الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | معلومات النشر | من نحن | كلمة العدد

 دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | أخبار-لقاءات أدبية | المجلة

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 07/06/2008

إلى صفحة الكاتب

رواية

تجاعيد ذاكرة البنجوس

       

الوطن والمنفى 

عالم عبده الخال

 رهد الخيل

 تجاعيد ذاكرة البنجوس

 

 

 

 

 بقلم الكاتب: أحمد محمد ضحية أحمد

 

تجاعيد ذاكرة البنجوس..

 (الجزء الثاني من رواية: لا وطن في الحنين)

 

القسم الأول: رهد الخيل

 

.. انتحت كيرا ركنا قصيا من البهو , وأخذت تبحث عن شيء ما , وجدته : درع ألماني قديم , وسيف صقيل كأنه سك البارحة , ألبست الدرع للبنجوس الكومندان , ومنطقته بالسار(السيف), بعد أن وضعت على رأسه واق , وصفرت., فجاء جواد يخب , من غياهب الجبل .سحبت الجرايد(دروع الساق)من سرج الجواد الكميت , وانطلقا ..

بعد عدد من الابهية المتداخلة , التي يفضي كل منها إلى آخر , توقفا عند مدخل بهو ابيض حائل . دخلا . كان بهوا واسعا مفروشا بسجاجيد تركية صغيرة , يتوسطه ككر خال في اليسار , وخلفه حرس من الفتيات الناهدات , العاريات إلا من الكنافيس القطنية البيضاء والطواقي المزخرفة من الأمام, بقطعة نحاس منقوشة ,وريشة سوداء من ريش النعام , وترسا من جلد فرس النهر في الزراع المقابل . أجلسته على الككر . وأخذت تتمتم بعباراتها المبهمة ..

البنجوس الصغير أو(عبده الخال) . على الرغم من أن تاريخه الشخصي , اعترته كثير من التحولات(خاصة بعد أن هجر والده بالتبني : البنجوس الكومندان, ولد أومي ذكريا ., البلدة الصحراوية البعيدة , عند الأفق الغربي للبلاد الكبيرة , منذ وقت مبكر من سيرة النزوح , وأعمال الجنجويد القدامى قبل الحرب الأهلية الأولى, واسعة النطاق ,واستقر في بلدة أخرى لا يفصلها عن النهر سوى فرسخ أو فرسخين ) .. هذا النزوح من المكان , ترتب عليه نزوحا وانزياحا  في الذاكرة الشخصية لعبده الخال أو البنجوس الصغير , فأصبح من الصعب التمييز بين سيرته التي لا تنتمي لتلك البلدة الصحراوية(كأنقسناوي من جنوب النيل الأزرق) ,وسيرته التي تنتمي للبنجوس القادم من أقصى غرب البلاد الكبيرة, ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد , إذ  انزاح اسم البنجوس أومي ذكريا , على عبده الخال , وهكذا حدث التباس عظيم , لم يستطع احد فك اشتباكا ته ,حتى أن الكثيرون اعتقدوا: أن عبده الخال ,كان اسمه ذات يوم , في بلدته البعيدة تلك "البنجوس"!! ..

لم يعد تاريخ البنجوس "الحقيقي" الكومندان ولد أومي ذكريا ,الذي تبنى عبده الخال في واحدة من مأمورياته للدمازين,هو ذات ذلك التاريخ المليء بالرؤى والأحلام , فالبلدة النهرية , أخذت منه تلك الرؤى , وأعطته بدلا عنها حياة أخرى مليئة بالتجاعيد  والتعرجات والازدواج , ما وسم وجدانه بأغنيات الحسرة والشجن . ومع ذلك ظل ذات ذلك الشيء الغريب ,الذي وسم حياته عندما كان في بلدته الصحراوية  البعيدة تلك .. ذلك الشيء الغامض الذي كلل سحنته ,بنوع من المهابة نادرة الوجود , هو أول ما تلحظه عند الجلوس إليه !.

كان البنجوس أومي ذكريا  منذ ميلاده, يشعر بغربة بديعة, تحاول انتزاعه إليها , ولذلك عندما أدركه الوعي ,أخذ يجنح بخياله مرتادا آفاقا بعيدة , يرى فيها وجوها مختلفة, لأناس مختلفين , في أماكن مختلفة . ولم يكن هذا الحلم هو حلمه وحده , فقد كان هو الحلم الخفي للميرم كلتوم أيضا . فقد تركت الميرم سليلة السلاطين والملوك حاضرة المملكة , وجاءت لتعيش في بلدة أخوالها , منسحبة من عالم الكر والفر الذي ألفته , والسلطة والسلطان اللذين طالما مارستهما , وهكذا فجأة قررت أن مكانها" ليس هنا" , لكنها لم تدرك أبدا أين يكون مكانها !!.. وهكذا انسحبت إلى هذه البلدة الصحراوية  , ريثما ترتب أفكارها, فتطلق لتحقيق أحلامها الغامضة العنان !.

كانت عروق وجه البنجوس"عبده الخال" قد بدأت تنقبض وأعصابه تتوتر .  عندما خرج صوت الطبيبة النفسية هادئا , عميقا ومؤثرا :

-استرخ يا عبده وأهدأ .

ونهضت منهية جلستها ,

-لكن لا يزال لدي ما أقوله ؟!.

-لا. يكفي حديث لهذا اليوم .

عاودت الطبيبة الجلوس إلى مكتبها , بعد أن أوقفت جهاز التسجيل , وشغلَّت موسيقى هادئة , ثم ضغطت على زر أمام مكتبها ,فدخلت الممرضة الشابة مدام روز , بثيابها البيضاء المألوفة , التي تحمل أعلا النهد الأيسر شعار : مركز النديم للعلاج النفسي .

عادت مدام روز بعد قليل ,تحمل كأسا من عصير الليمون البارد , وضعته أمامه , فنهض من جلسته المسترخية .

 كانت طبيبته دكتورة داليا , التي تعدت منتصف العقد الرابع بقليل , تنظر إليه بهدؤ , كأنها تتابع رشفاته البطيئة .,وتفكر في هذا التأثير الغامض الذي ينبعث من سحنته .. عندما رنّ هاتفها الجوال ,على نحو مباغت انتفض له  البنجوس كالملدوغ , فتناثر شيء من رزاز الليمون على ثيابه , التي بدا من الواضح انه لم يكويها منذ وقت طويل .

وضع كوب العصير بتعثر على المكتب .

-استأذنك في الانصراف يا دكتورة .

لم تحاول الطبيبة إبقاؤه , فأومأت برأسها بينما أضاف :

-مواعيدنا الأسبوع المقبل إذن ؟.

-نعم. ولا تتأخر كالعادة ..

قبل أن يخرج البنجوس من الصالة المفضية إلى مكتب الطبيبة, بصحبة صديقيه حسن وعادل.. اللذان كانا ينتظرانه , جاء صوت دكتورة داليا من خلفهما :

-هل تسمح لي ببعض اللحظات يا أستاذ عادل ؟.

تبادل عادل والبنجوس وحسن النظرات بينهما !..

-جدا يا دكتورة .

-سننتظرك نحن في المقهى المجاور لمحل النت ..

سألت الطبيبة عادل :

-هل هناك شيء لا اعرفه ؟ نسيت أن تقوله لي؟! ..

-كل ما اعرفه عن عبده الخال ذكرته لك , فنحن أصدقاء منذ الطفولة..  أكثر ما كان يميزه هو نهمه في قراءة كتب التاريخ ,وشغفه بحكايا والده بالتبني الكومندان بنجوس . ويبدو أن لهذه الحكايات و القراءات التاريخية, علاقة بهذه الحالة التي يعانيها , خاصة انه انغمس في السياسة ,ككل أبناء جيلنا, كذلك حصل على تعليم ديني تقليدي في زاوية الطريقة التجانية, وهذا النوع من التعليم تترتب عليه علاقة بالأساطير والرؤى والتجليات , الخ من أمور أسطورية . وربما لذلك يتصور نفسه متنقلا في الزمن والمكان ,كلما نام .فعندما يصحو يجد نفسه في مكان وزمان مختلفين عن المكان والزمان قبل أن ينوم .. لكن في الواقع (كما أتصور) أن هذا نوع من أحلام اليقظة , أو التقمص لحياة الكومندان البنجوس المدهشة!.

-كيف يكون الأمر كذلك ,وهو من كل مكان يرتاده يحضر معه شيء., يدلل ويثبت على انه فعلا كان في هذا المكان أو ذاك؟! ..

-لا ادري . فكل ما اعلمه  هو ما شرحته لي أنت سابقا :أن هناك ثلاث عناصر أساسية شكلت حياة عبده الخال : شعوره بالاضطهاد الاجتماعي والعاطفي والفكري ,كابن متبنى ربما .. هذه العناصر شكلّت ضغطا عاطفيا وعصبيا حادا ,عبر عن نفسه فيما يشبه تداخل الأزمنة والأمكنة, في عقل الخال وهو ما أسميته أنت قبل الآن ب: أحلام يقظة . وهي حالة عقلية بالدرجة الأولى .أو أننا أمام ظاهرة تقف معارفنا المحدودة عاجزة أمامها!!..

-كان هذا رأيي وقد أشركتك فيه .,حتى أتمكن بمساعدتك من إضاءة بعض المناطق, التي يمكن من خلالها تحديد طبيعة هذه الظاهرة التي يعانيها صديقك.. من وجهة نظر التحليل النفسي هناك علاقة صراعية دائمة بين الإنسان ومحيطه : رغباته , غرائزه متطلبات ومحرمات العالم المحيط به . فما نسميه أحلام يقظة هو: الأفكار اللاواعية لعبده الخال في محاولة شق طريقها إلى وعيه, لكنها عنده ليست كما اعتدت خلال سنوات عملي الطويل كطبيبة نفسية , فأحلام الخال من الأعمال الفنية المعقدة والمذهلة في آن , ويقتضي فك رموزها تضافر جهودنا والكثير, الكثير من الجلسات .. تذكرت : هل سبق لعبده الخال أن اعتقل ؟..

-لماذا؟

-لأن الآثار النفسية التي يتركها الاعتقال في النفس تبدو واضحة على نفسيته , وفي ذات الوقت هو يؤكد انه لم يسبق له أن اعتقل ؟!..

-حقا لم يعتقل ولكن عانى بعض المضايقات, والضغوطات.  بسبب قضية المخطوطة السرية التي ذكرتها لك سابقا , فهرب .. مثلنا جميعا .

-لكن في تقرير منظمة ضحايا التعذيب , الذي تم بموجبه تحويل ملفه إلىّ , هناك تأكيد لأكثر من مرة انه تعرض للاعتقال والتعذيب.آه هناك سؤال كنت ارغب في إجابة واضحة حوله ماهي علاقة المخطوطة السرية بكتاب دالي ؟.

-في واقع الأمر يا دكتورة أنا أتحدث على قدر معرفتي به ., وبناء على ذلك أؤكد انه لم يتعرض للاعتقال أو التعذيب وان تعرض للترويع , الأمر الذي دفعه للهرب واللجؤ إلى هنا .كما أن كتاب دالي (في تقديري الشخصي) كتاب وهمي أو أسطوري لا وجود له ,ككتاب لكنه موجود كقوانين تم تناقلها شفاهيا ,ومورست من خلالها السلطة في لحظة من لحظات التاريخ الخاصة بغرب البلاد الكبيرة ..

-لأوضح لك الصورة أكثر: موظف ضحايا التعذيب الذي أجرى الانترفيو معه, كان زميل له في المعتقل( في كوبر) وقد تعرف عليه بمجرد رؤيته, وأكد على ذلك في تقريره , بينما يصر عبده الخال نفسه, انه لم يتم اعتقاله من قبل! أي تتفق روايته عن نفسه مع روايتك ,وفي ذات الوقت أنا اتفق مع رواية موظف ضحايا التعذيب., التي لااستطيع تكذيبها.. كما أن ذلك الموظف ليست لديه مصلحة فيما أورده . خاصة انه عاصر معتقلين كثر في (شالا) و(دبك) و(كوبر) بحكم اعتقالاته المتكررة ولا يمكن أن يخطي في التعرف على احد زملاءه في المعتقل !!..

-ربما لان بلادنا عبارة عن معتقل كبير!!..

-الاستنتاج الوحيد الذي يصلح لفض هذا الاشتباك, أن لعبده الخال حياتين متداخلتين في بعضيهما البعض , أنت وعدد كبير آخر ممن يعرفونه على صلة بإحدى هاتين الحياتين, وموظف ضحايا التعذيب وآخرين على صلة بالحياة الأخرى ..

-إذن يعاني انفصاما حادا ؟!..

-لا . لم اقل ذلك , ربما يكون نوعا جديدا من الأمراض النفسية أو العقلية ..

..ابتسمت دكتورة داليا وهي تودع عادل , الذي مضى ليجد عبده الخال وحسن ,ينتظرانه في مقهى عبد الواحد , المطل على تقاطع الشيخ ريحان ,مع محمد فريد في قلب عابدين . حيث اعتاد اللاجئين أن يلتقوا لينتظروا بعضهم أو يتبادلون الأخبار,ويتحدثون عن الفساد في مكتب الأمم المتحدة بالقاهرة ,وبيع الموظفين المصريين لملفات اللاجئين ,والحوادث المأساوية التي تقع للفتيات المضطرات للعمل ,والتحرش الجنسي والشعور بالقهر .

كان الخال وحسن منهمكان في نقاش حاد حول مجريات الاعتصام . ما أن وصلهما حتى تساءل عن سبب صراخهما . فردا بصوت واحد :

-واحدة من المعتصمات أجهضت بسبب سؤ الوضع, كما توفي احد الأطفال , وثلاثة من المعتصمين بأمراض مباغتة .نتيجة للجوع . كما أن السل ينتشر بسرعة بين المعتصمين . فللشهر الثالث ينتظرون أن تعالج مشاكلهم دون مجيب .

-أنها  إحدى النتائج الكارثية, الأكثر بؤسا لاعتلاء أبو لكيلك دست الحكم ,فما بين ملايين اللاجئين والمهجرين داخليا . تتمزق كل الأحلام في الاستقرار .

قال عبده الخال عبارته الأخيرة, وأرخى رأسه على الكرسي القاسي لمقهى عبد الواحد . ترك حسن وعادل يتداولان شأن اللاجئين, ورحل بذاكرته بعيدا ..

رحل إلى ذلك الصباح البعيد الذي يقع في أواخر خريف فاشل ومتقلب البرد والريح .

 حيث جلس الكومندان, على غير عادته عند غدير جمده الغبار .. وكالجالس عند نبع خفي على حافة الذاكرة , اخذ يراقب أقرانه وهم في طريقهم إلى الخلوة .. كانوا يمرون به , كأنهم لا يشعرون بوجوده , فيكتفي بهز رأسه مؤكدا انه لا يأبه لهم . كان يراقب فيهم حيض نهايات الخريف يلوث فضاء ات البلدة بالريح والغبار . في اللحظة التي شعر فيها بظل مديد يلقى عليه , فالتفت ليرى الميرم كلتوم التي حيته على غير عادتها :

-آفي كومو بنجوس .

-آفيا كونقا ميرم.

رد عليها دهشا وبصره يتنقل بين الأفق الشرقي, الذي تسلخت عنه شمس الضحى قبل قليل , قبل أن تمضي بسرعة غير مألوفة ,نحو الأفق الغربي فتغيب , ليبقى بينه وبين الميرم صمت ,كحد سيف يوشك أن يعبر عن شجن المكان .

كان الزمان كأنه يتسرب بين أعواد الذرة والدخن والنباتات المتسلقة .

 في الشهور التي تسبق هذه اللحظة , كان البنجوس قد تدله بحب كيرا لنقي الو رتابة منذ رآها وهي ترش حبوب الدخن في أرضها الخصبة التي أطلق عليها أهالي البلدة " حجب النور" .تبادل معها البنجوس., الذي كان يمر بمراحل مراهقته كلها دفعة واحدة., الغزل,بعد أن شرب "البقو"من برمة الشرتاي(فقد احتضنها الشرتاي .,عندما جاءت في احد المساءات الباردة ,وعرفت نفسها بأنها كيرا ابنة عشة زوجة الجلابي ,الذي غادر البلدة قبل سنوات طويلة,وهكذا أصبحت في حمى الشرتاي بمثابة الابنة ) في زاوية الكوخ بقلب الحقل .

 كان مذاق البقو لذيذا , وعينا كيرا لنقي واسعتين كرهد الخيل , وشفتيها تبدتا ممتلئتين بحمرة القمبيل .غنى لها ورقص , كان هائما في واد تحفه الرؤى والأحلام . هتفت به كيرا :

-هاي بنجوس انت سكرت!..

-أنا ما شربت كتير.

-لا شربت كتير.

كان ذاك آخر ما يتذكره من حواره معها , إذ لم يعد يعي بعدها شيئا , ولا يعرف عن بقية لقاءه الأول والأخير بها , إلا ما حكاه له أقرانه فيما بعد . قالوا له :

-كنت مغمى عليك أو كالمغمى عليك , تحدثت بالسن عديدة , لم يفقه منها احد شيئا , حملك الشرتاي  للفكي أبكر  , الذي "عزم" لك وبخرك بالشطة , وسقاك من "المحاية" المخصوصة .. كان عرقك غزيرا ولونك شاحبا , وشعرك مشعثا كأنك رحلت وجئت من سفر بعيد . لم تفق إلا بعد يومين . قال الفكي أبكر  أن روحا تلبسك .

-روحا شريرة ؟.

-لا .

-روحا طيبة ؟.

-لا . فقط قال أن روحا تلبسك !.

منذ ذلك اليوم أخذت كيرا لنقي تتجنبه , وكانت قصته قد ملأت الحلالات والفرقان وشبه البلدات الغارقة في شجن اليم .

-لماذا لم تذهب إلى الخلوة ؟.

سألته الميرم كلتوم , ولم تكن لديه إجابة ..

 تحية الميرم وسؤالها المباغت ,جعلاه يتجرأ ويحكي لها ما رآه في منامه ليلة البارحة .. تسلل صوته عميقا كجريان الماء في الوادي .  يحكي عن وجده بكيرا:"كان بيني وبينها منذ افترقنا توسلات ومعاتبة , لم أخاطبها بهما , لكنني كنت اشعر بأنها تحسهما . تعي وتدرك ذلك ..  كانت الليلة باردة , مقمرة فيها رش مطر , فتوضأت وخرجت مسلوبا, وليس ثمة غيري في شوارع البلدة ودروبها , فلما وصلت رهد الخيل ونزلت فيه , تبدى لي عن كيرا لنقي . رأيتها قد شمرت أذيالها واستعدت في نفسها أن تغرقني ,فجزعت وصحوت مذعورا .." .

هزت الميرم كلتوم رأسها كأنها ترحل إلى عالم خروج الروح , وصوتها الآتي من أغوار سحيقة يلتئم بما بدا نزعا أخيرا للبنجوس .. قالت :

-"في ذات الليلة التي رأيت فيها انت ما رأيت . كنت استيقظ مذعورة . رأيت نفسي مسافرة إلى ديار ما وراء النهر , فأسرت وقيدوني بسلاسل وأغلال الحديد , وحبسوني في مقعر بئر لانهاية لها . وكان فوق البئر المجدبة ,التي عمرت بحضوري قصر مشيد وعليها أبراج عدة , فقيل لي : لاجناح عليك إن صعدت القصر متجردة إذا أمسيت , أما عند الصبح فلابد من الهوى في غيابة الجب.

وكان في قعر البئر ظلمات , إذا أخرجت يدي لم أكد أرها , إلا إنني في آونة الليل  ارتقي القصر ,مشرفة على الفضاء ناظرة من كوة , فربما تأتيني حمامة زاجلة تخبرني بالحال فاخبرها بالمآل, وأحيانا اسمع صوت "التساب" وتذروني ريح "الهبباي" , وتخطف نظري بروق "العبادي", فاشتم رائحة الأراك , واسمع أنغاما حزينة تهدهدني في البعيد . فبينا أنا في الصعود ليلا والهبوط نهارا . رأيت الهدهد دخل من الكوة مسلما في ليلة قمراء وفي منقاره رقعة من رهد الخيل .

قال لي أني أحطت بوجه خلاصك , وجئتك من عشة زوجة الجلابي بنبأ عظيم هو ذا مشروح في هذي الرقعة . فلما قرأت الرقعة وجدتها :( لم تفهمي والبنجوس أن ما تبحثان عنه تركتماه خلفكما , كيرا للبنجوس أخت,والا ستحل علي البلدة اللعنة وتصبح الدنيا أم كواكية )ومضت الرقعة تشرح لي كيف الخلاص مما أنا فيه من اسر..

 فرأيت الأسد والثور قد غابا ,والقوس والسرطان قد طويا في طي تدوار الأفلاك , وبقى الميزان مستويا مع الثريا, التي طلعت من وراء الغيوم.. رقيقة متآلفة مما نسجته عناكب زوايا العالم . ولما انقطعت المسافة وانقرض الطريق, وفار التنور من الشكل المخروط ,رأيت الأجرام العلوية اتصلت بها ,وسمعت نغماتها ووقعها, وتعلمت إنشادها وأصواتها تقرع سمعي ,كأنها صوت سلسلة تجر في صخرة صماء , فتكاد تنقطع أوتاري , وتنفصل مفاصلي , من لذة ما أنال , ولا يزال الأمر يتكرر حتى انقشع الغمام وتخرقت المشيمة .

وخرجت من المغارات والكهوف حتى تقضيت من الحجرات متوجهة إلى عين الحياة , فرأيت  أومي ذكريا وحدثته ورأيت رهد الخيل, وكيرا تشمر أذيالها وأنت تعانقها . فوقفت زمانا بين الضلالة والهدى .. وهكذا كما ترى أيها الولد الشقي البنجوس كان حلمنا يصيب لحظة واحدة ..".

-استوقفتك لتعطيني تفسيرا فزدت الأمر غموضا !!..

-ربما أن التفسير لديك وحدك !..

وانصرفت دون أن تلتفت وراءها , فخبا صوتي كأنه يتعرض لاختناق قاس .

(1)

منذ اعتلى أبو لكيلك الجنجويدي دست السلطة في البلاد الكبيرة , حتى تحول ثلث شعبها البالغ عدده 30 مليونا إلى لاجئين في دول الجوار , أو مهجرين داخليا في أطراف المدن الكبيرة .

وفي هذا المكان الضيق , المتمزق , الحالم "القاهرة" عانى اللاجئون معاناة لم يسبق لأحدهم تصورها في أسوأ كوابيسه .. تصفح عبده الخال موقع الحوار المتمدن و الصحف الاليكترونية واحدة تلو الأخرى  : sudaneseonline.com,sudanile.com,alsudanonline.com,sudanjournal.com,moderndiscussion.com.. كان الموضوع الرئيسي الذي يهيمن على الصحافة الاليكترونية هو موضوع اعتصام اللاجئين بالقاهرة , خاصة البيان الذي أصدرته مؤسسات مجتمع مدني غامضة . قرأ البيان بعجلة : ...................... ثم خرج  من النت, وأغلق جهاز الكمبيوتر . حاسب البائع ومضى لا يلوي على شيء . كانت شوارع القاهرة كلها مشرعة أمامه , مفتتحات لأشجان هاربة عن الموضعة في داخله : نوع من الفقد الكلي والأسى , لعالم بعيد منفي في الذاكرة, لا يزال يحسه ويراه ..

منذ تلك اللحظة التي وضع فيها الفكي أبكر يده على  كتف البنجوس, و التفت البنجوس منكسا رأسه تحت كفي الفكي , الذي قال بهدؤ عميق :

-انت مبارك بنجوس فابعد عن النساء , لو اقتربت منهن ستعود الدنيا أم كواكية ..

كان البنجوس يشفي الأكمه والأبرص, ويطعم الجوعى., عندما ولد أحب الناس بعضهم البعض, وامتلأت ضروع البهائم اليابسة باللبن .. حتى البهائم النافقة تجددت فيها الحياة . بميلاد البنجوس انحسر الجفاف عن الوديان, وعمرت الصحراء., واخضرت الأراضي الميتة .,وازدهرت الحلالات والفرقان ,وعاد للحياة (طريق الملح ودرب الأربعين)(1) , ونهضت (مالحة)(2) من جديد في قلب الصحراء , ملتقى لطرق التجارة والسفر , وتيمة أساسية في كل أغنيات العشق ,عن المسافر البعيد ..عندما يعود ويحضر معه الهدايا للحبيب . حتى قطاع الطرق شدتهم قوى جبارة إلى جوف الجبال ,وأدغال القمبيل وصندل الردوم , وصار عالم الوديان لأول مرة منذ وقت طويل ,يخلو من الجنجويد وأبن آوي !.

هكذا نأوا بميلاده دون سابق إنذار , ودون أن يفهموا سر هذه القوى, التي تشدهم بعيدا عن الطرق والمارة , أصبحوا غير قادرين على قطعها. رغم محاولاتهم الدءوبة لاستيعاب هذا الأمر, وإيجاد تفسير له . فكانوا عندما ينجحون في الوصول ,إلى احد الطرق .ويفشلون في قطعها على السابلة ,ينزعون شعر أنوفهم ويشدون لحاهم في انفعال .

في العموم مثل ميلاد البنجوس ميلادا جديدا للحياة ..

في الليلة التي ولد فيها ضجت الوديان بالغناء السحري العجيب ( البنجوس صندل الردوم + جاموس البراري + مشيش الوديان + البنجوس جمال الغزلان) حتى شجيرات الريحان البري , وأشجار القمبيل الشاهقة., أطلقت لضوعها العنان .

وظل البنجوس يئد كل لحظة شوق, تستبد به للصبية الحالمة كيرا , إلى أن كان من خبره معها ما كان .

كانت كيرا فتاة بيضاء بلون البدر, كل من رآها قال إنها عشة زوجة الجلابي ولدت من جديد . ظهرت كيرا ,في البلدة فجأة مثلما ظهر والدها الجلابي من قبل.. قبل سنوات طويلة . وقتها كان اومي ذكريا والد البنجوس, قد بلغ من العمر مبلغا انقطع فيه عنه ماء الخصوبة , رغم رغبته التي لا تزال عارمة في النساء . .

 أومي ذكريا لا شيء في هذه الحياة, ينقص عليه .,سوى شوقه الدائم للولد , ورغم محاولاته العديدة منذ سنوات الصبا الأولى., لم يرزق بهذا الولد أبدا !!, فظل متوحدا في حزن كثيف حتى انقطع عنه الأمل .

في وحدته الكثيفة تتردد في خاطره ذكرى حميمة, حين أحب عشة زوجة الجلابي تاجر أم دورور ..

كان الجلابي قد جاء البلدة ذات "درّت"  قائظ , وهو صبي وحكى عن أهله في "دار صباح" ما وراء النهر, ورحلته الطويلة إلى هذه البلدة ..

كان الجلابي يحكي حكاية رحلته, وأسبابها .كل مرة بتكنيك مختلف  .. ففي مرة يقول أن أهل بلده يتقاتلون على نساء بعضهم البعض  , وفي مرة أخرى قال انه تركهم, لأنه لم يعد يحتمل أنانيتهم وجشعهم , وفي مرة ثالثة حكى عن خلافاته مع أسرته, فاعتادوا عليه, وجعلوه  بينهم بمنزلة ابن البلدة ..

عمل الجلابي مع تجار أم دورور, وبرع في التجارة .واختفى ذات يوم وغاب لأشهر طويلة .وعندما عاد مرة أخرى, كانت برفقته عشة ريحانة الوديان .

وقتها كان اومي ذكريا قد تجاوز السبعين بقليل ,ومضى عليه وقت طويل قبل أن تقلق أنثى خياله, أو تقض مضجعه. ومنذ أن رأى عشة حتى هيمنت على أحلام قيلولاته, وعاوده اللهيب القديم ,بعد شرب البقو تحت شجرة اللألوب .

كان يتكيء على ساعده مستسلما لغفوة الظهيرة, فيصحو مبتلا.. فيضرب كفا بكف! مندهشا من عودة ماء الخصوبة بعد طول انقطاع .

أعادت رؤيته لعشة الحياة المنصرمة في شبابه مرة أخرى . إلى أن أحس بان الدم الذي يجري في عروقه غير دمه , ووقع خطواته على الأرض قد تغير , كأن ماردا نشطا ابن ستين كلبة  قد تلبسه بالعنفوان والفتوة. وبعث فيه قوة الشباب من جديد!! .

عاد أومي ذكريا بذاكرته إلى الخلف, عندما جاء هاربا إلى هذه البلدة .. كانت لحظتها الضربات البطيئة للطبول تنقل إعلان موت السلطان في أنحاء الفاشر , لتستقبل المستوطنات المحيطة الخبر , فتنقله للمستوطنات البعيدة . هكذا رحل أومي ذكريا مخذولا من الأصدقاء , الناس , المكان دون وداع ودون رفقة , سوى ذكرى حبيبته العذاب كيرا لنقي التي سيحكي عنها كثيرا بعد عشرات السنين لعشة زوجة الجلابي تاجر أم دورور,فتتأثر كثيرا وتطلق اسمها على ابنتها التي لم تنجبها بعد! .

اعتدل أومي وهو يركب حماره الأبيض,المكسو بالحرير وقد تدلت الأجراس من عنقه , فيرقص الحمار على وقع غناء سري, فلا يتمالك اومي نفسه, إلا وهو يمسك ربابته ويغني لعشوش ريحانة الوديان . التي بادلته من خلف ظهر الجلابي, عشقا بعشق ووجدا بوجد .. في حقول الذرة والدخن.. في جرف الوادي ,وبين أغصان شجر القنا الكثيف, وفي قطية الضيوف ببيتها , عندما يغيب التاجر في الحلالات والفرقان .

 وحين اكتشف الجلابي تاجر أم دورور أمر أومي, مما شاع من أشعاره الرمزية المعلنة , اخذ زوجته بليل وهرب بها متجها إلى "تقلي" فقتله النوبة واخذوا عشة . قبلها كان الفكي أبكر قد اجتمع باومي :

-ما الذي أصابك ذكريا . التاجر في حمانا والنساء دون عشة كثير ؟!!..

-تتيمت بها وحدها يا سيدنا , غرامها أعاد إلى صباي .

-إني آمرك بان تترك عشة كرو في حالها .

-ارغب في ذلك لكن لا أستطيع سيدنا !.

-سأزوجك من غرة عيني تاجا لنقي, وهي فتاة بكر اصبا من عشة كرو,لايحلم بها من كان في مثل سنك.

-آمرك مطاع سيدنا.

وولد البنجوس من تاجا لنقي, في تلك الليلة المقمرة , في اللحظة التي التقت فيها أشواق الأرض بحنان السماء ..

 كان صبيا بلون الطلح الملتهب , على وجهه ابتسامة صبوحة, أذهلت النساء العواجيز اللائي تحلقن حول أمه عندما دهمها الطلق., في مزرعة الطماطم , تحت شجرة القمبيل (وأصابت الميرم كلتوم بصمت غامض).

أفصحت العواجيز عن خوف عميق وهمسن في رعب "إنها علامة آخر الزمان" فرماهن البنجوس بنظرة بدت اسيانة في عمقها ,ثم تلفت حوله فرأى القابلة الميرم كلتوم تضعه في حجر أمه, التي كانت قد غابت عن الوعي منذ جاءها المخاض , فقال لها "برفق" فافلتته الميرم مذعورة وتراجعت في ارتياع (لأول مرة ينتاب الميرم مثل هذا الشعور !!).. أفاقت الميرم تاجا من غيبوبة مخاضها ,فابتسم في وجهها وتمتم ضاحكا بكلام غير مفهوم . فغابت عن الوعي مرة أخرى!! .

الآن في غربته البديعة ,لا تفتأ ذاكرته تغادر المكان حيث كان يجلس كل يوم ,يحدق في عربات أم دورور, والناس والدروب., التي تفضي إلى أدغال القمبيل,والوديان خارج البلدة . لتنتهي في الحلالات التي تحيطها .

 يحدق في كل شيء حوله ساهما, دون أن يحاول زفر الغبار الذي يتسلل إلى رئتيه , كما كان يفعل في الماضي .. الناس الذين كفوا عن تساؤلاتهم, واكتفوا بإلقاء التحية العابرة دون أن يتوقفوا ,أيضا كانت تحاياهم تضخم عزلته التي عاظمتها الأسئلة ., فيمسك ربابته ويبدأ في العزف على أوتارها ,مدائح النبي العدناني التي ألفها, وخلطها بالغزل في حسناوات الفرقان, وشكّل من هذا الخليط, بوحه لكيرا لنقي البسطونة صندل الوديان الو رتابة .

 لم يكن البنجوس قد ورث من أبيه ذكريا الربابة فقط , بل تلك القصائد الغزلية الشهيرة أيضا , التي تغنى بها ذكريا غراما فاجعا في عشة ريحانة الوديان, وغدر الزمان .

تسفر الذاكرة عن أطياف تتنقل بين محطات حياته المختلفة ,ربما تتوقف هنا أو هناك حيث بلدته المحاطة بالمروج  الخضراء, التي ينهض أومي ذكريا في قلبها واضعا ربابته ,على صدره , يغني مع الشجن والذكريات .. فتغني مع البنجوس الأبقار و الأغنام, وهي تجتر في قيلولاتها ما اختزنته من عشب الوديان الطازج وحشائشها الطرية .

عندما خرج الشيخ أومي ذكريا من قلب الضؤ., ليلة دخلته على الميرم تاجا , اخذ نفسا عميقا وزفر بهرا خاطفة كالبرق , فالتمعت عيناه . اخذ نفسا عميقا أخرا ,وشعر بالضوء يتسلل خلاياه ويسكنها ..

كان في هالة الضوء قد رأى طفله البنجوس الذي سيولد , ينسل خلسة من صلبه.. شعر بألم لذيذ يخلخل كيانه كله ,ويصيب تاجا برعشة لم يألفها من قبل . ربما تخيلها في وحدته الموحشة يوما قبل أن يرى عشة , ربما عاش ما يشبهها مع عشة . لكن هذه الرعشة التي استفرغت بعدها تاجا ,ليس كمثلها رعشة تشبهها في حياته المديدة المليئة بالنساء, وذكريات الكيرا .

قبل أن يدخل على تاجا كان مترددا , يخشى إلا يستجيب إليها ,بعد أن عرف في عشة ما عرف . وحين مضى الأمر ,شعر بغبطة لا تعادلها غبطة , دفعته لان يقول لتاجا في همس محموم ,وهو يمسح من فمها اثر الاستفراغ "ستنجبين البنجوس يا أخت دمي !!" ..

كان ذكريا منذ أعادت له عشة صباه , أدرك أن أيام وحدته قد ولت إلى الأبد ..

ولد البنجوس إذن بلون الطلح المبرّح بالنار والذكريات الحميمة ,والعشق المختلس وطيف الحبيب البعيد ..

 كان عندما يفيق من النوم كل صباح, يبدو انه كبر شهرا في نومه . كان البنجوس يكبر بسرعة فارتاد خلوة جده الفكي أبكر لوحده, وجلس بين (المهاجرية)(3) كواحد منهم .

 في البدء لم يكن الفكي أبكر يسمح له بحمل الربابة, التي أهداها له والده أثناء الدرس , ثم غض الفكي الطرف محبة في حفيده المبارك, بعد أن فشلت محاولاته وحيله المختلفة, في إقناعه بترك ربابته في البيت ..

عقل البنجوس الحاد اخذ يلتهم القرآن والسيرة ,والأحاديث وعلوم الدين المختلفة , التهاما روع الفكي أبكر, الذي بعد تفكير عميق وتدبر أنابه عنه, في تعليم "المهاجرية" في غيابه , وكان البنجوس ما أن ينهي درسه,حتى يمضي إلى طرف البلدة,عند دغل القمبيل .ويمسك بربابته ويعزف قصائده الهجين, التي بين منزلتين في المحبة للنبي العربي, وكيرا "البسطونة" , فتصمت العصافير ويسكن حفيف الأشجار, ويتوقف تيار الزمن في "مشيش" الماء في الوادي . ثم يتمايل كل شيء في حركة ناعمة, لدى سماع الموجودات إنشاد البنجوس, ونغمات ربابته .التي تحاكي مزامير داود.. تخرج من بين المشيش وأغصان الشجر, أطياف نساء حسان في غلائل شفافة, يرقصن في طرب . تخرج كيرا البسطونة من بينهن , تتقدم منه وتضع راحتيها على صدره . يترك الربابة ويضحك, وهو يتحسس أصابعها الطفلة . تجلس قربه فيحكي لها أسرار الشجر, والأبقار والوادي وطفولة الماء المشيش . ثم لا يلبث., أن يأتي احد الأقران مع محبو بته, فيجلسان جوارهما وينصتان باهتمام لحكايات "الربابة" ,التي دنفها العشق.

ذات صبيحة نديانة جمع البنجوس المهاجرية, واخبرهم انه رأى سليمان الحكيم  في نوم بين بين يبارك إنشاد ربابته . سأله احد المهاجرية :

-وماذا قال لك,بعد ذلك ؟.

تلفت البنجوس حوله ,وهو يحك رأسه كالذي يتذكر:

-حكى عن تطاول الحفاة العراة .

-علامة الساعة .

-اكتفى براكبي الإبل والجياد .

هز المهاجرية رؤوسهم . أشار لهم البنجوس فتفرقوا . ومنذها اخذ ينشد تلك القصائد الهجين , التي اختلط فيها مدح النبي العربي بغزله في كيرا البسطونة, ومضى شعر المحبة بالبنجوس, إلى سباسب النساء ووهادهن. فلم يترك نتوءا, أو منعطفا إلا وقال فيه ما أصبح مضربا للمثل ,في باب العشق والعشاق, فملأت أشعاره الحلالات والفرقان, وتعدتها إلى القرى والبلدات البعيدة, حتى تخوم دار صباح ,وما وراء النهر . واتكأت عند البحر الكبير حيث تطلع الشمس. وحيث يعيش أهل الجلابي التاجر., الذي قتله النوبة  في تقلي كما أفادت إحدى الروايات .

وكان إذا استبدت به النشوة والجذب ,يجمع الصبايا وكل عروس للرقص في فناء داره , ممسكا بربابته عازفا عليها "كل ضربة لها نغمة ,يفيق بها المجنون وتذهل منها العقول ,وتطرب لها الحيوانات والجمادات" كان البنجوس محروما من شهوات الدنيا, كقديس يتيم , حاصره الوجد الإلهي . وكانت ربابته إذا تركت على مبعدة منه , تحس باقتراب البنجوس منها, فترسل أنغامها دون أن يضرب عليها احد!! .

عشق البنجوس لكيرا ليس كمثله عشق , إذ تدهم وحدته فيفيق منها . يمد أصابعه يتحسس عريها . تفيق من حلمها : كانت قد رأت نفسها تخرج منه شيئا فشيئا ,وصورته وصورتها تتكرران: تارة أطفال وتارة أخرى في شرخ الصبا .. وكان قد اقترب منها , فأخذت تسحبه إلى قلب حكايتهما ,التي بدأت ذات يوم تجلى فيه البدر عن صفاءه , وتبدى الفراغ عن ظمأ متوحد في النار والماء , فجعل يمضي في البراري والغفار, مهتديا بصوى الساري , يذر خلفه الرمل حينا وحينا يخب , كبعير فحل ..

-يا أخت دمي . تأملت النجوم ليلا وحادثتها ..

-حادثت النجوم ؟!..

-كانت عزائي في الطريق إليك ..حدثتني عن ..

قاطعته :

-عن ماذا ؟

-سيطول الأنس بيننا ما طال الزمان . هكذا اخبرني صفي الروح سليمان ..

-إذن ؟..

-" لا ادري ما كنت في المبتدأ ,لكنني كنت أدرك إنني بحاجة لآخر . كنت غريبة , فمن الغربة جئت (أنت هي الغربة التي اشعر بها ؟) "..كنت غريبة حولي الأشجار التي تتخللها الغدران, التي تكاثف حولها الريحان والنرجس (فقط النرجس . أوليس النرجس وحيدا وغريبا ؟ومتوحدا مثلي؟) ..تعاقبت علي الفصول في تقلي ببردها وريحها وعواصفها وأمطارها الغزيرة والشحيحة , وفي كل فصل كنت ارفع عقيرتي بالغناء , علك تسمعني فاخرج منك إليك ولكني بقيت "آه يا شقيق دمي" ..

-تعذبت كثيرا ..

-بل انتظرتك طويلا , فمنذ ماتت أمي عشة , وأنا احلم بك , وأتحين الفرص للهرب .

-أنهكك الانتظار ..

-لا أزال اشعر بالرهق من رحلتي . لا تحمل حياتي سوى علامات اليتم والأب القتيل , والأم التي أضناها الترمل والتعب .. رحلت . تهت في فيافي موحشة , برقها خلب , غدرانها سراب , لكني وصلت . كان نداءك دليلي في الطريق , ظلي في النهارات الغائظة , أنيسي في الليالي المظلمة -يكفي انك وصلت .

-تنكرت أمي في حياتها لاشتياقي لك , لم تألف عشة مثل هذا الحب , ما أن قادها نهير إلى سراب ,حتى شيدت حصنا من ترملها وذكريات حبها المجهض .

-كنت أدرك أن تحذير جدي الفكي أبكر وحصنه سينهار يوما . كنت أدرك أنني سأتخلص من عظمي . دمي . لأحصل على من يعذبني ويشقيني .

-لماذا تقول ذلك ؟ .

-ستصبح الدنيا أم كواكية , لو اكتمل حبنا , ففي المنتهى تذوي الأشجار ارتواء , ولا يفل الحديد سوى الحديد..

ساد بينهما صمت عميق, بدا خلاله حفيف أوراق الشجر, كخربشة قطة متوحشة تسلخ لحاء الأشجار , وبدا فيه خرير الجدول كنعيق مدوي لطائر البوم ..

استلقى البنجوس على بساط العشب., الحائل اللون واتكأت كيرا على ضلعه الأيسر , تنهدت في عذوبة وهي تحلم به "آه يا شقيق دمي " غردت طيور الدغل لحظتها في صوت موحد "هم بها" آه يا شقيقة دمي ..أدرك البنجوس فداحة جرحه , كان طيفها يخرج من جسده ويتلاشى في فضاء المكان ..

قبل أن يولد البنجوس كانت الدنيا أم كواكية : قطاع الطرق الجنجويد يقتلون الناس وينهبون ممتلكاتهم . يحرقون الزروع ويخربون الديار . أصبح كل ذلك بميلاد البنجوس كأنه لم يكن يوما . عم السلام الناس وشملتهم سكينة, لا يعرفون لها سببا واضحا . لكن ظل قطاع الطرق يتحينون الفرص , إلى أن استجمعوا شجاعتهم ذات ليل أليل , لكنهم سرعان ما ارتدوا على أعقابهم , دون أن يدركوا كيف حدث ذلك . منذها اخذوا يكررون محاولاتهم الفاشلة دون جدوى .

عندما يتبدى البدر منيرا صافيا . يتجمع أهالي البلدة , يتحلقون في دائرة داخلها الفتيات والفتيان ,. يرقصون على إيقاع النقارة , ويغنون لشجر القنا والأبقار وللقمبيل وطيور الجنة الملونة .,والوادي وصندل الردوم . تتخلل أغنياتهم ذاكرة البنجوس , تثوي فيها منطوية على كيرا البسطونة ,والوادي الرملي والمروج الخضراء, وأدغال القنا وصندل الردوم , تنطوي على ربابته وأنغام الطفولة اليانعة .

في تلك الليلة بعد أن حمل الفتيان نقارا تهم وتفرقت جموع الأهالي , ومضى الجميع إلى مخادعهم . في تلك الليلة وعلى مشارف الفجر, هجم قطاع الطرق الجنجويد , احرقوا البلدة ونهبوا الأبقار , ولم يتركوا شيئا . كانوا قد داهموا البلدة على حين غرة , وما أن أفاق الأهالي من هول المفاجأة , حتى اخذوا يتساءلون عن هذا الحدث., الذي بدا غامضا وغير مفهوما , فلأول مرة منذ وقت طويل يحدث مثل الذي حدث .

في مساء اليوم التالي جاءت كيرا لنقي والبنجوس, وكانت الدماء تغطي جسمها النحيل . وكان البنجوس مبتلا بالدموع , ومصابا بهاء السكت .وبعد أيام تمكنا من الكلام فحكيا حكاية لم يصدقها احد : حكى البنجوس عن انتهاك الجنجويد لكيرا وتعاقبهم عليها , دون أن يأبهوا لدموعها وآلامها , وحكت كيرا عن كيف ضربوا البنجوس  بأغصان الشجر., ورفع البنجوس عراقي الدمورية ليريهم آثار الضرب على ظهره , ورأت النساء تمزق ظهر كيرا وأحشائها , ولاذت الميرم كلتوم بصمت غامض , لم يستطع احد انتزاعها منه!!..

 بعد يومين اختفت كيرا بصورة غامضة وأصيب البنجوس بالصمت المقيم . فلم ينجح احد في دفعه للكلام .

قال أومي ذكريا للفكي أبكر :

-هل صدقت هذه الحكايات التي حكياها ؟.

-ليس تماما .

-ماذا تعني ؟.

-لو لم يكسر البنجوس كيرا لما تمكن الجنجويد من كسرها . لقد ارتكب الخطيئة فحلت اللعنة .

وضع أومي ذكريا يديه على رأسه ومات واقفا .

مداهمة الجنجويد وقطاع الطرق للبلدة, تكررت في حلالات وقرى أخرى . منذها قرر البنجوس أن يأخذ أمه ويهرب  إلى ما وراء النهر . وهكذا اختفى البنجوس والميرم تاجا ,في احد الصباحات الباردة, دون أن يخلفا وراءهما اثر .وبعد أن فشل الأهالي في العثور على البنجوس ,جمعهم الفكي أبكر في زريبة داره. وبعد أن تجمع كل طلابه المهاجرية , حول قداح العصيدة الكبيرة واكل الجميع ,وشربوا البقو خطب فيهم الفكي أبكر :

... حدثهم عن البلدة ملتقى تجارة العاج وريش النعام .. حدثهم عن هرب خصي السلطان الأول ,ورحلة بحثه عن النور., وانقسام الناس إلى فئات عديدة متصارعة, بسبب السعي للسيطرة على الموارد والمكان . وحكى لهم عن هرب التاجر الجلابي ,بزوجته التي حبلت من أومي ذكريا خفية دون علمه. وكيف أن التاجر الجلابي ذاته, كان يكرر رحلة الهروب التي لم ينج منها في المرة الثانية ,فقتل عند مشارف تقلي . وكيف أن هربه من دياره, في دار صباح كان بسبب تقاتل الناس هناك على كلام الدنيا..

بعد وقت طويل تسللت إلى ذاكرة البنجوس ,أحاديث الفكي أبكر وهو يموت في هجوم القوات الحكومية على البلدة برفقة الجنجويد.

-لكن لماذا قتلوا الفكي أبكر ؟.

-...   ....   .... .... .... ....

كان البنجوس يستعيد حكايا الفكي أبكر ,عن الغريب الأبيض الذي جاء إلى البلدة ,في ظهيرة حارقة , كان كأنه يستعيد حياته الهاربة,بين نغمات الربابة  الشجية , التي افتقدها منذ غادر البلدة الصحراوية خلسة ...

(2)

في الليلة التي هرب فيها البنجوس من البلدة , قصد طريق الملح , ثم هبط في درب الأربعين ,إلى أن وصل بعد أيام وليال., إلى البلدة النهرية .. وصل منهكا . وكان بين آن وأخر يتسقط الأخبار عن بلدته الصحراوية البعيدة , وبعد مرور عشرات السنين , بعد أن تقاعد من عمله في الجيش, عرف من الأخبار أنها تعرضت للهجوم , وحملت إليه الأنباء بروز مجموعة مسلحة من المزارعين , ولم تمض بعدها سوى أيام حتى تواترت أخبار جديدة, عن أن المجموعة المسلحة .,قامت بمهاجمة المطار شمال البلدة الصحراوية , وأكدت الشائعات التي انتشرت ,مقتل 70 من القوات الحكومية . وكانت المجموعة المسلحة التي أعلنت عن نفسها ,قد وزعت منشورات أكدت فيها أن هجومها على المطار ,جاء كتعبير عن احتجاجها على فشل الحكومة, في إيقاف الجنجويد عند حدهم ,بل وتواطؤ قواتها مع الجنجويد .,في حرق القرى والفرقان ..

بعدها بأيام قليلة اخذ أهالي القرى في أسواق "أم دو ور" الأسبوعية يتحدثون عن "التهميش" والحرب على دار صباح .

ومنذها أخذت تلك الرؤى والأحلام القديمة تعاود البنجوس : كان البنجوس السبعيني,يرى نفسه فيما يرى النائم., يعود شابا من جديد , في شرخ الصبا .. يشرب البقو ويرقص عاريا , بفتوة عشرات السنوات ,حتى يغيب في إيقاع الطبول, وأنغام ربابته المنسية, ويجد نفسه متكئا على صدر الكيرا المتحفز .. تدلك جسده العاري , المتمدد كاب كردوس  وتجذبه , فينهض أمام الجبل السامق في العرى ,كأنه يحتوي الكون كله ,فيدلفان إلى قلب الجبل , حيث ينتظره المزارعين الثوار,مصطفين في صفوف دقيقة ,يحيونه ويهتفون بالجلالات العسكرية :

سمره يا سمراء يا سمارة ,

الطالب الحربي ..ياسمارة..

امو تبكي عليه ..يا سماره..

تاني وين تلقيه ..يا سماره...

كانت هجمات الجنجويد على القرى في تزايد مستمر , بينما المجموعة المسلحة تحاول إلحاق أقصى ضرر بالقوات الحكومية , التي بدأت بمرور الوقت تشعر بالاستنزاف . فآخذت تتحدث عن هدنة وسلام واستفتاء .لكن تزامن مع ما تطلقه القوات الحكومية من شائعات ,هجومات مكثفة على مزيد من القرى والفرقان, بحثا عن المتعاطفين مع المجموعة المسلحة ,التي ظهرت في الشمال وتجاوزت رهد الخيل .إلى جبل الكبش المقدس .

وعندما اشتدت المعارك بينهما ,حاول وسطاء الجوار, في طرابلس والقاهرة وانجمينا, التدخل لدفع الأطراف المتصارعة للجلوس إلى التفاوض . وفشلت كل المحاولات .حتى أن مفاوضات ابوجا التي راهن عليها الجميع (بما في ذلك الإقليم والعالم )باءت بالفشل لأكثر من مرة .

وظلت الهجمات تزداد شراسة بمرور الوقت , وأعداد الضحايا تتضاعف . كانت الهجمات على القرى والبلدات, تتم بواسطة عناصر الجنجويد المدعومة بقوات حكومية , تحاصر القرى عادة في المساء, أو أثناء النهار لمباغتة المزارعين العزل, دون أن يكون لديهم الوقت الكافي للفرار أو الدفاع عن أنفسهم . وتبدو الهجمات منسقة ومخططة بدقة, مسبقة وتحصل عادة في أيام أسواق أم دور ور الأسبوعية ,أو أثناء الصلاة حيث يتجمع الناس .

حكى احد الذين تمكنوا من الهرب إلى البلدة النهرية ,بعد أن تم الهجوم على قريته الصحراوية البعيدة "حاصر الجيش السوق , بينما دخل الجنجويد إلى المحلات لنهبها . قتلوا الكثيرين بالرصاص وطعنا بالحراب . كنت مع والدي عندما تم حصار السوق من كل الاتجاهات , لقد هربت لأحتمي ولكن أصبت في يدي . لقد قتلوا أفراد أسرتي ورايتهم يغتصبون شقيقتي .. سبعة تعاقبوا عليها واحدا تلو الأخر, وهي تتمزق وتتألم تحتهم . قتلوا البعض رميا بالرصاص, ودمروا المنازل وسرقوا الماشية " كان الصبي الذي عثرت عليه منظمة أطباء بلا حدود,ووفد من منظمة مراقبة حقوق الإنسان, تائها. متعبا وهزيلا .,يكاد يموت من الإعياء. فأنقذته وسلمته لموظف من منظمة مداعير, الذي بدوره ساعده على الهرب إلى البلدة النهرية كمهجر داخليا ..كان يحكي  للبنجوس دامع العينين مختنقا بالعبرات ,وقد تكاثفت على جراحات الدنيا وآلامها في وجهه.

مداخلات :

بعد عشرات السنوات من هرب البنجوس من بلدته الصحراوية , وانضمامه إلى الجيش , واستقراره في البلدة النهرية , أصبح من الصعب تتبع سيرته الذاتية , ولم يعد ممكنا الجزم بأن ما صار اسمه عبده الخال هو البنجوس ذاته , خاصة أن البنجوس كان قد تبنى , ابنا وحيدا كشجرة حراز في قوز نائي , أطلق عليه اسم عبد الله ,اشتهر وسط أقرانه بعبده الخال بسبب الأبوة التي كان يسبغها عليهم, وإخلاصه في حمايتهم , وبسبب إدمان عبده الخال لحكايا والده البنجوس, أصبح من الصعب التفريق بينهما ومعرفة من فيهما هو البنجوس بالضبط ! . لكن ما كان مؤكدا ويتفق عليه الجميع , أن البنجوس وجد في الجيش .,ما يشبع رغباته التائهة .

(1)

مسارب الايدولوجيا تتمدد , لتلقي بظلالها , على الجبل الناهض في الدم , شاهقا كشلالاته , مدويا كتاريخه المرعب , لحظة سقط آلاف القتلى لنقله من هذا المكان ,إلى حيث النهران يلتقيان , حيث تثوي بقايا "مروي" , لتتبدى بين آن وآخر الدلالات المعقدة لروح الجبل, في فضاءات الخرطوم .

لكنك الآن يا عبده, تقرر الرحيل , كأحد الجرحى الذين سقطوا في معركة نقل الجبل , الذي انتقلت ظلاله لتشكل نسيجا جديدا في هذه الجغرافيا . نسيجا بامكان ثورته أن توقف دورة الحياة :إذ تنطفيء القناديل في العشوائي, ومساكن القش والصفيح والطين اللبن .. تغلق الدكاكين أبوابها في سوق كرور امبدة , وسوق ستة الحاج يوسف , فتتلاشى الحياة رويدا رويدا مثلما بدأت ..

هذا النسيج الأسود الممتد على خاصرة النهر , ابن الوادي , صديق الجبل , غريم الصحراء : التيه , المنفى ..

هذا النسيج الأخضر ,لا يزال مهددا بالحنين واللوعة , يحاول ارواء ظمأه بالبقاء ., الصفح والاطمئنان .. لكن القلق الذي حقنت به شرايين الجغرافيا وأوردة التاريخ , وأحلام البدو الرحل المغامرين , يأبى إلا أن يحاصر الحنين , ليشيد فيه وطنا للمنفيين والتائهين . فلا يكون سوى إزكاء اللوعة ودفع الأخضر للغياب , في نزيف الجبل .

الآن ترحل مثلما رحل أومي ذكريا في تلك الليلة مطاردا من السلطان ,دون أن ينصفه أحد ودون أن يسمع خبر موت السلطان إذ حاصر الرقيق( الخصي الأول )المقرب من السلطان الخبر دون الذيوع, فبقى سرا كامنا في جُدُر الفاشر وأزقتها وحواريها , حتى لا ينشب صراعا على العرش , وحتى لا يتأثر الجند الذين يحاربون في طريق الملح .

مات السلطان. فتركت النار المقدسة داخل القصر. لتنطفيء وحدها .وحمل جثمانه المقدس إلى "طُرَة" ليدفن مع أسلافه المقدسين .

ترحل الآن مثل أومي مخذولا دون رفقة سوى ليمياء, حبيبتك الفريدة .ترحلان مع إيقاع الضربات الحزينة للطبول كما رحل أومي ذكريا .. كما رحل البنجوس ,ذات مساء بعيد وحزين .

ترحل دون أن تسمع الموجية يعلنون اسم السلطان الجديد , ترحل دون أن تشهد طقوس التنصيب .,والسلطان الجديد يخرج من عزلته البديعة ,في الأكواخ , داخل ابعد أفناء القصر , يخرج من اعتكافه الذي دام لأسبوع , يستقبل الكيرا تحت قيادة ملكتهن ليؤدي الشعائر , فيشهرن حرابهن .,ويحملن سعف النخيل., وجرة السائل المقدس .. يرششن السلطان بين آونة وأخرى وينشدن :

أومي .. أومي ..

دام .. دام ..داما ريفا دوي ..

دوي .. دوي .. دوي ..

لمن ينظر الموت ؟ .. لمن ؟؟..

انه السلطان .. خالد في الأسلاف ...

داما ريفا .. داما ريفا دوي ..

تبارك الملك المقدس .. سليل الجبل ..

داما ريفا .. دام .. دام ...

ويأخذن السلطان في موكب مهيب  إلى بيت النحاس مع الحرس السلطاني بالقرب من بوابة الذكور , ليلقين عليه وصايا الأسلاف وتعاليمهم المقدسة , ثم يخرجن به , ليتحلقن حول "المنصورة" الطبل المقدس الأكبر .. يرددن أهازيج التنصيب , ويضربن بحرابهن على الأرض الصخرية , ثم يصحبن السلطان لوضعه على الككر , ليضع هذا الزعيم التاج على رأسه , ويضع زعيم آخر العمامة , ثم يؤدي الجميع يمين الولاء , وبإشعال النار المقدسة يتوج السلطان ..

 الذي غادرت أنت دون أن تشهد تتويجه, تخرج الآن في ليلة مكفهرة مثل خروج جدك أومي ذكريا قبل عشرات السنوات , من قلب الوادي .. بعيدا عن الجبل المقدس .. أنت يا عبده الخال من سلالة المنفيين . الذين خربت عجوبة بلادهم . فساورا لم تهلكها الجيوش الغازية , بل أهلكتها حيزبون , أشعلت بابنتها الحورية الساحرة النيران في القصر والمدينة , ليتنامى أوار الحرب , ويندثر كل شيء , كأنه لم يكن يوما ..

قبل أن يرحل او مي., كان قد انسل خلسة .,من منطقة الذكور الشمالية في الفاشر.محاولا الوصول إلى منطقة الإناث الجنوبية , باحثا عن حبيبته العذاب السمراء الفارعة "كيرا" ليقبلها قبلة الوداع ..

مر بالدواوين . أماكن الاستقبال , والطريق المؤدي إلى أماكن النساء الملكيات والمحظيات وبعض الخصيان , باحثا عن كيرا الجميلة دون جدوى . غامر بدخول القسم الذي يضم الموظفين والخدم والرقيق ., لكن لم يكن ثمة أحد .

كان الصمت مخيما على كل شيء , بشكل يدعو للخوف والرهبة , فخرج مباشرة عبر بوابة الرجال ,مارا بالحظائر الكبيرة التي تضم الجياد الملكية, والسائسين والرسل الملكيين والمنادين . كانت أكواخ الكوركوا "الحرس السلطاني" خالية ولا يوجد احد سوى اللوبينقا "العاجزين جنسيا" , الذين خيم عليهم حزن مقيم .