقتادها وأمها بعيدا عن مسرح الموت كلما أمر
القدر بمغادرة نزيل من نزلاء القسم إلى حيث لا يرجع أحد.
وعندما أفاقت
(سمات ) ذات صباح ، كان سرير (رفعت) فارغا ، وعندما سألت عنه كان الجواب
المفبرك جاهزا : (لقد سافر إلى الخارج لاستكمال العلاج)، كذبة اشترك في
صياغتها وإخراجها الأهل والطاقم الطبي معا بمهارة دفعت (سمات ) للقول عاتبة
: (كيف سافر ولم يودعني).
وبعد عامين
من رحيل (رفعت) قمت بزيارة (سمات) وجلست إلى جانب سريرها للحظات مبتهجا
أنها كافحت لصد الوجه الأسود للموت حولين كاملين في تشبث فطري بالحياة. ثم
وعدتها بزيارة قريبة ، وانصرفت هابطا السلم الحجري بخفة ليكون القسم عن
يساري وقبر المؤسس عن يميني وأمامي الشارع الغاص بالحياة والضجيج .
وبعد أسبوعين
يممت لزيارة( سمات) ، وابتعت في طريقي قرنفلة حمراء ، وعلى مدخل الطواريء
جالست صديقا من الأطباء حدثني في أمور شتى بعد أن أنهى مناوبته الطويلة ،
وإذ سرقنا الوقت أرجأت الزيارة إلى يوم آخر.
وفي اليوم
الذي تلاه حمل إلي هاتفي النقال صوت الطبيب الصديق عينه بتهدج أوجف القلب
وسرى الوجوم إلى نفسي قبل أن تنقل لي كلماته نعي (سمات) التي أسلمت الروح
على سريرها في المشفى القديم في صباح شباطي تلبدت فيه سحب الشتاء السوداء
مثقلة بالمطر وحبلى بحزن تمخض عن وفاة (سمات).
   
وماذا بعد
اضطجع على
سريره منهكا..لم يكن تعبه ناجما عن مشقة في العمل فقد تقاعد منذ أشهر خلت
قضاها محاولا البحث عن ما يقتل به نهاراته ولياليه: حاول في البداية أن
يمنح جل وقته للعب مع أحفاده وقص القصص عليهم ، غير أن برامج الرسوم
المتحركة وألعاب الكمبيوتر كانت أكثر جاذبية لهم من قصصه وحكاياته فأعرضوا
عنه غير مبالين. فانثنى يبحث عن رفاق الصبا والجامعة والزملاء القدامى ليجد
أن معظمهم إما فارق الحياة أو رحل بعيدا ليقضي ما بقي من العمر في كنف
الأبناء أو ألبنات طامحا لشيخوخة هادئة ، فنشد ضالته في القراءة التي سرعان
ما ضاق منها صدره إما لان الكتابات الحديثة لا تروق له ، ناهيك عن قراءته
السابقة النهمة لما حوته مكتبته الضخمة من أمهات الكتب ، فمكث أياما يجتر
الذكريات ممزوجة بمرارة الملل.
تعب من طول
الاضطجاع على السرير ، فنهض متثاقلا وأوصى ابنته بصنع فنجان قهوة بدون سكر
، ثم ارتدى ملابسه وهبط السلالم للجلوس على مقعد في حديقة المنزل متأملا
براعم القرنفل المتهيأة للتفتح استقبالا لشمس نيسان الدافئة فيما تقهقرت
الأعشاب اليابسة مدفوعة بالريح الخفيفة وكأنها أدركت أنه لا مكان لها في
الربيع المتدفق حياة ونضرة. تناول من جيبه سيجارا كوبيا أشعله متأففا وكأنه
يفرغ مع كل نفثة دخان دفعة ملل تراكم في داخله فكتم عنه النفس ، فيما وضعت
الخادمة صينية القهوة على الطاولة المصنوعة من القش وسكبت له كاس قهوة
تناولها شادها عما حوله وارتشف منها رشفة ثم وضعها ثانية على الطاولة ليعود
لنفث الدخان من سيجاره .
-(وماذا بعد
؟؟؟..هل تلفظني الحياة بعد أن رفدتها بالكثير؟) تساءل حانقا .
-(وبماذا
رفدت الحياة؟)...أجابه صوت من أعماقه
-( الم أضف
إلى ركب الحياة الماضي قدما أبناء وبنات وأحفادا كثرا وحفيدات؟؟)
-( وماذا في
ذلك؟؟) أجابته أعماقه من جديد ( إن نسلك –وان أعجبك- لا يقارن بالجنس
البشري إلا كشجرة واحدة في غابة لا متناهية في الضخامة ، واسمح لي أن
أنبئك كذلك أن أعدادا لا يعلم عددها إلا الله من البهائم بأنواعها وأصنافها
المختلفة ترفد الحياة بأضعاف أضعاف ما رفدتها أنت به ،..بل وبزمن قياسي لا
يقارن بما مكثت عليه أنت إذا كان فهمك للحياة بأنها أرحام تدفع ، ولا ينبغي
تذكيرك أن بعد الأرحام هنالك أرض تبلع)
-(كفى ) صرخ
بنفسه لتكف عن فلسفتها المقيتة ( لقد كرم الله الإنسان وميزه عن البهائم ،
بالعلم والرقي ، لقد قضيت معظم عمري في التعلم والتعليم ، كما وعلمت أبنائي
وبناتي جميعا ، وما زلت أراقب أحفادي وهم متوجهون إلى مدارسهم كل
صباح..و..)
-( ولكنك لا
تنكر أن علمك وعلمهم جميعا يكاد يذوي في زاوية النسيان مقارنة بالإشعاع
العلمي في أقطار العالم المتحضر، فأنت نفسك غير راض عن مناهج التدريس في
البلاد ، وقد رددت ذلك مرارا معتبرها خاطئة لا تنسجم و التسارع العلمي في
العصر الحاضر ، فكيف تفاخر بحصيلة علمية إطارها الخطأ بحسب إقرارك أنت؟؟)
جادلته ذاته بطريقة أثارت حنقه تدريجيا حتى كاد يبلغ الذروة فخفف من غيظه
بمجة من سيكاره تجرعها بغيظ .
-(هون عليك
..لم أقصد إثارتك ، وإنما أردت أن لا تبالغ في تقدير نفسك فوق قدرها فهذا
لن يطرد عنك السأم )
-( ولكنك
جانبت الحقيقة، بل و بخستني حقي ، ألم أرفد المسيرة العلمية بكتب ستظل
خالدة بعد موتي ؟)
وهنا جلجلت
في أعماقه قهقهة نفسه التي تابعت القول بعد أن جاهدت نفسها كثيرا للتوقف عن
الضحك :-
-(أو تسمي
أطروحة الماجستير التي استللتها بشق الأنفس ، وتبخر من ذهنك كل ما جمعته
فيها من حقائق وأنت تصحح وتنقح مزجورا من أساتذتك حينا ، ومن نفسك أحيانا
رفدا لمسيرة العلم ، ثم قل لي وبصدق : هل ترى قرأها من أحد غير زوجتك
مجاملة لك لأنك جعلت الإهداء لها ، ومع ذلك- وبدون غضب لو سمحت- ألم تستيقن
في نفسك عندما ناقشتها حول الأطروحة أنها لم تعرها من الاهتمام بأكثر من
مطالعة سطحية في إطار المجاملة الضحلة؟)
-( ولكن
الطلبة درسوها في الجامعة ) صرخ بنفسه زاجرا
وهنا تعالت
قهقهة النفس من جديد ..قهقهة هستيرية جعلته يشمئز من الغيظ ، بيد انه تمالك
نفسه وسألها بحنق باد:
-(وعلام
الضحك هذه المرة)
-(تعلم جيدا
لم درسها الطلبة.. درسوها مرغمين لأنهم تعلموا من أجيال سبقتهم أن محور
أسئلة امتحاناتك يدور حول رحى أطروحتك ، ولا أخالك نسيت أن زملاءك الآخرين
قد اختاروا لطلبتهم مراجع أخرى كثيرة لا تحصى )
(وديوان
أشعاري ؟؟..أنسيته أيتها النفس)
(لا أريد أن
أجرحك..تقصد الديوان الذي بيعت منه أربعين نسخة من أصل أربع آلاف نسخة،
واكتظ بالباقي منزلك قبل أن تجد لها مكانا في زاوية المخزن لتغدوا بعد أقل
من عام وجبة دسمة لديدان الأرض ؟!)
أطرق حزينا ،
وساد صمت رهيب ،إذ لم يفكر بهذه الطريقة مذ خلق وصارع الحياة وصارعته،
فأطرق ساهما فيما كانت نيران السيجار يأكل بعضها بعضا ويتآكل معها السيجار
المشتعل قبل أن يبلغ إصبعه فينتفض ألما ملقيا بعقب السيجار المشتعل على
الأرض ليدوسه بقدمه بغلظة ساحقا أحشاءه البنية تحت قدميه. ليتهالك من جديد
على مقعد القش .
-(هل آلمتك
النار أم كلمات حقيقتي) سألته نفسه بخبث.
-(اخرسي عليك أللعنة ) صرخ بنفسه
زاجرا، ثم تابع بألم
)
أخرجتني من الدنيا بلا دين ، انك لا تعلمين مدى غبطتي بجيش الأبناء
والأحفاد عند كل مناسبة يجتمعون فيها ، عند ذاك أرى نفسي ملكا غير متوج ..)
-(أنت كذلك
وقتذاك )
-( شكرا..لا
داعي لعبارات الشفقة ، لا تكوني كمن يحدث جرحا ثم يضمده)
-(أنا جادة
جدا ..نعم عندما تبارك أبناءك وأحفادك في الأعياد وغيرها ترفد الحياة وبحق)
-(ويحك أيتها
المتقلبة ، أو لم تقللي من شأن ذلك قبل قليل؟)
-(بالعكس
..لم أقلل من شأن مباركتك لهم وفرحك بهم ، فهذا هو الرفد الحقيقي للحياة ،
لقد قللت من شأن اعتبارك مجرد الإنجاب رفدا للحياة)
-(؟؟؟؟)
-(أعي جيدا
أنك لم تفهمني ..سأوضح لك : لم يكن مجرد إنجابك لطفل بالإنجاب الذي تستحق
عليه الثناء ، فهو حصيلة طبيعية للحظات لذة مادية قضيتها مع زوجك ، غير أن
الحب الذي قادكما إلى الفراش من قبل هو الإنجاز الحقيقي للحياة ، ورعشة
الحنان التي تدغدغ مشاعرك كلها عندما تناغي أطفالك وأطفالهم من بعد هو
الرفد الحقيقي عندما تواصل رفد الأجيال بالمشاعر الراقية التي تربطهم بك
ويستشعرون الأمان بها ومعك )
طأطأ رأسه
موافقا ، قبل أن تواصل النفس حديثها الهادي:
-( وكذلك لم
يكن ما كتبت بدافع العادة ، أو لهاثا وراء المجد بالشيء الذي يذكر إلى جانب
كلمات مؤثرة أسديتها لطلابك فغيرت مجرى حياتهم ورسمت لهم هدفا ساميا يغدون
السير نحوه بأناة وتصميم ، فلرب كلمة ألقيتها إلى شاب أو فتاة كانت بمثابة
النبراس الذي أضاء لهم طريقا لم يفطنوا له من قبل فساروا عليه إلى حيث
أثروا هم في الآخرين لجعل الحياة أفضل مما كانت عليه من قبلهم).
-( إيه أيتها
النفس اللوامة..ما أسرع تقلبك من حال إلى حال ) قال وابتسامة الرضا تفيض من
ثغره ليشع بريق طقم أسنانه الاصطناعية ..ليعاود السؤال من جديد: وماذا
بعد؟؟)
-( حفل
الشواء) أجابته النفس بهدوء
-(أي حفل؟؟)
سأل مندهشا
-(أنسيت؟؟
أولم تدع ابنتك الصغرى إلى العشاء مع عروسها الذي زففتها إليه قبل أسابيع ،
وكانت عيناك تقطر فرحا لرؤيتها في ثوبها الأبيض ، وهمست في إذن زوجتك
العجوز : كم هي جميلة ابنتنا؟!!في تلك اللحظة كان حريا بك حقا أن تشعر كم
أضفت إلى الحياة بإلقائك فيها مخلوقا يستقطب من حوله الفرح ويشعر به
الجميع)
-(صدقت يا
نفس وحق الله ) . ثم نهض بهمة ابن العشرين وهتف بالجميع أن يأتوا بالفحم
واللحم إلى بهو المنزل ريثما يوقد هو النار .
   
عاصفة دماغية
جلس من جديد
أمام شاشة الحاسوب الماثلة أمام بصره فيما كانت بصيرته تجوب الأطباق بحثا
عن مادة للكتابة ، لم يكن ملتزما مع أي هيئة نشر بقدر ما كانت الكتابة
سلواه في زمن استنسرت فيه البغاث التي لم تترك لرأيه مجالا للصدح به ،
ولغياب قمر العقل عن ليل الأمة والشعب ، فكان يجد في الكتابة متنفسا عما
يدور في خاطره ، ويستشعر في الشاشة الصغيرة الصماء نديم سمر يفضي إليها
بنجواه كلما نقر مفاتيح الكتابة الرقيقة ، فلربما الجماد غدا محاورا جيدا
لأن الجهل مستفحل في أنفس معظم المحاورين ، والمحاور الجاهل عدو للعقلاء
وان أصاب لان سلاحه (الهوبرة) التي لا تترك للأخذ والرد أي مساحة في حقل
الحوار ، وبذلك ينسحب العقل بعزة وكرامة تاركا (المهوبرين ) يحتفلون بالنصر
على المعارضين.
أشعل
السيكارة الأولى بعد العلبة الثانية غير عابيء لا بسرطان الرئة ولا
بالجلطة القلبية ، وارتشف جرعة من القهوة التي اصطكت قطراتها بردا لطول
الانتظار ، وحاول الكتابة من جديد مداعبا لوحة الكتابة بأطراف أنامله بحنان
كمن يداعب حبيبة استرخت في أحضانه ، غير أن القريحة ظلت عاقرا لا تجود رغم
تزاحم الأفكار وتجاذبها ،فأطرق برأسه يائسا يملؤه شعور بالعجز.
أحس بصداع شديد فهم بالقيام
لتناول حبة (أسبرين ) إلا أنه تراجع عن ذلك موقنا أن تزاحم الأفكار هو ما
يمسك بعنق دماغه ويضغط عليها إلى درجة الألم ..ألما لن تطرده حبة (أسبرين)
فقرر تفريغ رأسه من أفكارها فكرة فكرة عله يرتاح من الصداع الذي أفسد عليه
خلوته ، غير أن الصداع ازداد حدة وتركز حول العينين ، وكأن الأفكار أدركت
نيته فتزاحمت للخروج من محجري العينين تستأثر كل فكرة منها بالخروج أولا ،
الأمر الذي كاد يفقده صوابه لشدة الألم فضرب بقبضة يده على جبينه صارخا
بأفكاره : كفى، فتردد صدى الصوت في أرجاء رأسه ، ورددت جدران جمجمته :
كفى كفى كفى..
سكنت الأفكار
قليلا لهول الصرخة التي ترددت من حولها وابتعدت عن عينيه ليهدأ الصداع
قليلا فقرر محاورة أفكاره لعلها تخرج واحدة اثر أخرى بسلام من رأسه المثقل
بها ، فنادى أكبرهن التي لبت النداء بتثاقل وقالت: أنا (وفاق) يا سيدي
،المنادية بضرورة وقف اقتتال الأخوة وحقن الدم ، فهتف بها يائسا: ارجعي من
حيث أتيت ، فهيهات أن أستطيع إخراجك من رأسي وأنا أشهد حمام الدم المتزايد
يوما بعد يوم ، فلو أخرجتك لخرجت على إثرك كل معاني الإنسانية من روحي ،
واستحلت حيوانا لا هم له إلا إشباع نهم غرائزه، فسارت (وفاق) بخطاها
الثقيلة وجلست على متكأ من دماغه .
نادى الفكرة
التالية ، فتقدمت (حياة) تمشي الهوينى قبل أن تقف قائلة : أنا حياة يا سيدي
، التي تذكرك بساعات عملك ، و تجهز لك قائمة المشتريات كل يوم ، وتذهب بك
إلى المصرف لدفع فواتير الكهرباء والهاتف ، و.....) فقاطعها نزقا :( ولا
أنت تستطيعين خروجا فبدونك ينعدم النظام في حياتي ..هيهات أن أجد لك مخرجا
فارجعي ، فرجعت على آثار |