أصدقاء القصة السورية

الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | معلومات النشر | كلمة العدد | قالوا عن الموقع | سجل الزوار

 

SyrianStory-القصة السورية

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

للاتصال بنا

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 13/06/2010

الكاتب: يحيى الصوفي-سويسرا

       
       

facebook يحيى الصوفي في facebook القصة السورية في

knol يحيى الصوفي في

   

نصوص أدبية 2

نصوص أدبية 1

   

تكريم

يحيى الصوفي أسطورة قلم

   

دعوات

نشر أعمال

نماذج من أعمال الكاتب

بطاقة تعريف الكاتب

 

 

 

 

بطاقة تعريف الكاتب

 

-أديب ومحرر صحفي وشاعر

-سوريا - حمص (مقيم في جنيف - سويسرا)

-(دبلوم تجارة وإدارة أعمال من جنيف، مؤسس ومدير عدة شركات تجارية في سويسرا.)

-كتب منذ نعومة أظفاره العديد من الروايات والقصص القصيرة وبعض من القصائد التي كان يشترك بها في العديد من الصحف والمجلات العربية، كتب عدد من المقالات والنقد الاجتماعي في جريدة جنيف الصادرة بالعربية في سويسرا.

 

-له عدة أعمال روائية وقصصية وشعرية ومسرحية غير مطبوعة، بعضها يعد للنشر دوريا في موقع أدبي خاص له تحت اسم (المحيط للأدب).

-يشارك بتحرير بعض المقالات في بعض الصحف العربية.

 

-مؤسس ومدير موقع (القصة السورية) يهتم بالتعريف ونشر أعمال كتاب القصة العرب السوريين.

-يعمل على تأسيس دار للنشر تحت اسم (دار الصّوُفي للطباعة والنشر)

 

-عضو اتحاد كتاب الانترنت العرب.

-عضو مؤسس لرابطة الكتاب العرب على النت من (كنول-غوغل).
knol
 

له مخطوطات

في الرواية:

1- "نارين" الجزء الأول (الحب الضائع)

2- "نارين" الجزء الثاني (الحب الضائع)

 

قيد الكتابة:

1- أبدا ليس بدونهم؟. الجزء الأول (الحلم الضائع)

2- أبدا ليس بدونهم؟. الجزء الثاني (الغفران)

 

في القصة: (قيد الإنجاز)

1- بين أيدي القدر (دراما اجتماعية)

2- حب من خلف النافذة

 

 في القصة القصيرة: (تحت المتابعة والإضافة)

1- قصص قصير من الحياة

2- قصص قصيرة في الحب

 

في القصة القصيرة جدا:

1- قطرات ندى (عبرة من عين عاشق على خد من صفائح ورد - مجموعة قصص ق . ج)

 

قصص أطفال:

1- مغامرات "لولو" (سلسلة تعليمية)

 

في المسرح:

1- البديل ومسرحيات أخرى (مجموعة مسرحيات من فصل واحد)

 

في الخاطرة:

1- نزهات فكرية (في الحب والفن والحياة)

2- ما ملكه قلبي بالحب (نسائي الأخريات)

3- متواليات روحية

4- من دفاتر الوطن العتيقة (دردشات في الفلسفة والدين والسياسة)

 

في أدب الرحلات:

1- بطاقات مسافر (مجموعة بطاقات من الغربة والوطن)

 

في أدب الرسائل:

1- حب عبر الأثير

2- بطاقات مسافر

 

في المقالة:

1- عقل مشتعل في وجدان بارد (مجموعة مقالات سياسية واجتماعية وأدبية)

 

في علم الاجتماع والتربية:

1- هكذا ربيت أولادي (دراسة اجتماعية)

2- المرأة والدين ( دراسة اجتماعية دينية )

3- نور تسال وبابا يحيى يجيب (سلسلة أدبية تعليمية)

 

في الشعر:

1- نسمة الغرب (مجموعة قصائد متنوعة من الغربة والوطن)

2- لم أجد في الكون امرأة لأكرهها (ديوان شعري)

زيارة موقع الكاتب     مراسلة الكاتب                                        للتعليق على القصص      مواضيع أخرى للكاتب

نماذج من أعمال الكاتب

ممبا - حنان أبوي

القيامة

السجن أرحم

وجها لوجه مع شارون 

سقوط الآلهة  

سقوط الأقنعة

سقوط الحب

سقوط الشيطان

نظارة  

متعة الحياة

     "نارين" الجزء الأول

حب عبر الأثير

 

 

وجها لوجه مع شارون

 

 

قصة لقائي به في احد فنادق جنيف

 

كنت قد أخذت لنفسي مكاناً على احد المقاعد الوثيرة في إحدى صالات الفندق الفخم، المطل على بحيرة جنيف وكما جرت بي الأحوال كلما أحببت في تغير المشهد اليومي العام، والاقتراب أكثر من أجواء كبار النجوم والمشاهير والسياسيين في العالم -حيث تعج بهم جنيف كحال بقية المدن السويسرية الصغيرة منها أو الكبيرة- والذين لا يتوانون من مفاجئتك هكذا ووجها لوجه في الأماكن العامة، أو في المتاجر... أو وأنت تتنزه في الحدائق أو تتسكع في البلدة القديمة (حيث تتركز فيها المتاحف الصغيرة وحوانيت التحف النادرة والسجاد الفاخر، ومراسم وصالات عرض اللوحات الفنية لكبار الفنانين).

 

ولما لا أن تلتقي بهم بالصدفة، وقد اخذوا مكاناً لهم على احد المقاعد في صالات انتظار الفنادق، فيخيل إليك وأنت تشاركهم الطاولة ذاتها -أثناء تناولك قهوتك- وكأنك في صحبة صديق قديم، فهم لن يتأخروا من رد التحية إذا ما وجهتها لهم، مصاحبة بابتسامة مصطنعة تنم عن الملاطفة لك والشفقة -في بعض الأحيان عليك- رفعاً لحيرة قد تجد نفسك فيها أو حرج ؟.

 

وكنت على استعداد تام أن يلتقي نظري بنظر وزير أو رئيس دولة أو حكومة سابق، أو حتى أمير وأن يلامس أطراف ثوبي ثوب نجمة سينمائية مشهورة، أو مطرب عالمي كبير، أو عارضة أزياء توقظك من سباتك -وأنت غارق بين سطور الجرائد- بروائح اشهر "بارفانات" الكون ؟!..... كل هذا كان من ضمن احتمالاتي وتوقعاتي وكنت مهيئا له، ومستعداً اكبر استعداد، أما أن أجد نفسي وجهاً لوجه -وبكل بساطة- مع شارون، فهذا ما لم أكن أتوقعه أو أتمناه ؟!.

 

وخيل لي للوهلة الأولى بأنني ولا شك أمام شخص آخر يشبهه، لولا الهدوء المباغت الذي حل بالصالة وانتشار رجال الأمن في كل مكان ؟!!!.

 

وبما أنني اعرف أهمية العيش في دولة ديمقراطية تحترم فيها حرية الفرد الشخصية، كنت واثقاً بأن وجودي ومتعتي في متابعة قراءة صحيفتي وتناول قهوتي، لن يعكر صفوها، تواجد أي كان ومن أي مرتبة كانت.

 

 

فجأة انتابتني مشاعر الغضب واستيقظت لدي نخوة العربي الراغب بالثأر لمئات الألوف من الضحايا الأبرياء.

 

وبدأت صور البيوت المهدمة، وأشلاء الأطفال الممزقة، وعويل الأمهات الثكلى تنوح على زوج أو ابن وابنة.

 

أو نحيب شيخ عجوز يندب حظه ويشتكي جرف أرضه وقطع أشجاره، أو صراخ طفل استيقظ مرعوباً وسط أكوام من الثياب والأثاث المحطمة المتناثرة بين الأتربة والأنقاض، بعد أن اختفت كل معالم لبيت كان يحتضنه ولعبة من قماش كان يضمها ؟!.

 

آلاف من الصور المرعبة صاحبتها أصوات المدافع وأزيز الطائرات مرت أمامي بجزء من الثانية، خلت نفسي أعيش بلا شك كابوساً انعقد به لساني وتجمدت أطرافي، فها أنا ذا لا يفصلني عن الثأر إلا خطوة واحدة لا تتعدى القفز من مكاني باتجاه المقعد الآخر ؟!.

 

عدت إلى صفحة جريدتي لأجدها بيضاء خالية من المعاني والصور !؟... أزحتها قليلاً لأتفقد الصفحة الرئيسية والعناوين، لأجده ينظر إلي بابتسامته الساخرة نفسها التي صاحبت انتصاره في فتح الثغرة نحو الضفة الأخرى من قناة السويس، أو تلك التي ملأت وجهه وهو يحاصر بيروت ؟!!!.

 

فلا بد قد قرأ ما في عيني من خوف واستطلع ما في قلبي من غضب !!!.

 

فبادرني بالعربية وبلكنة خفيفة أضفت مسحة من البساطة على شخصيته القاسية: (تقرأ جريدة عربية ؟.)

 

أجبته محاولاً إخفاء توتري... وقد عقدت ساقي بشيء من الحذر، وكمن لم يتعرف إليه:

-وهل تقرأها ؟.

ثم تابعت بثقة

-تريد استعارتها ؟

 

أجابني  

-بهكي اربي بس ما بعرف اكرا اربي

 

(وحتى لا أزعجكم بلكنته وأحرفه المكسرة سأترجم لكم حديثه بلغة صحيحة)

 

قال وهو يشير إلى صورته المصاحبة لحديث طويل عنه في الجريدة:

-العرب لا يحبون شارون أليس كذلك ؟.

 

- وهل فعل ما يحبب به ؟.

 

-لماذا وهل في تحرير الأرض من الاحتلال العربي والسيطرة الإسلامية لقرون، وعودة ارض إسرائيل إلى أصحابها ما يزعج ويسبب الكره ؟!.

 

لماذا لا يقبلوا بحكمنا وسيطرتنا كما قبلنا بحكمهم لنا وسيطرتهم علينا لقرون !!!؟؟؟.

 

وقد عاد بعض الهدوء إلي:

-دعنا من المهاترات الإعلامية والأكاذيب واختراع القصص الخيالية العجيبة عن تاريخ ووجود وعودة اليهود إلى ارض الميعاد، وقل لي بمنتهى الصراحة واختصاراً للنقاش هل تصدق ما قلته لي ؟.

 

أي هل أنت مقتنع به ؟... أو هو نوع من تسويق الدعايات الكاذبة التي اعتدتم على تعميمها على العالم، وأنت تعرف حق لمعرفة بأن هذا الموضوع لا يجدي نفعاً معي لأننا نعرفكم ونعرف قصتكم ولا تنطلي علينا أكاذيبكم !!!!.... قلي بمنتهى الصراحة هل أنت مقتنع بما تتلفظ به ؟.

 

-وهل تشك به للحظة واحدة ؟.

 

-أنا لا اشك به... أنا لا أؤمن به نهائيا !.

 

-أنت تشك وتعترض على ما جاء في القرآن من قصص الأسفار ومعاناة اليهود منذ أول خروج لهم من العراق باتجاه مصر... وعودتهم منها، وتأسيس دولتهم وإمبراطوريتهم بحدودها الواسعة من جبال طوروس حتى اليمن !.

 

ألا تصدق وتؤمن بقصص الأنبياء وعلى رأسهم إبراهيم جد العرب وانتم لا تذكروهم وتنهوا أسمائهم إلا بعبارات الرضا والسلام عليهم وعلى أرواحهم ؟!!!.

 

-وما علاقتك وعلاقة اليهود اليوم بتلك الأسفار وبأولئك الأنبياء والرسل ؟... لا أجد أي رابط بينهم ؟؟؟.

 

بشيء من الغضب:

-كيف ؟ من نحن إذا ؟.

 

-قلي أنت من تكونون وما الذي يربطكم بأرض وتاريخ لا تمتون إليه بصلة ؟!... قل لي أين ولدت، ومن هو أباك ومن أي بلاد أنت قادم، وما الذي يربطك بثقافة وارض وشعب ولون لوطن لا يشبهك ولا يتصل بك لا من بعيد ولا من قريب !!!؟؟؟.

 

-أنت عنصري إذا وضد السامية ؟.

 

- نسيت بأنك تحاور عربياً... انظر إلى نفسك في المرآة... وعد النظر إلي وقل لي من هو السامي ؟.

 

ثم تابعت:

-ما الذي يربط روسي أو بولوني أو غجري من بقايا دولة الخزرج أو أوروبي... أو إذا شئت إفريقي من الفلاشا وربما قريباً صيني أو هندي أو آسيوي !.

 

وقد تعثرون على بقايا دم يهودي لدى الهنود الحمر في أدغال الأمازون ؟؟؟!!!... ما الذي يربط كل هؤلاء بوطن وارض لم يسمعوا أو يشاهدوها في حياتهم، إلا من خلال القصص الكاذبة والأساطير المفبركة ؟!.

 

هل تريد أن تقنعني كما تحاول أن تقنع العالم بأن كل هؤلاء هم الورثة الشرعيين لأرض خالية من السكان خلقت لهم خصيصاً لاستقبالهم وضمهم في وطن واحد وتحت دين وشعار واحد ؟!.

 

-إذا أنت ضد الديانات وضد القرآن الم تحفظ شيئاً عن شعب الله المختار ؟.

 

-وأنت هل تصدق شيئا منها ؟.... تريد أن تقول لي بأن الله أختاركم على غير شعوب الأرض وفضلكم عن جميع مخلوقاته ؟!!!.

 

بوضوح أكثر تريد أن تقول بأن الله عنصري يميز بين مخلوق وآخر وبين لون وآخر وبين عرق وآخر !؟.

 

أم انك ولا شك تتحدث عن إله خاص بكم ولا يربط الشعوب الأخرى بصلة... وهو على هذا على حل منا من أي اعتراف بكم، أو ضمان لأمنكم، لأن الله الذي اعرفه وأؤمن به وتستشهد بكتابه (القرآن) وبقصصه لا يقصدكم بتاتاً... بل قصد قبائل مضى عهدها وانقرضت من الوجود، كباقي الشعوب والقبائل التي ذكرها وأشاد بها وخصها بالتفوق والسيادة حيناً وبالرحمة أحياناً منذ خروج نوح إلى يومنا هذا !!!.

 

وسرقة قصص اليهود وأسفارهم ولغتهم بعد الإضافات الكاذبة، والتحوير لن تأتكم بأي نتيجة ولن تمنحكم أي صك بالملكية لأرض ليست لكم، وثقافة لا تملكون منها إلا ما علق منها من أسطورة وخرافة ؟.

 

-معقول أن يوجد من يفكر بنا مثلك، أم إنكم كلكم هكذا انتم العرب ؟... الم تقنعك كل الشواهد الذي عثرنا عليها والآثار والأحجار المزخرفة المنقوشة في الأرض التي تنكر علينا ملكيتها ؟!.

 

-قصتك تشبه من يردد كذبة على نفسه حتى يصدقها ؟... أنا لم أرى أي اثر لحضارة عبرية لكم رغم كل ما تجهدون به أنفسكم منذ ثمانين عاماً للعثور عليه !؟

 

لا لوح واحد بخطوط عبرية....لا زخرفة واحدة ولا عامود ولا حتى قماشه ؟!.

 

كل ما عثرتم عليه هي أثار لحضارات كنعانية وسومرية وفينيقية لا تمت لأساطيركم الخرافية بصلة ؟.... حتى محاولاتكم في العثور على اثر منها بين الكتابات الهيروغريفية باءت بالفشل ؟.

 

هل تستطيع أن تقول لي بأي لغة كنتم تتحدثون زمن التوراة وبأي خطوط تكتبون ؟.

 

أم إن دل كل هذا على شيء فإنما يدل على أسطورة خيالية كتبت بعد خروج موسى من مصر بآلاف السنين واعدتم صياغتها على مزاجكم لهدف معروف للجميع !؟.

 

- يعني لا تعترفون بنا وبحقنا في الأرض والوجود ؟.

 

- لقد أضعتم فرصتكم الذهبية بالوجود بيننا في أمان وسلام، عندما قبلنا استقبالكم كمهاجرين لحمياتكم من ظلم الغرب وبطشه وذبحه لكم !.

 

وهذا لم يكن عهدنا الأول في حماية وإيواء المظلومين والمضطهدين في العالم، فلقد بدأت منذ آلاف السنين، حيث كانت بلادنا ملجأ الهاربين من الظلم... يستوطنون بيننا ومعنا في أمان وسلام فيأخذون منا ثقافتنا ويتزينوا بألبستنا ويحتفلوا بأعيادنا ويدينون في بعض الأحيان بدياناتنا.

 

ولم يدعي أي منهم بأي حق في ارض أو تراث أو ثقافة ليست لهم كما تدعون ؟.

 

فلم يكفيكم سرقة الأرض وسرقة التاريخ بل لجأتم إلى سرقة الثقافة والتراث العربي الفلسطيني والادعاء بملكيته وعرضه في متاحفكم وسفاراتكم بالخارج، على انه من ثقافتكم وتراثكم وهل بعد كل هذا من افتراء وظلم ؟؟؟.

 

يبقى أن تقنع أولئك المتعصبين الذين يعتمرون قبعاتهم السوداء بخلعها واعتمام الكوفية ولبس الجلابية المزخرفة، وان تعلمهم الدبكة حتى تتم السرقة وتثبت صدق ادعاءاتكم الجديدة ؟!.

 

أليس هذا دليل أخر على افتقاركم حتى للفلكلور ولمظاهر الاحتفال والعيد والذي لا تملكون منها إلا رقصات قادمة من أواسط أوروبا الغجرية ولا يربطها بالشرق وسحره وديمومته أي رابط.

 

ثم تابعت ببعض الأسى:

-لقد أضعتم اكبر فرصة لكم في التاريخ للعيش بيننا بسلام، حتى ولو صدقنا افتراءكم بالانتساب إلينا والى منطقتنا... بالاندماج معنا والعيش بسلام وأمان، بدلاً من تحكموا على اليد الوحيدة التي مدت لكم للعون بالقطع ؟!.

 

وهو يتلفظ بعبارات عبرية غير مفهومة:

-عندنا حق في كل ما فعلناه بكم... لا يوجد مكان لشعبين... إما نحن وإما انتم !.

 

-قل لي أولا وقبل أن ينتابك الغرور بالقوة التي تملكها الم تقرأ التاريخ ؟.

 

-أنا اقرأ التاريخ واحفظه ظهرا عن قلب، ولهذا أنا أحارب من اجل استقلالنا ووجود دولتنا وعودة اليهود إلى أوطانهم التي هجروا منها !.

 

-إذاً قرأت بأن التاريخ لم ولن يقبل الظلم... وبأنكم بعد كل هذا لن تشكلوا حتى ولا جزء من ثانية من دورته، وسينقضي أجلكم عن هذه الأرض... لأنها هي من ستلفظكم في النهاية منها، كما لفظت غيركم وهو مصير كل غريب عنها.

 

-يبقى أن نترك على الجدران وبين صخور الهضاب والأشجار وحتى البحر، بأننا مررنا من هنا تاركين شاهداً على وجودنا.

 

-وهل يأمل من يبني حضارة من الرمال على شاطئ غصت به أمواجه المشبعة بالحرية والحب والوفاء لأهلها الأصليين أي أمل في العثور على اثر ؟.... لا أظن ذلك.

 

تحرك بعصبية وهو يتلقى بعض المعلومات من مرافقه ونهض مستعجلا كمن فاته موعد ما، وغادر الصالة دون أن يلتفت لي أو يودعني... وكأنني لم أكن موجوداً أو لم يجتمع بي وهالني ألا يكن لحواري معه ولقاءي به أي اثر وكمن يصحو من حلم.

يحيى الصوفي جنيف في 27/11/200

 

 

السجن أرحم

 

قصة قصيرة ( حكايات عن خريف العمر -1- )

 

جلس إلى قربي على احد المقاعد الكثيرة المتناثرة في حديقة الرصيف الطويلة الممتدة على ضفاف بحيرة جنيف.

 

نظر إلي... ثم حاول التحرش بي وهو يداعب احد أطفالي مبتسما: هو ولدك أليس كذلك؟.

 

أجبته بفخر: كما ترى!.

 

قال لي: لازلت شابا لكي تنجب!... ما الذي دفعك لذلك؟.

 

ثم تابع قبل أن أجيبه: كنت مثلك فرح بهم كان لدي ثلاثة... أغرقتهم بالدلال والاهتمام حتى اخذ كل منهم مكانه الذي يليق به!.

 

ثم استدرك محاولا إثارة اهتمامي: هل ترى الرجل الذي يجلس هناك (وهو يشير بإصبعه ناحية المقعد الآخر) انه حارسي الخاص.!... كما ترى هو يتبعني منذ الصباح.... انه شرطي بلباس مدني... كلف بملاحقتي بعد أن أطلقوا سراحي من السجن بعد أسبوع من إقامتي فيه... لم تطل إقامتي هذه المرة....

قال لي القاضي ( كف عن حماقاتك واترك السرقة وعد إلى منزلك.!... لدي شيء آخر أهم منك لكي أقوم به.؟؟؟)

 

التفت إليه مستغربا وقبل أن أجيب بادرني بالحديث وهو يضحك: لقد سرقت في المرة الأخيرة ( باكيت شوكولاته ) ؟.... لم يعجبهم الأمر!؟... لم يكن كافيا لكي يعيدونني إلى السجن لفترة طويلة؟.

 

أخرها كان لمدة شهر فقط، لأنني سرقت ساعة ذات قيمة من احد المحلات الراقية؟.

 

لم يقتنع القاضي بذلك لماضيي النظيف فأطلق سراحي وأمر بالعناية بي وبدفع كامل مصاريف البيت من أجار وكهرباء، حتى انه عين لي امرأة لكي تنظفه وتعتني بي وبطعامي؟!... وأمر لي براتب إضافي وطلب مني ألا أعود لهذه الحماقات؟؟؟؟. كما قال؟؟؟.

 

ثم تابع وقد بدا عليه الحزن: كما ترى ليس لي احد في الخارج!؟... هناك استطعت أن أكون الصداقات وكل شيء متوفر للتسلية.... هناك من أتحدث معه... التقي به.... اسمع منهم حكاياتهم.... أقص لهم مغامراتي....هم ليسوا خطرين كما يتهمونهم!؟؟؟.

 

إن السجن ارحم من هذه الحرية الفارغة التي لا ترحم... لا يوجد من يرد التحية علي أو يتمنى صباحا أو نهارا جميلا ولا حتى التمني لي بمساء طيب أو لديه الوقت الكافي للثرثرة معي.... وآخر زيارة لأولادي كان في أعياد الميلاد... أتتصور منذ أكثر من تسع شهور؟؟؟.

 

بالرغم من أن احدهم يسكن  المدينة نفسها... هل تصدق؟.

 

قلت له مستغربا: معقول؟؟؟؟.

 

أجابني وهو يبتسم ساخرا: كما ترى... وهذا الشرطي الذي يتبعني يرفض أن يتركني قبل أن ادخل المنزل... وقد اشترى لي منذ قليل الكثير من الأشياء ولم ينسى الشوكولاة طبعا... وذلك بأمر من القاضي!.

 

ثم نهض وهو يرفع قبعته محييا وقال: علي أن اذهب.. لقد تشرفت بمعرفتك وسررت بالحديث معك،... يجب أن اذهب حتى لا يغضب مني... فقد نغصت عليه عيشه أكثر من اللازم!؟... وداعا.

 

وغادر وكأنه لم يراني ولم يتعرف إلي ولم يحدثني؟؟؟ !!!.

يحيى الصوفي / جنيف في 07/05/2004

 

 

القيامة

 

هاهو أخيراً يجلس وجهاً لوجه أمام ملفاته الكثيرة التي قضى عمره كله يجمع بها !.

 

لقد جاء اليوم الذي ينتظره لكي يلملمها ويخرجها من مخابئها الكثيرة المتفرقة !.

 

أكثرها مشقة تلك التي تخفت كلماتها واختلطت حروفها مع حسابات بيته ومصروف عائلته على شحتها !؟.

 

إنه يدرك أخيراً صعوبة استعادتها من بطون تلك الصفحات البالية، وقد حرص أن لا تكون سهلة التفسير، مكتملة المعاني والمقاصد على من يبحث عنها، خوفا من الملاحقة أو العقاب !؟.

 

ولم يكن يدرك بأنه سيقع في فخ صنيعه، وبأنه سيتعثر في جمعها وفك طلاسمها العجيبة ومعانيها الغريبة وكأنها من فعل غيره !.

 

خاصة بعد أن ضعفت حدة خطوطها، وتقطعت أوصال حروفها، حتى لكادت تشبه تلك التي تكتب بالحبر السري، تحتاج لخبرة خبير وعين بصير لقراءتها وترجمة معانيها !.

 

فلقد أضحت باهتة ضعيفة بفعل الزمن، ولكنها أبداً لم تخسر قوة الحق الذي تعنيه !؟.

 

وذاك الذي يضم أكثر عدد من الصفحات والأحداث والكلمات والنقاط وإشارات التعجب والاستفهام كان أكبرها !... وحبره الذي خط آخر حرف من حروفه ودوّن مجموع آخر حساباته بأرقام وصلت إلى خانة مئات الألوف لم تجف بعد!؟.

 

أجل هاهو يجلس أخيراً وجها لوجه أمام غرماءه ممشط الشعر حسن الهندام والمظهر عطر الرائحة !.

 

ونظراته القلقة المتحفزة وهي تجول بين عناوينها المثيرة التي جمعت بين أسماء كثيرة لمهن ومراتب وألقاب، ما كان ليحلم باجتماعها هكذا في مكان واحد ورزمة واحدة، وعلى طاولة واحدة، وبحضور قاض عادل، لا تشوبه شائبة في قراره أو حكمه أو إنصافه !.

 

ومراجعته لتلك العناوين والأسماء التي تتصدر تلك الملفات عادت به سنين طويلة للخلف تصل حدود وعيه وفهمه وإدراكه للحياة، ومعانيها الكبيرة المقدسة في الحرية والعدل والمساواة !... إنها تضم وبمنتهى البساطة تاريخ حياته كلها!؟.

 

والبعض منها ليس غريباً عنه ويتصل به وبوجوده!.

 

ولكن ليس له الخيار فعليه أن لا يستثني أي كان من هذه المواجهة الحتمية التي لابد منها !.

 

ووجد نفسه -وهو يتفحصها- واقع في حيرة كبيرة لا يحسد عليها في اختيار الأهم منها لتتصدر مرافعته، وتكون مركز شكواه ومدخلاً لمحاسبة المسيئين له وأعداءه !؟.

 

وتساءل وهو في خضم هذه الحيرة من أين عليه أن يبدأ ؟.

 

هل يبدأ بالخباز الذي يستولي على بعض من جودة ووزن رغيفه ؟.

 

أم من عامل النظافة الذي يقضي وقته في تفحص القمامة بعد أن يمزق الأكياس النظيفة عنها، بدلاً من جمعها وإبعاد أذى رائحتها والأمراض التي تحتويها ؟.

 

أو ببائع المازوت يبيعه ماءً مغشوشاً بدلاً من الوقود !؟.

 

أو ربما يبدأ بموظف الضرائب الذي حضر بكل هيبته وسلطته المعطاة له، لكي يبتزه ويسرق بعض من أثاثه أو قوت بيته، وكأنها ديّة وواجب عليه أن يلتزم بدفعه لقاء التأجيل والتأخير ؟.

 

أو ذاك الشرطي الذي يرافقه ينتظر أن يقاسمه غنيمته... أو مختار الحي الذي باع شرفه ليشهد زوراً بتمنعه عن الدفع لتكون مطية له لكسب بعض من الدراهم الحرام !؟... أو لماذا لا يبدأ برئيس المخفر الذي احتجزه ظلما ليومين، وأحاله للقضاء ومن ثم السجن بسبب تهمة زور كاذبة، دون أن يتحقق منها ولمجرد أن يرضي حاجة زوجته أو زوجة أحد المسئولين لتصفيف شعرها بالمجان عند صاحبة الدعوى !؟.

 

إن مجرد تذكره لتلك التهم البسيطة تصيبه بالغثيان ويشعر بحاجته للتقيؤ !؟... فكيف به الحال إذا ما تفقد ما هو اكبر من هذا، وبدأ بملفات الظلم والقهر التي أودت بمستقبل جيل كامل من أهله وأصحابه ومقربيه لمجرد الشبه، أو الشكل (كحمل اللحية) أو حمل اسم يدل على دينه، أو طائفته أو تجاوباً مع تقارير كتبت بأيدي جهلة حقودة يتلمسون المنفعة الشخصية الضئيلة، أو عبارات الإطراء فنرى النجوم تتكاثر فجأة على أكتافهم والألقاب تزداد بسرعة البرق على أسمائهم... والمقاعد الوثيرة الحديثة تستبدل في مكاتبهم وتشاد الفلل الفخمة، ويمتد العمران حتى يطال أعنان السماء، وتتوسع الحانات والمراقص ودور القمار، وتتحول فتيات الغجر من أعمال الزراعة في الحقول إلى عاهرات في القصور !؟.

 

لما لا يبدأ بمعلمه الذي صفعه بقوة على احد وجنتيه، فسبب له الطرش في إحدى أذنيه لمجرد أنه كان سهل الوصول، شديد التأدب حد الخنوع، ولا يملك خلفه من يقدر على محاسبته أو يدفع الشر عنه !؟.

 

أو ربما بمدير مدرسته الذي كان يسرق مخصصاتها من وقود التدفئة ليحرموا منها، معتمدين عمن يتكرم من أولياء الطلاب بها، فتقدم أولادهم لينالوا نصيبهم من الدفء على قدر مساهمتهم وليحرم الآخرون منها !؟.

 

أو لما لا يبدأ القابلة القانونية (الداية) التي أشرفت على ولادته، فأعطبت بإحدى حركاتها الطائشة احد مفاصله، ليبقي طوال عمره يحمل ألمها وكأنها عاهة خلقية ولدت معه، فكانت سبباً في تأخره عن تحصيل النجاح المطلوب كأقرانه !؟.

 

أو بكل بساطة يبدأ بأمه التي أنجبته، وأباه الذي كان سبب وجوده، وتقصيرهم في تأمين أقل ما يمكن من الحماية والتوعية والعلم له ولإخوته، فكانت سبباً في حرمان اثنين منهم من متعة المشي لإصابتهم بشلل الأطفال، رامين العذر بتوكلهم على الله !؟.

 

أو سيكون من الأولى له أن يحاسب حبيبته أولا بعد إن تركته صريع حبه المجنون لها، فاقداً لأي ثقة بالجنس الآخر، فأودت -خيانتها لحبه الطاهر- به إلى هاوية العزلة والشك !؟.

 

أو ليبدأ بزوجته فعدد الحجج السيئة المحسوبة عليها كثيرة !.

 

أو لما لا أولاده أو إخوته أو جيرانه أو بائع الخضار... أو الحلاق أو البقال أو بائع الحليب أو طبيبه أو محاميه أو النجار !؟.

 

أو الحجارة المتناثرة في السهول والوديان... والطيور على كثرتها ولما لا الأشجار... أو العواصف التي تهب بغير مواسمها أو الغيوم التي تحجب الشمس أو الأمطار !؟.

 

ونظر حوله باهتمام وترقب وهو يتفحص أكبر ملفاته وأكثرها دقةً ونظافةً وترتيباً، وحوت آخر حروفه وأرقامه، فوجده ثقيلا بالذنوب... وعرضة للتدقيق والعتاب والمحاسبة أكثر من غيره، لما يملكه صاحبه من علم ودراية وثقافة ووعي، خاصة وبأنه يخصه ويحاسب من خلاله تقصيره مع غيره !.

 

فضحك ملء شدقيه وتساءل إذا ما كان عليه أن يبدأ به فهو مرآته للآخرين وصورة عنهم ؟.

 

أم أن عليه أن يلمم أوراقه وملفاته... بصدقها وكذبها... ببشاعتها وجمالها... بظلمها وعدالتها... بمرارتها وحلاوتها ؟... ويعود بها إلى صمته السابق... إلى قبره !؟.

يحيى الصوفي جنيف في 03/03/2005

كتبت هذه القصة على وقع الأحداث الأخيرة في لبنان وتصاعد النبرة في فتح الملفات ومحاسبة المقصرين

 

 

ممبا

 

"أهديها إلى كل أم لم تمنحها الحياة فرصة حمل طفلها في أحشائها لتكسب بعضاً من الاحترام الذي تستحق لأنها لم تكن -بكل بساطة- إلا رجلاً !؟... إنهاهو (ممبا)"

 

 

أن يبقى طفلا وهو على مشارف العشرين من العمر، يتلمس الحنان والاهتمام منها، وكأنه لم يبرح طفولته بعد.

هو أقل ما يمكن  أن يفعله، ليحافظ على توازنه وتسامحه وعنفوانه !.

 

كيف لا وقد لازمته أشهره التسعة الأولى، تترقب مشقته في الانشطار والتكاثر من علقة بسيطة، إلى مئات الألوف من المليارات من الخلايا النشطة الذكية، تسعى كل واحدة منها لتأخذ مكانها الصحيح الذي رسم لها !؟.

 

فيشعر بها تتابعه بمجساتها الخفية، تتفقد بقلق وفرح كل ثانية ولحظة من لحظات خلقه.

 

وكأنها المسئولة عن جيناته وخلاياه -على كثرتها- خوفاً من أن تتعثر أي منها أو تضيع، في زحمة تلك المهمة المهيبة، التي سبقت أول خفقة من خفقات قلبه !.

 

فيراها لا تفارق مخدعه البرزخي، تشاطره طعامه وشرابه وتعلمه ولهوه، ولا تتركه إلا وقد استسلم نائماً على أنغام هدهدتها الإلهية الساحرة.

 

وعندما استرق أولى نظراته الزائغة من خلف جفونه المرهقة، محاولاً تفحص محيطه الجديد، كانت هاهنا تستقبله بكل نعيم من ساهمت في وجوده !؟.

 

فيشعر مثلها بعظمة ورهبة تلك اللحظات السامية... لم لا... وقد كان كل منهما سبباً في وجود الآخر !.

 

وصدمته الأولى في ملامسة العالم الغريب الذي حل به، لا تقل أهمية عن تلك التي شاركته فيها، وهو يعب لأول مرة من نسيم الحياة، ويصرخ أولى صرخات ميلاده... وجوده.

 

وتلك القشعريرة الغريبة التي انتابتها شعر بها... وكذلك تدفق المياه الباردة، وهي تتناوب عليها لتغسل بدنها النحيل، من رأسها حتى أخمص قدميها، بعد أن كانت غارقة بالعرق !؟.

 

فلقد كانت تلك اللحظات الرائعة، بمثابة الميلاد الحقيقي لها -مثله تماماً- والتي أضحت تؤرخ وتحتفل بها لا غيرها.

 

ومتعته برفقتها تشاركه نطقه لأول حروف الأبجدية، وبروز أولى أسنانه، لا تعادلها متعة كفيّها الوثيرين، وهما تتلقياه بحنان قبل أن يصطدم بالأرض، في أول محاولة له بالوقوف على قدميه !.

 

فلقد كانت خارقة جداً لأنها استطاعت إيقافها -وهي تندفع بسرعة نحوه- وإعادتها إلى نصابها وتوازنها ليسعد بخطواته حراً طليقاً كما يفعل الكبار !.

 

وحضنها الدافئ كان حصنه وملاذه يستجدي فيه الراحة والأمان بعد كل رحلة ومغامرة!... بل كان وفي أحيان كثيرة هو بيته الذي يسكن إليه، ومدرسته التي يتعلم فيها، وفراشه الذي يغفو فيه، على أنغام الموسيقى الوحيدة التي ألفها، وهو يركن رأسه الصغير بجانب إبطها الأيسر.

 

فكيف لا يكون معتداً وفخوراً ووفياً لها؟... وقد شهدت مرضه وصحته... حزنه وفرحه... تعثره ونجاحه... كبوته وانتصاره !.

 

فكانت أنسه في وحدته... وأمانه من خوفه... ومصدر إلهامه في تأدبه وخلقه وتفوقه... فلم يعرف بوجودها قربه عوزاً لمعرفة أو مشورة أو نصيحة !.

 

وكانت ماثلة دائماً في دعمها المعنوي له، تقيه فاقة العثور على حل لأي أزمة عاطفية كانت أو مادية.

 

وإذا كان من حسرة تغشى قلبه ووجدانه كلما أراد أن يناديها بماما، فهي عجزه عن النطق بها ليستعيض عنها بعبارة "ممبا" مزاوجاً لاسمين في لفظ واحد، لأنها لم تكن -بكل بساطة- سوى أبيه ؟.

 

وتمنى وهو يراه يجهد في دفعه متألقاً ومتفوقاً وناجحاً في الحياة، لو كان بإمكانه أن يزيح الجنة ليضعها تحت قدميه.

 يحيى الصوفي جنيف في 25/02/2005

لقراءة القصة مع التعليق (ممبا - حنان أبوي)

 

 

 

وجوه أربعة للقاء حار جدا

الوجه الأول:

 

سقوط الآلهة

 

كان لقاؤها به على غير ما توقعت !... وبالرغم من غبطتها وهو يأخذها بين ذراعيه، وينهال عليها بالقبلات في كل مكان تلتقي شفتيه بها... إلا أنها كانت حائرة آلا تستطيع من رده عن لهفته وحماسته غير المعقولة في ملامستها في مواضع كانت حكرا لزوجها ؟!.

 

فقد رفع الكلفة فيما بينهما واستهتر بالخجل !؟.

 

وكانت وهي تتملص منه بلطافة والكثير من الحذر حتى لا تخدش مشاعره العبقة بكل أنواع الشوق -خوفاً من أن تخسره ثانية بعد انتظار دام عشرات السنين- تحاول أن تتفقد بشيء من الحرص، تلك اللحظات القليلة الحميمة الدافئة من قصة حبهما الممنوع !؟.

 

تفقدت مطاردته لها... نظراته الشبقة... ابتسامته المليئة بالأمل.... وصوته الحنون الحالم بكل أنواع السعادة التي تشتهيها.

 

رسائله العطرة المجنونة المشبعة بكلماته الرائعة عن الحب... وبكل أنواع القصص والأشعار... ومئات الورود التي كانت تتساقط على شرفتها في الساعات الأولى من كل صباح !؟.

 

تفقدت لقاءها الأخير به قبل وداعها مغادراً الوطن يسعى خلف أحلامه الكبيرة... كلماته الأخيرة.... وعوده الكثيرة، وبعض من رسائل كانت تقل سطورها وكلماتها، بمقدار الزمن الذي اخذ يغرب مولياً وجهه شطر الأفق البعيد ليغرق خلفه.

 

وعرجت بكثير من الأسى على أعوامها الأخيرة التي خاضت بهم حياتها، بروتينها المعتاد كأي امرأة (زواج... إنجاب... تفرغ للزوج والأولاد حتى ضمان الحياة الآمنة لكل منهم... ثم وفاة زوجها ورفيق عمرها فجأة بأزمة قلبية تاركا إياها وحيدة على أعتاب الخمسين).

 

ولم تنتبه وهي في لجة بحثها عن تفسير لما يحصل لها بهذا اللقاء الذي انتظرته إلا وقد غمرها بجسده الدافئ.

 

فشعرت بقشعريرة غريبة تنتابها وهو يلعقها بلسانه الخشن في رقبتها وأذنيها كقطعة سكر !؟.

 

لقد استعجل على النيل منها... ولم ينتظر حتى تأخذ حقها منه، لتستعيد اللحظات الجميلة المنسية من قصة حبهما الطاهر ومعها بعض العتب !؟.

 

لقد لوث بمغامرته هذه ذكرياتها الجميلة وكل الصور الرائعة التي جمعتها له في وجدانها !... ومزق رسائله واتلف كل الورود النضرة... واحرق أجمل الكلمات التي حفظتها له في قلبها ؟.... إنه وبكل بساطة يغتصبها وكما يفعل كل الرجال !؟.

 

كل الرجال إلا هو فلقد كانت تعتبره من صنف الملائكة.... بل وأكثر !؟.

 

فلقد مجدته وأحبته وعبدته كإله... تمرح في معبده الرحب الطاهر المليء بالأفكار النقية بكل أمان.

 

فقد كان مثالياً جداً معها، وعفيفاً حد تمنعه عنها وهو في لجة عشقه ومراهقته وحبه لها !؟.

 

ولهذا فهي لم تفهم جراءته غير المعتادة معها... وسقوطه غير المتوقع عن عرشه العاجي، ولم تكن تتصور بأنه تحول -بفعل الزمن- إلى رجل بسيط  وتافه ككل الرجال.

يحيى الصوفي جنيف في 30/01/2005

 

 

وجوه أربعة للقاء حار جدا 

الوجه الثاني:

 

سقوط الأقنعة

 

كان لقاءهما بعد سنين طويلة من الفراق يشبه الحلم... وبالرغم من ترددها في السعي إليه بعد هاتفه المفاجئ، إلا أنها لم تتأخر من التقاط اللحظة الأليمة التي تفرقا فيها -متوجهاً كل منهما إلى مصيره وحياته- معتبرة بأن الزمن قد توقف عند الساعة السادسة مساء يوم الخميس، السادس من شهر أيلول، منذ ستة وعشرين عاماً !؟.

 

وبأن اليوم السابع من الأسبوع هو اليوم الضائع من حياتها، والذي كان عليها أن تسترده، لتتربع به على عرش السكون وترتاح !؟.

 

وكانت وهي ترتمي بين ذراعيه، تستغرب هذه المفارقة العجيبة، وهي أن تأخذ عقارب الساعة مسيرها المعتاد، بعد كل هذه السنوات، ومن نفس اللحظة التي توقفت عندها !؟.

 

ولهذا فهي لم تتوان لحظة واحدة من إخراج عقدها البسيط، المكون من حصاة كبيرة حفرت عليها أولى الحروف من اسميهما... بعد أن لبست الصدرية المطرزة التي يحبها، وأسقطت شعرها على كتفيها العاريين، حتى يتسنى له رؤية وتقبيل (الشامة) علامتها الفارقة المحببة لديه !؟.

 

وبالرغم من الجهد الواضح الذي بذلته لكي تبدو أصغر سناً كما تركها، إلا إنها لم تستطع أن تخفي خطوط الزمن الواضحة على وجنتيها، والكثير من البقع البنية التي بدأت بالانتشار في كل مكان حول رقبتها، بالرغم مما أضافته عليها من مساحيق.

 

والشعور بالفرح العارم الذي لمسته في عينيه وهو يضمها إليه، لم يمنحها الجراءة الكافية للابتعاد عن صدره، بعد إن أسندت رأسها الصغير عليه، وقد طوقته بكلا ساعديها... خوفاً من أن تقرأ في وجهه شيئاً آخراً غير ما تتمناه !؟.

 

فلقد بدا لها وسيماً جداً بهامته الرزينة وأكثر جاذبية من قبل، وقد أضفت الخطوط البيضاء اللامعة على شعره الكث الأسود الكثير من الوقار... فأطبقت عليه بشدة تنشد بعضاً من المؤازرة، وهي تستنشق عبير جسده الممزوج بعطره المعتاد.

 

لتأخذ بها تلك الرائحة الذكية التي تعشقها، إلى لحظات خلوتهما القليلة، وتزيد من خفقان قلبها وترعش مفاصلها، كعصفور صغير وقع لتوه في الأسر !؟.

 

فتراءت لها صورة أول لقائها به -أمام مدرسته الثانوية- يستند إلى دراجته الهوائية وهو يرمقها بنظراته الحنونة وابتسامته البريئة كالأطفال !؟.

 

ولم تكن تعلم بأن ابتسامتها الساخرة منه، سيكون لها ذلك التأثير السحري عليه، ليبدأ في مطاردتها ويكرس بكل جدية قصة حب من طرف واحد !؟.

 

 فلقد كانت -بحكم تقارب السن فيما بينهما- تعتبره مراهقاً حالماً، في حين تتمتع هي بكل عوامل التعقل والرشد، ولم تجاره في لعبته إلا مواساة وشفقة عليه، لأنها تدرك تماماً بأنه يحتاج لأكثر من عشر سنوات حتى يبني نفسه فيها، في حين تكون قد تزوجت وأنجبت واستقرت.

 

وبأن قوانين المجتمع الذي تعيش فيه، لن تترك لها عذراً واحداً لكي تأخذ مبادرته بحبها، واهتمامه بها على محمل الجد !؟.

 

ولم تشعر بوقوعها في فخ لعبتها تلك، وبصدق مشاعرها نحوه، إلا بعد أن افترق عنها تاركاً خلفه تلك الآثار البسيطة، المكونة من بضع رسائل ومنديل، وهذا العقد البسيط المصنوع من خيط القنب، والمعلق عليه حصاة لامعة كان قد تفنن في نقش حروف اسميهما عليها، وبعض من الورود الجافة التي احتفظت بها في صندوق صغير كانت قد أودعته بيت والديها ولم تفرج عنه إلا منذ أيام !؟.

 

ولهذا فلقد كانت تعتبر ظهوره ثانية في حياتها، هو الملاذ الأخير الآمن من الوحدة القاتلة التي تعيشها بعد أن ترملت، واخذ كل من أولادها طريقه في الحياة.

 

وبأن عليها وقد وجدت نفسها في حضنه الدافئ، يوزع قبلاته العطشى عليها، هامساً في أذنيها كلماته العذبة الحنونة، أن تستسلم له بكل جوارحها.

 

فلقد آن الأوان لها أن تكشف عن صدق مشاعرها، وعظمة ذلك الحب الذي تحفظه له، وأن تتخلص وللأبد من أقنعتها المزيفة الواهية التي كانت تظهر بها أمامه !؟.

 

ولكي لا يفهم صمتها على أنه استسلام من له دين عليها، بادرت في عناقه بحرارة وشوق، وهي تلتصق به، متكورة في حضنه، كجنين لم يغادر رحم أمه بعد.

يحيى الصوفي جنيف في 31/01/2005

 

وجوه أربعة للقاء حار جدا

الوجه الثالث:

سقوط الحب

        

أن تقبل دعوته وتأتي إليه بقدميها لترتمي بين ذراعيه دون مقدمات!؟... كان أكثر ما يمكن أن يتوقعه ويتمناه من امرأة كانت أول من أيقظت في نفسه ذلك الإحساس العظيم بتحوله إلى رجل.... فلقد كان لها الفضل الكبير بان تأخذ بيده لتعبر به من مرحلة الطفولة إلى الشباب.؟

 

وذلك الإحساس الكبير بالرجولة والنشوة العظيمة التي تجتاحه، كلما حضرت إلى ذاكرته، كانت تصطحبها صورة بخلها الشديد بحبها وحنانها عليه؟.

 

وكان يشعر بأنها يمكن أن تهب كل رجال الأرض ما يتمنونه منها إلا له ودون أن يعرف السبب؟.

 

ووجودها ها هنا تضمه بعنف وهي تسند رأسها الصغير على صدره بفرح -يشبه فرح عصفور تائه بالعثور على عشه بعد أن أضاعه في رحلة طويلة وبعيدة في الغابة الكبيرة الواسعة حيث تتشابه الأشجار والأعشاش والطيور- قد لا يكون كافيا للإجابة على أسئلته الكثيرة والمحيرة التي عششت في خياله سنين طويلة وبقيت دون جواب!؟.

 

حتى رسائله وكلماته ووروده وهداياه الرمزية البسيطة بقيت دون أدنى رد أو اعتبار أو خبر!؟.

 

وكان يتساءل باستمرار عن سر تعلقه بها وتتبعه لها إلى حد الهوس، فلا يغلق له جفن قبل أن يودعها فراشها ويعهد بها إلى أحلامها... بحيث أضحت أنوار غرفتها ودرفات نوافذها هي دليله ومرشده يضبط عليهما أوقاته، فيعرف متى عليه أن يستيقظ... ومتى عليه أن يدرس أو يصلي ومتى عليه أن يتناول طعامه أو يشرب قهوته أو ينام!؟.

 

حتى نزولها السوق وزيارة الأهل والأصدقاء وذهابها إلى مدرستها وعودتها منها وخروجها إلى النادي وعودتها منه وأسفارها وكل تحركاتها المعروفة منه أو المجهولة عليه كان لها نصيب كبير من اهتمامه وصحبته ولو عن بعد!؟.

 

وكتاباته هي من علمته إياها وأشعاره والصور!... فإذا ما أمسك الريشة ليخط بها ألوان الطبيعة والفراشات والزهور، أطلت بابتسامتها الوديعة من خلف خطوطها!.

 

وأقلامه إن كتبت أو نشدت أو غنت تأبى أن تكتب وتغني إلا لها!... فلقد كانت بالنسبة له كل شيء. 

 

وكان وهو يشعر بها تشمم بخار جسده النحيل المضطرب مقبلة إياه في صدره وتحت إبطه كما تفعل الأم مع رضيعها!.

 

يسترجع لحظات الشوق والحب الجارف الذي سكن قلبه!؟.

 

وحلمه بها يداعبها ويلامس شعرها... وغيرته عليها من أبويها وإخوتها وأصدقائها بل حتى من الكرسي الذي تجلس عليه وطاولتها التي تدرس عليها... وحتى ملابسها وأشيائها الخاصة جدا مهما صغرت!.

 

 وكم من مرة تمنى أن يكون فراشها الذي ترتاح عليه أو وسادتها التي تنام عليها أو لحافها الذي تتدثر به أو بكل بساطة مطاطتها التي تضم شعرها بها!؟.

 

هاهي تتسلل بيديها الباردتين تحت قميصه لتطوقه بهما... ولتضمه إليها وتلتصق به أكثر فأكثر!؟.

 

وبالرغم من النشوة العارمة التي تجتاحه وهو يشعر بها تتلمسه بجراءة ولأول مرة في حياته... متحاشية حتى النظر إليه... وهي تهمس بكلمات متقطعة غامضة وغير مفهومة، إلا انه لم يستطع التخلص من ذاك الشعور بالغبن طيلة سنين طويلة فشل خلالها من أن يبني حياة ناجحة ومستمرة مع أي امرأة أخرى!؟.

 

فلقد كانت بالنسبة له ملهمته ومعلمته وحبه الأول والأخير.

 

وتلك اللهفة التي بادرته بها جعلته أسير وفائه القديم الجديد لحبه لها، فلم يشأ أن يجرح مشاعرها بإبعادها عنه، فلقد كانت -ومن حيث لا تدري- تحرق كل المراحل التي أعدها.

 

وكان ينتظر منها تفسيراً واحداً ولو بسيطاً وبعضاً من دفء الحديث الحميم الذي تمناه!.

 

ولم يكن يتصور -وهي تتلوى في حضنه كالأفعى وتعضعضه بأسنانها المدببة على ساعديه وفي رقبته- بأن حبها له كان رخيصاً جداً، وبأنها بتسرعها عليه تدفع بذاك الحب إلى الهاوية... إلى السقوط!؟.

 

وبأنها لم تعط بالاً للحب الطاهر... ولا إلى كل تلك الصور الجميلة التي حفظها لها... وكانت من خلالهم هي أمه وأخته وخليلته وملاكه!؟.

 

ولم تكن تدري -وهو يستسلم إلى نزوتها- بأنها قد تحولت -ربما بفعل الزمن- إلى امرأة وضيعة ككل النساء.

يحيى الصوفي جنيف في 31/01/2005

 

 

وجوه أربعة للقاء حار جدا

الوجه الرابع والأخير:

 

سقوط الشيطان

 

كانت الدقائق الأخيرة التي تفصله عن اللقاء بها تشبه الدهر!.

 

فهي المرة الأولى التي يشعر بأن الزمن يمكن أن يتوقف!... وبأن عقارب كل الساعات التي ألفها يمكن أن تخذله!.

 

وتساءل وهو ينظر من خلال نافذته إلى الحديقة، كيف يمكن أن تكون بعد هذه السنين الطويلة؟.

 

وهل سيتعرف عليها وتتعرف عليه؟.

 

وهل عليه أن يخاطبها كما فعل على الهاتف باللغة الفصحى -بعد أن أحرجته باستخدامها- وكأنه غريب قادم من وطن آخر وحضارة أخرى وثقافة أخرى؟.

 

هل نسيت يا ترى بأنه قادم من الأحياء القديمة من مدينته وبأنه مشبع بثقافتها وعاداتها وتقاليدها حتى العظم؟... وكيف عليه أن يقابلها ويستقبلها؟... هل يجري باتجاهها كالعاشق المتيم المشتاق؟...أم يحافظ على هدوءه وكياسته ويحترم عمره ومركزه الاجتماعي الذي يتبوأه وينتظرها في الداخل حيث هو؟.

 

وعندما أطلت هابطة من سيارة الأجرة لتعبر البوابة الرئيسية متجهة نحوه -وهي تقفز في مشيتها كما عرفها منذ ستة وعشرين عاما-  انتابه شعور عارم بالخجل والتردد أعاده فجأة إلى الخلف وكما كان -بنفس اللحظة التي افترق عنها- مراهقا وخجولا!؟.

 

واندفاعها نحوه محيية مقبلة على الوجنتين وهي تضمه فرحة، أسقط عنه بعضاً من الحرج وقلة الحيلة التي وجد نفسه فيها... وشجعه على مقابلتها بالمثل مرحباً وهو يضمها إليه بشجاعة لم يكن يتصور بأنه يتمتع بها!.

 

خاصة مع الفتاة (المرأة) التي استولت على عقله وقلبه وجعلته رهينتها حتى اللحظة!؟.

 

وتساءل وهي تدفن رأسها الصغير في صدره عن السبب الذي دفعها لأن تتحاشى حتى النظر في عينيه؟.

 

هل قرأت بهما حيرته وتساؤله وعتابه؟.

 

هل شعرت بفداحة خطأها باختيار طريق آخر ورفيق آخر وحياة أخرى بعيدا عنه؟.

 

أم أنها وبالتصاقها به تحاول أن تختفي كالهلام عن ناظريه... ولتبدو وكأنها ذابت في محيطها وأصبحت جزءاً منه ومن أثاثه!؟.

 

فلا يلحظ جهدها الواضح في الوصول إليه رغم احتذائها كعبها العالي... ولا النمش المنتشر على كتفيها حتى اختفاء شامته المحببة... ولا الشحوم التي استولت على خاصرتها النحيلة... ولا شعرها المصبوغ وقد تكشف عن مساحات فارغة بين جذوره بعد إن كان كثا ومثيرا... ولا خطوط الزمن الغائرة في رقبتها وجبهتها ووجنتيها والتي تشهد لها رحلتها في أتون العمر المغبر بكل أنواع المغامرة الفرحة منها  أو الحزينة؟.

 

كانت خلالها لشخص أخر وعائلة أخرى لا تربطه بها أي صلة تذكر؟.

 

وكانت تبدو وهي تخرج محرمتها لتمسح بعضاً من حمرة الشفاه التي تركتها على وجنتيه وكأنها تحاول أن تذكره بها وبالآثار التي تحملها من رائحته وعرقه وبأنها ولمجرد الاحتفاظ بها إلى الآن إن هو إلا عربون محبة ووفاء له ولحبه وللحظات القليلة الحالمة التي شاركته بها!.

 

وتساءل وقد شعر بها ترتجف بين ذراعيه... بأن عليه أن يتصرف بشهامة الرجل الذي يحب بصدق مشاعر الطفل الذي عرفته فيه... وبأنه ليس من حقه أن يعتب أو أن يحاسب من كان مثلها ضحية العادات والتقاليد البالية!.

 

وبأن كل النجاحات التي حققها في الحياة لم تكن لأن يحصل عليها لو أن القدر قد جمعهم منذ البداية تحت سقف واحد!.

 

ففي التحدي انتصار على المجهول... وفي الصبر والوفاء للحب العذري الطاهر الذي جمعهما سلاحا فتاكا قادرا على إسقاط أعتا الشياطين!.

 

وبأنه إذا ما أراد حقا أن يكون وفيا للمرأة التي صنعت -ببعدها عنه- كل تفوقه أن يغفر لها ويكافئها على صبرها وحبها!؟.

 

وبأنها في قسوتها عليه وإبعاده عنها بالطريقة التي فعلتها... لم تقم بأكثر من ترجمة لخوفها وقلقها عليه وعلى مستقبله!.

 

وكما تفعل الطيور عندما تقهر صغارها على الطيران برميها من الأعلى لتكتشف قوتها وأجنحتها ومهارتها في التحليق عاليا واستقبال الحياة هي كذلك فعلت؟.

 

واستغرب وهو يغشاها بقبلاته وهمساته ويشاركها ذوبانها في محيطها... عن تلك القدرة التي يمتلكها المحب والعاشق الصادق بحبه لكي يغفر لمن يحب كل عثراته وأخطائه!؟.

 

 وبأنه لم يستطع أن يرى بها -رغم كل شيء- إلا صورة عفيفة نقية لمن أحب... فهي بعد كل هذا لم تكن أكثر من انعكاس لصورته على صفحات الحياة الرقراقة النقية كالألماس... قاسية مثله وشفافة مثله وباهظة الثمن مثله تماما.

يحيى الصوفي جنيف في 03/02/2005

 

 

نظارة - قصة قصيرة جدا

 

وقف بين يديها حائراً أين عليه أن ينظر!...
بين عينيها!؟...
-وهي تصر لتأخذ مقاس نظارته- أم بين نهديها؟؟؟.


أمسكت بأطراف أصابعها الناعمة المتمرسة مقدمة ذقنه وهي تبتسم وقالت:
(مسيو) أرجوك ثبت نظرك بين عينيي حتى أستطيع أن آخذ قياس النظارة؟...
هنا بين العينين.


حاول أن يجمع عينيه على هدف واحد بين عينيها الزرقاوين!.


خانته قواه... سقطت عيناه مرة ثانية على "فسخة" النهدين!
ضحكت منه... رثت لحاله... عاد إلى منزله أحولا دون نظارتيه.

يحيى الصوفي   جنيف في 23/04/2004 

 

 

متعة الحياة - قصة قصيرة

 

 

تعبت البذرة من البحث عن قطرة ماء، طافت الصحراء لأكثر من ألف عام تزروها الرياح فتأخذ بها ذات اليمين وذات الشمال، قطعت وهي معلقة بوبر الجمال المدن الكثيرة، شاركت بمعارك الفرسان، وبأفراح العرائس وبالجنازات الملفوفة بالأكفان، سمعتهم يتحدثون عن الحياة ...عن الحب...عن الموت ... عن الأحزان.؟ !

 

ملت الترحال وهي تلتهم مخلوطة بطعام القطعان.... ليتخلصوا منها بعد ذلك مع البراز في أرض جديدة خاوية من كل إنسان... سئمت حياة الترحال ... رغبت بتذوق طعم الأمان... طعم الحياة>

 

فاقتربت ذات صباح من نبتة صبار ترجوها قطرة ماء، هزتها وهي أسيرة أشواكها صائحة: أرجوك قطرة ماء... من الندى الفائض بين إبرك السمحة علني اعرف الاستقرار!.

 

نظرت نبتة الصبار مستغربة منها وقالت: أتستعجلين على الحياة ؟... ألا تعرفين بأنك ستلتصقين بالأرض بعدها وتفقدين حرية القرار بالترحال عبر البوادي والتجوال بين الأمصار؟ !.

 

وقبل أن تجيبها بالإيجاب سقطت فوقها قطرة من ندى فانزلقت بها إلى ثغرة بسيطة بين الحصى والرمال وبدأت تشعر ببعض الانتفاخ.

 

 فضحكت من منظرها الغريب وقالت: أخيرا سأستدل على أصلي ونوعي ... أخيرا سأتذوق طعم الحياة.!

 

نظرت نبتة الصبار إليها بحزن وقالت: إنها بداية النهاية يا عزيزتي فلا تتعجلي!.

 

قاطعتها البذرة وقد أخذت بالانفلاق وتخلصت من غلافها وبدأت تمد بالأرض جذورها بفرح: بداية أم نهاية فأنت ولاشك تدركين تلك المتعة الفائقة التي تحل بنا ونحن نمر بتلك المراحل من التحول.!...مررت بلا شك باللذة التي تحتكرين؟.

 

أجابتها نبتة الصبار مستغربة: لأجل هذا تستعجلين؟... إلى الموت بعد أن كنت تحتفظين بالحياة منذ آلاف السنين! ؟ ؟ ؟.

 

أجابتها البذرة وهي تمد سيقانها بافتخار وغرور: احتفظ بالحياة ولكن لم أذقها!.... لم أذق متعة التربة تحتضني بدفئها.... لم أتمتع بقطرات الماء تسري بالخلايا والعروق .... لم أتعرف على أنواع المعادن والفيتامينات ولا ثاني أكسيد الكربون ولا الأكسجين... ولا بدغدغة الفراشات تستثير زهوري البهية ولا بغناء الطيور... ولا حتى بدفء الشمس عند الشروق تغمرني بالحنان ولا بالنسمات العليلة تهز علي الأغصان....بكل بساطة لم أكن إلا بذرة تافهة؟.

 

تفاجأت نبتة الصبار من حماسها للحياة وقالت: ولكن أنت تدركين بأنك بعد كل هذا ستذبلين وتموتين وما الحياة التي تأملين إلا بضع ساعات لا تتجاوز دورة يوم واحد هل فهمت؟... ألا زلت بهذه التجربة تتمسكين؟.

 

ابتسمت البذرة وقد أصبحت نبتة كاملة تحمل بين أغصانها الزهور وبعض من الثمار التي عقدت وقد حوت في بطنها البذور وقالت بغرور: إنها الحياة يا عزيزتي ... إنها بكل بساطة هي الحياة... وبعد أن كنت بذرة بسيطة وحيدة لا نفع منها... ها أنا ذا استمتع بها وأطعم وانثر بعد موتي الحياة الجديدة محفوظة ليوم موعود.

 

ثم تابعت وهي تهتز بفرح وقد شعرت بأوصالها ترتخي وببعض أغصانها الذبول: أنا لم أتذوق الحياة بكل عطائها فقط... ها أنا اترك بعض مني للأجيال القادمة، لأحمل لكل جائع بعض من طعام ولكل عاشق بعض من الفرح والسرور.

 

أنها الحياة بكل ما فيها أعيشها... فلا عتب بعد الذبول... ولا ندم مهما ضاع منا في بطون السحالي أو الطيور... ومهما جمع منا بالقبور.

 

سيبقى بعضنا مهما تعاقبت الأيام والسنون يعيش الحياة ثم يعطها بكل ما تحمله من أمل وشقاء وسعادة وحبور. 

 

يحيى الصوفي/ جنيف في 18/04/2004

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة | بريد الموقع

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية