الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتبة: أحلام مستغانمي

ذاكرة الجسد2

إلى صفحة الكاتبة

لقراءة الرواية

 

 

الرواية

الفصل السادس

الفصل الخامس

 الفصل الرابع

 

 

الفصل الرابع

 

 

كان لرحيلك مذاق الفجيعة الأولى. والوحدة التي أحالتني في أيام إلى مرتبة لوحة يتيمة على جدار، تحضرني جملة تبدأ بها رواية أحببتها يوماً..

"ما أعظم الله! فهو عظيم بقدر ما أنا وحيد. إني لأرى المؤلف فيبدو لي كلوحة.."

وكنت أنا في عزلتي ووحدتي، ذلك المؤلف وتلك اللوحة معاً. فما أكبر وأبرد ذلك الكون الذي كنت معلّقاً على جداره، في انتظارك!

كنت أدخل بعدك منحدرات الخيبات النفسية والعاطفية في الوقت نفسه. وأعيش ذلك القلق الغامض، الذي يسبق ويلي دائماً كل معرض لي. وكنت أقوم تلقائياً بجردة لأفراحي وخيباتي.

انتهى معرضي إذاً. لم تهتم به غير صحافة فرنسية مختصّة كالعادة. وبعض المجلات العربية المهاجرة.

ولكن يمكن أن أقول إنه حصل على تغطية إعلامية كافية، وأن الذين كتبوا عنه أجمعوا على أنه حدث فني عربي في باريس.

وحدها الصحافة الجزائرية تجاهلته، عن إهمال لا غير، كالعادة. جريدة ومجلة أسبوعية واحدة، كتبتا عنه بطريقة مقتضبة. وكأنهما تعانيان فعلاً من قلة الصفحات، وليس من قلة المواد الصحافية.

بينما لم يحضر ذلك الصديق الصحافي، الذي وعدني بالحضور إلى باريس لقضايا شخصية، ولإجراء مقابلة مطوّلة معي بالمناسبة نفسها. ورغم أنني رجل غير مولع بالأضواء، والجلوس لعدة ساعات إلى صحافي للحديث عن نفسي، فإنني كنت أتمنى أن تتم تلك المقابلة، لأتمكن أخيراً من الحديث مطوّلاً إلى الشخص الوحيد الذي كان يعنيني حقاً.. القارئ الجزائري.

عبد القادر طلبني ليخبرني أنه اضطر للبقاء في الجزائر، لتغطية مهرجان ما من أحد المهرجانات التي ازدهرت هذه الأيام، لأسباب غامضة يعلمها الله.. وآخرون.

 

ولم أعتب عليه.. ليس هناك من مقارنة بين مهرجان أو ملتقى رسمي، يتم إعداده والإنفاق عليه بالعملة الصعبة وبين أي معرض مهما كان اسم صاحبه، والسنوات التي أخذتها منه تلك اللوحات.

 

في النهاية لا يمكن حتى أن أعتب على الصحافة الجزائرية.

 

ماذا يمكن أن يقدم معرض للوحات الفنية من متعة أو ترفيه للمواطن الجزائري الذي يعيش على وشك الانفجار، بل الانتحار، ولا وقت له للتأمل أو التذوق، والذي يفضّل على ذلك مهرجاناً لأغنية (الراي). يمكن أن يرقص.. ويصرخ.. ويغني فيها حتى الفجر، منفقاً على تلك الأغاني الشعبية المشبوهة، ما تجمّع في جيبه من دينارات، وما تراكم في جسده من "ليبيدو"؟

تلك "الثروة" الوحيدة التي يملكها شبابنا حقاً، والتي كعملتنا يدري أين ينفقها خارج الأسواق السوداء.. للبؤس.

بعضهم أدرك هذا قبل غيره.

سنة 1969، وفي عزّ الفراغ والبؤس الثقافي الذي كان يعيشه الوطن، اخترع أحدهم في بضعة أيام، أكبر مهرجان عرفته الجزائر وإفريقيا، كان اسمه "المهرجان الإفريقي الأول"، دعيت إليه قارة وقبائل إفريقية بأكملها لتغني وترقص _عارية أحياناً_ في شوارع الجزائر لمدة أسبوع كامل على شرف الثورة!

كم من ملايين أنفقت وقتها، على مهرجان للفرح ظلّ الأول والأخير. وكانت أهم إنجازاته التعتيم على محاكمة قائد تاريخي كان أثناء ذلك، يستجوب ويعذّب رجاله في الجلسات المغلقة.. باسم الثورة نفسها.

ودون أن تكون لي صداقة ما بذلك القائد، الذي كان اسمه الطاهر أيضاً، ولا أيّ عداء خاص لذلك الحاكم الذي كان يوماً مجاهداً وقائداً أيضاً، بدأت أعي لعبة السلطة، وشراهة الحكم. وأصبحت أحذر الأنظمة التي تكثر من المهرجانات والمؤتمرات.. إنها دائماً تخفي شيئاً ما!.

فهل هي مصادفة أن تبدأ مشكلاتي من ذلك الحين، ويولد أول مذاق للمرارة في حلقي يومها؟

عندما التقيت بذلك الصديق بعد أشهر، اعتذر لي بأسف صادق، ووعدني ألا يفوّت معرضي القادم.

ربّتّ على كتفه ضاحكاً وقلت:

- لا يهم.. بعد أيام لن يذكر أحد اسم ذلك المهرجان. ولكن التاريخ سيذكر اسمي لا محالة ولو بعد قرن!

قال لي بمزاحٍ لا يخلو من الجد:

- أتدري أنك مغرور؟

أجبته:

- أنا مغرور لكي لا أكون "محقوراً" فنحن لا نملك الخيار يا صاحبي. إننا ننتمي إلى أمة لا تحترم مبدعيها وإذا فقدنا غرورنا وكبريائنا، ستدوسنا أقدام الأميين والجهلة!

تساءلت بعدها أأكون مغروراً حقاً؟

اكتشفت بعد شيء من التفكير، أنني لا أكون مغروراً إلا لحظة أقف أمام لوحة بيضاء وأنا ممسك بفرشاة. كم بلزمني من الغرور لحظتها لأهزم بياضها وأفضّ بكارتها، وأتحايل على ارتباكي بفائض رجولتي، وعنفوان فرشاتي؟

ولكن..

ما أكاد أنتهي منها، وأمسح يدي من كل ما علق بها من ألوان حتى أرتمي على الأريكة المجاورة، وأتأملها مدهوشاً، وأنا أكتشف أنني الوحيد الذي كان يعرق وينزف أمامها..

وأنها أنثى عربية تتلقى ثورتي ببرود وراثي مخيف!

.. ولذا، حدث في لحظات انهياراتي وخيباتي الكبرى أن مزّقت إحداهنّ وألقيت بها في سلة المهملات، بعدما أصبح وجودها يضايقني.

هنالك لوحات هي من السذاجة والبرودة بحيث تخلق عندك عقدة رجولة.. وليس فقط عقدة إبداع!

ورغم ذلك، لن يعرف أحد هذا. وربما لن يتوقع ضعفي وهزائمي السرية أحدٌ.

فالآخرون لن يروا غير انتصاراتي، معلّقة على الجدران في إطار جميل. وأما سلال المهملات، فستبقى دائماً في ركن من مرسمي وقلبي، بعيدة عن الأضواء.

فالذي يجلس أمام مساحة بيضاء للخلق، لا بدّ أن يكون إلهاً أو عليه أن يغّير مهنته.

أأكون إلهاً؟ أنا الذي حولني حبك إلى مدينة إغريقية، لم يبق منها قائماً غير الأعمدة الشاهقة المتآكلة الأطراف؟

هل يفيد شموخي، وملح حبك يفتت أجزائي من الداخل كل يوم؟ شهران.. ولا شي سوى رقم هاتفي مستحيل.. وكلمات تركتها لي تجفّ لها الفرشاة.

وإذا بالصمت يصبح لوني المفضل.

كنت أدرى جدلية الرسم والكتابة كما أردتها أنت.

كنت تفرغين من الأشياء كلما كتبتِ عنها، وكأنك تقتلينها بالكلمات. وكنت كلما رسمت امتلأت بها أكثر، وكأنني أبعث الحياة في تفاصيلها المنسية. وإذا بي أزداد تعلقاً بها، وأنا أعلقها من جديد على جدران الذاكرة.

أن أرسمك، أليس يعني أن أسكنك غرف بيتي أيضاً، بعدما أسكنتك قلبي؟

حماقة قرّرت في البدء ألا أرتكبها. ولكنني اكتشفت ليلا بعد آخر عبثية قراري.

لماذا كان الليل هزيمتي؟

ألأنني كلما خلوت بنفسي خلوت بك، أم لأن للفن طقوس الشهوة السرية التي تولد غالباً ليلاً في ذلك الزمان الخارج عن الزمن..

والخارج عن القانون؟

على حافة العقل والجنون.. في ذلك الحد الذي تلغيه العتمة والفاصل بين الممكن والمستحيل..

كنت أقترفك..

كنت أرسم بشفتي حدود جسدك.

أرسم برجولتي حدود أنوثتك.

أرسم بأصابعي كل ما لا تصله الفرشاة..

بيد واحدة كنت أحتضنك.. وأزرعك وأقطفك.. وأعرّيك وألبسك وأغيّر تضاريس جسدك لتصبح على مقاييسي.

يا امرأة على شاكلة وطن..

امنحيني فرصة بطولة أخرى. دعيني بيدِ واحدة أغير مقاييسك للرجولة ومقاييسك للحب.. ومقاييسك للذّة! كم من الأيدي احتضنتك دون دفء! كم من الأيدي تتالت عليك.. وتركت أظافرها على عنقك، وإمضاءها أسفل جرحك. وأحبتك خطأ.. وآلمتك خطأ.

أحبك السراق والقراصنة.. وقاطعوا الطرق. ولم تقطع أيديهم.

ووحدهم الذين أحبوك دون مقابل، أصبحوا ذوي عاهات.

لهم كل شيء، ولا شيء غيرك لي.

أنت لي الليلة ككل ليلة. فمن سيأخذ طيفك مني؟ من سيصادر جسدك من سريري؟ من سيسرق عطرك من حواسي؟ ومن سيمنعني من استعادتك بيدي الثانية؟

أنت لذّتي السرية، وجنوني السري، ومحاولتي السرية للانقلاب على المنطق.

كلّ ليلة تسقط قلاعك في يدي، ويستسلم حراسك لي، وتأتين في ثياب نومك لتتمددي إلى جواري، فأمرر يدي على شعرك الأسود الطويل المبعثر على وسادتي، فترتعشين كطائر بلّله القطر. ثم يستجيب جسدك النائم لي.

كيف حدث هذا.. وما الذي أوصلني إلى هذا الجنون؟

ترى صوتك الذي تعودت عليه حد الإدمان، صوتك الذي كان يأتي شلال حبّ وموسيقى، فيتدحرج قطرات لذة عليّ؟

حبك هاتف يسأل "واشك؟"

يدثرني ليلاً بلحاف من القبل. يترك جواري عينيه قنديل شوق، عندما تنطفئ الأضواء.

يخاف عليّ من العتمة، يخاف عليّ من وحدتي ومن شيخوختي. فيعيدني إلى الطفولة دون استشارتي. يقصّ عليّ قصصاً يصدّقها الأطفال. يغنّي لي أغنيات ينام لسماعها الأطفال.

تُرى أكان يكذب؟ هل تكذب الأمهات أيضاً؟

هذا ما لا يصدقه الأطفال!

ما الذي أوصلني إلى جنوني؟

ترى قبلتك المسروقة من المستحيل. وهل تفعل القبل كلّ هذا؟.

أذكر أنني قرأت عن قُبل غيرت عمراً ولم أصدّق..

كيف يمكن لنيتشه فبلسوف القوة والرجل الذي نظر طويلاً للجبروت والتفوق أن يقع صريع قبلة واحدة، سرقها مصادفة في زيارة سياحية إلى معبد، صحبة " Lou" المرأة التي أحبها أكثر من كاتب وشاعر في عصرها. كان أحدهم " أبولينير" الذي تغزّل فيها طويلاً وبكاها أمام هذا الجسر نفسه، واجداً في اسمها المطابق بالفرنسية تماماً لاسم الذئب " Loup" دليلاً قاطعا على قدره معها؟

أما (نيتشه) القائل "عندما تزور امرأة لا تنس أن تصحب معك العصا" فقد كان أمامها رجلاً محطما، ضعيفاً، وبدون إرادة. حتى إن أمه قالت يوماً "لم تترك هذه المرأة أمام ابني سوى اختيار من بين ثلاثة: إما أن يتزوجها.. أو ينتحر.. أو يصبح مجنوناً!".

كان هذا حال "نيتشه" يوم أحب. فهل أخجل من ضعفي معك، وأنا لست فيلسوفاً للقوة، ولست شمشون الذي فقد شعره وقوته الأسطورية بسبب قبلة؟

هل أخجل من قبلتك، وهل أندم عليها، أنا الذي بدأ عمري على شفتيك؟

لا أدري كيف شفي "نيتشه" من امرأة لم يتزوجها. هل انتحر أم أصبح مجنوناً؟

أدري فقط، أنني قضيت شهرين وسط تقلّبات نفسية متناقضة، كدت ألامس فيها شيئاً يشبه الجنون، ذلك الجنون الذي كان يغريك، وكنت تتغزّلين لي به كثيراً، وتعتبرينه الصك الوحيد الذي يشهد للفنان بالعبقرية.

فليكن.. سأعترف لك اليوم، بعد كل تلك السنوات، أنني وصلت معك يوماً إلى ذلك الحد المخيف من اللاعقل.

أكان عشقاً فقط، أم لأهديك لا شعورياً اللعبة التي لم تكوني قد حصلت عليها بعد: ذلك الرجل المجنون الذي تحلمين به.

حدث كثيراً وقتها، أن استعدت قصتي معك فصلا فصلا.

كنت كل مرة أقع على استنتاجات متناقضة. مرة يبدو لي حبك قصة أسطورية أكبر منك ومني. شيئاً ربما كان مقدراً مسبقاً منذ قرون، منذ.. كانت قسنطينة مدينة تدعى (سيرتا).

ومرة أتساءل، ماذا لو كنت رجلاً استوقفتك ذاكرته وأغراك جنونه بقصة ما؟

ماذا لو كنت مجرد ضحية لجريمة أدبية ما، تحلمين بارتكابها في كتاب قادم؟

ثم فجأة تطغى طفولتك على الجانب "الإجرامي" فيك، فأذكر أنني كنت أيضاً نسخة عن والدك. وأنني بسبب قبلة حمقاء نسفت إلى الأبد ذاك الجسر السري الذي كان يجمعنا.

آنذاك، كنت أقرر الاعتذار منك. وأستيقظ من نومي وأتجه إلى مرسمي. أجلس طويلاً أمام لوحتك البيضاء وأتساءل: من أين أبدأك؟

أتأمل طويلاً صورتك، على ظهر روايتك التي أهديتنيها دون إهداء. أكتشف أن وجهك لا علاقة له بالصورة. فكيف أضع عمراً لوجهك الجديد والقديم معاً. كيف أنقل عنك نسخة دون أن أخونك؟

أتذكر وسط ارتباكي ( ليوناردو دافنشي)، ذلك الرسام العجيب الذي كان قادراً على أن يرسم بيده اليمنى ويده اليسرى بالإتقان نفسه. بأي يد تراه رسم (الجوكندا) ليمنحها الخلود والشهرة؟ وبأي يد يجب أن أرسمك أنا؟

ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى، تلك التي لم تعد يدي؟

خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب. وأجلس لأتفرج عليك عساني أكتشف أخيراً سرك. فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك.

فكرت حتى في إمكانية عرض تلك للوحة مقلوبة في معرض. سيكون اسمها "أنت".

سيتوقف أمامها الكثيرون. وقد يعجبون بها، دون أن يتعرف أحدهم تماما عليك.

أليس هذا ما تريدين في النهاية؟!

***

مرّ أكثر من أسبوع، وأكثر من نشرة جوية قبل أن يأتي صوتك ذات صباح دون مقدمات:

- كيف أنت؟

اندهش القلب الذي لم يتوقع هدية صباحية كتلك. وارتبك الكلام:

- وينك؟

كان صوتك يبدو قريباً أو هكذا خيّل لي. ولكنك أجبتني بضحكة أعرف مراوغتها:

- حاول أن تحزر!

أجبتك كمن يحلم:

- هل عدتِ إلى باريس؟

ضحكت وقلت:

- أي باريس.. أنا في قسنطينة. جئت هنا منذ أسبوع لأحضر زواج إحدى القريبات.. وقلت لا بد أن أطلبك من هنا. طمّني عنك ماذا تفعل في هذا الصيف.. ألم تسافر إلى أيّ مكان؟

اختصرت عذابي في بضع كلمات قلت:

- إنني متعب.. جدّ متعب.. كيف لم تتصلي بي حتى الآن؟

فقلت وكأنك طبيب سيكتب وصفة لمريض، أو شيخ يطلب منه كتابة حجاب أو تعاويذ سحرية:

- سأكتب لك.. والله سأكتب لك قريباً.. يجب أن تعذرني. أنت لا تدري كم الحياة هنا مزعجة وصعبة. إن الواحد لا يخلو لنفسه في هذه المدينة ولو لحظة. حتى الكلام على الهاتف مغامرة بوليسية..

- وماذا تفعلين؟

- لا شيء.. أنتقل من بيت إلى آخر، ومن دعوة إلى أخرى. حتى المدينة لم أتجول فيها على قدمي، لقد عبرتها بالسيارة فقط..

ثم أضفت وكأنك تذكرت فجأة شيئاً هاماً:

- أتدري.. أنت على حق. إن أجمل ما في قسنطينة، جسورها لا غير. لقد ذكرتك وأنا أعبرها..

كنت أود تلك اللحظة لو سألتك "هل تحبينني؟" ولكنني سألتك بحمافة:

- هل تحبينها؟.

أجبتني بعد شيء من الصمت، وكأنني طرحت عليك سؤالاً يستدعي التفكير:

- ربما بدأت أحبها..

قلت:

- شكراً..

ضحكت.. قلت وأنت تنهين المكالمة:

- أيها الأحمق.. لن تتغير!

***

المرء يفتح شباكه لينظر إلى الخارج.. ويفتح عينيه لينظر إلى الباطن.. وما النظر سوى تسلقك الجدار الفاصل بينك وبين الحرية..".

في ذلك الصباح، أشعلت سيجارة صباحية على غير عادتي. وجلست على شرفتي أمام فنجان قهوة، أتأمل نهر السين، وهو يتحرك ببطء تحت جسر ميرابو.

كانت زرقته الصيفية الجميلة، تستفزّني ذلك الصباح دون مبرر. تذكرني فجأة بالعيون الزرق التي لا أحبها.

أترى لأنه لا نهر في قسنطينة.. أعلنت العداء على هذا النهر؟

نهضت دون أن أكمل سيجارتي. كنت فجأة على عجل.

فليكن.. عفوك أيها النهر الحضاري. عفوك أيها الجسر التاريخي. عفوك صديقي (أبولينير). هذه المرة أيضاً سأرسم جسراً آخر غير هذا.

كنت هذه المرة ممتلئاً بك، بصوتك القادم من هناك، ليوقظ من جديد تلك المدينة داخلي.

ألم أكن قد لمست الفرشاة من ثلاثة أشهر. وكان داخلي شيء ما على وشك أن ينفجر بطريقة أو بأخرى. كل تلك الأحاسيس والعواطف المتضاربة، التي عشتها قبل رحيلك وبعده، والتي تراكمت داخلي كقنبلة موقوتة.

وكان لا بد أن أرسم لأرتاح أخيراً.

أرسم ملء يدي.. ملء أصابعي. أرسم بيدي الموجودة وبتلك المفقودة. أرسم بكل تقلباتي، بتناقضي وجنوني وعقلي، بذاكرتي ونسياني. حتى لا أموت قهرا ذات صيف، في مدينة فارغة إلا من السواح والحمام.

وهكذا بدأت ذلك الصباح لوحة لقنطرة جديدة، قنطرة سيدي راشد.

لم أكن أتوقع يومها وأنا أبدأها، أنني أبدأ أغرب تجربة رسم في حياتي، وأنها ستكون البداية لعشر لوحات أخرى، سأرسمها في شهر ونصف دون توقف، إلا لسرقة ساعات قليلة من النوم، أنهض منها غالباً مخطوفاً بشهية جنونية للرسم.

كانت الألوان تأخذ فجأة لون ذاكرتي، وتصبح نزيفاً يصعب إيقافه.

ما كنت أنتهي من لوحة حتى تولد أخرى، وما أنتهي من حيّ حتى يستيقظ آخر، وما أكاد أنتهي من قنطرة، حتى تصعد من داخلي أخرى..

كنت أريد أن أرضي قسنطينة حجراً.. حجراً، جسراً.. جسراً.. حياً.. حياً، كما يرضي عاشق جسد امرأة لم تعد له.

كنت أعبرها ذهاباً وإياباً بفرشاتي، وكأنني أعبرها بشفاهي. أقبّل ترابها.. وأحجارها وأشجارها ووديانها. أوزّع عشقي على مساحتها قُبلاً ملونة. أرشها بها شوقاً.. وجنوناً.. وحباً حتى العرق.

وكنت أسعد وذلك القميص يلتصق بي، بعد ساعات من الالتحام بها.

العرق دموع الجسد. ونحن في ممارسة الحب كما في ممارسة الرسم، لا نبكي جسدنا من أجل أية امرأة. ولا من أجل أية لوحة. الجسد يختار لمن يعرق.

وكنت سعيداً أن تكون قسنطينة، هي اللوحة التي بكى لها جسدي.

في ذلك الشهر الأخير من الصيف، كنت ما أزال أتوقع رسالة منك، تعطيني شيئاً من القوة والحماسة اللتين افتقدتهما خلال الشهرين الماضيين لغيابك. عندما فاجأتني رسالة من زياد.

كانت رسائله القادمة من بيروت تدهشني دائماً حتى قبل أن أفتحها.

كنت أتساءل كل مرة، كيف وصلت هذه الرسالة إلى هنا؟ من أي مخيم أو من أية جبهة، تحت أي سقف مدمر يكون قد كتبها؟ أي صندوق أودعها، وكم من ساعي بريد تناوب عليها حتى تصل هنا، داخل صندوق بريدي.. بالحي السادس عشر بباريس؟

كنت أعاملها دائماً بحب خاص. كانت تذكرني بزمن حرب التحرير، يوم كنا نبعث الرسائل لأهلنا مهربة تحت الثياب.

كم من الرسائل لم تصل، وماتت مع أصحابها! وكم من الرسائل وصلت بعد فوات الأوان. هنالك قصص تصلح لأكثر من رواية.

آخر رسالة لزياد كانت تعود لما يقارب السنة.

كان يحدث أن يكتب لي هكذا دون مناسبة، رسائل مطوّلة أحياناً، وموجزة أحياناً أخرى، كان يسمّيها "إشعار بالحياة".

في البدء ضحكت لهذه التسمية التي يريد أن يخبرني بها فقط أنه مازال على قيد الحياة.

بعدها أصبحت أخاف صمته الطويل، وانقطاع رسائله. فقد كان يحمل لي احتمال إشعار بشيء آخر.

هذه المرة، كان يريد أن يخبرني أنه قد يحضر إلى باريس في بداية أيلول. وأنه ينتظر جواباً سريعاً مني ليتأكد من وجودي في باريس في هذه الفترة.

فاجأتني رسالته.. وأسعدتني وأدهشتني.

ذهب تفكيري إليك وقلت "طويل عمر هذا الرجل.. ما كدت أذكره معكِ حتى حضر". ثم تساءلت تراك قرأت أشعاره؟ وهل أعجبتك؟ وماذا سيكون رد فعلك إذا قلت لك إنه سيحضر إلى باريس، أنت التي خفت أن يكون قد مات، وأبديت اهتماماَ بقصته؟

كان الصيف ينسحب تدريجياً. وكنت أستعيد توازني تدريجياً كذلك.

لقد أنقذتني تلك اللوحات من الانهيار. كان لا بد أن أرسمها لأخرج من تلك المطبات الجنونية التي وضعت عليها قدميّ معك.

كنت قد فقدت كثيراً من وزني. ولكن لم يكن ذلك يعنيني. أو ربما لم أكن وقتها لأنتبه له، بعدما أصبحت أنظر إلى اللوحات، وأنسى أن أنظر إلى نفسي في مرآة.

كنت أعتقد أن الذي خسرته من وزن في أيام، هو الذي ربحته من مجد إلى الأبد. ولذا كان يحلو لي أن أتأمل نزيفي وجنوني معلّقاً أمامي: إحدى عشرة لوحة لم تعد تكفيها جدران البيت.

وربما جاء تعلّقي بها، كذلك، لكوني كنت أدري وأنا أضع فرشاتي لآخر مرة وأنا أنتهي منها، أنه قد تمر عدة أشهر قبل أن أشعر برغبة جديدة في الرسم.

فقد كنت فرغت مرة واحدة من ذاكرتي.. وارتحت.

كنا على أبواب أيلول. وكنت سعيدا أو ربما في حالة ترقّب للسعادة.

ستعودين أخيراً.. كنت أنتظر الخريف كما لم أنتظره من قبل. كانت الثياب الشتوية المعروضة في الواجهات تعلن عودتك. اللوازم المدرسية التي تملأ رفوف المحلات، تعلن عودتك.

والريح، والسماء البرتقالية.. والتقلبات الجوية.. كلها كانت تحمل حقائبك.

ستعودين..

مع النوء الخريفي، مع الأشجار المحمرة، مع المحافظ المدرسية.

ستعودين..

مع الأطفال العائدين إلى المدارس، مع زحمة السيارات، مع مواسم الإضرابات، مع عودة باريس إلى ضوضائها.

مع الحزن الغامض.. مع المطر.

مع بدايات الشتاء.. مع نهايات الجنون.

ستعودين لي.. يا معطفي الشتوي.. يا طمأنينة العمر المتعب.. يا أحطاب الليالي الثلجية.

أكنت أحلم؟. كيف نسيت تلك المقولة الرائعة لأندريه جيد "لا تهيئ أفراحك!" كيف نسيت نصيحة كهذه؟

كنتِ في الواقع امرأة زوبعة. تأتي وترحل وسط الأعاصير والدمار. كنتِ معطفاً لغيري وبرداً لي.

كنتِ الأحطاب التي أحرقتني بدل أن تدفئني.

كنت أنتِ.

وكنت أنتظر أيلول إذن..

أنتظر عودتك لنتحدث أخيراً بصدق مطلق. ماذا تريدين مني بالتحديد. ومن أكون أنا بالنسبة إليك.. وما اسم قصتنا هذه؟

أخطأت مرة أخرى.

لم يكن الوقت للسؤال ولا للجواب. كان وقتا لجنون آخر.

كنت أنتظر الأمان. وجئت، زوبعة صادفت زوبعة أخرى، اسمها زياد..

وكانت الأعاصير.

لم يتغير زياد منذ آخر مرة رأيته فيها، منذ خمس سنوات بباريس. ربما أصبح فقط أكثر امتلاءً، أكثر رجولة مع العمر، من ذلك الوقت الذي زارني فيه لأول مرة في الجزائر سنة 1972 في مكتبي. يوم كان شاباً فارعاً بوزن أقل، وربما بهموم أقل أيضاً.

مازال شعره مرتباً بفوضوية مهذبة. وقميصه المتمرد الذي لم يتعود يوماً على ربطة عنق، مفتوحاً دائماً بزرٍ أو زرين. وصوته المميز دفئاً وحزناً، يوهمك أنه يقرأ شعراً، حتى عندما يقول أشياء عادية. فيبدو وكأنه شاعر أضاع طريقه وأنه يوجد خطأ حيث هو.

في كل مدينة قابلته فيها، شعرت أنه لم يصل بعد إلى وجهته النهائية، وأنه يعيش على أهبة سفر.

كان حتى عندما يجلس على كرسي يبدو جالساً على حقائبه. لم يكن يوماً مرتاحاً حيث كان، وكأن المدن التي يسكنها محطات ينتظر فيها قطاراً لا يدري متى يأتي.

ها هو ذا.. كما تركته، محاطاً بأشيائه الصغيرة ومحملاً بالذاكرة، ومرتدياً سروال الجينز نفسه، كأنه هويته الأخرى.

كان زياد يشبه المدن التي مر بها. فيه شيء من غزّة، من عمان.. ومن بيروت وموسكو.. ومن الجزائر وأثينا.

كان يشبه كلّ من أحب. فيه شيء من بوشكين، من السيّاب.. من الحلاج، من ميشيما.. من غسان كنفاني.. ومن لوركا وتيودوراكيس.

ولأنني كثيراً ما قاسمت زياد ذاكرته، حدث أن أحببت كل ما أحب ومن أحب، دون أن أدري.

كنت في حاجة إليه في تلك الأيام.

شعرت وأنا أستقبله، أنني افتقدته طوال هذه السنوات دون أن أدري، وأنني بعده لم ألتقِ بشخصٍ يمكن أن أدعوه صديقاً.

ها هو زياد. باعدتنا الأيام وباعدتنا القارات. ووحدها قناعاتنا القديمة ظلّت تجمعنا.

ولذلك لم تزل في القلب مكانته الأولى. فلم يحدث لزياد أن فقد احترامي لسبب أو لآخر خلال كل هذه السنوات.

أليس هذا أمراً نادراً هذه الأيام؟

جاء زياد..

واستيقظ البيت الذي ظلّ مغلقاً لشهرين في وجه الآخرين،حتى في وجه كاترين نفسها.

راح زياد يملأه بحضوره، بأشيائه وفوضاه، بضحكته العالية أحياناً، وبحضوره السري الغامض دائماً. فأكاد أشكره فقط، لأنه أشرع نوافذ هذا البيت، واحتل غرفة من غرفه.. وربما احتلّه كله.

عُدنا تلقائياً إلى عاداتنا القديمة التي تعود إلى خمس سنوات، عندما زارني لأول مرة في باريس.

رحنا من جديد إلى المطاعم نفسها تقريباً. جلسنا وتحدثنا في الموضوعات نفسها تقريباً، فلا شي تغيّر منذ ذلك الحين. لم يسقط نظامٌ عربي واحد من تلك الأنظمة التي كان زياد يراهن على سقوطها منذ عرفته. لم يحدث أيّ زلزال سياسي هنا أو هناك، ليغيّر خريطة هذه الأمة.

وحده لبنان أصبح وطناً للزلازل والرمال المتحركة. ولكن من تراه سيبتلع في النهاية؟

كان هذا هو السؤال الذي حاولنا أن نتنبأ به بأكثر من جواب. وكان النقاش يصبّ في النهاية دائماً في القضية الفلسطينية، وفي خلافات فصائلها، والمعارك التي حدثت بين عناصرها في لبنان، والتصفيات الجسدية التي راح ضحيتها أكثر من اسم فلسطيني في الخارج.

كان حديث زياد ينتهي كالعادة بشتم تلك الأنظمة التي تشتري مجدها بالدم الفلسطيني، تحت أسماء مستعارة كالرفض والصمود.. والمواجهة. فينعتها في فورة غضبه بكل النعوت الشرقية البذيئة، التي أضحك لها وأنا أكتشف بعضها لأول مرة.

وأكتشف أيضاً أن لكل ثوّار قاموسهم الخاص، الذي تفرزه ثورتهم ومعايشتهم الخاصة، فأستعيد بحنين، مفردات أخرى لزمنٍ آخر وثورة أخرى.

ربما كان هذا الأسبوع هو أجمل الأيام التي قضيتها مع زياد، والتي حاولت بعد ذلك ولعدة سنوات ألا أذكر غيرها، حتى لا أشعر بالمرارة ولا بالحسرة على كل ما عشته بعدها عن خطأ أو عن صواب.

كل ما مرّ بي من ألم.. من غيرة ومن صدمات، وأنا أضعكما ذات يوم هكذا وجهاً لوجه، دون أية مقدمات أو توضيحات خاصة..

له قلت: "سنتغدّى غدا مع صديقة كاتبة.. لا بد أن أعرفك عليها..".

لم يبد عليه اهتمام خاص بكلامي. قال على طريقته الخاصة وهو يعود لقراءة جريدته: " أنا أكره النساء عندما يحاولن ممارسة الأدب تعويضاً عن ممارسات أخرى.. أتمنى ألا تكون صديقتك هذه عانساً، أو امرأة في سن اليأس.. فأنا لا صبر لي على هذا النوع من النساء!"

لم أجبه. رحت أتعمق في فكرته.. وأبتسم!

على الهاتف قلت لك: "تعالي غداً للغداء في ذلك المطعم نفسه.. فأنا أحمل لك مفاجأة لا تتوقعينها.."

قلتِ:

"إنها لوحتي.. أليس كذلك؟"

أجبتك بعد شيء من التردد: "لا.. إنها شاعر!"

***

التقيتما إذن..

ويمكن أن أقول هذه المرة أيضاً:

"الذين قالوا وحدها الجبال لا تلتقي أخطأوا. والذين بنوا بينها جسوراً لتتصافح دون أن تنحني، لا يفهمون شيئاً في قوانين الطبيعة.

الجبال لا تلتقي إلا في الزلازل والهزات الأرضية الكبرى. وعندها لا تتصافح، بل تتحول إلى تراب واحد".

التقيتما إذن.. وكان كلاكما بركاناً.. فأين العجب، إذا كنت هذه المرة أيضاً أنا الضحية!

مازلت أذكر ذلك اليوم..

وصلتِ متأخرة بعض الشيء، وكنت مع زياد قد طلبنا مشروباً في انتظارك..

ودخلتِ..

كان زياد يحدّثني عن شيء ما عندما صمت فجأة، وتوقفت عيناه عليك وهو يراك تجتازين باب المطعم.

فاستدرت بدوري نحو الباب.. ورأيتك تتقدّمين نحونا في ثوبٍ أخضر.. أنيقة، مغرية، كما لم تكوني يوماً.

وقف زياد ليسلّم عليك وأنت تقتربين منّا. وبقيت أنا من دهشتي جالساً. كان من الواضح أنه لم يتوقّعك هكذا.

ها أنت ذي أخيراً..

أحسست أن شيئاً ما يسمّرني إلى ذلك الكرسي، وكأن تعب كلّ الأسابيع الماضية، وكلّ عذابي بعدك قد نزل عليّ فجأة، ومنع رجليّ من الوقوف.

ها أنت ذي أخيراً.. أهذه أنت حقاً!؟

وقبل أن أفكر في تعريفكما ببعض، كنتِ قد قدّمت نفسك لزياد، وكان هو بدوره على وشك أن يعرّفك بنفسه عندما قاطعته قائلة:

- دعني أحزر.. ألست زياد خليل؟

ووقف زياد مدهوشاً قبل أن يسألك:

- كيف عرفتِ؟

استدرتِ نحوي عندئذٍ وكأنك تكتشفين وجودي هناك، فوضعت قبلتين على خدّي وقلت وأنت توجّهين الحديث إليه:

- أنت تملك شبكة إعلان قوية في شخص هذا الرجل..

ثم سألتني وأنت تتفحّصين ملامحي:

- لقد تغيرت بعض الشيء.. ما الذي حدث لك في هذه العطلة؟

تدخّل زياد ليقول ساخراً:

- لقد رسم إحدى عشرة لوحة في شهر ونصف.. إنه لم يفعل شيئاً غير هذا. نسي حتى أن يأكل ونسي أن ينام.. أعتقد أنني لو لم أحضر إلى باريس لمات هذا الرجل الذي أمامك جوعاً وإعياءً وسط لوحاته.. كما لم يعد الرسامون يموتون اليوم!

وبدل أن تسأليني سألت زياد بشيء من الذعر، وكأنك كنت تخافين أن أكون قد رسمت إحدى عشرة نسخة من صورتك:

- ماذا رسم؟

أجابك زياد بابتسامة وجّهها إليّ:

- لقد رسم قسنطينة.. لا شيء سوى قسنطينة.. وكثيراً من الجسور..

صحتِ وأنت تسحبين كرسياً وتجلسين:

- لا.. أرجوكم لا تحدثوني عن قسنطينة مرة أخرى.. إنني عائدة تواً منها. إنها مدينة لا تطاق.. إنها الوصفة المثالية لكي ينتحر المرء أو يصبح مجنوناً!

ثم وجّهتِ كلامك إليّ:

- متى تشفى أنت من هذه المدينة؟

كان يمكن أن أقول لك لو كنا على انفراد "يوم أشفى منك!"

ولكن زياد أجاب ربما نيابة عني:

- نحن لا نشفى من ذاكرتنا يا آنستي.. ولهذا نحن نرسم.. ولهذا نحن نكتب.. ولهذا يموت بعضنا أيضاً..

رائع زياد.. كان مدهشاً وشاعراً في كل شيء.

كان يقول شعراً دون جهد. ويحب ويكره دون جهد. ويغري دون جهد.

كنت أنظر إليه وهو يسألك "أنتِ جزائرية إذن؟". ولا أستمع لما تقولينه له.

بدا لي في تلك اللحظة أن الحديث كان يدور بينكما فقط، وأنني لم أقل كلمة واحدة منذ قدومك.

كنت طرفاً فقط في تلك الجلسة الغريبة للقدر.

كنت أنظر إليك.. وأبحث في تفاصيلك عن شرح لما حلّ بي.

سألتك يوماً: "ما هو أجمل شيء فيك؟"

ابتسمت بإيماء غامض ولم تجيبي.

لم تكوني الأجمل، كنت الأشهى. فهل هناك من تفسيرٍ للرغبة!

ربما كان زياد يشبهك أيضاً..

اكتشفت ذلك مع مرور الأيام، وأنا أنظر إليكما وأنتما تتحدثان أمامي كلّ مرة.

كان أيضاً شي من السحر الغامض فيه.. من الجاذبية التي لا علاقة لها بالجمال. وكانت فكرة تشابهكما أو تطابقكما هذه تزعجني.. بل وأزعجتني ربما من اللحظة الأولى. عندما نبّهتني إلى تدهور صحتي وشحوب لوني، بينما كنت أراكما أمامي في صحّة وتألق مثير للغيرة.

ترى بدأت الغيرة تتسلل إلي اللحظة.. وأنا أكتشف أنني لست سوى شبح بينكما، ووجه حشر خطأ في لوحتكما الثنائية؟

لم تَتَنَبّهي يومها أنني وصلت إلى تلك الحالة بسببك. ولذا لم تعتذري لي، بل وأكثر من ذلك كنت تتحدثين قليلاً إليّ.. وكثيراً إليه.

قلتِ له:

- لقد أحببت ديوانك الأخير "مشاريع للحب القادم"؛ لقد ساعدني شيئاً ما على تحمل هذه العطلة البائسة. هنالك مقاطع منه حفظتها لفرط ما أعدت قراءتها..

ورحت تقرأين أمام دهشة زياد:

"تربّص بي الحزن لا تتركيني لحزن المساء

سأرحل سيدتي

أشرعي اليوم بابك قبل البكاء

فهذي المنافي تغرّر بي للبقاء

وهذي المطارات عاهرة في انتظار

تراودني للرحيل الأخير..."

كنت أستمع إليك تقرئين شعراً لأول مرة.

كان في صوتك موسيقى لآلة لم تخلق بعد أتعرف عليها لأول مرة في حزن نبرتك التي خلقت في البدء للفرح.. فإذا بها عزف لشيء آخر.

وكان زياد يستمع إليك بشيء من الذهول، وكأنه فجأة يجلس خارج الزمن وخارج الذاكرة.

كأنه أخيراً قرر أن يجلس على شيء آخر غير حقائبه ليستمع إليك.

وعندما سكتِّ.. راح يقرأ بقية تلك القصيدة وكأنه يقرأ لك طالعه لا غير:

"ومالي سواكِ وطن

وتذكرة للتراب.. رصاصة عشق بلون كفن

ولا شيء غيرك عندي

مشاريع حبّ.. لعمر قصير!"

في تلك اللحظة.. شعرت أن شحنة من الحزن المكهرب وربما الحب المكهرب أيضاً قد سرت بيننا، واخترقتنا نحن الثلاثة.

كنت أحب زياد.. كنت مبهوراً به. كنت أشعر أنه يسرق مني كلمات الحزن، وكلمات الوطن، وكلمات الحب أيضاً..

كان زياد لساني، وكنت أنا يده كما كان يحلو له أن يقول.

وكنت أشعر في تلك اللحظة.. أنك أصبحت قلبنا.. معاً!

***

كان يجب أن أتوقع كل الذي حدث.

فهل كان يمكن أن أوقف انجرافكما بعد ذلك؟

كنت شبيهاً بذلك العالم الفيزيائي الذي يخترع وحشاً، ثم يصبح عاجزاً عن السيطرة عليه.

كنت أكتشف بحماقة أنني صنعت قصتكما بيدي. بل وكتبتها فصلاً فصلاً بغباء مثالي، وأنني عاجز عن التحكم في أبطالي.

كيف يمكن أن أضع أمامك رجلاً يصغرني باثنتي عشرة سنة، ويفوقني حضوراً وإغراءً، وأحاول أن أقيس نفسي به أمامك؟

كيف يمكن أن أفكّ صلة الكلمة التي كانت تجمعكما بتواطؤ، وأمنع كاتبة أن تحبّ شاعراً تحفظ أشعاره عن ظهر قلب؟

وكيف أقنعه هو الذي ربما لم يشفَ بعد من حبه الجزائري السابق، ألا يحبك أنت التي جئت لتوقظي الذاكرة، وتشرعي نوافذ النسيان؟

كيف حدث هذا.. وكيف أتيت بكما لأضعكما أمام قدركما.. الذي كان أيضاً قدري!

قال لي ذلك المساء:

- إنها رائعة هذه الفتاة.. لا أذكر أنني قرأت لها شيئاً، فربما بدأت الكتابة بعدما غادرت الجزائر حسب ما فهمت. ولكنني أعرف هذا الاسم.. لقد سبق أن قرأته في مكان ما.. إنه ليس غريباً عليّ.

قلت له وقتها:

- أنت لم تقرأ هذا الاسم وإنما سمعته فقط. إنه اسم لشارع في الجزائر يحمل اسم أبيها (الطاهر عبد المولى) الذي استشهد أثناء الثورة.

وضع زياد جريدته ونظر إليّ دون أن يقول شيئاً.

أحسسته ذهب بعيداً في تفكيره.

تراه بدأ أيضاً يكشف كل الهوامش المثيرة للقائكما في تلك الظروف.. وكل التفاصيل العجيبة التي لا يمكن أن يبقى محايداً أمامها؟

شعرت برغبة في الكلام عنك أكثر.

كنت على وشك أن أحدثه عن سي الطاهر. كدت أخبره أنك ابنة قائدي وصديقي. كدت أقصّ عليه حتى قصّتي العجيبة معك. أنت التي كان يمكن أن تكوني ابنتي، قبل أن تصبحي فجأة بعد ربع قرن حبيبتي!

كدت أحكي له قصة لوحتي الأولى (حنين) وتصادفها مع ميلادك. وقصة لوحاتي الأخيرة وعلاقتها بك.. وسبب تدهور صحتي وجنوني الأخير..

كدت أشرح له سر قسنطينة.

أصَمتُّ لأحتفظ بسرّك لي كما نحتفظ بسر كبير نتلذّذ بحمله وحدنا؟ أكان لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة؟.

أنم تراني كنت أخجل أن أعترف له دون أن أدري أنك حبيبتي، هو الذي لم أخجل منه يوماً والذي تقاسمت معه كل شيء؟

ألأنك حبّ لم يُخلق ليُقتسم، قررت منذ البدء أن تكوني لأحدنا.. فقط؟

أعن صداقة أو حماقة، كنت أريد أن أمنحه فرصة حبك الذي قد يكون حبّه الأخير، وأياماً من السعادة المسروقة من الموت المحتمل الذي كان يتربص به في كل حين.. وفي كل مدينة؟

ماذا جاء زياد يفعل في باريس؟ من الواضح أنه لم يأت في زيارة سياحية. ربما جاء ليقوم ببعض الاتصالات السرية، يلتقي ببعض الجهات.. يتلقى أو يعطي تعليمات لا أدري..

ولكنه كان قلقاً شيئاً ما. كان يتحاشى أخذ مواعيده على الهاتف، وكان لا يغادر البيت بمفرده إلا نادراً.

ولم أطرح عليه يوماً أي سؤال حول سبب زيارته لباريس. كان هناك شيء من بقايا فترة كفاحية في حياتي، تجعلني أحترم أسرار الآخرين عندما يتعلق ذلك بقضايا نضالية.

كنت أحترم سره، وكان يحترم صمتي. ولهذا نقلنا سرنا وصمتنا حتى قصتنا المشتركة معك.

أكان بحدسه المفرط يتوقع شيئاً ما بيني وبينك؟

أم تراه أمام تظاهري باللامبالاة، لم يتوقع وجود حبّ ملتهب كهذا في أحشائي.

وكيف يمكن أن يتوقع ذلك، وأنا أنسحب تدريجياً على رؤوس الأصابع، لأترك له المجال تدريجياً لمزيد من التوسّع؟

كنت أدعه يجيب على الهاتف نيابة عني. يتحدث إليك ويدعوك إلى البيت نيابة عني.

وكنت تأتين، وأحاول ألا أسأل نفسي لمن جئت.. ولمن تراك تجمّلتِ؟

ربما كان أكثر الأيام وجعاً يوم زرت البيت بعد ذلك لأول مرة.

كان لا بد أن ينبهك زياد للوحاتي لتنتبهي إليها. رحت تنتقلين من غرفة إلى أخرى وكأنك تعبرين غرف بيتك. لم يستوقفك ذلك الممر، ولا ذكرى قبلة قلَبت حياتي رأساً على عقب.

أكانت تلك اللحظة هي الأكثر ألماً، أم عندما فتحت (خطأ؟) باباً، فقلت لك موضّحاً "هذه غرفة زياد". فوقفت أمام ذلك الباب نصف المفتوح، لحظات بدت لي أطول مما قضيته من وقت أمام كل لوحاتي مجتمعة.

قلت وأنت تعودين إلى الصالون وتجلسين على تلك الأريكة نفسها:

- لا أفهم أن تكون رسمت كل هذه الجسور.. جنون هذا.. كان يكفي لوحة أو اثنتان..

أعن قناعة أم عن لياقة تطوع زياد ليجيبك نيابة عني، بعدما لاحظ وقع كلماتك عليّ، ولاحظ تلك الخيبة التي أفقدتني صوتي:

- أنت لم تتأملي هذه اللوحات.. لقد حكمت عليها من النظرة الأولى.. وفي الرسم، اللوحات لا تتطابق وإن تشابهت. هنالك أرقام سرية تفتح لغز كل لوحة.. شيء شبيه بـ (الكود) لا بد من البحث عنه للوصول إلى ذلك الإشعار بشيء ما يريد أن يوصله إلينا صاحبها..

لو مررت بنفس هذه السرعة أمام لوحة (لاعبي الورق) الشهيرة، لما لاحظت سوى لاعبين جالسين أمام طاولة، ولما انتبهت إلى كونهما يمسكان بأوراق بيضاء يخفيانها على بعض. إن ما أراد أن ينقله لنا "سيزان" ليس مشهداً للعبة الورق بل مشهد من التزوير المتّفق عليه.. وربما المتوارث مادام أحد اللاعبين أكبر من الثاني سناً.

وقبل أن يواصل زياد كلامه قاطعته قائلة:

- من أين تعرف كل هذا.. هل أنت خبير أيضاً في الرسم.. أم أن عدوى خالد انتقلت إليك؟

ضحك زياد واقترب منك بعض الشيء وقال:

- ليس هذا ميدان خبرتي على الإطلاق.. إنه ترف ليس في متناول رجل مثلي.. بل إن جهلي في الفن سبفاجئك. أنا لا أعرف غير قلة قليلة من الرسامين اكتشفت أعمالهم عن طريق المصادفة.. وفي الكتب المختصة غالباً.. ولكنني أحب بعض المدارس الحديثة التي تطرح أسئلة من خلال أعمالها..

الفن للفن لا يقنعني، والجوكندة المحترمة لا تهزّني. أحب الفن الذي يضعني في مواجهة وجودية مع نفسي، ولهذا أعجبت بلوحات خالد الأخيرة.. إنها أول مرة يدهشني فيها حقاً.

لقد توحّد مع هذا الجسر لوحة بعد أخرى في فرحٍ ثم في حزن متدرج حتى العتمة، وكأنه عاش يتوقيته يوماً أو عمراً كاملاً..

في اللوحة الأخيرة لا يظل بادياً من الجسر سوى شبحه البعيد تحت خيط من الضوء. كل شيء حوله يختفي تحت الباب فيبدو الجسر مضيئاً، علامة استفهام معلّقة إلى السماء. لا ركائز تشدّ أعمدته إلى أسفل، لا شيء يحدّه على يمينه ولا على يساره، وكأنه فقد فجأة وظيفته الأولى كجسر!

أترى بداية الصبح عندئذ أم بداية الليل؟ أتراه يحتضر أم يولد مع خيط الفجر؟ إنه السؤال الذي يبقى معلّقاً كالجسر لوحة بعد أخرى، مطارداً بلعبة الظلّ والضوء المستمر، بالموت والبعث المستمر، لأن أي شيء معلّق بين السماء والأرض هو شيء يحمل موته معه.

كنت أسمتع إلى زياد مدهوشاً، وربما اكتشفت شيئاً لم يخطر ببالي لحظة رسم كل هذه اللوحات.

أحقٌّ ما قاله؟

من المؤكد أن زياد كان يتحدث عن لوحاتي خيراً مني. مثل كل النقاد الذين يعطونك شروحاً مدهشة لأعمال فنية قمت بها أنت بكل بساطة، دون أية تساؤلات فلسفية، فيضحكونك إذا كنت فناناً صادقاً وبسيطاً لا تهمّك الرموز والنظريات المعقّدة في الفن. وقد يملأونك غروراً وجنوناً، إذا كنت مثل الكثيرين الذين يأخذون أنفسهم مأخذ الجد، ويبدأون عندئذٍ بالتنظير بمدرسة فنية جديدة!

كان في تحليل زياد حقيقة هامة أدهشتني ولم أنتبه لها من قبل.

لقد كنت أعتقد وأنا أرسم تلك الجسور أنني أرسمك، ولم أكن في الواقع أرسم سوى نفسي. كان الجسر تعبيراً عن وضعي المعلّق دائماً ومنذ الأزل. كنت أعكس عليه قلقي ومخاوفي ودواري دون أن أدري.

ولهذا ربما كان الجسر هو أول ما رسمت يوم فقدت ذراعي.

فهل تعني كل هذه الجسور، أن لا شيء تغيّر في حياتي منذ ذلك الحين؟

ربما كان هذا هو الأصح.. ولكن ليس هذا كل شيء. وقد كان يمكن لزياد أن يفلسف أيضاً رمز الجسر بأكثر من طريقة.. ولكن من المؤكد أنه لن يذهب أبعد من الرموز المعروفة، لأن رموزنا تأخذ بعدها من حياتنا فقط، وزياد في النهاية لم يكن يعرف كلّ ثنايا ذاكرتي.

ولم يكن زار تلك المدينة التي تعرف وحدها سرّ الجسور!

تذكّرت حين ذاك رساماً يابانيا معاصراً، قرأت عنه أنه قضى عدة سنوات وهو لا يرسم سوى الأعشاب. وعندما سُئل مرة لماذا الأعشاب دائماً.. قال: "يوم رسمت العشب فهمت الحقل.. ويوم فهمت الحقل أدركت سر العالم..".

وكان على حق. لكلٍ مفتاحه الذي يفتح به لغز العالم.. عالمه.

همنغواي فهم العالم يوم فهم البحر. وألبرتو مورافيا يوم فهم الرغبة، والحلاج يوم فهم الله، وهنري ميلر يوم فهم الجنس، وبودلير يوم فهم اللعنة والخطيئة.

وفان غوغ.. تراه فهم حقارة العالم وساديّته، عندما كان يجلس محموماً معصوب الرأس أمام تلك النافذة التي لم يكن يرى منها.. غير حقول عبّاد الشمس الشاسعة فلا يملك أمام إرهاقه إلا أن يرسم أكثر من لوحة للمنظر نفسه؟

لأن يده المحمومة لم تكن تقدر على رسم أكثر من تلك الزهور البسيطة الساذجة.

ولكنه.. كان يواصل الرسم برغم ذلك، لا ليعيش من لوحاته وإنما لينتقم لها ولو بعد قرن.

ألم يقل لأخيه تلك النبوءة التي حطّمت بعدها كلّ الأرقام القياسية في ثمن لوحة (عباد الشمس): "سيأتي يوم يفوق فيه ثمن لوحاتي.. ثمن حياتي".

تساءلت وأنا أصل إلى هذه الفكرة: هل الرسامون أنبياء أيضاً؟.

ثم رحت أربط هذه الفكرة بتعليق زياد "كل شيء معلّق يحمل موته معه.."

وإذا بي أسأل نفسي، أيّة نبوءة تحمل كلّ اللوحات التي رسمتها في درجة متقدمة من اللاوعي والجنون؟ أمَوْت أم ميلاد تلك المدينة؟ أصمود جسورها المعلقة منذ قرون في وجه أكثر من نشرة جوية وأكثر من ريح مضادّة؟ أم سقوطها جميعاً في دمار هائل مفاجئ، في تلك اللحظة التي لا يفصل فيها بين الليل والنهار سوى خيط باهت للغفلة.. غفلة التاريخ!

كنت تحت تأثير تلك الرؤية المذهلة، عندما جاء صوتك لينتزعني من هواجسي.

قلتِ وأنت توجّهين حديثك إليّ:

- أتدري خالد.. إن من حسن حظك أنك لم تزر قسنطينة منذ عدة سنوات.. وإلا لما رسمت من وحيها أشياء جميلة كهذه. يوم تريد أن تشفى منها عليك أن تزورها فقط.. ستكفّ عن الحلم!

طبعاً، لم أكن أدري آنذاك، أنك ذات يوم ستتكلّفين شخصياً بقتل ذلك الحلم، وتوصليني في ما بعد حتى أعتاب قسنطينة مكرهاً.

تدخّل زياد ليقول كلاماً جاء هذه المرة أيضاً سابقاً لوقته.. كالنبوءة.

قال بشيء من العتاب المهذّب:

- لماذا تصرين على قتل حلم هذا الرجل؟. هنالك أحلام نموت على يدها، دعيه سعيداً ولو بوهمه..

لم تعلّقي على كلامه، وكأن أحلامي لم تعد تهمك بالدرجة الأولى. سألته فقط:

- وأنت.. ما هو حلمك؟

قال:

- ربما مدينة ما أيضاً..

- هل اسمها الخليل؟

قال مبتسماً:

- لا.. نحن لا نحمل دائماً أسماء أحلامنا.. ولا ننتسب لها

اسمي الخليل ومدينتي اسمها غزة.

- ومنذ متى لم تزرها؟

- منذ حرب حزيران.. أي منذ خمس عشرة سنة تماماً..

ثم أضاف:

- يضحكني الذي يحدث لخالد اليوم، كان يقنعني في الماضي يوم كنّا في الجزائر بالزواج والعيش هناك نهائياً. لم يكن يفهم أن تطاردني تلك المدينة إلى درجة إخراجي من كل المدن. وها هو الآن يصل إلى كلامي من تلقاء نفسه، ويصبح بدوره مسكوناً بمدينة، مطارداً بها.

العجيب أنه لم يحدّثني عنها أي مرة.. وكأنه لم يكن يوليها اهتماماً من قبل. هنالك أشياء شبيهة بالسعادة لا ننتبه لوجودها إلا بعدما نفتقدها!

ربما كان ذلك ما حدث لي.. فقد كنت أعي تدريجياً أنني كنت سعيداً معك قبل تلك العطلة الصيفية.. وقبل مجيء زياد.. وقبل أن يتحول حبنا من عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث الأطراف كل زواياه متساوية، ومن لعبة شطرنج يحكمها لاعبان متقابلان، ويملأ الحب فيها كل المربعات السوداء والبيضاء، بقانون المد والجزر العشقي، إلى لعبة طاولة، نجلس حولها نحن الثلاثة، بأوراقنا المقلوبة، وأحزاننا المقلوبة، بنبضات قلبنا المشتركة، بذاكرتنا المشتركة، نتربّص ببعضنا ونخلق قوانين جديدة للحب.. نزوّر الأوراق التي نملك النسخ نفسها منها، نحتال على منطق الأشياء لا ليربح أحدنا الجولة، وإنما لكي لا يكون بيننا من خاسر، وحتى تكون نهايتنا أقلّ وجعاً من البداية.

كان واضحاً أن زياد كان يشعر أنني أحبك بطريقة أو بأخرى. ولكنه لم يكن يعي جذور ذلك الحب ومداه. ولذا كان ينساق إلى حبك دون تفكير ودون شعور بالذنب.

لم يكن لأحدنا وعي كامل لينتبه إلى أن العشق اسم ثنائي لا مكان فيه لطرف ثالث. ولذا عندما حوّلناه إلى مثلث، ابتلعنا كما يبتلع مثلث "برمودا" كل البواخر التي تعبره خطأ؟

كيف وصلنا إلى هنا.

أيّ ريح حملتنا إلى هذه الديار الغريبة عن طقوسنا؟ أيّ قدر بعثرنا ثم أعاد جمع أقدارنا المتناقضة المبعثرة، وأعمارنا وتواريخنا المتفاوتة، ومعاركنا وأحلامنا المتباعدة، وأوقفنا هنا، أطرافاً في معركة نخوضها مع بعضنا ضد بعضنا دون وعي؟

بعد أشهر قرأت بين أوراق زياد خاطرة، أدهشتني بتطابقها مع أحاسيسي هذه، كتب فيها:

"عشقنا جولة أخرى خسرناها في زمن المعارك الفاشلة، فأيّ الهزائم أكثر إيلاماً إذن؟

مقدراً كان كلّ الذي حصل.

شعبين كنا لأرض واحدة.

ونبيين لمدينة واحدة.

وها نحن قلبان لامرأة واحدة.

كل شيء كان معدّاً للألم. (هل يسعنا العالم معاً؟).

ها نحن نتقاسم كبرياءنا رغيفاً عربياً مستديراً كجرحنا. رصاصة مستديرة الرأس.. أطلقوها على مربع أحمر، يتدرب فيه القدر على إطلاق الرصاص على دوائر سوداء تصغر تدريجياً كالدوّار.. حتى تصل مركز الموت..

حيث الرصاصة لا تخطئ.

حيث الرصاصة لا ترحم.

وحيث سيكون قلب أحدنا.."

كان زياد في تلك الأمسيات الشتائية، يسهر أحياناً في غرفته ليكتب. وكنت أرى في ذلك علامة لا تخطئ..

لا بد أن يكون عاشقاً ليعود إلى الكتابة بهذه الشراهة، هو الذي لم يكتب شيئاً منذ عدة سنوات.

كنت أبتسم أحياناً، وصوت موسيقى خافتة ينبعث من غرفته حتى ساعة متأخرة من الليل.

كأن زياد كان يريد أن يملأ رئتيه بالحياة، أو كأنه لم يكن يثق بها تماماً. ويخاف إن هو نام أن تسرق منه شياً.

كان يستمع دائماً إلى الأشرطة نفسها التي لا أدري من أين أحضرها، والتي لم أكن مولعاً بها أنا على وجه التحديد، كالموسيقى الكلاسيكية.. وشريط لفيفالدي وآخر لتيودوراكيس.

وكنت أقول لنفسي وأنا أقضي أحياناً سهرة كاملة بمفردي أمام التلفزيون:

" إنه يعيش جنونه أيضاً. هنالك جنون الصيف.. وهنالك جنون الشتاء. انتهى جنوني وبدأ جنونه!".

ولكن.. كيف يمكن لي أن أعرف درجات جنونه هذا؟ من أين آتي بمقياس للزلزال، أعرف منه ما يحدث في أعماقه بالتحديد؟

كيف يمكن ذلك، ونوباته كتابات سرية لا يدري بها غير الورق. بينما يعلّق جنوني على الجدران إحدى عشرة لوحة تشهد ضدي.. وتفضحني.

فهل انتهى جنوني حقاً؟

لا.. أصبح فقط جنوناً داخلياً لا علاقة له بالإبداع. أصبح أحاسيس مرضيّة أبذّرها هباءً في الغيرة واليأس.

كان إذا غيّر زياد بدلته، شعرت أنه يتوقع قدومك، وإذا جلس ليكتب فهو يكتب لك، وإذا ترك البيت فهو على موعد معك..

نسيت في زحمة غيرتي، حتى الأسباب التي جاء من أجلها زياد إلى باريس، ولقاءاته.. وهواجسه الأخرى.

.. ثم جاء ذلك السفر الذي كدت أنساه.

ربما كانت تلك أكثر تجاربي ألماً على الإطلاق. فقد كان عليّ أن أترككما عشرة أيام كاملة معاً في مدينة واحدة. وربما غالباً في بيتٍ واحد هو بيتي.. نظراً لصعوبة لقائكما خارج البيت.

سافرت يومها وأنا أحاول أن أقنع نفسي أنها فرصة لنا جميعاً، لنضع شيئاً من الترتيب في علاقتنا، وأنه كان لابد لأحدنا أن يتغيّب لتحسم هذه الأمور الغامضة بيننا نهائياً.

طبعاً، لم أكن مقتنعاً في أعماقي بهذا المنطق، أو على الأقل بهذا القدر العنيد الذي جعل القرعة تقع عليّ.

فمن الواضح أن القدر كان منحازاً لكما. وكان ذلك يؤلمني كثيراً. ولكن ما الذي كان أشدّ إيلاماً لي:

أن أدري أنك مع رجل آخر، أم أن يكون ذلك الرجل هو زياد لا سواه، أم أن تتم خيانتي في بيتي في غرف لم أتمتع بك فيها؟

إلى أيّ حدّ ستذهبين معه.. وإلى أي حدّ سيذهب هو معك؟ وهل ستوقفه ذاكرتنا المشتركة.. وكل ما جمعنا يوماً من قيم؟

قلت لكِ الكثير عن زياد.. ولم أقل لك الأهم.

كان زياد يوماً خليّتي السرية، أوراق انتمائي السرية.

كان هزائمي وانتصاراتي، حججي وقناعاتي، كان عمراً سرّياً لعمرٍ آخر. فهل سيخونني زياد؟

كنت قد بدأت أعتب عليه، وربما أحقد عليه مسبقاً.

نسيت في جنون غيرتي، أنني لم أفعل شيئاً غير ذلك معك، أنا الذي تنكّرت أيضاً لسي الطاهر، لرجلٍ كان يوماً قائدي، وكان يوماً صديقي.. لرجل أودعك عندي وصيّة ذات يوم ومات شهيداً.

من منا الأكثر خيانة إذن؟

هو الذي قد يضع أحلامه ورغباته حيّز التنفيذ.. أم أنا الذي لم أنفّذها لأنني لم أجد فرصة لذلك؟

أنا الذي أنام وأصحو معك من شهور، وأغتصبك حتّى في غفوتي.. أم هو الذي ستكونين له بإرادتك؟

هنالك مدن كالنساء، تهزمك أسماؤها مسبقاً. تغريك وتربكك، تملأك وتفرغك، وتجرّدك ذاكرتها من كل مشاريعك، ليصبح الحب كل برنامجك.

هنالك مدن.. لم تخلق لتزورها بمفردك. لتتجول وتنام وتقوم فيها.. وتتناول فطور الصباح وحيداً.

هنالك مدن جميلة كذكرى، قريبة كدمعة، موجعة كحسرة..

هنالك مدن.. كم تشبهك!

فهل يمكن أن أنساك في مدينة اسمها.. غرناطة؟

كان حبّك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة، بسقوفها القرميدية الحمراء.. مع عرائش العنب.. مع أشجار الياسمين الثقيلة.. مع الجداول التي تعبر غرناطة.. مع المياه.. مع الشمس.. مع ذاكرة العرب.

كان حبك يأتي مع العطور والأصوات والوجوه، مع سمرة الأندلسيات وشعرهن الحالك.

مع فساتين الفرح.. مع قيثارة محمومة كجسدك.. مع قصائد لوركا الذي تحبينه.. مع حزن أبي فراس الحمداني الذي أحبه.

كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضاً.. فهل كل المدن العربية أنت.. وكل ذاكرة عربية أنت؟

مر الزمان وأنت مازلت كمياه غرناطة، رقراقة الحنين.. تحملين طعماً مميزاً لا علاقة له بالمياه القادمة من الأنابيب والحنفيات.

مر الزمن، وصوتك مازال يأتي كصدى نوافير المياه وقت السّحر، في ذاكرة القصور العربية المهجورة، عندما يفاجئ المساء غرناطة، وتفاجئ غرناطة نفسها عاشقة لملك عربي غادرها لتوه..

كان اسمه "أبا عبد الله". وكان آخر عاشق عربي قبّلها!

تراني كنت ذلك الملك الذي لم يعرف كيف يحافظ على عرشه؟

تراني أضعتك بحماقة أبي عبد الله، وسأبكيك يوماً مثله؟

كانت أمه قد قالت له يوماً وغرناظة تسقط في غفلة منه: "ابك مثل النساء مُلكاً مُضاعاً، لم تحافظ عليه مثل الرجال.."

فهل حقاً لم أحافظ عليك؟. وعلى من أُعلن الحرب.. أسألك؟

على مَنْ.. وأنتما ذاكرتي وأحبّتي.

على مَنْ.. وأنت مدينتي وقلعتي.

فلِمَ الخجل؟

هل هناك ملك عربي واحد.. حاكم عربي واحد، لم يبكِ منذ أبي عبد الله مدينة ما؟

فاسقطي قسنطينة.. هذا زمن السقوط السريع!

هل سقطت حقاً يومها.. هذا ما لن أعرفه أبداً.

ولكن أعرف فقط تاريخ سقوطك الأخير، سقوطك النهائي الذي كنت شاهداً عليه بعد ذلك.

فأيّ جنون كان أن تزيد المسافات من حبّك، وأن تأخذي ملامح تلك المدينة أيضاً. وإذا بي كمجنون أجلس كلّ ليلة لأكتب لك رسائل كانت تولد من دهشتي وشوقي وغيرتي عليك. كنت أقصّ لك فيها تفاصيل يومي وانطباعاتي في مدينة تشبهك حد الدهشة.

كتبت لك مرة:

"أريد أن أحبك هنا. في بيتٍ كجسدك، مرسوم على طراز أندلسي.

أريد أن أهرب بك من المدن المعلّبة، وأُسكن حبّك بيتاً يشبهك في تعاريج أنوثتك العربية.

بيتاً تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستداراته ذاكرتي الأولى. تظلّل حديقة شجرة ليمون كبيرة، كتلك التي يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالأندلس.

أريد أن أجلس إلى جوارك، كما أجلس هنا على حافة بركة ماء تسبح فيها سمكات حمراء، وأتأملك مدهوشاً.

أستنشق جسدك، كما أستنشق رائحة الليمون البلدي الأخضر قبل أن ينضج.

أيتها الفاكهة المحرّمة.. أمام كلّ شجرة أمرّ بها، أشتهيك.."

كم من الرسائل كتبت لك.. هل يمكن لكاتبة أن تقاوم الكلمات؟ كنت أريد أن أطوقك بالحروف، أن أستعيدك بها، أن أدخل معكما حلقة الكلمات المغلقة في وجهي بتهمة الرسم فقط، فرحت أخترع من أجلك رسائل لم تكتب قبلك لامرأة. رسائل انفجرت في ذهني فجأة بعد خمسين سنة من الصمت.

تراني بدأت يومها أكتب كتابي هذا دون أن أدري، بعد أن انتقل عشقي لك إلى هذه اللغة التي كنت أكتب بها رسائل لأول مرة. قبلك كتبت لنساء عبرن حياتي أيام الشباب والمراهقة.

لم أكن أجهد نفسي آنذاك في البحث عن الكلمات.

كانت اللغة الفرنسية تستدرجني تلقائياً بحريتها للقول دون عقد.. ولا خجل.

معك رحت أكتشف العربية من جديد. أتعلم التحايل على هيبتها، أستسلم لإغرائها السري، لإيحاءاتها.

رحت أنحاز للحروف التي تشبهك.. لتاء الأنوثة.. لحاء الحرقة.. لهاء النشوة.. لألف الكبرياء.. للنقاط المبعثرة على جسدها خال أسمر..

هل اللغة أنثى أيضاً؟ امرأة ننحاز إليها دون غيرها، نتعلم البكاء والضحك.. والحب على طريقتها. وعندما تهجرنا نشعر بالبرد وباليتم دونها؟

تراك قرأت تلك الرسائل؟. هل شعرت بعقدة يتمي وخوفي من مواسم الصقيع؟

أأدهشتك أم تراها جاءت في غير وقتها؟

كان لا بد أن أكتبها لك قبل أن يتسلل زياد إليك من كل المسام، ويصبح لغتك.

فهل تفيد رسائل الحب عندما تأتي متأخرة عن الحب؟

ألم يحب سلفادور دالي وبول إيلوار المرأة نفسها؟

وعبثاً راح بول إيلوار يكتب لها أجمل الرسائل.. وأروع الأشعار.. ليستعيدها من دالي الذي خطفها منه. ولكنها فضّلت جنون دالي المجهول آنذاك.. على قوافي بول إيلوار. وظلّت حتى موتها منحازة لريشة دالي فقط الذي تزوجها أكثر من مرة بأكثر من طقس، ولم يرسم امرأة غيرها طوال حياته.

الواقع أن الحب لا يكرر نفسه كل مرة، وأن الرسامين لا يهزمون الشعراء دائماً.. حتى عندما يحاولون التنكّر في ثياب الكلمات.

***

عندما عدت بعد ذلك إلى باريس، كان في الحلق غصّة لازمتني طوال تلك الأيام، وأفسدت عليّ متعة نجاح ذلك المعرض. واللقاءات الجميلة أو المفيدة التي تمّت لي أثناءه.

كان هناك شيء داخلي ينزف دون توقّف. عاطفة جديدة للغيرة والحقد الغامض الذي لا يفارقني ويذكّرني كلّ لحظة أن شيئاً ما يحدث هناك.

استقبلني زياد بشوق. (أكان حقاً سعيداً بعودتي؟). أمدّني بالبريد الذي وصل أثناء غيابي وبورقة سجّل عليها أسماء الذين طلبوني هاتفياً خلال تلك الأيام.

أمسكتها دون أن ألقي عليها نظرة. كنت أدري أنني لن أجد اسمك فيها.

ثم راح يسألني عن المعرض.. عن سفرتي وأخباري العامة، ويحدثني عن آخر التطورات السياسية بشيء من القلق، الذي فسّرته بارتباكه لحظتها أمامي لسبب أو لآخر.

كنت أستمع إليه وأنا أتفقد بحواسي ذلك البيت كما في خرافة الغول الذي كان كلما عاد إلى بيته، راح يتشمّم الأجواء بحثاً عن إنسان قد يكون تسلّل إلى مغارته أثناء غيابه..

كنت أشعر أنك مررت بهذا البيت. إحساس غامض كان يؤكد لي ذلك، دون أن أجد في الواقع حجة تثبت لي شكوكي.

ولكن هل تهم الحجّّة؟.. هل يعقل أن تمر عشرة أيام دون أن تلتقيا.. وأين يمكن أن تلتقيا في مكان غير هذا؟ وإذا التقيتما هل ستكتفيان بالحديث؟

كنتِ منجماً للكبريت.. وكان زياد عاشقاً مجوسياً يعبد اللّهب!

فهل كان يمكن أن يصمد طويلاً في وجه نيرانك.. أنت المرأة التي يحلم الرجال أن يحترقوا بها ولو وهماً؟

رحت أبحث في ملامح زياد عن فرحٍ ما، عن سعادةٍ ما أجد فيها الحجة القاطعة على أنك كنت له.

ولكن لم يبدُ على وجهه أي شعور خاص، غير القلق.

فجأة حدثني عنك قال:

- لقد طلبت منها أن تأتي غداً لنتناول معاً غداءنا الأخير..

صحت بشيء من الدهشة:

- لماذا الأخير؟

قال:

- لأنني سأسافر الأحد..

- ولماذا الأحد؟

قلتها وأنا أشعر بشيء من الحزن والفرح معاً.

أجاب زياد:

- لأنني يجب أن أعود.. كنت أنتظر فقط عودتك لأسافر. لم يكن مقرراً أن أبقى هنا أكثر من أسبوعين. لقد قضيت شهراً كاملاً ولا بدّ أن أعود..

ثم أضاف بشيء من السخرية:

- قبل أن أتعود على الحياة الباريسية.

تراك أنتِ الحياة الباريسية التي كان يخاف أن يتعود عليها؟ تراه كان يهرب مرة أخرى من حبٍ آخر أم أن مهمته قد انتهت أخيراً فلم يعد أمامه غير الرحيل؟

مر يوم السبت وسط مشاغل عودتي، وانشغال زياد بترتيب تفاصيل سفره.

حاولت أن أتحاشى الجلوس إليه ذلك المساء. ولكن كان يوم الأحد يتربص بنا ويضعنا أخيراً وجهاً لوجه نحن الثلاثة في ذلك الغداء الحاسم.

يومها قابلتني بحرارة لم أتوقعها. فسّرتها على طريقتي بأنها شعور بالذنب، (أو ربما بالامتنان). ألم أقدم لك حباً على طبق من شعر على طاولة هي.. بيتي؟!

ثم شكرتني على رسائلي، وأبديت إعجابك بأسلوبي.. وكأنك أستاذة قدم لها تلميذ نصّاً إنشائياً.

أزعجني شكرك العلني، وشعرت أنك حدّثت زياد عنها وربما أريته إياها أيضاً.

كنت على وشك أن أقول شيئاً عندما واصلت:

- تمنيت لو كنت معك هناك.. هل غرناطة جميلة حقاً إلى هذا الحد؟ وهل زرت حقاً بيت غارسيا لوركا في (خوانتا فاكيروس).. أليس هذا اسم ضيعته كما قلت؟ حدّثني عنه..

وجدت في طريقتك في بدء الحديث معي من الهوامش، شيئاً مثيراً للدهشة، وربما للتفكير أيضاً.

أهذا كل ما وجدت قوله بعد كل الزوابع التي مرّت بنا، وبعد عشرة أيام من الجحيم الذي عشته وحدي؟

لا أدري كيف خطر عندئذٍ في ذهني شهد لفيلم شاهدته يوماً عن حياة لوركا..

قلت لك:

- أتدرين كيف مات لوركا؟

قلتِ:

-بالإعدام..

قلت:

- لا.. وضعوه أمام سهل شاسع وقالوا له امشِ.. وكان يمشي عندما أطلقوا خلفه الرصاص، فسقط ميتاً دون أن يفهم تماماً ما الذي حدث له.

إنه أحزن ما في موته. فلم يكن لوركا يخاف الموت، كان يتوقّعه، ويذهب إليه مشياً على الأقدام كما نذهب لموعدٍ مع صديق.. ولكن كان يكره فقط أن تأتيه الرصاصة من الظهر!

شعرت آنذاك أن زياد تلقي كلماتي كرصاصة في الصدر. رفع عينيه نحوي، أحسسته على وشك أن يقول شيئاً ولكنه صمت.

كنا نفهم بعضنا دون كثير من الكلام.

ندمت بعدها على إيلامي المتعمد له. فقد كان إيلامه يعزّ عليّ أكثر من ألمك. ولكن كان هذا أقل ما يمكن أن أقوله له بعد كل ما عشته من عذاب بسببه.

وربما كان أكثره أيضاً.

تحول غداؤنا فجأة إلى وجبة صمت مربك تتخلله أحيانا أحاديث مفتعلة، كنتِ تخترعينها أنتِ بفطرةٍ نسائية لترطيب الجو.. وربما للمراوغة. ولكن عبثاً.

كان هناك شيء من البلّور قد انكسر بيننا. ولم يعد هناك من أمل لترميمه.

سألتكِ بعدها:

- هل ستأتين معي لنرافق زياد إلى المطار؟

أجبتِ:

-لا.. لا يمكن أن أذهب إلى المطار.. قد ألتقي بعمي هناك، إذ أنه يحدث أن يمر بمكتب الخطوط الجوية الجزائرية. ثم إنني أكره المطارات.. وأكره مراسيم الوداع. الذين نحبهم لا نودعهم، لأننا في الحقيقة لا نفارقهم. لقد خلق الوداع للغرباء.. وليس للأحبة.

كانت تلك إحدى طلعاتك العجيبة المدهشة كقولك السابق مثلاً "نحن لا نكتب إهداءً سوى للغرباء وأما الذين نحبهم فهم جزء من الكتاب وليسوا في حاجة إلى توقيع في الصفحة الأولى.."

ولماذا الوداع؟

هل هناك من ضرورة لوداع آخر؟

كنت أراك طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ولا تأكلين شياً سواه.

كانت عيناك تودّعان جسده قطعة قطعة. تتوقّفان طويلاً عند كلّ شيء فيه، وكأنك تختزنين منه صوراً عدة.. لزمن لن يبقى لك فيه سوى الصور.

وكان هو يتحاشى نظراتك، ربما مراعاة لي، أو لأن كلماتي الموجعة أفقدته رغبة الحب.. ورغبة الأكل كذلك. وجعلته يحوّل نظراته الحزينة إلى أعماقه وإلى ما بعد السفر.

وكنت أنا لا أقل حزناً عنكما، ولكن حزني كان فريداً وفرديّاً كخيبتي. متشعّب الأسباب غامضاً كموقفي من قصّتكما العجيبة.

وربما زاده رفضك مرافقتي إلى المطار توتراً. فقد كنت أطمع في عودتك معي على انفراد لأخلو أخيراً بك. لأفهم منك دون كثير من الأسئلة، إلى أيّ مدى كنت قادرة على محو تلك الأيام من ذاكرتك، والعودة إليّ دون جروح أو خدوش..

كنت أدري أن قلبك قد أصبح منحازاً إليه. وربما جسدك أيضاً. ولكنني كنت أثق بمنطق الأيام. وأعتقد أنك في النهاية ستعودين إليّ، لأنه لن يكون هناك سواي.. ولأنني ذاكرتك الأولى.. وحنينك الأول لأبوة كنت أنا نسخة أخرى عنها.

فرحت أراهن على المنطق وأنتظرك.

هنالك مدن كالنساء، تهزمك أسماؤها مسبقاً. تغريك وتربكك، تملأك وتفرغك، وتجرّدك ذاكرتها من كل مشاريعك، ليصبح الحب كل برنامجك.

هنالك مدن.. لم تخلق لتزورها بمفردك. لتتجول وتنام وتقوم فيها.. وتتناول فطور الصباح وحيداً.

هنالك مدن جميلة كذكرى، قريبة كدمعة، موجعة كحسرة..

هنالك مدن.. كم تشبهك!

فهل يمكن أن أنساك في مدينة اسمها.. غرناطة؟

كان حبّك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة، بسقوفها القرميدية الحمراء.. مع عرائش العنب.. مع أشجار الياسمين الثقيلة.. مع الجداول التي تعبر غرناطة.. مع المياه.. مع الشمس.. مع ذاكرة العرب.

كان حبك يأتي مع العطور والأصوات والوجوه، مع سمرة الأندلسيات وشعرهن الحالك.

مع فساتين الفرح.. مع قيثارة محمومة كجسدك.. مع قصائد لوركا الذي تحبينه.. مع حزن أبي فراس الحمداني الذي أحبه.

كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضاً.. فهل كل المدن العربية أنت.. وكل ذاكرة عربية أنت؟

مر الزمان وأنت مازلت كمياه غرناطة، رقراقة الحنين.. تحملين طعماً مميزاً لا علاقة له بالمياه القادمة من الأنابيب والحنفيات.

مر الزمن، وصوتك مازال يأتي كصدى نوافير المياه وقت السّحر، في ذاكرة القصور العربية المهجورة، عندما يفاجئ المساء غرناطة، وتفاجئ غرناطة نفسها عاشقة لملك عربي غادرها لتوه..

كان اسمه "أبا عبد الله". وكان آخر عاشق عربي قبّلها!

تراني كنت ذلك الملك الذي لم يعرف كيف يحافظ على عرشه؟

تراني أضعتك بحماقة أبي عبد الله، وسأبكيك يوماً مثله؟

كانت أمه قد قالت له يوماً وغرناظة تسقط في غفلة منه: "ابك مثل النساء مُلكاً مُضاعاً، لم تحافظ عليه مثل الرجال.."

فهل حقاً لم أحافظ عليك؟. وعلى من أُعلن الحرب.. أسألك؟

على مَنْ.. وأنتما ذاكرتي وأحبّتي.

على مَنْ.. وأنت مدينتي وقلعتي.

فلِمَ الخجل؟

هل هناك ملك عربي واحد.. حاكم عربي واحد، لم يبكِ منذ أبي عبد الله مدينة ما؟

فاسقطي قسنطينة.. هذا زمن السقوط السريع!

هل سقطت حقاً يومها.. هذا ما لن أعرفه أبداً.

ولكن أعرف فقط تاريخ سقوطك الأخير، سقوطك النهائي الذي كنت شاهداً عليه بعد ذلك.

فأيّ جنون كان أن تزيد المسافات من حبّك، وأن تأخذي ملامح تلك المدينة أيضاً. وإذا بي كمجنون أجلس كلّ ليلة لأكتب لك رسائل كانت تولد من دهشتي وشوقي وغيرتي عليك. كنت أقصّ لك فيها تفاصيل يومي وانطباعاتي في مدينة تشبهك حد الدهشة.

كتبت لك مرة:

"أريد أن أحبك هنا. في بيتٍ كجسدك، مرسوم على طراز أندلسي.

أريد أن أهرب بك من المدن المعلّبة، وأُسكن حبّك بيتاً يشبهك في تعاريج أنوثتك العربية.

بيتاً تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستداراته ذاكرتي الأولى. تظلّل حديقة شجرة ليمون كبيرة، كتلك التي يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالأندلس.

أريد أن أجلس إلى جوارك، كما أجلس هنا على حافة بركة ماء تسبح فيها سمكات حمراء، وأتأملك مدهوشاً.

أستنشق جسدك، كما أستنشق رائحة الليمون البلدي الأخضر قبل أن ينضج.

أيتها الفاكهة المحرّمة.. أمام كلّ شجرة أمرّ بها، أشتهيك.."

كم من الرسائل كتبت لك.. هل يمكن لكاتبة أن تقاوم الكلمات؟ كنت أريد أن أطوقك بالحروف، أن أستعيدك بها، أن أدخل معكما حلقة الكلمات المغلقة في وجهي بتهمة الرسم فقط، فرحت أخترع من أجلك رسائل لم تكتب قبلك لامرأة. رسائل انفجرت في ذهني فجأة بعد خمسين سنة من الصمت.

تراني بدأت يومها أكتب كتابي هذا دون أن أدري، بعد أن انتقل عشقي لك إلى هذه اللغة التي كنت أكتب بها رسائل لأول مرة. قبلك كتبت لنساء عبرن حياتي أيام الشباب والمراهقة.

لم أكن أجهد نفسي آنذاك في البحث عن الكلمات.

كانت اللغة الفرنسية تستدرجني تلقائياً بحريتها للقول دون عقد.. ولا خجل.

معك رحت أكتشف العربية من جديد. أتعلم التحايل على هيبتها، أستسلم لإغرائها السري، لإيحاءاتها.

رحت أنحاز للحروف التي تشبهك.. لتاء الأنوثة.. لحاء الحرقة.. لهاء النشوة.. لألف الكبرياء.. للنقاط المبعثرة على جسدها خال أسمر..

هل اللغة أنثى أيضاً؟ امرأة ننحاز إليها دون غيرها، نتعلم البكاء والضحك.. والحب على طريقتها. وعندما تهجرنا نشعر بالبرد وباليتم دونها؟

تراك قرأت تلك الرسائل؟. هل شعرت بعقدة يتمي وخوفي من مواسم الصقيع؟

أأدهشتك أم تراها جاءت في غير وقتها؟

كان لا بد أن أكتبها لك قبل أن يتسلل زياد إليك من كل المسام، ويصبح لغتك.

فهل تفيد رسائل الحب عندما تأتي متأخرة عن الحب؟

ألم يحب سلفادور دالي وبول إيلوار المرأة نفسها؟

وعبثاً راح بول إيلوار يكتب لها أجمل الرسائل.. وأروع الأشعار.. ليستعيدها من دالي الذي خطفها منه. ولكنها فضّلت جنون دالي المجهول آنذاك.. على قوافي بول إيلوار. وظلّت حتى موتها منحازة لريشة دالي فقط الذي تزوجها أكثر من مرة بأكثر من طقس، ولم يرسم امرأة غيرها طوال حياته.

الواقع أن الحب لا يكرر نفسه كل مرة، وأن الرسامين لا يهزمون الشعراء دائماً.. حتى عندما يحاولون التنكّر في ثياب الكلمات.

***

عندما عدت بعد ذلك إلى باريس، كان في الحلق غصّة لازمتني طوال تلك الأيام، وأفسدت عليّ متعة نجاح ذلك المعرض. واللقاءات الجميلة أو المفيدة التي تمّت لي أثناءه.

كان هناك شيء داخلي ينزف دون توقّف. عاطفة جديدة للغيرة والحقد الغامض الذي لا يفارقني ويذكّرني كلّ لحظة أن شيئاً ما يحدث هناك.

استقبلني زياد بشوق. (أكان حقاً سعيداً بعودتي؟). أمدّني بالبريد الذي وصل أثناء غيابي وبورقة سجّل عليها أسماء الذين طلبوني هاتفياً خلال تلك الأيام.

أمسكتها دون أن ألقي عليها نظرة. كنت أدري أنني لن أجد اسمك فيها.

ثم راح يسألني عن المعرض.. عن سفرتي وأخباري العامة، ويحدثني عن آخر التطورات السياسية بشيء من القلق، الذي فسّرته بارتباكه لحظتها أمامي لسبب أو لآخر.

كنت أستمع إليه وأنا أتفقد بحواسي ذلك البيت كما في خرافة الغول الذي كان كلما عاد إلى بيته، راح يتشمّم الأجواء بحثاً عن إنسان قد يكون تسلّل إلى مغارته أثناء غيابه..

كنت أشعر أنك مررت بهذا البيت. إحساس غامض كان يؤكد لي ذلك، دون أن أجد في الواقع حجة تثبت لي شكوكي.

ولكن هل تهم الحجّّة؟.. هل يعقل أن تمر عشرة أيام دون أن تلتقيا.. وأين يمكن أن تلتقيا في مكان غير هذا؟ وإذا التقيتما هل ستكتفيان بالحديث؟

كنتِ منجماً للكبريت.. وكان زياد عاشقاً مجوسياً يعبد اللّهب!

فهل كان يمكن أن يصمد طويلاً في وجه نيرانك.. أنت المرأة التي يحلم الرجال أن يحترقوا بها ولو وهماً؟

رحت أبحث في ملامح زياد عن فرحٍ ما، عن سعادةٍ ما أجد فيها الحجة القاطعة على أنك كنت له.

ولكن لم يبدُ على وجهه أي شعور خاص، غير القلق.

فجأة حدثني عنك قال:

- لقد طلبت منها أن تأتي غداً لنتناول معاً غداءنا الأخير..

صحت بشيء من الدهشة:

- لماذا الأخير؟

قال:

- لأنني سأسافر الأحد..

- ولماذا الأحد؟

قلتها وأنا أشعر بشيء من الحزن والفرح معاً.

أجاب زياد:

- لأنني يجب أن أعود.. كنت أنتظر فقط عودتك لأسافر. لم يكن مقرراً أن أبقى هنا أكثر من أسبوعين. لقد قضيت شهراً كاملاً ولا بدّ أن أعود..

ثم أضاف بشيء من السخرية:

- قبل أن أتعود على الحياة الباريسية.

تراك أنتِ الحياة الباريسية التي كان يخاف أن يتعود عليها؟ تراه كان يهرب مرة أخرى من حبٍ آخر أم أن مهمته قد انتهت أخيراً فلم يعد أمامه غير الرحيل؟

مر يوم السبت وسط مشاغل عودتي، وانشغال زياد بترتيب تفاصيل سفره.

حاولت أن أتحاشى الجلوس إليه ذلك المساء. ولكن كان يوم الأحد يتربص بنا ويضعنا أخيراً وجهاً لوجه نحن الثلاثة في ذلك الغداء الحاسم.

يومها قابلتني بحرارة لم أتوقعها. فسّرتها على طريقتي بأنها شعور بالذنب، (أو ربما بالامتنان). ألم أقدم لك حباً على طبق من شعر على طاولة هي.. بيتي؟!

ثم شكرتني على رسائلي، وأبديت إعجابك بأسلوبي.. وكأنك أستاذة قدم لها تلميذ نصّاً إنشائياً.

أزعجني شكرك العلني، وشعرت أنك حدّثت زياد عنها وربما أريته إياها أيضاً.

كنت على وشك أن أقول شيئاً عندما واصلت:

- تمنيت لو كنت معك هناك.. هل غرناطة جميلة حقاً إلى هذا الحد؟ وهل زرت حقاً بيت غارسيا لوركا في (خوانتا فاكيروس).. أليس هذا اسم ضيعته كما قلت؟ حدّثني عنه..

وجدت في طريقتك في بدء الحديث معي من الهوامش، شيئاً مثيراً للدهشة، وربما للتفكير أيضاً.

أهذا كل ما وجدت قوله بعد كل الزوابع التي مرّت بنا، وبعد عشرة أيام من الجحيم الذي عشته وحدي؟

لا أدري كيف خطر عندئذٍ في ذهني شهد لفيلم شاهدته يوماً عن حياة لوركا..

قلت لك:

- أتدرين كيف مات لوركا؟

قلتِ:

-بالإعدام..

قلت:

- لا.. وضعوه أمام سهل شاسع وقالوا له امشِ.. وكان يمشي عندما أطلقوا خلفه الرصاص، فسقط ميتاً دون أن يفهم تماماً ما الذي حدث له.

إنه أحزن ما في موته. فلم يكن لوركا يخاف الموت، كان يتوقّعه، ويذهب إليه مشياً على الأقدام كما نذهب لموعدٍ مع صديق.. ولكن كان يكره فقط أن تأتيه الرصاصة من الظهر!

شعرت آنذاك أن زياد تلقي كلماتي كرصاصة في الصدر. رفع عينيه نحوي، أحسسته على وشك أن يقول شيئاً ولكنه صمت.

كنا نفهم بعضنا دون كثير من الكلام.

ندمت بعدها على إيلامي المتعمد له. فقد كان إيلامه يعزّ عليّ أكثر من ألمك. ولكن كان هذا أقل ما يمكن أن أقوله له بعد كل ما عشته من عذاب بسببه.

وربما كان أكثره أيضاً.

تحول غداؤنا فجأة إلى وجبة صمت مربك تتخلله أحيانا أحاديث مفتعلة، كنتِ تخترعينها أنتِ بفطرةٍ نسائية لترطيب الجو.. وربما للمراوغة. ولكن عبثاً.

كان هناك شيء من البلّور قد انكسر بيننا. ولم يعد هناك من أمل لترميمه.

سألتكِ بعدها:

- هل ستأتين معي لنرافق زياد إلى المطار؟

أجبتِ:

-لا.. لا يمكن أن أذهب إلى المطار.. قد ألتقي بعمي هناك، إذ أنه يحدث أن يمر بمكتب الخطوط الجوية الجزائرية. ثم إنني أكره المطارات.. وأكره مراسيم الوداع. الذين نحبهم لا نودعهم، لأننا في الحقيقة لا نفارقهم. لقد خلق الوداع للغرباء.. وليس للأحبة.

كانت تلك إحدى طلعاتك العجيبة المدهشة كقولك السابق مثلاً "نحن لا نكتب إهداءً سوى للغرباء وأما الذين نحبهم فهم جزء من الكتاب وليسوا في حاجة إلى توقيع في الصفحة الأولى.."

ولماذا الوداع؟

هل هناك من ضرورة لوداع آخر؟

كنت أراك طوال وجبة الغداء تلتهمينه بنظراتك ولا تأكلين شياً سواه.

كانت عيناك تودّعان جسده قطعة قطعة. تتوقّفان طويلاً عند كلّ شيء فيه، وكأنك تختزنين منه صوراً عدة.. لزمن لن يبقى لك فيه سوى الصور.

وكان هو يتحاشى نظراتك، ربما مراعاة لي، أو لأن كلماتي الموجعة أفقدته رغبة الحب.. ورغبة الأكل كذلك. وجعلته يحوّل نظراته الحزينة إلى أعماقه وإلى ما بعد السفر.

وكنت أنا لا أقل حزناً عنكما، ولكن حزني كان فريداً وفرديّاً كخيبتي. متشعّب الأسباب غامضاً كموقفي من قصّتكما العجيبة.

وربما زاده رفضك مرافقتي إلى المطار توتراً. فقد كنت أطمع في عودتك معي على انفراد لأخلو أخيراً بك. لأفهم منك دون كثير من الأسئلة، إلى أيّ مدى كنت قادرة على محو تلك الأيام من ذاكرتك، والعودة إليّ دون جروح أو خدوش..

كنت أدري أن قلبك قد أصبح منحازاً إليه. وربما جسدك أيضاً. ولكنني كنت أثق بمنطق الأيام. وأعتقد أنك في النهاية ستعودين إليّ، لأنه لن يكون هناك سواي.. ولأنني ذاكرتك الأولى.. وحنينك الأول لأبوة كنت أنا نسخة أخرى عنها.

فرحت أراهن على المنطق وأنتظرك.

رحل زياد..

ورحت أستعيد تدريجياً بيتي وعاداتي الأولى قبله.

كنت سعيداً ولكن بمرارة غامضة. فقد كنت تعوّدت على وجوده معي، وكنت أشعر بشيء من الوحدة المفاجئة وهو يتركني وحدي لموسم الشتاء؛ لتلك الأيام الرمادية، والسهرات الطويلة المدهشة.

رحل زياد.. وفرغ البيت منه فجأة كما امتلأ به.

لم يبق سوى تلك الحقيبة التي قد تشهد على مروره من هنا، والتي تركها أسفل الخزانة بعدما جمع فيها أوراقه وأشياءه، والتي رأيت في بقائها عندي مشروع عودة محتملة، قد تكونين أنت أحد أسبابها.

ولكن لابد أن أعترف أن سعادتي كانت تفوق حزني، وأنني كنت أشعر أنني أستعيدك وأنا أستعيد ذلك البيت الفارغ منه.

كنت أشعر أن هذا البيت سيمتلئ أخيراً بحضورك بطريقة أو بأخرى، وأنني سأخلو فيه بك وأنا أخلو لنفسي.

سأعيدك إليه تدريجياً. ألم تعترفي مراراً أنك تحبينه.. تحبين طريقة ترتيبه.. تحبين ضوءه.. منظر نهر السين الذي يطلّ عليه؟

أن ترى كنت تحبين فقط زياد، وحضوره الذي كان يؤثث كل شيء.. ويجعل الأشياء أحلى!

في البدء.. كنت أتوقع هاتفك. كنت أتمسك به، أستنجد به، ولكن صوتك كان ينسحب أيضاً تدريجياً أمام دهشتي.

كان هاتفك يأتي مرة كل أسبوع، ثم كلّ أسبوعين، ثم نادراً، قبل أن ينقطع نهائياً.

كان يأتي شحيحاً كقطرات الدواء. وكنت أشعر أحياناً أنك تطلبينني مجاملة فقط، أو عن ضجر، أو ربما بنية غير معلنة لمعرفة أخبار زياد.

وكنت أنا أثناء ذلك، أتساءل "تراه كان يكتب إليك مباشرة بعنوان البيت، ولهذا لم تكوني في حاجة إلى أن تسأليني مرة عن أخباره؟

أم أنه كعادته أخبرك مسبقاً أنه لن يكتب إليك، وأن عليك مثله أن تتعلمي النسيان. فرحت تطبّقين تلك العقوبة عليّ أيضاً!.

كان زياد يكره أنصاف الحلول في كل شيء.

كان متطرفاً كأي رجل يحمل بندقية. ولذا كان يكره أيضاً ما كان يسمّيه سابقاً "أنصاف الملذات" أو "أنصاف العقوبات"!

كان رجل الاختيارات الحاسمة. فإما أن يحب ويتخلى عندئذٍ عن كل شيء ليبقى مع من يحب، أو يرحل لأن الذي ينتظره هناك أهم. وعندها لن يكون من مبرر لتعذيب النفس بالأشواق والذكرى.

تساءلت طويلاً بعد ذلك، ماذا عساه اختار؟

تراه تصرّف هذه المرة أيضاً كما تصرف منذ سنوات في الجزائر مع تلك الفتاة التي كان على وشك الزواج منها..

أم أنه تغيّر هذه المرة، ربما بحكم العمر.. وربما فقط لأنك أنت، ولأن الذي حدث بينكما لم يكن قصة عادية تحدث بين شخصين عاديين.

كنت أحاول أحياناً استدراجك للحديث عنه، عساني أصل إلى نتيجة تساعدني على تحديد القواعد الجديدة للعبة.. والتأقلم معها.

وكنت تراوغينني كعادتك. كان من الواضح أنك تحبّين أن أحدثك عنه، ولكن دون أن تبوحي لي بشيء.

كنت تناقضين نفسك كل لحظة. تمزجين بين الجد والمزاح، وبين الحقيقة والكذب، في محاولة للهروب من شيء ما..

كان كلامك كذباً أبيض أستمع إليه بفرشاتي، وألوّن جمله بألوان أكثر تناسباً مع كل ما أعرفه عنك.

تعودت أن أكسو ما تقولينه لي بالبنفسجي، بالأزرق.. والرمادي، بالقلق الذي يخيم على كل ما تقولينه.

تعودت أن أجمع حصيلة ما قلته لي، وأصنع منها حواراً لرسوم متتالية على ورق، أضع عليها أنا التعليقات المناسبة لحوار آخر وكلام لم نقله.

لعلني وقتها بدأت أكتشف تدريجياً تلك العلاقة الغامضة التي بدأت تربطك في ذاكرتي بذلك اللون الأبيض.

لم يكن كلامك وحده كذباً أبيض.

كنت امرأة تملك قدرة خارقة على استحضار ذلك اللون في كل أشكاله وأضداده. أو لعلني وقتها أيضاً بدأت دون أن أدري وبحدس غامض أخرج هذا اللون نهائياً من ألوان لوحاتي، وأحاول الاستغناء عنه، في محاولة مجنونة لإلغائك.

كان لوناً متواطئاً معك. منذ ذلك اليوم الذي رأيتك فيه طفلة تحبو بينما أثوابها الطفولية البيضاء تجفّ فوق خشبات منصوبة فوق كانون. غمزة مسبقة للقدر الذي كان يُهيّأ لي معك على نارٍ باردة، أكثر من ثوب أبيض.

كان الأبيض لوناً مثلك يدخل في تركيب كلّ الألوان وكل الأشياء. فكم من الأشياء يجب أن أدمّر قبل أن أنتهي منه! وكم من اللوحات سألغي إن أنا قاطعته!

كنت أحاول بكل الأشكال (والألوان.. ) أن أنتهي منك. ولكني كنت في الحقيقة أزداد تورّطاً في حبك.

اعترفت لك مرة على الهاتف.. في لحظة يأس:

أتدرين.. حبك صحراء من الرمال المتحركة، لم أعد أدري أين أقف فيها..

أجبتني بسخريتكِ الموجعة:

- قف حيث أنت.. المهم ألا تتحرك. فكل محاولة للخلاص في هذه الحالات، ستجعل الرمال تسحبك أكثر نحو العمق. إنها النصيحة التي يوجهها أهل الصحراء لكل من يقع في بالوعة الرمال المتحركة.. كيف لا تعرف هذا؟!

يومها كان لا بد أن أحزن.. ولكنني ضحكت. ربما لأنني أحب سخريتك الذكية حتى عندما تكون موجعة، فنحن قلما نلتقي بامرأة تعذّبنا بذكاء.

وربما لأنك كنتِ تزفّين لي احتمال موت كنت أراه جميلاً بقدر ما هو حتمي..

تذكّرت مثلاً شعبياً رائعاً، لم أكن قد تنبّهت له من قبل" "الطير الحر ما ينحكمش، وإذا انحكم.. ما يتخبّطش!".

وكنت أشعر آنذاك أنني ذلك الطائر المكابر الذي ينتسب إلى سلالة الصقور والنسور التي لا يسهل اصطيادها، والتي عندما تُصطاد، تصبح شهامتها في أن تستسلم بكبرياء، دون أن تقاوم أو تتخبّط كما يفعل طائر صغير وقع في فخّ.

عندما أجبتك يومها بذلك المثل الشعبي، صحتِ دهشة:

- ما أجمله.. لم أكن أعرفه!

أجبتك وسط تنهيدة:

- لأنك لم تعرفي الرجال.. ليس هذا زمناً للصقور ولا للنسور.. إنه زمن للطيور المدجّنة التي تنتظر في الحدائق العمومية!

ست سنوات مرّت على ذلك الحديث. وها أنا أذكره اليوم مصادفة، وأستعيد نصيحتك الأخيرة:

"قف حيث أنت.. المهم ألا تتحرك!".

كيف صدّقت يومها أنك كنت تخافين عليّ من العواصف والزوابع.. والرمال المتحركة. أنت التي أوقفتني هنا في مهب الجرح عدة سنوات، ورحت تنفخين حولي العواصف وتحركين أمواج الرمال تحت قدميّ.. وتحرّضين القدر عليّ.

لم أتحرك أنا..

ظللت واقفاً بحماقة عند عتبات قلبك لسنوات عدة.

كنت اجهل أنك تبتلعينني بصمت، أنك تسحبين الأرض من تحت قدمي وأنني أنزلق نحو العمق.

كنت أجهل أن زوابعك ستعود كل مرة، وحتى بعد غيابك بسنوات لتغتالني.

واليوم.. وسط الأعاصير المتأخرة يأتي كتابك ليثير داخلي زوبعة من الأحاسيس المتطرّفة والمتناقضة معاً.

"منعطف النسيان" قلتِ..

من أين يأتي النسيان..أسألك؟

مازلت أذكر ذلك اليوم من فبراير، عندما جاء صوت سي الشريف على الهاتف، ليدعوني إلى العشاء في منزله.

فوجئت بدعوته، ولم أسأله حتى عن مناسبتها. فهمت منه فقط أنه دعا آخرين للعشاء، وأننا لن نكون بمفردنا.

أعترف أنني كنت سعيداً ومرتبكاً بفرحي.

خجلت من نفسي لأنني منذ لقائنا الأخير لم أطلبه سوى مرة واحدة بمناسبة العيد، برغم إلحاحه عليّ أن أزوره ولو مرة في المكتب، لنأخذ قهوة معاً.

فجأة، أخذت قراراً ربما كان أحمق.

قررت أن آخذ إحدى لوحاتي لأهديها إياه.

ألم يهدني اليوم تلك الفرحة التي لم أعد أتوقعها؟

سأثبت له دون كلام، أن لوحاتي لا تتداول إلا بعملة القلب وليس بالعملات المشبوهة.

بعد ذلك وجدت لهذه الفكرة حسنة أخرى.

سأكون حاضراً في ذلك البيت الذي تسكنينه ولو معلّقاً على جدار.

في اليوم التالي، حملت لوحتي وذهبت إلى ذلك العشاء.

كان القلب يركض بي، يسبقني في ذلك الحي الراقي بحثاً عن تلك البناية. حتى أنني لم أعد أذكر من اهتدى إلى بيتك أولاً: عيناي.. أم قلبي.

عندما دخلتها شعرت أن عطرك كان يتربص بي عند المدخل..وفي المصعد.. وأنك كنت هنا تقودين وجهتي بعطرك فقط.

استقبلني سي الشريف عند الباب. رحبّ بي بعناق حار، زادت حرارته رؤية تلك اللوحة الكبيرة التي كنت أحملها بصعوبة.

بدا لي في تلك اللحظة أنه لم يصدق تماماً أن تكون هدية له. تردد قبل أن يأخذها مني، لكنني استوقفته لأقول له: "هذه لوحة مني.. إنها هدية لك.."

رأيت فجأة على وجهه فرحاً وغبطة نادرة. وراح ينزع عنها الغلاف على عجل، بفضول من ربح شيئاً في اليانصيب.

ثم صاح وهو يرى منظر تلك القنطرة معلّقة وسط الضباب إلى السماء:

- هذي قنطرة الجبال!

وقبل أن أقول شيئاً عانقني وقال وهو يربت على كتفي:

- يعطيك الصحة.. تعيش آ حبيبي.. تعيش!

لم أتمالك نفسي من تقبيله بالحرارة نفسها، لأنه أهداني شيئاً ربما لم ينتبه لثمنه عندي.

رافقني سي الشريف إلى الصالون وهو يمسك ذراعي بيد، ويمسك لوحتي باليد الأخرى. واتجه بي نحو ذلك المجلس ليقدّمني إلى ضيوفه، كأنه يريد أن يشهد الجميع على امتنانه لي. أو ربما على علاقتنا وصداقتنا الوطيدة، التي كان شائعاً عني أنني لا أجود بها في هذا الزمن المبتذل.. إلا على القلّة.

لفظ أمامي عدة أسماء لعدة وجوه، صافحت أصحابها وأنا أتساءل من يكون معظمهم.

لم أكن أعرف منهم غير واحد أو اثنين، وأما البقية فكانوا ما أسمّيه النبتات الطفيلية.. أو "النبتات السيئة". كما يسمي الفرنسيون تلك النبتة التي تنمو من اللاشيء، في أي حوض أو أية تربة، وإذا بها تمد جذورها فجأة وتضاعف أوراقها وفروعها، حتى تطغى وحدها ذات يوم على كل التربة.

لا أدري لماذا كنت دائماً أملك الحاسة القوية التي تجعلني أتعرّف على هذا النوع من المخلوقات أينما كانوا. فهم على اختلاف أشكالهم وهيآتهم ومناصبهم يمتلكون مظهراً مشتركاً يفضحهم، بذلك الزيف والرياء المفرط وبمظاهر الغنى والوجاهة الحديثة التي لبسوها على عجل.. وبذلك القاموس المشترك في الحديث الذي يوهمك أنهم أهم مما تتوقع.

نظرة خاطفة واحدة، وبعض الجمل المتبادلة فقط، كانت كافية لأستنتج نوعية ذلك المجلس "الراقي" الذي يضم نخبة من وجهاء المهجر، الذين يحترفون الشعارات العلنية.. والصفقات السرية.

من الواضح أنني كنت في كوكب ليس كوكبي..

راح سي الشريف يطلع ضيوفه على تلك اللوحة بشيء من الفخر والمودة معاً..

والتفت إليّ ليقول لي:

_ أتدري خالد.. لقد حققت لي اليوم أمنية عزيزة عليّ. كنت للذكرى أريد أن يكون في بيتي شيء لك. لا تنس أنك صديق طفولتي وابن حيّي "كوشة الزيات".. أتذكر ذلك الحيّ؟

كنت أحب سي الشريف. كان فيه شي من هيبة قسنطينة وحضورها، شيء من الجزائر العريقة وذاكرتها، شيء من سي الطاهر، من صوته وطلّته..

وكان في أعماقه شيء نقيّ لم يلوّث بعد برغم كل شيء. ولكن حتى متى..

كنت أشعر أنه محاط بالذباب وبقذارة المرحلة. وكنت أخاف أن يتسلل إليه العفن حتى العمق ذات يوم.

أخاف عليه، وقد أخاف على ذلك الاسم الكبير الذي يحمله إرثاً من سي الطاهر من التدنيس.

ترى أكان شعوري ذلك حدساً، أم استنتاجاً منطقياً لذلك الواقع الموجع الذي كنت أراه محاطاً به؟

فهل سينجو سي الشريف من هذه العدوى؟ وماذا عساه أن يختار؟ في أية بحيرة سيسبح.. مع أي تيار وضد أي تيار.. ولا حياة للأسماك الصغيرة المعزولة في هذه المياه العكرة التي تحكمها أسماك القرش؟

كان الجواب أمامي ولم أنتبه في تلك السهرة، أنّ سي الشريف قد اختار بحيرته العكرة وانتهى الأمر.

قال جاري الأنيق خلف سيجاره الكوبي:

- لقد كنت دائماً معجباً برسومك.. وطلبت أن يتصلوا بك لتساهم في بعض مشاريعنا.. ولكنني لا أذكر أنني شاهدت لك أي لوحات عندنا.

لم أكن أدري آنذاك من هو محدثي.. ولا عن أية مشاريع كان يحدثني. ولكن كان يكفي أن يتحدث عن نفسه بصيغة الجمع، لأفهم أنه شخصية فوق العادة.

وكأن سي الشريف تنبّه إلى أنني أجهل هوية محدّثي فتدخل موضحاً:

- إن (سي..) مولع بالفن، وهو مشرف على مشاريع كبرى ستغيّر الوجه الثقافي للجزائر.

ثم أضاف وكأنه تنبّه إلى شيء:

- .. ولكنك لم تزر الجزائر منذ عدة سنوات.. صحيح أنك لم ترَ بعد تلك المركّبات الثقافية والتجارية الجديدة.. لا بد أن تتعرف عليها..

ولم أجبه..

كنت أراه يتدحرج أمامي من سلّم القيم، غباءً أو تواطؤاً لا أدري. فاحتفظت لنفسي بما سمعته عن تلك.. "المنشآت" وكل ما جاورها من معالم وطنية بُنيت حجراًً حجراً على العمولات والصفقات، وتناوب عليها السرّاق كباراً وصغاراً.. على مرأى من الشهداء الذين شاء لهم حظهم أن يكون مقامهم مقابلاً.. لتلك الخيانة.

ها هو إذن (سي...) يبدو طيباً و رجلاً شبه بسيط، لولا بدلته الأنيقة جداً.. وحديثه الذي لا يتوقف عن مشاريعه القريبة والبعيدة، التي تمر جميعها بباريس وبأسماء أجنبية مشبوهة، تبدو مخجلة في فم ضابط سابق.

ها هو إذن.. تراه ظاهرة ثقافية في عالم العسكر.. أم ظاهرة عسكرية في عالم الثقافة..

أم أن "الزواج المنافي للطبيعة" أصبح رمزاً طبيعياً مذ شاع وباؤه "رسمياً" في أكثر من قيادة أركان عربية!

كان الجميع يتملقونه، ويجاملونه، عساهم يلحسون شيئاً من ذلك العسل الذي كان يتدفق بين يديه نهراً من العملة الصعبة، في زمن القحط والجفاف..

وكنت أتساءل طوال تلك السهرة، ماذا كنت أفعل وسط ذلك المجلس العجيب؟

كنت أتوقع أن تكون تلك الدعوة، أو على الأقل موعداً نادراً لي مع الوطن، أستعيد فيه مع سي الشريف ذكرياتنا البعيدة.

ولكن الوطن كان غائباً من تلك السهرة. ناب عنه جرحه، ووجهه الجديد المشوه.

كانت سهرة في فرنسا.. نتحدث فيها بالفرنسية.. عن مشاريع سيتم معظمها عن طريق جهات أجنبية.. بتمويل من الجزائر.. فهل حصلنا على استقلالنا حقاً؟!

انتهت تلك السهرة في حدود منتصف الليل. فقط كان (سي...) متعباً وله ارتباطات ومواعيد صباحية.. وربما ليلية أيضاً.

إن المال السريع الكسب، يعجّل في فتح شهيتنا لأكثر من ملذّات.

وكان يمكن أن أكون سعيداً ذلك المساء. لقد كنت في الواقع محطّ اهتمام الجميع لأسباب لم أشأ التعمق فيها..

بل ربما كنت النجم الثاني في تلك السهرة مع (سي...) الذي فهمت أن الدعوة كانت على شرفه، وأنني دعيت لها، لأنه كان يحب أن يكون محاطاً في سهراته بالفنانين دليلاً على ولعه بالإبداع.. وذوقه غير العسكري!

والواقع أنه كان لطيفاً ومجاملاً.. وأنه حدثني يومها عن آرائه الفنية في مجالات مختلفة، وحبه لبعض الرسامين الجزائريين بالذات. بل وقال مازحاً، إنه يحسد سي الشريف على تلك اللوحة، وأنني إذا كنت آخذ معي لوحة حيث أذهب، فسيدعوني إلى بيته عند زيارتي للجزائر..

ضحكت من مزاحه.

ولكنني كنت حزيناً بما فيه الكفاية بعد ذلك لأكون على حافة البكاء، وأنا أنفرد بنفسي ذلك المساء في سريري، وأتساءل أي حماقة أوصلتني إلى ذلك البيت؟

بيت كنت أتوقعه بيتك، وإذا بي أدخله وأغادره دون أن ألمح حتى طرف ثوبك، وهو يعبر ذلك الممر الذي كان يفصلني.. عن عالمك.

في صباح اليوم التالي، دقّ الهاتف. توقعتك أنت، وكانت كاترين.. قالت:

- قبلات صباحية.. وأجمل الأماني لك..

وقبل أن أسأل عن المناسبة أضافت:

- .. اليوم عيد (السان فالنتان) القديس الذي يبارك العشاق.

فكّرت أن أطلبك بدل أن أبعث إليك بطاقة.. ماذا تريد أن أتمنى لك في عيد الحب؟

وأمام دهشتي.. أو تردّدي أضافت بلهجة ساخرة أحبها:

- اطلب أيها الأحمق.. فالدعوات تستجاب اليوم!

ضحكت..

كدت أقول لها أطلب شيئاً من النسيان فقط. ولكنني قلت شيئاً مشابهاً لذلك:

- أريد أن أحال إلى التقاعد العاطفي.. أيمكنك أن تبلّغي قديسك طلبي هذا!

قالت:

- با لك من مجنون.. أتمنى ألا يسمعك فيحرمك من بركاته إلى الأبد.. هل أتعبك موعدنا الأخير إلى هذا الحد؟

يومها ضحكت مع كاترين. ثم وضعت تلك السماعة لأبكي معك.

كنت أكتشف لأول مرة ألم ذلك العيد الذي لم أكن سمعت به من قبل.

لم يأت هاتفك حتى ليشكرني على تلك اللوحة، أو حتى على تلك الزيارة، وذلك الموعد المتعمد الذي حضرته وتغيّبت عنه.

جاء عيد الحب إذن..

فيا عيدي وفجيعتي، وحبي وكراهيتي، ونسياني وذاكرتي، كلّ عيد وأنت كلّ هذا..

للحب عيد إذن.. يحتفل به المحبّون والعشّاق، ويتبادلون فيه البطاقات والأشواق، فأين عيد النسيان سيّدتي؟

هم الذين أعدّوا لنا مسبقاً تقويماً بأعياد السنة، في بلد يحتفل كلّ يوم بقديس جديد على مدار السنة.. أليس بين قدّيسيهم الثلاثمائة والخمسة والستين.. قديس واحد يصلح للنسيان؟

مادام الفراق هو الوجه الآخر للحب، والخيبة هي الوجه الآخر للعشق، لماذا لا يكون هناك عيد للنسيان يضرب فيه سُعاة البريد عن العمل، وتتوقف فيه الخطوط الهاتفية، وتُمنع فيه الإذاعات من بثّ الأغاني العاطفية.. ونكفّ فيه عن كتابة شعر الحب!

منذ قرنين كتب "فيكتور هوغو" لحبيبته جوليات دروي يقول: "كم هو الحب عقيم، إنه لا يكف عن تكرار كلمة واحدة "أحبك" وكم هو خصب لا ينضب: هنالك ألف طريقة يمكنه أن يقول بها الكلمة نفسها"..

دعيني أدهشك في عيد الحب.. وأجرّب معك ألف طريقة لقول الكلمة الواحدة نفسها في الحب..

دعيني أسلك إليك الطرق المتشعّبة الألف، وأعشقك بالعواطف المتناقضة الألف، وأنساك وأذكرك، بتطرّف النسيان والذاكرة.

وأخضع لك وأتبرأ منك، بتطرّف الحرية والعبودية.. بتناقض العشق والكراهية.

دعيني في عيد الحب.. أكرهك.. بشيء من الحبّ.

تراني بدأت أكرهك يومها؟

ومتى ولدت داخلي تلك العاطفة بالتحديد، وراحت تنمو بسرعة مدهشة، وأصبحت تجاور الحب بعنفه؟

ترى إثر خيباتي المتكررة معك، بعد كل تلك الأعياد التي أخلفتها مروراً بذكرى لقائنا، أم بسبب ذلك التوتر الغامض الذي كان يسكنني، ذلك الجوع الدائم إليك، الذي كان يجعلني لا أشتهي امرأة سواك.

كنت أريدك أنت لا غير، وعبثاً كنت أتحايل على جسدي. عبثاً كنت أقدّم له امرأة أخرى غيرك. كنتِ شهوته الفريدة.. ومطلبه الوحيد.

الأكثر إيلاماً ربما، عندما كنت في لحظة حبّ أمرر يدي على شعر كاترين. وإذا بيدي تصطدم بشعيراتها القصيرة الشقراء، فأفقد فجأة شهيّة حبّي وأنا أتذكر شعرك الغجري الطويل الحالك، الذي كان يمكن أن يفرش بمفرده سريري.

كان نحولها يذكّرني بامتلائك، وخطوط جسدها المستقيمة المسطّحة تذكرني بتعاريجك وتضاريس جسدك.

وكان عطرك يأتي بغيابه حتى حواسي ليلغي عطرها، ويذكّرني كطفلٍ يتصرف بحواسه الأولى، أن ذلك العطر لم يكن العطر السري لأمي!

كنت تتسللين إلى جسدي كلّ صباح وتطردينها من سريري.

يوقظني ألمك السري، وشهوتك المتراكمة في الجسد قنبلة موقوتة، ورغبة ليلية مؤجّلة يوماً بعد آخر.

هل تستيقظ الرجولة باكراً حقاً، أم الشوق هو الذي لا ينام؟

أجيبيني أيتها الأنثى التي تنام ملء جفونها كل ليلة..

أَوَحدهم الرجال لا ينامون؟

ولماذا يرتبك الجسد، وأكاد أجهش على صدر غيرك بالبكاء، أكاد أعترف لها أنني عاشق امرأة أخرى، وأنني عاجز أمامها لأن رجولتي لم تعد ملكي، وإنما تتلقى أوامرها منك فقط!

متى بدأت أكرهك!

ترى في ذلك اليوم الذي لبست فيه كاترين ثيابها، مدّعية بمجاملة كاذبة موعداً ما لتتركني وحدي في ذلك السرير الذي لم يعد يشبع نهمها.

يوم اكتشفت وأنا أذرف دمعة رجالية مكابرة: أنه يحدث للرجولة أيضاً أن تنكّس أعلامها، وترفض حتى لعبة المجاملة.. أو منطق الكبرياء الرجالي.. وأننا في النهاية لسنا أسياد أجسادنا كما نعتقد.

يومها تساءلت بشيء من السخرية المرة، إن كان ذلك القديس (السان فالنتان) قد استجاب لدعوتي بهذه السرعة.. وحوّلني حقاً إلى عاشق متقاعد!

أذكر أنني لعنتك.. وحقدت عليك آنذاك، وشعرت بشيء من المرارة المجاورة للبكاء.. أنا الذي لم أبك حتى يوم بترت ذراعي، كان يمكن أن أبكي يومها وأنت تسرقين منّي آخر ما أملك.

تسرقين رجولتي!

ذات يوم سألتك "هل تحبينني؟..".

قلتِ:

- لا أدري.. حبك يزيد وينقص كالإيمان!

يمكن أن أقول اليوم، إن حقدي عليك كان يزيد وينقص أيضاً كإيمانك..

يومها أضفت بسذاجة عاشق:

- وهل أنتِ مؤمنة؟

صحتِ:

- طبعاً.. أنا أمارس كل شعائر الإسلام.. وفرائضه

- وهل تصومين؟

- طبعاً أصوم.. إنها طريقتي في تحدّي هذه المدينة.. في التواصل مع الوطن.. ومع الذاكرة.

تعجّبت لكلامك. لا أدري لماذا لم أكن أتوقّعك هكذا. كان في مظهرك شيء ما يوهم بتحررك من كل الرواسب.

عندما أبديت لك دهشتي قلتِ:

- كيف تسمّي الدين رواسب، إنه قناعة؛ وهو ككل قناعاتنا قضية لا تخصّ سوانا..

لا تصدق المظاهر أبداً في هذه القضايا. الإيمان كالحب عاطفة سرية نعيشها وحدنا في خلوتنا الدائمة إلى أنفسنا. إنها طمأنينتنا السرية، درعنا السرية.. وهروبنا السري إلى العمق لتجديد بطرياتنا عند الحاجة.

أما الذين يبدو عليهم فائض من الإيمان، فهم غالباً ما يكونون قد أفرغوا أنفسهم من الداخل ليعرضوا كل إيمانهم في الواجهة، لأسباب لا علاقة لها بالله!

ما كان أجمل كلامك يومها!

كان يأتي ليقلب ثنايا الذاكرة، ويوقظ داخلي صوت المآذن في صباحات قسنطينة.

كان يأتي مع الصلوات، مع التراتيل، مع صوت (المؤدّب) في كتاتيب قسنطينة القديمة. فأعود إلى الحصير نفسه أجلس عليه بالارتباك الطفولي نفسه، أردّد مع أولاد آخرين تلك الآيات التي لم نكن نفهمها بعد، ولكننا كنّا ننسخها على ذلك اللوح ونحفظها كيف ما كان، خوفاً من "الفالاقة". وتلك العصا الطويلة التي كانت تتربص بأقدامنا لتدميها عند أول غلطة.

كان يأتي ليصالحني مع الله، أنا الذي لم أصم من سنين.

كان يصالحني مع الوطن، ويحرّضني ضد هذه المدينة التي تسرق منّي كلّ يوم مساحة صغيرة من الإيمان.. ومن الذاكرة.

كنتِ يومها المرأة التي أيقظت ملائكتي وشياطيني في الوقت نفسه.

ثم راحت تتفرج عليّ بعدما حوّلتني إلى ساحة يتصارع الخير والشر فيها.. دون رحمة!

***

في ذلك العام.. كان النصر للملائكة.

قررت أن أصوم وقتها ربما بتأثير كلامك، وربما أيضا للهروب منك إلى الله. أما قلت "العبادة درعنا السرية".

قلت سأحتمي من سهامك بالإيمان إذن..

رحت أحاول أن أنساك وأنسى قطيعتك.. وأنسى حتى وجودك معي في المدينة نفسها.

كم من الأيام قضيتها في تلك الغيبوبة الدينية. بين الرهبة والذهول.. أحاول بترويض جسدي على الجوع أن أروّضه على الحرمان منك أيضاً.

كنت أريد أن أستعيد سلطتي على حواسي التي تسللت إليها، وأصبحت تتلقي أوامرها منك وحدك.

كنت أريد أن أعيد لذلك الرجل الذي كان يوماً أنا، مكانته الأولى قبلك. هيبته.. حرمته.. مبادئه.. وقيمه التي أعلنت عليها الحرب.

أعترف أنني نجحت في ذلك بعض الشيء ولكنني لم أنجح في نسيانك أبداً.

كنت أقع في فخّ آخر لحبك. وأنا أكتشف أنني كنت أثناء ذلك أعيش بتوقيتك لا غير.

كنت أجلس إلى طاولة الإفطار معك. وأصوم وأفطر معك.

أتسحّر وأمسك عن الأكل معك، أتناول نفس أطباقك الرمضانية، وأتسحّر بك.. لا غير.

لم أكن أفعل شيئاً سوى التوحّد معك في كلّ شي دون علمي.

كنت في النهاية كالوطن. كان كلّ شيء يؤدي إليك إذن..

مثله كان حبّك متواصلاً حتى بصدّه وبصمته.

مثله كان حبك حاضراً بإيمانه وبفكره.

فهل العبادة تواصل أيضاً؟

انتهى رمضان. وها أنا أنزل من طوابق سموّي العابر، وأتدحرج فجأة نحو حزيران. ذلك الشهر الذي كنت أملك أكثر من مبرر للتشاؤم منه.

فقد كان في ذاكرتي ما عدا حزيران 67، ذكريات موجعة أخرى ارتبطت بهذا الشهر، آخرها حزيران 71 الذي قضيت بعضه في سجن للتحقيق والتأديب، يستضاف فيه بعض الذين لم يبتلعوا ألسنتهم بعد..

أما أول ذكرى مؤلمة ارتبطت بهذا الشهر فكانت تعود إلى سجن (الكدية) الذي دخلته يوماً في قسنطينة مع مئات المساجين إثر مظاهرات ماي 1945 حيث تمّت محاكمتنا في بداية حزيران أمام محكمة عسكرية.

أيّ حزيران كان الأكثر ظلماً، وأية تجربة كانت الأكثر ألماً؟

أصبحت أتحاشى طرح هذه الأسئلة، منذ اليوم الذي أوصلتني أجوبتي إلى جمع حقائبي ومغادرة الوطن.

الوطن الذي أصبح سجناً لا عنوان معروفاً لزنزانته؛ لا اسم رسمياً لسجنه؛ ولا تهمة واضحة لمساجينه، والذي أصبحت أُقاد إليه فجراً، معصوب العينين محاطاً بمجهولين، يقودانني إلى وجهة مجهولة أيضاً. شرف ليس في متناول حتى كبار المجرمين عندنا.

هل توقعت يوم كنت شاباً بحماسه وعنفوانه وتطرف أحلامه أنه سيأتي بعد ربع قرن، يوم عجيب كهذا، يجرّدني فيه جزائري مثلي من ثيابي.. وحتى من ساعتي وأشيائي، ليزجّ بي في زنزانة (فردية هذه المرة) زنزانة أدخلها باسم الثورة هذه المرّة..

الثورة التي سبق أن جرّدتني من ذراعي!

أكثر من سبب وأكثر من ذكرى كانت تجعلني أتطيّر من ذلك الشهر الذي قضم الكثير من سعادتي على مرّ السنوات.

تراني في ذلك العام تحرّشت بالقدر أكثر، ليردّ على تشاؤمي بكل تلك الفجائع المذهلة التي حلّت بي في شهر واحد؟

أم فقط، كان ذلك هو قانون الفجائع والكوارث التي لا تأتي سوى دفعة واحدة "كي تجِي تيجبها شعرة.. وكي تروح تقطّع السلاسل".

كانت تلك عبثيّة الحياة، التي يكفي لمصادفة رفيعة كشعرة أن تأتيك بالسعادة والحب والحظّ الذي لم تكن تتوقّعه.

ولكن.. عندما تنقطع تلك الشعرة الرفيعة، فهي تكسر معها كلّ السلاسل التي كنت مشدوداً إليها، معتقداً أنها أقوى من أن تكسرها شعرة!

قبلها لم أنتبه إلى أن لقاءك ذات يوم، بعد ربع قرن من النسيان، كان تلك المصادفة الرفيعة كشعرة التي عندما جاءت جرت معها سعادة العالم بأكمله، وعندما رحلت قطعت كل سلاسل الأحلام، وسحبت من تحتي سجاد الأمان.

تلك الشعرة التي ها هي ذي وبعد ستّ سنوات، تعود اليوم لتكسر آخر أعمدة بيتي، وتهدّ السقف عليّ، بعدما اعتقدت أنني في حزيران 82 دفعت ما يكفي من الضريبة لينساني القدر بعض الوقت، بعدما لم يبق شيء واحد قائم في حياتي، يمكن أن أخاف عليه من السقوط..

كنت أجهل حين ذاك المادة الأولى في قانون الحياة:

"إن مصير الإنسان إنما هو خلاصة تسلسلات حمقاء.. لا غير".

***

كان لبداية صيف 82 طعم المرارة الغامضة، ومذاق اليأس القاتل، عندما يجمع بين الخيبات الذاتية القومية مرّة واحدة.

وكنت أعيش بين خبريْن: خبر صمتك المتواصل، وخبر الفجائع العربية.

كان قدري يتربّص بي هذه المرة من طريق آخر. فقد جاء اجتياح إسرائيل المفاجئ لبيروت في ذلك الصيف، وإقامتها في عاصمة عربية لعدة أسابيع.. على مرأى من أكثر من حاكم.. وأكثر من مليون عربي.. جاء ينزل بي عدّة طوابق في سلّم اليأس.

أذكر أن خبراً صغيراً انفرد بي وقتها وغطّى على بقية الأخبار. فقد مات الشاعر اللبناني خليل حاوي منتحراً بطلقات ناريّة، احتجاجاً على اجتياح إسرائيل للجنوب الذي كان جنوبه وحده، والذي رفض أن يتقاسم هواءه مع إسرائيل..

كان لموت ذلك الرجل الذي لم أكن قد سمعت به من قبل، ألم مميّز فريد المرارة.

فعندما لا يجد شاعر شيئاً يحتجّ به سوى موته.. ولا يجد ورقاً يكتب عليه سوى جسده.. عندها يكون قد أطلق النار أيضاً علينا.

ذهب قلبي طوال تلك الأيام عند زياد..

كان قديماً يقول: "الشعراء فراشات تموت في الصيف". كان وقتها مولعاً بالروائي الياباني "ميشيما" الذي مات منتحراً أيضاً بطريقة أخرى احتجاجاً على خيبة أخرى..

تراه قالها يومها من وحي أحد عناوين ميشيما: "الموت في الصيف"، أم أنها فكرة مسبقة مادام يدافع عنها بسرد قائمة بأسماء الشعراء الذين اختاروا هذا الموسم ليرحلوا؟

كنت أستمع إليه آنذاك، وأحاول أن أقابل نظرته التشاؤمية للصيف بشيء من السخرية، خشية أن ينقل عدواه إليّ. فأقول له مازحاً: "يمكنني أن أسرد عليك أيضاً عشرات الأسماء لشعراء لم يموتوا في الصيف!".

فيضحك ويردّ: "طبعاً.. هناك أيضاً من يموتون بين صيفينْ! " فلا أملك إلا أن أجيبه: "يا لعناد الشعراء.. وحماقتهم!".

عاد زياد إلى الذاكرة. ورحت أتساءل فجأة أين يمكن أن يكون في هذه الأيام؟

في أية مدينة.. في أية جبهة.. في أي شارع، وكل الشوارع مطوقة، وكل المدن مقابر جاهزة للموت؟

منذ رحل لم تصلني منه سوى رسالة واحدة قصيرة، يشكرني فيها على ضيافتي. كان ذلك منذ رحيله.. منذ ثمانية أشهر. فماذا تراه أصبح منذ ذلك الحين؟

لم أكن قلقاً عليه حتى الآن. فقد عاش دائماً وسط المعارك والكمائن، والقصف العشوائي. كان رجلاً يخافه الموت أو يحترمه، فلم يشأ أن يأخذه بالجملة.

وبرغم ذلك كانت عاطفة غامضة ما توقظ مخاوفي. ورحت أتشاءم وأنا أتذكّر كلامه عن الصيف.. وموت ذلك الشاعر منتحراً.

ماذا لو كان الشعراء يقلّدون بعضهم في الموت أيضاً؟ ماذا لو لم يكونوا فراشات فقط؟ لو كانوا مثل حيتان البالين الضخمة يحبّون الموت جماعياً في المواسم نفسها.. على الشطآن ذاتها؟

لقد انتحر (همنغواي) أيضاً صيف 1961 تاركاً خلفه مسودّة روايته الأخيرة "الصيف الخطر".

فأية علاقة بين الصيف وبين كلّ هؤلاء الروائيين والشعراء الذين لم يتلاقوا؟

كان لا بد ألا أتعمّق كثيراً في تلك الفكرة، وكأنني أستدرج بها القدر أو أتحداه، فيعطيني في ذلك الصيف تلك الصفعة التي لم أنهض منها بعد، برغم مرور السنوات.

***

مات زياد..

وها هو خبر نعيه يقفز مصادفة من مربع صغير في جريدة إلى العين.. ثم إلى القلب.. فيتوقّف الزمن. يتكوّر النبأ غصّة في حلقي، فلا أصرخ.. ولا أبكي.

أصاب بشلل الذهول فقط، وصاعقة الفجيعة.

كيف حدث هذا؟. وكيف لم أتوقع موته ونظراته الأخيرة لي كانت تحمل أكثر من وداع؟

مازالت حقيبته هنا، في خزانة غرفتي تفاجئني عدة مرات في اليوم وأنا أبحث عن أشيائي.

لقد عاد هناك دون أمتعة. أكان يعرف أنه لن يحتاج إلى كثير من الزاد لرحلته الأخيرة، أم كان يفكر في العودة ليستقرّ هنا ويعيش إلى جوارك كما كنت أتوهم تحت تأثير غيرتي؟

لم أسأله يومها عن قراره الأخير. لقد سكن الصمت بيننا في الأيام الأخيرة. وأصبحت أتحاشى الجلوس إليه. وكأنني أخاف أن يعترف لي بأمر أخشاه أو بقرار أتوقعه.

لم يقل شيئاً وهو يسافر محمّلاً بحقيبة يد صغيرة. قال لي معتذراً فقط: "ألا يزعجك أن أترك هذه الأيام الحقيبة عندك.. أنت تدري أن مضايقات المطارات كثيرة هذه الأيام، ولا أريد أن أنقل أشيائي مرة أخرى من مطار إلى آخر.."

ثم أضاف بما يشبه السخرية: "خاصة أن لا شيء ينتظرني في المطار الأخير!".

لم يخطئ حدسه إذن.. لم يكن في انتظاره سوى رصاصة الموت.

مازلت أذكر قوله مرة: "لنا في كل وطن مقبرة.. على يد الجميع متنا.. باسم كل الثورات وباسم كلّ الكتب.."

ولم تقتله قناعاته هذه المرة.. قتلته هويته فقط!

نخب ضحكته سكرت ذلك المساء.

نخب حزنه المكابر أيضاً.. ذلك الذي لا يعادله حزن.

نخب رحيله الجميل.. نخب رحيله الأخير.

بكيته ذلك المساء..

ذلك البكاء الموجع المكابر الذي نسرقه سراً من رجولتنا.

وتساءلت أي رجل فيه كنت أبكي الأكثر.

ولِمَ البكاء؟

لقد مات شاعراً كما أراد.. ذات صيف كما أراد. مقاتلاً في معركة ما كما أراد أيضاً.

لقد هزمني حتى بموته.

تذكّرت وقتها تلك المقولة الرائعة للشاعر والرسام "جان كوكتو" الذي كتب يوماً سيناريو فيلم يتصور فيه موته مسبقاً، فتوجه إلى بيكاسو وإلى أصدقائه القلائل الذين وقفوا يبكونه، ليقول لهم بتلك السخرية الموجعة التي كان يتقنها:

"لا تبكوا هكذا.. تظاهروا فقط بالبكاء.. فالشعراء لا يموتون. إنهم يتظاهرون بالموت فقط!".

وماذا لو كان زياد يتظاهر بالموت فقط؟ لو فعل ذلك عن عناد.. ليقنعني أن الشعراء يموتون حقاً في الصيف ويبعثون في كل الفصول؟

وأنتِ..

تراك تدرين؟ هل أتاك خبر موته؟ أم سيأتيك ذات يوم وسط قصة أخرى وأبطال آخرين؟

وماذا ستفعلين يومها؟ أستبكينه.. أم تجلسين لتبني له ضريحاً من الكلمات، وتدفنيه بين دفّتي كتاب، كما تعودت أن تدفني على عجل كلّ من أحببت وقررت قتلهم يوماً؟

هو الذي كان يكره الرثاء، كراهيته لربطات العنق والبدلات الفاخرة، بأية لغة سترثينه؟

في الواقع.. لقد هزمك زياد كما هزمني.

وضعك أمام الحد الفاصل بين لعبة الموت.. والموت. فليس كل الأبطال قابلين للموت على الورق.

هنالك من يختارون موتهم وحدهم.. ولا يمكننا قتلهم لمجرد رواية.

وكان يكذب.. كبطل جاهز لرواية.

كان يكابر ويدّعي أن فلسطين وحدها أمّه. ويعترف أحياناً فقط بعد أكثر من كأس، أن لا قبر لأمه، تلك التي دفنت في مقابر جماعية لمذبحة أولى كان اسمها (تلّ الزعتر).

وإنهم أخذوا صوراً تذكارية، ورفعوا علامات النصر ووقفوا بأحذيتهم على جثث.. قد تكون بينها جثّتها.

ولحظتها فقط كان يبدو لي أنه يبكي.

فَلِمَ البكاء زياد؟

في كل معركة كانت لك جثّة. في كلّ مذبحة تركت قبراً مجهولاً. وها أنت ذا تواصل بموتك منطق الأشياء. فلا شي كان في انتظارك غير قطار الموت.

هنالك من أخذ قطار تلّ الزعتر، وهنالك من أخذ قطار (بيروت 82) أو قطار صبرا وشاتيلا..

وهناك من هنا أو هناك، مازال ينتظر رحلته الأخيرة، في مخيّم أو في بقايا بيت، أو في بلد عربي ما..

وبين كلّ قطار وقطار.. قطار.

بين كلّ موت وموت.. موت.

فما أسعد الذين أخذوا القطار صديقي. ما أسعدهم وما أتعسنا أمام كلّ نشرة أخبار!

بعدهم كثرت "وكالات السفريات" و "الرحلات الجماعية". أصبحت ظاهرة عربية يحترفها كلّ نظام على طريقته..

بعدهم أصبح الوطن مجرد محطة. وأصبحت في أعماق كلّ منّا سكّة حديدية تنتظر قطاراً ما.. يحزننا أن نأخذه.. ويحزننا أن يسافر دوننا.

رحل زياد إذن..

وإذا بحقيبته السوداء المنسيّة في ركن خزانته، منذ عدة شهور، تغطّي فجأة على كل أثاث البيت، وتصبح أثاثي الوحيد، حتى أنني لا أرى غيرها.

عندما أعود إلى البيت. أشعر أنها تنتظرني وأنني على موعد معه. عندما أترك بيتي، أشعر أنني أهرب منها وأنها كانت بلغزها جاثمة على صدري، دون أن أدري.

ولكن كيف الهروب منها وهي تتربص بي كل مساء، عندما أطفئ جهاز التلفزيون، وأجلس وحيداً لأدخن سيجارة قبل النوم فيبدأ العذاب..

وأعود إلى السؤال نفسه: ماذا داخل هذه الحقيبة.. وماذا أفعل بها؟

أحاول أن أتذكّر ماذا يفعل الناس عادة بأشياء الموتى. بثيابهم مثلاً وحاجاتهم الخاصة. فتعود (أمّأ) إلى الذاكرة ومعها تلك الأيام المؤلمة التي سبقت وتلت وفاتها.

أتذكّر ثيابها وأشياءها، أتذكر (كندورتها) العنابي التي لم تكن أجمل أثوابها، ولكنها كانت أحب أثوابها إليّ. فقد تعودت أن أراها تلبسها في كل المناسبات.

كانت الثوب الذي يحمل الأكثر عطرها ورائحتها المميزة، رائحة فيها شيء من العنبر، شيء من عرقها، وشيء شبيه بالياسمين المعتّق. مزيج من عطور طبيعية بدائية، كنت أستنشق معها الأمومة.

سألت عن تلك (الكندورة) بعد أيام من وفاة (أمّا) فقيل لي بشيء من الاستغراب إنها أعطيت مع أشياء أخرى للنساء الفقيرات، اللاتي حضرن لإعداد الطعام في ذلك اليوم.

صرخت: "إنها لي.. كنت أريدها.." ولكن خالتي الكبرى قالت: "إن أشياء الميت يجب أن تخرج من البيت قبل خروجه منه.. ما عدا بعض الأشياء الثمينة التي يحتفظ بها للذكرى أو للبركة".

ومقياس (أمّا).. ذلك السوار الذي لم يفارق معصمها يوماً وكأنها ولدت به، ماذا تراهم فعلوا به؟

لم أجرؤ على السؤال.

كان أخي حسّان الذي لم يكن يتجاوز السنوات العشر، لا يعي شيئاً مما يحدث حوله سوى وفاة (أمّا) وغيابها النهائي.

وكنت محاطاً بحشد من النساء اللاتي كن يقرّرن كل شيء. كأن ذلك البيت أصبح فجأة لهن:

أين (مقياس) أمّا؟ من الأرجح أن يكون قد أصبح من نصيب إحدى الخالات، أو ربما استحوذ عليه أبي مع بقية صيغتها ليقدّمها هدية لعروسه الجديدة.

كلما عدت إلى هذه الذكرى وتفاصيلها، ازدادت علاقتي بهذه الحقيبة تعقيداً.

فقد كان لبعض الأشياء على بساطتها، قيمة لا علاقة لها بمقاييس الآخرين للتركة والمخلفات. فماذا أفعل بحقيبة تركها صاحبها منذ ثمانية أشهر دون أية وصية أو توضيح خاص.. ومات؟

هل أتصدق بها على الفقراء، مادامت أشياء الموتى يجب أن تلحق بهم، أم أحتفظ بها كذكرى من صديق مادمنا لا نحتفظ إلا بالأشياء الثمينة؟

أهي عبء.. أم أمانة؟

وإذا كانت عبئا.. لماذا أخذتها منه دون مناقشة، لماذا لم أقنعه بحملها معه، بحجة أنني قد أترك باريس مثلاً؟

وإذا كانت أمانة.. ألم تتحول بموت صاحبها إلى وصية. فهل نتصدّق بوصايا الشهداء.. هل نضعها عند بابنا هدية لأول عابر سبيل؟

وكنت أدري خلال تلك الأيام التي عشتها مسكوناً بهاجس تلك الحقيبة أنني أرهق نفسي هباءً، وأن محتواها وحده يمكن أن يحدد قيمتها وصفتها، ويحدد بالتالي ما يمكن أن أفعله بها. ولذا بدأت أخافها فجأة، أنا الذي لم أكن أعيرها اهتماماً من قبل.

ترى أكان موت زياد هو الذي أضفى عليها ذلك الطابع المربك، أم أنني في الحقيقة، كنت أخاف أن تحمل لي سرّك، تحمل شيئا عنك كنت أخاف أن أعرفه؟

***

كان لا بد أن أفتح تلك الحقيبة.. لأغلق أبواب الشكّ.

أخذت ذلك القرار ذات ليلة سبت، بعد مرور أسبوع على قراءتي خبر استشهاد زياد.

كان هناك احتمال آخر فقط، لا يخلو من الحماقة، كأن آخذها إلى مقر المنظمة وأسلّمها لأحدهم هناك، ليتكفّل بإرسالها إلى أقرباء زياد في لبنان أو في مكان آخر..

ولكنني عدلت عن هذه الفكرة الساذجة وأنا أتذكّر أنه لم يعد لزياد من أهل في لبنان. فلمن سيسلّمها هؤلاء.. وعند أية قبيلة وأية فصيلة سينتهي مصيرها؟

من سيكون "أبوها".. وهنالك أكثر من "أبو" يعتقد أنه ينفرد وحده بأبوّة القضية الفلسطينية، وأنه الوريث الشرعي الوحيد للشهداء.. وأن الآخرين خونة؟

ومن أدراني على يد من مات زياد؟

على يد المجرمين "الإخوة".. أم على يد المجرمين الأعداء؟ أما كان يقول: "لقد حوّلوا "القضية" إلى قضايا.. حتى يمكنهم قتلنا تحت تسمية أخرى غير الجريمة.."

فبأية رصاصة مات زياد.. وخيرة الشباب الفلسطيني قتل برصاص فلسطيني.. أو عربي لا غير؟

في ذلك المساء.. ارتجفت يدي وأنا أفك أقفال تلك الحقيبة.

شيء ما جعلني أتذكّر أنني أملك يداّ واحدة.

لم تكن الحقيبة مغلقة بمفتاح ولا بأقفال جانبية. وكأنه تعمّد أن يتركها لي شبه مفتوحة كما يترك أحد الباب موارباً، في دعوة صامتة للدخول.

شعرت بشيء من الارتياح لهذه "الالتفاتة"، ولهذا الإذن السابق أو المتأخر عن أوانه، الذي منحه لي زياد لدخول عالمه الخاص دون إحراج..

تراه فعل ذلك لأنه كان يكره الأقفال المخلوعة، والأبواب المفتوحة عنوة كراهيته للمخبرين ولأقدام العسكر؟

أم لأنه كان يتوقّع يوماً كهذا؟

كل هذه الافتراضات لم تمنع قشعريرة من أن تسري في جسدي، وفكرة أخرى تعبرني..

لقد كان يعرف مسبقاً أنه ذاهب إلى الموت. وهذه الحقيبة كانت معدّة لي منذ البداية. وكان بإمكاني أن أفتحها منذ عدة شهور. فهي لم تعد موجودة بالنسبة إليه منذ أن غادر هذا البيت.

إنها طريقته في قطع جذور الذاكرة.. كالعادة.

رفعت النصف الفوقي للحقيبة، بعد أن وضعتها على طرف السرير.. وألقيت نظرة أولى على ما فيها.

وإذا بالموت والحياة يهجمان عليّ معاً، وأنا أرى ثيابه أمامي، ألمس كنزته الصوفية الرمادية، وجاكيته الجلدي الأسود الذي تعوّدت أن أراه به..

ها أنا أملك حجة حضوره، وحجة موته.. وحجة حياته. وها هي رائحة الحياة والموت تنبعثان معاً وبالقوة نفسها من ثنايا تلك الحقيبة.

ها أنا معه ودونه.. أمام بقاياه.

ثياب.. ثياب.. أغلفه خارجية لكتاب بشريّ.

واجهة قماشية لمسكن من زجاج.

انكسر المسكن وظلّت الواجهة، ذاكرة مثنية في حقيبة، فلماذا ترك لي الواجهة؟.

بين الثياب قميص حريري سماوي اللون، مازال في غلافه اللامع الشفاف.. لم يفتح بعد. أستنتج دون جهد أنه هدية منك.

ثم ثلاثة أشرطة موسيقية، أحدها لتيودوركيس، والأخرى مقطوعات كلاسيكية أضعها جانباً وأنا أتذكر أن زياد كلما سافر ترك لي أشرطة وكتباً.. وثياباً.. وحبّاً معلّقاً أيضاً.

ولكن هذه هي المرة الأولى التي يترك أشياءه مجموعة في حقيبة، مرتبة بعناية وكأنه أعدها لنفسه وجمع فيها مل ما يحب استعداداً لسفر ما. كأنه أراد أن يأخذها معه حيث سيذهب وحيث كان يريد أن يرتدي جاكيته الأسود المفضّل.. ويستمع إلى موسيقى تيودوركيس!

وفجأة تقع يدي على روايتك أسفل الحقيبة. فأصاب بهزّة أولى. ترتعش يدي، تتوقف لحظات قبل أن تمسك بالكتاب. أجلس على طرف السرير قبل أن أفتحه. وكأنني سأفتح طرداً ملغوماً.

أتصفح الكتاب بسرعة. وكأنني لا أعرفه.

ثم أتذكّر شيئاً.. وأركض إلى الصفحة الأولى بحثاً عن الإهداء، فتقابلني ورقة بيضاء.. دون كلمة واحدة. دون توقيع أو إهداء. فأشعر بنوبة حزن تشلّ يدي، وبرغبة غامضة للبكاء.

لمن منّا أهديت نسختك المزوّرة؟ وكلانا يملك نسخة دون توقيع؟

من منا أوهمته أنه يسكن الصفحات الداخلية للكتاب_ كما يسكن قلبك_ وأنه ليس في حاجة إلى إهداء؟

وهل صدّقك زياد.. هل صدّقك _هو أيضاً_ لدرجة أنه قرّر أن يأخذ معه هذه الرواية ليعيد قراءتها، حيث سيذهب.. هناك!

كانت تلك الصفحة البيضاء كافية لإدانتك. كانت تقول بالكلمات التي لم تكتب، أكثر مما كان يمكن أن تكتبي.. فهل كان مهماً بعد ذلك ألا أجد أية رسالة لك في تلك الحقيبة؟

لقد كنتِ امرأة تتقن الكتابة على بياض.. ووحدي كنت أعرف ذلك.

ما عدا روايتك لم أجد سوى مفكرة سوداء متوسطة الحجم موضوعة أسفل الحقيبة_أيضاً_ كسرّ عميق.

ما كدت أرفعها حتى وقعت منها "البطاقة البرتقالية" التي كان يستعملها زياد للتنقلّ بالميترو. داخلها قصاصة بتاريخ (أكتوبر) الشهر الأخير الذي رحل فيه.

أنظر على تلك البطاقة على عجل، وأنا لا أفكر إلا في الإطلاع على تلك المفكرة. ولكن صورته تستوقفني..

مربكة صور الموتى..

ومربكة أكثر صور الشهداء. موجعة دائماً. فجأة يصبحون أكثر حزناً وأكثر غموضاً من صورتهم.

فجأة.. يصبحون أجمل بلغزهم، ونصبح أبشع منهم.

فجأة.. نخاف أن نطيل النظر إليهم.

فجأة.. نخاف من صورنا القادمة ونحن نتأمّلهم!

كَمْ كان وسيماً ذاك الرجل.

تلك الوسامة الغامضة المخفيّة التي لا تفسير لها. ها هو حتى في صورة سريعة تلتقط له في ثلاث دقائق، بخمسة فرنكات، يمكنه أن يكون مميزا.

يمكنه أن يكون حتى بعد موته مغرياً، بذلك الحزن الغامض الساخر. وكأنه يسخر من لحظة كهذه.

وأفهم مرة أخرى أن تكوني أحببته. لقد أحببته قبلك بطريقة أخرى. كما نحب شخصاً نعجب به ونريد أن نشبهه، لسبب أو لآخر. فنكثر من الجلوس إليه والخروج برفقته والظهور معه. وكأننا نعتقد في أعماقنا أن الجمال والجنون والموهبة والصفات التي تبهرنا فيه قد تكون قابلة للعدوى والانتقال إلينا عن طريق المعاشرة.

أية فكرة حمقاء كانت تلك! لم أكتف أنها كانت سبب كارثتي إلا مؤخراً. عندما قرأت قولاً رائعاً لكاتب فرنسي (رسام أيضاً..) "لا تبحث عن الجمال..لأنك عندما تجده، تكون قد شوّهت نفسك!"

ولم أكن فعلت شيئاً غير هذه الحماقة.

أعدت بطاقته وصورته إلى الحقيبة، ورحت أقلّب تلك المفكرة..

كنت أشعر أنها تحمل شيئاً قد يفاجئني، قد يعكر مزاجي ويشرع الباب للعواصف المتأخرة عن مواسمها. فماذا تراه كتب في هذا الدفتر؟

كنت أدري أن الحقيقة تولد صغيرة دائماً. وكنت أشعر أن الحقيقة هنا كانت صغيرة في حجم مفكرة جيب. فخفت المفكرة..

بحثت عن سيجارة أشعلها. واستلقيت على ذلك السرير لأتصفح جرحي على مهل..

كانت الصفحات تتالى مليئة بالمقاطع الشعرية المبعثرة بين تاريخ وآخر. بالكتابات الهامشية.. ثم بقصائد أخرى تشغل وحدها أحياناً صفحتين أو ثلاثاً. ثم خواطر قصيرة من بضعة سطور مكتوبة وسط الصفحة بلون أحمر دائماً.. وكأنه كان يريد أن يميزها عن بقية ما كتب.

ربما لأنها لم تكن شعراً وربما لأنها كانت أهم من الشعر.

من أين أبدأ هذه المفكرة؟.. من أي مدخل أدخل هذه الدهاليز السرية لزياد، التي حلمت دائماً بالتسلل إليها عساني أكتشفك فيها؟

كانت العناوين تستوقفني، فأبدأ في قراءة قصيدة. أحاول فك لغز الكلمات المتقاطعة.. أبحث عنك وسط الرموز تارة، ووسط التفاصيل الأكثر اعترافاً أحياناً أخرى.

ثم لا ألبث أن أتركها وألهث مسرعاً إلى صفحة أخرى، بحثاً عن حجج أخرى، عن إيضاحات أكثر، عن كلمات تقول لي بالأسود والأبيض.. ما الذي حدث.

ولكنني كنت في الواقع على درجة من الانفعال والأحاسيس المتطرفة المتناقضة التي كانت تكاد تشلّ تفكيري، وتجعلني عاجزا عن التمييز بين ما أقرأ وما أتوهم قراءته.

كان منظر تلك الحقيبة المفتوحة أمامي بأشيائها المبعثرة، وبذلك الدفتر الأسود الصغير الذي كنت ممسكاً به تجعلني أخجل من نفسي في تلك اللحظة. وكأنني بفتحها لم أفعل شيئاً غير تشريح جثّة زياد المبعثرة بأشيائها وأشلائها على سريري، لأخرج منها هذا الدفتر الذي هو قلبه لا غير.

قلب زياد الذي نبض يوماً لك، والذي هاهو اليوم حتى بعد موته بواصل نبضه بين يديّ على وقع الكلمات المشحونة حسرة وخوفاً.. حزناً.. وشهوة..

"على جسدي مررّي شفتيك

فما مرّروا غير تلك السيوف عليّ

أشعليني أيا امرأة من لهب

يقرّبنا الحب يوماً

يباعدنا الموت يوماً

ويحكمنا حفنة من تراب..

تقرّبنا شهوة للجسد

ثم يوماً

يباعدنا الجرح لمّا يصير بحجم جسد

توحدت فيك

أيا امرأة من تراب ومرمر

سقيتك ثم بكيت وقلت..

أميرة عشقي..

أميرة موتي

تعالي!؟

كم من مرة قرأت هذا المقطع. بأحاسيس جديدة كل مرة، بشكٍّ جديد كل مرة، وتساءلت بعجز من لا يحترف الشعر.. أين ينتهي الخيال.. وأين يبدأ الواقع؟

أين يقع الحد الفاصل بين الرمز والحقيقة؟

كانت كل جملة تلغي التي سبقتها. وكانت المرأة هنا جسداً ملتحماً بالأرض إلى حد لم يعد فيه الفصل أو التمييز بينهما ممكناً.

ولكن كانت هناك كلمات لا تخطئ بواقعيتها وبشهوتها المفضوحة:

"مرري على جسدي شفتيك"

"أشعليني أيا امرأة من لهب"

"تقربنا شهوة للجسد"

"توحدت فيك"

أكانت الثورة إذن حشواً من الكلمات لا أكثر برّأ بها زياد نفسه؟

كان يفضّل أن يهزمه الموت ولا تهزمه امرأة. قضيّة كبرياء.. مراوغة شخصية.. "أميرة موتي.. تعالي..".

ها هو الموت جاء أخيراً. وأنت تراك جئت في ذلك اليوم؟

هل انفرد بك حقاً.. أمرّرت على جسده شفتيك.. أأشعلته.. أتوحّد فيك.. وهل..؟

من الأرجح أن يكون ذلك قد حصل. فتاريخ هذه القصيدة يصادف تاريخ سفري إلى إسبانيا.

كان القلب قد بدأ يطفح بعاطفة غريبة لا علاقة لها بالغيرة.

نحن لا نشعر بالغيرة من الموات.. ولكننا لا يمكن أن نغيّر طعم المرارة في هذه الحالات.

فهل أمنع عيني اللتين يستوقفهما اللون الأحمر، من أن تقرأ هذه الخاطرة.. دون دموع.

"لم يبق من العمر الكثير

أيتها الواقفة في مفترق الأضداد

أدري..

ستكونين خطيئتي الأخيرة

أسألك.

حتى متى سأبقى خطيئتك الأولى

لك متّسع لأكثر من بداية

وقصيرة كل النهايات.

إني أنتهي الآن فيك

فمن يعطي للعمر عمراً يصلح لأكثر من نهاية!"

تستوقفني بعض الكلمات، وتستدرجني إلى الذهول..

ويأخذ الحبر الأحمر فجأة لوناً شبيهاً بدم وردي خجول يتدحرج على ورق.. ليصبح لون "خطيئتك الأولى..".

فأسرع بإغلاق تلك المفكرة وكأنني أخاف إن أنا واصلت قلب الصفحات، أن أفاجئكما في وضعٍ لم أتوقعه!

يحضرني كلام قاله زياد مرة في زمن بعيد.. بعيد.

قال: "أنا أكنّ احترماً كبيراً لآدم، لأنه يوم قرر أن يذوق التفاحة لم يكتف بقضمها، وإنما أكلها كلّها. ربما كان يدري أنه ليس هناك من أنصاف خطايا ولا أنصاف ملذّات.. ولذلك لا يوجد مكان ثالث بين الجنة والنار. وعلينا _تفادياً للحسابات الخاطئة_ أن ندخل إحداهما بجدارة!"

كنت آنذاك معجباً بفلسفة زياد في الحياة. فما الذي يؤلمني اليوم في أفكار شاطرته إياها؟

ترى كونه سرق تفاحته هذه المرة من حديقتي السرية؟ أم كونه راح يقضمها أمامي.. بشهية من حسم اختياره وارتاح؟

"لا تملك الأشجار إلا

أن تمارس الحب واقفة أيضاً

يا نخلة عشقي.. قفي

وحدي حملت حداد الغابات التي

أحرقوها

ليرغموا الشجر على الركوع

"واقفة تموت الأشجار"

تعالي للوقوف معي

أريد أن أشيّع فيك رجولتي

إلى مثواها الأخير.."

فجأة بدأت أشعر بحماقة فتح تلك المفكرة.

أتعبتني تأويلاتي الشخصية لكل كلمة أصادفها.

وبدأت أشعر بالندم. فأنا برغم كل شيء لا أريد أن أكره زياد اليوم. لا أستطيع ذلك.

لقد منحه الموت حصانة ضد كراهيتي وغيرتي. وها أنا صغير أمامه وأمام موته.

ها أنا لا أملك شيئاً لإدانته، سوى كلماته القابلة لأكثر من تأويل. فلماذا أصرّ على تأويلها الأسوأ؟

لماذا أطارده بكل هذه الشبهات، وأنا أدري أنه شاعر يحترف الاغتصاب اللغوي، نكاية في العالم الذي لم يخلق على قياسه، بل ربما خلق على حسابه. فهل أطلق النار عليه بتهمة الكلمات؟

لقد ولد هكذا واقفاً.. ولا قدر له سوى قدر الأشجار. فهل أحاسبه حتى على طريقة موته.. وعلى طريقة حبّه؟

وأذكر الآن أنني عرفته واقفاً.

أذكر ذلك اليوم الذي زارني فيه في مكتبي لأول مرة، عندما أبديت له بعض ملاحظاتي عن ديوانه، وطلبت منه أن يحذف بعض القصائد.

أذكر صمته، ثم نظرته التي توقفت بعض الوقت عند ذراعي المبتورة، قبل أن يقول تلك الجملة التي كانت بعد ذلك سبباً في تغيير مجرى حياتي. قال لي: "لا تبتر قصائدي..سيدي، ردّ لي ديواني. سأطبعه في بيروت.."

لماذا قبلت إهانته يومها، دون رد؟ لماذا لم أصفعه بيدي الثانية غير المبتورة وأرمي له بمخطوطه؟

ألأنني احترمت فيه شجاعة الأشجار ووحدتها، في زمن كانت فيه الأقلام سنابل تنحني أمام أول ريح؟

واقفاً عرفت زياد.. وواقفاً غادرني.

أما مخطوط تركني كأول مرة. ولكن دون أيّ تعليق هذه المرة.

لقد أصبح بيننا _منذ ذلك الحين_ تواطؤ الغابات... واليوم صمتها.

فجأة استيقظت داخلي بقايا مهنة سابقة. ورحت أقلّب ذلك الدفتر وأعدّ صفحاته وأتصفحها بعيني ناشر. وإذ بحماس مفاجئ يدبّ في قلبي ويغطّي على بقية الأحاسيس. وقرار جنوني يسكنني.

سأنشر هذه الكتابات في مجموعة شعرية، قد أسمّيها "الأشجار" أو "مسودات رجل أحبك".. أو عنواناً آخر قد أعثر عليه أثناء ذلك.

المهم.. أن تصدر هذه الخواطر الأخيرة لزياد. أن أمنحه عمراً آخر لا صيف فيه.. فهكذا ينتقم الشعراء دائماً من القدر الذي يطاردهم كما يطارد الصيف الفراشات..

إنهم يتحوّلون إلى دواوين شعر. فمن يقتل الكلمات؟

***

أنقذني دفتر زياد من اليأس دون أن أدري..

منحني مشاريع لأيام كانت فارغة من أي مشروع. فقد حدث في تلك الأيام أن قضيت ساعات بأكملها وأنا أنسخ قصيدة، أو أبحث عن عنوان لأخرى، وأحاول ترتيب فوضى تلك الخواطر والمقاطع المبعثرة، لوضعها في سياق صالحٍ للنشر.

كنت أشعر بلذّة ومرارة معاً..

لذّة الانحياز للفراشات، وبعث الحياة في كلماتٍ وحدي أملك حق وأدها في مفكرة، أو منحها الخلود في كتاب.

ومرارة أخرى..

مرارة التنقيب في أوراق شاعر مات، والتجول في دورته الدموية، في نبضه وحزنه ونشوته، ودخول عالمه المغلق السري دون تصريح ولا رخصة منه، والتصرف نيابة عنه في الاختيار وفي الإضافة والحذف.

أحقاً كنت أملك صلاحية كهذه..؟ ومن يمكن أن يدّعي أنه لسبب أو لآخر موكّل بمهمة كهذه؟

ولكن من يجرؤ أيضاً على الحكم بالموت على كلمات الآخرين، ويقرر الاستحواذ عليها وحده؟

كنت أدري في أعماقي، أنه إذا كان لموت الشعراء والكتّاب نكهة حزن إضافية، تميزهم عن موت الآخرين، فربما تُعزى لكونهم وحدهم عندما يموتون يتركون على طاولتهم ككل المبدعين، رؤوس أقلام.. رؤوس أحلام، ومسودات أشياء لم تكتمل.

ولذا فإن موتهم يحرجنا.. بقدر ما يحزننا.

أما الناس العاديون، فهم يحملون أحلامهم وهمومهم ومشاعرهم فوقهم. إنهم يلبسونها كل يوم مع ابتسامتهم، وكآبتهم، وضحكتهم، وأحاديثهم، فتموت أسرارهم معهم.

في البدء، كان سر زياد يحرجني، قبل أن يستدرجني إلى البوح، وإذا بكتاباته تخلق عندي رغبة لا تقاوم للكتابة.

رغبة كانت تزداد في تلك المرات التي كنت أشعر أن كلماته لا تطال أعماقي، وأنها أقصر من جرحي. ربما لأنه كان يجهل النصف الآخر للقصة، تلك التي كنت أعرفها وحدي.

متى ولدت فكرة هذا الكتاب؟

ترى في تلك الفترة التي قضيتها محاصراً بإرث زياد الشعريّ، في ذلك اللقاء غير المتوقع لي مع الأدب والمخطوطات التي انفصلت عنها منذ انفصالي عن وظيفتي.. منذ عدة سنوات في الجزائر؟

أم في لقائي غير المتوقع الآخر، مع مدينة حجز لي القدر نفسه موعداً متأخراً معها؟

أكان يمكن لي أن أجد نفسي وجهاً لوجه مع قسنطينة، دون سابق إنذار، دون أن تنفجر داخلي الدهشة، شلالات شوق وجنون وخيبة..

فتجرفني الكلمات.. إلى حيث أنا!

 

 

الفصل الخامس

 

مازلت

أذكر ذلك السبت العجيب.. عندما رن الهاتف ذلك المساء بتوقيت نشرة الأخبار.

كان سي الشريف على الخط بحرارة وشوق أسعداني في البداية، وأخرجاني من رتابة صمتي الليلي ووحدته.

كان صوته عندي عيداً بحد ذاته والصلة الوحيدة التي ظلت تربطني بك، بعدما سدّت كل الطرق الموصلة إليك.

وكنت أستبشر خيراً به. إنه يحمل دائماً احتمال لقاءٍ بك بطريقة أو بأخرى.

ولكنه هذه المرة كان يحمل لي أكثر من هذا..

 

راح سي الشريف يعتذر أولاً عن انقطاعه عني منذ سهرتنا الأخيرة، بسبب مشاغله الكثيرة، وزيارات المسؤولين التي لا تتوقف إلى باريس.. قبل أن يضيف:

"إنني لم أنسك طوال هذه الفترة.. لقد علّقت لوحتك في الصالون وأصبحت أتقاسم معك البيت.. أتدري، لقد تركت التفاتتك تلك أثراً كبيراً في نفسي، وخلقت لي أكثر من حاسد.. وكل مرة لا بد أن أشرح للآخرين صداقتنا وعلاقتنا التي تعود إلى أيام الشباب".

كنت أستمع له وكان القلب قد ذهب بحماقة على عجل إليك..

كان يكفي أن أعرف أن تلك المكالمة تأتي من بيتٍ أنتِ فيه، لأعود عاشقاً مبتدئاً بكل انفعالات العشّاق وحماقاتهم.

ولكن صوته أعادني إلى الواقع عندما سألني:

- أتدري لماذا طلبتك الليلة؟ إنني قررت أن أصحبك معي إلى قسنطينة.. لقد أهديتني لوحة عن قسنطينة وأنا سأهديك سفرة إليها..

صحت متعجّباً:

- قسنطينة.. لماذا قسنطينة؟

قال وكأنه يزفّ لي بشرى:

- لحضور عرس ابنة أخي الطاهر..

ثم أضاف بعد شيء من التفكير.

- .. ربما تذكرها. لقد حضرت افتتاح معرضك منذ شهور مع ابنتي ناديا..

شعرت فجأة أن صوتي انفصل عن جسدي، وأنني عاجز عن أن أجيب بكلمة واحدة.

أيمكن للكلمات أن تنزل صاعقة على شخص بهذه الطريقة؟

أيمكن للجسد أن يصبح إثر كلمة، عاجزاً عن الإمساك بسماعة؟

يحدث في لحظات كهذه، أن أتذكر فجأة أنني أملك يداً واحدة..

سحبت بقدمي كرسياً مجاوراً وحلست عليه.

وربما لاحظ سي الشريف صمتي وحدوث شيء ما.. فقطع ذهولي قائلاً:

- يا خويا.. ما الذي يخيفك في سفرٍ كهذا؟ لقد جاء ذكرك منذ أيام في جلسة مع بعض الأصدقاء في الأمن، وأكدوا لي أنه لا توجد أية تعليمات في شأنك، وأن بإمكانك أن تزور الجزائر متى شئت. لقد تغيرت الأمور كثيراً منذ مجيئك، ولا بد أن تعود إلى الجزائر ولو في زيارة خاطفة.. إنني أتحمل مسؤولية عودتك.. ستسافر معي وعلى حسابي.. فما الذي يقلقك إلى هذا الحد؟

أجبته وأنا أبحث عن مخرج لتوتري:

- الحقيقة أنني لست مستعداً نفسياً بعد لزيارة كهذه.. وأفضّل أن تكون في ظروف أخرى..

 

قال:

- أنت لن تجد ظروفاً أحسن من هذه للعودة.. أنا واثق من أنني إذا لم أجرّك هكذا من يدك هذه المرة، فقد تمضي عدة سنوات أخرى قبل أن تعود إليها. هل ستقضي عمرك في رسم قسنطينة؟ ثم ألا يسعدك حضور زواج ابنة سي الطاهر؟ إنها ابنتك أيضاً، لقد عرفتها طفلة ويجب أن تحضر عرسها للبركة.. افعل هذا لوجه أبيها، يجب أن تقف معي في ذلك اليوم مكان سي الطاهر..

كان سي الشريف يعرف نقطة ضعفي، ويدري مكانة سي الطاهر عندي. فراح يحرّك ما تبقّى داخلي من وفاء لماضينا وذاكرتنا المشتركة.

كان في ذلك الموقف شيء من السريالية واللامعقول.

كنت أقف على الحد الفاصل بين العقل والجنون، بين الضحك والبكاء..

"لقد عرفتها طفلة.." لا يا صديقي! عرفتها أنثى أيضاً وهذه هي المشكلة. "إنها ابنتك أيضاً.." لا لم تكن ابنتي، كان يمكن فقط أن تكون زوجتي.. كان يمكن أن تكون لي.

سألته:

- لمن ستكون؟

قال:

- أعطيتها لـ (سي....) لقد سهرت معه المرة الماضية.. لا أدري ما رأيك فيه، ولكنني أعتقد أنه رجل طيب برغم ما يُقال عنه.

كان في جملته الأخيرة جواب مسبق على ردٍ كان يتوقعه.

(سي....) إذن ولا أحد غيره!

"رجل طيب.." هل الطيبة هي حقاً صفته المميزة الأولى؟ أعرف أنا أكثر من رجل طيب كان يمكن إذن أن يصبح زوجها.

ولكن (سي....) كان أكثر من ذلك. كان رجل الصفقات السرية والواجهات الأمامية. كان رجل العملة الصعبة والمهمات الصعبة. كان رجل العسكر.. ورجل المستقبل. فهل مهم بعد هذا أن يكون طيباً أو لا يكون؟

 

تجمعت في الحلق أكثر من غصة، منعتني من أن أبدي رأيي فعلاً في ذلك الشخص، وأسأل سي الشريف سؤالاً واحداً فقط: تراه يعتقد حقاً أن بإمكان رجل لا أخلاق له.. أن يكون طيباً؟

 

أم تراني صمتّ لأنني كنت بدأت لا أفرق كثيرا بينه وبين "صهره" وأنا أسأل نفسي سؤالاً آخر.. هل يمكن لشخص يتصاهر مع رجل قذر.. أن يكون نظيفاً حقاً؟

فقدت فجأة شهية الكلام. أخرستني الصدمات المتتالية في مكالمة واحدة. فاختصرت كل الكلام في جملة واحدة قابلة لأكثر من تفسير:

- كل شيء مبروك..

رد سي الشريف حسب التقاليد:

- الله يهنيك.. ويبارك فيك..

ثم أضاف بسعادة من نجح في امتحان:

-إذن سنراك..راني نعوّل عليك.. سنسافر بعد عشرة أيام تقريباً فالزواج سيكون في 15 يوليو.. أطلبني هاتفياً كي نتّفق على تفاصيل سفرك.

انتهت المكالمة، وبدأت مرحلة جديدة من حياتي.

بدأ عمري الآخر الذي أعلنت يومها رسمياً خروجك منه. ولكن.. هل خرجت حقاً؟

أحسست أن رقعة الشطرنج أصبحت فارغة إلا مني. كانت كل المربعات بلون واحد لا غير.. وكل القطع أصبحت قطعة واحدة أمسكها وحدي.. بيدٍ واحدة!

فهل كنت الرابح أم الخاسر الوحيد.. كيف لي أن أعرف ذلك؟ لقد تقلصت الرقعة، ومعها مساحة الأمل والترقب، حسمها طرف آخر، كنا نلعب جميعاً منذ البدء نيابة عنه: إنه القدر!

 

كنت أحقد على ذلك القدر أحياناً، ولكن كنت كثيراً ما أستسلم له دون مقاومة. بلذّة غامضة وبفضول رجل يريد أن يعرف كلّ مرة، إلى أي حد يمكن لها القدر أن يكون أحمق، ولهذه الحياة أن تكون غير عادلة، وأن تكون عاهرة لا تهب نفسها سوى لذوي الثروات السريعة، ولأصحاب السلوك المشبوه الذين يغتصبونها على عجل..

وعندها كنت أجد سعادتي النادرة في مقارنة نفسي بتفاهة الآخرين. وأجد في هزائمي الذاتية، دليلاً على انتصارات أخرى ليست في متناول الجميع.

تراني في لحظة جنون كهذه قبلت أن أحضر عرسك، وأن أكون شاهداً على مأتمي، وعلى الحقارة التي يمكن أن يصلها البعض دون خجل؟

أم تراني ككل المبدعين، كنت مازوشيّاً بتفوق، وأصرّ في غياب السعادة المطلقة، أن أعيش حزني المطلق، وأن أذهب معك إلى أبعد نقطة في تعذيب النفس، فأمارس كيّ هذا القلب بنفسي ليشفى منك؟

كرهتك ذلك اليوم بشراسة لم أكن عرفتها من قبل.

 

انقلبت عواطفي مرة واحدة إلى عاطفة جديدة، فيها مزيج من المرارة والغيرة والحقد.. وربما الاحتقار أيضاً.

ما الذي أوصلك هنا؟

وهل النساء حقاً مثل الشعوب، يشعرن دائماً بإغراء.. وبضعف ما تجاه البدلات العسكرية.. حتى الباهتة منه؟!

ما زلت حتى اليوم أتساءل.. كيف قبلت يومها أن أذهب إلى قسنطينة لحضور عرسك؟

كنت أعرف مسبقاً أن دعوتي لم تكن مجرد نية حسنة، والتفاتة ود وصداقة لرجل تجمعني به أكثر من قرابة.

ولكن كانت قبل كلّ شيء، استغلالاً للذاكرة واستعمالاً سيئاً لاسم من الأسماء القليلة التي ظلّت نظيفة في زمن انتشر فيه وباء القذارة.

كان سي الشريف يدري أنه يسقوم بصفقة قذرة، وأنه يبيع بزواجه اسم أخيه، وأحد كبار شهدائنا مقابل منصب وصفقات أخرى..

 

وأنه يتصرف باسمه، بطريقة لم يكن ليقبلها لو كان حياً.

وكان يلزمه أنا.. ولا أحد غيري لأبارك اغتصابك، أنا صديق سي الطاهر الوحيد ورفيق سلاحه.

أنا الهيكل المفتت الأطراف الأخير، الذي بقي من ذلك الزمن الغابر.

كانت تلزمه مباركتي، ليُسكت بحضوري ضميره ويعتقد أن سي الطاهر سيغفر له، هو الذي عاش من اسمه طويلاً.

فلماذا قبلت الدخول في تلك اللعبة؟ لماذا قبلت دون نقاش أن أسلمك لأظافرهم؟

ألأنني أدري أن مباركتي قضية شكلية، لن تقدم ولن تؤخر في شيء، وأنه لو لم يزوّجك من (سي....) لكنت من نصيب (سي....) آخر من السادة الجدد.

فماذا يهم في النهاية، أي اسم من أسماء الأربعين لصاً ستحملين!

 

لماذا قبلت السفر.. ألكل هذا أم لأنني استسلمت لإغراء قسنطينة، ولندائها السرّي الذي كان يلاحقني ويطاردني من الأزل، كما يطارد نداء الحوريات في الجزر المسحورة أولئك البحارة الذين نزلت على بواخرهم لعنة الآلهة..

أم تراني كنت عاجزاً عن أن أخلف موعداً معك، حتى ولو كان ذلك مناسبة زواجك؟

هنالك قرارات وليدة ضدها، فكيف يمكن لي اليوم أن أفسّر قراراً أخذته خارج المنطق؟

كنت كعالم فيزيائي مجنون، يريد أن يجمع بين صيغتين متفجّرتين في الوقت نفسه: أنت.. وقسنطينة، صيغتين صنعتهما بنفسي في نوبة شوق وعشق وجنون، قست قدرتهما التدميرية كلا على انفراد، وأردت أن أجربهما معاً كما تجرّب قنبلة ذرية في صحراء.

أردت أن أعيشهما معاً في انفجار داخلي واحد.. يهزّني وحدي.. يدمرني وحدي.. وأخرج بعده من وسط الحرائق والدمار، إما رجلاً آخر.. وأشلاء رجل.

ألم تقولي مرة إن هناك رغبة سرية تسكننا جميعاً اسمها "شهوة اللهب"؟

اكتشفت بعدها بنفسي التطابق بينك وبين تلك المدينة.

كان فيكما معاً، شيء من اللهيب الذي لم ينطفئ.. وقدرة خارقة على إشعال الحرائق..

ولكنكما معاً، كنتما تتظاهران بإعلان الحرب على المجوس. إنه زيف المدن العريقة المحترمة.. ونفاق بنات العائلات.. أليس كذلك؟

***

جاء صوتك يوم الاثنين هكذا دون مقدمات. دون أية نبرة حزن أو فرح مميزة.. دون ارتباك ولا أي خجل واضح.

ورحت تتحدّثين إليّ، وكأنك تواصلين حديثاً بدأناه البارحة، كأن صوتك لم يعبر هذا الخط الهاتفي منذ أكثر من ستّة أشهر.

ما أغرب علاقتك بالزمن.. وما أغرب ذاكرتك!

- أهلاً خالد.. هل أيقظتك؟

كان يمكن أن أقول لا، وكان من الأصح أن أقول نعم. ولكنني قلت بصوت من يخرج من غيبوبة عشق:

- أنتِ..؟!

ضحكت.. تلك الضحكة الطفولية التي أسرتني يوماً وقلت:

- أعتقد أنني أنا.. هل نسيت صورتي؟!

ثم أضفت أمام صمتي:

- كيف أنت؟

- أحاول أن أصمد..

- تصمد في وجه من.؟

- في وجه الأيام..

قلت بعد شيء من الصمت.. وكأنك شعرت بذنبٍ ما:

- كلنا نحاول ذلك..

ثم أضفتِ:

- هل أخباري هي التي أزعجتك؟

عجيب سؤالك. عجيب كذاكرتك. كعلاقتك بمن تحبّين!

قلت:

- أخبارك ليست سوى جزء من تقلّبات الأيام.

أجبت ببراءة كاذبة:

- كنت أتوقع أن تستقبل خبر زواجي بطريقة أخرى. لقد سمعت عمي يتحدث إليك أمس على الهاتف، وتعجبت أن تكون قبلت المجيء إلى قسنطينة دون مناقشة أو تردد. لقد أسعدني ذلك كثيراً، وقررت أن أطلبك.. استنجت أنك لم تعد عاتباً عليّ.. فأنا أريد أن تحضر إلى هذا العرس.. من الضروري أن تحضر..

لا أدري لماذا أعادتني كلماتك إلى مكالمتي السابقة مع سي الشريف، وإلى ذلك الموقف العجيب، عندما كان يقنعني أنك ابنتي.

 

شعرت مرة أخرى أنني أقف على الحد الفاصل بين العقل واللاعقل، بين البكاء والضحك..

سألتك بشيء من المرارة الساخرة:

- أتمنى أن أفهم سر إصراركم جميعاً على حضوري..

قلتِ:

- سبب إصرار عمي على حضورك لا يهمني إطلاقاً. ولكنني أدري أنني سأكون تعيسة لو تغيّبت عن المجيء..

أجبتك بتهكم:

- هل السادية .. آخر هواياتك؟

قلتِ بنبرة فاجأتني:

- لقد أحببت هذه المدينة من أجلك.

أجبتك بتلك الطريقة نفسها التي أجبتني بها يوماً، وأنا أعترف لك "لقد أحببتك يوم قرأتك" فقلتِ "كان ينبغي ألا تقرأني..".

قلتُ:

- كان ينبغي ألا تحبّيها إذن..

وإذا بجوابك يدهشني.. يوقظني.. ويبثّ شحنة كهربائية في جسدي..

- ... ولكنني أحببتك!

ها هي الكلمة التي انتظرتها عاماً دون جدوى. فهل أشكرك أم أبكي. أم أسألك لماذا اليوم.. لماذا الآن.. ولماذا كلّ هذا العذاب إذن؟

سألتك فقط:

- وهو؟

أجبتني وكأنك تتحدّثين عن شيء لا يعنيك تماماً:

- إنه قدر جاهز.

قاطعتك:

- لكل شخص القدر الذي يستحقّه. كنت أتوقع قدراً غير هذا.. كيف قبلت أن ترتبطي به؟

قلتِ:

- أنا لا أرتبط به.. أنا أهرب إليه فقط من ذاكرة لم تعد تصلح للسكن، بعدما أثثتها بالأحلام المستحيلة والخيبات المتتالية..

- ولكن لماذا هو.. كيف يمكن أن تمرّغي اسم والدك في مزبلة كهذه.. أنت لست امرأة فقط، أنت وطن، أفلا يهمّك ما سيكتبه التاريخ يوماً؟

أجبتِ بشيء من السخرية المرة:

- وحدك تعتقد أن التاريخ جالس مثل ملائكة الشر والخير على جانبينا، ليسجّل انتصاراتنا الصغيرة المجهولة.. أو كبواتنا وسقوطنا المفاجئ نحو الأسفل. التاريخ لم يعد يكتب شيئاً. إنه يمحو فقط!

لم أسألك ما الذي تريدين محوه بالضبط. ولم أناقشك في نظرتك الخاطئة للقيم..

سألتك:

- ما الذي تريدينه مني على التحديد؟

قلتِ كأنك طفلة يسألونها عن أيّ حلوى تريد:

- أريدك..

خطر بذهني لحظتها أنك ربما كنت امرأة عاجزة عن حب رجل واحد، وأنه يلزمك دائماً رجلان. كانا في الماضي زياد وأنا. وأصبحا اليوم أنا.. والآخر.

عاد صوتك يقول:

- خالد.. أتدري أنني أحببتك.. إنه حدث أن أردتك واشتهيتك حدّ الجنون.. شيء فيك جرّدني من عقلي يوماً.. ولكنني قررت أن أشفى منك.. كانت علاقة حبّنا علاقة مرضيّة، أنت نفسك قلت هذا..

سألتكِ:

- لماذا عدت اليوم إذن؟

قلتِ:

- عدت لأقنعك بالمجيء إلى قسنطينة. أريد أن تباركنا تلك المدينة ولو مرة واحدة.. تباركنا ولو كذباً، لقد تواطأت معنا وأوصلتنا إلى جنوننا هذا.. أدري أننا لن نلتقي فيها.. قد لا نتحدث.. وقد لا نتصافح. ولكن سأكون لك ما دمنا فيها. سنتحداهم على مرأى منها.. ووحدها ستعرف أنني أمنحك ليلتي الأولى.. أيسعدك هذا؟

 

كم من ليلة أولى كنت تملكين؟ كم من ليلة وهمية أولى كنت قادرة على أن تهبي على بياض، كما وهبتِ روايتك الأولى.. نسختين مزوّرتين لي ولزياد.. موقّعتين على بياض.

لمن ستكونين بعد كل ليلة وهمية؟ ومع من بدأت كذبتك الأولى؟ لمن أهديت هديّتك الملغومة الأولى؟

عندما أذكر كلامك اليوم، أضحك وأنا أشبّه نفسي آنذاك بأثيوبي جائع يسردون عليه قائمة من الأطباق الشهية التي لن يذوقها، ويسألونه بعدها كيف وجدها.. وإذا كان ذلك يسعده..

ولكن وقتها لم أضحك، بل ربما بكيت وأنا أجيبك بحماقة عاشق.. "يسعدني..".

لم أنتبه إلى أنك كنت تمنحينني ليلةً وهمية، عليّ أن أتنازل عنها مباشرة لرجل آخر، سيستفيد منها فعلياً!

ولكن هل يهم ذلك.. مادمت أتنازل عن شيء ليس في جميع الحالات لي؟

هكذا التاريخ دائماً عزيزتي وهكذا الماضي.. ندعوه في المناسبات ليتكفّل بفتات الموائد.

نتحايل على الذاكرة، نرمي لها عظمة تتلهى بها، بينما تُنصب الموائد للآخرين.

وهكذا الشعوب أيضاً، نهبها كثيراً من الأوهام.. كثيراً من الأحلام المعلّبة، من السعادة المؤجلة، فتغضّ النظر عن الولائم التي لن تدعى إليها..

ولكن لم أعِ كل هذا إلا بعد فوات الأوان. بعدما رفعت الموائد، وانسحب الجميع لأبقى وحدي.. أمام فتات الذاكرة.

قلتُ:

- أريد أن أراكِ..

صحتِ:

- لا.. لم يعد لقاؤنا ممكناً الآن.. وربما كان هذا أفضل. يجب أن نبحث عن نهاية أقل وجعاً لقصّتنا. لتكن قسنطينة لقاءنا وفراقنا معاً.. فلا داعي لمزيد من العذاب.

هكذا إذن.. قررت قتلي حسب الأصول، بجرّة سكّين واحدة، ذهاباً وإياباً.. في لقاءٍ وفراقٍ واحد. فما أرأفك بي.. وما أغباني!

أكثر من سؤال ظلّ معلّقاً في الحلق، لم أطرحه عليك يومها.

أكثر من لوم.. أكثر من عتاب.. أكثر من رغبة..

ولكن هاتفك انتهى كما جاء خارج الزمان، وأنا بين الصحوة واليقظة ممدد بذهول في فراشي.

حتى أنني تساءلت بعدها: هل طلبتني حقاً في ذلك الصباح أم أنني حلمت.. فقط؟

 

ها نحن مثل أطفال إذن..

نمحو كل مرة آثار الطباشير على الأرض لنرسم قوانين لعبة جديدة.

نتحايل على كل شيء لنربح كل شيء. فتتّسخ ثيابنا ونصاب بخدوش ونحن نقفز على رِجْل واحدة من مربع مستحيل إلى آخر.

كل مربع فخّ نصب لنا، وفي كل مربع وقفنا وتركنا أرضاً شيئاً من الأحلام.

كان لا بد أن نعترف أننا تجاوزنا عمر النط على رِجْل واحدة، والقفز على الحبال، والإقامة في مربعات الطباشير الوهيمة.

أخطأنا حبيبتي..

الوطن لا يرسم بالطباشير، والحب لا يكتب بطلاء الأظافر.

أخطأنا.. التاريخ لا يكتب على سبورة، بيد تمسك طباشير وأخرى تمسك ممحاة..

 

والعشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل.

دعينا نتوقف لحظة عن اللعب. لحظة عن الجري في كل الاتجاهات. نسينا في هذه اللعبة مَنْ مِنّا القط، ومَن الفأر.. ومن منا سيلتهم مَنْ.

نسينا أنهم سيلتهموننا معاً.

لم يعد أمامنا متّسع للكذب. لا شيء أمامنا سوى هذا المنعطف الأخير. لا شيء تحتنا غير هاوية الدمار.

فلنعترف أننا تحطّمنا معاً.

لستِ حبيبتي..

أنتِ مشروع حبي للزمن القادم. أنت مشروع قصّتي القادمة وفرحي القادم.. أنتِ مشروع عمري الآخر.

في انتظار ذلك.. أحبّي من شئتِ من الرجال، واكتبي ما شئتِ من القصص..

وحدي أعرف قصّتك التي لن تصدر يوماً في كتاب. وحدي أعرف أبطالك المنسيين وآخرين صنعتهم من ورق.

وحدي أعرف طريقتك الشاذة في الحب، طريقتك الفريدة في قتل من تحبين.. لتؤثثي كتبك فقط.

أنا الذي قتلتني لعدة أسباب غامضة، وأحببتك لأسباب غامضة أخرى.

أنا الرجل الذي حوّلك من امرأة إلى مدينة، وحولته من حجارة كريمة إلى حصى.

لا تتطاولي على حطامي كثيراً.

لم ينته زمن الزلازل، وما زال في عمق هذا الوطن حجارة لم تقذفها البراكين بعد.

 

دعينا نتوقف لحظة عن اللعب. كفاك كل ما قلته من كذب..

أعرف اليوم أنك لن تكوني لي.

دعيني إذن، أنحشر معك يوم الحشر حيث تكونين، لأكون نصفك الآخر.

دعيني أحجز مسبقاً مكاناً لي إلى جوارك، ما دامت كل الأماكن محجوزة حولك هنا، وما دامت مفكّرتك ملأى بالمواعيد حتى آخر أيامك..

يا امرأة على شاكلة وطن..

أيهمّ بعد اليوم أن نبقى معاً؟

حقيبة صغيرة فقط لملاقاة الوطن.

 

ولا شي سوى بدلة سوداء لحضور حفل زفافك. زجاجتيْ وسكي.. قمصان.. وشفرات حلاقة.

هنالك أوطان تنتج كل مبرّرات الموت، وتنسى أن تنتج شفرات حلاقة!

على أصابع الجرح أعود إلى الوطن.

دون أمتعة شخصية، دون زيادة في الوزن ولا زيادة في حساب.

وحدها الذاكرة أصبحت أثقل حملاً، ولكن من سيحاسبنا على ذاكرة نحملها بمفردنا؟

مشياً على جرحي الأخير أعود إليه على عجل.

عشر سنوات من الغياب، وها هوذا الرجوع المفاجئ. كنت أتوقع لقاءً غير هذا..

كنت سأحجز لي مكاناً في الدرجة الأولى مثلاً. فيحدث للذاكرة في مثل هذه المناسبات، أن ترفض الجلوس في الكراسي الخلفية.

 

ولكن، لا يهم سيدتي.. كانت كل الكراسي الأمامية محجوزة مسبقاً، لأولئك الذين حجزوا كراسي الوطن أيضاً بأمر..

فلأعد إليه كما جئت منه إذن، على كرسي جانبي للحزن.

نغادر الوطن، محمّلين بحقائب نحشر فيها ما في خزائننا من عمر. ما في أدراجنا من أوراق.

نحشر أبوم صورنا، كتباً أحببناها، وهدايا لها ذكرى..

نحشر وجوه من أحببنا.. عيون من أحبّونا.. رسائل كتبت لنا.. وأخرى كنّا كتبناها.

آخر نظرة لجارة عجوز قد لا نراها، قبلة على خد صغير سيكبر بعدنا، دمعة على وطن قد لا نعود إليه.

نحمل الوطن أثاثاً لغربتنا، ننسى عندما يضعنا الوطن عند بابه، عندما يغلق قلبه في وجهنا، دون أن يلقي نظرة على حقائبنا، دون أن يستوقفه دمعنا.. ننسى أن نسأله من سيؤثثه بعدنا.

وعندما نعود إليه.. نعود بحقائب الحنين.. وحفنة أحلام فقط.

نعود بأحلام وردية.. لا "بأكياس وردية"، فالحلم لا يستودر من محلات "تاتي" الرخيصة الثمن.

عارٌ أن نشتري الوطن ونبيعه حلماً في السوق السوداء. هنالك إهانات أصعب على الشهداء من ألف عملة صعبة!

ها أنذا.. بحقيبة يدٍ صغيرة، هنا في اللامكان.

في هذه النقطة المعلقة بين الأرض والسماء. والهاربة بي من ذاكرة إلى أخرى. أجلس على مقعد في الدرجة الثانية للنسيان.

 

أحلّق على تضاريس حبّك. على ارتفاع تصعب معه الرؤية، ويصعب معه النسيان. وأتساءل رغم فوات الأوان: تراني أرتكب آخر حماقات عمري، وأهرب منك إلى الوطن؟ أحاول أن أشفى منك به. أنا الذي لم أشف بك منه؟

 

ها هي اللوحة التي أحضرتها هدية لعرسك تشغل مكانك الفارغ إلى جواري.

 

ها نحن نسافر _ أخيراً معاً _ أنا وأنت..

نأخذ طائرة واحدة لأول مرة. ولكن ليس للرحلة نفسها.. ولا للاتجاه نفسه.

ها هي قسنطينة..

ساعتان فقط ليعود القلب عمراً إلى الوراء.

تشرع مضيفةٌ باب الطائرة، ولا تتنبّه إلى أنها تشرع معه القلب على مصراعيه. فمن يوقف نزيف الذاكرة الآن؟

من سيقدر على إغلاق شبّاك الحنين، من سيقف في وجه الرياح المضادة، ليرفع الخمار عن وجه هذه المدينة.. وينظر إلى عينها دون بكاء.

ها هي قسنطينة إذن..

وها أنذا أحمل بيدي الوحيدة حقيبة يد، ولوحة تسافر معي سفرها الأخير، بعد خمس وعشرين سنة من الحياة المشتركة.

ها هي "حنين"، النسخة الناقصة عن قسنطينة، في لقاء ليليّ مع اللوحة الأصل..

تكاد مثلي تقع من على سلّم الطائرة تعباً.. ودهشة.. وارتباكاً.

 

تتقاذفنا النظرات الباردة المغلقة، تتقاذفنا العبارات التي تنهى وتأمر. وكل هذه الوجوه المغلقة، وكل هذه الجدران الرمادية الباهتة..

فهل هذا هو الوطن؟

قسنطينة..

كيف أنتِ يا اميمة.. واشك؟

أشرعي بابك واحضنيني.. موجعة تلك الغربة.. موجعة هذه العودة..

باردٌ مطارك الذي لم أعد أذكره. باردٌ ليلك الجبلي الذي لم يعد يذكرني.

دثّريني يا سيدة الدفء والبرد معاً.

أجلي بردك قليلاً.. أجّلي خيبتي قليلاً.

قادمٌ إليك أنا من سنوات الصقيع والخيبة، من مدن الثلج والوحدة.

فلا تتركيني واقفاًً في مهب الجرح.

كانت الإشارات المكتوبة بالعربية، وبعض الصور الرسمية، وكل تلك الوجوه المتشابهة السمراء، تؤكد لي أنني أخيراً أقف وجهاً لوجه مع الوطن. وتشعرني بغربة من نوع آخر تنفرد بها المطارات العربية.

 

وحده وجه حسّان ملأني دفئاً مفاجئاً عندما أطلّ، وأذاب جليد اللقاء الأول.. مع ذلك المطار.

وعندما احتضنني، وأخذ عني حمولة يدي، وقال بلهجة جزائرية مازحة وهو يحمل عني تلك اللوحة:

"واش.. مازلت تنقّل في الطابلوهات..؟" ثم أضاف "آ سيدي.. هذا نهار مبروك من هو اللي قال نشوفك هنا..!".

شعرت أن قسنطينة أخذت فجأة ملامحه، وأنها أخيرا جات ترحّب بي.

 

وهل كان حسان غير تلك المدينة نفسها. غير حجارتها.. قرميدها.. وجسورها ومدارسها.. وأزقّتها وذاكرتها؟

هنا ولد، وهنا تربّى ودرس، وهنا أصبح مدرّسا. لم يغادرها إلا نادراً في زيارات قصيرة إلى تونس أو إلى باريس.

كان يحضر لزيارتي من سنة إلى أخرى، لكي يطمئنّ عليّ وليشتري بالمناسبة بعض لوازم عائلته التي ما فتئت تكبر وتتضاعف. وكأن حسان قرر أن يتحمل بمفرده مسؤولية عدم اندثار اسم العائلة، بعدما يئس من تزويجي وأدرك بعد محاولات إغراء فاشلة، أنه لن يكون لي بنات و لا بنون.. ما عدا تلك اللوحات التي تنفرد بحمل اسمي.

 

أكتشف اليوم، أن هذا الرجل الفارع القامة، المهذّب المظهر، والذي يتحدث دائماً بحماسة الأساتذة وعنادهم وتكرارهم، وكأنه يواصل حديثه لتلاميذه وليس للآخرين، هو أخي.. لا غير.

 

أكنت أجهل هذا؟ لا!

 

ولكن في هذا اليوم الاستثنائي الألم والخيبة.. والفرحة! أشعر أن قرابته بي تصبح الأرض الصلبة الوحيدة التي يمكن أن أقف عليها وسط زلازلي الداخلية، والصدر الوحيد الذي كنت لولا الكبرياء، بكيت عليه في تلك اللحظة.

 

عشر سنوات.. حدث خلالها في بعض المرّات أن انتظرته أنا في مطار (أورلي الدولي).

 

كانت الأدوار معكوسة. كان هو القادم.. وأنا المنتظر. وكنت أشعر آنذاك أنني أقوم بواجب عائلي لستُ ملزماُ به، ولكن كنت أحرص عليه. فقد كانت تلك إحدى فرصي القليلة لألعب دور "الأخ الكبير" بكل مسؤولياته وواجباته. ذلك الدور الذي لم أوفّق دائماً في أدائه. فقد عشت في الواقع دائماً بعيداً عن حسّان، حسان الذي كنت أدرك جوعه للحنان ويتمه المبكّر.. وتعلقه العاطفي بي.

 

تُراه لهذا أيضاً تزوّج باكرا على عجل، وراح يكثر من الأولاد ليحيط نفسه أخيراً بتلك العائلة التي حرم منها دائماً في طفولته، والتي كنت عاجزاً عن أن أعوضها له بحضوري العابر.. وغيابي المتنقّل من منفى إلى آخر.

فلماذا يقلب لقائي بحسان اليوم كل مقاييسي السابقة، ويشعرني برغم فارق العمر، وبرغم أولاده الستة، أنني الأخ الأصغر وأنه في هذه اللحظة يكبرني بسبع سنوات، وربما بأكثر..

 

ترى لأنه هو الذي يحمل حقيبتي ويمشي أمامي، ويسألني عن تفاصيل سفري.. أم أن هذا المطار الذي يستفزّ رجولتي وكبريائي يجرّدني من وقار عمري. فأترك حسان يتصرف فيه نيابة عني، وكأن تجربته مع هذه المدينة ومعايشته لطباعها المتقلّبة، جعلته اليوم يبدو أكبر..

 

أم تراها قسنطينة.. تلك الأم المتطرفة العواطف، حباً وكراهية.. حنانا وقسوة، هي التي حوّلتني بوطأة قدم واحدة على ترابها، إلى ذلك الشاب المرتبك الخجول الذي كنته قبل ثلاثين سنة؟

نظرت إليها من زجاج سيارة كانت تنقلني من المطار إلى البيت، وتساءلت: أتراها تعرفني؟

هذه المدينة الوطن، التي تُدخل المخبرين وأصحاب الأكتاف العريضة والأيدي القذرة من أبوابها الشرفيّة.. وتدخلني مع طوابير الغرباء وتجّار الشنطة.. والبؤساء.

 

أتعرفني.. هي التي تتأمل جوازي بإمعان.. وتنسى أن تتأملني؟

سُئلت أعرابية يوماً: "من أحبّ أولادك إليك؟" قالت: "غائبهم حتى يعود.. ومريضهم حتى يشفى.. وصغيرهم حتى يكبر".

وكنت أنا غائبها الذي لم يعد.. ومريضها الذي لم يشف وصغيرها الذي لم يكبر..

ولكن قسنطينة لم تكن قد سمعت بقول تلك الأعرابية. فلم أعتب عليها. عتبت على ما قرأت من كتب التراث العربي!

 

لم أنم تلك الليلة..

أكان ذلك العشاء الذي أعدته عتيقة زوجة حسان، وكأنها تعدّ وليمة، والذي استسلمت له بشهية أكاد أقول تاريخية، هو الذي كان سبب قلقي، بعدما تناولت الكثير من أطباقه التي لم أذق معظمها من سنين؟

 

أم أن السبب هو صدمة لقائي العاطفي الآخر مع ذلك البيت، الذي ولدت فيه وتربّيت، والذي على جدرانه وأدراجه ونوافذه وغرفه وممراته، كثير من ذاكرتي، من أفراح ومآتم وأعياد.. وأيام عادية أخرى، تراكمت ذكراها في أعماقي لتطفو الآن فجأة.. كذكريات فوق العادة تلغي كل شيء عداها؟

ها أنا أسكن ذاكرتي وأنا أسكن هذا البيت، فكيف ينام من يتوسّد ذاكرته؟

مازال طيف الذين غادروه يعبر هذه الغرف أمامي. أكاد أرى ذيل كندورة (أمّا) العنابي يمر هنا، ويروح ويجيء بذلك الحضور السري للأمومة. وصوت أبي يطالب بالماء للوضوء، أو يصيح من أسفل الدرج "الطريق.. الطريق" لينبّه النساء في البيت أنه قادم صحبة رجل غريب، وأن عليهن أن يفسحن الطريق ويذهبن للاختباء في الغرف البعيدة.

 

أكاد أرى خلف الجدران الجديدة البياض آثار المسمار الذي علق عليه أبي يوماً شهادتي الابتدائية منذ أربعين سنة. ثم جوارها بعد سنوات شهادة أخرى..

وبعدها لا شيء..

 

توقّف اهتمامه بي ليبدأ اهتمامه بأشياء أخرى، ومشاريع أخرى، انتهت بموت (أما) وزواجه الذي كان جاهزاً للاستهلاك، ومعداً في ذهنه منذ مدة.

 

أكاد أرى جثمان (أما) يخرج مرة أخرى من ها الباب الضيق يليه حشد من قراء القرآن.. ونساء يحترفن البكاء في المآتم.

أكاد أرى موكباً آخر يعود بعد أسابيع، بعروس صغيرة هذه المرة.. ونساء يحترفن الزغاريد والمواويل.

ثم تلك الليلة التي قبّلت فيها حسان وودعته قبل أن ألتحق بالجبهة.

لم يسألني ليلتها إلى أين كنت ذاهباً. كان حسان وهو في عامه الخامس عشر، قد سبق عمره بسنوات.

كان مثلي جعله اليتم يكبر على عجل.. وعلّمه ذلّه أن يصمت ويحتفظ لنفسه بالأسئلة.

 

سألني:

- .. وأنا؟

وأجبته بالذهول نفسه:

- مازلت صغيراً يا حسان.. انتظرني..

فقال وكأنه يتقمّص فجأة صوت (أما) وخوفها المرضيّ عليّ:

- عندك على روحك.. آ خالد..

 

وأجهش بالبكاء.

ها هو الوطن الذي استبدلته بأمي يوماً.

كنت أعتقد أنه وحده قادر على شفائي من عقدة الطفولة، من يتمي ومن ذلّي.

اليوم.. بعد كل هذا العمر، بعد أكثر من صدمة وأكثر من جرح، أدري.. أن هناك يُتم الأوطان أيضاً. هنالك مذلّة الأوطان، ظلمها قسوتها، هنالك جبروتها وأنانيتها.

 

هنالك أوطان لا أمومة لها.. أوطان شبيهة بالآباء.

 

لم أنم ليلتها حتى ساعة متقدمة من الصباح.

كان للقائي الليلي مع تلك المدينة مذاق مسبق لمرارة ما. وما كدت أغفو حتى أيقظني من غفوتي أصغر أولاد حسان، الذي استيقظ باكراً وراح يبكي بكاء رضيع يطالب بحضن أمه، ووجبته الصباحية.

حسدت براءته وجرأته الطفولية.. وقدرته على قول ما يريد دون كلام.

في ذلك الصباح، وفي أول لقاء لي مع تلك المدينة، فقدت لغتي.

شعرت أن قسنطينة هزمتني حتى قبل أن نلتقي، وأنها جاءت بي إلى هنا، لتقنعني بذلك لا غير!

 

ولم أشعر برغبة في مقاومة قدري.

لقد هزمت من مرّوا قبلي، وصنعت من جنونهم بها أضرحة للعبرة.

وأنا آخر عشاقه المجانين..

 

أنا ذا العاهة الآخر الذي أحبها، أنا"أحدب نوتردام" الآخر، وأحمق قسنطينة الآخر.. ما الذي أوصلني إلى جنون كهذا؟ ما الذي أوقفني عند أبواب قلبها عمراً؟

 

وكانت تشبهك..

تحمل اسمين مثلك، وعدة تواريخ للميلاد. خارجة لتوّها من التاريخ، باسمين: واحد للتداول.. وآخر للتذكار.

كان اسمها يوماً "سيرتا". قاهرة كانت.. كمدينة أنثى.

وكانوا رجالاً.. في غرور العسكر!

 

من هنا مرّ صيفاكس.. ماسّينيسا.. ويوغررطة.. وقبلهم آخرون.

تركوا في كهوفها ذاكرتهم. نقشوا حبّهم وخوفهم وآلهتهم.

تركوا تماثيلهم وأدواتهم، وصكوكهم النقدية، أقواس نصرهم وجسوراً رومانية..

.. ورحلوا.

لم يصمد من الجسور سوى واحد. ولم يبق من أسمائها سوى اسم "قسنطينة" الذي منحه لها من ستة عشرة قرناً "قسطنطن".

أحسد ذلك الإمبراطور الروماني المغرور، الذي منح اسمه لمدينة لم تكن حبيبته بالدرجة الأولى.. وإنما اقترن بها لأسباب تاريخية محض.

وحدي منحتك اسما لم يكن اسمي.

وربما لذلك، يحدث أن أعاكس قانون الحماقات هذا. وأنادي تلك المدينة "سيرتا" لأعيدها إلى شرعيّتها الأولى.

تماما.. كما أناديك "حياة".

ككلّ الغزاة.. أخطأ قسطنطين.

 

المدن كالنساء.. نحن لا نمتلكها لمجرد أننا منحناها اسمنا.

لقد كانت "سيرتا" مدينة نذرت للحب والحروب، تمارس إغراء التاريخ، وتتربّص بكل فاتح سبق أن ابتسمت له يوماً من علوّ صخرتها.

كنسائها كانت تغري بالفتوحات الوهمية..

ولكن لم يعتبر من مقابرها أحد!

هنا أضرحة الرومان.. والوندال.. والبيزنطيين.. والفاطميين.. والحفصيين.. والعثمانيين.. وواحد وأربعين باياً تناوبوا علها قبل أن تسقط في يد الفرنسيين.

هنا وقفت جيوش فرنسا سبع سنوات بأكملها على أبواب قسنطينة.

فرنسا التي دخلت الجزائر سنة 1830، لم تفتح هذه المدينة الجالسة على صخرة، إلا سنة 1837، سالكة ممراً جبليا تركت فيه نصف جيشها، وتركت فيه قسنطينة خيرة رجالها.

منذ ذلك اليوم، ولد أكثر من جسر حول تلك المدينة، وكثرت الطرقات المؤدية إليها.

 

ولكن، كانت الصخرة دائماً أكبر من الجسور، لأنها تدري أن لا شيء تحت الجسور سوى الهاوية!

ها هي مدينة تتربص بكل فاتح.. تلف نفسها بملاءتها السوداء وتخفي سرّها عن كل سائح.

تحرسها الوهاد العميقة من كل جانب، تحرسها كهوفها السرية وأكثر من وليّ صالح، تبعثرت أضرحتهم على المنعرجات الخضراء تحت الجسور.

هنا القنطرة.. أقرب جسر لبيتي ولذاكرتي. أعبرها تلقائيا وكأنني أرسمها، مشياً على الأقدام، بين الدوار المبهم والتذكار وكأنني أعبر حياتي، أجتاز العمر من طرف إلى آخر.

كل شيء كان يبدو مسرعاً على هذا الجسر. السيارات والعابرون وحتى الطيور، وكأن شيئاً ما كان ينتظرهم على الطرف الآخر.

ربما كان بعضهم يجهل آنذاك أن الذي يبحث عنه، قد يكون تركه خلفه، وأنه في الحقيقة، لا فرق بين طرفي الجسر. الفرق الوحيد هو ما في فوقه.. وما تحته.

 

تلك الهاوية المخيفة التي يفصلك عنها حاجز حديدي لا أكثر، والتي لا يتوقف أحد لبنظر إليها، ربما لأن الإنسان بطبعه لا يحب أن يتأمل الموت.. كثيرا.

وحدي تستوقفني هذه الهاوية الموغلة في العمق.

ترى لأنني أتيتها بأفكار مسبقة وذاكرة متوارثة؟ أم سلكت هذا الطريق، لأنفرد بهذه المدينة على جسر؟

***

هنالك حماقات يجب عدم ارتكابها، كأن تأخذ موعداً مع ذاكرتك على جسر.

خاصة عندما تتذكر فجأة، تلك القصة التي نسيتها تماماً منذ سنين..

قصة جدك البعيد الذي رمى بنفسه يوماً من جسر ربما كان هذا.. بعدما توعده أحد البايات بالقتل.. عندما جاءه خبر خيانته وتآمره عليه مع بعض وجهاء قسنطينة للإطاحة به. هو الذي كان مبعوثه ورسوله الخاص.. ورجل ثقته.

 

كان جدّي يومها أضعف من أن يقف بمفرده في وجه ذلك الأمر القاطع بالقتل. وكان أيضاً أكبر من أن يُقاد ليقف بين يدي ذلك الباي ذليلاً..

ولذا عندما أرسل الباي من يحضره إليه.. كان جدي جثة في هوة سحيقة كهذه، أسفل وادي الرمال، فقد رفض أن يمنح الباي شرف قتله.

سمعت هذه القصة مرة واحدة من فم أبي، يوم سألته عن سر هذا الاسم الذي نحمله.

يبدو أنه كان لا يحب رواية هذه الحادثة. فقد كان الانتحار في حدّ ذاته عاراً وكفراً في مجتمع قسنطيني متدين. ولهذا هاجرت عائلتنا بعد ذلك إلى غرب الجزائر مستبدلة باسم نكرة اسمها الأول. ولم تعد إلى قسنطينة إلا بعد جيل وأكثر، باسمٍ لمدينة أخرى.

 

أعيد نظري إلى أسفل.

ماذا تراني جئت أبحث هنا، في هذا الجسر المعلّق على ارتفاع مئة وسبعين متراً من جوف الأرض، والذي تعبره أسراب الغربان على عجل؟

 

تراني أبحث عن بقايا جدّ ما، كان اسمه أحمد.. يقال إنه كان وسيماً وذا مالٍ وعلم كبير، وأنه رمى يوماً كل شيء من هنا.. ليترك حزنه وجرحه إرثاً لتلك العائلة.

هذه هي قسنطينة..

مدينة لا يهمها غير نظرة الآخرين لها، تحرص على صيتها خوفاً من القيل والقال الذي تمارسه بتفوق. وتشتري شرفها بالدم تارة.. والبُعد والهجرة تارة أخرى.

تراها تغيّرت؟

 

أذكر أنني سمعت وأنا شاب بعائلة غادرت قسنطينة فجأة إلى مدينة أخرى، بعدما شاع أن إحدى الأغاني التي ما يزال يغنّيها "الفرقاني" اليوم، قد نظمها أحدهم تغزّلاً في إحدى بناتها!

ويظل السؤال.. ما الذي جئت أفعل هنا فوق هذا الجسر؟

تراني على موعد مع ذاكرتي، أم فقط مع لوحتي في هذا الصباح؟

ها أنا أقف أمامها اليوم دون فرشاة ولا ألوان، وبلا قلق أو خوف من مربّع القماش الأبيض.

 

أنا لست خالقها في هذه اللحظة. لست رسّامها ولا مبدعها. أنا جزء منها. ويمكنني أن أصبح حتى جزءاً من تفاصيلها وتضاريسها.

يمكنني أن أجتاز هذا الحاجز الحديدي الذي يفصلني عنها، وكأنني أجتاز إطار لوحة.. كأنني أخترقها لأسكنها إلى الأبد.

أتدحرج نحو هذا الوادي الصخري العميق نقطة بشرية، قطرة للونٍ ما.. على لوحةٍ أبدية، لمنظر أردت أن أرسمه.. فرسمني.

أليست هذه أجمل نهاية لرسّام، أن يتوحد مع لوحته في مشهد واحد؟

 

كنت أدري في تلك اللحظة وأنا أنظر إلى الوهاد العميقة تحتي، إلى تلك الأنفاق الصخرية التي يشطرها نهر الرمال ببطء زبديّ، أن "الهاوية الأنثى" كانت تستدرجني إلى العمق، في موت شبقيّ أخير، ربما كان فرصتي الأخيرة للتوحد الجسديّ مع قسنطينة، ومع ذاكرة جدّ بدأت أشعر بتواطؤ غامض معه.

ترى شهوة السقوط والتحطم هي التي أشعرتني عندئذٍ بالدوار، وأنا معلّق على ذلك الجسر وحدي؟

وإذا بي أشعر فجأة بالخجل من هذه المدينة.. وأكاد أعتذر لها. وحدهم الغرباء هنا يشعرون بالدوار. فمتى بالتحديد وضعتني قسنطينة في خانتهم؟

ورغم ذلك أعترف، أنني لم أكن يومها مستعداً للموت.

ليس تمسكاً منيّ بالحياة. ولكن لأنني وصلت بذلك الحزن الجارف العميق الذي اجتاحني منذ وطئت هذه المدينة، إلى عاطفة غامضة متطرفة أخرى.

 

لقد وصلت بمرارتي وخيبتي حد الطمأنينة والسعادة المبهمة.

 

فلقد تعلّمت أن أسخر من استفزاز الأشياء لي، وأقابل تلك المواجهة مع الذاكرة بشيء من التهكم المرّ.

ألم آت هنا إثر قرارٍ جنوني، ربما بحثاً عن الجنون في مدينة تكاد تحترفه! ولذا بدأت أتلذّذ سراً بهذه اللعبة الموجعة، وأحرص على أن أعيش صدماتي بمازوشيّة متعمّدة. فربما كانت خيبتي اليوم مع هذه المدينة، هي منجم جنوني وعبقريتي القادمة.

وبرغم ذلك قررت فجأة أن أهرب من ذلك الجسر الذي كان بداية جنوني يوماً.

فجأة تطيّرت منه، أن الذي أولعت به طويلاً وحولته إلى ديكور لحياتي، بعدما أحطت نفسي بأكثر من نسخة منه.

أيكون ذلك الإحساس جاءني، وأنا ألمح من حيث كنت تلك السفوح الجبلية التي كانت يوماً مرشوشة بشقائق النعمان.. وأزهار النرجس المنثور بين الممرات الخضراء، والتي كان أهل قسنطينة يأتون إليها كل سنة لاستقبال الربيع.. محمّلين بما أعدّته النساء لتلك المناسبة من "براج" وحلويات وقهوة.. والتي تبدو اليوم حزينة، وكأن أزهارها غادرتها لسبب غامض؟

أم تراه منظر مزار (سيدي محمد الغراب) الذي يعود فجأة إلى الذاكرة. وإذا بي أستعيد ما قرأته عنه مؤخراً في كتاب تاريخي عن قسنطينة. فتعبرني قشعريرة غامضة.

 

ماذا لو لاحقتني دون أن أدري اللعنة التي لاحقت صالح باي أكبر بايات قسنطينة على الإطلاق بسبب هذا الجسر؟ هو الذي كان يريد أن يختم إنجازاته المعمارية الهائلة، وإصلاحاته المختلفة التي وهبها لتلك المدينة، بإصلاح جسر القنطرة، اللسان الترابي الوحيد الذي كان يربط المدينة بالخارج، والجسر الوحيد الذي صمد من بين خمسة جسور رومانية.

تقول أسطورة شعبية، إن هذا الجسر كان أحد أسباب هلاك (صالح باي) ونهايته المفجعة..

فقد قتل فوقه (سيدي محمد)، أحد الأولياء الذين كانوا يتمتّعون بشعبية كبيرة. وعندما سقط رأس الرجل الولي على الأرض، تحول جسمه إلى غراب، وطار متوجهاً نحو دار صالح باي الريفية التي كانت على تلك السفوح. ولعنه واعداً إياه بنهاية لا تقل قسوة ولا ظلماً عن نهاية الولي الذي قتله.

 

فما كان من صالح باي إلا أن غادر بيته وأراضيه إلى الأبد، تطيّراً من ذلك الغراب، واكتفى بداره في المدينة.

هكذا أطلق الناس على ذلك المكان اسم "سيدي محمد الغراب"، ليبقى بعد قرنين مزار المسلمين واليهود في قسنطينة، يأتونه في نهايات الأسبوع وفي المواسم، لقضاء أسبوع كامل يرتدون خلاله ثياباً وردية، يؤدون بها طقوساً متوارثة جيلاً عن جيل، فيقدّمون له ذبائح الحمام، ويستحمّون في المياه الدافئة لبركته الصخرية حيث كانت تستحمّ السلاحف، ويعيشون على شرب "العروق" لا غير، والاستسلام لنوبات رقص بدائية، في حلقات جماعية يؤدونها في الهواء الطلق.. على وقع بندير "الفقيرات".

ولكن قسنطينة، لم تحقد على بايها الذي وهبها الكثير من الوجاهة والرفاهية.

سوّت فقط بطيبة أو بجنون.. بين القاتل والقتيل.

صنعت من (سيدي محمد الغراب) أشهر مزار وليّ قسنطيني على الإطلاق، في مدينة يحمل كل شارع فيها اسم وليّ.

وخلّدت من بين واحد وأربعين باياً حكمها، اسم صالح باي وحده، فكتبت فيه أجمل أشعارها، وغنّت فجيعة موته في أجمل أغنية رثاء. ومازالت تلبس حداده حتى اليوم مع ملاءات نسائها السوداء.. دون أن تدري!

 

هذه هي قسنطينة..

لا فرق بين لعنتها ورحمتها، لا حاجز بين حبّها وكراهيّتها، لا مقاييس معروفة لمنطقها.

تمنح الخلود لمن تشاء، وتنزل العقاب بمن تشاء.

فمن عساه يحاسبها على جنونها، ومن عساه يحسم موقفه منها، حباً أو كراهية.. إجراماً أو براءةً.. دون أن يعترف أنها تحمل في كل الحالات ضدّها؟

***

في كل يوم كنت أقضيه في تلك المدينة، كنت أتورط أكثر في ذاكرتها، فرحت أبحث في سهراتي مع حسان، وأحاديثنا الجانبية الطويلة، التي تمتد بنا أحياناً حتى ساعة متأخرة من الليل.. عن وصفة أخرى للنسيان.

 

أبحث في ذلك الجو العائلي الذي افتقدته طويلاً عن طمأنينة أخرى خارج فضائها.

كان لوجودي في ذلك البيت العائلي الذي أعرفه ويعرفني، تأثير على نفسيّتي في تلك الأيام. وربما كان سندي السريّ الذي لم أتوقّعه. لقد كنت أعود إليه كل ليلة، وكأنني أصعد نحو دهاليز طفولتي البعيدة، لأصبح جنيناً من جديد..

أختبئ في جوف أمٍ وهمية، مازال مكانها هنا فارغاً منذ ثلاثين سنة.

 

يحدث في تلك الليالي أن أذكر زياد، يوم أقام عندي لبضعة أشهر في الجزائر، عندما رفض مستأجره أن يجدّد له عقد إيجار البيت.

تعوّدت وقتها أن أترك له سريري، وأنام على فراش آخر وضعته على الأرض في غرفة أخرى.

وكان زياد يحتج ويشعر بشيء من الإحراج، معتقداً أنني أفعل ذلك مجاملة له.

وكنت أوكّد له كل مرة، أنني اكتشفت بفضله أنني أسعد أكثر بالنوم على الأرض. فقد كان ذلك الفراش الأرضي يذكّرني بطفولتي وبنومي إلى جوار أمي لعدة سنوات، على ذلك المطرح الصوفي الذي ما زلت أذكر لونه الأزرق. بل وتلك الأيام التي كانت تخصّصها (أمّا) كل خريف، لغسل الصوف وتجديد تلك المطارح الصوفية التي كانت الأثاث الأساسي لغرفة نومي.

 

تمنّيت لو طلبت من عتيقة أن تضع لي في المستقبل فراشاً على الأرض، تماماً كما تفعل مع أولادها الذين ينامون في الغرف الأخرى، على فراش أرضي مشترك يوحي بالدفء والرغبة بالانزلاق تحت أغطيته الصوفية الجميلة التي تثير غيرتي وحنيني لزمنٍ لم أعد أدري لبعده، إن كنت عشته حقاً.. أم تخيّلته.

 

ولكن أيعقل أن أطلب هذا الطلب من عتيقة؟ هي التي أعطتني أجمل غرف بيتها، غرفة نومها العصرية المعدّة لاستقبال الضيوف، أكثر منها لقضاء ليالٍ زوجية.. للحب؟

لو فعلت هذا فلربما أحرجتها، ولما وجدت تفسيراً لجنوني هذا. فقد كانت عتيقة تشارك أحياناً في سهرتنا، وتحاول أن تستنجد بي، بصفتي رجلاً متحضّراً قادماً من باريس، لأقنع أخي بالتخلي عن هذا البيت العربي القديم، وهذه الطريقة المتخلّفة في العيش. وتكاد تعتذر لي عن كل الأشياء التي كانت تبدو في نظري جميلة.. ونادرة.

 

ولأنني لم أكن أملك القدرة على إقناعها برأيي، ولا الجرأة على معاكسة رأيها، كنت أكتفي بالاستماع إلى نقاشها مع حسان، ذلك النقاش الذي يكاد يتحول أحياناً إلى شجار قبل أن تنسحب هي إلى النوم، ويعلّق حسان شبه معتذر:

 

"لا يمكن أن تقنع امرأة تشاهد مسلسل (دالاس) على التلفزيون، أن تسكن بيتاً كهذا وتحمد الله.. لا بد أن يوقفوا هذا المسلسل، ماداموا عاجزين عن منح الناس سكناً محترماً.. وحياة أفضل..".

 

كنت أحسد قناعة حسان. وأعجب بفلسفته في الحياة.

 

كان يقول: "لكي تكون سعيداً عليك أن تنظر إلى من تحتك. فإذا كان في يدك قطعة رغيف، ونظرت لمن ليس في يده شيء، ستسعد وتحمد الله. وأما إذا رفعت رأسك كثيراً ونظرت لمن في يدهم قطعة "كعك" فأنت لن تشبع، بل ستموت قهراً فقط.. وتتعس باكتشافك!".

 

وهكذا ففي نظر حسان أن العيش في بيت كهذا برغم كل سلبياته التي تبدو أحياناً مزعجة، بتفاصيلها الصغيرة التي تجاوزها العصر، يظل أفضل مما يعانيه آلاف الناس. بل وعشرات الآلاف الذين لم يجدوا بيتاً واسعاً كهذا يسكنونه بمفردهم مع أولادهم وزوجتهم. بل كثيراً ما يتقاسمون مع أهلهم وأقاربهم، الشقة الضيقة التي تكون بيتاً لعائلتين لعدة سنوات.

 

هكذا كان حسان..

"لقد كانت نظرته إلى الأشياء نظرة عمودية، فقد تعلم كل ما تعلمه في صباه على سبورة بالحائط..".

وكان سعيداً بتلك النظرة التي قد تعود أيضاً إلى عقليته كموظف محدود الدخل.. ومحدود الأحلام!

فَبِمَ يمكن أن يحلم أستاذ للعربية يقضي يومه في شرح النصوص الأدبية، وسرد سيرة الكتّاب والشعراء القدامى على تلاميذه.. وتصحيح أخطائهم النحوية والإنشائية، ولا يجد متسعاً من الوقت _أو الجرأة_ لشرح ما كان يحدث أمامه، وتصحيح أخطاء أكبر ترتكب على مرأى منه باسم كلمات خرجت فجأة من اللغة، لتدخل قاموس الشعارات والمزايدات؟.

كان في أعماق حسان مرارة غامضة تبدو على كل تفاصيل حياته. ولكنه كان يحتفظ بها لنفسه.

 

من الواضح أنه كان متعباً وغارقاً في مشكلات أولاده الستّة وزوجته الشابة التي تحلم بحياة أخرى غير حياة قسنطينة المغلقة. وأما هو فلم يكن يجرؤ على الحلم، أو بالأحرى كان يحلم آنذاك بالعثور على شخص يتوسط له ليحصل على ثلاجة جديدة.. لا غير!

 

عندما عرفت أمنيته البسيطة الصعبة، حزنت وأنا أكتشف أننا لم نكن متخلّفين عن أوربا وفرنسا فقط، كما كنت اعتقد، وإلا لهان الأمر.. وبدا منطقياً. لقد كنا متخلّفين عما كنّا عليه منذ نصف قرن وأكثر. يوم كنّا تحت الاستعمار.

يومها كانت أمنياتنا أجمل.. وأحلامنا أكبر.

يكفي أن تتأمل وجوه الناس اليوم وأن تسمع أحاديثهم وأن تلقي نظرة على واجهات المكتبات لتفهم ذلك.

يومها كنّا وطناً يصدّر الأحلام.. مع كل نشرة أخبار إلى كل شعوب العالم.

وكانت هذه المدينة بمفردها تصدّر من الجرائد والمجلات والكتب ما لا تصدّره اليوم المؤسسات الوطنية لا نوعاً.. ولا عداً.

يومها كان لنا من المفكرين والعلماء.. والشعراء والظرفاء والكتاب، ما يملأنا زهواً وغروراً بعروبتنا.

اليوم.. لم يعد أحد يشتري الجرائد ليحتفظ بها في خزانة، إذ لم يعد في الجرائد ما يستحق الحفظ.

 

ولم يعد أحد يجلس إلى كتاب ليتعلّم منه شيئاً. لقد أصبح البؤس الثقافي ظاهرة جماعية، وعدوى قد تنتقل إليك وأنت تتصفّح كتاباً. " لقد كانت الكتب دائماً على صواب في ذلك العهد، وكان الواحد منّا فصيحاً يتكلم كما تتكلم الكتب..".

 

واليوم أصبحت الكتب تكذب أيضاً.. مثلها مثل الجرائد. ولذا تقلّص صدقنا.. وماتت فصاحتنا، منذ أصبح حديثنا يدور فقط حول المواد الاستهلاكية المفقودة!

عندما قلت يومها هذا الكلام لحسان، ظل يتأملني بذهول وكأنه اكتشف شيئاً لم ينتبه له من قبل.. ثم قال بشيء من الحسرة:

- صحيح.. لقد خلقوا لنا أهدافاً صغيرة لا علاقة لها بقضايا العصر. وانتصارات فردية وهمية، قد تكون بالنسبة للبعض الحصول على شقة صغيرة بعد سنوات من الانتظار.. أو قد تكون الحصول على ثلاجة، أو التمكن من شراء سيارة.. أو حتى دواليبها فقط! ولا أحد عنده متسع من الوقت والأعصاب ليذهب أكثر من هذا، ويطالب بأكثر من هذا..

 

نحن متعبون.. أهلكتنا هموم الحياة اليومية المعقّدة التي تحتاج دائماً إلى وساطة لحل تفاصيلها العادية. فكيف تريد أن نفكّر في أشياء أخرى، عن أيّ حياة ثقافية تتحدث؟ نحن همّنا الحياة لا غير.. وما عدا هذا ترف.. لقد تحولنا إلى أمة من النمل، تبحث عن قوتها وجحر تختبئ فيه مع أولادها لا أكثر..

سألته بسذاجة:

- وماذا يفعل الناس؟

قال مازحاً:

- الناس..؟ لا شيء.. البعض ينتظر.. والبعض يسرق.. والبعض الآخر ينتحر، هذه مدينة تقدم لك الاختيارات الثلاثة بالمبررات نفسها.. والحجة نفسها!

يومها خفت على حسان من تلك المدينة.. وانتابتني فجأة قشعريرة مبهمة.

سألته دون تفكير.. وكأنني أسأله أي الوصفات الثلاثة أختار:

- وهل لك أصدقاء هنا تلتقي بهم.. وتخرج معهم؟

أجابني وكأنه يعجب لسؤالي، أو يسعد لاهتمامي المفاجئ بكل تفاصيل حياته:

 

- لي أصدقاء معظمهم مدرسون معي في الثانوية.. ما عدا هذا ليس لي أحد.. لقد فرغت قسنطينة من أهلها، ورحلت كل العائلات القديمة التي عرفناها.

وراح يسرد عليّ أسماء عائلات كبيرة هاجرت أو راحت تستقر في العاصمة أو في الخارج، لتترك تلك المدينة لآخرين.. جاء معظمهم من القرى و المدن الصغيرة المجاورة.

 

قبل أن يضيف تلك الجملة التي لم تستوقفني ساعتها، والتي أخذت بعد ست سنوات كل أبعاد القدر الأحمق، قال:

- لقد أصبح سكان هذه المدينة الأصليون، لا يزورونها سوى في الأعراس.. أو في المآتم!

وقبل أن أعلّق على كلامه، أضاف وكأنه تذكّر شيئاً:

- سأعرفك على ناصر ابن سي الطاهر.. من المؤكد أنه سيأتي بعد غدٍ لحضور زواج أخته. سترى.. لقد أصبح رجلاً بطولك وبضخامتك، وهو يتردد عليّ منذ بضعة أشهر، منذ قرّر أن يستقر في قسنطينة. إنه الوحيد الذي قام بهجرة معاكسة. لقد رفض حتى منحة إلى الخارج.. تصور! لا أحد يصدّق هذا.. عندما سألته لماذا لم يسافر مثل الآخرين ويهرب من هذا البلد، قال لي: "أخاف إن سافرت ألا أعود أبداً.. كل أصحابي الذين سافروا لم يعودوا..".

ضحكت وأنا أكتشف هذا التطرف الذي يذكّرني بك، وكأنه سمة عائلية. وشعرت برغبة في إطالة ذلك الحديث الذي كان يؤدي إليك بطريقة.. أو بأخرى..

سألته:

- وماذا يفعل الآن؟

- لقد أعطوه بصفته ابن شهيد محلاً تجارياً وشاحنة يعودان عليه بدخل كبير. ولكنه مازال ضائعاً متردداً، يفكر أحياناً في مواصلة دراسته، ثم أحياناً أخرى في التفرّغ للتجارة. والحقيقة أنني عاجز عن نصحه. فمن المؤسف أن ينقطع إنسان عن دراسته العليا، لأنه سيظل يشعر بذلك النقص طوال حياته.. ومن ناحية أخرى، لم تعد تفيد الشهادات اليوم في شيء حسب قوله، وهو يرى شباباً بشهادات عليا عاطلين عن العمل، وآخرين جهلة يتنقّلون في سيارات مرسيدس ويسكنون فيلات فخمة.. ليس هذا زمناً للعلم.. إنه زمن الشّطارة.. فكيف يمكن أن تقنع اليوم صديقك أو حتى تلميذك بالتفاني في المعرفة؟. لقد اختلت المقاييس نهائياً..

 

قلت لحسان:

المهم أن يعرف الإنسان ما هو هدفه الحقيقي في الحياة.. هل المال هو مشكلته الأولى.. أم المعرفة وتوازنه الداخلي؟

ردّ حسان مازحاً:

- توازن..؟ عن أي توازن تتحدث.. نحن شعب نصف مختلّ. لا أحد فينا يدري ما يريد بالضبط.. ولا ماذا ينتظر بالتحديد.. إن المشكل الحقيقي هو هذا الجو الذي يعيشه الناس، وهذا الإحباط العام لشعبٍ بأكمله. إنه يفقدك شهية المبادرة والحلم والتخطيط لأي مشروع. فلا المثقفون سعداء.. ولا الجاهلون ولا البسطاء ولا الأغنياء. قل لي يرحم والديك.. ماذا يمكن أن تفعل بعلمك إذا كنت ستنتهي موظفاً يعمل تحت إشراف مدير جاهل، وُجِد في منصبه مصادفة ليس لسعة معرفته، وإنما.. لكثرة معارفه وعرض أكتافه.! وماذا يمكن أن تفعل بأموالك في قسنطينة مثلاً.. سوى أن تدفعها عمولة لتحصل على شقة غير صالحة للسكن في معظم الأحيان.. أو تقيم عرساً بها يغنّي فيه "الفرقاني"؟ أما إذا كان كل ما تملكه لا يتجاوز العشرين ألف دينار.. فيبقى أمامك أن تدفعها "شراب قهوة" لمسؤول محليّ يختبئ خلف أيّ موظّف آخر، ليبيع جوازات سفر إلى الحجّ. وهكذا يمكنك أن تؤدي فريضتك وتحجز لك غرفة صغيرة في الآخرة.. بعدما ضاقت بك الدنيا!

 

صحت عجباً:

- واش.. أحقاً تقول.. هل يبيعون جوازات سفر إلى الحج بمليونين!؟

- طبعاً.. لأن الحكومة حددت عدد الحجاج كل عام بسبب تكاليفهم الباهظة بالعملة الصعبة، بعدما اكتشفت أن معظمهم يسافر عدة مرات لأسباب لا علاقة لها بالحج، وإنما لأغراض تجارية محض. وإلا كيف تفسر أن يكون بعضهم قد حج ست مرات أو سبعاً دون أن يكون ذلك واضحاً على سلوكه وأخلاقه؟ أنا أعرف حاجاً "سوكارجي" لا تفارق الخمرة بيته، وأعرف آخر متفرغاً للترافيك و"البزنيس".. وتغيير العملة الصعبة في الأسواق السوداء.. هؤلاء مازالوا يسافرون كل عام للحج. يمكنهم أن يحصلوا على عشرين ألف دينار بسهولة. وأما أنا فمن أين لي هذا المبلغ لأقوم بتأدية فريضتي، ودخلي لا يتجاوز الأربعة آلاف دينار في الشهر؟

قلت له وأنا أنتقل من دهشة إلى أخرى:

- علاش.. هل تنوي الحج؟

- طبعاً.. ولم لا.. ألست مسلماً؟ لقد عدت إلى الصلاة منذ سنتين ولولا إيماني لأصبحت مجنوناً. كيف يمكن أن تصمد أمام كل هذا المنكر وهذا الظلم دون إيمان؟ وحدها التقوى تعطيك القدرة على الصمود.. انظر حولك: لقد توصّل جميع الناس إلى هذه النتيجة وربما الشباب أكثر من غيرهم لأنهم الضحية الأولى في هذا الوطن.. وحتى ناصر نفسه أصبح يصلّي منذ عاد إلى قسنطينة، ربما لهذا السبب وربما لأن الدين كالكفر.. عدوى أيضاً! والله يا خالد.. لو رأيتهم يوم الجمعة يتجهون إلى المساجد بالآلاف حتى تضيق بهم جدرانها.. وتفيض بهم الشوارع.. لوقفت معهم تصلي دون أن تتساءل لماذا!

 

لم أجد شيئا أعلّق به على كلام حسان في تلك السهرة العجيبة، التي طالت بنا حتى الثانية صباحاً. فقد كان حسان سعيداً بوجودي، وسعيداً ببدء العطلة الصيفية التي تسمح له بالسهر والتحدث إليّ طويلاً بعد كل هذه السنوات التي باعدتنا.

 

فتركته يتحدث.. ويعري أمامي هذا الوطن الذي كنت كسوته حنيناً وعشقاً وجنوناً.

أكان يخاف عليّ من خيبتي،ويخشى أن يفقد فرحة عودتي إليه وإلى هذا الوطن مرة أخرى، عندما كان يتوقف أحياناً عن الحديث لينتقل بي إلى موضوع آخر؟ كأن يستدرجني مثلاً بطريقة غير مباشرة إلى الدين وإلى التقوى والإيمان. ويغريني بالتوبة، وكأن وجودي في فرنسا بحد ذاته قد أصبح ذنبا وكفراً.

أهذا هو حسان؟.

لم أمنع نفسي ساعتها من الابتسام وأنا أتذكر أنني أحضرت له معي زجاجتيْ ويسكي كالعادة..

تساءلت ليلتها وأنا في فراشي عن ذنوبي. حاولت أن ألخصها، أن أحصرها.. فلم أجدها أكبر من ذنوب غيري، بل وربما وجدتها أقل بدرجات..

لم أكن مجرماً.. ولا مقامراً.. ولا كافرا.. ولا كاذباً.. ولا سكّيراً.. ولا خائناً..

لم تكن لي زوجة ولا سرير شرعي استبدلت به آخر.

خمسون سنة من الوحدة. نصفها تماماً ما يمكن أن أسمّيه "السنوات المعطوبة" تلك التي قضيتها بذراعٍ واحدة، مشوّه الجسد والأحلام.

كم أحببت من النساء؟. لم أعد أذكر. منذ حبّي الأول لتلك الجارة اليهودية التي أغريتها. إلى تلك الممرضة التونسية التي أغرتني. إلى نساء أخريات.. لم أعد أذكر أسماءهن ولا ملامحهن، تناوبن على سريري لأسباب جسدية محض، وذهبن محملات بي لأبقى فارغاًً منهن..

وجئتِ أنتِ..

أكبر ذنوبي على الإطلاق كنت أنتِ. المرأة الوحيدة التي لم أمتلكها، والذنب الوحيد الذي لم أقترفه حقاً.

لقد كانت ذنوبي معك، هي ما يمكن أن أسميه "ذنوب اليد اليمنى".. اليد الوحيدة التي رسمتك بها.. واستحضرتك بها.. واغتصبتك بها.. وهما!

فهل سيعاقبني الله على ذنوب يدٍ لم يترك لي سواها!؟

لا أذكر من قال: "ليس الفضيلة تجنّب الرذيلة، الفضيلة في ألا تشتهيها!

 

وأعتقد أنني بهذا المفهوم فقط.. لم أكن رجلاً فاضلاً.

فقد كان لا بد ألا أشتهيك أنتِ.. وألا أبدأ رذيلتي معك. كان لحبك طعم المحرمات والمقدسات التي يجب تجنّبها، والتي كنت أنزلق نحوها دون تفكير.

لقد كان الأمر المدهش حقاً في قصتي معك، أن تكون المبررات التي جعلتني أحبك، هي التي كان يجب أن تجعلني أعدل عن حبك. ولهذا ربما كنت أحبك وأعدل عن حبك.. أكثر من مرة في اليوم. وبالتطرف نفسه كل مرة.

وأنا لا أفعل شيئاً في النهاية هنا، سوى البحث عن حدٍ لهذا المدّ والجزر العاطفي الذي أعيشه معك كل لحظة.

كنت أدري أن العاشق مثل المدمن، لا يمكن أن يقرر بمفرده الشفاء من دائه، وأنه مثله يشعر أنه ينزل تدريجياً كل يوم أكثر نحو الهاوية. ولكنه لا يمكن أن يقف على رجليه ويهرب، مادام لم يصل إلى أبعد نقطة في الجحيم، ويلامس بنفسه قعر الخيبة والمرارة القصوى.

وكنت سعيداً في تلك الليلة..

تلك السعادة الغامضة المرة، لأنني كنت أدري أن كل شي سوف يحسم في اليومين القادمين، وأنني بطريقة أو بأخرى سأنتهي منك.

 

كانت زوجة حسان في تلك السهرة منهمكة في إعداد نفسها للحدث الهام، ولمرافقة الموكب النسائي في الغد إلى الحمام، ثم إلى ليلة الحنة.

 

وكانت كثيرة الحركة ومشغولة عنا وعن أولادها بهمومها النسائية، وبما ستأخذه في حقيبتها من ثياب للحمام، حيث ستستعرض النساء مثل العادة كل شيء حتى ثيابهن الداخلية.. ليتظاهرن بغناهنّ الكاذب في معظم الأحيان.. أو ليقنعن أنفسهن فقط، أنهن مازلن برغم كل شيء قادرات على إغراء رجل، تماماً مثل تلك العروس التي يرافقنها.. والتي يتأمّلنها بحسد سريّ.

 

فليكن.. غداً تبدأ طقوس أفراحك.. وينتهي ذلك الزمن الذي سرقناه من الزمن.

 

أجمل الأحلام إذن سيدتي في انتظار غدك.

 

ولتصبح على خير.. أيها الحزن!

يوقظني الحب المضاد في هذا الصباح الصيفي.. ويرمي بي في الشوارع.

 

قررت حال استيقاظي أن أهرب من البيت، ومن حديث عتيقة الذي لا ينقطع عن مراسيم الحفل، وعن أسماء الشخصيات والعائلات الكبيرة التي جاءت خصيصاً لتحضر ذلك الحدث الذي لم تشهد قسنطينة مثله منذ سنوات.

ولكنها لحقت بي حتى الباب لتواصل حديثها:

- على بالك.. يقال إنهم حضروا كل شيء من فرنسا.. منذ شهر والطائرة تنقل لوازم العرس.. لو رأيت جهاز العروس وما لبسته البارحة.. يا حسرة.. قال لك "واحد عايش في الدنيا.. وواحد يوانس فيه..!"

أجبتها وأنا أغلق خلفي الباب، وكأنني أغلق بعنف أبواب قلبي:

- ما عليهش.. البلد لهم والطائرات أيضاً. ويمكنهم أن يجلبوا إليه كما أخذوا منه ما شاؤوا!

أين أهرب؟

ها أنا أوصدت الباب خلفي، وإذا لا شي أمامي.. سواي.

رميت بخطاي دون تفكير وسط أفواج المارة الذين يجوبون الشوارع هكذا كل يوم دون جهة محددة.

هنا.. أنت تملك الخيار بين أن تمشي، أو تتكئ على جدار، أو تجلس في مقهى لتتأمل الذين يمشون أو يتكئون أمامك.. على حائط الرصيف المقابل..

رحت أمشي..

شعرت في لحظة ما، أننا نطوف جميعاً حول هذه المدينة الصخرة، دون أن ندري تماماً.. ماذا يجب أن نفعل بغضبنا، ماذا يجب أن نفعل ببؤسنا.. وعلى من نرمي هذا الحصى الذي امتلأت به جيوبنا الفارغة.

من الأوْلى بالرّجم في هذا الوطن؟ من؟ ذلك الجالس فوق الجميع.. أم أولئك الجالسون فوقنا؟

 

حضرني لحظتها عنوان رواية لمالك حداد.. "الأصفار تدور حول نفسها".

تمنيت لو أنني قرأتها، عساني أجد تفسيراً لكل هذه الدوائر التي تحولنا إليها.

ثم قادتني أفكاري إلى مشهد شاهدته يوماً في تونس لجمل مغمض العينين، يدور دون توقف في ساحة (سيدي بوسعيد)، ليستخرج الماء من بئر أمام متعة السواح ودهشتهم.

استوقفني يومها عيناه اللتان وضعوا عليهما غمامة ليتوهم أنه يمشي إلى الأمام دائماً، ويموت دون أن يكتشف أنه كان يدور في حلقة مفرغة.. وأنه قضى عمره دائراً حول نفسه!

ترانا أصبحنا ذلك الجمل الذي لا يكاد ينتهي من دورة حتى يبدأ أخرى تدور به بطريقة أو بأخرى حول همومه الصغيرة اليومية؟

 

تُرى هذه الجرائد التي تحمل لنا أكياساً من الوعود بغدٍ أفضل، ليست سوى رباط عينين، يخفي عنا صدمة الواقع وفجيعة الفقر والبؤس الحتمي الذي أصبح لأول مرة يتربص بنصف هذا الشعب؟

وأنا.. تراني لم أعد أعرف المشي إلى الأمام في خط مستقيم لا يعود بي تلقائياً إلى الوراء.. إلى هذا الوطن الذاكرة؟

وهذا الوطن.. من أين له هذه القدرة الخارقة على لَيّ المستقيمات، وتحويلها إلى دائرة.. وأصفار!

ها هي الذاكرة سياج دائري يحيط بي من كل جانب.

تطوّقني أول ما أضع قدمي خارج البيت. وفي كل اتجاه أسلكه تمشي إلى جواري الذكريات البعيدة..

 

فأمشي نحو الماضي مغمض العينين.. أبحث عن المقاهي القديمة تلك التي كان لكل عالم أو وجيه مجلسه الخاص فيها، حيث كانت تعد القهوة على الوجاق الحجري وتقدم بالجزوة.. ويخجل نادل أن يلاحقك بطلباته. كان يكفيه شرف وجودك عنده.

 

في ذلك الزمن كان لابن باديس المقهى الذي كان يتوقف عنده، وهو في طريقه إلى المدرسة. كان اسمه (مقهى بن بامينة).

 

وكان هنالك (مقهى بو عرعور) حيث كان مجلس بلعطّار وباشتارزي وحيث كنت ألمح أبي أحياناً وأنا أمر بهذا الطريق.

أين ذلك المقهى لأحتسي فيه هذا الصباح فنجان قهوة نخب ذكراه؟

كيف أعثر على مقهى لم يكن كبيراً سوى بأسماء رواده؟ كيف أجده.. في هذا الزمن الذي كبرت فيه المقاهي وكثرت، لتسع بؤس المدينة. وإذا بها متشابهة وحزينة كوجوه الناس؟

 

لم يعد يميزها شيء. حتى تلك الهيبة التي كانت سمة أهل قسنطينة، وذلك الشاش والبرنس المتألق بياضاً، أصبح نادراًً وباهتاً اليوم.

ربما كان أول ما لفت نظري ذلك الصباح، ذلك الزيّ الموحّد لتلك المدينة التي تستيقظ كما تنام بحزن غامض. ذلك اللون القاتم المتدرج والمشترك بين الجنسين.

النساء ملفوفات بملاءاتهن السوداء التي لا يبدو منها شيء سوى عيونهن.

والرجال في بدلاتهم الرمادية أو البنية التي لا تختلف عن لون بشرتهم.. ولا لون شعرهم. والتي يبدون وكأنهم اشتروها جميعاً عند خياط واحد.

 

وقلما كان يبدو من بين الحشود نقطة ضوء، أو لون زاهٍ لفستانٍ أو لبدلةٍ صيفية.

 

تراني كنت أنظر ذلك الصباح إلى تلك المدينة، بعيون رسام لا تلفت نظره سوى الألوان، ويكاد لا يرى سواها في كل شيء. أم تراني كنت أراها فقط بعيون الماضي وخيبة الحاضر؟

رميت بنفسي وسط أمواج الرجال الضائعين مثلي في تلك المدينة. شعرت لأول مرة أنني بدأت أشبههم.

 

مثلهم أملك وقتاً ورجولة لا أدري ماذا أفعل بها. فلا أملك إلا أن أمشي ساعات في الشوارع كما يمشون.. محملاً ببؤسي الحضاري.. وبؤسي الجنسي الآخر.

 

ها نحن نتشابه فجأة في كل شيء. في لون شعرنا ولون بدلتنا وجرّ أحذيتنا وخطانا الضائعة على الأرصفة.

نتشابه في كل شيء، وأنفرد وحدي بك. ولكن هل يغير ذلك شيئاً؟

 

حبك الذي استدرجني حتى هذه المدينة، أعادني إلى تخلّفي دون علمي. رمى بي وسط هذه الجموع الرجالية، التي تسير ببطء تحت الشمس الصيفية، دون وجهة محددة، ودون أن تدري ماذا تفعل بتلك الأشعة التي تختزنها الأجساد المحمومة في النهار، وتنفقها الأيدي البائسة سرّاً في الليل.. في الملذات الفردية.

 

تتوقف فجأة خطواتي أمام جدران بيت لا يشبه بيوتاً أخرى.

هنا كانت أكبر "دار مغلقة" يرتادها الرجال. وكان لها ثلاثة أبواب تؤدي إلى شوارع وأسواق مختلفة.

لقد كانت في الواقع داراً مغلقة مشرعة، مدروسة ليتسلل إليها الرجال من أية جهة، ويخرجوا منها من أية جهة أخرى.

 

كان الرجال يؤمونها من كل صوب، هرباً من المدن والقرى المجاورة، التي لا ملّذات فيها ولا نساء.

وكانت النساء الجميلات والبائسات، يأتين أيضاً من كل المدن المجاورة ليختفين خلف هذه الجدران المصفرة، التي لا يخرجن منها إلا عجائز لينفقن ثروتهن في الصدقات والحسنات، وتطهير الأيتام في موسم توبتهن الأخيرة.

 

هنا أنفق أبي ثروته ورجولته..!

أحاول ألا أتوقف عند ذلك البيت الاستثنائي، الذي كان لعدة سنوات سبب حزن أمي السري، وربما موتها قهراً.

 

وكان لعدة سنوات أيضاً سرّ نشوتي السرية، وأحلامي المكبوتة أيام صباي، يوم كنت أحلم به ولا أجرؤ على دخوله، ربما خوفاً من أن ألتقي بأبي هناك، وربما أيضاً لأنني كنت مكتفياً بمغامراتي العابرة المسروقة فوق السطح تارة، أو في غرف المؤونة التي قلما يفتحها أحد..

 

اليوم لم يعد أبي هناك ليمنعني احتمال وجوده في هذا "البيت" من الدخول.

لقد رحل بعدما ترك تاريخه بامتياز خلف هذه الجدران، تماماً كما يفعل أيّ فلسطيني ثري ومحترم على أيامه.

ألم تكن جدتي تقول وقتها لتعلم أمي الصبر، وتعودها على تقبّل تلك الخيانة بفخر: "إن ما يفعله الرجال.. طرّز على أكتافهم!".

 

وكان أبي يطرّز مغامراته جرحاً ووشماً على جسد (أمّا) دون أن يدري.

 

ماذا أصبح هذا "البيت" لست أدري..

يُقال إنهم أغلقوه وربما ظل له باب واحد فقط.. بعدما أغلقت أبوابه الأخرى، في إطار سياسة تقليص الملذات في هذه المدينة، أو احتراماً لعشرات المساجد التي نبتت على صدر هذه الصخرة، والتي يرتفع صوتها مجتمعة مرات في اليوم، ليذكّر الناس بمزايا الإيمان والتوبة..

 

وكنت في تلك اللحظة، كمعظم رجال هذه المدينة، أقف في الحد الفاصل بين شهوة الجسد وعفة الروح. يتجاذبني إلى أسفل النداء السري لتلك الغرف المظلمة الشبقية.. حيث تحلو الخطايا.. ويسمو بي إلى أعلى ذلك النداء الآخر، لتلك المآذن التي افتقدت طويلاً تكبيرها، ورهبة آذانها الذي كان يدعو إلى الصلاة، فيخترق بقوته دهاليز نفسي، ويهزني لأول مرة منذ سنوات.

لقد أصبحت في بضعة أيام رجلاً مزدوجاً كهذه المدينة، وبدأت أعي أن ليس في هذا العالم المسكون بالأضداد من مدن بريئة. ومدن فاجرة.

 

هنالك مدن منافقة.. وأخرى أقل نفاقاً فقط..

وليس هناك من مدن بوجه واحد.. وحرفة واحدة. وقسنطينة أكثر المدن وجوهاً.. وتناقضاً.

ها هي مدينة تستدرجك إلى الخطيئة. ثم تردعك بالقوة نفسها التي تستدرجك بها.

كل شيء هنا دعوة مكشوفة للجنس.. شيء ما في هذه المدينة يغري بالحب المسروق: قيلولاتها التي لا تنتهي.. صباحاتها الدافئة الكسلى.. وليليها الموحش المفاجئ. طرقاتها المعلّقة بين الصخور.. أنفاقها السرية الموبوءة الرطوبة.. منظر جبل الوحش وما حوله من ممرات متشعّبة.. غابات الغار والبلّوط.. وكل تلك المغارات والأنفاق المختبئة.

ولكن.. عليك أن تكتفي بالتفرج على عادات النفاق المتوارثة هنا من أجيال، وتتحاشى النظر إلى هذه المدينة في عينيها حتى لا تربكها.. وترتبك!

 

فالجميع هنا يعرفون أن خلف شوارعها الواسعة تختبئ الأزقّة الضيقة الملتوية، وقصص الحب غير الشرعية، واللذة التي تسرق على عجل خلف باب.. وتحت ملاءتها السوداء الوقور، تنام الرغبة المكبوتة من قرون. الرغبة التي تعطي نساءها تلك المشية القسنطينية المنفردة، وتمنح عيونهن تحت (العجار)، ذلك البريق النادر.

تعوّدت النساء هنا منذ قرون، على حمل رغبتهنّ كقنبلة موقوتة، مدفونة في اللاوعي. لا تنطلق من كبتها إلا في الأعراس، عندما تستسلم النساء لوقع البندير، فيبدأن الرقص وكأنهن يستسلمن للحب، بخجل ودلال في البداية. يحركن المحارم يمنة ويسرة على وقع "الزندالي".. فتستيقظ أنوثتهن المخنوقة تحت ثقل ثيابهن وصيغتهن.

يصبحن أجمل في إغرائهن المتوارث.

تهتز الصدور وتتمايل الأرداف، ويدفأ فجأة الجسد الفارغ من الحب.

 

تشبّ فيه فجأة الحمى التي لم يطفئها رجل. ويتواطأ البندير الذي تسخنه النساء مسبقاً مع الجسد المحموم، فتزيد الضربات فجأة قوة وسرعة. وتنفك ضفائر النساء، وتتطاير خصلات شعرهن، وينطلقن في حلبات الرقص كمخلوقات بدائية تتلوى وجعاً ولذة في حفلة جذب وتهويل، يفقدن خلالها كل علاقة بما حولهن، وكأنهن خرجن فجأة من أجسادهن، من ذاكرتهن وأعمارهن، ولم يعد يمكن أحدا أن يعيدهن إلى هدوئهن السابق.

 

وكما في طقوس اللذة.. وطقوس العذاب، يدري الجميع أنه لا يجب وقف ضربات البندير، ولا قطع وقعها المتزايد، قبل أن تصل النساء إلى ذروة لا شعورهن ولذتهن، ويقعن على الأرض مغمى عليهن، تمسكهن نساء من خصورهن، وترشهن أخريات بالريحة والعطر الجاهز لهذه المناسبات.. حتى يعدن تدريجياً إلى وعيهن.

 

هكذا تمارس النساء الحب.. وَهْماً في قسنطينة!

قسنطينة التي أغرتني.. بليلة حب وهمية، وقبلت صفقتها السرية، مقابل شيء من النسيان.

فأين النسيان قسنطينة.. وفي كل منعطف يتربص بي جرح؟

 

هل الحنين وعكة صحية؟

مريض أنا بك قسنطينة.

كان موعدنا وصفة جرّبتها للشفاء، فقتلتني الوصفة.

تراني تجاوزت معك جرعة الشوق المسموح بها في هذه الحالات؟

لم أشتركِ في صيدلية جاهزة في طريق، لأرفع دعوى على بائع الأقدار الذي وضعك في طريقي.

لقد صنعتك أنا بنفسي، وقست كل تفاصيلك على مقاييسي..

أنت مزيج من تناقضي، من اتّزاني وجنوني، من عبادتي وكفري..

أنت طهارتي وخطيئتي. وكل عقد عمري.

الفرق بينك وبين مدينة أخرى.. لا شيء.

لعلك كنت فقط المدينة التي قتلتني أكثر من مرة لسبب مناقض للأول.. كل مرة.

فأين الحد الفاصل بين جرعة الشفاء وجرعة الموت هذه المرة؟ وفي مواسم الخيبة، تصبح الذاكرة مشروباً مراً يُبتلع دفعة واحدة، بعدما كان حلماً مشتركاً يُحتسى على مهل؟

 

هنا تبدأ الذاكرة المشتركة، وشوارع يسكنها التاريخ وينفرد بها.

بعضها مشيتها مع سي الطاهر وأخرى مع آخرين.

هنا شارع يحمل اسمه.. وشوارع تذكر عبوره. وها أنذا أتوحد بخطاه وأواصل طريقاً لم نكمله معاً.

تمشي العروبة معي من حيّ إلى آخر. ويملؤني فجأة شعور غامض بالغرور.

لا يمكن أن تنتمي لهذه المدينة، دون أن تحمل عروبتها.

العروبة هنا.. زهو ووجاهة وقرون من التحدّي والعنفوان.

مازالت لحية (ابن باديس) وكلمته تحكم هذه المدينة حتى بعد موته.

مازال يتأملنا في صورته الشهيرة تلك. ملتحياً وقاره، متّكئاً على يده، يفكر في ما أُلنا إليه بعده.

ومازالت صرخته التاريخية تلك بعد نصف قرن. النشيد غير الرسمي الوحيد.. الذي نحفظه جميعاً.

شعب الجزائر مسلم *** وإلى العروبة ينتسبْ

من قال حاد عن أصله *** أو قال مات فقد كذبْ

أو رام إدماجاً له *** رام المحال من الطلبْ

صدقت نبوءتك لنا يا ابن باديس.. لم نمت.

فقط ماتت شهيّتنا للحياة. فماذا نفعل أيها العالم الفاضل؟

لا أحد توقّع لنا الموت يأساً. كيف يموت شعب يتضاعف كل عام؟

يا نشء أنت رجاؤنا *** وبك الصباح قد اقتربْ

ذلك النشء الذي تغنيت به.. لم يعد يترقب الصباح، مذ حجز الجالسون فوقنا.. الشمس أيضاً. إنه يترقب البواخر والطائرات.. ولا يفكر سوى بالهرب.

أمام كل القنصليات الأجنبية تقف طوابير موتانا، تطالب بتأشيرة حياة خارج الوطن.

دار التاريخ وانقلبت الأدوار. أصبحت فرنسا هي التي ترفضنا، وأصبح الحصول على "فيزا" إليها ولو لأيام.. هو "المحال من الطلب"!

لم نمت ظلماً.. متنا قهراً. فوحدها الإهانات تقتل الشعوب.

في زمن ما كنا نردد هذا النشيد في سجن قسنطينة. كان يكفي أن ينطلق من زنزانة واحدة، لتردده زنزانات أخرى، لم يكن مساجينها سياسيين.

كان لكلماته قدرة خارقة على توحيدنا. اكتشفنا مصادفة هناك صوتنا الواحد.

كنا شعباً واحداً ترتعد الجدران لصوته. قبل أن ترتعد أجسادنا تحت التعذيب.

هل بحّ صوتنا اليوم.. أم أصبح هناك صوت يعلو على الجميع. مذ أصبح هذا الوطن لبعضنا فقط؟

***

ولدت كل هذه الأفكار في ذهني وأنا أعبر ذلك الشارع، وألتقي بعد 37 سنة مع جدران سجن كنت يوماً أراها من الداخل.

ولكن هل يصبح السجن شيئاً آخر لمجرد أننا ننظر إليه من الخارج، وهل يمكن للعين أن تلغي الذاكرة اليوم، وهل يمكن لذاكرة أن تلغي أخرى؟

كان سجن "الكديا" جزءاً من ذاكرتي الأولى التي لن تمحوها الأيام.

وها هي الذاكرة تتوقف أمامه وترغم قدميّ على الوقوف، فأدخله من جديد كما دخلته ذات يوم من سنة 1945 مع خمسين ألف سجين ألقيّ عليهم القبض بعد مظاهرات 8 ماي الحزينة الذكر.

وكنت أكثر حظاً، قياساً إلى الذين لم يدخلوه يومها.

خمسة وأربعون ألف شهيد سقطوا في مظاهرة هزّت الشرق الجزائري كله بين قسنطينة وسطيف وقالمة وخرّاطة.

وكانوا أول دفعة رسمية لشهداء الجزائر. جاء استشهادهم سابقاً لحرب التحرير بسنوات.

 

هل أنساهم؟

أأنسى أولئك الذين دخلوه ولم يخرجوا منه، وظلّت جثثهم في غرف التعذيب؟ وأولئك الذين ماتوا بأكثر من طريقة للموت، رفاقنا الذين اختاروا موتهم وحدهم؟

 

هنالك إسماعيل شعلال. كان مجرد عامل في البناء. وكانت له مهمة حفظ وثائق "حزب الشعب" وأرشيفه السري. وكان أول من تلقّى زيارة الاستخبارات العامة الذين دقّوا باب غرفته الصغيرة الشاهقة صارخين "البوليس..افتح".

وبدل أن يفتح إسماعيل شعلال الباب.. فتح نافذته الوحيدة. ورمى بنفسه على وادي الرمال، ليموت هو وسرّه في وديان قسنطينة العميقة.

أيمكن اليوم، وحتى بعد نصف قرن، أن أذكر إسماعيل دون دموع، هو الذي مات حتى لا يبوح بأسمائنا تحت التعذيب؟

وهنالك صوت (عبد الكريم بن وطاف) الذي كانت صرخات تعذيبه تصل حتى زنزانتنا، خنجراً يخترق جسدنا أيضاً ويبعث فيه الشحنات الكهربائية نفسها. وصوته يشتم بالفرنسية معذّبيه ويصفهم بالكلاب والنازيّيين والقتلة.. فيأتي متقطّعاً بين صرخة وأخرى.

"criminels.. assassins.. salauds.. nazis"

فيرد عليه صوتنا بالأناشيد الحماسية والهتاف.

ويصمت صوت بن وطاف.

وهنالك (بلال حسين) أقرب صديق إلى سي الطاهر، أحد رجال التاريخ المجهولين، وأحد ضحاياه.

كان بلال نجّاراً. لم يكن رجل علم ولكن على يده تعلّم جيل بأكمل الوطنية. فقد كان محلّه القائم تحت جسر (سيجي راشد) مقرّ الاجتماعات السرية.

أذكر أنه كان يستوقفني وأنا أمرّ بمحلّه متجهاً إلى ثانوية قسنطينة، فيعرض عليّ قراءة جريدة "الأمة" أو منشوراً سرياً.

وكان خلال سنتين يهيؤني سياسياً للانخراط في "حزب الشعب". ويضعني أمام أكثر من امتحان ميداني، كان لا بد لكل عضو أن يمر به قبل أن يؤدي قسم الانخراط في الحزب. ويبدأ نشاطه في إحدى الخلايا التي كان يحددها بلال.

 

في ذلك المحل الذي لا أثر له اليوم، كان يلتقي القادة السياسيون. ويعطي (مصالح الحاج) تعليماته الأخيرة. وفيه نوقشت الشعارات التي رفعها المتظاهرون، وكُتبت ليلاً على اللافتات لتكون مفاجأة فرنسا.

 

وعندما انطلقت تلك المظاهرة من فوق جسر (سيدي راشد) كما خطط لها بلال لأسباب تكتيكية، يسهل معها تجمع المتظاهرين ثم تبعثرهم من كل الطرقات المؤدية للجسر. أدهشت القوات الفرنسية بدقتها ونظامها غير المتوقع. وكان بلال أول من أُلقي القبض عليه يومها.. ومن عذّب للعبرة.

ولم يمت بلال حسين كغيره. قضى سنتين في السجن والتعذيب. ترك فيهما جلده على آلات التعذيب.

أذكر أنه ظلّ لعدة أيام عاري الصدر، عاجزاً حتى أن يضع قميصاً على جلده، حتى لا يلتصق بجراحه المفتوحة، بعدما رفض طبيب المستشفى تحمل مسؤولية علاجه.

ثم خرج محكوماً عليه بالنفي والرقابة المشددة. وعاش بلال حسين مناضلاً في المعارك المجهولة، ملاحقاً مطارداً حتى الاستقلال. ولم يمت إلا مؤخراً في عامه الواحد والثمانين في 27 ماي 1988، في الشهر نفسه الذي مات فيه لأول مرة.

مات بائساً، وأعمى، ومحروماً من المال والبنين.

اعترف قبل موته ببضعة أشهر لصديقه الوحيد، أنهم عندما عذّبوه تعمدوا تشويه رجولته، وقضوا عليها إلى الأبد.

وأنه في الواقع مات منذ أربعين سنة..

يوم وفاته، جاء حفنة من أنصاف المسؤولين لمرافقته إلى مثواه الأخير. أولئك الذين لم يسألوه يوماً بماذا كان يعيش، ولا لماذا لا أهل له.

مشوا خلفه خطوات.. ثم عادوا إلى سياراتهم الرسمية، دون أدنى شعور بالذنب.

لم يكن أحد يعرف سره الذي احتفظ به أربعين سنة كاملة، بحياء رجل من جيله ومن طينته.

فهل كان يستحق ذلك السر، كل ذلك الكتمان؟

كان بلال حسين آخر الرجال في زمن الخصيان..

وكان المبصر في زمن عميت فيه البصائر..

 

فهل أنسى بلال حسين؟

***

ها هوذا سجن (الكديا)..

أتأمله كما نتأمل جدران سجن أول، دخلناه كما ندخل حلماً مزعجاً لم نكن مهيأين له.

مرت سنوات كثيرة، قبل أن أدخل سجناًً آخر، كان جلادوه هذه المرة جزائريين لا غير. ولم يكن له من عنوان معروف، ليعرف طيف (أمّا) طريقه إليّ فيأتيني كما كانت تأتي لزيارتي هنا في الماضي، باكية متضرّعة لكل حارس..

ها هوذا سجن (الكديا).. كم من قصص مؤلمة، وأخرى مدهشة عرفها هذا السجن، الذي تناوب عليه أكثر من ثائر، لأكثر من ثورة.

سنة 1955.. أي عشر سنوات بالضبط بعد أحداث 8 ماي 1945. عاد هذا السجن للصدارة، بدفعة جديدة لسجناء استثنائيين كانت فرنسا تعدّ لهم عقاباً استثنائياً.

في الزنزانة رقم 8.. المعدة لانتظار الموت. كان ثلاثون من قادة الثورة ورجالها الأوائل، ينتظرون موثقين، تنفيذ الحكم بالإعدام عليهم، بينهم مصطفى بن بولعيد والطاهر الزبيري ومحمد لايفا وإبراهيم الطيب رفيق ديدوش مراد وباجي مختار وآخرون.

كان كل شيء معداً للموت يومها، حتى أن حلاق مساجين الحق العام، أخبر الشهيد القائد مصطفى بولعيد في الصباح، أنهم غسلوا المقصلة بالأمس، وأنه حلم أنهم "نفذوا".

 

وكانت هذه الكلمة تحمل معنييْن بالنسبة لمصطفى بن بولعيد، الذي كان يعدّ منذ أيام خطة للهرب من (الكديا).. وكان شرع مع رفاقه منذ عدة أيام، في حفر ممر سري تحت الأرض، أوصلهم في المرة الأولى إلى ساحة مغلقة داخل السجن. فأعادوا الحفر من جديد، ليصلوا بعد ذلك إلى خارج السجن.

يوم 10 نوفمبر 1955، بعد صلاة المغرب، وبين الساعة السابعة والثامنة مساءً بالتحديد، كان نصطفى بولعيد ومعه عشرة آخرون من رفاقه، قد هربوا من (الكديا)، وقاموا بأغرب عملية هروب من زنزانة لم يغادرها أحد ذلك اليوم.. سوى إلى المقصلة.

بعد ذلك سقط القائد مصطفى بولعيد وبعض من فرّوا معه، شهداء في معارك أخرى لا تقل شجاعة عن عملية فرارهم، فتصدّروا برحيلهم كتب التاريخ الجزائري، وأهم الشوارع والمنشآت الجزائرية.

 

بينما نُفِّذ حكم الإعدام، في من ظلّوا بالزنزانة، دون أن يتمكنوا من الهروب.

 

ولم يبق اليوم من السجناء الأحد عشر الذين هربوا من الكديا، سوى اثنين على قيد الحياة. ومات الرجال الثمانية والعشرون الذين جمعتهم الزنزانة رقم ثمانية يوماً، لقدرٍ كان مقرراً أن يكون.. واحداً.

كلما وقفت أمام الجدران العالية لهذا السجن تبعثرت ذاكرتي، وذهبت لأكثر من وجه، لأكثر من اسم، ولأكثر من جلاد. وشعرت برغبة في فتح أبواب سجون أخرى مازالت مغلقة على أسرارها، دون أن تجد كاتباً واحداً يردّ دين من مرّوا بها.

وقتها كنت أحسد ذلك الرفيق الذي جمعتني به زنزانة هنا لبضعة أسابيع.

كنا آنذاك.. أنا وهو، أصغر معتقلينْ سياسيينْ. وربما كان ياسين يصغرني ببضعة أشهر.

كان عمره ستة عشر عاماً فقط.

 

ورغم أنهم أطلقوا سراحي لصغر سنّي، فقد رفضوا أن يطلقوا سراح ياسين. وبقي في سجن (الكديا) أربعة عشر شهراً. يحلم بالحرية.. وبامرأة تكبره بعشر سنوات، كانت في السادسة والعشرين من عمرها.. وكان اسمها "نجمة"!

وبينما عدت أنا بعد ستة أشهر من السجن إلى الدراسة، راح ياسين يكتب بعد عدة سنوات رائعته "نجمة".

تلك الرواية الفجيعة، التي ولدت فكرتها الأولى هنا. في ذلك الليل الطويل، وفي مخاض المرارة والخيبة والأحلام الوطنية الكبرى.

أذكر أن ياسين كان مدهشاً دائماً. كان مسكوناً بالرفض وبرغبة في التحريض والمواجهة.

 

ولذا كان ينقل عدواه من سجين إلى آخر. وكنا نستمع إليه، ونجهل وقتها أننا أمام (لوركا) الجزائر، وأننا نشهد ميلاد شاعر سيكون يوماً، اكبر ما أنجب هذا الوطن من مواهب.

مرت عدة سنوات، قبل أن ألتقي بكاتب ياسين في منفاي الإجباري الآخر بتونس.

اكتشفت بفرح لا يخلو من الدهشة أنه لم يتغير.

مازال يتحدث بذلك الحماس نفسه، وبلغته الهجومية نفسها، معلناً الحرب على كل من يشتمّ فيهم رائحة الخضوع لفرنسا أو لغيرها.

 

لقد كانت له حساسية ضد الإهانات المهذبة، وضد قابلية البعض للانحناء.. الفطري!

كان يومها يلقي محاضرة في قاعة كبرى بتونس، عندما راح فجأة يهاجم السياسيين العرب، والسلطات التونسية بالتحديد.

ولم يستطع أحد يومها إسكات ياسين.

فقد ظل يخطب ويشتم حتى بعدما قطعوا عليه صوت الميكروفون، وأطفأوا الأضواء ليرغموا الناس على مغادرة القاعة.

يومها دفعت في جلسة تحقيق مع البوليس ثمن حضوري في الصف الأمامي وهتافي على ياسين "تعيش.. آ ياسين..".

لم ينتبه أحد وقتها إلى وجوه من صفّقوا. ولكن بعض من كان يعنيهم الأمر انتبهوا إلى يدي الوحيدة المرفوعة تأييداً.. وإعجاباً.

يومها اكتشفت البعد الآخر لليد الواحدة. فقدر صاحبها أن يكون معارضاً ورافضاً، لأنه في جميع الحالات.. عاجز عن التصفيق!

احتضنته بعدها وقلت: "ياسين.. لو رزقت ولداً سأسميه ياسين.."

وشعرت بشيء من العنفوان والمتعة، كأنني أقول له أجمل ما يمكن أن نقوله لصديق أو لكاتب.

فضحك ياسين وهو يربت على كتفي بيدٍ عصبية كعادته عندما يربكه اعتراف ما.

 

وقال بالفرنسية: "أنت أيضاً لم تتغير.. مازلت مجنوناً!"

وضحكنا لنفترق لعدة سنوات أخرى.

 

تراني كنت أريد أن أكون وفيّاً لذاكرتنا المشتركة، أم فقط، كنت أريد أن أعوّض بذلك عن عقدتي تجاه "نجمة"، الرواية التي لن أكتبها، والتي كنت أشعر أنها بطريقة أو بأخرى، كانت قصّتي أيضاً. بأحلامي وخيباتي، بملامح (أمّا) الواقفة على حافة اليأس والجنون، الراكضة بين السجن والأولياء الصالحين، تقدّم الذبائح لسيدي محمد الغراب، والعمولات لحارس السجن اليهودي، الذي كان جارنا.. حتى يأتيني بين الحين والآخر بقفّة الأكل الذي تعدّه لي. (أمّا) التي كدت لا أعرفها عندما غادرت السجن بعد ستة أشهر، والتي أمام انشغال أبي عني وعنها، بتجارته وعشيقاته، أصبحت لا تطلب من الله إلا عودتي لها. وكأنني الشيء الوحيد الذي يمكن أن يبرر وجودها، والشاهد الوحيد على أمومتها وأنوثتها المسلوبة.

 

نعم كنا في النهاية جيلاً بقصة واحدة، بجنون الأمهات المتطرفات في الحب، بخيانة الآباء المتطرفين في القسوة، وبقصص حب وهمية، وخيبات عاطفية، يصنع منها البعض روائع عالمية في الأدب، ويتحول آخرون على يدها إلى مرضى نفسانيين.

تراني لا أفعل شيئاً بكتابة هذا الكتاب، سوى محاولة الهروب من صنف المرضى إلى صنف المبدعين؟

آه ياسين.. كم تغير العالم منذ ذلك اللقاء.. منذ ذلك الوداع..

أنت الذي أنهيت روايتك قائلاً على لسان ذلك البطل:

"وداعاً أيها الرفاق.. أيّ شباب عجيب ذاك الذي عشناه!."

لم تكن تتوقع وقتها، أن عمرنا سيكون أعجب من سنوات شبابنا بكثير!

غداً سيكون عرسكِ إذن..

وعبثاً أحاول أن أنسى ذلك، وأمشي في شوارع قسنطينة، يسلّمني زقاق إلى آخر.. وذاكرة إلى أخرى.

أما قلتِ إنك لي مادمنا في هذه المدينة؟

أين تكونين الآن إذن؟ في أي شارع.. في أي زقاق من هذه المدينة المتشعّبة الطرقات والأزقة كقلبك، والتي تذكّرني بحضورك وغيابك الدائم، وتشبهك حد الارتباك؟

لستِ لي..

أدري أنهم يعدّونك الآن لليلة حبك القادمة. يعدّون جسدك لرجل آخر ليس أنا. بينما أهيم أنا على جرحي لأنسى الذي يحدث هناك.

مليئاً كان يومك، كيوم عروس، وفارغاً كان يومي، كيوم موظّف متقاعد.

منذ زمان أخذ كلّ واحد منا طريقاً مخالفاً للآخر. وها نحن نعيش بمفّكرتين متناقضتينْ، إحداهما للفرح وأخرى للحزن. فكيف أنسى ذلك؟

كانت كل الطرق تؤدي إليك، حتى تلك التي سلكتها للنسيان، والتي كنت تتربّصين لي فيها.

 

كلّ المدارس والكتاتيب العتيقة.. كل المآذن.. كلّ "البيوت المغلقة".. كلّ السجون.. كل المقاهي.. كل الحمامات التي كانت تخرج منها النساء أمامي جاهزات للحب، كل الواجهات التي تعرض الصيغة والثياب الجاهزة للعرائس. وحتى.. تلك المقبرة التي ألقيت نفسي في سيارة أجرة، ورحت أبحث فيها عن قبر (أمّا)، وأستعين بسجلات حارسها لأتعرف على أرقام الممرات التي كانت توصل إليها.. أوصلتني إليك لا غير.

(أمّا).. لماذا قادتني قدماي إليها ذلك اليوم بالذات، في ليلة عرسك بالذات؟ أرحت أزورها فقط.. أم رحت أدفن جوارها امرأة أخرى توهمّتها يوماً أمي؟

 

عند قبرها الرخامي البسيط مثلها، البارد كقدرها.. والكثير الغبار كقلبي، تسمّرت قدماي، وتجمّدت تلك الدموع التي خبأتها لها منذ سنوات الصقيع والخيبة.

 

ها هي ذي (أمّا).. شبر من التراب، لوحة رخامية تخفي كل ما كنت أملك من كنوز. صدر الأمومة الممتلئ.. رائحتها.. خصلات شعرها المحنّاة.. طلّتها.. ضحكتها.. حزنها.. ووصاياها الدائمة.. "عندك يا خالد يا ابني..".

(أمّأ) عوّضتها بألف امرأة أخرى.. ولم أكبر.

عوّضت صدرها بألف صدر أجمل.. ولم أرتوِ. عوّضت حبها بأكثر من قصة حب.. ولم أشف.

كانت عطراً غير قابل للتكرار. لوحة غير قابلة للتقليد ولا للتزوير.

فلماذا في لحظة جنون تصوّرت أنك امرأة طبق الأصل عنها؟ لماذا رحت أطالبك بأشياء لا تفهمينها، وبدور لن تطاليه؟

 

هذا الحجر الرخاميّ الذي أقف عنده أرحم بي منك.

لو بكيت الآن أمامه.. لأجهش بدوره بالبكاء.

لو توسّدت حجره البارد، لصعد من تحته ما يكفي من الدفء لمواساتي.

لو ناديته (يا أمّا..) لأجابني ترابه مفجوعاً "واش بيك آ ميمة..؟".

ولكن كنت أخاف حتى على تراب (أمّا) من العذاب، هي التي كانت حياتها مواسم للفجائع لا غير.

كنت أخاف عليها حتى بعد موتها من الألم، وأحاول كلّما زرتها أن اخفي عنها ذراعي المبتورة.

ماذا لو كان للموتى عيون أيضاً؟

ماذا لو كانت المقابر لا تنام.. كم كان يلزمني من الكلام وقتها لأشرح لها كل ما حلّ بي بعدها؟

لم أجهش ساعتها بالبكاء، وأنا أقف أمامها بعد كلّ ذلك العمر.

نحن نبكي دائماً فيما بعد.

 

مرّرت فقط يدي على ذلك الرخام، وكأنني أحاول أن أنزع عنه غبار السنين وأعتذر له عن كل ذلك الإهمال.

ثم رفعت يدي الوحيدة لأقرأ فاتحة على ذلك القبر..

بدا لي وقتها ذلك الموقف، وكأنه موقف سريالي. وبدت يدي الوحيدة الممدودة للفاتحة وكأنها تطلب الرحمة بدل أن تعطيها..

فتنهّدت.. وأخفيت يدي.

ألقيتها داخل جيب سترتي.. وألقيت بخطاي خارج مدينة التراب.. والرخام.

***

كان ترقب حسان وزوجته للعرس، واستعداداتهما الدائمة له، للقاء كل الذين سيحضرونه من شخصيات وعائلات كبيرة، يجعلني أستمع لهما أحياناً، وكأنني أستمع إلى أطفال يتحدثون عن "سيرك"، سيحلّ بمدينة لم يزرها سيرك ولا مهرّجون من قبل.

وكنت لذلك أشفق عليهما.. وأعذرهما.

لقد كانت قسنطينة في النهاية، مدينة لا يحدث فيها شيء ما عدا الأعراس. فتركتهما لفرحتهما ينتظران "السيرك عمَّار"، واحتفظت لنفسي بخيبتي.

كان كل شيء استثنائياً في ذلك اليوم. وكنت أعرف مسبقاً برنامجه من أحاديث السهرة.

سيذهب حسان لقضاء حاجاته في الصباح، ثم يصلّي صلاة الظهر في المسجد، وبعدها سيمر بي صحبة (ناصر) لنذهب جميعاً إلى حضور العرس.

أما عتيقة فقد تأخذ الأولاد وتذهب منذ الصباح لترافق العروس إلى الحلاق. ثم تبقى هناك لتقوم مع نساء أخريات بخدمة الضيوف وإعداد الطاولات.

 

كنت أشعر برغبةٍ في البقاء في سريري في ذلك الصباح، وعدم مغادرته قبل الظهر، ربما بسبب متاعب البارحة، وربما استعداداً للسهر والمتاعب الأخرى التي تنتظرني في ذلك اليوم..

وربما فقط لأنني لم أعد أدري أين يمكنني أن أذهب، بعدما قضيت أسبوعاً وأنا أهيم على وجهي في تلك المدينة التي كانت تتربّص بذاكرتي في كل شارع. وكنتِ تختبئين لي فيها خلف كل منعطف..

وجدت بعد تفكير قصير، أن السرير هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أهرب منك إليه. أو على الأقل ألتقي فيه معك بلذّة وليس بألم.

ولكن..

هل سأجرؤ حقاً على استحضارك اليوم.. في هذه اللحظة التي كنت أدري أنك تتجمّلين فيها استعداداً لرجل آخر؟

هل سأجرؤ على استحضارك في هذا الصباح.. وهل سيغفر لك جسدي حقاً في لحظة نزوة كلّ خياناتك السابقة واللاحقة؟ كان ذلك جنوناً في جنون!!

ولكن أليس هذا الذي كنت تريدينه في النهاية، عندما قلت: "سأكون لك في تلك الليلة..".

كنت أشعر برغبة في امتلاكك في ذلك الصباح.

وكأنني أريد أن أسرق منك كل شيء، قبل أن أفتقدك إلى الأبد. فبعد اليوم لن تكوني لي، وستنتهي هذه اللعبة الموجعة الحمقاء التي لم تكن هوايتي قبلك.

 

موجعاً كان لقائي معك ذلك الصباح.

فيه كثير من الشراسة والمرارة الغامضة.

فيه كثير من الحقد والشهوة الجنونية.

لو كنتِ لي..

آه لو كنتِ لي ذلك الصباح.. في ذلك السرير الكبير الفارغ البارد دونك. في ذلك البيت الشاسع بذكريات الطفولة المبتورة.. وشهوة الشباب المكبوت الذي مر على عجل.

لو كنت لي.. لامتلكتك كما لم أمتلك امرأة هنا. لاعتصرتك بيدي الوحيدة في لحظة جنون. لحوّلتك إلى قطع.. إلى مواد أولية.. إلى بقايا امرأة.. إلى عجينة تصلح لصنع امرأة.. إلى أي شيء غيرك أنت، أي شيء أقلّ غروراً وكبرياءً.. أقلّ ظلماً وجبروتاً منك.

أنا الذي لم أرفع يدي الوحيدة في وجه امرأة، ربما كنت ضربتك ذلك اليوم حدّ الألم، ثم أحببتك حد الأم، ثم جلست إلى جوار جسدك أعتذر له..

أقبّل كل شيء فيك، أمحو بشفتيّ حمرة أطرافك المخضّبة بالحناء، لأوشّمك بشراسة القُبَل، عساك عندما تستيقظين تكتشفينني مرسوماً على جسدك كالوشم، بذلك اللون الأخضر الوحيد الذي لا يرسم إلا على الجسد!

 

من أين جاءني كلّ ذلك الجنون؟ أكنت أريد أن أنفرد بك وأمتلكك قبله، أم كنت أدري يومها بحدسٍ أو بقرارٍ مسبق أنني أنفق معك آخر رعشات اللذّة، وأنني سأضعك خارج هذا السرير بعد اليوم إلى الأبد؟

لم تكن مشكلتي معك مجرد شهوة. لو كانت لحسمتها يومها بطريقة أو بأخرى.

هنالك أكثر من امرأة هنا يمكن أن يمتلكها رجل دون جهد.

هنالك أكثر من باب نصف مفتوح ينتظر أن يفتحه رجل.

هناك جارات تتقاطع خطواتي بهنّ مراراً في هذه البيوت العربية المشتركة، وأدري رغبتهن السرية في الحب.

تعلمت مع الزمن، أن أفكّ رموز نظرات النساء المحتشمات.. والمبالغات في اللياقة والمفردات المؤدبة.

ولكنني كنت أتجاهل نظرتهن ودعوتهن الصامتة إلى الخطيئة.

لم أعد أدري اليوم.. إن كنت أتصرف كذلك عن مبدأ.. أم عن حماقة وشعور غامض بالغثيان؟

كنت في الواقع أشفق عليهن.. وأحتقر أزواجهن الذين يسيرون كالديوك المغرورة دون مبرر..

سوى أنهم يمتلكون في البيت دجاجة ممتلئة متشحّمة لم يقربها أحد ربما عن قرف!

أو أخرى شهيّة ومدجّنة حسب التقاليد ولا يتوقع صاحبها أنّ جناحيها القصيرين.. مازالا يمارسان القفز.. فطرياً!

 

يا لحماقة الديوك!

إذا كانت كل النساء عفيفات هنا، وشرف كل الرجال مصوناً، فمع من يزني هؤلاء إذن؟ وكلهم دون استثناء يتبجّح في المجالس الرجالية بمغامراته؟

أليس كل واحد منهم يضحك على الآخر.. ولا يدري أن هناك من يضحك عليه؟!

كم أكره ذلك الجو الموبوء بالنفاق.. وتلك القذارة المتوارثة.. بنزاهة!

يحدث عندما تتقاطع نظراتي بهنّ، أن أستعيد قولك مرة، عندما أبديت لك دهشتي مما جاء في روايتك الأولى.. ورحت أستجوبك بحثاً عن ذاكرة مشبوهة.

قلتِ:

"لا تبحث كثيراً.. لا يوجد شيء تحت الكلمات. إن امرأة تكتب هي امرأة فوق كل الشبهات.. لأنها شفافة بطبعها. إن الكتابة تطهّر مما يعلق بنا منذ لحظة الولادة.. أبحث عن القذارة حيث لا يوجد الأدب!"

 

وكانت القذارة المتوارثة أمامي في كل مكان، في عيون معظم النساء الجائعات لأي رجل كان.

في عصبية الرجال الذين يحملون شهوتهم تراكماً قابلاً للانفجار.. أمام أول أنثى.

ولكن كان عليّ أن أقاوم رغبتي الحيوانية ذلك اليوم. وألا أترك تلك المدينة تستدرجني إلى الحضيض.

فهنالك مبادئ لا يمكنني التخلّي عنها مهما حدث. كأن أعاشر امرأة متزوجة، تحت أي مبرر كان.

وربما كان هذا سر حزني الآخر. فقد كنت أدري أن مستحيلاً آخر قد أضيف إلى مستحيلات أخرى يومها، وأنك لن تكوني لي أبداً بعد اليوم.

لم أكن خجولاً من يدي اليمنى ذلك اليوم.

شعرت بشيء من الارتياح، وأنا أكتشف أنني برغم كل ما حلّ بي مازلت أحترم جسدي.

المهم في هذه الحالات، ألا نفقد احترام جسدنا ونحن نمنحه لأول عابر سبيل.

فأين يمكن أن نسكن بعد ذلك إن نحن أهنّاه.. وإن رفض أن ينسى ذلك؟

 

رميت فجأة بالغطاء، واتّجهت نحو النافذة وأشرعتها وكأنني أفتحها ليخرج طيفك منها إلى الأبد، ويدخل النور إلى تلك الغرفة.

في هذه المدينة المسكونة بالجنّ والسحرة، ماذا لو كنت جنّية تتسلل إليّ مع العتمة، تنام إلى جواري، تقصّ عليّ قصصاً عجيبة، تعدني بألف حلّ سحري لمأساتي.. ثم تختفي مع أول شعاع وتتركني لهواجسي وظنّي؟

هل خرج طيفك حقاً يومها من سريري.. من غرفتي وذاكرتي. وهرب من تلك النافذة؟ لا أدري!

أدري فقط أن قسنطينة، دخلت من تلك النافذة نفسها، التي قلّما فتحتها.

وإذا بالأذان يفاجئني من أكثر من مئذنة في آن واحد، ويسمّرني في مكاني أمام الأقدام المسرعة في كل الاتجاهات.

وكان جسر (سيدي راشد) يبدو بدوره منهمكاً في حركة دائمة كامرأة تستعد لحدثٍ ما.. مأخوذاً بهمومه اليومية، وبحماس نهايات الأسبوع.

وجدت في انشغاله عن حزني ذلك الصباح بالذات شيئاً شبيهاً بالخيانة.. وعدم العرفان بالجميل.

قررت بدوري ألا أجامله.. فأغلقت في وجهه وجهي.. ورَدَدْت النافذة..

 

وفجأة.. انتابتني رغبة جارفة للرسم. زوبعة شهوة الألوان.. تكاد توازي رغبتي الجنسية السابقة وتساويها عنفاً وتطرّفاً.

لم أعد في حاجة إلى امرأة.. شفيت من جسدي وانتقل الألم إلى أطراف أصابعي..

في النهاية لم يكن السرير مساحة للذّتي ولا لطقوس جنوني. وحدها تلك المساحة البيضاء المشدودة إلى الخشب كانت قادرة على إفراغي من ذاتي.

فيها أريد أن أصبّ الآن لعنتي، أبصق مرارة عمرٍ من الخيبات.

أفرغ ذاكرة انحازت للون الأسود.. مذ انحزت لهذه المدينة الملتحفة _حماقة_ بالسواد منذ قرون، والتي تخفي وجهها _تناقضاً_ تحت مثلث أبيض للإغراء.

سلاماً أيها المثلث المستحيل.. سلاماً أيتها المدينة التي تعيش مغلقة وسط ثالوثها المحرم ( الدين – الجنس – السياسة).

كم تحت عباءتك السوداء.. ابتلعت من رجال. فلم يكن أحد يتوقّع أن تكون لك طقوس مثلث (برمودا) وشهيته للإغراق..

كانت الأفكار الرمادية تتوالد في ذهني في ذلك الصباح. والغيظ يملؤني تدريجياً كلما تقدّمت الساعة واقترب وقت قدوم حسان وناصر لمرافقتي إلى ذلك البيت، لأحضر عرسك.

وكان غيظي وخيبتي قد شلا يدي ومنعاني حتى من أن أحلق ذقني أو أستعد لذلك الفرح المأتم.

كنت أذهب وأجيء فجأة في تلك الغرفة بعصبية مدمن تنقصه رشفة أفيونه.

كيف لم أتوقع أن أشعر بهذه الحاجة المرضيّة اليوم لإمساك فرشاة، وبهذه الرغبة الجارفة للرسم؟ تلك الرغبة التي لا تقاوم، والتي تصبح ألماً في أطراف الأصابع، وتوتراً جسدياً ينتقل من عضو إلى آخر؟

كنت أريد أن أرسم.. وأرسم.. حتى أفرغ من كل شيء. وأقع ميتاً.. أو مغمى عليّ إرهاقاً ونشوة.

من الأرجح أنني هذه المرة لن أرسم جسوراً ولا قناطر. ربما رسمت نساءً بملاءات سوداء.. ومثلثات بيضاء.. وعيون كاذبات، واعدات بفرح ما. فاللون الأسود لون كاذب في معظم الأحيان.. تماماً مثل اللون الأبيض.

وقد لا أرسم شيئاً، وأموت هكذا واقفاً، عاجزاً أمام لوحة بيضاء.

فهل أروع من أن نوقّع مساحة بيضاء ببياض، وننسحب على رؤوس الأصابع، مادمنا لم نوقّع شيئاً في النهاية، ووحدها الأقدار توقّع حياتنا، وتفعل بنا ما تشاء؟

لماذا التحايل على الأشياء إذن.. لماذا المراوغة؟

أما كنتِ لوحتي؟ ما فائدة أن أكون رسمتك ألف مرة، مادام آخر سيضع توقيعه عليك اليوم، سيضع بصماته على جسدك، واسمه جوار أوراقك الثبوتية؟

وماذا تفيد عشرات المساحات التي غطيتها بك، أمام سرير سيحتوي جسدك.. ويخلّد أنوثتك الأبدية؟

أيّ جدوى لما أرسمه.. إذا كان هناك دائماً من سيضع توقيعه نيابة عني كالعادة؟

***

في تلك اللحظة المتقدمة من اليأس، دقّ فجأة الهاتف، وأخرجني للحظة من وحدتي وهواجسي. فرحت أسرع نحو الغرف البعيدة الأخرى، لأردّ عليه.

كان حسان على الخط. سألني دون مقدمات:

- واش راك تعمل..؟

أجبته بشيء من الصدق:

- كنت غافياً شيئاً ما..

قال:

- حسناً إذن.. توقعت أن تكون جاهزاً وتنتظرني منذ مدة. كنت أريد أن أخبرك أنني قد أتأخر بعض الوقت. هنالك مشكل صغير يجب أن أحلّه.

سألته متعجباً:

- أيّ مشكل؟

قال:

- تصور بماذا طلع لي ناصر اليوم؟ إنه لا يريد أن يحضر عرس أخته..

قلت وأنا أزداد فضولاً:

- لماذا؟

قال:

- إنه ضد هذا الزواج.. ولا يريد أن يلتقي بالضيوف ولا بالعريس.. ولا حتى بعمّه!

كدت أقاطعه "معه حق".. ولكنني سألته:

- وأين هو الآن؟

قال:

- لقد تركته في المسجد. قال لي إنه يفضّل أن يقضي يومه هناك بدل أن يقضيه مع هؤلاء "القوّا..."!

ولأول مرة ضحكت من قلبي. ولم أستطع أن أمنع نفسي من التعليق بصوت عالٍ:

- رائع ناصر.. والله "نستعرف بيه".!

ولكن حسان قاطعني بصوتٍ فيه شيء من العتاب والعجب:

- واش بيك هبلت إنت تاني.. عيب.. شفت واحد ما يروّحش لعرس أختو.. واش يقولوا الناس..

- الناس.. الناس.. يقولوا واش يحبوا.. خلينا يا راجل يرحم والديك..

وقبل أن أقول له شيئاً قال:

- ابق في البيت إذن.. سأمر عليم حال ما انتهي. سنتحدث في هذا الموضع فيما بعد، فأنا أحدثك من مقهى، وحولي كثير من الناس (... على بالك..!).

ثم أضاف:

- ستجد في المطبخ أكلاً أعدّته لك عتيقة..

وضعت السماعة. وعدت إلى غرفتي.

لم أكن في حاجة إلى أكل. كنت فقط أشعر بشيء من الظمأ الصباحي، وبشيء من المرارة التي صار لها فجأة بعد ذلك الهاتف، مذاق السعادة الغامضة.

لقد ملأني موقف ناصر غبطة. شعرت أن هناك شخصاً آخر يشاركني حزني دون علمه، ويقف معي ضدّ هذا الزواج، ولكن على طريقته..

فحلٌ ناصر، جدير بأن يكون ابن سي الطاهر.

لم ألتقِ به بعد. ولكن أتوقع أن يكون (راسو خشين..) مثل أبيه. أن يكون عنيداً ومباشراً مثله.

وإذا كان فعلاً مثله فلن ينجح حسان أبداً في تغيير رأيه.

مازلت أذكر عناد سي الطاهر وقراراته النهائية دائماً، التي لا يمكن لأحد أن يزيحه عنها.

وقتها كنت أجد في تلك المواقف شيئاً من الدكتاتورية، وغرور القائد. ثم مع الزمن، أدركت أنه كان لا بد للثورة في أيامها الأولى من رجالٍ مثل سي الطاهر، بذلك العناد، وتلك الثقة المطلقة بالنفس، حتى يفرضوا رأيهم وسلطتهم على الآخرين، ليس حباً بالجاه والسلطة، إنما للمّ شمل الثورة وعدم ترك مجال للخلافات والاعتبارات الشخصية، وحتى لا تموت تلك الشعلة الأولى وتبعثرها الرياح..

عادت ذكرى سي الطاهر فجأة. في لحظة لم أحجزها له..

وعادت طلّته، موجعة كتلك الرصاصات التي أفرغوها في جسده يوماً، وأودت به قبل أن يشهد استقلال الجزائر بأشهر.

أين هو ليحضر هذا اليوم الاستثنائي الذي سيخلف موعده أيضاَ؟

أكان قدره أن يخلف فرحتين؟

رحل كما جاء، سابقاً لزمنه، وكأنه أدرك أنه لم يخلق للزمن الآتي. كنت أعي بشيء من المرارة، أن كلّ الذين أحبّوكِ لن يحضروا عرسك هذا.

سيتغيب عن فرحك كل الذين كنتِ فرحتهم. سي الطاهر وزياد.. وناصر أيضاً.

لماذا وحدي وقعت عليّ تلك القرعة، وقادتني الأقدار إليك؟

ولماذا استدرجتني حتى هنا، باسم الذاكرة والحنين.. وذلك الحب الجنوني المستحيل، وقلت تلك الجملة التي ملأت جيوب الأحلام وهماً.. "سأكون لك مادمنا في قسنطينة..".

كيف صدّقتك.. وجئت؟

وكنت أدري انك تكذبين، وتهدينني الغيوم البيضاء.. لصيف طويل. ولكن.. من يقاوم مطر الكذب الجميل؟

هنالك أكاذيب نحاول أن نصدّقها حتى نحرج النشرات الجوية. لكن عندما تنهطل الأمطار داخلنا.. من يجفف دمع السماء؟

في الواقع كنتِ امرأة ساديّة، وكنت أعرف ذلك.

أذكر ذلك اليوم الذي قلت لك فيه: "لو خلّف هتلر ابنة في هذا العالم.. لكنتِ ابنته الشرعية!".

ضحكتِ يومها. ضحكت.. ضحكة حاكم جبّار واثق من قوّته. وعلّقت أنا بسذاجة الضحية: "لا أدري ما الذي أوصلني إلى حبك، أنا الهارب من حكم الجبابرة.. أيمكن بعد هذا العمر أن أقع في حبّ امرأة طاغية..!".

ابتسمت فجأة.. ثم قلت بعد شيء من الصمت: "مدهش أنت عندما تتحدث، تفجّر فيّ أكثر من موضوع للكتابة.. سأكتب يوماً هذه الفكرة..".

اكتبيها إذن ذات يوم.. صحيح أنها تصلح لرواية!

في ذلك الصباح، كانت الخمرة ملجئي الوحيد، لأنسى خيبتي معك.

في تلك الغرفة التي يؤثثها سرير فارغ، ونافذة تطل على المآذن والجسور، وطاولة فارغة من لوازم الرسم، لم أجد لي من طوق نجاة سوى بضع أوراق وأقلام فقط، وزجاجة ويسكي أحضرتها لحسان قبل أن يتوب، ومازالت في حقيبتي تنتظر. فأحضرتها ورحت أشرب ذلك الصباح نخب زياد وسي الطاهر.. ونخب قسنطينة.

تذكّرت مسرحية أعجبت بها يوماً. فكتبت أعلى الصفحة، دون كثير من التفكير "كأسك يا قسنطينة".

وضحكت لهذا الدور الذي كان جاهزاً لي في هذه المدينة التي تمنع عنك الخمرة، وتوفر لك كل أسباب شربها.

لم أكن أدري وقتها، أنني كنت أخطّ خلاصة خيبتي كلمتين قد تصلحان عنواناً لهذا الكتاب، الذي ربما ولدت فكرته يومها.

كانت بي رغبة لتحديك وتحدّي هذه المدينة.. وهذا الوطن الكاذب.

رفعت كأسي الملآى بك.. نخب ذاكرتك التي تحترف مثله النسيان. نخب عينيك اللتين خلقتا لتكذبا.

نخب فرح الليلة الجاهز للبكاء.. نخب بكائي العاجز عن الدموع.

أنت التي صالحتني مع الله، وأعدتني يوماً إلى العبادة. ها أنت تخونينني ليلة جمعة.. تحلّين دمي، وتطلقين عليّ رصاص الغدر..

فلماذا لا أسكر اليوم.. من أكثرنا كفراً يا ترى!

في الواقع، لم تكن الخمرة هوايتي. كانت مشروب فرحي وحزني التطرف. ولذا ارتبطت بك وبتقلباتك الجنونية. ففي كل مرة شربت فيها كنت أؤرخ لحدثٍ ما في قصتنا التي لا تنتهي.

وها أنا أفتح على شرفك زجاجتي الأخيرة.. وأرتكب جنوني الأخير. فلا أعتقد أنني قد أسكر بعد اليوم. لأنني سأغسل يدي منك اليوم.. وأشيّعك على طريقتي.

وحده أمر ناصر يعنيني الآن، أخيك الذي يصلي في هذه اللحظة في أحد مساجد هذه المدينة، لينسى مثلي، أنهم سيتناوبون على وليمتك الليلة.. وأن هناك من سيتمتع بك في غفلةٍ منا..

في الواقع.. كنت أسكر نخبه.. لا غير!

إيه ناصر..

أنا.. وأنت.. وهذه المدينة.

مدينة تواطأت معنا في التطرف والجنون. مدينة "سادية" تتلذذ بتعذيب أولادها. حبلت بنا دون جهد. ووضعتنا كما تضع سلحفاة بحرية أولادها عند شاطئ وتمضي دون اكتراث، لتسلمهم لرحمة الأمواج والطيور البحرية..

"إفكروا.. وإلا الله لا يجعلكم تفكِّروا.." يقول "الفكرون" في ذلك المثل الشعبي وهو يتخلى عن أولاده.

وها نحن بلا أفكار.. نبحث عن قدرنا بين الحانات والمساجد.

ها نحن سلحفاة تنام على ظهرها. قلبوها حتى لا تهرب، قلبوها في محاولة انقلاب على المنطق..

فكم يشبه الميلاد الموت في المدن العريقة، حيث نولد ونموت وسط مجرى الهواء والرياح المضادة!

وما أكبر يتم السلاحف في هذه المدينة!

عندما جاء حسان بعد ذلك، وفاجأني جالساً أكتب أمام تلك الطاولة وأمامي زجاجة ويسكي نصف فارغة، كاد يشهق من العجب. وظل ينظر إلي مدهوشاً وكأنني بفتح تلك الزجاجة أخرجت له مارداً، أو جنّاً أطلقته في البيت.

حاولت أن أمازحه فسألته بسخرية:

- لماذا تنظر إليّ هكذا.. ألم ترَ زجاجة كهذه قبل اليوم؟

ولكنه دون أي رغبة في المزاح أخذ الزجاجة من أمامي، وذهب بها إلى المطبخ، وهو يسبّ ويتحدث لنفسه كلاماً لم يكن يصلني.

وعندما عاد قال لي بنبرة فيها شيء من اليأس وبقايا من متاعب ناصر:

- يا أخي واش بيكم.. البلاد متّخذة وأنتما واحد لاتي يصلي.. وواحد لاتي يسكر.. كيفاش نعمل معاكم؟

توقف سمعي عند ذلك التعبير الذي لم أسمعه منذ عدة سنوات "البلاد متّخذة" والذي يعني أن البلاد قائمة قاعدة.. أو تشهد حدثاً استثنائياً، والذي هو في الواقع تعبير جنسي محض.

ابتسمت وأن أكتشف مرة أخرى قدرة هذه المدينة على زجّ الصور الجنسية في كل شيء. وذلك ببراءة مدهشة..

رفعت عيني نحوه وقلت له بشيء من السخرية المرة:

- هذه هي الجزائر يا حسان.. البعض يصلّي.. والبعض يسكر.. والآخرون أثناء ذلك "ياخذوا في البلاد.."!

ولكن حسان لم يبدُ على استعداد للتمادي معي في النقاش.

ربما لأنه بعد ذلك الوقت الذي قضاه في إقناع ناصر لم يعد قادراً على المزيد من المناقشة. فقال وهو يقاطعني:

- سأذهب لأحضر لك القهوة، حتى تفيق وتطير عنك هذه السكرة.. ثم نتحدث. إن الناس ينتظروننا هناك وبعضهم لم يرَك منذ سنوات. يجب ألا تذهب إليهم في هذه الحالة!

عندما عاد بعد لحظات بالقهوة سألته:

- ماذا فعلت مع ناصر؟

قال:

- لقد وعدني أنه سيمر هناك وقت العشاء إرضاءً لخاطري فقط، ولكنه لن يمكث طويلاً. وبرغم ذلك أشك في أن يحضر فعلاً. لا أفهم عناده هذا.. إنه لا يملك سوى أخت واحدة في النهاية.. ولا يمكن ألا يقف في عرسها أمام الناس.

جنون!

كنت أحتسي تلك القهوة حتى يطير سكري، حسب تعبير حسان. ولكن كنت أشعر في الواقع أنني أزداد سكراً أو جنوناً، وأنا أستمع إليه.

كتلك اللحظة التي سألته فيها عن سبب مقاطعة ناصر لهذا العرس، وإذا بالحديث يجرّنا إلى أكثر من موضوع.

قال:

- إنه على خلاف مع عمه. فهو يعتقد أنه استفاد كثيراً من اسم سي الطاهر، وأنه قلّما اهتم بمصير زوجة أخيه وأولاده. وهذا العرس لا هدف له غير أسباب وصوليّة ومطامع سياسية محض.. فهو ضد اختيار عمه لهذا العريس السيئ الصيت سياسياً وأخلاقياً. فالجميع يتحدّث عن العمولات التي يتقاضاها في صفقاته المختلفة.. وعن حساباته في الخارج.. وعن عشيقاته الجزائريات.. والأجنبيات. إضافة إلى كون هذا الزواج زواجه الثاني، وأن له أولاداً يقارب عمرهم عمر عروسه الجديدة..

سألته:

- وهل تجد أنت هذا الزواج طبيعياً؟

قال:

- لا أدري بأي منطق تريد أن أحكم عليه. من المؤكد أنه بمنطق الأشياء عندنا زواج طبيعي. إنه ليس أول زواج من هذا النوع، ولن يكون الأخير.. إن لمعظم الرجال المهمّين هنا أكثر من عشيقة. وكلهم تخلّوا بطريقة أو بأخرى عن زوجاتهم وأولادهم، ليتزوجوا من عروس جديدة أصغر عمراً وأكثر جمالاً وثقافة من الأولى.. إنك لا تستطيع أن تمنع رجلاً عندنا زادوا له نجمة على أكتافه، من أن يزيد امرأة في بيته، أو تمنع رجلاً حصل على منصب جديد لم يحلم به، من أن يبدأ في البحث عن فتاة أحلامه.

وأضاف:

- أنا حاولت فقط أن أقنع ناصر أن عمه لم يقصد بالضرورة القضاء على مستقبل أخته بهذا الزواج. بل إن أي شخص سواه كان سيرحّب بهذه المصاهرة.. ويسعى إليها لاهثاً.. إنها الطريقة الوحيدة ليحل مشكلاته ومشكلات ابنته مرة واحدة، ويوفر عليها كثيراً من المتاعب..

سألته:

- لو كانت لك بنت وخطبها منك هذا الرجل، أكنت زوّجته منها؟

قال:

- طبعاً.. ولم لا؟ إن الزواج حلال.. الحرام هو ما يمارسه بعضهم بطرقٍ عصرية. كأن يرسل أحدهم ابنته أو زوجته.. أو أخته لتحضر له ورقة من إدارة، أو تطلب شقّة أو رخصة لمحل تجاري نيابة عنه، وهو يعلم أن لا أحد هنا يعطيك شيئاً بلا مقابل. لقد خلق البسطاء بأنفسهم عملة أخرى للتداول ويقضون بها حاجاتهم.. هات امرأة.. وخذ ما تشاء!

تمتمت بذهول:

- أحق ما تقول؟

أجاب:

- إنه ما يحدث الآن في أكثر من مدينة.. وفي العاصمة بالذات.. حيث يمكن لأي فتاة تمرّ بمكتب ما في الحزب أن تحصل على شقة أو خدمة أخرى.. والجميع يعرف العنوان طبعاً، ويعرف اسم من يوزّع الشقق والخدمات على النساء والشعارات على الشعب بالتساوي.. يكفي أن ترى منظر الفتيات اللاتي يدخلن هناك لتفهم كل شيء..

سألته:

- ومن أدراك بها؟

قال متذمراً:

- من؟ لقد سمعته بأذني وشاهدته بعيني يوم ذهبت هناك منذ بضعة أشهر لأقابل صديقاً موظّفاً في الحزب.. عساه يساعدني في الخروج من سلك التعليم. تصور.. حتى البواب لم يكلف نفسه مشقة الحديث إليّ.. وعبثاً رحت أشرح له أنني قادم من قسنطينة لهذا الغرض. وحدهن النساء كن جديرات بالعناية هناك.. وعندما أبديت تذمّري "للأخ الفرّاش" أجابني بشيء من العصبية، و"التشناف" أن معظم الزائرات موظفات في الاتحادات الحزبية.. أو مناضلات. وكدت أسأله وأنا أرى إحداهن تمر أمامي "بأي "عضو" ناضلن على التحديد..؟" ولكنني سكتّ.

إيه.. يا ولدي روح.. كل شي أصبح يمر بالنساء اليوم. بالسهرات.. المجالس الخاصة. ولذا لو كنت أملك الخيار لزوّجت ابنتي من واحد يمكنه بهاتف أن يأتيها بكل شيء. على أن أعطيها لواحد مثلي يعيش معها في البؤس كما أعيش أنا.. أو يدخل في هذه الحلقة القذرة.. ويبعثها تدقّ على مئة باب؟

ربما لاحظ وقتها آثار الصدمة المدهشة على ملامحي.. وتلك المرارة التي أسكتتني من الهول، عندما أضاف وكأنه يستدرك ليخفف من خيبتي:

- على كل حال.. لن يحدث هذا. حتى لو عرضت ابنتي على (سي....) فمن المؤكد أنه لن يقبل بها. إنهم لا يتزوجون إلا من بعضهم. ففلان لا يريد إلا بنت فلان، حتى "يبقى زيتنا في دقيقنا.!" ويضمنوا لأنفسهم التنقل من كرسي سلطة إلى آخر، فكيف تريد في هذا الجو أن يستطيع شابٌّ بسيط أن يبني حياته؟ كل البنات يبحثن عن المسؤولين والمديرين والرجال الجاهزين.. وهؤلاء يعرفون ذلك فيزيدون من شروطهم كل مرة.. بينما عدد العوانس يزيد كل يوم.. إنه قانون العرض والطلب.

إذا رأيت الأمور بهذه العين، فإنك حتماً تعذر سي الشريف. المهم أن يستر بنت أخيه، ويضمن لها ولنفسه مستقبلاً سعيداً قدر الإمكان.

أما كون العريس سارقاً وناهباً لأملاك الدولة.. فماذا تريد أن تفعل؟ كلهم سرّاق ومحتالون. هنالك من انفضحت أموره، وهنالك من عرف كيف يحافظ على مظهر محترم.. فقط!

أصبت بذهول وأنا أستمع إليه.

كدت أقول له إنه في النهاية على حق. وربما كان سي الشريف أيضاً على حقّ.. لا أدري.

ولكن كان هناك شيء ما في هذا الزواج، يرفض أن يدخل عقلي وأقتنع به.

 

 

 

الفصل السادس

 

لعرسك لبست بدلتي السوداء.

مدهش هذا اللون. يمكن أن يلبس للأفراح.. وللمآتم!

لماذا اخترت اللون الأسود؟

ربما لأنني يوم أحببتك أصبحت صوفياً، وأصبحتِ أنتِ مذهبي وطريقتي. وربما لأنه لون صمتي.

لكل لون لغته. قرأت يوما أن الأسود صدمة للصبر.

قرأت أيضاً أنه لون يحمل نقيضه. ثم سمعت مرة مصمم أزياء شهيراً، يجيب عن سر لبسه الدائم للأسود قال:

"إنه لون يضع حاجزاً بيني وبين الآخرين".

ويمكن أن أقول لك اليوم الكثير عن ذلك اللون. ولكني سأكتفي بقول مصمم الأزياء هذا.

فقد كنت في ذلك اليوم أريد أن أضع حاجزاً بيني وبين كل الذين سألتقي بهم، كل ذلك الذباب الذي جاء ليحط على مائدة فرحك.

وربما كنت أريد أن أضع حاجزاً بيني وبينك أيضاً.

لبست طقمي الأسود، لأواجه بصمت ثوبك الأبيض، المرشوش باللآلئ والزهور، والذي يقال إنه أعدّ لك خصيصاً في دار أزياء فرنسية..

هل يمكن لرسام أن يختار لونه بحياد؟

وكنت أنيقاً. فللحزن أناقته أيضاً. أكّدت لي المرآة ذلك. ونظرة حسان، الذي استعاد فجأة ثقته بي، وقال بلهجة جزائرية أحبها، وهو يتأملني: "هكذا نحبك آ خالد.. إهلكهم..!".

نظرت إليه.. كدت أقول له شياً.. ولكني صمتّ.

عند الباب المشرع للسيارات، وأفواج القادمين، استقبلني سي الشريف بالأحضان..

- أهلاً سي خالد.. أهلاً.. زارتنا البركة.. يعطيك الصحة اللي جيت.. راك فرحتني اليوم.

اختصرت ذلك الموقف العجيب مرة أخرى في كلمة. قلت:

- كل شيء مبروك..

وضعت قناع الفرح على وجهي. وحاولت أن أحتفظ به طوال تلك السهرة.

يمتلئ البيت زغاريد. ويمتلئ صدري بدخان السجائر التي أحرقها وتحرقني. يمتلئ قلبي حزناً. ويتعلم وجهي تلقائياً الابتسامات الكاذبة. فأضحك مع الآخرين. أجالس من أعرف ومن لا أعرف. أتحدث في الذي أدري والذي لا أدري. حتى لا أخلو بك لحظة واحدة.. حتى لا أفاجئك داخلي.. فأنهار.

أسلّم على العريس الذي يقبّلني بشوق صديق قديم لم يلتق به منذ مدة:

- هاك جيت للجزائر آ سيدي.. كان موش هاذا العرس.. ما كناش شفناك!

أحاول أن أنسى أنني أتحدث لزوجك، لرجل يتحدث إليّ مجاملة على عجل، وهو يفكر ربما في اللحظة التي سينفرد فيها بك في آخر الليل..

أتأمل سيجاره الذي اختاره أطول للمناسبة.. بدلته الزرقاء الحريرية التي يلبسها _أو تلبسه_ بأناقة من تعوّد على الحرير. أحاول ألا أتوقف عند جسده. أحاول ألا أتذكر. أتلهّى بالنظر إلى وجوه الحاضرين.

وتطلّين..

تدخلين في موكب نسائي، يحترف البهجة والفرح، كما أحترف أنا الرسم والحزن.

أراك لأول مرة، بعد كل أشهر الغيبة تلك، تمرين قريبة وبعيدة، كنجمة هاربة. تسيرين.. مثقلة الأثواب والخطى، وسط الزغاريد ودقّات البندير. وأغنية تستفزّ ذاكرتي، وتعود بي طفلاً أركض في بيوت قسنطينة القديمة. في مواكب نسائية أخرى.. خلف عروس أخرى.. لم أكن أعرف عنها شيئاً يومذاك.

آه كم كنت أحب تلك الأغاني التي كانت تزفّ بها العرائس، والتي كانت تطربني دون أن أفهمها. وإذا بها اليوم تبكيني!

"شرّعي الباب يا أم العروس.." يقال إن العرائس يبكين دائماً عند سماع هذه الأغنية.

تراك بكيت يومها؟

كانت عيناك بعيدتين.. يفصلني عنهما ضباب دمعي وحشد الحضور. فعدلت عن السؤال.

اكتفيت بتأمّلك، في دورك الأخير.

ها أنت ذي تتقدّمين كأميرة أسطورية، مغرية شهية، محاطة بنظرات الانبهار والإعجاب.. مرتبكة.. مربكة، بسيطة.. مكابرة.

ها أنت ذي، يشتهيك كل رجل في سرّه كالعادة.. تحسدك كل النساء حولك كالعادة..

وها أنذا _ كالعادة_ أواصل ذهولي أمامك.

وها هوذا "الفرقاني".. كالعادة.. يغنّي لأصحاب النجوم والكراسي الأمامية.

يصبح صوته أجمل، وكمنجته أقوى عندما يزفّ الوجهاء وأصحاب القرار والنجوم الكثيرة.

تعلو أصوات الآلات الموسيقية.. ويرتفع غناء الجوقة في صوتٍ واحد لترحب بالعريس:

"يا ديني ما أحلالي عِرسو.. بالعوادة..

الله لا يقطعلو عادة..

وانخاف عليه.. خمسة. والخميس عليه"

تعلو الزغاريد.. وتتساقط الأوراق النقدية.

ما أقوى الحناجر المشتراة. وما أكرم الأيدي التي تدفع كما تقبض على عجل!

ها هم هنا..

كانوا هنا جميعهم.. كالعادة.

أصحاب البطون المنتفخة.. والسجائر الكوبية.. والبدلات التي تلبس على أكثر من وجه.

أصحاب كل عهد وكل زمن.. أصحاب الحقائب الدبلوماسية، أصحاب المهمات المشبوهة، أصحاب السعادة وأصحاب التعاسة، وأصحاب الماضي المجهول.

ها هم هنا..

وزراء سابقون.. ومشاريع وزراء. سرّاق سابقون.. ومشاريع سرّاق. مديرون وصوليون.. ووصوليون يبحثون عن إدارة. مخبرون سابقون.. وعسكر متنكّرون في ثياب وزارية.

 

ها هم هنا..

أصحاب النظريات الثورية، والكسب السريع. أصحاب العقول الفارغة، والفيلات الشاهقة، والمجالس التي يتحدث فيها المفرد بصيغة الجمع.

ها هم هنا.. مجتمعون دائماً كأسماك القرش. ملتفون دائماً حول الولائم المشبوهة..

أعرفهم وأتجاهل معظمهم "ما تقول أنا.. حتى يموت كبار الحارة!"

أعرفهم وأشفق عليهم.

ما أتعسهم في غناهم وفي فقرهم. في علمهم وفي جهلهم. في صعودهم السريع.. وفي انحدارهم المفجع!

ما أتعسهم، في ذلك اليوم الذي لن يمدّ فيه أحد يده حتى لمصافحتهم.

في انتظار ذلك.. هذا العرس عرسهم. فليأكلوا وليطربوا. وليرشقوا الوراق النقدية. وليستمعوا للفرقاني يردد كما في كل عرس قسنطيني أغنية "صالح باي".

تلك التي مازالت منذ قرنين تُغنّى للعبرة، لتذكّر أهل هذه المدينة بفجيعة (صالح باي) وخدعة الحكم والجاه الذي لا يدوم لأحد..

والتي أصبحت تُغنّى اليوم بحكم العادة للطرب دون أن تستوقف كلماتها أحداً..

كانوا سلاطين ووزراء *** ماتوا وقبلنا عزاهمْ

نالوا من المال كُثرةْ *** لا عزّهم.. لا غناهُمْ

قالوا العرب قالوا *** ما نعطيوْ صالح ولا مالُو.."

أتذكر وأنا أستمع لهذه الكلمات، أغنية عصرية أخرى وصلتني كلماتها من مذياع بموسيقى راقصة.. تتغزّل بصالح آخر "صالح.. يا صالح.. وعينيك عجبوني..".

إيه يا قسنطينة، لكل زمن "صالحه".. ولكن ليس كل "صالح" باياً.. وليس كل حاكم صالحاً!

ها هوذا الوطن الآخر أخيراً أمامي.. أهذا هو الوطن حقاً؟

في كل مجلس وجه أعرف عنه الكثير. فأجلس أتأمّلهم، وأستمع لهم يشكون ويتذمّرون.

لا أحد سعيد منهم حسب ما يبدو.

المدهش أنهم هم دائماً الذين يبادرونك بالشكوى، وبنقد الأوضاع.. وشتم الوطن.

عجيبة هذه الظاهرة!

كأنهم لم يركضوا جميعاً خلف مناصبهم زحفاً على كل شيء. كأنهم ليسوا جزءاً من قذارة الوطن. كأنهم ليسوا سبباً في ما حلّ به من كوارث..

أسلِّم على (سي مصطفى). لقد أصبح وزيراً منذ ذلك اليوم الذي زارني فيه ليشتري مني لوحة. ورفضت أن أبيعه إياها.

لقد نجحت تكهّنات (سي الشريف) إذن، فقد راهن على حصان رابح..

أسأله مجاملة:

- واش راك سي مصطفى؟

فيبدأ دون مقدمات بالشكوى:

- رانا غارقين في المشاكل.. على بالك..!

تحضرني وقتها، مصادفة، مقولة لديغول: "ليس من حق وزير أن يشكو.. فلا أحد أجبره على أن يكون وزيراً!".

أحتفظ بها لنفسي وأقول له فقط..

- إيه.. على بالي..

نعم.. كنت (على بالي..) بتلك المبالغ الهائلة التي تقاضاها في كندا كعمولة لتجديد معدّات إحدى الشركات الوطنية الكبرى. ولكنني كنت أخجل أن أقول له ذلك، لأنني أدري أن الذين سبقوه إلى ذلك المنصب.. لم يفعلوا أحسن منه.

اكتفيت فقط بالاستماع إليه وهو يشكو، بطريقة تثير شفقة أي مواطن مسكين..

بينما كان حسان مشغولاً عني بالحديث مع صديق قديم.. كان أستاذاً للعربية.. قبل أن يصبح فجأة.. سفيراً في دولة عربية!

كيف حدث ذلك؟

يقال إنه ردّ دين.. وقضية "تركة" وصداقة قديمة تجمع ذلك الأستاذ بوالد إحدى الشخصيات.. وأنها ليست "الحالة الدبلوماسية" الوحيدة!

مثل (سي حسين) الذي أعرفه جيداً والذي كان مدير إحدى المؤسسات الثقافية، يوم كنت أنا مديراً للنشر. وإذا به بين ليلة وضحاها يعيّن سفيراً في الخارج.. بعدما طلعت رائحته في الداخل. فتكفلوا بلفّه بضعة أشهر وبعثه إلى الخارج مع كل التشريفات الدبلوماسية خلف علم الجزائر!

ها هوذا اليوم هنا.. في جوّه الطبيعي.

 

لقد استدعي إثر قضية احتيال وتلاعب بأموال الدولة في الخارج، ليعاد دون ضجيج إلى وظيفة حزبية.. ولكن على كرسي جانبي هذه المرة.

هنالك دائماً في هذه الحالات.. سلة مهملات شرفيّة!

في مجلس آخر، مازال أحدهم ينظّر ويتحدث وكأنه مفكّر الثورة وكل ما سيليها من ثورات. وإحدى ثورات هذا الشخص.. أنه وصل إلى الصفوف الأمامية في ظروف مشبوهة، بعدما تفرّغ لتقديم طالباته إلى مسؤول عجوز مولع بالفتيات الصغيرات..

هذا هو الوطن..

وها هو عرسك الذي دعوتني إليه. إنه "السيرك عمّار".. سيرك لا مكان فيه إلا للمهرّجين، ولمن يحترفون الألعاب البهلوانية.. والقفز على المراحل.. والقفز على الرقاب.. والقفز على القِيَم.

سيرك يضحك فيه حفنة على ذقون الناس، ويروّض فيه شعب بأكمله على الغباء.

فكم كان ناصر محقاً عندما لم يحضر هذا الكرنفال!

كنت أدري بحدسٍ ما أنه لن يحضر.. ولكن أين هو الآن.؟

تراه مازال يصلي في ذلك المسجد.. لكي لا يلتقي بهم. وهل تغيّر صلاته.. أو يغيّر سكري شيئاً؟

آه يا ناصر! كفّ عن الصلاة يا ابني. لقد أصبحوا يصلّون أيضاً ويلبسون ثياب التقوى. كفّ عن الصلاة.. وتعال نفكّر قليلاً. فأثناء ذلك ها هوذا الذباب يحطّ على كل شيء، والجراد يلتهم هذه الوليمة.

كلما تقدم الليل، تقدم الحزن بي، وتقدم بهم الطرب. وانهطل مطر الأوراق النقدية عند أقدام نساء الذوات، المستسلمات لنشوة الرق، على وقع موسيقى أشهر أغنية شعبية..

"إذا صاح الليل وَيْن انباتُو *** فوق فراش حرير ومَخدّاتُو.."

أمان.. أمان..

إيه آ الفرقاني غَنِّ..

لا علاقة لهذه الأغنية بأزمة السكن، كما قد يبدو من الوهلة الأولى. إنها فقط تمجيد لليالي الحمراء والأسرّة الحريرية التي ليست في متناول الجميع.

"ع اللي ماتوا.. يا عين ما تبكيش ع اللي ماتوا.."

أمان.. أمان.

لن أبكي.. ليست هذه ليلة لسي الطاهر.. ولا لزياد.

ليست للشهداء ولا للعشاق. إنها ليلة الصفقات التي يحتفل بها علناً بالموسيقى والزغاريد.

"خارجة من الحمّامْ بالريحيّةْ *** يا لِندراشْ للغير وإلا ليّ.."

أمان.. أمان.

لن أطرح على نفسي هذا السؤال. الآن أعي أنكِ للغير ولستِ لي. تؤكد ذلك الأغنيات، وذلك الموكب الذي يهرب بك، ويرافقك بالزغاريد إلى ليلة حبّك الشرعية.

 

وعندما تمرّين بي، عندما تمرين.. وأنت تمشين مشية العرائس تلك، أشعر أنكِ تمشين على جسدي، ليس "بالريحيّة" وإنما بقدميك المخضّبتين بالحناء.. وأن خلخالك الذهبي يدّق داخلي، ويعبرني جرساً يوقظ الذاكرة..

قفي..

قسنطينة الأثواب مهلاً! ما هكذا تمرّ القصائد على عجل!

ثوبك المطرّز بخيوط الذهب، والمرشوش بالصكوك الذهبية، معلّقة شعر كتبتها قسنطينة جيلاً بعد آخر على القطيفة العنابي. وحزام الذهب الذي يشد خصرك، لتتدفّقي أنوثة وإغراءً، هو مطلع دهشتي.

هو الصدر والعجز في كل ما قد قيل من شعرٍ عربيّ.

فتمهّلي..

دعيني أحلم أن الزمن توقّف.. وأنك لي. أنا الذي قد أموت دون أن يكون لي عرس، ودون أن تنطلق الزغاريد يوماً من أجلي.

كم أتمنى اليوم لو سرقت كل هذه الحناجر النسائية، لتبارك امتلاكي لك!

لو كنت "خطّاف العرائس" ذلك البطل الخرافي الذي يهرب بالعرائس الجميلات ليلة عرسهنّ، لجئتك أمتطي الريح وفرساً بيضاء.. وخطفتك منهم..

لو كنتِ لي.. لباركتنا هذه المدينة، ولخرج من كل شارع عبرناه وليّ يحرق البخور على طريقنا.. ولكن ما أحزن الليلة.. قسنطينة!

ما أتعس أولياءها الصالحين.. وحدهم جلسوا إلى طاولتي دون سبب واضح.. وحجزوا لذاكرتي الأخرى كرسيّاً أمامياً..

وإذا بي أقضي سهرتي في السلام عليهم واحدا واحدا..

سلاماً يا سيدي راشد..

سلاماً يا سيدي مبروك.. يا سيدي محمد الغراب.. يا سيدي سليمان.. يا سيدي بوعنّابة.. يا سيدي عبد المؤمن.. يا سيدي مسيد.. يا سيدي بومعزة.. يا سيدي جليس..

 

سلاماً يا من تحكمون شوارع هذه المدينة.. أزقّتها وذاكرتها.

قفوا معي يا أولياء الله.. متعب أنا هذه الليلة.. فلا تتخلوا عني.. أما كان منكم أبي؟

 

أبي يا "عيساوي" أباً عن جَد؟

أنت الذي كنت في تلك الحلقات المغلقة، في تلك الطقوس الطُرقيّة العجيبة، تغرس في جسدك ذلك السفود الأحمر الملتهب ناراً.. فيتخرق جسدك من طرفٍ إلى آخر، ثم تخرجه دون أن تكون عليه قطرة دم؟

أنت الذي كنت تمرّر حديده الملتهب والمحمّر كقطعة جمر، فينطفئ جمره من لعابك، ولا تحترق.

علّمني الليلة كيف أتعذّب دون أن أنزف.

علّمني كيف أذكر اسمها دون أن يحترق لساني.

علّمني كيف أشفى منها، أنت الذي كنت تردد مع جماعة "عيساوة" في حلقات الجذب والتهويل، وأنت ترقص مأخوذاً باللهب:

"أنا سيدي عيساوي.. يجرح ويداوي.."

من يداويني يا أبي.. من؟

وأحبها..

في هذه الساعة المتأخرة من الألم، أعترف أنني مازلت أحبها.. وأنها لي.

أتحدّى أصحاب البطون المنتفخة.. وذلك صاحب اللحية.. وذلك صاحب الصلعة.. وأولئك أصحاب النجوم التي لا تعدّ.. وكل الذين منحتهم الكثير.. واغتصبوها في حضرتي اليوم.

 

أتحداهم بنقصي فقط.

بالذراع التي لم تعد ذراعي، بالذاكرة التي سرقوها منّي، بكل ما أخذوه منّا.

أتحداهم أن يحبوها مثلي. لأنني وحدي أحبها دون مقابل.

وأدري أنه في هذه اللحظة، هناك من يرفع عنها ثوبها ذاك على عجل. يخلع عنها صيغتها دون كثير من الاهتمام ويركض نحو جسدها بلهفة رجل في الخمسين يضاجع صبية.

حزني على ذلك الثوب.. حزني عليه.

كم من الأيدي طرّزته، وكم من النساء تناوبن عليه، ليتمتع اليوم برفعه رجل واحد. رجل يلقي به على كرسي كيفما كان، وكأنه ليس ذاكرتنا، كأنه ليس الوطن.

فهل قدر الأوطان أن تعدّها أجيال بأكملها، لينعم بها رجل واحد؟

أتساءل الليلة.. لماذا وحدي تستوقفني كل هذه التفاصيل. وكيف اكتشفت الآن فقط، معنى كل الأشياء التي لم يكن لها معنى من قبل؟

أتراه عُشق هذا الوطن.. أم البعد عنه، هو الذي أعطى الأشياء العادية قداسة لا يشعر بها غير الذي حرم منه؟

ألأن المعايشة اليومية تقتل الحلم وتغتال قداسة الأشياء كان أحد الصحابة ينصح المسلمين بأن يغادروا مكة، حال انتهائهم من مراسيم الحج، حتى تبقى لتلك المدينة رهبتها وقداستها في قلوبهم، وحتى لا تتحول بحكم العادة إلى مدينة عادية يمكن لأي واحدٍ أن يسرق ويزني ويجور فيها دون رهبة؟

إنه ما يحدث لي منذ وطئت قدماي هذه المدينة. وحدي أعاملها كمدينة فوق العادة.

أعامل كل حجر فيها بعشق. أسلم على جسورها جسراً جسراً. أسأل عن أخبار أهلها، عن أوليائها وعن رجالها، واحداً.. واحداً..

أتأملها وهي تمشي، أتألها وهي تصلي، وتزني وتمارس جنونها ولا أحد يفهم جنوني وسرّ تعلّقي بمدينة يحلم الجميع بالهرب منها.

هل أعتب عليهم؟

هل يشعر سكان أثينا أنهم يمشون ويجيئون على ذاكرة التاريخ.. وعلى تراب مشت عليه الآلهة، وأكثر من بطل أسطوري؟

هل يشعر سكان الجيزة في بؤسهم وفقرهم، أنهم يعيشون عند أقدم معجزة، وأن الفراعنة مازالو بينهم، يحكمون مصر بحجرهم وقبورهم؟

وحدهم الغرباء الذين قرأوا تاريخ اليونان والفراعنة، في كتب التاريخ، يعاملون تلك الحجارة بقداسة، ويأتون من أطراف العالم لمجردّ الاقتراب منها.

تراني أطلت المكوث هنا، واقترفت حماقة الاقتراب من الأحلام حتى الاحتراق، وإذا بي يوماً بعد آخر، وخيبة بعد أخرى، أشفى من سلطة اسمها عليّ، وأفرغ من وهمي الجميل.. ولكن ليس دون الم؟

في هذه اللحظة، لا أريد لهذه المدينة أن تكون أكثر من رصاصة رحمة.

ولذا أتقبّل تلك الزغاريد التي انطلقت في ساعة متقدّمة من الفجر، لتبارك قميصك الملطّخ ببراءتك، كآخر طلقة نارية تطلقها في وجهي هذه المدينة، ولكن دون كاتم صوت.. ولا كاتم ضمير. فأتلقاها جامداً.. مذهول النظرات كجثة، بينما أرى حولي من يتسابق للمس قميصك المعروض للفرجة.

 

ها هم يقدمونك لي، لوحة ملطّخة بالدم، دليلاً على عجزي الآخر. دليلاً على جريمتهم الأخرى.

ولكنني لا أتحرك ولا أحتجّ. ليس من حق مشاهد لمصارعة الثيران، أن يغير منطق الأشياء، وينحاز للثور. وإلا كان عليه أن يبقى في بيته ولا يحضر "كوريدا" خلقت أساساً لتمجيد "الموتادور"!

شيء ما في هذا الجو المشحون بالزغاريد والزينة وموسيقى "الدخلة".. والهتافات أمام ثوب موقّع بالدم، يذكّرني بطقوس الكوريدا. وذلك الثور الذي يعدّون له موتاً جميلاً على وقع موسيقى راقصة يدخل بها الساحة، ويموت على نغمها بسيوفٍ مزيّنة للقتل، مأخوذاً باللون الأحمر.. وبأناقة قاتله!

من منّا الثور؟ أنتِ أم أنا المُصاب بعمى الألوان، والذي لا يرى الآن غير اللون الأحمر.. لون دمك؟

ثور يدور في حلبة حبّك، بكبرياء حيوان لا يهزم إلا خِدعة، ويدري أنه محكوم عليه بالموت المسبق.

الواقع أن دمك هذا يربكني، يحرجني، ويملأني تناقضاً.

أما كنت أتحرق دائماً لمعرفة نهاية قصتك معه، هو الذي أخذك مني، تراه أخذ منك كل شيء؟

سؤال كان يشغلني ويسكنني حد الجنون، منذ ذاك اليوم الذي وضعت فيه (زياد) أمامك. ووضعتك أمام قدرك الآخر.

تراك فتحت له قلاعك المحصّنة، وأذللت أبراجك العالية، واستسلمت لإغراء رجولته؟

تراك تركت طفولتك لي، وأنوثتك له؟

ها هو الجواب يأتيني بعد عام من العذاب. ها هو أخيراً لزج.. طريّ.. أحمر.. ورديّ.. عمره لحظات.

ها هو الجواب كما لم أتوقّعه، مقحماً، محرجاً، فلِمَ الحزن؟

ما الذي يؤلمني الأكثر هذه الليلة.. أن أدري أنني ظلمت زياداً بظني، وأنه مات دون أن يتمتع بك، وأنه في النهاية كان هو الأجدر بك الليلة؟

أم أن تكوني فقط، مدينة فتحت اليوم عنوة بأقدام العسكر، ككل مدينة عربية؟

ما الذي يزعجني أكثر الليلة؟ أن أكون قد عرفت لغزك أخيراً، أم كوني أدري أنني لن أعرف عنك شيئاً بعد اليوم، ولو تحدّثت إليك عمراً، ولو قرأتك ألف مرة؟

أكنتِ عذراء إذن، وخطاياك حبر على ورق؟

فلماذا أوهمتني إذن بكل تلك الأشياء؟ لماذا أهديتني كتابك وكأنك تهدينني خنجراً للغيرة؟

لماذا علّمتني أن أحبكِ سطراً بعد سطر.. وكذبة بعد أخرى.. وأن أغتصبك على ورق!

فليكن..

عزائي اليوم، أنك من بين كل الخيبات.. كنت خيبتي الأجمل.

يسألني حسان: لماذا أنت حزين هذا الصباح؟

أحاول ألا أسأله: ولماذا هو سعيد اليوم؟

أدري أن غياب ناصر ومقاطعته البارحة للعرس، قد عكّر نوعاً ما مزاجه. ولكنه لم يمنعه من أن ينسجم مع أغاني "الفرقاني"، وأن يضحك.. ويحادث كثيراً من الناس الذين لم يلتق بهم من قبل.

كنت ألاحظه. وكنت سعيداً شيئاً ما، لسعادته الساذجة تلك.

كان حسان سعيداً أن تُفتح له أخيراً تلك الأبواب التي قلما تفتح للعامة، وأن يدعى لحضور ذلك العرس الذي يمكنه الآن أن يتحدث عنه في المجالس لأيام؛ ويصفه للآخرين الذين سيلاحقونه بالأسئلة، عن أسماء من حضروا وما قُدِّم من أطباقي.. وما لبست العروس..

ويمكن لزوجته أيضاً أن تنسى أنها استعارت صيغتها والثياب التي حضرت بها العرس من الجيران والأقارب، وتبدأ بدورها في التفاخر على الجميع بما رأته من بذخٍ في ذلك العرس، وكأنها أصبحت فجأة طرفاً فيه، فقط لأنها دعيت للتفرّج على خيرات الآخرين.

قال فجأة:

- إن سي الشريف يدعونا غداً للغداء عنده. لا تنسَ أن تكون في البيت وقت الظهر لنذهب معاً..

قلت له بصوت غائب:

- غداً سأعود إلى باريس.

صاح:

- كيف تعود غداً.. ابقَ معنا أسبوعاً آخر على الأقلّ.. ما الذي ينتظرك هناك؟

حاولت أن أوهمه أن لي بعض الالتزامات، وأنني بدأت أتعب من إقامتي في قسنطينة.

ولكنه راح يلحّ:

- يا أخي عيب.. على الأقل احضر غداء سي الشريف غداً ثم سافر..

أجبته بلهجة قاطعة لم يفهم سببها:

- فرات.. غدوة نروّح.

كان يحلو لي أن أحدّثه بلهجة قسنطينية. كنت أشعر مع كل كلمة ألفظها، أنه قد يمر وقت طويل قبل أن ألفظها مرة أخرى.

قال حسان وكأنه يقنعني بضرورة عدم رفض تلك الدعوة:

- والله سي الشريف ناس ملاح.. مازال برغم منصبه وفيّاً لصداقتنا القديمة. أتدري أن البعض يقول هنا إنه قد يصبح وزيراً. ربما يفرجها الله علينا في ذلك اليوم على يده..

قال حسان هذه الجملة الأخيرة بصوت شبه خافت، وكأنه يقولها لنفسه..

مسكين حسان!

مسكين أخي الذي لم يفرجها الله عليه بعد ذلك. أكان من السذاجة بحيث يجهل أن ذلك العرس هو صفقة لا غير، وأن سي الشريف لا بدّ أن يتلقّى شيئاً ما مقابله. نحن لا نصاهر ضبّاطاً من الدرجة الأولى.. دون نوايا مسبقة.

أما بالنسبة لما يمكن أن يربح حسان من وراء منصب سي الشريف المحتمل.. فمجرد أوهام.

المؤمن يبدأ بنفسه، وقد تمر سنوات قبل أن يصل دور حسان.. وينال بعض ما يطمح إليه من فتات.

سألته مازحاً:

- هل بدأت تحلم أن تصبح أنت أيضاً سفيرا؟

قال وكأن السؤال قد جرحه نوعاً ما:

- يا حسرة يا رجل.. "اللي خطف.. خطف بكري.." أنا لا أريد أكثر من أن أهرب من التعليم، وأن أستلم وظيفة محترمة في أيّة مؤسسة ثقافية أو إعلامية، أية وظيفة أعيش منها أنا وعائلتي حياة شبه عادية.. كيف تريد أن نعيش نحن الثمانية بهذا الدخل؟. أنا عاجز حتى عن أن أشتري سيارة. من أين آتي بالملايين لأشتريها؟. عندما أتذكّر تلك السيارات الفخمة التي كانت مصطفّة أمس في ذلك العرس، أمرض وأفقد شهية التعليم. لقد تعبت من هذه المهنة، أنت لا تشعر بأية مكافأة مادية أو معنوية فيها. لقد تغيّر الزمن الذي "كاد فيه المعلم أن يكون رسولاً".. اليوم حسب تعبير زميل لي "كاد المعلم أن يكون (شيفوناً) وخرقة لا أكثر.

لقد أصبحنا ممسحة للجميع. فالأستاذ يركب الحافلة مع تلاميذه. و "يدزّ" و "يطبّع" مثلهم. ويشتمه الناس أمامهم. ثم يعود مثل زميلي هذا، ليعدّ دروسه ويصحّح الامتحانات في شقّة بغرفتين، يسكنها ثمانية أشخاص وأكثر.

بينما هناك من يملك شقّتين وثلاثاً بحكم وظيفته أو واسطاته.. يمكنه أن يستقبل فيها عشقياته أو يعير مفاتيجها لمن سيفتح له أبواباً أخرى.

صحّة عليك يا خالد.. أنت تعيش بعيدا عن هذه الهموم، في حيّك الراقي بباريس.. ما على بالكش واش صاير في الدنيا.!

آه حسان.. عندما أذكر حديثنا ذلك اليوم، تصبح المرارة غصّة في الحلق، تصبح جرحاً، تصبح دمعا، تصبح ندماً وحسرة.

كان يمكن أن أساعدك أكثر، صحيح.

كنت تقول: "اطلب شيئاً يا خالد مادمت هنا، ألست مجاهداً؟ ألم تفقد ذراعك في هذه الحرب؟ اطلب محلا تجارياً.. اطلب قطعة أرض.. أو شاحنة، إنهم لن يرفضوا لك شيئاً. هذا حقك. وإذا شئت دعه لي لأستفيد منه وأعيش عليه أنا وأولادي.. أنت يحترمونك ويعرفونك، وأما أنا فلا يعرفني أحد. إنه جنون ألا تأخذ حقك من هذا الوطن. إنهم لا يتصدّقون عليك بشيء. أكثر من واحد يحمل شهادة مجاهد وهو لم يقم بشيء في الثورة. أنت تحمل شهادتك على جسدك.."

إيه حسان.. لم تكن تفهم أن هذا هو الفرق الوحيد بيني وبينهم. لم تكن تفهم أنه لم يعد ممكناً اليوم، بعد كل هذه السنوات، وكل هذا العذاب، أن أطأطئ رأسي لأحد.. ولو مقابل أية هبة وطنية.

ربما كنت فعلت هذا بعد الاستقلال. ولكن اليوم مع مرور الزمن، أصبح ذلك مستحيلا.

لم يبق من العمر الكثير أخي. لم يبق من العمر الكثير، لأطأطئ رأسي قبل الموت.

أريد أن أبقى هكذا أمامهم، مغروساً كشوكة في ضميرهم. أريد أن يخجلوا عندما يلتقوا بي، أن يطأطئوا هم رؤوسهم ويسألوني عن أخباري، وهم يعرفون أنني أعرف كل أخبارهم، وأنني شاهد على حقارتهم.

آه لو تدري حسان!

لو تدري لذّة أن تمشي في شارع مرفوع الرأس، أن تقابل أيّ شخص بسيط أو هامّ جداً، دون أن تشعر بالخجل.

هناك من لا يستطيع اليوم أن يمشي خطوتين على قدميه في الشارع، بعدما كانت كل الشوارع محجوزة له. وكان يعبرها في موكب من السيارات الرسمية.

لم أقل شيئاً لحسان. وعدته فقط كمرحلة أولى أن أشتري له سيارة. قلت له: "تعال معي، واختر سيارة تناسبك. تأخذها معك من فرنسا. لا أريد أن تعيش هكذا في هذه الحالة بعد اليوم..".

فرح حسان يومها كطفل. شعرت أن ذلك كان حلمه الكبير الذي كان عاجزاً عن تحقيقه، وعاجزاً عن طلبه مني. ولكن كيف لي أن أعرف ذلك وأنا لم أزره منذ سنوات؟

عندما أذكر حسان اليوم، وحدها تلك الالتفاتة تبعث في قلبي شيئاً من السعادة، لأنني أسعدته بعض الوقت، ومنحته راحة لبضع سنوات.

سنوات.. لم أكن أتوقع أن تكون الأخيرة.

عاد حسان إلى موضوعه قال:

- هل أنت مصر حقاً على السفر غداً؟

قلت له:

- نعم.. من الأرجح أن أسافر غداً..

قال:

- إذن لا بد أن تطلب سي الشريف اليوم، لتعتذر منه. فقد يسيء تفسير موقفك.. ويأخذ على خاطره..

فكرت قليلاً فوجدته على حقّ. قلت لحسان:

- اطلب لي رقم سي الشريف لأعتذر إليه..

كنت أتوقع أن تتوقف الأمور هناك. ولكن سي الشريف راح يرحّب بي.. ويحرجني بلطفه، ويلحّ لأحضر لزيارته ولو في ذلك الحين..

قال:

- تعال إذن وتغدّ معنا اليوم.. المهم أن نراك قبل أن تسافر.. ثم يمكنك أن تقدم هديتك بنفسك للعروسين قبل أن يسافرا أيضاً هذا المساء..

لم يكن هناك من مخرج. وجدت نفسي مرة أخرى، أواجه قدري معك. أنا الذي قررت السفر على عجل، حتى أنتهي من العيش في هذه الأجواء التي كانت تدور كلها بطريقة أو بأخرى حولك.

ها أنا مرة أخرى ألبس بدلتي السوداء نفسها، أحمل لوحة توقّفت أمامها يوماً وكانت سبب كل ما حلّ بي بعد ذلك. وأذهب مع حسان إلى الغداء..

ها هما قدماي تقودانني مرة أخرى نحوك. كنت أدري أنني سألتقي بكِ هذه المرة. كان هناك حدس مسبق يشعرني أننا لن نخلف هذا الموعد اليوم.

ما الذي قاله سي الشريف ذلك اليوم؟ ما الذي قلته ومن قابلت من الناس؟ وماذا قدم لنا من أطباق على تلك السفرة.. لم أعد أذكر.

كنت أعيش لحظات حبك الأخيرة. ولم يكن يهمني شيء في تلك اللحظة، سوى أن أراك.. وأن أنتهي منك في الوقت نفسه!

ولكن.. كنت أخاف حبك. كنت أخاف أن يشتعل حبك من رماده مرة أخرى. فالحب الكبير، يظلّ مخيفاً حتى في لحظات موته.. يظلّ خطراً حتى وهو يحتضر.

وجئت..

أكثر اللحظات وجعاً، أكثر اللحظات جنوناً، أكثر اللحظات سخرية، كانت تلك التي وقفت فيها لأسلم عليكِ، وأضع على وجنتيك قبلتين بريئتين، وأنا أهنئك بالزواج، مستعملاً كل المفردات اللائقة بذلك الموقف العجيب.

 

كم كان يلزمني من القوة، من الصبر ومن التمثيل، لأوهم الآخرين أنني لم ألتقِ بك قبل اليوم، سوى مرّة عابرة، وأنكِ لم تكوني المرأة التي قلبت حياتي رأساً على عقب؟

المرأة التي تقاسمني سريري الفارغ منذ عدة أشهر، والتي كانت حتى البارحة.. لي!

 

كم كان يلزمني من التمثيل، لأهديك تلك اللوحة، دون أي تعليق إضافي، دون أية إشارة توضيحية، وكأنها لم تكن اللوحة التي بدأت بها قصتي معك منذ خمس وعشرين سنة.

وكم كنتِ مدهشة أنتِ في تمثيلك، وأنتِ تفتحينها وتلقين نظرة معجبة عليها، وكأنك ترينها لأول مرة! فلا أستطيع إلا أن أسألك يتواطؤ سري جمعنا يوماً:

هل تحبين الجسور؟

ويخيم بيننا فجأة صمت قصير، يبدو لي طويلاً كلحظة تسبق حكماً بالإعدام.. أو العفو.

قبل