
بقلم
الكاتب: يحيى الصوفي

"نارين"
الحب الضائع
الجزء الأول
كتبت هذه الرواية وأنا أتابع بطلتها نارين
فأشعر بالخوف حيث خافت وبالحزن حيث حزنت !.
وبالفرح حيث فرحت !...كنت أكتب عنها وأتبعها كملاك حارس ...كظلها
ولا أخفي عليكم بأنني كنت أضحك عندما تضحك...وكنت أبكي عندما تبكي...
وكنت
أشعر ببدني يقشعر وشعري ينتصب مثلها تماما !...
حتى أنني لم أتوانى من أن يمتلكني الغضب عندما تغضب
ولا
أمنع نفسي من الصراخ عندما تصرخ !.
كنت أعيش في داخلها ومن خلالها !...فأفكر بعقلها... وأرى بعيونها وأسمع
بأذنيها
وأصرخ بفمها وأراها وأنا أسطر مشاعرها وكأنها ها هنا أمامي ... وكأنني
بداخلها ...!؟
وكطفل صغير فرحت ... وحزنت... وغضبت وخفت... وضحكت ... وبكيت... حتى الشبع.
يحيى الصوفي حمص في25/ 09 / 1998
بدأت الكتابة في هذه الرواية في 25 / 8 / 1998 وانتهيت منها في 25 / 11 /
1998 وبدأت بطبعها ووضعها على صفحات موقع المحيط في 25 / 10 / 2003 كل فصل
حسب تاريخ طبعه، وقد كتبت هذه الرواية من محض الخيال وليس لشخوصها أي رابط
مع ما يمكن أن تتشابه به في الحياة ولذلك وجب التنويه.

الفصل الأول:
في المنزل
يا له من صباح عاصف وبارد... تمتمت نارين من خلف نافذة غرفة الجلوس وهي ترمق الشارع وقد تحول
بفعل الأمطار إلى ما يشبه النهر الهائج !. لم هذا يا الهي ؟... وهو يوم زيارتي لوالدتي وقد تواعدت معها
للتنزه وقضاء يوم جميل برفقتها..... والصباح ؟... أين هو؟... وقد كنت على
موعد معه كالعادة... ينساب قاهرا ظلام الليل... ليدخل بإشراقه بعض من
السرور إلى نفسي !...
تململت نارين ثانية وهي تزيل غطاء الصلاة عن رأسها ثم همست تكلم
أختها الكبرى:
-أتعرفين يا رغد أنني أشفق على أولئك العمال الذين يقومون بتنظيف
هذه الشوارع في وقت مبكر من كل يوم... وفي كل الظروف.... تعالي انظري ...
يبدو وكأن المطر قد نظفهم هو بدوره !....
وهي تضحك:
-وقد أزال ما علق بهم من زهور الأشجار الهابطة معه...
وبقهقهة عالية:
- هم هكذا متعادلون... ينظفون ويتنظفون ؟!...
صاحت رغد:
-بالله عليك يا نارين ستوقظين أخوتك، كفى قهقهة وسخرية وتعالي معي
للصلاة والدعاء.
أجابتها نارين بحدة:
-لقد فعلت وانتهيت قبلك !.
- ولكن لم تدعو ربك كالعادة !.
- نعم لقد دعوته !.
وبشيء من الخمول:
-وبعد كل هذا... ماذا سيفيدني الدعاء هو لم يجب لدعائي قط .!...
ربما لأنه لا يحبني !...
-وهل فعلت ما يحببه بك ؟.
- أجل... أجل... أنت تعرفين، لقد وضعت الحجاب وأقمت له الصلاة على
غير عادتي... وناديته من كل قلبي أن يسامحني ويغفر لي ويسعدني... تخليت عن
الكثير من صديقاتي اللواتي عشت طفولتي معهن... لأجله تركت ما كنت ألهو به
برفقتهن... الحفلات والنزهات وكل ما يتبعه من مغامرة ونكتة وشغف... وها أنا
ذا أتبعك في طريقك... طريق التقوى والصلاة والدعاء !...
-يا عزيزتي... أنت بالكاد على مشارف العشرين من العمر والحياة بكل
ما فيها من سعادة لازالت أمامك فاتحة ذراعيها... وبالحب والصبر تنالين ما
تريدين... ورفقتك اللواتي تأسفين بعدك عنهن لا يناسبون ما عزمت أن تكوني
عليه... فتاة طيبة ورقيقة وربما زوجة وأم يحلم كل الشباب بها !
-أي نعم !... أنت قلتها ... بوجهي الصبياني وشعري "المطعج" المنفوش
وقصر قامتي وهذا الجسد الذي لا أعرف له علاج، لإيناسه ثوب ولا بنطال...ولا
هم يحزنون ...سيطير عقل الشباب بي كما قلت !.
  
انتفضت رغد من على سجادة الصلاة متوجهة إلى حيث تقف أختها نارين ثم
أخذت برأسها الصغير بإحدى ذراعيها وضمتها بالأخرى إلى صدرها وأخذت تداعب
شعرها كما تفعل مع القطط ... وتقول:
-أنت تتمادي على الله قليلا يا حبيبتي... وأنت جميلة كما أنت وبك
فتنة ووداعة ورقة قلّ ما وجدتهم عند الفتيات في عمرك... وأنت تعرفين حق
المعرفة بأن ما بك من جمال يخيفنا من نظرات المعجبين الذين يحاولون التهامك
بنظراتهم كل ما مررت بهم !.
نارين هازئة:
-هه قصدك الأطفال... الأولاد الذين يصغرونني بسنوات ويظنون بأنني
من جيلهن طفلة صغيرة لم تبلغ الثانية عشرة بعد !!!... نعم عندك حق في هذا
!؟.
ثم أضافت بحزن:
-أنا لم ألفت اهتمام الشباب يوما ؟!... هم لم يهتموا لي يوما لا بالكلام
ولا بالنظرات... ليس بي ما يثير حماسهم... وعندما أكون برفقة صديقاتي أظهر
وكأنني إحدى أخواتهن الصغار ...على كل هذا أحسن فأنا لن أشيخ باكرا !...
وهي تضحك:
-لازال أمامي متسع من الوقت لكي ألهو وألعب كالصغار دون أن أدان أو
أتهم بقلة الأدب !.
رغد وهي تشد بيدها على كتف نارين:
-ستبقي رغم كل ذلك أختي الصغرى الشقية وسأتحمل دلعك وقلة أدبك
... ولكن احذري أن تثيري غضب خالتك فأنت تعرفين بأنها تتصيد أخطائنا لكي
تديننا أمام أباك ولتجد الأعذار لكي تحرمنا في النهاية من زيارة والدتنا
المعتادة في مثل هذا اليوم !...
ثم تابعت:
-هيا تعالي لنخلد إلى النوم فلازال الوقت باكرا علنا نفوز بحلم جميل
يبعد عنا بعض من الخوف الذي نعيشه.
التفتت نارين بحدة نحو أختها وهي تحاول أن تتخلص من ذراعيها:
-الخوف؟!... أنت تخافين؟
أجابتها رغد بعصبية ظاهرة:
-كل الناس يخافون وما عنيته هو الخوف الذي صاحبني في نومي من حلم لا
أحبه !.
-ها وتحلمين أيضا ؟... ردت عليها نارين وهي تقهقه:
-لم تحدثينني يوما عن أحلامك ؟!.
رغد وهي تسير متجاوزة الممر نحو غرفة نومهم:
-وماذا تظنين حتى القطط تحلم.
  
ضحكت نارين وقد بلغت معها الغرفة وقفزت على السرير وهي تحتضن دبها
البني الضخم:
-القطط فقط أم الدببة أيضا ؟.
-الدببة أيضا إذا شئت ... وكفي عن الهزأ !.
انقلبت نارين على ظهرها وهي لازالت تضم دبها الضخم حتى اختفت تحته
ثم مدت رأسها من خلفه وهي تقول:
-أنا أيضا رأيت حلما !... ولكن غريب بعض الشيء !.
نظرت رغد بشفقة على نارين وهي تحاول التمدد على سريرها:
-حلم وغريب ؟! ...وما الغرابة فيه ؟.
اعتدلت
نارين في جلستها وقد قذفت بالدب بعيدا عنها !... وقد سرها أن
تثير اهتمام أختها بحديثها وقالت:
- اجل غريب ولكن جميل... وجميل جدا ولم اشعر بحياتي ما شعرت به من
سعادة واطمئنان.... وعندما استيقظت وقد فارقني ما حلمت به كنت كمن كان على
موعد للقاء ثان معه ؟!...
هو بدا مألوفا جدا ووديعا جدا... هذا الحلم ؟ !
وبشيء من الفضول وقد أثارها ما سمعت قالت رغد:
- هيا تابعي قصي علي حلمك...؟!
ثم تابعت:
- أنا لم أعرفك قط أكثر حماسا مما رايته بك هذا اليوم... هه تابعي
!.
  
استقامت نارين في سريرها وهي تحاول أن تتربع في جلستها، وقد أخذت
بأطراف قميص نومها فجعلته بين ساقيها وكأنها تتجهز لتفضي بأمر جلل:
-أتعرفين؟!... لقد رأيت في حلمي وكأنني مسحورة بطيف لشاب لا ملامح له
ولكن شعرت بجماله في رقة انسيابه نحوي وشعرت بحبه لي وبحنوه علي وقد اخذ
يطوف حولي كملاك لا بداية له ولانهاية...
ثم تابعت كالحالمة:
-هو أن شئت كان يحتضنني كسحابة وديعة ... وشعرت بأنفاسه كنسيم منعش
في مساء صيف حار يدغدغ رقبتي ويتسلل بلطف من خلال قميصي فشعرت به يلامس
نهدي... أتعرفين ؟!... لأول مرة اشعر بان لي نهدين يمكن أن يلمسا... وهكذا
رحت ألاحق تسلله اللطيف وأنا خجلة... لقد بدا وكأنه مألوف بالنسبة
لي، فلم أتردد بالاستسلام له... وتمنيت وقد طوقني من الخلف لو أستطيع أن أصل
أليه لأقبله، أحسست به يلامسني ويداعبني ولم استطع حتى أن المسه... فقد كنت
معلقة معه في الهواء ؟!...
ثم تابعت وهي تهذي:
-وأخذنا نرتفع سوية ونطير كسحابة دخان ضاق بها المكان لتتسرب من
الشقوق... وفي الفضاء الواسع انتهيت وإياه على مقعد وثير في حديقة غناء
مليئة بالزهور... وبأشجار ضخمة لا حدود لظلالها !... وأذكر أيضا بأنني رأيت
حمامتين وقد حطتا بقربي !... مددت يديّ الفارغتين وكأنني أريد إطعامهن حتى
يقتربا مني أكثر لعلني أحظى بهن... وعندما هممت بالإمساك بهن طارتا إلى غصن
شجرة قريبة وقد أخذتا ترمقانني بنظرات ملؤها الريبة والخوف...حاولت مرة
أخرى أن اجذبهن إلي بحركات من يدي وأصابعي وأنا اردد...تا تا ..تا تا ..
فلم انجح ...كنت جد مضطربة ألا أستطيع الحصول على ثقتهن... وبي رغبة لو
أستطعت الإمساك بهن لأداعبهن ولكي أبرهن لهن بأنني لا أريد إيذائهن... ولم
أتمالك نفسي وأنا في حيرتي من المحاولة ثانية ... وثالثة... لكي اجذبهن ألي
وكأن هاتين الحمامتين هما لي... قطعة مني وقد انفصلتا ولا أستطيع العيش
دونهن... انقبضت على نفسي بأسى وقد أخذت رأسي بين ذراعيّ كمن يلعب "الغميضة"
ورحت بغيبوبة خفيفة أتلمس من وقع أقدامهن على الأغصان مقدار اضطرابهن علي...
وما هي حتى لحظات حتى حطتا بقربي !... واحدة على يميني وواحدة على يساري
!... بعدها لم استطع الحراك فأنا أريدهن قربي... وخفت أن أنا تململت في
مكاني أن يبتعدا -مجددا- عني ؟! ... وعللت نفسي بالصبر أن أنا أردت أن
أفوز بهن...؟ وما هي إلا لحظات حتى أحسست بمن يجذبني من أطراف قميصي وكأنهن
يطلبن الحماية بي؟! ... ففسحت لهن مكان تحت ذراعيّ وأنا انتظر بفارغ الصبر
أن أحظى برؤوسهن الوديعة وقد أطلت تستجدي بعضا من الحنان والدفيء... ولم
يطل انتظاري حتى كانتا هاتين الحمامتين في حضني ؟!... أنزلت ساقيّ بلطف
وحذر نحو الأرض... ولشدة حيائي أن يتكشف قميصي عن ساقي وقد آخذا يتقافزان في
حضني بقيت بلا حراك لفترة اطمأنتا بها ألي ... وعندما بدأت تلمسهن براحة
كفي وإذا بهن يتحولن إلى طفلين وديعين جدا ووسيمين ؟!...
وهما يتحدثان بلغة
لم افهمها وكأنها طيور تغرد! ... ولشدة فرحي بهما أخذت الأول بذراعي اليمين
والآخر بذراعي الشمال وضممتهما إلى صدري... ولا اعرف بعدها لماذا ساد صمت
رهيب من حولي واستسلما لي وغفيا بين ذراعي ؟!... وعندما استيقظت على صياح
المؤذن يؤذن لصلاة الفجر أحسست بهما معي في سريري !... ولشدة تعلقي بألا
اخسرهما واخسر هذا الحلم الجميل بقيت هكذا متصلبة احتضن الفراغ حولي حتى
نهرتني منادية علي الاستيقاظ للصلاة.
ثم تابعت وهي تحدق بأختها رغد التي كانت تحاول أن تخفي ما فاضت به
عينيها من دموع:
-هه ما رأيك بكل هذا ؟
-خير كله خير يا حبيبتي... ويبدو بأنك ستجدين فتى أحلامك قريبا...
وستسبقينني إلى عش الزوجية... وما الطيرين إلا خبرين سعيدين سيزفان إليك
قريبا إن شاء الله.
  
- هه وماذا عن حلمك لم تخبريني عنه ؟.
- لقد سبقتني إليه وخففت عني ما كنت اشعر به من خوف وتممت وبوضوح ما
رأيته وما خفت منه ؟!.
-كيف ؟ ... أجابتها مستغربة ؟.
- لقد رايتك في حلمي وكأنك قد تركتني على شاطئ رماله بيضاء ناصعة
كالثلج... وقد قذفت الريح بمركب كنت تلهين فيه إلى عرض البحر بعيدة عني...
ولا أعرف لماذا لم أتجرأ الخوض في أمواجه كمن يفقد الأمل مسبقا في الوصول
إليك... وعندما حاولت الصراخ لأطلب النجدة لم يخرج من فمي إلا صفير لريح
وكأنني فقدت حلقي ؟!...
وبحسرة تابعت:
-كم كنت خائفة ألا أجدك بقربي بعد استيقاظي ؟!
وبشيء من الهذيان:
-الحمد لله... الحمد لله... وهذا ما يفسر بأننا سننفصل قريبا
ولكن بالخير يا عزيزتي... بالخير... أنت إلى عش الزوجية قبلي وأنا هنا مع أختك
الصغرى "هند" ومع دراستي... وهكذا ربما ستعيشين حياتك كما رغبت وتبتعدين عن
جو هذا البيت المشحون بالبغض والكراهية ؟!... وربما موعد اليوم مع الخاطبين الذين
سيزوروننا سيبرر حلمي وحلمك... بالخير أن شاء الله...
ثم تابعت:
-هيا لننام قليلا فلازال الوقت باكرا للشقاء هيا وهي تجذب أطراف
غطائها تصبحين على خير.
تيبست نارين في مكانها وقد تفتحت عيناها عن حدقتين مشدوهتين
وواسعتين:
-تصبحين على خير ؟!.
وبشيء من السخرية تابعت:
-بل قولي صباح الخير ؟ ... وأنت الصادقة ما حلمت به لا ينطبق إطلاقا
على زيارة الخاطبين لي هذا المساء، فأنا أحس بكل شيء وان لم اعرفهم...
فإحساسي يقول لي بان ما حلمت به شيء وما سأراه اليوم شيء أخر وبعيد كل
البعد !!
وكالحالمة:
-إن حلمي يا عزيزتي هو حلم لا يشبهه من الواقع في شيء.. وما شعرت به
من سعادة ونشوة لا يملكها بشري من هذه الدنيا !!...
وبشيء من الغرور:
-كل الرجال وشباب هذه الدنيا يسعون لشيء آخر غير الذي أتمناه وحلمت
به !
-كفى ثرثرة ودعيني أنام أرجوك... فأنا متعبة.
- اجل نامي يا قارئة الأحلام... ليتني لم أخبرك بحلمي... واحتفظت به
وحدي فلقد فقدت بذلك بعضا من نشوتي وبعضا من الإثارة التي أحبها !.
ثم تابعت بشيء من التهكم:
-هكذا بكل بساطة... سأتزوج ... سننفصل... هكذا بكل بساطة... !!!
وهي تجذب أطراف الغطاء:
-النوم أفضل كما قلت... !
وهي تحدث نفسها:
ما أبشع أن يفقد الإنسان بعض من أسراره... أن يفقد حلمه.
---------------------------------
نهاية الفصل الأول مع تحيات المؤلف: يحيى الصوفي جنيف في
28 / 10 / 2003
  

الفصل الثاني:
مع والدها
استيقظت نارين على صوت طرقات قوية على الباب وأخذت تصيح:
-هه أجل ...أجل أنا قادمة ؟!...
ومن خلف الباب كانت خالتها تقف صائحة:
-لقد تجاوزت العاشرة وأمامنا الكثير لكي نعمله هلا استيقظتما
لتساعداني...
-نعم...
نعم... أجابت نارين وقلبها يخفق بسرعة:
-سأكون عندك ريثما
أبدل ثيابي ثم اتجهت نحو أختها رغد ...
-هيا إن خالتك تنادينا ... هيا...
بدلت نارين ثيابها على عجل وخرجت تقصد خالتها وهي تقول:
-هل أستيقظ أبي؟ وهل غادر المنزل؟
أجابتها خالتها:
-لقد استيقظ إلا انه لازال يتناول فطوره بالمطبخ... لماذا تسألين؟
... هل تحتاجين لشيء؟
- أجل أريد أن أحدثه بأمر الخاطبين هذا المساء...
لا... أنا
خائفة...
أرجوك خالتي هلا طلبت منه أن يسمح لي بشراء ألبسة في هذه المناسبة؟
-لماذا ؟ هل ألبستك لا تليق... ولماذا تشتري ثيابا أخرى... يجب أن
تكوني طبيعية في مثل...
هذه المناسبة وتلبسين ثيابا عادية... لا حاجة لشراء
أي جديد!
نارين وهي تتلعثم:
-ولكن... خالتي أنا أحتاج إلى ثوب وحذاء جديدين... أرجوك...
-أنت حرة لقد أخبرتك رأيي... سأخبر والدك بالأمر... وان ثار عليك
فذنبك على جنبك... أذهبي للاغتسال...
ثم وافيني إلى المطبخ.
عادت نارين إلى غرفتها لتحضر منشفتها وهي تجهش بالبكاء في حين كانت
رغد تغير ملابسها وقد فاجأها منظر أختها الحزين فقالت لها بشيء من الفتور
-ماذا هناك.؟... ماذا حدث.؟ ...هل تشاجرت مع خالتك ثانية.؟
-لا... أجابتها نارين: ولكن أريد أن أكلم أباك لشراء ألبسه هذا
المساء، وطلبت مساعدتها، فأنت تعرفين بأنني لا أقوى على مواجهة والدي فهو
متوتر ومستعجل دائما ويتلقى تعليماته منها وكأنه أجير عندها !...
-أنت دائما على عجلة... لماذا لم تخبرينني... سأتدبر الأمر بنفسي...
ووالدك سيستجيب لي... وأن فعلت أنت يستجيب لك ولكن أنت سيئة الظن به!... لا
تهتمي للأمر واتركيه علي.
  
تناولت نارين منشفتها تقصد الحمام للاغتسال في حين توجهت رغد تسعى
خلف أباها فوجدته في المطبخ يتناول فطوره:
-صباح الخير...
خاطبت رغد أباها وهي تجلس إلى جانبه على المائدة.
-صباح الخير ... كيف الحال، كيف أختك هند لقد تغيبت عن المدرسة
اليوم أيضا... يبدو أن الحرارة قد عاودتها من جديد... لقد أعطيتها مخفضا
لها!.
ثم تابع:
-هل ستذهبين إلى السوق مع أختك نارين لشراء ما تحتاجه ... لقد
أخبرتني خالتك ...
وهو ينهض:
-هاك بعض المال وتدبري الأمر ومري في طريق عودتك من السوق إلى
العيادة لأرى ما اشتريتم وان احتجتم لأي مبلغ إضافي فلا تترددي...
رغد وهي تفتح فاها مندهشة:
-شكرا با با ... ستفرح نارين بهذا ... شكرا ؟!...
وفيما جلست رغد إلى المائدة لتناول الفطور، كانت نارين تتسلل من خلف
خالتها وأباها كالقطة نحو المطبخ وبهمس نادت أختها رغد:
-أخبريني... ماذا قال لك؟.
-اهدئي لقد أعطاني المال لك حتى دون أن أطلبه !
نارين وبشيء من الاستغراب:
-ولم يتذمر؟!
-لا...
أبدا... لابد أن خالتك قد أخبرته قبل وصولي.
نارين وهي فرحة:
-رائع ... سأشتري ما أريد ... أنت حقا قوية يا رغد ... قوية جدا.
-ولكنني أخبرتك بأنه قد أعطاني المال دون أن أطلبه وأنا لم أفعل
شيء...كفي عن نواياك السيئة هذه وأقبلي الأمر... بأن أباك يحبك ولا يتمنى
لك إلا السعادة. وكفي عن محاولاتك في ابتزازه واشتراطك لاستقبالك لكل خاطب
جديد ثياب جديدة... أتظنين بأنه لم ينتبه للعبتك تلك؟.
-ما العيب في الأمر، هو يجبرني على استقبال أي كان حتى لا يقطع في
نصيبي وأنا أدفعه ثمن طاعتي... وهي ليست رخيصة.
-كفي عن هذا بالله عليك. ومن ثم عليك أن تتخلصي من كوب الماء
الموجود في البراد... وكفاك له تنقلا من مكان إلى آخر... فلقد ضاق به على
ما يبدو وسألني لمن هو...؟... ولماذا لا نشربه أو نرميه.
نارين وبشيء من الفضول المليء بالخبث:
-أتراه هو خائف أن يشربه لاعتقاده بأنه مسحورا ؟ !
-كفي عن لعبتك الطفولية هذه... أتريه يهتم ويخاف لما تفعلينه... هو
حتى لا يصدق الخرافات !
-أصبحت بريئة الآن يا رغد وأنت من بدأ بهذه الحركات لإزعاجه هل نسيت
عندما بدأت أنت بلعبتك تلك وذلك عندما عرضت كأس الماء ذاته لأبيك وأنت
تصرين عليه بأن يشربه وبرغم عدم اكتراثه لمحاولاتك الصبيانية استطعت
وبمهارة إثارة الشك لديه ووضعته في حالة من العصبية والتوتر وربما الخوف
لأيام... أتريه حقا شعر بالخوف؟... لا... أباك لا يخاف أبدا... ومن ثم
فأنا اشعر بالشفقة عليه ربما نحن نظلمه فيما نفعل !.
  
ثم تابعت:
-هو الذي جنى على نفسه، لماذا طلق والدتنا واحل محلها هذه الرعناء
الشمطاء !
-صه... كفاك ثرثرة ربما تنصتت خالتك علينا... فتمسك بالبرهان ضدنا
ما يشفي غليلها فينقلب فرحك حزنا... هيا... انتهي من طعامك وجهزي نفسك
للنزول إلى السوق... هيا ... ثم تابعت:
-ولا تنسي أن تيقظي أختك هند لكي تفطر ... هيا.
- دعيني أساعدك بترتيب المطبخ وتنظيف البلاط أولا فأنت ترهقين نفسك
لأجلنا !
رغد بشيء من العصبية:
-لا عليك... وهي تتوجه نحو المغسلة:
-أنا استمتع بذلك ! وهي تهم في فتح صنبور الماء لغسل الصحون بدأت
تمتمتها بآيات من القران الكريم كعادتها...
-حسنا... وهي تغادر المطبخ... وبشيء من التهكم:
-أجرك على الله يا عزيزتي
وهي تضحك:
-تودين أن تحجزي مقعدك في الجنة باكرا ؟.
لم تجب رغد على أختها لأنها تعرف بان الصبر والتماس العمل الصالح
والتضحية في سبيليهما هو الأساس لما تتلقاه من دروس الدين مع الأخوات
الصالحات. وقد عاهدتهم على ذلك. ولهذا ورغم ما تشعر به من امتعاض وضيق فهي
تتصنع الابتسامة والهدوء حتى تضمن حماية أختيها وتكسب ود ومحبة والدها ورضا
والدتها.... وبينما هي تتابع عملها تدخل خالتها وهي تترنح في مشيتها وقد
أسندت خاصرتها بإحدى ذراعيها لتخفف عن نفسها ثقل الجنين الذي تحمله وبينما
هي تهم بالجلوس بادرتها رغد قائلة:
-لماذا لا ترتاحين خالتي ؟ ...
فأنت في شهرك الثامن... وفي اشد
الحاجة للراحة فيه.
خالتها وهي تلهث:
-اعرف...
اعرف ولكن أنا قلقة على أختك هند...
لأنها لم تذهب إلى
المدرسة هذا الصباح.
-لا تقلقي خالتي فهي مريضة بعض الشيء ومساء البارحة كانت حرارتها قد
تجاوزت 38 درجة... أنت تعرفين فهي صغيرة جدا... وبعدها عن والدتها سبب لها
اضطرابا غير عادي ... وكل ما نفعله لأجلها لإعادة الاطمئنان باء بالفشل.
-طبعا... طبعا... كان على والدتك أن تلم شملكم وترتضي البيت الذي
استأجره أباك لها ولكم وكذلك نفقتكم... بدلا من أن ترحل لتتزوج وتبتعد عنها
لسنتين... وفي أقاصي الأرض ؟ !
-أرجوك خالتي هذا الأمر لا يخصك ووالدتي حرة تفعل ما تشاء بحياتها
بعد أن طلقها والدي وحللت مكانها... وهي على كل حال لا تتدخل في شؤونك.
-لماذا أنت عدائية معي... وتفسرين كل حوار معك وكأنه تدخل في
شؤونكم. وما ذنبي أن تزوجني أباك، فهو الذي سعى خلفي... ولست أنا وان أنا
لم أتزوجه ستكون هناك واحدة أخرى مكاني وربما كانت أكثر جفاء وقسوة !
-هه... أتعتقدين هناك جفاء وقسوة وأنت موجودة... لا... سامحيني لا
احبك تلعبين دور المسكينة.
  
لم تتمالك خالتها نفسها من البكاء وهي تتلقى كلمات رغد القاسية
كالسهام، ففضلت الانسحاب وعلامات اليأس بادية عليها خاصة وأنها اعتقدت -
وقد أمنت ما يلزمهم من مال- بأن ذلك سيعزز المحبة بينيهما ويجعل رغد أكثر
ألفة وتسامح... وفيما هي تهم بالخروج عادت نارين وهي تمشط شعرها وتقول:
-رغد… أرأيت أين وضعت "مطاطتي" لأربط شعري.
صاحت رغد:
-أنت هكذا ترمين حوائجك يمينا ويسارا وتريدينني أن ألتقطهم خلفك !
وبشيء من العصبية تابعت:
-متى ستكبرين يا الهي ...متى !
ثم أضافت:
-وتريدين
أن تتزوجي أيضا ... يا له من معتوه من سيرضى بك !
نارين وبشيء من السخرية:
-ما بك تركتك هادئة منذ قليل... تراك تغارين مني... وما بها خالتك
؟...
رايتها تخرج من هنا باكية !
-هه ...أجابتها رغد:
وتأكلين همها... لم أحدثها قط... هي تكلمت عن
والدتك وأنا أجبتها بكلام لم تحبه ولم يعجبها !
-ولكن رغد لا تنسي بأنها هي من سعت لتحصيل المال لي...
تراك انزعجت
من ذلك أيضا لأنها سرقت الفضل منك في ذلك !!!
وبشيء من الخبث واللامبالاة:
-لا أعرفك تغتاظين لأمك بسهولة...
تحبينها ألي هذا الحد ؟!.
أجابتها رغد وبشيء من العصبية:
-كفى أرجوك، لا ينقصني أنت أيضا... حصل ما حصل واتركيني انهي عملي
حتى لانتأخر.
نارين بشيء من الجدية:
|