الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: أحمد محمد ضحية

تجاعيد ذاكرة البنجوس..

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

الرواية

الوطن والمنفى

عالم عبده الخال

رهد الخيل

تجاعيد ذاكرة البنجوس 

 

 

تجاعيد ذاكرة البنجوس..

 (الجزء الثاني من رواية: لا وطن في الحنين)

 

القسم الأول: رهد الخيل

 

.. انتحت كيرا ركنا قصيا من البهو , وأخذت تبحث عن شيء ما , وجدته : درع ألماني قديم , وسيف صقيل كأنه سك البارحة , ألبست الدرع للبنجوس الكومندان , ومنطقته بالسار(السيف), بعد أن وضعت على رأسه واق , وصفرت., فجاء جواد يخب , من غياهب الجبل .سحبت الجرايد(دروع الساق)من سرج الجواد الكميت , وانطلقا ..

بعد عدد من الابهية المتداخلة , التي يفضي كل منها إلى آخر , توقفا عند مدخل بهو ابيض حائل . دخلا . كان بهوا واسعا مفروشا بسجاجيد تركية صغيرة , يتوسطه ككر خال في اليسار , وخلفه حرس من الفتيات الناهدات , العاريات إلا من الكنافيس القطنية البيضاء والطواقي المزخرفة من الأمام, بقطعة نحاس منقوشة ,وريشة سوداء من ريش النعام , وترسا من جلد فرس النهر في الزراع المقابل . أجلسته على الككر . وأخذت تتمتم بعباراتها المبهمة ..

البنجوس الصغير أو(عبده الخال) . على الرغم من أن تاريخه الشخصي , اعترته كثير من التحولات(خاصة بعد أن هجر والده بالتبني : البنجوس الكومندان, ولد أومي ذكريا ., البلدة الصحراوية البعيدة , عند الأفق الغربي للبلاد الكبيرة , منذ وقت مبكر من سيرة النزوح , وأعمال الجنجويد القدامى قبل الحرب الأهلية الأولى, واسعة النطاق ,واستقر في بلدة أخرى لا يفصلها عن النهر سوى فرسخ أو فرسخين ) .. هذا النزوح من المكان , ترتب عليه نزوحا وانزياحا  في الذاكرة الشخصية لعبده الخال أو البنجوس الصغير , فأصبح من الصعب التمييز بين سيرته التي لا تنتمي لتلك البلدة الصحراوية(كأنقسناوي من جنوب النيل الأزرق) ,وسيرته التي تنتمي للبنجوس القادم من أقصى غرب البلاد الكبيرة, ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد , إذ  انزاح اسم البنجوس أومي ذكريا , على عبده الخال , وهكذا حدث التباس عظيم , لم يستطع احد فك اشتباكا ته ,حتى أن الكثيرون اعتقدوا: أن عبده الخال ,كان اسمه ذات يوم , في بلدته البعيدة تلك "البنجوس"!! ..

لم يعد تاريخ البنجوس "الحقيقي" الكومندان ولد أومي ذكريا ,الذي تبنى عبده الخال في واحدة من مأمورياته للدمازين,هو ذات ذلك التاريخ المليء بالرؤى والأحلام , فالبلدة النهرية , أخذت منه تلك الرؤى , وأعطته بدلا عنها حياة أخرى مليئة بالتجاعيد  والتعرجات والازدواج , ما وسم وجدانه بأغنيات الحسرة والشجن . ومع ذلك ظل ذات ذلك الشيء الغريب ,الذي وسم حياته عندما كان في بلدته الصحراوية  البعيدة تلك .. ذلك الشيء الغامض الذي كلل سحنته ,بنوع من المهابة نادرة الوجود , هو أول ما تلحظه عند الجلوس إليه !.

كان البنجوس أومي ذكريا  منذ ميلاده, يشعر بغربة بديعة, تحاول انتزاعه إليها , ولذلك عندما أدركه الوعي ,أخذ يجنح بخياله مرتادا آفاقا بعيدة , يرى فيها وجوها مختلفة, لأناس مختلفين , في أماكن مختلفة . ولم يكن هذا الحلم هو حلمه وحده , فقد كان هو الحلم الخفي للميرم كلتوم أيضا . فقد تركت الميرم سليلة السلاطين والملوك حاضرة المملكة , وجاءت لتعيش في بلدة أخوالها , منسحبة من عالم الكر والفر الذي ألفته , والسلطة والسلطان اللذين طالما مارستهما , وهكذا فجأة قررت أن مكانها" ليس هنا" , لكنها لم تدرك أبدا أين يكون مكانها !!.. وهكذا انسحبت إلى هذه البلدة الصحراوية  , ريثما ترتب أفكارها, فتطلق لتحقيق أحلامها الغامضة العنان !.

كانت عروق وجه البنجوس"عبده الخال" قد بدأت تنقبض وأعصابه تتوتر .  عندما خرج صوت الطبيبة النفسية هادئا , عميقا ومؤثرا :

-استرخ يا عبده وأهدأ .

ونهضت منهية جلستها ,

-لكن لا يزال لدي ما أقوله ؟!.

-لا. يكفي حديث لهذا اليوم .

عاودت الطبيبة الجلوس إلى مكتبها , بعد أن أوقفت جهاز التسجيل , وشغلَّت موسيقى هادئة , ثم ضغطت على زر أمام مكتبها ,فدخلت الممرضة الشابة مدام روز , بثيابها البيضاء المألوفة , التي تحمل أعلا النهد الأيسر شعار : مركز النديم للعلاج النفسي .

عادت مدام روز بعد قليل ,تحمل كأسا من عصير الليمون البارد , وضعته أمامه , فنهض من جلسته المسترخية .

 كانت طبيبته دكتورة داليا , التي تعدت منتصف العقد الرابع بقليل , تنظر إليه بهدؤ , كأنها تتابع رشفاته البطيئة .,وتفكر في هذا التأثير الغامض الذي ينبعث من سحنته .. عندما رنّ هاتفها الجوال ,على نحو مباغت انتفض له  البنجوس كالملدوغ , فتناثر شيء من رزاز الليمون على ثيابه , التي بدا من الواضح انه لم يكويها منذ وقت طويل .

وضع كوب العصير بتعثر على المكتب .

-استأذنك في الانصراف يا دكتورة .

لم تحاول الطبيبة إبقاؤه , فأومأت برأسها بينما أضاف :

-مواعيدنا الأسبوع المقبل إذن ؟.

-نعم. ولا تتأخر كالعادة ..

قبل أن يخرج البنجوس من الصالة المفضية إلى مكتب الطبيبة, بصحبة صديقيه حسن وعادل.. اللذان كانا ينتظرانه , جاء صوت دكتورة داليا من خلفهما :

-هل تسمح لي ببعض اللحظات يا أستاذ عادل ؟.

تبادل عادل والبنجوس وحسن النظرات بينهما !..

-جدا يا دكتورة .

-سننتظرك نحن في المقهى المجاور لمحل النت ..

سألت الطبيبة عادل :

-هل هناك شيء لا اعرفه ؟ نسيت أن تقوله لي؟! ..

-كل ما اعرفه عن عبده الخال ذكرته لك , فنحن أصدقاء منذ الطفولة..  أكثر ما كان يميزه هو نهمه في قراءة كتب التاريخ ,وشغفه بحكايا والده بالتبني الكومندان بنجوس . ويبدو أن لهذه الحكايات و القراءات التاريخية, علاقة بهذه الحالة التي يعانيها , خاصة انه انغمس في السياسة ,ككل أبناء جيلنا, كذلك حصل على تعليم ديني تقليدي في زاوية الطريقة التجانية, وهذا النوع من التعليم تترتب عليه علاقة بالأساطير والرؤى والتجليات , الخ من أمور أسطورية . وربما لذلك يتصور نفسه متنقلا في الزمن والمكان ,كلما نام .فعندما يصحو يجد نفسه في مكان وزمان مختلفين عن المكان والزمان قبل أن ينوم .. لكن في الواقع (كما أتصور) أن هذا نوع من أحلام اليقظة , أو التقمص لحياة الكومندان البنجوس المدهشة!.

-كيف يكون الأمر كذلك ,وهو من كل مكان يرتاده يحضر معه شيء., يدلل ويثبت على انه فعلا كان في هذا المكان أو ذاك؟! ..

-لا ادري . فكل ما اعلمه  هو ما شرحته لي أنت سابقا :أن هناك ثلاث عناصر أساسية شكلت حياة عبده الخال : شعوره بالاضطهاد الاجتماعي والعاطفي والفكري ,كابن متبنى ربما .. هذه العناصر شكلّت ضغطا عاطفيا وعصبيا حادا ,عبر عن نفسه فيما يشبه تداخل الأزمنة والأمكنة, في عقل الخال وهو ما أسميته أنت قبل الآن ب: أحلام يقظة . وهي حالة عقلية بالدرجة الأولى .أو أننا أمام ظاهرة تقف معارفنا المحدودة عاجزة أمامها!!..

-كان هذا رأيي وقد أشركتك فيه .,حتى أتمكن بمساعدتك من إضاءة بعض المناطق, التي يمكن من خلالها تحديد طبيعة هذه الظاهرة التي يعانيها صديقك.. من وجهة نظر التحليل النفسي هناك علاقة صراعية دائمة بين الإنسان ومحيطه : رغباته , غرائزه متطلبات ومحرمات العالم المحيط به . فما نسميه أحلام يقظة هو: الأفكار اللاواعية لعبده الخال في محاولة شق طريقها إلى وعيه, لكنها عنده ليست كما اعتدت خلال سنوات عملي الطويل كطبيبة نفسية , فأحلام الخال من الأعمال الفنية المعقدة والمذهلة في آن , ويقتضي فك رموزها تضافر جهودنا والكثير, الكثير من الجلسات .. تذكرت : هل سبق لعبده الخال أن اعتقل ؟..

-لماذا؟

-لأن الآثار النفسية التي يتركها الاعتقال في النفس تبدو واضحة على نفسيته , وفي ذات الوقت هو يؤكد انه لم يسبق له أن اعتقل ؟!..

-حقا لم يعتقل ولكن عانى بعض المضايقات, والضغوطات.  بسبب قضية المخطوطة السرية التي ذكرتها لك سابقا , فهرب .. مثلنا جميعا .

-لكن في تقرير منظمة ضحايا التعذيب , الذي تم بموجبه تحويل ملفه إلىّ , هناك تأكيد لأكثر من مرة انه تعرض للاعتقال والتعذيب.آه هناك سؤال كنت ارغب في إجابة واضحة حوله ماهي علاقة المخطوطة السرية بكتاب دالي ؟.

-في واقع الأمر يا دكتورة أنا أتحدث على قدر معرفتي به ., وبناء على ذلك أؤكد انه لم يتعرض للاعتقال أو التعذيب وان تعرض للترويع , الأمر الذي دفعه للهرب واللجؤ إلى هنا .كما أن كتاب دالي (في تقديري الشخصي) كتاب وهمي أو أسطوري لا وجود له ,ككتاب لكنه موجود كقوانين تم تناقلها شفاهيا ,ومورست من خلالها السلطة في لحظة من لحظات التاريخ الخاصة بغرب البلاد الكبيرة ..

-لأوضح لك الصورة أكثر: موظف ضحايا التعذيب الذي أجرى الانترفيو معه, كان زميل له في المعتقل( في كوبر) وقد تعرف عليه بمجرد رؤيته, وأكد على ذلك في تقريره , بينما يصر عبده الخال نفسه, انه لم يتم اعتقاله من قبل! أي تتفق روايته عن نفسه مع روايتك ,وفي ذات الوقت أنا اتفق مع رواية موظف ضحايا التعذيب., التي لااستطيع تكذيبها.. كما أن ذلك الموظف ليست لديه مصلحة فيما أورده . خاصة انه عاصر معتقلين كثر في (شالا) و(دبك) و(كوبر) بحكم اعتقالاته المتكررة ولا يمكن أن يخطي في التعرف على احد زملاءه في المعتقل !!..

-ربما لان بلادنا عبارة عن معتقل كبير!!..

-الاستنتاج الوحيد الذي يصلح لفض هذا الاشتباك, أن لعبده الخال حياتين متداخلتين في بعضيهما البعض , أنت وعدد كبير آخر ممن يعرفونه على صلة بإحدى هاتين الحياتين, وموظف ضحايا التعذيب وآخرين على صلة بالحياة الأخرى ..

-إذن يعاني انفصاما حادا ؟!..

-لا . لم اقل ذلك , ربما يكون نوعا جديدا من الأمراض النفسية أو العقلية ..

..ابتسمت دكتورة داليا وهي تودع عادل , الذي مضى ليجد عبده الخال وحسن ,ينتظرانه في مقهى عبد الواحد , المطل على تقاطع الشيخ ريحان ,مع محمد فريد في قلب عابدين . حيث اعتاد اللاجئين أن يلتقوا لينتظروا بعضهم أو يتبادلون الأخبار,ويتحدثون عن الفساد في مكتب الأمم المتحدة بالقاهرة ,وبيع الموظفين المصريين لملفات اللاجئين ,والحوادث المأساوية التي تقع للفتيات المضطرات للعمل ,والتحرش الجنسي والشعور بالقهر .

كان الخال وحسن منهمكان في نقاش حاد حول مجريات الاعتصام . ما أن وصلهما حتى تساءل عن سبب صراخهما . فردا بصوت واحد :

-واحدة من المعتصمات أجهضت بسبب سؤ الوضع, كما توفي احد الأطفال , وثلاثة من المعتصمين بأمراض مباغتة .نتيجة للجوع . كما أن السل ينتشر بسرعة بين المعتصمين . فللشهر الثالث ينتظرون أن تعالج مشاكلهم دون مجيب .

-أنها  إحدى النتائج الكارثية, الأكثر بؤسا لاعتلاء أبو لكيلك دست الحكم ,فما بين ملايين اللاجئين والمهجرين داخليا . تتمزق كل الأحلام في الاستقرار .

قال عبده الخال عبارته الأخيرة, وأرخى رأسه على الكرسي القاسي لمقهى عبد الواحد . ترك حسن وعادل يتداولان شأن اللاجئين, ورحل بذاكرته بعيدا ..

رحل إلى ذلك الصباح البعيد الذي يقع في أواخر خريف فاشل ومتقلب البرد والريح .

 حيث جلس الكومندان, على غير عادته عند غدير جمده الغبار .. وكالجالس عند نبع خفي على حافة الذاكرة , اخذ يراقب أقرانه وهم في طريقهم إلى الخلوة .. كانوا يمرون به , كأنهم لا يشعرون بوجوده , فيكتفي بهز رأسه مؤكدا انه لا يأبه لهم . كان يراقب فيهم حيض نهايات الخريف يلوث فضاء ات البلدة بالريح والغبار . في اللحظة التي شعر فيها بظل مديد يلقى عليه , فالتفت ليرى الميرم كلتوم التي حيته على غير عادتها :

-آفي كومو بنجوس .

-آفيا كونقا ميرم.

رد عليها دهشا وبصره يتنقل بين الأفق الشرقي, الذي تسلخت عنه شمس الضحى قبل قليل , قبل أن تمضي بسرعة غير مألوفة ,نحو الأفق الغربي فتغيب , ليبقى بينه وبين الميرم صمت ,كحد سيف يوشك أن يعبر عن شجن المكان .

كان الزمان كأنه يتسرب بين أعواد الذرة والدخن والنباتات المتسلقة .

 في الشهور التي تسبق هذه اللحظة , كان البنجوس قد تدله بحب كيرا لنقي الو رتابة منذ رآها وهي ترش حبوب الدخن في أرضها الخصبة التي أطلق عليها أهالي البلدة " حجب النور" .تبادل معها البنجوس., الذي كان يمر بمراحل مراهقته كلها دفعة واحدة., الغزل,بعد أن شرب "البقو"من برمة الشرتاي(فقد احتضنها الشرتاي .,عندما جاءت في احد المساءات الباردة ,وعرفت نفسها بأنها كيرا ابنة عشة زوجة الجلابي ,الذي غادر البلدة قبل سنوات طويلة,وهكذا أصبحت في حمى الشرتاي بمثابة الابنة ) في زاوية الكوخ بقلب الحقل .

 كان مذاق البقو لذيذا , وعينا كيرا لنقي واسعتين كرهد الخيل , وشفتيها تبدتا ممتلئتين بحمرة القمبيل .غنى لها ورقص , كان هائما في واد تحفه الرؤى والأحلام . هتفت به كيرا :

-هاي بنجوس انت سكرت!..

-أنا ما شربت كتير.

-لا شربت كتير.

كان ذاك آخر ما يتذكره من حواره معها , إذ لم يعد يعي بعدها شيئا , ولا يعرف عن بقية لقاءه الأول والأخير بها , إلا ما حكاه له أقرانه فيما بعد . قالوا له :

-كنت مغمى عليك أو كالمغمى عليك , تحدثت بالسن عديدة , لم يفقه منها احد شيئا , حملك الشرتاي  للفكي أبكر  , الذي "عزم" لك وبخرك بالشطة , وسقاك من "المحاية" المخصوصة .. كان عرقك غزيرا ولونك شاحبا , وشعرك مشعثا كأنك رحلت وجئت من سفر بعيد . لم تفق إلا بعد يومين . قال الفكي أبكر  أن روحا تلبسك .

-روحا شريرة ؟.

-لا .

-روحا طيبة ؟.

-لا . فقط قال أن روحا تلبسك !.

منذ ذلك اليوم أخذت كيرا لنقي تتجنبه , وكانت قصته قد ملأت الحلالات والفرقان وشبه البلدات الغارقة في شجن اليم .

-لماذا لم تذهب إلى الخلوة ؟.

سألته الميرم كلتوم , ولم تكن لديه إجابة ..

 تحية الميرم وسؤالها المباغت ,جعلاه يتجرأ ويحكي لها ما رآه في منامه ليلة البارحة .. تسلل صوته عميقا كجريان الماء في الوادي .  يحكي عن وجده بكيرا:"كان بيني وبينها منذ افترقنا توسلات ومعاتبة , لم أخاطبها بهما , لكنني كنت اشعر بأنها تحسهما . تعي وتدرك ذلك ..  كانت الليلة باردة , مقمرة فيها رش مطر , فتوضأت وخرجت مسلوبا, وليس ثمة غيري في شوارع البلدة ودروبها , فلما وصلت رهد الخيل ونزلت فيه , تبدى لي عن كيرا لنقي . رأيتها قد شمرت أذيالها واستعدت في نفسها أن تغرقني ,فجزعت وصحوت مذعورا .." .

هزت الميرم كلتوم رأسها كأنها ترحل إلى عالم خروج الروح , وصوتها الآتي من أغوار سحيقة يلتئم بما بدا نزعا أخيرا للبنجوس .. قالت :

-"في ذات الليلة التي رأيت فيها انت ما رأيت . كنت استيقظ مذعورة . رأيت نفسي مسافرة إلى ديار ما وراء النهر , فأسرت وقيدوني بسلاسل وأغلال الحديد , وحبسوني في مقعر بئر لانهاية لها . وكان فوق البئر المجدبة ,التي عمرت بحضوري قصر مشيد وعليها أبراج عدة , فقيل لي : لاجناح عليك إن صعدت القصر متجردة إذا أمسيت , أما عند الصبح فلابد من الهوى في غيابة الجب.

وكان في قعر البئر ظلمات , إذا أخرجت يدي لم أكد أرها , إلا إنني في آونة الليل  ارتقي القصر ,مشرفة على الفضاء ناظرة من كوة , فربما تأتيني حمامة زاجلة تخبرني بالحال فاخبرها بالمآل, وأحيانا اسمع صوت "التساب" وتذروني ريح "الهبباي" , وتخطف نظري بروق "العبادي", فاشتم رائحة الأراك , واسمع أنغاما حزينة تهدهدني في البعيد . فبينا أنا في الصعود ليلا والهبوط نهارا . رأيت الهدهد دخل من الكوة مسلما في ليلة قمراء وفي منقاره رقعة من رهد الخيل .

قال لي أني أحطت بوجه خلاصك , وجئتك من عشة زوجة الجلابي بنبأ عظيم هو ذا مشروح في هذي الرقعة . فلما قرأت الرقعة وجدتها :( لم تفهمي والبنجوس أن ما تبحثان عنه تركتماه خلفكما , كيرا للبنجوس أخت,والا ستحل علي البلدة اللعنة وتصبح الدنيا أم كواكية )ومضت الرقعة تشرح لي كيف الخلاص مما أنا فيه من اسر..

 فرأيت الأسد والثور قد غابا ,والقوس والسرطان قد طويا في طي تدوار الأفلاك , وبقى الميزان مستويا مع الثريا, التي طلعت من وراء الغيوم.. رقيقة متآلفة مما نسجته عناكب زوايا العالم . ولما انقطعت المسافة وانقرض الطريق, وفار التنور من الشكل المخروط ,رأيت الأجرام العلوية اتصلت بها ,وسمعت نغماتها ووقعها, وتعلمت إنشادها وأصواتها تقرع سمعي ,كأنها صوت سلسلة تجر في صخرة صماء , فتكاد تنقطع أوتاري , وتنفصل مفاصلي , من لذة ما أنال , ولا يزال الأمر يتكرر حتى انقشع الغمام وتخرقت المشيمة .

وخرجت من المغارات والكهوف حتى تقضيت من الحجرات متوجهة إلى عين الحياة , فرأيت  أومي ذكريا وحدثته ورأيت رهد الخيل, وكيرا تشمر أذيالها وأنت تعانقها . فوقفت زمانا بين الضلالة والهدى .. وهكذا كما ترى أيها الولد الشقي البنجوس كان حلمنا يصيب لحظة واحدة ..".

-استوقفتك لتعطيني تفسيرا فزدت الأمر غموضا !!..

-ربما أن التفسير لديك وحدك !..

وانصرفت دون أن تلتفت وراءها , فخبا صوتي كأنه يتعرض لاختناق قاس .

(1)

منذ اعتلى أبو لكيلك الجنجويدي دست السلطة في البلاد الكبيرة , حتى تحول ثلث شعبها البالغ عدده 30 مليونا إلى لاجئين في دول الجوار , أو مهجرين داخليا في أطراف المدن الكبيرة .

وفي هذا المكان الضيق , المتمزق , الحالم "القاهرة" عانى اللاجئون معاناة لم يسبق لأحدهم تصورها في أسوأ كوابيسه .. تصفح عبده الخال موقع الحوار المتمدن و الصحف الاليكترونية واحدة تلو الأخرى  : sudaneseonline.com,sudanile.com,alsudanonline.com,sudanjournal.com,moderndiscussion.com.. كان الموضوع الرئيسي الذي يهيمن على الصحافة الاليكترونية هو موضوع اعتصام اللاجئين بالقاهرة , خاصة البيان الذي أصدرته مؤسسات مجتمع مدني غامضة . قرأ البيان بعجلة : ...................... ثم خرج  من النت, وأغلق جهاز الكمبيوتر . حاسب البائع ومضى لا يلوي على شيء . كانت شوارع القاهرة كلها مشرعة أمامه , مفتتحات لأشجان هاربة عن الموضعة في داخله : نوع من الفقد الكلي والأسى , لعالم بعيد منفي في الذاكرة, لا يزال يحسه ويراه ..

منذ تلك اللحظة التي وضع فيها الفكي أبكر يده على  كتف البنجوس, و التفت البنجوس منكسا رأسه تحت كفي الفكي , الذي قال بهدؤ عميق :

-انت مبارك بنجوس فابعد عن النساء , لو اقتربت منهن ستعود الدنيا أم كواكية ..

كان البنجوس يشفي الأكمه والأبرص, ويطعم الجوعى., عندما ولد أحب الناس بعضهم البعض, وامتلأت ضروع البهائم اليابسة باللبن .. حتى البهائم النافقة تجددت فيها الحياة . بميلاد البنجوس انحسر الجفاف عن الوديان, وعمرت الصحراء., واخضرت الأراضي الميتة .,وازدهرت الحلالات والفرقان ,وعاد للحياة (طريق الملح ودرب الأربعين)(1) , ونهضت (مالحة)(2) من جديد في قلب الصحراء , ملتقى لطرق التجارة والسفر , وتيمة أساسية في كل أغنيات العشق ,عن المسافر البعيد ..عندما يعود ويحضر معه الهدايا للحبيب . حتى قطاع الطرق شدتهم قوى جبارة إلى جوف الجبال ,وأدغال القمبيل وصندل الردوم , وصار عالم الوديان لأول مرة منذ وقت طويل ,يخلو من الجنجويد وأبن آوي !.

هكذا نأوا بميلاده دون سابق إنذار , ودون أن يفهموا سر هذه القوى, التي تشدهم بعيدا عن الطرق والمارة , أصبحوا غير قادرين على قطعها. رغم محاولاتهم الدءوبة لاستيعاب هذا الأمر, وإيجاد تفسير له . فكانوا عندما ينجحون في الوصول ,إلى احد الطرق .ويفشلون في قطعها على السابلة ,ينزعون شعر أنوفهم ويشدون لحاهم في انفعال .

في العموم مثل ميلاد البنجوس ميلادا جديدا للحياة ..

في الليلة التي ولد فيها ضجت الوديان بالغناء السحري العجيب ( البنجوس صندل الردوم + جاموس البراري + مشيش الوديان + البنجوس جمال الغزلان) حتى شجيرات الريحان البري , وأشجار القمبيل الشاهقة., أطلقت لضوعها العنان .

وظل البنجوس يئد كل لحظة شوق, تستبد به للصبية الحالمة كيرا , إلى أن كان من خبره معها ما كان .

كانت كيرا فتاة بيضاء بلون البدر, كل من رآها قال إنها عشة زوجة الجلابي ولدت من جديد . ظهرت كيرا ,في البلدة فجأة مثلما ظهر والدها الجلابي من قبل.. قبل سنوات طويلة . وقتها كان اومي ذكريا والد البنجوس, قد بلغ من العمر مبلغا انقطع فيه عنه ماء الخصوبة , رغم رغبته التي لا تزال عارمة في النساء . .

 أومي ذكريا لا شيء في هذه الحياة, ينقص عليه .,سوى شوقه الدائم للولد , ورغم محاولاته العديدة منذ سنوات الصبا الأولى., لم يرزق بهذا الولد أبدا !!, فظل متوحدا في حزن كثيف حتى انقطع عنه الأمل .

في وحدته الكثيفة تتردد في خاطره ذكرى حميمة, حين أحب عشة زوجة الجلابي تاجر أم دورور ..

كان الجلابي قد جاء البلدة ذات "درّت"  قائظ , وهو صبي وحكى عن أهله في "دار صباح" ما وراء النهر, ورحلته الطويلة إلى هذه البلدة ..

كان الجلابي يحكي حكاية رحلته, وأسبابها .كل مرة بتكنيك مختلف  .. ففي مرة يقول أن أهل بلده يتقاتلون على نساء بعضهم البعض  , وفي مرة أخرى قال انه تركهم, لأنه لم يعد يحتمل أنانيتهم وجشعهم , وفي مرة ثالثة حكى عن خلافاته مع أسرته, فاعتادوا عليه, وجعلوه  بينهم بمنزلة ابن البلدة ..

عمل الجلابي مع تجار أم دورور, وبرع في التجارة .واختفى ذات يوم وغاب لأشهر طويلة .وعندما عاد مرة أخرى, كانت برفقته عشة ريحانة الوديان .

وقتها كان اومي ذكريا قد تجاوز السبعين بقليل ,ومضى عليه وقت طويل قبل أن تقلق أنثى خياله, أو تقض مضجعه. ومنذ أن رأى عشة حتى هيمنت على أحلام قيلولاته, وعاوده اللهيب القديم ,بعد شرب البقو تحت شجرة اللألوب .

كان يتكيء على ساعده مستسلما لغفوة الظهيرة, فيصحو مبتلا.. فيضرب كفا بكف! مندهشا من عودة ماء الخصوبة بعد طول انقطاع .

أعادت رؤيته لعشة الحياة المنصرمة في شبابه مرة أخرى . إلى أن أحس بان الدم الذي يجري في عروقه غير دمه , ووقع خطواته على الأرض قد تغير , كأن ماردا نشطا ابن ستين كلبة  قد تلبسه بالعنفوان والفتوة. وبعث فيه قوة الشباب من جديد!! .

عاد أومي ذكريا بذاكرته إلى الخلف, عندما جاء هاربا إلى هذه البلدة .. كانت لحظتها الضربات البطيئة للطبول تنقل إعلان موت السلطان في أنحاء الفاشر , لتستقبل المستوطنات المحيطة الخبر , فتنقله للمستوطنات البعيدة . هكذا رحل أومي ذكريا مخذولا من الأصدقاء , الناس , المكان دون وداع ودون رفقة , سوى ذكرى حبيبته العذاب كيرا لنقي التي سيحكي عنها كثيرا بعد عشرات السنين لعشة زوجة الجلابي تاجر أم دورور,فتتأثر كثيرا وتطلق اسمها على ابنتها التي لم تنجبها بعد! .

اعتدل أومي وهو يركب حماره الأبيض,المكسو بالحرير وقد تدلت الأجراس من عنقه , فيرقص الحمار على وقع غناء سري, فلا يتمالك اومي نفسه, إلا وهو يمسك ربابته ويغني لعشوش ريحانة الوديان . التي بادلته من خلف ظهر الجلابي, عشقا بعشق ووجدا بوجد .. في حقول الذرة والدخن.. في جرف الوادي ,وبين أغصان شجر القنا الكثيف, وفي قطية الضيوف ببيتها , عندما يغيب التاجر في الحلالات والفرقان .

 وحين اكتشف الجلابي تاجر أم دورور أمر أومي, مما شاع من أشعاره الرمزية المعلنة , اخذ زوجته بليل وهرب بها متجها إلى "تقلي" فقتله النوبة واخذوا عشة . قبلها كان الفكي أبكر قد اجتمع باومي :

-ما الذي أصابك ذكريا . التاجر في حمانا والنساء دون عشة كثير ؟!!..

-تتيمت بها وحدها يا سيدنا , غرامها أعاد إلى صباي .

-إني آمرك بان تترك عشة كرو في حالها .

-ارغب في ذلك لكن لا أستطيع سيدنا !.

-سأزوجك من غرة عيني تاجا لنقي, وهي فتاة بكر اصبا من عشة كرو,لايحلم بها من كان في مثل سنك.

-آمرك مطاع سيدنا.

وولد البنجوس من تاجا لنقي, في تلك الليلة المقمرة , في اللحظة التي التقت فيها أشواق الأرض بحنان السماء ..

 كان صبيا بلون الطلح الملتهب , على وجهه ابتسامة صبوحة, أذهلت النساء العواجيز اللائي تحلقن حول أمه عندما دهمها الطلق., في مزرعة الطماطم , تحت شجرة القمبيل (وأصابت الميرم كلتوم بصمت غامض).

أفصحت العواجيز عن خوف عميق وهمسن في رعب "إنها علامة آخر الزمان" فرماهن البنجوس بنظرة بدت اسيانة في عمقها ,ثم تلفت حوله فرأى القابلة الميرم كلتوم تضعه في حجر أمه, التي كانت قد غابت عن الوعي منذ جاءها المخاض , فقال لها "برفق" فافلتته الميرم مذعورة وتراجعت في ارتياع (لأول مرة ينتاب الميرم مثل هذا الشعور !!).. أفاقت الميرم تاجا من غيبوبة مخاضها ,فابتسم في وجهها وتمتم ضاحكا بكلام غير مفهوم . فغابت عن الوعي مرة أخرى!! .

الآن في غربته البديعة ,لا تفتأ ذاكرته تغادر المكان حيث كان يجلس كل يوم ,يحدق في عربات أم دورور, والناس والدروب., التي تفضي إلى أدغال القمبيل,والوديان خارج البلدة . لتنتهي في الحلالات التي تحيطها .

 يحدق في كل شيء حوله ساهما, دون أن يحاول زفر الغبار الذي يتسلل إلى رئتيه , كما كان يفعل في الماضي .. الناس الذين كفوا عن تساؤلاتهم, واكتفوا بإلقاء التحية العابرة دون أن يتوقفوا ,أيضا كانت تحاياهم تضخم عزلته التي عاظمتها الأسئلة ., فيمسك ربابته ويبدأ في العزف على أوتارها ,مدائح النبي العدناني التي ألفها, وخلطها بالغزل في حسناوات الفرقان, وشكّل من هذا الخليط, بوحه لكيرا لنقي البسطونة صندل الوديان الو رتابة .

 لم يكن البنجوس قد ورث من أبيه ذكريا الربابة فقط , بل تلك القصائد الغزلية الشهيرة أيضا , التي تغنى بها ذكريا غراما فاجعا في عشة ريحانة الوديان, وغدر الزمان .

تسفر الذاكرة عن أطياف تتنقل بين محطات حياته المختلفة ,ربما تتوقف هنا أو هناك حيث بلدته المحاطة بالمروج  الخضراء, التي ينهض أومي ذكريا في قلبها واضعا ربابته ,على صدره , يغني مع الشجن والذكريات .. فتغني مع البنجوس الأبقار و الأغنام, وهي تجتر في قيلولاتها ما اختزنته من عشب الوديان الطازج وحشائشها الطرية .

عندما خرج الشيخ أومي ذكريا من قلب الضؤ., ليلة دخلته على الميرم تاجا , اخذ نفسا عميقا وزفر بهرا خاطفة كالبرق , فالتمعت عيناه . اخذ نفسا عميقا أخرا ,وشعر بالضوء يتسلل خلاياه ويسكنها ..

كان في هالة الضوء قد رأى طفله البنجوس الذي سيولد , ينسل خلسة من صلبه.. شعر بألم لذيذ يخلخل كيانه كله ,ويصيب تاجا برعشة لم يألفها من قبل . ربما تخيلها في وحدته الموحشة يوما قبل أن يرى عشة , ربما عاش ما يشبهها مع عشة . لكن هذه الرعشة التي استفرغت بعدها تاجا ,ليس كمثلها رعشة تشبهها في حياته المديدة المليئة بالنساء, وذكريات الكيرا .

قبل أن يدخل على تاجا كان مترددا , يخشى إلا يستجيب إليها ,بعد أن عرف في عشة ما عرف . وحين مضى الأمر ,شعر بغبطة لا تعادلها غبطة , دفعته لان يقول لتاجا في همس محموم ,وهو يمسح من فمها اثر الاستفراغ "ستنجبين البنجوس يا أخت دمي !!" ..

كان ذكريا منذ أعادت له عشة صباه , أدرك أن أيام وحدته قد ولت إلى الأبد ..

ولد البنجوس إذن بلون الطلح المبرّح بالنار والذكريات الحميمة ,والعشق المختلس وطيف الحبيب البعيد ..

 كان عندما يفيق من النوم كل صباح, يبدو انه كبر شهرا في نومه . كان البنجوس يكبر بسرعة فارتاد خلوة جده الفكي أبكر لوحده, وجلس بين (المهاجرية)(3) كواحد منهم .

 في البدء لم يكن الفكي أبكر يسمح له بحمل الربابة, التي أهداها له والده أثناء الدرس , ثم غض الفكي الطرف محبة في حفيده المبارك, بعد أن فشلت محاولاته وحيله المختلفة, في إقناعه بترك ربابته في البيت ..

عقل البنجوس الحاد اخذ يلتهم القرآن والسيرة ,والأحاديث وعلوم الدين المختلفة , التهاما روع الفكي أبكر, الذي بعد تفكير عميق وتدبر أنابه عنه, في تعليم "المهاجرية" في غيابه , وكان البنجوس ما أن ينهي درسه,حتى يمضي إلى طرف البلدة,عند دغل القمبيل .ويمسك بربابته ويعزف قصائده الهجين, التي بين منزلتين في المحبة للنبي العربي, وكيرا "البسطونة" , فتصمت العصافير ويسكن حفيف الأشجار, ويتوقف تيار الزمن في "مشيش" الماء في الوادي . ثم يتمايل كل شيء في حركة ناعمة, لدى سماع الموجودات إنشاد البنجوس, ونغمات ربابته .التي تحاكي مزامير داود.. تخرج من بين المشيش وأغصان الشجر, أطياف نساء حسان في غلائل شفافة, يرقصن في طرب . تخرج كيرا البسطونة من بينهن , تتقدم منه وتضع راحتيها على صدره . يترك الربابة ويضحك, وهو يتحسس أصابعها الطفلة . تجلس قربه فيحكي لها أسرار الشجر, والأبقار والوادي وطفولة الماء المشيش . ثم لا يلبث., أن يأتي احد الأقران مع محبو بته, فيجلسان جوارهما وينصتان باهتمام لحكايات "الربابة" ,التي دنفها العشق.

ذات صبيحة نديانة جمع البنجوس المهاجرية, واخبرهم انه رأى سليمان الحكيم  في نوم بين بين يبارك إنشاد ربابته . سأله احد المهاجرية :

-وماذا قال لك,بعد ذلك ؟.

تلفت البنجوس حوله ,وهو يحك رأسه كالذي يتذكر:

-حكى عن تطاول الحفاة العراة .

-علامة الساعة .

-اكتفى براكبي الإبل والجياد .

هز المهاجرية رؤوسهم . أشار لهم البنجوس فتفرقوا . ومنذها اخذ ينشد تلك القصائد الهجين , التي اختلط فيها مدح النبي العربي بغزله في كيرا البسطونة, ومضى شعر المحبة بالبنجوس, إلى سباسب النساء ووهادهن. فلم يترك نتوءا, أو منعطفا إلا وقال فيه ما أصبح مضربا للمثل ,في باب العشق والعشاق, فملأت أشعاره الحلالات والفرقان, وتعدتها إلى القرى والبلدات البعيدة, حتى تخوم دار صباح ,وما وراء النهر . واتكأت عند البحر الكبير حيث تطلع الشمس. وحيث يعيش أهل الجلابي التاجر., الذي قتله النوبة  في تقلي كما أفادت إحدى الروايات .

وكان إذا استبدت به النشوة والجذب ,يجمع الصبايا وكل عروس للرقص في فناء داره , ممسكا بربابته عازفا عليها "كل ضربة لها نغمة ,يفيق بها المجنون وتذهل منها العقول ,وتطرب لها الحيوانات والجمادات" كان البنجوس محروما من شهوات الدنيا, كقديس يتيم , حاصره الوجد الإلهي . وكانت ربابته إذا تركت على مبعدة منه , تحس باقتراب البنجوس منها, فترسل أنغامها دون أن يضرب عليها احد!! .

عشق البنجوس لكيرا ليس كمثله عشق , إذ تدهم وحدته فيفيق منها . يمد أصابعه يتحسس عريها . تفيق من حلمها : كانت قد رأت نفسها تخرج منه شيئا فشيئا ,وصورته وصورتها تتكرران: تارة أطفال وتارة أخرى في شرخ الصبا .. وكان قد اقترب منها , فأخذت تسحبه إلى قلب حكايتهما ,التي بدأت ذات يوم تجلى فيه البدر عن صفاءه , وتبدى الفراغ عن ظمأ متوحد في النار والماء , فجعل يمضي في البراري والغفار, مهتديا بصوى الساري , يذر خلفه الرمل حينا وحينا يخب , كبعير فحل ..

-يا أخت دمي . تأملت النجوم ليلا وحادثتها ..

-حادثت النجوم ؟!..

-كانت عزائي في الطريق إليك ..حدثتني عن ..

قاطعته :

-عن ماذا ؟

-سيطول الأنس بيننا ما طال الزمان . هكذا اخبرني صفي الروح سليمان ..

-إذن ؟..

-" لا ادري ما كنت في المبتدأ ,لكنني كنت أدرك إنني بحاجة لآخر . كنت غريبة , فمن الغربة جئت (أنت هي الغربة التي اشعر بها ؟) "..كنت غريبة حولي الأشجار التي تتخللها الغدران, التي تكاثف حولها الريحان والنرجس (فقط النرجس . أوليس النرجس وحيدا وغريبا ؟ومتوحدا مثلي؟) ..تعاقبت علي الفصول في تقلي ببردها وريحها وعواصفها وأمطارها الغزيرة والشحيحة , وفي كل فصل كنت ارفع عقيرتي بالغناء , علك تسمعني فاخرج منك إليك ولكني بقيت "آه يا شقيق دمي" ..

-تعذبت كثيرا ..

-بل انتظرتك طويلا , فمنذ ماتت أمي عشة , وأنا احلم بك , وأتحين الفرص للهرب .

-أنهكك الانتظار ..

-لا أزال اشعر بالرهق من رحلتي . لا تحمل حياتي سوى علامات اليتم والأب القتيل , والأم التي أضناها الترمل والتعب .. رحلت . تهت في فيافي موحشة , برقها خلب , غدرانها سراب , لكني وصلت . كان نداءك دليلي في الطريق , ظلي في النهارات الغائظة , أنيسي في الليالي المظلمة -يكفي انك وصلت .

-تنكرت أمي في حياتها لاشتياقي لك , لم تألف عشة مثل هذا الحب , ما أن قادها نهير إلى سراب ,حتى شيدت حصنا من ترملها وذكريات حبها المجهض .

-كنت أدرك أن تحذير جدي الفكي أبكر وحصنه سينهار يوما . كنت أدرك أنني سأتخلص من عظمي . دمي . لأحصل على من يعذبني ويشقيني .

-لماذا تقول ذلك ؟ .

-ستصبح الدنيا أم كواكية , لو اكتمل حبنا , ففي المنتهى تذوي الأشجار ارتواء , ولا يفل الحديد سوى الحديد..

ساد بينهما صمت عميق, بدا خلاله حفيف أوراق الشجر, كخربشة قطة متوحشة تسلخ لحاء الأشجار , وبدا فيه خرير الجدول كنعيق مدوي لطائر البوم ..

استلقى البنجوس على بساط العشب., الحائل اللون واتكأت كيرا على ضلعه الأيسر , تنهدت في عذوبة وهي تحلم به "آه يا شقيق دمي " غردت طيور الدغل لحظتها في صوت موحد "هم بها" آه يا شقيقة دمي ..أدرك البنجوس فداحة جرحه , كان طيفها يخرج من جسده ويتلاشى في فضاء المكان ..

قبل أن يولد البنجوس كانت الدنيا أم كواكية : قطاع الطرق الجنجويد يقتلون الناس وينهبون ممتلكاتهم . يحرقون الزروع ويخربون الديار . أصبح كل ذلك بميلاد البنجوس كأنه لم يكن يوما . عم السلام الناس وشملتهم سكينة, لا يعرفون لها سببا واضحا . لكن ظل قطاع الطرق يتحينون الفرص , إلى أن استجمعوا شجاعتهم ذات ليل أليل , لكنهم سرعان ما ارتدوا على أعقابهم , دون أن يدركوا كيف حدث ذلك . منذها اخذوا يكررون محاولاتهم الفاشلة دون جدوى .

عندما يتبدى البدر منيرا صافيا . يتجمع أهالي البلدة , يتحلقون في دائرة داخلها الفتيات والفتيان ,. يرقصون على إيقاع النقارة , ويغنون لشجر القنا والأبقار وللقمبيل وطيور الجنة الملونة .,والوادي وصندل الردوم . تتخلل أغنياتهم ذاكرة البنجوس , تثوي فيها منطوية على كيرا البسطونة ,والوادي الرملي والمروج الخضراء, وأدغال القنا وصندل الردوم , تنطوي على ربابته وأنغام الطفولة اليانعة .

في تلك الليلة بعد أن حمل الفتيان نقارا تهم وتفرقت جموع الأهالي , ومضى الجميع إلى مخادعهم . في تلك الليلة وعلى مشارف الفجر, هجم قطاع الطرق الجنجويد , احرقوا البلدة ونهبوا الأبقار , ولم يتركوا شيئا . كانوا قد داهموا البلدة على حين غرة , وما أن أفاق الأهالي من هول المفاجأة , حتى اخذوا يتساءلون عن هذا الحدث., الذي بدا غامضا وغير مفهوما , فلأول مرة منذ وقت طويل يحدث مثل الذي حدث .

في مساء اليوم التالي جاءت كيرا لنقي والبنجوس, وكانت الدماء تغطي جسمها النحيل . وكان البنجوس مبتلا بالدموع , ومصابا بهاء السكت .وبعد أيام تمكنا من الكلام فحكيا حكاية لم يصدقها احد : حكى البنجوس عن انتهاك الجنجويد لكيرا وتعاقبهم عليها , دون أن يأبهوا لدموعها وآلامها , وحكت كيرا عن كيف ضربوا البنجوس  بأغصان الشجر., ورفع البنجوس عراقي الدمورية ليريهم آثار الضرب على ظهره , ورأت النساء تمزق ظهر كيرا وأحشائها , ولاذت الميرم كلتوم بصمت غامض , لم يستطع احد انتزاعها منه!!..

 بعد يومين اختفت كيرا بصورة غامضة وأصيب البنجوس بالصمت المقيم . فلم ينجح احد في دفعه للكلام .

قال أومي ذكريا للفكي أبكر :

-هل صدقت هذه الحكايات التي حكياها ؟.

-ليس تماما .

-ماذا تعني ؟.

-لو لم يكسر البنجوس كيرا لما تمكن الجنجويد من كسرها . لقد ارتكب الخطيئة فحلت اللعنة .

وضع أومي ذكريا يديه على رأسه ومات واقفا .

مداهمة الجنجويد وقطاع الطرق للبلدة, تكررت في حلالات وقرى أخرى . منذها قرر البنجوس أن يأخذ أمه ويهرب  إلى ما وراء النهر . وهكذا اختفى البنجوس والميرم تاجا ,في احد الصباحات الباردة, دون أن يخلفا وراءهما اثر .وبعد أن فشل الأهالي في العثور على البنجوس ,جمعهم الفكي أبكر في زريبة داره. وبعد أن تجمع كل طلابه المهاجرية , حول قداح العصيدة الكبيرة واكل الجميع ,وشربوا البقو خطب فيهم الفكي أبكر :

... حدثهم عن البلدة ملتقى تجارة العاج وريش النعام .. حدثهم عن هرب خصي السلطان الأول ,ورحلة بحثه عن النور., وانقسام الناس إلى فئات عديدة متصارعة, بسبب السعي للسيطرة على الموارد والمكان . وحكى لهم عن هرب التاجر الجلابي ,بزوجته التي حبلت من أومي ذكريا خفية دون علمه. وكيف أن التاجر الجلابي ذاته, كان يكرر رحلة الهروب التي لم ينج منها في المرة الثانية ,فقتل عند مشارف تقلي . وكيف أن هربه من دياره, في دار صباح كان بسبب تقاتل الناس هناك على كلام الدنيا..

بعد وقت طويل تسللت إلى ذاكرة البنجوس ,أحاديث الفكي أبكر وهو يموت في هجوم القوات الحكومية على البلدة برفقة الجنجويد.

-لكن لماذا قتلوا الفكي أبكر ؟.

-...   ....   .... .... .... ....

كان البنجوس يستعيد حكايا الفكي أبكر ,عن الغريب الأبيض الذي جاء إلى البلدة ,في ظهيرة حارقة , كان كأنه يستعيد حياته الهاربة,بين نغمات الربابة  الشجية , التي افتقدها منذ غادر البلدة الصحراوية خلسة ...

(2)

في الليلة التي هرب فيها البنجوس من البلدة , قصد طريق الملح , ثم هبط في درب الأربعين ,إلى أن وصل بعد أيام وليال., إلى البلدة النهرية .. وصل منهكا . وكان بين آن وأخر يتسقط الأخبار عن بلدته الصحراوية البعيدة , وبعد مرور عشرات السنين , بعد أن تقاعد من عمله في الجيش, عرف من الأخبار أنها تعرضت للهجوم , وحملت إليه الأنباء بروز مجموعة مسلحة من المزارعين , ولم تمض بعدها سوى أيام حتى تواترت أخبار جديدة, عن أن المجموعة المسلحة .,قامت بمهاجمة المطار شمال البلدة الصحراوية , وأكدت الشائعات التي انتشرت ,مقتل 70 من القوات الحكومية . وكانت المجموعة المسلحة التي أعلنت عن نفسها ,قد وزعت منشورات أكدت فيها أن هجومها على المطار ,جاء كتعبير عن احتجاجها على فشل الحكومة, في إيقاف الجنجويد عند حدهم ,بل وتواطؤ قواتها مع الجنجويد .,في حرق القرى والفرقان ..

بعدها بأيام قليلة اخذ أهالي القرى في أسواق "أم دو ور" الأسبوعية يتحدثون عن "التهميش" والحرب على دار صباح .

ومنذها أخذت تلك الرؤى والأحلام القديمة تعاود البنجوس : كان البنجوس السبعيني,يرى نفسه فيما يرى النائم., يعود شابا من جديد , في شرخ الصبا .. يشرب البقو ويرقص عاريا , بفتوة عشرات السنوات ,حتى يغيب في إيقاع الطبول, وأنغام ربابته المنسية, ويجد نفسه متكئا على صدر الكيرا المتحفز .. تدلك جسده العاري , المتمدد كاب كردوس  وتجذبه , فينهض أمام الجبل السامق في العرى ,كأنه يحتوي الكون كله ,فيدلفان إلى قلب الجبل , حيث ينتظره المزارعين الثوار,مصطفين في صفوف دقيقة ,يحيونه ويهتفون بالجلالات العسكرية :

سمره يا سمراء يا سمارة ,

الطالب الحربي ..ياسمارة..

امو تبكي عليه ..يا سماره..

تاني وين تلقيه ..يا سماره...

كانت هجمات الجنجويد على القرى في تزايد مستمر , بينما المجموعة المسلحة تحاول إلحاق أقصى ضرر بالقوات الحكومية , التي بدأت بمرور الوقت تشعر بالاستنزاف . فآخذت تتحدث عن هدنة وسلام واستفتاء .لكن تزامن مع ما تطلقه القوات الحكومية من شائعات ,هجومات مكثفة على مزيد من القرى والفرقان, بحثا عن المتعاطفين مع المجموعة المسلحة ,التي ظهرت في الشمال وتجاوزت رهد الخيل .إلى جبل الكبش المقدس .

وعندما اشتدت المعارك بينهما ,حاول وسطاء الجوار, في طرابلس والقاهرة وانجمينا, التدخل لدفع الأطراف المتصارعة للجلوس إلى التفاوض . وفشلت كل المحاولات .حتى أن مفاوضات ابوجا التي راهن عليها الجميع (بما في ذلك الإقليم والعالم )باءت بالفشل لأكثر من مرة .

وظلت الهجمات تزداد شراسة بمرور الوقت , وأعداد الضحايا تتضاعف . كانت الهجمات على القرى والبلدات, تتم بواسطة عناصر الجنجويد المدعومة بقوات حكومية , تحاصر القرى عادة في المساء, أو أثناء النهار لمباغتة المزارعين العزل, دون أن يكون لديهم الوقت الكافي للفرار أو الدفاع عن أنفسهم . وتبدو الهجمات منسقة ومخططة بدقة, مسبقة وتحصل عادة في أيام أسواق أم دور ور الأسبوعية ,أو أثناء الصلاة حيث يتجمع الناس .

حكى احد الذين تمكنوا من الهرب إلى البلدة النهرية ,بعد أن تم الهجوم على قريته الصحراوية البعيدة "حاصر الجيش السوق , بينما دخل الجنجويد إلى المحلات لنهبها . قتلوا الكثيرين بالرصاص وطعنا بالحراب . كنت مع والدي عندما تم حصار السوق من كل الاتجاهات , لقد هربت لأحتمي ولكن أصبت في يدي . لقد قتلوا أفراد أسرتي ورايتهم يغتصبون شقيقتي .. سبعة تعاقبوا عليها واحدا تلو الأخر, وهي تتمزق وتتألم تحتهم . قتلوا البعض رميا بالرصاص, ودمروا المنازل وسرقوا الماشية " كان الصبي الذي عثرت عليه منظمة أطباء بلا حدود,ووفد من منظمة مراقبة حقوق الإنسان, تائها. متعبا وهزيلا .,يكاد يموت من الإعياء. فأنقذته وسلمته لموظف من منظمة مداعير, الذي بدوره ساعده على الهرب إلى البلدة النهرية كمهجر داخليا ..كان يحكي  للبنجوس دامع العينين مختنقا بالعبرات ,وقد تكاثفت على جراحات الدنيا وآلامها في وجهه.

مداخلات :

بعد عشرات السنوات من هرب البنجوس من بلدته الصحراوية , وانضمامه إلى الجيش , واستقراره في البلدة النهرية , أصبح من الصعب تتبع سيرته الذاتية , ولم يعد ممكنا الجزم بأن ما صار اسمه عبده الخال هو البنجوس ذاته , خاصة أن البنجوس كان قد تبنى , ابنا وحيدا كشجرة حراز في قوز نائي , أطلق عليه اسم عبد الله ,اشتهر وسط أقرانه بعبده الخال بسبب الأبوة التي كان يسبغها عليهم, وإخلاصه في حمايتهم , وبسبب إدمان عبده الخال لحكايا والده البنجوس, أصبح من الصعب التفريق بينهما ومعرفة من فيهما هو البنجوس بالضبط ! . لكن ما كان مؤكدا ويتفق عليه الجميع , أن البنجوس وجد في الجيش .,ما يشبع رغباته التائهة .

(1)

مسارب الايدولوجيا تتمدد , لتلقي بظلالها , على الجبل الناهض في الدم , شاهقا كشلالاته , مدويا كتاريخه المرعب , لحظة سقط آلاف القتلى لنقله من هذا المكان ,إلى حيث النهران يلتقيان , حيث تثوي بقايا "مروي" , لتتبدى بين آن وآخر الدلالات المعقدة لروح الجبل, في فضاءات الخرطوم .

لكنك الآن يا عبده, تقرر الرحيل , كأحد الجرحى الذين سقطوا في معركة نقل الجبل , الذي انتقلت ظلاله لتشكل نسيجا جديدا في هذه الجغرافيا . نسيجا بامكان ثورته أن توقف دورة الحياة :إذ تنطفيء القناديل في العشوائي, ومساكن القش والصفيح والطين اللبن .. تغلق الدكاكين أبوابها في سوق كرور امبدة , وسوق ستة الحاج يوسف , فتتلاشى الحياة رويدا رويدا مثلما بدأت ..

هذا النسيج الأسود الممتد على خاصرة النهر , ابن الوادي , صديق الجبل , غريم الصحراء : التيه , المنفى ..

هذا النسيج الأخضر ,لا يزال مهددا بالحنين واللوعة , يحاول ارواء ظمأه بالبقاء ., الصفح والاطمئنان .. لكن القلق الذي حقنت به شرايين الجغرافيا وأوردة التاريخ , وأحلام البدو الرحل المغامرين , يأبى إلا أن يحاصر الحنين , ليشيد فيه وطنا للمنفيين والتائهين . فلا يكون سوى إزكاء اللوعة ودفع الأخضر للغياب , في نزيف الجبل .

الآن ترحل مثلما رحل أومي ذكريا في تلك الليلة مطاردا من السلطان ,دون أن ينصفه أحد ودون أن يسمع خبر موت السلطان إذ حاصر الرقيق( الخصي الأول )المقرب من السلطان الخبر دون الذيوع, فبقى سرا كامنا في جُدُر الفاشر وأزقتها وحواريها , حتى لا ينشب صراعا على العرش , وحتى لا يتأثر الجند الذين يحاربون في طريق الملح .

مات السلطان. فتركت النار المقدسة داخل القصر. لتنطفيء وحدها .وحمل جثمانه المقدس إلى "طُرَة" ليدفن مع أسلافه المقدسين .

ترحل الآن مثل أومي مخذولا دون رفقة سوى ليمياء, حبيبتك الفريدة .ترحلان مع إيقاع الضربات الحزينة للطبول كما رحل أومي ذكريا .. كما رحل البنجوس ,ذات مساء بعيد وحزين .

ترحل دون أن تسمع الموجية يعلنون اسم السلطان الجديد , ترحل دون أن تشهد طقوس التنصيب .,والسلطان الجديد يخرج من عزلته البديعة ,في الأكواخ , داخل ابعد أفناء القصر , يخرج من اعتكافه الذي دام لأسبوع , يستقبل الكيرا تحت قيادة ملكتهن ليؤدي الشعائر , فيشهرن حرابهن .,ويحملن سعف النخيل., وجرة السائل المقدس .. يرششن السلطان بين آونة وأخرى وينشدن :

أومي .. أومي ..

دام .. دام ..داما ريفا دوي ..

دوي .. دوي .. دوي ..

لمن ينظر الموت ؟ .. لمن ؟؟..

انه السلطان .. خالد في الأسلاف ...

داما ريفا .. داما ريفا دوي ..

تبارك الملك المقدس .. سليل الجبل ..

داما ريفا .. دام .. دام ...

ويأخذن السلطان في موكب مهيب  إلى بيت النحاس مع الحرس السلطاني بالقرب من بوابة الذكور , ليلقين عليه وصايا الأسلاف وتعاليمهم المقدسة , ثم يخرجن به , ليتحلقن حول "المنصورة" الطبل المقدس الأكبر .. يرددن أهازيج التنصيب , ويضربن بحرابهن على الأرض الصخرية , ثم يصحبن السلطان لوضعه على الككر , ليضع هذا الزعيم التاج على رأسه , ويضع زعيم آخر العمامة , ثم يؤدي الجميع يمين الولاء , وبإشعال النار المقدسة يتوج السلطان ..

 الذي غادرت أنت دون أن تشهد تتويجه, تخرج الآن في ليلة مكفهرة مثل خروج جدك أومي ذكريا قبل عشرات السنوات , من قلب الوادي .. بعيدا عن الجبل المقدس .. أنت يا عبده الخال من سلالة المنفيين . الذين خربت عجوبة بلادهم . فساورا لم تهلكها الجيوش الغازية , بل أهلكتها حيزبون , أشعلت بابنتها الحورية الساحرة النيران في القصر والمدينة , ليتنامى أوار الحرب , ويندثر كل شيء , كأنه لم يكن يوما ..

قبل أن يرحل او مي., كان قد انسل خلسة .,من منطقة الذكور الشمالية في الفاشر.محاولا الوصول إلى منطقة الإناث الجنوبية , باحثا عن حبيبته العذاب السمراء الفارعة "كيرا" ليقبلها قبلة الوداع ..

مر بالدواوين . أماكن الاستقبال , والطريق المؤدي إلى أماكن النساء الملكيات والمحظيات وبعض الخصيان , باحثا عن كيرا الجميلة دون جدوى . غامر بدخول القسم الذي يضم الموظفين والخدم والرقيق ., لكن لم يكن ثمة أحد .

كان الصمت مخيما على كل شيء , بشكل يدعو للخوف والرهبة , فخرج مباشرة عبر بوابة الرجال ,مارا بالحظائر الكبيرة التي تضم الجياد الملكية, والسائسين والرسل الملكيين والمنادين . كانت أكواخ الكوركوا "الحرس السلطاني" خالية ولا يوجد احد سوى اللوبينقا "العاجزين جنسيا" , الذين خيم عليهم حزن مقيم .

تراجع أومي عن الاستمرار في مغامرته المحفوفة بالمخاطر, ومضى وهو يرمق الطريق المؤدي إلى أماكن النساء الملكيات, بنظرة أخيرة حزينة , عميقة الأسى واللوعة .

هكذا رحل اومي عن الوادي ,مثلك تماما وأنت ترمق الخرطوم الآن مودعا إلى قاهرة المعز , دون الم دون حنين ,دون وطن تحمله معك!!..

هذا المرتفع الذي يرى من مسافات بعيدة , يطل مباشرة على المدينة المقدسة, بمحاذاة جبل نامي . أطلال المعابد المتفرقة في قمة الجبل, والقصور المنحوتة في أعماقه ,وتلك الكهوف التي نقشت عليها قصة شعب الوادي., بالرموز والإشارات والرسوم , التي تتبدى عن خصي الكبش والخيل والأشجار .

من مدن الوادي القديمة , شبه الخالية زحف شعب الوادي بكهنته ,إلى أعماق جبل نومي , يدفعه حزن شفيف على دالي ,الذي رحل مبكرا دون إنذار . في ذلك اليوم الذي رحل فيه دالي, ليلحق بالأسلاف في النوبة العليا, انتحر ألف فارس , وقتل الأهالي بعضهم البعض ,والذين تبقوا., أزاحوا أكمات الحجارة المثلثة, ليدفنون الشهداء داخلها . وضعوا الشهداء في الأضرحة المحفورة في الصخر , على الأسرة الجنائزية , وأعيدت الحجارة المثلثة إلى مكانها , لتعود الاكمات مرة أخرى .,كما كانت , ليصبح الشهداء جزء من جبل نومي , كأسلاف دالي العظيم , من رعية البلاط

فتح دالي البلاد للمنفيين والفارين والمضطهدين في أوطانهم , الهاربين من النوبة السفلى , والقادمين من خلف طريق الملح , وتخوم الصحراء الليبية . كان دالي يكرر طوبى للغرباء !.. ويقدم لهم العون والحماية . فصار به الوادي أرضا للأحلام الكبيرة, والتطلعات العظيمة . يفد إليها المهاجرون البؤساء من كل مكان : خلف تخوم الصحراء , عبر النيل , فيفرغون أحزانهم ويواسيهم دالي ويهديء بالهم ,ويمنحهم فرصة ثانية. ليبدأون حياتهم من جديد .

... أنهد صوت البنجوس ,وران الصمت على الغرفة الغارقة في الذكريات, المشدوهة في الصمت والصدى . انسحبت "راوية" من تجاعيد ذاكرته وتغضناتها المدهشة , تنضو تلافيفها , تختلس أفكاره وتسترق أحاسيسه ,ومشاعره الخبيئة الدافئة, رغم مرور السنوات الطوال منذ آخر مرة رآها .

(2)

كانت الغيوم تتلبد والبرق العبادي يشيل في الأفق , عندما رأى البنجوس نفسه ممتطيا جوادا كميتا .. توغل في صهيل الكميت , وتوغله الصهيل ,والكميت يشق بجسده الأملس لجة البحيرة الوردية , ويغيب في أعماقها . يحاصره صوت عميق كالدوامة :

"ساو .. صولمنج .. صولمنج .."..

يشعر بالغرق في الماء والصوت , فيصحو مذعورا ..

وجد نفسه مبللا . عصر ثيابه وتذوق البلل , لم يكن عرقا كما توهم , كان ماء حقيقيا ! ماء له طعم "المريسة"..

أحس لحظتها, أن رحلته الحقيقية ستبدأ عند البحيرة , وظل بانتظار تلك اللحظة لسنوات طوال ..

تنهد البنجوس تحت شجرة "الجهنمية" العجوز, وهو يسترد ذاكرته المهوِّمة في غياهب ماض بعيد , واخذ يختلس النظر والسمع لعادل وسلمى أصدقاء عبده ابن حليمة زوجته , كانا قد انتحيا تحت شجرة النِّيم الهرِّمة  ..

مكانهما المعهود منذ أصبحا يلتقيان عند عبده الخال .. شجرة النيم اليتيمة الهرِّمة شهدت بواكير نظراتهما ,وابتساماتهما المتبادلة ولقاءاتهما الحميمة .. على مسافة من البنجوس السبعيني العجوز ,الذي يجلس كالمعتاد تحت شجرة الجهنمية , التي أطلق عليها عبده الخال نكاية فيه اسم :"شجرة المحنة" .. يسترقان السمع باهتمام لمشاغلاته للمارة ,من سكان الحي , مقحما انفه فيما لا يعنيه, لتصبح مسائلهم هي انفه ذاته ! فعندما يسمع البنجوس صوت سيارة جاره عبود ., في الصباح الباكر , يخرج إليه :

- صباحاتك بيض , ما تسوق العربية كان ما جاهزة .

وعندما يكون في طريقه إلى المولد النبوي, يوقف تلك الفتاة وهذا الرجل., وهذه الأم .,التي تمضي مع أطفالها :

-عاوزة تشتري قدر شنو يا بتي ؟.

ويمد يده بعد حوار حميم بمبلغ من المال لأحد أطفالها , الذي يقف ممزقا بين نظرات أمه ويد البنجوس الممدودة . وفي الحي يسائل الموظفين., لحظة خروجهم من العمل وعودتهم :

-والله زمان !فوضى ! شغالين على كيفكم ..

قالت ليمياء لزوجها عبده الخال وحليمة أمه :

-شوفوا لينا حل مع أبوكم دة فضحنا في الحي .

كان عبده الخال الذي نشأ لديه الاعتقاد, أن أبيه الذي تبناه (البنجوس ), أوتي حكمة ما .. وان الأمر ليس مزعجا كما تتصور ليمياء ..

.. كان  البنجوس يعني بالأطفال, أولاد الجيران , المشردين . يشتري لهم الايسكريم والبسكويت . ما جعله محبوبا لكل الناس..

البنجوس لا يزال يختلس النظرات والسمع إلى سلمى وعادل, اللذان لا يزالان واقفين تحت شجرة النيم كلما احتدا في النقاش .

تقاعد البنجوس , بعد سنوات خدمة عسكرية طويلة ,جاب خلالها كل أنحاء البلاد : شرقا وغربا , شمالا وجنوبا , رأى الدنيا ودخلها بطولها وعرضها .. عاشها ولم يجد نفسه متفرجا على الحياة يوما . ليس ثمة أمنيات لم يحققها , او مغامرات لم يخضها , مشروعه كانسان لم يبق منه شيء لم ينجزه , ومع ذلك ثمة قلق خفي غامض, لا يفتأ ينتابه الآن في تقاعده المهيب!.

يشعر بالصفح والسلام وربما تقلقه تلك الذكرى البعيدة , بحنينها العميق لكيرا لنقي ,وهي تنهي تدليكها لجسمه الفارع مرة أخرى, بعد كر وفر .,و بعد أن اغتسلا في البحيرة الصغيرة , التي تشبه رهد الخيل , والتي توسطت الردهة الواسعة , قالت :

-سأنتظرك وان طال الحنين ..

فرد بصوت متصالح لكن متهدج :

-سآتي وان طال الحنين ..

وامتطيا الفرس الأبيض . شق بهما عباب البحيرة ليفترقا ,على مشارف معسكر الجيش . منذها لم يستطع أن يقرب أنثى قط , حتى زوجته حليمة أم عبده ,أصبح يشعر تجاهها بالذنب . كانت دارفونقرو قد انتسجت في شرايينه ,فلم يجد سوى الشعور بالحزن , كلما تذكر عذابات حليمة , فيبكي حرمانه لها حقها, في الحنين والدفء والارتعاش . الآن في تقاعده المهيب , يشعر بالحميمية والتصالح , والحنين العاصف لكيرا لنقي . يشعر بها قريبة منه أكثر من أي وقت مضى . ثمة شعور خفي بان موعد لقاءاهما قد حان , بعد سنوات طويلة من الحنين والوجد الممضين , منذ ذلك اللقاء الأول والأخير .

أطال النظر إلى شجرة الجهنمية العجوز كأنه يودعها . كأنه يراها للمرة الأخيرة , ودخل إلى غرفة عبده الخال الذي كان يجتمع باصدقاءه .

(3)

ما أن وطأت قدما البنجوس ارض المعسكر ,حتى عاوده انتماءه القديم لهذا المكان : الجغرافيا , الناس , الوديان , الجبال , الغابات والقيزان . كانت أحاديث الأهالي هي ذاتها كأنها لا تتغير رغم مضي السنوات , لا يزال الرهد شغل بالهم  الشاغل , نسجوا حوله كثير من الحكايات  قالوا : مسكون بالجن وكائناتهم العجيبة . يمتليء في العصا ري بالخيول البيضاء الفريدة . ويؤكدون أن أحدا لم ينجح في الإمساك بأحد هذه الخيول , كما لم ينجح احد من الذين أطلقوا إناث الخيول, حول الرهد في أن تهجنها تلك الخيول البيضاء الفريدة .. قالوا أنه معقل ثوار الظل الكامنين ,الذين ينتظرون علامة دالي ,لينهضوا بشئون الثورة , ويشكلون مملكة الكيرا من جديد .. جددت هذه الحكايات ,الرؤى القديمة للبنجوس وأشعلت رغباته الدفينة .

في احد المساءات المميزة بنكهة القمبيل , المتضوعة من أشجار الوادي المفعم بالريحان البّري , تسحب .. تسحب من المعسكر واقترب من البلدة الوادعة, أسفل الجبل الذي نهضت مملكة هذا الشعب من ظلماته,إذ حجب بداياتها ولم يعلن عن مولدها, إلا والشعب يتمدد في الوديان والسهول  , البلدة , التي كانت بلدته ذات يوم !.

يجمع المؤرخون أن تونق دالي (قصر دالي بجبل فوقا في إقليم طرة شمال جبل مرة) بمبانيه الدائرية الثلاث , التي تضم عدة صفوف من الغرف الدائرية, المبنية من الحجر يقف شاهدا ,على الميلاد السري المنظم لمملكة ذلك الشعب .

دخل البنجوس احد القطا طي المزروبة بالقنا والشوك , وتبع الميرم كلتوم دليلته, متجهين إلى رهد الخيل , وعندما اقتربا انسحبت الميرم  راجعة, وهي تشير باتجاه الرهد دون أن تنبث ببنت شفة !.

اقترب البنجوس ببطء , حتى لم يعد يفصله عن الرهد سوى أمتار قليلة , ووقف كالمتصلب . لم يشعر بالشمس وهي تتحول من صفحة السماء ,مائلة إلى الأفق الغربي , ولونها يستحيل شيئا فشيئا إلى البرتقالي . تضاءلت , تضاءلت ولم يتبق سوى ضوءها المختنق, عندما انبجس فجأة عن الرهد وأطرافه عالما بكامله :

الناس والسوق والقطا طي والحيوانات والأشياء . عالما لا يدري كيف هو توزيعه بهذه الزوايا ,التي يتبدى الرهد والعالم كله واضحا خلالها , دون أن يخفي شيئا . ثمة فسحة صغيرة انتصبت فوقها النقاقير, وتحلق حولها الرجال والنساء . اكتشف احدهم بالقرب منه . لم يخامره شعور محدد , هزه الرجل وهو يقدم له قرعة :

-تفضل . تفضل أنت ضيفنا .

وبشكل آلي مد البنجوس يده يأخذ القرعة .شرب البقو اللذيذ اللاسع . انتبه لصوت النقارة ينتزعه . التفت حوله فتاتان عاريتا الجسد., إلا من كنفوسين ملونين , وجذبتاه إلى مركز الحلقة . اخذ يتمايل مع إيقاع النقارة وينقز . كان قد غاب في إيقاع الطبول , التي تخللها الصوت المألوف لربابته القديمة . وحين توقف الرقص, وجد نفسه متكئا على بروز , تلمسه اكتشف فيه صدر احد الفتاتين اللتين جذبتاه إلى الحلقة , وكل شيء قد اختفى سوى فرس ابيض على حافة الرهد , نظر إليها بتساؤل, وهو يسترد نفسه شيئا فشيئا . جذبت الفتاة كفه وأخذت تقرا فيه , ثم ختمت همهماتها :

-أنا كيرا لنقي . لا , لا . لا تقل شيئا فأنت متعب .

ثم صفرت للفرس الأبيض بنغم مميز., فأسرع تجاهها . أراد البنجوس أن يقود الفرس , فقالت دون أن تنظر إليه :

-منذ استخدمت اياباسي الكنداكة قوة المرأة, في الازدراء لتملأ شاو تصميما على مقاومة الخواجات النصارى " إذا لم تقاتل اعطني سروالك وخد كانبوسي, فأنت لست برجل!" منذها والنساء وحدهن يقدن الفرس! .

-كانت الكنداكة تتقمص روح جدتها اياباسي أم النصر زمزم ,  أم النصر كانت هي الحاكم الفعلي .. تتجول على راس الرجال المسلحين , وترعب الرجال بركوبها الحصان بذات طريقتهم , وفستانها معقود بإحكام إلى أعلا ,كما تفعل النساء الملكيات المرعبات , تصدر المراسيم باسمها , تعين القضاة ليحكمون باسمها ,وتسير أمام الجيوش . كانت امرأة بألف رجل !!.

-أنا روحها . روح أيا باسي أم النصر .

ركب خلفها , احتضنها . اكتشف جسده للمرة الأولى بطريقة مختلفة , وهو ملتصق بجسمها العاري., إلا من الكنفوس الملون . كانت دافئة نافرة التضاريس , بضة .. لم ينتبه لمعالم الطريق , فقط اكتشف فجأة توقفهما أمام جبل , جبل سامق , وعاري كأنه يحتوي الكون كله . تتساقط منه المياه بشدة , ليأخذ إيقاعها إيقاع الطبول, ونغمات ربابته المنسية  ..

-انه تونق كيلو (قصر كيلو :سليمان الأب المؤسس)وتلك هي مساكن الجورنيقا (الجند الشباب) وذاك هو مسكن الاورنانق (القائد الذي يعينه الشيوخ للشباب) شمالها .

قالت كيرا وهي تطوق بإشاراتها معالم المكان , ثم أضافت :

-اعتمد سولونق على الجورنيقا , مثلما اعتمد العثمانيون على الانكشارية لتحقيق أحلامهم التوسعية . الفواشر نهضت بأحلام سولونق., من قلب ظلمات الجبل , لتتمدد في السهول والوديان والقيزان . نحن الآن في جبل نامي , وحيث تسقط المياه يتجدد إيقاع الطبول , انه جبل الطبول .

ولجا بين ساقي الجبل , الفتحة التي أسفل الخاصرة تماما , حيث نامي منتصبا , يقذف إيقاع الطبول والربابة في شلالاته الرهيبة .. قادته لأعلا , انحدرا في التواء يؤدي إلى ردهة واسعة بها بعض الأنصاب الملونة والمجامر , وضؤ خافت ..عجز عن تحديد المكان الذي يتسلل منه .. قالت كيرا :

-سنعبر الآن تونق كيلو . هذا القصر شاهد على التحول إلى المركزية الإسلامية, التي قضت على الملكية الإفريقية , فراح السلطان عمر ليل  ,والسلطان أبو القاسم ضحايا لهذا التحول .

-لكن ..

-نعم لم نتخلى عن نظامنا الأفريقي تماما , ستظل سطوته باقية ما بقى فووقوكوه(سكان الجبل) منذ أن صار للرقيق والفقرا ,والخصيان والمغامرون سطوة على البلاط , حتى انزوى القادة العسكريون . جاءوا إلى هنا , إلى رهد الخيل ..

-الم نتركه خلفنا ؟.

-انه في كل مكان حول الجبل .. انه روح الجبل , المكان الحامي لتراث الأسلاف . المكان الذي انزوى فيه القادة العسكريون القدامى في الظلام , خلف تخوم روح الجبل , وهم يرقبون عرش السلطان يصبح نهبا لألاعيب محمد كرا (الطويل) الرقيق الجموح الذي اعدم ستين من أبناء العائلة المالكة , العائلة المقدسة . ستين من الكيرا قتلى في الميدان خارج الفواشر .

-قوز الستين . أنها مستوحاة من كربلاء .

-حقا كربلاء . لكن خرج له إبراهيم رماد (غير شرعي)من تخوم روح الجبل . قتل محمد كرا وأعاد الأمور إلى نصابها .

ذات الضؤ الخافت يتموج في المكان . بخور مخدر لذيذ الرائحة , يشد الروح بعيدا , بعيدا .. قلب البنجوس بصره . معابد قديمة وأطلال لا حد لها , ترحل في الدم والشرايين والأوردة .. أجلسته على واحدة من الدكك الحجرية , وأحضرت قرعة من خلف طلل ما .. قرعة ممتلئة بعصير القمبيل . شرب بنهم, ودون تردد حتى, تكاثفت الرغوة على شاربيه, فجذبها بلسانه متلمظا في تلذذ  ..

-لم تعد الآن ساو صولونج صولمنج(العربي عتاب الجراد الأحمر) . أنت منا وقد عدت إلينا .

وأخذت تتمتم بتعاويذ مبهمة . أدرك أنها تؤدي طقوسا من الدين التقليدي لشعب الوادي, الذي طرد إلى أعالي الجبال .. قلب نظره في أطلال المعابد القديمة, وشيء كالخدر يسحبه إلى داخله ببطء . كان صوتها يأتي منهدا بعيدا , خافتا , كالمتسحب على رمل رطب ..

-مرت علينا سنوات كالحة لا تزال , منذ أن دنس الأتراك والمصريين والدراويش ارض الوادي , وأصبحت أم كواكية (فوضى أمنية تسود فيها أعمال القتل والنهب) لغة بديلة لكتاب دالي , لم يعد الوادي هو الوادي, ولا الجبل هو الجبل .,في سنوات أم كواكية . سفك الأتراك والدراويش الدماء ,كما لم يسفكها محمد كرا , فتراجعنا إلى الجبل الذي منه جئنا , تحت قيادة سلاطيننا الظليين , الذين استماتوا في الدفاع عن الوادي والجبل . طاردوا الأعداء في السهول والقيزان والغابات , لكن الخطر القادم من الغرب , والموت الآتي من الشرق دمرا حياتنا . تهدمت المعابد . عمت أم كواكية واختلفت ملامح الناس ,وقسماتهم وجرى السم في دمهم, وشابت نفوسهم الشروخ .

مرت علينا سنوات ونحن مختبئين داخل الجبل , لا ندري بما يحدث خارجه . اختلفت على العرش وجوه ماكرة, لوثتها دماء الخطر الذي جاء من الغرب والشرق  .. الوادي مركز الكون بين اتجاهين يتهدد بالزوال . تحركنا . نكشف عن وجودنا بين آن وآخر . ننتظر إبراهيم رماد يجيء من رحلته الطويلة , يقودنا لتحرير الوادي , ويعيد كتاب دالي إلى صدور الناس, الذين أنهكتهم سنوات أم كواكية., ويبني المملكة كما كانت وستظل في كتاب دالي المؤسس فورانق آري(السلطان رفيع المكانة)إبراهيم رماد من سلالتك أنت , فارع كرا يحفظ علوم الأولين والآخرين .

كانت دواخل البنجوس ترتعش وهو يرمقها بنظرة دانية . تنهدت بعمق . دنت منه , جذبها إليه . أنامته على حجرها ومددت ساقيه على الأرض الصلدة .

-لابد انك فتران . سأدلكك .

وأخذت تدلك جسده العاري , المتمدد كجبل أب كردوس , الصاخب كشلال مار تجلو .

(4)

.. واحتواهما  دغل النخيل الباسق , بعد طراد طال لأيام عديدة .. قالت "راوية" حبيبته العذاب وهو ينكفيء عليها :

-أنت تأخذني أخذا!.

فرد متصاعد الأنفاس :

-هكذا تورد الإبل.

ذات العبارة تقولها كل عام وذات الإجابة , التي لم يفكر البنجوس في تغييرها أبدا . في هذا الوقت كان العربان., والنازحين من الحروب والجفاف , يأتون للعمل في مزارع التوابل , على الضفة الأخرى لنهر عطبرة , فتدلق المدينة فتياتها الشبقات , وفتيانها المتوكئين على أحزانهم .فتنقبض الشهوات , تتقلص وتتمدد , فيتواطأ الجميع بالصمت على خيباتهم .ومع ذلك يأتي موسم الخصب الجماعي ,في هذا الوقت من كل عام .

قبل أربع سنوات. اثر قدومه من الدمازين ,قال له العقيد ضياء الدين :

-أتت إشارة بنقلك إلى عطبرة كومندان بنجوس , سنعد لك أمر التحرك لتبلِّغ عطبرة .

وبلَّغ البنجوس عطبرة , منذها والمدينة والنهر يتغولانه , ويداهمه ذات الحلم : الرهد والخيل والجبل في تخوم الوادي .. المدينة بأحلامها السرية , وعوالمها الملتهبة , تشرع ظلالها في مسامه . فينتظر راوية , الفتاة النخلة, التي نزحت أمها في الحرب الأهلية بجبال النوبة,بعد أن فقدت الأهل والوطن . نزحت مرعوبة وهي ترى كل جبال النوبة تحترق . كان أهلها يحرقون داخل قطاطيهم. تلتهمهم النيران شيئا فشيئا , وتلتهم معهم الذكريات والأحلام , فتذوي الآمال ويتهشم التاريخ , ولا يعد من الجغرافيا شيء . فتهرب إلى دار صباح وحيدة كنبِّي طريد , تصاحب احد العربان .. وتتزوجه كيفما اتفق , فتثمر عشرتهما راوية , الخلاسية الفارعة , كذكرى للهزيمة والحريق وانشطار المكان !!.

الآن البنجوس ينتظر راوية يتآكله الصبر . تأت موسما بعد آخر , معبأة بحنين بعيد  وصهيل خلاخيل ملتاعة , ولهيب لا ينطفيء أواره بالبرد, أو حبات الشبورة الساقطة من أفق السماء الغائمة . كالمواويل تتأوه راوية :

-أنت عنيف !!.

-ولذلك أحبتني حليمة .

-أحب فيك هذا ..

-اعلم ذلك . سأنقل هذا العام للأسف ..

-الخرطوم ؟..

-لا , أقصى الغرب . ربما بلدتي التي هربت منها ذات يوم .

-إلا تشتاق لزوجتك ؟ حليمة ...

-كثيرا .

-ربما ارحل أنا أيضا ..

-إلى أين ؟.

-الخرطوم .

-إذن سنلتقي يوما ما ..

-لا أظن ..

-لماذا يا راوية ؟!.

-لا ادري !..

-ساترك لك عنواني وكل شيء ..

-هل تشتاق إلىّ؟!..

-أكيد . وأنت ؟..

-لا ادري !!..

أعطته ظهرها ,وهي تسند قدمها على جذع نخلة هرمة .,تمد عنقها أقصى الفضاء . تنقلت عينيه بين ساقي راوية وساق النخلة . أحس بهما يتوحدان في الأرض . لاحظ على ساق راوية العاري المشعر عشبات عالقات في العرى المجنون , مد يده يزيلها عن الزغب , ودهمته رغبة في انتزاع شعرات من ساقها العاري,للذكرى والتاريخ!.

كان الوقت مساء عندما أتي متسحبا , وهو يتنقل مختبئا من نخلة لأخرى . شاهد راوية هناك في الأرض المنبسطة , المخططة وهي تنزع الأعشاب عن التوابل . كان الفضاء متخما برائحة التوم والشمار والكسبرة ورائحة النهر . أشار لراوية من مكمنه , وانتظر حتى أنهت عملها واتت متسحبة .

التقاها بشوق وهو يحاول ضبط هذا الحنين البعيد , الذي يعود إلى عهد لم تورده التواريخ . وليس ثمة ما يشير إليه في مقتنيات المتحف الوطني . او الذاكرة الرسمية .

في ذلك المساء الموغل في البعد , فض نزاعا حادا بين راوية واحد الشبان., وهكذا تعرف إليها : راوية الجميلة , النحيلة , الخشنة والشاحبة , ذات العينين الشاسعتين , اللتين تسعان الحنين كله.

-لا , أهلنا بعيد .

-وما الذي جاء بك إلى هنا ؟.

-نأت للعمل في المزارع , في الموسم من كل عام .

في جرأة مترددة التهمت نظراته الجائعة صدرها المتحفز , ومضيا يشقان معا دروب عطبرة المدينة العطنة , التي لم تكن قد أفاقت بعد من سكر ليلة البارحة , وتستعد الآن لتثمل بالعرق  , ورائحة التوابل , وانتظار التساب .

منذها وفي الموسم من كل عام ,يداهم المزارع بحثا عن راوية , يجدها أحيانا وأحيانا أخرى يرتد خائبا , ليتفاجا بها تنتظره في غرفته .

راوية  التوابل والتساب , والحنين الأزلي لخط السكة الحديد , الذي خرق الفرقان والقرى من أقصاها إلى أدناها , حتى ارتعشت مواجدها وأحلامها وانطفأت الشهوات .. علاقة الدم , تندلق على الذاكرة , فيتكون النهر الهادر الذي يأخذ في طريقه, كل شيء بمجيء التساب .

-مع  ذلك عينيك خضراوين .

-لم تنتحر جدتي لأبي في البحر , إذ دهمتها خيول الدفتر دار , مضت حتى حدود الحبشة ترفه عن جيش بلا قلب .

-تفو . اللعنة .

-أأنت مثلهم ؟

-لا . لا يا راوية . أنا مثلك .

تنهد البنجوس : الذكريات , الصور والأخيلة تتزاحم على ذاكرته .. تنداح ..

... كان اومي ذكريا( أبي)آخر المتبقين من حاشية السلطان, وهو يتجه غربا عائدا إلى دياره خلسة , اثر انشغال الخليفة وجيشه في المعركة . لا زلت اذكر حديثه:

" لم نأت أم درمان كما يجيء الفاتحين ,بل أشباه أرقاء .. انتزعتنا جحافل الدراويش عن عروشنا , وأسرتنا كما تفعل بالعصاة " ..

طاولة مكتب المدير في الفاشر المدينة , تقعي أمام عرش السلطان , تؤكد على استمرار تحالف الإنجليز / أولاد البحر .والجبل.. الحد الفاصل للخطر القادم من الشرق , لم يعد ملاذا لا للسلاطين أو العامة . كان الجبل قاعدتهم الآمنة , فاضطروا للنزوح بأعداد مهولة نحو الجنوب الغربي , بضغط الزبير باشا وعجرفة الدراويش ,وأساليب الإنجليز الإدارية .

أرادوا القضاء على الجبل , مثلما قضوا عليه في زمن سحيق, فارتحل في لجة رهد الخيل .

أنت .. البنجوس : آخر المتبقين من سلالة اومي ذكريا , مثلي تماما أنا اومي أخر المتبقين من سلالة شاو ..

كانت والدة أومي ذكريا  قد أنجبت  من الشايب شاو شرورو شطة سبعة رجال "يكفون عين العدو ".. لم يبق منهم سوى اومي ذكريا .. التهمهم الوادي , وادي أزوم الهدار .غرقوا في يمِّه دون أن يخلفوا أثرا , ولكن ظلوا جزء من ذاكرة الفاشر كلها . وبهرب اومي إلى البلدة الصحراوية النائية , جاءت معه ذاكرته الشخصية, التي أصبحت ذاكرة عامة . أصبح أخوته الغرقى جزء من ذاكرة وادي البلدة الصحراوية , ذاكرة الوادي الأزلي الذي له قداسة حياتهم وهم يتحلقون أنصاف عراة حوله كل عام , يعزفون النقاقير والربابة ., حدادا مقيما ..

-مثلما التهمت النيران اهلك أخذنا الوادي . الوادي.. الماء.. البحر سبرنا .. أخذهم وهم يحاولون إخراج "طويرة بلبلة" من أعماق "مرفعين" الماء الوحشي . البحر دمر إخوة اومي ذكريا ..

-أنت تخاف البحر إذن .

-لا , كان أبوي يمنعانني من الوادي في طفولتي , يخافون على اللعنة .

-البحر بيشيل عوامو ..

-البحر هو اللعنة التي أرسلتها الصحراء على عواهنها ,في ارتحالها البدوي التائه ..

وذات غسق مفعم بالشبورة التي ما أن تتوقف عن السقوط حتى تبدأ من جديد , وقفا عاريين قبالة العطبراوي , سبحا في اتجاهين متعاكسين , ثم متوازيين .. تباريا حتى شعرا بالتعب . قالت راوية وهي تهز رأسها ليتساقط الماء :

-بيقولوا الجن بيطلع من البحر في الوكت دة ؟.

-وإنت ما خايفة ؟..

-الموت والحياة والجن كلها تتساوى عندي .

كان الماء يقطر من نهديها وجسمها بدا لامعا في الغسق . دنا منها .. أتي صوتها مكتوما , منهدا ككبري عطبرة العتيق ...

-عما قليل ويصبح النهر خطيرا ويلحقنا بأسلافك ..

كان نهر عطبرة . قد بدا يهدر في قلق ..

(5)

أنهت كيرا تدليك جسد البنجوس العاري المتمدد كجبل ابكردوس . الصاخب كمار تجلو . ونهضا يطوفان المكان , الذي تبدى عن عوالم متداخلة . كل عالم يفضي إلى عالم رحب آخر ..

-ظللنا على الدوام نعرف تاريخنا . قتل فورانق آري لم يكن نهاية لهذا التاريخ الضارب الجذور في الجبل .

قالت كيرا وهي تشير إلى الككر المهيب, الذي يتوسط القاعة الواسعة , المنحوتة في الجبل ..

-هذا هو عرش سليل الجاموس , الفيل ذو القوة العظيمة فورانق آري . على هذا العرش جلس باسنقا (خلفاء السلطان)واحدا تلو الآخر , يخلفون الكامني(سلطان الظل) وتحت لواء هذا الككر اجتمع باسنقا يفسدون مخططات محمد كرا .. لم يختلف الكيرا أبدا إلا على عمر ليلة وأبو القاسم , في أزمة تولي العرش, التي انتهت بموتهما .. لقد خرقا قانون دالي فكان مصيرهما الموت ..

أصدرت كيرا صفيرا متقطعا ,وهي تعتلي درجا إلى قلب الككر, وتتمتم ببعض الكلمات الشعائرية المبهمة , وتلوح بعصا أخذتها برفق, من مسند الككر المهيب . تلوح , وتلوح , وتلوح .. وهي تتمتم ..

انعقدت سحابة بيضاء في فضاء البهو الواسع , تجمعت ركاما , ونثرت حبات من الندف الثلجي .. كان البنجوس ينظر لكل شيء حوله في دهشة , وقد الجم تماما .. نزلت وتقدمت تقوده إلى شجرة تسد مدخل البهو ..

-أنها الشجرة المقدسة ..

قالت تخاطب الشجرة :

-لا ترفض ذريتك , لقد جئنا لأداء العوايد (الشعائر)الواجبة لك عن كومورو(رئيس المطر) ..

وأخذت تصلي . أشارت للبنجوس أن يفعل مثلها . أنهت كيرا صلاتها . وقفت قبالة البنجوس . حدقت في وجهه بعمق , وارتحلت به إلى غور ماض ابعد .. شبكت أصابعها في أصابعه . انبعثت إيقاعات شعائرية ناعمة ,وحالمة وأخذا يتمايلان على وقعها , وأخذت كيرا تغني بصوت رخيم :

"أيها الشاب ..

في طريق دربات , يأذي الجافانغا (جابي الضرائب) الناس

تعال ابحث عن الثروة لعروستك .

مع فرقة إغارة اياباسي كيرا .

لقد تركت جيادها في رهد الخيل .

اركب إلى فرقة اياباسي كيرا .."..

أصدرت كيرا صهيلا متقطعا , فاطل الفرس الأبيض من مكان ما . اعتلت صهوة الفرس

-اركب خلفي .

-إلى أين ؟.

رمقته بنظرة تحذير:

-سنمضي إلى مهرجان تجليد النحاس ., انه اليوم الأخير في المهرجان . لكنه ليس كما في الماضي . إذ لم يتبق من شعبنا سوانا نحن وأنت يا بنجوس ..

وانطلق الفرس..

كان كالسابح في بحر من الهواء المضغوط . وجدا نفسيهما عند البحيرة مرة أخرى . أشارت إلى قباب لم يلحظها قبلا .

-تلك قبور السلاطين الراحلين . أنها القبور المقدسة ..

سبعة من الفتيات الأبكار يتحلقن حول احد القبور . تقدمت كيرا منهن . إلى شجرة تبعد قليلا . أخذت فأسا من إحدى الفتيات . هوت به على الشجرة بضربة واحدة , فاجتثتها . بعض السيدات المتقدمات في السن ,كن قد انهين حفر الأرض في سبع مواضع , أخذت كيرا من الفتاة التي اقتربت منها حفنة من الدخن . بذرته في الحفر السبع . ثم مضت تصحب البنجوس إلى ضفة البحيرة . جلسا . أتي لهما بطعام . تبين فيه أحشاء كبش مخصي , تركت لتتعفن ثم خلطت مع الشطة والسمن .

-أنها لك منذ العام الماضي ..

قالت وهي تأخذ من الأحشاء وتمد له . تردد قليلا ثم مد يده .

-لو لم تأكلها ستقتلك المسلحة .

أشارت بيدها خلفه , حيث كانت تقف فتاة مسلحة بسيف لامع صقيل .

-في وقت بعيد . بعد أن نزل البرق على ضريح دالي, والتف حوله ومضى به إلى غياهب السماء . في ذلك الوقت كان شعبنا يقدم ضحية آدمية في احتفال كندنقا(الوليمة), كان يبحث عن صبيين تؤم , يقدمان قربانا في الكندنقا . الآن نكتفي بأحشاء الكبش المخصي ..

انهيا طعامهما وامتطيا الفرس مرة أخرى ..

بهذا الطريق مر عبد الكريم مع جحافله ..

 استطاعت عشيرة كليبا الحاكمة في دار زغاوة ,أن تحقق سلطة عن طريق عبد الكريم , احد يتيمين أخذتهما أمهما إلى الفاشر . أخذه السلطان محمد الفضل . وعندما بلغ سن الرشد أعطاه قيادة بعض الفرسان , في حملة ضد العريقات . طرد عبد الكريم العريقات البدو من آبار كارنوي في دار قلا ...

-إذن كان القصر يستخدم أيضا لحفظ الزعماء المحتملين؟.

-أو المتنافسين من العشيرة احتياطيا, كواعدين لهم مستقبل او كرهائن .. ولهذا أنت هنا الآن ..

-من أنت ؟.

-كيرا .. كيرا لنقي .. روح اياباسي زمزم ..

-تلك التي قلت إنها أعدمت عندما قتل أبو القاسم أخوها,في احد أكثر الحوادث غموضا في تاريخ السلطنة ؟!..

نظرت إليه بعمق :

-أيا باسي(الأخت الكبيرة) مثل أيا كوري (الأم القوية) لا تموت . تراني الآن أتجول على رأس المسلحات , احكم ظلام الجبل ..

-إلى متى ؟

-...  ...  ...   .....

-إنني انتظر القادم من ظهر الوزير اومي ذكريا لأقرر.إنها علامة دالي ..

-لقد اختفى بتآمر شطة على طرد الفقير محمد البلالاوي إلى كردفال .. هرب ..

-ومنذها ذابت الكيرا في عموم الشعب . لم يبق سوانا نحن فووقوكوه ..

-لماذا تآمرت على الفقير البلالاوي ؟

-أنها الأرض . وطن الكيرا . أراد الفقير أن يصبح سيماكورا(السيد الكبير) أراد أن يكون له سيماقانا(أسياد صغار) وإقطاعيات وسلطات ..

-أوليس من حقه ؟..

التفتت بحدة:

-السلطة من حق فووقوكوة فقط . انه وطن الكيرا .نشر السلطان الأول الإسلام تدريجيا في إمبراطوريته جنوبا, بان أرسل إلى ملك كل جبل مخطرا إياه :

-"اسلم والا سأقتلك"..

-أمام هذا الاختيار فر بعض الناس جنوبا , وصاروا فرتيت تاركين أجزاء واسعة من ارض الوادي غير مأهولة حتى اليوم . مما اضطر السلاطين لاحقا, لإحضار أناس من الشرق والغرب والجنوب, ليسكنوا الأرض الخالية ويعمروها .. كنا نحن لحظتها قد انسحبنا إلى أعماق جبل نامي . لم نفر لنصبح "فرتيت" . لقد خرج أسلافنا من قلب ظلام الجبل والى الجبل عدنا نحن ... كنا عندما تشتد الغارات لاصطياد الرقيق تحت حماية الجلابة , نخرج لنحاربها بليل دون أن يرانا احد .

انتحت كيرا ركنا قصيا من البهو , وأخذت تبحث عن شيء ما , وجدته : درع ألماني قديم , وسيف صقيل كأنه سك البارحة , ألبست الدرع للبنجوس , ومنطقته بالسار(السيف), بعد أن وضعت على رأسه واق , وصفرت فجاء جواد يخب , من غياهب الجبل .سحبت الجرايد(دروع الساق)من سرج الجواد الكميت , وانطلقا ..

بعد عدد من الابهية المتداخلة , التي يفضي كل منها إلى آخر , توقفا عند مدخل بهو ابيض حائل . دخلا . كان بهوا واسعا مفروشا بسجاجيد تركية صغيرة , يتوسطه ككر خال في اليسار , وخلفه حرس من الفتيات الناهدات , العاريات إلا من الكنافيس القطنية البيضاء والطواقي المزخرفة من الأمام بقطعة نحاس وريشة سوداء من ريش النعام , وترسا من جلد فرس النهر في الزراع المقابل . أجلسته على الككر . وأخذت تتمتم بعباراتها المبهمة ..

(6)

أومي ذكريا من سلالة عجيبة , فوالده شاو بنقا شرورو شطة , وجد ذات صباح نديان, في الناحية الشرقية من وادي الفاشر . كان لحظتها مولودا للتو,كما بدا لذلك الفلاح الذي تصادف مروره في الطريق من "مُرّدف" إلى "مُتُر" . لمح على الناحية الشرقية من الوادي المبلل بالندى , في ذلك الصباح الهاديء حركة ما . اقترب , دنا أكثر وهو يشدد قبضته على سفروكه الأملس , فتبين طفل حديث الولادة وامرأة ميتة , تآكل جانبها الأيسر كله , ولم يتبق منه سوى العظام , وجانبها الأيسر كله اخضر .

كانت بالكنفوس الأبيض ,الذي يستر سوأتها كأنها ماتت للتو واللحظة . لا بل كأنها لم تمت , فالطفل كان لا يزال يرضع من ثديها الأيمن الممتليء باللبن . كانت كأنها تستلقي في دعة وحبور!!! . ألجمت الدهشة ذلك الفلاح الذي اكتشفها ,والذي ما أن تمالك نفسه حتى ركض مذعورا باتجاه البلدة , التي عندما وصلها ,لم يستطع أن يتكلم سوى بالإشارات , ثم سقط مفارقا الحياة , وعندما وصل الناس., ليكشفوا عن سر ما حدث , فوجئوا بسبعة جبال لم تكن موجودة , انتصبت في ذلك المكان . احدها ابيض .,انعقد فوقه برق كمجال مغناطيسي يتموج , يلمع وينطفيء , وتحت الجبل , في الرقعة المنبسطة أسفله تماما , ترعى سبعة خيول , كلها بلون الجبل , وفوجئوا أكثر بذلك الطفل المبتسم , وأمه ذات الجسد نصف الميت , وقبل أن يلوذوا بالفرار , كانت العجوز كلتوم, قد بذلت مجهودا خرافيا في تهدئة خواطرهم المشتعلة , وهي تخيفهم من مغبة الهروب ,وعواقب الفرار من وجه اللعنة دون مواجهتها.

- ستلاحق أبناءكم وأحفادكم جميعا .

فتمالكوا أنفسهم , عندما تقدمت الميرم كلتوم, لتقطع الحبل السري الذي كان قد جف تماما , ودفنوا بعد ذلك تلك المرأة , وتواطأوا بالصمت .فلم يعد احد منهم يشير ., إلى تلك الحادثة أبدا . ومنذ ذلك اليوم الذي اخذوا فيه الطفل, أصبحت أوضاع الوادي تتحسن . بدا أكثر خصبا وأنعامه في ازدياد مستمر , وأشجاره أكثر خضرة .

نبتت الأشجار المثمرة ,وانتشر النخيل الذي لا قبل لهم به , وأصبح القمبيل والقنا أكثر شهوقا , بل وكثيرون منهم ., أصبحوا يجدون الذهب في لب القنا , وذلك الفلاح الذي مات رعبا نبتت في قبره جقجقة ليست كمثلها جقجقة , حتى في أعلا الجبل عند الجناين, التي تسقى من مار تجلو وساورا وقلول .

كان الشرتاي بنقا شرورو شطة ,قد أبقى على الاسم الذي أطلقته العجوز كلتوم, على الطفل "اومي ذكريا شاو" وأعطاه اسمه وهكذا ظهرت للوجود سلالة شاو شرور شطة . وما أن بلغ الطفل العاشرة من عمره ,حتى بدا واضحا انه يختلف عن أقرانه كثيرا . كان مميزا عن كل الناس , يستطيع غيبا ., معرفة الغرض الذي يأتي فيه أي شخص للشرتاي ,  دون أن يفتح هذا الشخص فمه ببنت شفة . وكان صائب الرأي فيما يشير به, إلى أن جعله الشرتاي ساعده الأيمن وزوجه من كيرا كوِّي التي كان يرغب بها الفقير محمد البلالاوي .  والتي أنجبت له أومي ذكريا .وقبل أن يفارق الحياة بأيام ,كان قد اشترك مع اياباسي زمزم في حربها الضروس ضد الطوابير.هذه الحرب التي اختفى على أثرها الشرتاي شرورو شطة, ولم يعرف له بعدها اثر . قبل أن يموت شاو بأيام ,كان قد نادى ابنه الوحيد الذي بقى على قيد الحياة ,أومي ذكريا :

-اللعنة التي أودت بأمي ستعيش في هذا الدّم , ولن يتخلص منها سوى الدم نفسه ..

-كيف أبا ؟!..

-احد الأحفاد يجيء من هذا الدم ..

.. روايات أخرى تناقلها شعب الوادي, عن شاو بأنه لم يمت., وانه لا توجد هناك لعنة ولا يحزنون , وكل ما في الأمر انه اختفى احتفاء غامضا ,مثل شطة شرورو , ولم يبن له اثر !!..

(7)

قال الكومندان بنجوس موجها حديثه لعادل :

-فوجيء السلطان بالخليفة يعتقله وحاشيته, بعد أن فشلت مفاوضاتهما حول وضع  دار فونقرو .

كان الخليفة قد كومهم جميعا في احد البيوت الحجرية , واضعا على محيط البيت ,عشرين من حرسه الشخصي .كان شاو شرورو هو الشاب الحدث الوحيد ,بين أفراد الحاشية المهيبة . قال السلطان :

-لم أتوقع أن يعتقلنا هذا الدرويش دون أن يراعي حرمتنا ونحن ضيوفه .

فرد شاو الشاب الحدث المتأثر بكوارث البحر :

-تجري في عروقه مياه البحر .

تساءل الشرتاي شطة شرورو  مستفهما :

-ماذا تعني ؟.

-اعني أننا اعتدنا على الوادي, والبحر ليس مألوفا لنا .

ولم يبد على احدهم انه فهم شيئا . كان اومي  على عكسهم ,لاشيء يؤرقه مثل الحنين إلى كيرا لنقي . كان يشعر أن الاعتقال لن يطول ,وانه لا محالة خارج للشمس والوادي والقمبيل . فقط الحنين لكيرا السمراء الفارعة مثل القمبيل., الناعمة كرمال الوادي . لكأن كل شيء يراه الآن في ذلك اليوم الأخير ,وهو يخرج في ركاب السلطان . قالت:

-لا تمض معهم .

-لابد أن اذهب .

-أنت تخشى الشرتاي شطة . سيتفهم الأمر .

-لكنني لن أتفهمه .

كانا يتحاوران وسط جبراكة الدخن , لفهما الصمت . طفرت دمعتين من عيني كيرا , اقترب منها , مد لسانه المرتجف . احتضنته .,خلعت أيقونة العاج., التي تتدلى من صدرها :

-النقوش التي عليها ستحميك من اللعنة .

وصمتت لحظتها لم يهتم . كان متوحدا في توجدا ته . لم يكن واثقا من عودته إليها . لم يكن واثقا من انه سيراها مرة أخرى . كان يخشى فقدانها., فالجلابة يتحينون الفرص., ليهجموا على النساء . يحرقون القرى والزر وع وينهبون الماشية . يأسرون النساء ويرسلونهن للبيع في أسواق الرقيق البعيدة .

كان اومي ذكريا شاو يتلمس الأيقونة وهو يفكر في الهرب , حين استشعر مع الجميع, حركة غير عادية بالخارج , فتح الباب الحجري وقادهم احد الحراس., برأس حربته إلى حيث الخليفة متجدعا كسلطان مهيب .

-ستخرجون معنا .

-إلى أين ؟!..

-إلى المعركة ..

وهكذا هرب أثناء المعركة , وفقد اثر السلطان وحاشيته . ضل الطريق ,وفوجيء بعد مسيرة أيام .,انه يمضي على نحو دائري., أعاده إلى أم درمان مرة أخرى . وهو الذي كان يظن انه ابتعد عنها كثيرا ..

شق دروبها وحواريها العطنة , ودخل احد الاندايات ,التي لم يفارقها بعد ذلك أبدا إلا بعد وقت طويل, وقد قرر العودة إلى بلدته البعيدة ,على مشارف تخوم الصحراء .

ظل  شاو مختبئا عند كاكا , رغم أن دولة الخليفة., كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة تماما . انتابته رغبة ممضة لاكتشاف هذه الأرض .,التي يتصارع عليها الناس , فمضى مع من مضى للعمل في المشروع الزراعي الوليد , قبل أن يعود إلى بلدته البعيدة., على خطى الحنين لكيرا .

(8)

لدى عودته استطاع السلطان حسم المعارك على السلطة ,واسترداد ملك آباءه وأجداده أخيرا . وتتويجا لانتصاراته الباهرة رغب في الزواج من أجمل فتاة بكر في دار فونقرو , فأرسل المراسيل الذين اجمعوا بجمال كيرا لنقي , وأنها المراد . شرورو شطة  الذي كان قد بلغ من العمر عتيا :

- أبا السلطان كيرا لأومي ذكريا .

- أومي وين دربو.

- خليتها في دار صباح .

- مصيره بجي .. شنو الرأي ؟

- كيرا لاومي .

ولكن أصر السلطان على الزواج من كيرا , التي كانت قد اختفت في غموض ولم تظهر للعيان مرة أخرى . إلا لدى ظهور أو مي قادما من دار صباح ,فاتهم باختطافها., فاختبأ إلى أن تمكن من الهرب إلى البلدة الصحراوية, في سرية دون أن يترك أثرا يتمكن احدا من اقتفاءه .

كان السلطان قد أطاح برأس شرورو شطة, ما جعل عروش كل الشرتايات تهتز في عنف .وكان الإنجليز على أبواب دارفونقرو , يضعون اللمسات الأخيرة للهجوم الكبير .

(9)

حياة البنجوس خليط مدهش من الذكريات الحميمة ,وفي اللحظات النادرة التي يعود فيها بذاكرته إلى الخلف ,تطفو على مقدمة ذاكرته سعدية النقادية . التي عرفها أول حياته عندما انتقل بعد وفاة أمه تاجا إلى أم درمان مغلقا باب ذكرياته في البلدة النهرية .

أنسته سعدية النقادية كيرا لنقي ,واحتوته أحضانها كما لم تحتويه, دارفونقرو من قبل. وكما لم تشرع له تلك الجبراكة عن حنينها أبدا . لم يبق له الان ,في وحدته المهيبة., سوى الحنين المحض, وأيقونة الكيرا التي أهدتها لأومي, بنقوشها التي تعود لمئات السنين قبل أن يساكن الغرباء شعب الوادي في دارفونقرو, ويتناسلون كالنبات الطفيلي . لم يبق له الآن سوى  حكايات الأسلاف الذين انصرموا انصرام الزمن . قال أومي ذكريا :

-هذه الأيقونة نقشت ببرق السماء , نقشها دالي ببرق السما ..

لم تكن سعدية كنقادية المسالمة , بل من فتيات الغجر اللائي يولدن هكذا فجأة ,دون سابق إنذار . فيضطر دير الراهبات لتبنيهن .. كانت تشعر بشيء ما لم تقو على مقاومته فهربت . نداء خفي شدها للهرب من دير القبط .فتعرف عليها البنجوس في "كرش الفيل", في احد الصباحات., وهو في طريقه إلى وحدته العسكرية . وقتها كان شابا في عنفوانه , وهي في أوج هذا العنفوان ,كمراهقة دون العشرين بعدة سنوات .

كانت سعدية النقادية لحظة التقاها رثة الثياب , مهدلة الشعر , شاحبة الوجه , يقذفها الصبية بالحجارة والزجاج المكسر وهم يهتفون :

- الغجرية , الحلبية , المجنونة ..

طرد عنها الصبية وقادها إلى احد الرواكيب , أكلا معا سمكا مشويا في صمت , دون أن ينبث احدهما للآخر ببنت شفة , في الصمت تعرفا على بعضهما , وفي الصمت أصبحا صنوين . كان كل شيء بينهما يمضي في صمت ,إلى أن أنجبت بكره الذي أخذه بحر مدني الهدار , في ذات اللحظة التي أحتفل فيها الإنجليز, بالعيد الثلاثين لإسقاط دولة السلطان .وعندما اخذ البحر أبناءه الخمسة الآخرين تذكر اللعنة . وكيرا لنقي والجبراكة وهما بين عيدان الدخن يسافران في ذاكرة الأسلاف . يتوحدان مع الخصب والنار وجبل أب كردوس., خلفهما .. يمد ساقيه وذراعيه محتضنا الأفق الرحيب .

قرر إلا يقدما طفلهما القادم للعنة .. تغذى البحر بدمهم , كبدهم , وحرمهم الإحساس بالنجاح . وهكذا قررا مغادرة الجزيرة كلها إلى الخرطوم .حينها كان المجلس الاستشاري للشمال الجديد يحتفل بيوبيله الذهبي,منجزا آخر أعماله, يهيجه الحنين إلى الإنجليز, الذين خرجوا مخلفين وراءهم الذكريات العطرة , كفاتحين وغزاة , غادروا دون استئذان , يجترون أغاني الحسرة والأسف الطويل, والنداءات خلفهم تستعر !.وسعدية النقادية التي لا تعرف حتى اسم والديها توقفت عن الإنجاب, فظلت الأبوة احد الأحلام الكبيرة للكومندان بنجوس . الذي لم يكن أمامه سوى إرخاء سمعه لتلك الأغنية المجروحة :

" ..لي في المسالمة غزال .." ..

وإطلاق العنان للذكريات التي غذى بها أومي ذكريا وجدانه , ذاكرة الأسلاف , الوادي , المملكة التي خرجت من غياهب الجبل, لتنمو على الوديان

امتص البنجوس إذن حكايا آلاف السنين المنبثقة, من ذاكرة المكان والناس والأشياء ..

كان البنجوس مدهشا .,نهما للإطلاع كفأر قارض , أدهش نهمه عبده الخال وأصدقاءه , فصاروا مغرمين بهذا العالم الذي يشعرون بانتمائهم اليه, في الصميم .  فنشأ بين الخال والبنجوس, نوع غريب من العلاقة, تجاوز علاقة الأبوة والبنوة ,ومضى يضرب عميقا في جذور الذاكرة المنفية ,حتى لكأن ذاكرتيهما توحدتا في ذاكرة واحدة ,أتخمت بالقمبيل وكيرا الجميلة ورهد الخيل .

نشأ عبده الخال حادا مشاغبا وحاسما , حتى أطلق عليه أهل الحي"البنجوس الصغير" .. كان ذكيا وشجاعا لأقصى حد .

لم تكد السنوات الأولى من "الاستغلال", تمضي حتى كان البنجوس وحيدا بموت سعدية النقادية , يعاني فراغا قاسيا وحزنا ممضا .. حتى تلك الأغنية المجروحة لم يعد يسمعها , إلا عندما يشيله الحنين إلى قبر سعدية , يقرأ الفاتحة على روحها ويصلي,ويدعو لها بحسن العشرة مع الملائكة الكروبيين ,ووجهه يمتليء بالدمع ويفيض بأشواق لا حصر لها , فيتمنى لو كان احد الغلمان المخلدون!. ولم يترك عادة زيارة قبرها, إلا بعد أن تم نقله إلى الدمازين .

صار البنجوس يقضي أجازاته في الروصيرص , في الانقسنا وأينما اتفق ,إلى أن فاجأته حليمة فتاة المابان الجميلة .

كانت حليمة فريدة في تكوينها بملامحها الهادئة, وجسمها المربوع ,والصفح والسلام اللذان يكادان يقفزان من عينيها . علاقتها بالطبيعة معقدة ,وللحجر في نفسها قداسة ورثتها عن أسلافها المابان.

في ذلك الصباح البعيد أخرجت الأبقار., من حظيرتها وهي ترنو إلى السماء بمهابة . قال والدها "آجا" وهو يصلح من الإكسسوارات في جسده :

-هي حليمة الليلة مطر ينزل .رجعي بقر .

سوت حليمة من الحجول والخلاخيل الفضية والنحاسية على قدميها , ومضت دون أن تأبه لوعد المطر المقدس .

كان آجا والد حليمة شخصية اجتماعية مميزة , ينظر إليه الجميع بتقدير واحترام كبيرين . فعدد بناته الكبير., يعني أن ثمة واجبات عديدة ملقاة على عاتق الخطاب , بدء بالمشاركة في الزراعة , وانتهاء بتكاليف الحياة اليومية ..

قالت أم قن والدة حليمة , وهي تلوح بيديها من بعيد :

-هي حليمة . مطر كان جا, شوفي مكان .

مضت حليمة وهي تفكر كعادتها بالمستقبل المجهول في باو (عاصمة الانقسنا) ..

 أتستمر بها الحياة هكذا خلف الأبقار , والرقص في المواسم والمناسبات ,على إيقاع "الجالك" وإخماد تلك الثورات العارمة, التي يفيض بها جسدها بين أحضان أي شاب., من شبان القبيلة . أم ستتغير هذه الحياة المريرة ..

 كان ما يقلقها هو ما تسمعه من أحاديث ,عن تلك المدن النهرية البعيدة أسفل النيل الأزرق, وحيث يلتقي مع بحر آخر , قالوا انه ابيض( كما سمعت), وعادات الناس وأزياؤهم .. تأوهت وعلى الخاطر يطفو حديث جوفان العجوز :

-آخر الزمان ناس البحر يكسروا الانقسنا, ويحفروا الأرض ,مثلما تحفر القبور . يدلقون المريسة حتى يلامس زبدها قمم الانقسنا .. في ذلك اليوم البعيد تغيم السماء ولا يهطل المطر المقدس . ينكفيء الناس على أنفسهم, والبيوت التي على المنحدر .,تصبح في السهل , ودون حجر مقدس في باحة الدار .. أخر الزمان يحلف الناس بشيء لا علاقة له بالطبيعة . شيء لا يعرفونه معرفتهم للحجر .

في موسم الحصاد المنصرم , كانت الظواهر السالبة, التي فشلت الأسبار في السيطرة عليها , قد تحولت إلى ألحان . والذين استهدفتهم هذه الألحان الناقدة , لم يستطيعوا البقاء والمشاركة في "الجالك" و"الوازا" ..

كان النقد قد نفاهم من الانقسنا . لكن هذا العام , أتي المطر في مواعيد متأخرة عن مواعيده المعتادة . حليمة لم تبالي بتحذيرات والديها , فقد فقدت الثقة بهطول المطر . ففي السنوات الثلاث الماضية , لم يشهد المطر انتظاما , كما أن السنوات التي سبقت, كانت سنوات قحط أنهكت الأرض, وقتلت الأبقار, وتحول الانقسنا إلى رعاة مأجورين لعرب الكنانة , وبعضهم يمم وجهه شطر الشركات الزراعية, في الدمازين .وفضل آخرين العمل المرهق في مناجم الذهب .

كانت حليمة تمضي بأبقارها إلى مسافات بعيدة , حتى لم يبق بينها وبين المناجم, سوى مسافة ضئيلة . وكانت تمني النفس بلقيا الحبيب الغائب . وقد يحتك بها بعض الرعيان في طريق العودة , فتقضي معهم اوقاتا سعيدة .

طفلها الصغير من حبيبها الغائب يحبو الان , ووالدها يصر على استهلاك الحبيب الغائب., إلى أقصى حد , حتى يتمم الزواج بعدها . طقوس الزواج في زمن القحط مكلفة . الجميع يعلم ذلك . فالطاعون التهم الأبقار , والجفاف أتى على ما تبقى منها . في زمن القحط تتغور جراح الناس أكثر فأكثر .

عندما يأتي الجفاف يتغير لون المكان والناس , وتفوح رائحة الموت من كل شيء . تصبح الحياة قاسية والأحزان متنامية , لا تفتأ تتناسل لتحاصر حتى الأحجار والمواسم المقدسة , ويصير لطعم الجالك مذاق الحرمان , فلا يهتم كبار السن بالاسبار., للسيطرة على الظواهر السالبة , ولا تبالي الحكامات بتأليف الأغاني الحميمة . يصبح الغناء غناء الجفاف واليباس الذي تتخلله أمجاد الماضي., بانكساراته العظيمة وانتصاراته العظيمة , لمقاومة الحاضر المرير .

إذن لم تعد الانقسنا هي ذاتها . بسلاسلها الجبلية الممتدة .,جنوب شرق الدمازين , ولم يعد ناسها مسالمين كما كانوا .,بلونهم الداكن وقسماتهم الهادئة .

الجفاف والطاعون التهما حتى تلك الألوان الزاهية للخرز , الذي يزين جفير "الشواتيل" المعقوفة , والمساكن التي على المنحدرات .,فقدت رهبتها تلك., التي اتخذتها من انحدار السيل., أيام المطر الغزير , والأحجار التي على باحات الدور في السهول .,تخلفت عن مواضعها , وانشغل الناس بالبحث عن الذرة., والجذور لصنع المريسة "الطعام الأساسي" ..

لكن ما كان يهجس الانقسنا., ليس الجفاف أو الطاعون وحده , بل جند الحكومة الذين يملأون السهول والمنحدرات., جالبين معهم قيما جديدة , وسلوكا جديدا ..

ومعسكر الجيش الذي يتوسط المسافة, بين باو والمناجم في تلك السهول .,التي يستخدمونها لرعي أبقارهم , أيام كانت السماء تمنح المطر المقدس بسخاء , والأرض لا تتوانى في منح خيراتها الوفيرة .

معسكر الجيش , انتصب كالحجر المقدس., لتبدأ في النمو شتائم لم يعتادوا عليها , وقهر لم يألفوه , وتظهر بين المنحدرات الولادات الهجين, بسحنة القمح والسمار . قال احد الجوفانات :

-أنهم يأخذون بناتنا دون أن يؤدوا واجبات الخطيب ..

قال احد الشبان المتحمسين , ممن يعملون في معسكر الجيش :

-أنهم من ارض ليست أرضنا . عوا يدهم ليست كعوايدنا . قائد المنطقة العسكرية منعهم, من الإتيان بمثل هذه الأفعال .

كل الأحاديث أصبح محورها معسكر الجيش . تستبطن مشاعرها ما تجاه أشياء مجهولة , لكنها مسيطرة . الجميع محاصرون بالطاعون والجفاف . ومعسكر الجيش , ما يجعل إيقاع الحياة في الانقسنا مرتبكا ومتداخلا ..

مع الجيش اخذ يتسلل الرجال الملتحون , يدلقون المريسة على السهول , ويوقفون الجالك , ويتعاملون مع الأهالي المسالمين., بوحشية وفظاظة .وبعد أن يمضي الملتحين , يأتي عساكر الجيش . يبحثون عن المريسة المخبأة ليشربونها مع الأهالي . يضاجعون البنات., ويرقصون على إيقاع الجالك .,حتى مطلع الفجر .

وهكذا لم تعد الانقسنا هي الانقسنا ذاتها , بصفحها المقيم , وغفرانها الحميم , الذي لا حد له . أيام كانت الحكايات عن المدن النهرية., عند منحدر نهر الانقسنا العميق .والنخيل محض أساطير يتداولها الجلابة .,الذين يظهرون فجأة ويختفون مثلما ظهروا . يعبرون إلى الكرمك وقيسان , ويعودون مرة أخرى ليحكوا عن بني شنقول . ومجاعة سنة ستة , وكيف باع الخليفة الأرض والناس ,لنجاشي الحبشة .

لم تعدهي ذاتها تلك الانقسنا , حين كان الناس يصحون باكرا , يصنعون الطعام ,ويتوجهون إلى المزارع والمراعي , ليجتمعوا في المساء على إيقاع الجالك والوازا , فيرقصون .,وهم يتعثرون من السكر والتخمة .,بالجوغان والبابون .

لم تعد هي تلك الأيام, التي كن فيها الحكامات., يدبجن القصائد الطوال , نقدا للشباب الطائش والفتيات الطائشات ..

فمع الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش ,تغير وجه الحياة , وصار طعمها مرا , واعتملت في النفوس., أحاسيس القهر والقلق, والتوتر والترقب

-لماذا يعتقد الرجال الملتحين أن الحجر غير مقدس ؟.

-والمطر كذلك!..

-والمريسة حرام !.

-لماذا ؟ لماذا ؟ لماذا ؟ ...

مع الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش, لم يعد ثمة باعة متجولين ,بحميرهم . يبادلون أحمالهم بالماشية والزروع وقطع الذهب., التي يجدها الأهالي في عروق الجبال., بين آن وآخر .

مع الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش فقدت الانقسنا براءتها , تغيرت الحياة وصار لها طعما لم يعتادوه ..

الشباب الذين يعملون في منشآت الشركة الفرنسية., التي تنقب في الذهب , تغير سلوكهم وصاروا لا يحترمون أحدا . لم تعد أفكارهم ,هي ذاتها أفكار الانقسنا . أصبحوا يضاجعون الفتيات كعساكر الجيش ,دون أن يقوموا بواجبات الخطيب . وأخذت الأرض تتقلص شيئا فشيئا , كما أنها لم تعد هي ذات الأرض الخضراء . ارض الأسلاف , بسهولها وجبالها ومنحدراتها وأحجارها .,ومطرها المقدس , وأبقارها الحميمة بخوارها الأليف .

في كل مرة كانت الحكومة تضع علامات الأحجار الإسمنتية , فتنقص حوا كير الأرض . تكتب على حجارتها الإسمنتية  كلام لا يفهمه احد . وعندما يقترب احد من هذه اللافتات, يبرز له من مكمن ما., عسكري مشهرا سلاحه القاتل , مفجرا المواجد والأحزان , والأحقاد القديمة كلها دفعة واحدة !.

حتى الطيور الجبلية تفر من هذا السلاح . حتى الأرض تسوّد ,حين تلامسها طلقاته , حتى الصخر يتفتت في ألم حين تمسه . فكيف بالانقسنا احتمال كل ذلك ؟!..

الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش , أتى بأمور كثيرة ,لم تكن في الخاطر أبدا . ولا يصدقها الأسلاف إذا رُدوا إلى الحياة مرة أخرى . فهم لا يعرفون عن الانقسنا إلا أنها تلك الأرض الطيبة , التي تمنح أبقارهم المراعي, ورجالهم الجوغان والجذور اللذيذة ,على إيقاع الجالك والوازا , وبين أحضان الحبيبات ,ذوات الأجساد السمراء المتحفزة .الان هي انقسنا أخرى . بين كل حجر مقدس وآخر ,يقعي عسكري,وبين كل جبل وجبل ملتحي يقول كلاما لا يفهمونه . يعبث بمقدساتهم وينتهرهم بوحشية . على الرغم من مقابلتهم الحميمة., لكل من يطأ أرضهم .

الرجال الكبار لم يعودوا يهتمون لتلك الجلسات المهمة , التي يتناولون فيها شئون الحياة الصغيرة والكبيرة , والشباب لم يعودوا يهتمون بواجباتهم . انتشرت بينهم عادات لم يكونوا يعرفونها . تحول بعضهم إلى لصوص , وأصبح بعضهم .,عندما تحبل منه إحدى الفتيات , لا يكمل طقوس الزواج .

اصبحو أشبه بأهل المدن النهرية., أسفل نهر الانقسنا . يهربون من فعلهم., ولا يؤدون واجباتهم تجاه والد الفتاة .ولم يعد – هكذا – عدد البنات شيئا مميزا يفخر به الأب كما في الماضي , لم يعد يدلل على عظمته . أصبحن هما مقيما , وعبئا ثقيلا . مع الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش .

كانت السحنات تتغير شيئا فشيئا , وأطفال بلون مدن النخيل والكاكي والقمح., يولدون . لم يعد للانقسنا ما يميزها . لو جاء الأسلاف الان من مراقدهم التي ينامون فيها بسلام ,لتعجبوا وضربوا كفا بكف , دون أن يمزحوا مع الجفاف والطاعون ومعسكر الجيش  والشركة الفرنسية .,بإخراج ألسنتهم كما اعتادوا,عندما يدهشهم أمر!! ..

صار كبار السن لا يجتمعون إلا نادرا . أفكارهم مشلولة إزاء الخطر., الذي يستشعرونه . يروون حكايات بعيدة , عن عُمد قاوموا الإيطاليين .,والفرنسيين وجند الخليفة . يروون حكايات لا حصر لها .وييممون وجوههم شطر عمدتهم بشوتاله المهيب , عله يحرك ساكنا . لكنه كان يبدو منغمسا في عالمه الجديد , الذي رسمه له أصدقاؤه ,من رجال الحكومة والشركة الفرنسية وضباط الجيش .,والرجال الملتحين . إذ لا يفتأ يردد :

-ستصير الانقسنا مثل مدن النخيل .. اصبروا ..

 لكنه أبدا لم يجرؤ على تسفيه الحجر المقدس ,أو المطر.  وكذلك لم يجرؤ على إيقاف الرجال الملتحين., عن فظاظتهم مع الأهالي , ودلقهم المريسة , والتفوه بتلك الكلمات., التي تسفه الحجر والمطر المقدسين . لم يعد العمدة أبو شوتال, يناقش معهم الأمور ذات الأهمية في الانقسنا . كان مشغولا بزوجته النخيلية, ذات  اللحية الصغيرة التي لا تكاد ترى أسفل ذقنها . كان مشغولا بما هو مشغول به !!..

بعض الروايات التي يرويها عنه الشبان , تتحدث عن علاقته المريبة بخواجية ,لا يكاد يفارقها إلى زوجته النخيلية .وآخرين يؤكدون انه ينوي الرحيل إلى مدن النخيل ,حيث شيد هناك قصرا مهيبا , لينعم فيه بمكتنزاته من الذهب ,بعد أن باع الانقسنا للملتحين ومعسكر الجيش والشركة الفرنسية . ثم لا تفتا هذه الروايات, أن تسقط من الذاكرة, مثل أشياء كثيرة .,بفعل حصار الطاعون والجفاف., لأحلامهم وأفكارهم .

البحث عن الماء والطعام .,أصبح يشغل الانقسنا أكثر من أي شيء آخر . لفت انتباه حليمة هذا العسكري الذي باتت تجده أمامها كل يوم,كأنه على موعد معها . كلما أتت تقود بقراتها في السهل الفسيح ..

ويوما بعد يوم اعتادت تجاذب الحديث معه . ثم اخذ هما ذلك النوع من الألفة , التي تنشأ بين الغرباء! .

 كان البنجوس يحرص في كل لقاء بها .,أن يحمل معه شيئا من علب السردين والبسكويت . وهكذا تعرفت حليمة على أشياء أخرى, غير الجذور والبابون والجوغان .

ومثلما يحدث عادة في قصص الحب المباغتة . شهدت الأبقار و وطفلها الصغير,( الذي سيصبح اسمه فيما بعد عبده الخال أو البنجوس الصغير),  والسهول قصة حب متنامي . ولم يعد لذلك الحبيب الذي كانت تنتظره., مكان في قلبها الذي سلبه البنجوس الكومندان, يقين الانتظار . فانمحى والد طفلها من ذاكرتها إلى الأبد .

شهدت السهول والأبقار تبني الكومندان بنجوس, لطفل حليمة , وحب عارم لم توثقه الروايات البائدة والسائدة .,في ذاكرة الانقسنا المتعرجة.

(10)

قبل وقت بعيد , وقبل أن يهرب البنجوس إلى دار صباح ويموت أومي واقفا من حسرته عليه . قبل ذلك الوقت بأيام قليلة . استرد الشايب أومي ذكريا بصره, والركب يغيب عند الأفق الشرقي للوادي المهيب الذي صمت فجأة , كأنه يصيخ السمع لصلواته السرية .

كان كل شيء حول أومي ذكريا ساكنا ,حتى لكأنه يسمع تنفس الموجودات .,يخترقه ويؤكد فيه الإحساس بأنها المرة الأخيرة, التي يرى فيها البنجوس وتاجا .. كان واثقا من ذلك مذ رآه غسق البارحة ,في الجبراكة مع كيرا لنقي . فقد حدثته العجوز كلتوم في ذلك الصباح البعيد , وهو يشتري القرع من السوق الأسبوعي :

-ولد شرورو البنجوس كان مشى دار صباح ,تاني ما بجي .

كان قد رأى البنجوس في الجبراكة مع كيرا لنقي , وبعدها بأيام قليلة اختفى البنجوس واختفت الكيرا , وعادا معا مضرجين بدما ء الهتك .. قبلها عندما رآهما في الجبراكة, تذكر وصية شرورو شطة :

-ستحي اللعنة., التي لن يغسلها سوى أن تدفع ثمنها من دمك .

لم يأخذ أومي ذكريا وقتها قصد شرورو, على محمل الجد .,وان اخذ يردد ذلك على مسامع البنجوس , والفكي أبكر كثيرا . الان فقط يفهم كل شيء . في هذه اللحظات الفارقة في حياته كلها التي تمر من أمام عينيه, قادمة من أغوار الماضي, وأعماق الذكريات .

كان أومي ذكريا يقلب بصره في الوادي الفسيح . وكيف كان يحلم منذ طفولته بعائلة كبيرة , يئد بها جوعه للأبوة , لذلك سرعان ما تخطى غرامه بالكيرا ,وتزوج من الميرم تاجا .شغفه بالأبوة دفعه لإغماد هراوته كيفما اتفق , مشهرا شهواته إلى أقصى الحدود السرية . لتولد كيرا من عشة زوجة الجلابي التاجر . دون أن يدرك هذه الحقيقة., إلا بعد وقت طويل , عندما رأت الميرم كلتوم عشة زوجة الجلابي في المنام, لتخبرها عن ابنتها وزوجها القتيل في تقلي .الأمر الذي دفع الميرم كلتوم بإجراء طقوس الاستعادة , فأرسلت روحا أقلقت منام كيرا التي لم يهدا لها بال, إلا بعد أن وصلت البلدة الصحراوية تدفعها قوة خفية دفعا .

عندما حدثته الميرم كلتوم ,كان البنجوس يافعا وكان دون اعترافه بأبوته ,لها شوك القتاد والاسبار والجند في دار الشرتاي .

نشأ أومي ذكريا وحيدا كشجرة اندراب., يتيمة عند قوز منفي . فتوحد مع الوادي والذكريات ,يحاول الفكاك من سبر عائلته الآيلة للانقراض .

عندما انتصر الإنجليز وسقطت السلطنة , ولم يتبق من شرورو سوى الذكرى البعيدة لشرتاي عظيم . لم يكن احد يستطيع تذكر المكان, الذي دفن فيه جسده المفصول عن رأسه , كما أن الكيرا بعد هذه الأحداث الدامية, كانت قد اختفت فجأة كما ظهرت فجأة . أكثر جمالا وبهاء . كان سنوات عديدة لم تمر عليها . كان السنوات تتسرب من بشرتها الناعمة, دون أن تترك أثرا : كانت عشة زوجة الجلابي – هكذا , تشبه الكيرا شبها عظيما , الخالق الناطق !.. لذلك كان أومي ذكريا ,يصر على مناداتها بكيرا ورتابة الوديان ..

الخواجا الإنجليزي بيتر ود الميرم كلتوم .,تقرب منها بحميمية , إذ ركبه ألف عفريت : "وصالها أو لتذهب الأحلام الإمبراطورية لجلالة الملكة إلى الجحيم ".

كان ذكيا وأليفا . تعلم الرطانة بسرعة مدهشة , ودفع الميرم كلتوم لتبنيه كابن لها,فكان عندما ينزل البلدة الصحراوية ,يحضر إلى بيتها ويناديها :

"الميرم مام" .

قالوا له سنطلقها من الجلابي ونزوجها لك لو أسلمت , فاسلم .قالوا له لا يوجد مسلم أغلف , فاشهرهراوته لآدمو الحداد كي يختنه ,قالوا له أن كيرا زوجة رجل ,والنساء دونها كثير فاختار . فاخذ بيتر يبكي ولم تفلح كلتوم في تهدئة خاطره المنكسر . كان بيتر ودكلتوم وقتها قد أصبح جزء من أساطير الوادي , ينهض في شغاف ذاكرته , خاصة عندما يشرب المريسة ,وعينيه الساكسونيتين, تتلمظان الوجوه المبتسمة له,في محبة وود

هجر بيتر ود كلتوم المركز, في الفاشر وترك عمله , وفشلت كل محاولات المأمور,كوستا الغليظ .,في أعادته إلى رشده مرة أخرى . كان بيتر يتحول إلى قط أليف ,عندما يأخذه خدر البقو إلى مناخات لا رجعة منها , فيأكل المرين ويشتم ندماءه بالرطانة :

"نن دن سندي" (كسمكم).

صار واحد منهم .يخرج معهم إلى رحلات الصيد , ويأكل ما يأكلونه من كائنات الوديان العجيبة , بدء بالورل وانتهاء بابو شوك, والجقر  وكديس الوادي.

في الأيام الأولى كان عندما يأتي من مركز المديرية, يستضيفه الشرتاي . وعندما اختلط بالناس وعرفهم وعرفوه , صار ينزل في ضيافة الميرم كلتوم .التي أفردت له "كرنكا" وتبنته , فلم يعد هناك من يجرؤ ,على مناداته بغير :"بيتر ود كلتوم".

كان بيتر مغرما بالوادي والناس والأشياء . يستمع إلى الحكايات باهتمام, ويسأل في فضول . وأكثر الأشياء التي كانت تؤرقه هي : أن يجد كتاب دالي المفقود .حفظ بيتر سور من القران بقراءة ورش وانضم للتجانية ,وأصبح يلبس المرقع ,إلى أن غادر الوادي ,مقيدا في عربة المأمور, تحت حراسة عدد من الجنود الإنجليز, ذوي الشوارب الغليظة . أعادوه إلى بلاده البعيدة , وزجوا به في ما ريستان الملكة , كأحد ضحايا الحروب , في مغرب الشمس .

كان بيتر ودكلتوم شخصا صبورا طويل البال . اجتهد كثيرا في إقناع الأهالي, بإدخال أبنائهم المدارس ,ليصبحوا أطباء ومهندسين , يعالجون المرضى ,وينشئون السدود ويعمرون الوادي الفسيح ..  ليصبحوا إداريين .,يديرون بلادهم ويطردون الفقرا الغرباء., وأولاد البحر . لكن الفقرا أخافوا الناس ,وشككوا في دوافع ودكلتومة النصراني ,المنافق. ونشروا الشائعات , فهرّب الأهالي أبنائهم إلى غياهب جبل نامي, وأعماق وديان دارفونقرو , فلم ينجح بيتر ود كلتوم والشرتايات, والدماليج والعمد ,الذين أعطوه أبناؤهم عن طيب خاطر., ليحملهم معه إلى  المدرسة الداخلية ,في الفاشر عاصمة المديرية, وحاضرة السلطنة التي ولّت .

في جلسات السمر كان الفقرا ,وبقايا دراويش الخليفة يتهامسون :

-هي ترا ود كلتومة بخربي عيال عليكم .

-ودكلتومة, ود العزبا قال يغشينا ترا .

وهكذا سيطر دراويش الخليفة والفقرا ,على عقول الأهالي بالدعاية المضادة, التي كانت أقوى من محبتهم لبيتر ود كلتوم .

حتى أن عشة زوجة الجلابي ,شبه الكيرا نفسها. كانت تروج للشائعات المضادة . فبينما المأمور الإنجليزي في مروره على الوديان ,ذات مرة . لمح عشة الجميلة وهي تحادث الناس ,عن زيف الغرباء الخبثاء والدراويش . كانت تحدثهم عن دين أسلافهم وكتاب دالي الذي أخذه البرق : كتاب المعرفة والقانون ,. وأخذت تصر على أن النصارى لا يستطيعون إرغامهم على ترك أشياء يحبونها , وأنهم لن يستطيعوا طردهم إلا بسلاحهم : التعليم ..

بدا كلام عشة متناقضا . يستطيع الجميع تفسيره حسب اهواءهم ..

شكك البعض في دوافع عشة , واتهمتها الميرم كلتوم صراحة, بأنها تنفذ مخططات زوجها الجلابي .ولم يهتم آخرون بالتصدي لها,أو لدعاية الدراويش المتنامية , وابتلعت الوديان في مجاهيلها المزيد من الأطفال, المهربين من المدرسة الداخلية .

في الليالي نصف  المقمرة, التي تشي بحزن عميق, يصر الأهالي على سرد الحكايات المتوارثة ,عمن أسرهم تجار الرقيق الخواجات , الذين كان يعمل الزبير باشا لديهم . كانوا يتحدثون عمن فقدوا, أو ماتوا أو اسروا. وحملات الغزو التي كان يقوم بها ,المصريون والجلابة أولاد البحر.

في كل صباح بعد أن هرب البنجوس والميرم تاجا , كانت كيرا تخرج من مخبأها .,وتمضي إلى ذلك الرهد المتنائي عن الوادي والبلدة , تغني لنفسها , وتنادي الحبيب البعيد , فيجيبها الصدى :

" أومي .. أو مي ..

دام ..دام ...

داما ريفا دوي .. داما ريفا دوي ..."..

فترتج الوديان والفرقان .,وتخر الأشجار., وتنفرج عن الرهد القطا طي والناس والخيول . تضرب النقاقير , فتركض كيرا . تتوسط الحلقة وترقص معهم . ثم يختفي كل شيء فتعود أدراجها . تأرق الأهالي من اختفاءات كيرا الغامضة , فتبعها احدهم ذات غسق وردي ,واتى راكضا يحكي لهم عما شاهده , فلم يصدقه احد في البدء , لكنهم عندما قلبوا الأمر في أفئدتهم, التي تثوي فيها ذاكرة الأسلاف , تبعوه في الغسق التالي , ورأوا ما رآه .. منذها أصبح اختفاء كيرا لنقي كاملا, إذ لم يرها احد بعد ذلك أبدا ..

بعضهم يزعم أن الجن أخذها , فهذا الرهد حفظته حكايات الأسلاف , وما كان لأحد منهم أن يتصور وجوده., لولا رأوه رؤية العين ..

قالت الميرم كلتوم :

-طال الزمن أو قصر, زمن الأسلاف يعود ..

ولم يهتم لقولها احد .

(11)

رأى البنجوس نفسه يمتطي جوادا كميتا , منجردا قيد الأوابد هيكل . توغل في صهيل الجواد وتوغله الصهيل , والجواد يشق بجسده الأملس .,مياه البحيرة ويغيب في أعماقها , ويحاصره صوت عميق كالدوامة :

" ساو ..ساو صولونج صولمنج .. ساو ..."..

يشعر البنجوس بالغرق في الصوت والماء ,فيصحو مذعورا ..

مرة أخرى يجد نفسه مبللا .. عصر ثيابه , وتذوق البلل . لم يكن عرقا , كان ماء حقيقيا . ماء له طعم المريسة . نوع غريب من المريسة .. أحس لحظتها أن رحلته الحقيقية ستبدأ عند البحيرة , وظل بانتظار تلك اللحظة لسنوات طويلة ..

تنهد البنجوس تحت شجرة الجهنمية, وهو يسترد ذاكرته المهوِّمة في الماضي والذكريات , مختلسا النظر إلى سلمى وعادل اللذين, انتحيا  قرب شجرة النِّيم الهرمة , ينتظران عبده الخال في قلق .

-انتظروه جوّه . ليمياء موجودة .

كانا يقفان في مكانهما المعهود , ذلك البيت., الناصية .عند طرف الشارع الفاصل بين ديوم بحري والمزاد , المحازي لميدان المولد , قصاد الأمية تماما .. تحت شجرة النِّيم الهرمة , اليتيمة , التي شهدت إعلان حبهما , كما شهدت بواكير نظراتهما, وابتساماتهما المتبادلة ولقاءا تهما الحميمة , كمراهقين يحبان لأول مرة , بعيدا بعيدا عن الكومندان .,الذي يجلس كالمعتاد تحت شجرة "المِحنة"وينسحب في كرسيه المهيب إلى ككر بعيد , أقصى الذاكرة .. نادى عليهما , وهو يحاول أن يتجاذب معهما أطراف الحديث كالمعتاد .. لم يستطع . لم تكن لديه رغبة في الحديث مع احد . كان هائم الملامح ..

-عبده الخال يقول انه هكذا منذ فترة ..

(12)

- أخيرا عدت ..

قالت كيرا , فرد عليها بصوت متهدج :

-لقد قلت من قبل : سأنتظرك وان طال الحنين .

وامتطيا الفرس الأبيض , الذي شق بهما عباب البحيرة في المرة الأولى, ليفترقا على مشارف المعسكر ..

-سأنتظرك وان طال الحنين ..

منذها ولم يستطع أن يقرب زوجته حليمة أبدا . ظل الحنين العاصف لكيرا نيرانا لم تقوى حليمة على إطفائها . في كل لحظة يشعر بها اقرب منه إليه., من أي وقت مضى , ويعالجه الشعور الخفي باستمرار: أن موعد لقائهما قد حان ..

-أخيرا عدت ..

نأت شجرة الجهنمية العجوز . نأت راوية , نأت حليمة ., عبده الخال وليمياء .. نأى عادل في فراغ الماضي /الحاضر .. نأت الذكريات والأخيلة .,ومغامرات الصبا والشيشة والنفس الطويل .. نأى كل شيء !!..

كان عبده الخال يستمع في صبر إلى صراخ ليمياء بوجهه :

-أريد الطلاق .

-لماذا

-لأنك لست معي . أنت في عالم يخصك . لا اشعر بوجودك !..

-كيف ؟!.

-الكومندان معه حق .

-فيم ؟.

-كان يكره شيئين : الحكومة والمثقفين .

-لم يقل لي ذلك .

-لأنه لا يحب إغضاب حليمة أمك .

.. نأى كل شيء وبقى فقط الانتماء لكل شيء هنا : الجغرافيا , الناس , الوديان , الجبال والغابات والقيزان وأحاديث الأهالي, التي لا تزال تدور حول رهد الخيل ..

في هذا المساء المعبأ بنكهة القمبيل ,وضوع صندل الردوم والريحان البري , تسحب الكومندان., دخل احد القطا طي المزروبة بالقنا والشوك ,وتبع الميرم كلتوم  دليلته دون أن ينبث ببنت شفة . ابتلع الأفق الغربي الشمس , وفي اللحظة الفاصلة للمغيب تبدت كيرا ..

-أخيرا عدت ..

كان الكومندان السبعيني يعود شابا من جديد , في شرخ الصبا .. شرب البقو ورقص عاريا , بفتوة عشرات السنوات حتى غاب في إيقاع الطبول وأنغام ربابته المجهولة , فوجد نفسه متكئا على صدر الكيرا المتحفز .. دلكت جسده العاري , المتمدد كاب كردوس جذبته , نهضا أمام الجبل السامق في العرى, كأنه يحتوي الكون كله, ودلفا إلى قلب الجبل , حيث بدأت مملكة الكيرا تتشكل من جديد ..

هوامش :

(1)طريق الملح : طريق تجاري يربط السودان الغربي القديم بغرب أفريقيا .درب الأربعين : يربط السودان الشمالي بمصر .كما يربط السودان الشمالي بالغربي.

(2)مالحة : مركز تجارة الملح في السودان الغربي القديم .

(3)المهاجرية : طلاب العلم الديني التقليدي في الخلاوى جمع خلوى.

 

 

القسم الثاني: عالم عبده الخال

 

ينتقل عبده الخال بقلمه من نقطة لأخرى على الخريطة المفرودة أمامهما ,ناهبا الطريق في إقليم السافنا  يشير لعادل : الرمال , الشجيرات القصيرة المتفرقة , الأعشاب الكالحة وأشجار التبلدي , التي تمد أغصانها باتجاه البرق الذي يلوح في أفق السماء .. البرق العبادي ...

مع البرق العبادي تتشتت الذاكرة , تنساب الصور مختلطة , مشاهد مبعثرة , فمع البرق العبادي , يبدأ كل شيء في مسيرة التحولات أو التخيلات , التي بوساطتها يحاولان التحرر والخلاص من هواجس ظلت تلاحقهما ,لوقت طويل ..

هواجس ليست واضحة حتى له هو عبده الخال بالذات  .. هواجس دنت منهم جميعا  , متسحبة رويدا رويدا إلى أن أغلقتهم داخلها ..

فلم يعودوا يرون سوى أخيلة مشتركة , تنبثق من ذاكرة الكومندان ., قوامها المدن البائدة , وجرح الحبيب . الشوارع التي وطأتها أقدامهم , الدروب , الناس والبرق العبادي . إحساس غريب ينبثق من هذا البرق , ليتغلغل في أعصابهم جميعا فيدفع بعضهم إلى الانتحار وبعضهم الأخر للجنون ,وبعضهم للهجر والابتعاد أو الاختفاء الغامض . كانوا جميعا يدركون أن البرق العبادي هو لمع خاطف لروح الكومندان التي حبستهم , وانه يخلخل كل شيء فيهم , حتى لا يعودون هم : هم ذاتهم ..

قالت سارة : يتسلل الكومندان لعنات .,مخبأة في قماقم مرصودة منذ آلاف السنين , يرمي لعنته في فضاء المدينة., التي تمضي لسهرتها للتو , ويمضي في صمت الغسق التالي, و السكون العميق الذي تتبدى عنه الذاكرة السرية مستنزفة بمحمولاتها, مشاعري الحبيسة , فانداح كظلال غائرة في البعيد : محض انثى تحت وطء فحلها البنجوس...

نعم جلس الكومندان قربي .جاء صوته عميقا , عميقا كتنهيدة تخرج من أغوار حلم جميل . كآهة عذبة يبحها وتر مكتوم .,بذكرى حميمة لعاشقين اصطليا بنار الوجد , وتجمدا في لحظة واحدة بين نقر الوتر وآهته الشجية . كان الكومندان يتماهى في كل شيء في فضاء الغرفة بأنفه ذاته الذي يخترق أحلامي في النوم واليقظة .

قبل قدومه بوقت طويل كنت أراه . وفي تلك الظهيرة قبل أن يجيء رايته وأنا أطأ الحمام . شعور غريب بين الصحو والنوم انتابني لحظتها., وأنا أتعرى للماء . كنت كأنني اكتشف جسدي للمرة الأولى , موحشا , يابسا , موغلا في العذاب ..

استعذت واستغفرت وتحصنت . لكن اخترق الكومندان التعاويذ والحصون , سال مع الماء , وبللني . تسلل عميقا عميقا . كنت أتوه وأغوص في خدر متقطعة الأنفاس .وقلبي ينتفض في عنف . لم اعرف كم مر علي من الوقت وأنا على هذه الحالة من الغفران والصفح .

جففت نفسي. ارتديت ملابسي ., ودخلت غرفتي . كنت كالمنومة مغناطيسيا . وأنا أرى الكومندان يطوقني , يحاصرني . تناثرت ثيابنا في فضاء الغرفة وتماهت في أخيلتها , وبدا لي الكومندان شخصا أخر فتيا يحمل جسد الكومندان . شخص اعرفه ولا اعرفه . غبت فيه تعتصرني عضلاته , تخدرني رائحة العرق . كنت مأخوذة دون إرادة . دون وعي . دون هوية . دون تاريخ . أو جغرافيا , كالحلم . الزنخ , الحمى , الحكايا , رغوة الصابون .. وحدي في المكان المبلل بوهم – ربما – لذيذ يفرض سطوته على الألم العذب الذي كان يسري شفيفا في عروقي .ولم يكن للكومندان اثر . كيف حدث ذلك : لا ادري . هل حدث فعلا : لا ادري!! ..

 تأوهت وأنا أحاول تجميع نفسي كالمخبولة . تحصنت مرة أخرى واستعذت واستغفرت وأطلقت بخور اللبان الضكر ليطرد الشياطين . ومع انعقاد الدخان وتسلله خلايا الغرفة , بدأت الأخيلة والحلم والذكريات , تتلاشى في ذاكرة الجدار لتغادر الغرفة., مع دخان اللبان الضكر . كان وعيي قد عاد .حاولت أن أتأكد مرة أخرى أن  الأمر لا يتعدى أضغاث الأحلام . لكن وجدت أيقونة الكومندان معلقة على عنقي !...

(1)

اكتظت الغرفة عن أخرها بالأصدقاء والأشياء : أكياس "التمباك" رقعة الشطرنج, العود, جهاز التليفزيون , والأصوات المخترقة للنوافذ المطلة على الشارع , الذي تحجبه شجرة الجهنمية العجوز ..

كل شيء يؤدي دوره المرسوم بتناسق تام . مرتب حتى في فوضاه !!..

وهو سعيد تماما كما ينبغي له كعبده الخال !!..

مثل كل خميس , عندما يتوافد أصدقاؤه بمؤامراتهم الصغيرة , وجرائرهم الكبيرة . أكاذيبهم الملونة , وأحلامهم التي تبعث في نفسه الإحساس بالصفح والرضا !..

يحيط عادل بنظرة عميقة , متعاطفة ..

عاش عادل حياة مضطربة , اكتشف في أحد منعطفاتها الحرجة , انه ابن غير شرعي للبنجوس الكومندان , فوسم ذلك وجدانه بجراح عميقة .. لم يكن يتصور أن أمه راوية , قد أنجبته كثمرة لحب عابر. وكان كلما تناوشته الخواطر, يقف تفانيها في تربيته , حدا قاطعا كالسيف يعيد له الهدوء الذي يظل يطمح إليه , فينجح أحيانا ويفشل في مرات أخرى .

حبه العميق لها , ذكريات الطفولة , رحلتهما المشتركة , وحدهما كالغرباء . كل شيء .. جعل الأمر كسحابة عابرة , أو ظن أنها عابرة , تمر ببلاد أنهكها طول الانتظار للخرائف غير المثمرة , أو ربما أغرقتها الخرائف العاصفة ..

بحث عن الكومندان طويلا حتى وجده , وعندما وجده لم يجرؤ على أن يعرفه بنفسه , كان قد فقد الرغبة في التعرف إليه , كابن لراوية التي تعذبت كثيرا ,وتألمت طويلا وهي تتنقل من مدينة لأخرى , ترعاه كذكرى حميمة , لحبيب بعيد .

اكتفى عادل بإنشاء علاقة غامضة بالكومندان : لا يدري هل يحبه أم يكرهه!..أهو شعور بالحميمية , أم الخبث والمكر , ريثما ينقض عليه في لحظة حاسمة ؟!!..

نعم ينقض على والده الذي لا يخطر بباله أبدا , أن هذا الفتى الفارع الذي تقترب ملامحه من أومي ذكريا كثيرا . ما هو إلا الابن الذي لطالما حلم به في حياته المديدة . عادل ابن راوية , حبيبته النائية , التي علق بها ذات غسق بعيد, عند "العطبراوي" , فأنهد الجسر العتيق للنهر الموسمي( قصير الحياة ),وهدم "التساب" المدينة ..

-سأخبر الكومندان انك ابنه..

-إياك أن تفعل يا عبده . أنا وأنت والمرحومة راوية فقط من يحق لهم إبلاغه , وقد مضت المرحومة إلى رحاب الله ..

ولد عادل من راوية , مثلما ولد أومي ذكريا من شر ورو شطة .. من كيرا ,عندما دخل بها عند جبراكة الدخن , وكذكر النحل رحل في الأبدية , لتلحق به هي الأخرى , ريثما تضع بذرته! .

أنجبت أومي وفارقت الحياة . كانت قصتها ككل قصص العشق السري , يفاجأ بها الناس بعد أن تكون قد تجذرت في الطبيعة !..

-إلا تصدقين بعد إنني احبك ؟!..

كانت عائشة تقسو عليه في البداية , تتحدث عن أوشي بتشفي فركع عن قدميها , ومنذها بدأت تلين .

ابتلع غصة اعترضت حلقه , واختلطت في جوانحه حرق شتى :

-أريد أن أرى وجهك .. ارفعي هذا النقاب !..

-مستحيل !..

كان عادل يحب عائشة بجنون .مثلما في الروايات التي سادت ثم بادت . هدأ الكر والفر, ومع الحصار تجددت الذكريات , مثلت الأحزان , فحكت لأول مرة عن طفولتها الغريبة , في البلاد الغريبة , التي تتنفس النفط , وتأكل النفط , وتشرب النفط , وتتوسده في قيلولات الظهيرة ..

 

حكت عائشة عن غربتها, وعن آلهة قاسية تعاقب النساء بالنيران العظيمة , وتصب الإنك على فتحات الرجال . فشدت على حجابها أكثر فأكثر ,وهي تستغفر "ابن عثيمين"  .

كانت معبأة تستشعر الخطر الدائم , بعد أن استنفرت كاسيتات ابن عثيمين مشاعرها واستنزفت عواطفها المجروحة . فلم تعد ترى شيئا إلا من خلال الأبيض أو الأسود – الكفر /الإيمان – الحلال /الحرام – الهي / الهو .. كان حالها أشبه بالمبالغة الهذيانية للتهويل, الذي أشاعته "غرة العيون – مفرح القلب المحزون!",وهي تختط أوسع حرب أخلاقية نفسية عرفتها قرون الظلام! .

ومع الحصار استمرت تحكي .. وتحكي عن كيف قطف صديق والدها وردة جرحها , عندما فتحت له الباب , متصورة انه احد والديها ,نسى شيئا وعاد ليأخذه .. دخل بسرعة فائقة , ألجمتها . لم تستطع أن تصرخ .الرعب والخوف المميت لطفلة تجاوزت العاشرة من عمرها بعامين  ,  الرعب والخوف جعلاها لا تدرك ما حدث, إلا بعد مرور وقت طويل !.

مع الحصار تكشفت عائشة عن عوالم غريبة , بقدر ما نأت عنها , اقتربت منه , وبقدر ما اقتربت نأت . ولامس الكر والفر , لفرس منفي في الذاكرة , وجواد يخب على تخوم الربع الخالي , دنو سلمى ببطء كسراب الصحراء .

تسحبت إلى عالمه , مفتونة بغموضه الغائر . سلمى الرائعة , الخالية من عقد الغربة وجراحات الاغتصاب . بسيطة وعذبة . واضحة ومباشرة في مشاعرها , تريد أن تحب وتحب .. أن تتزوج وتنجب أطفالا كالورد , تسقيهم ماء الحياة في اطمئنان . ينشأ ون في مملكتها الآمنة, بهدوء دون أن يلحظهم احد, فيصيبهم ب"العين" .يكبرون في الصفح والغفران , كأبناء لأحلام عادية جدا, وأبوين عاديين جدا , لم تطرق الأزمات حياتهم منذ عهد بعيد .

وكان عادل منقسما . يشك في قدرته على صناعة مثل هذه الحياة مع سلمى , وعائشة تقلق باله , وتدفعه للمضي ابعد فابعد .. يعد النجوم , ويغني :

"سهران بهاتي .. والليل ما بنومو أنا حارس نجومو" ..

البون بينه وسلمى شاسعا شسوع الجبل والظلمات .عالم لا نهاية له ,يأخذه بعيدا, بعيدا .. وكلاهما يشعر أن الأيام تخبي له في رحمها , حقيقته التي تطارده .. قدره الذي يهرب منه إليه لا يلوي على شيء .. خوفه , حزنه , اقترابه في الهجر! ..

حلقت معه سلمى خارج أسوار الأساطير والحكايا , دفنت الكهف السحري لحكايا الكومندان البنجوس , لتبتلعها غياهب الأصدقاء الذين يتحلقون كل خميس, في غرفة عبده الخال. لتنقشها في كهف آخر مدفون في لا مكان لا زمان , تجلس فيه إلى الأسلاف , تأخذ عنهم أسرار المراصد والطلاسم , لتفك رموز عادل , وتمارس السحر على نقوشه الغامضة ..

فيمضي هو الأخر معها , يشقان الدروب الضيقة , تحاصره بإغرائها , يمسك بيدها البضة , فلا تبدي احتجاجا . يحتضنها , فلا تمانع .. وهكذا تصحو رغباته لمدفونة , وتتفجر تورماته الأزلية , فيسافر معها سنوات لا يدري أحدا عددها ..

كانت سلمى سليلة الحسب والنسب , وأخر البرجوازيات المنهارة , في دولة بني لكيلك الجنجويدي ..

كافتيريا أتني بأضوائها الهادئة , تأخذه في المسارات المتعرجة ,التي تتبدى عنها عيني عائشة, التي تجلس قبالته في صمت . يجلس إليها مثلما جلس صولمنج يرقب شبونة , "مهدودا". في ذلك المساء البعيد ..

يغوص عادل في عالمه , بعيدا عن ضجيج الافندية والمثقفين , الذين يجالسون أنصاف الحبيبات .. أشباه الجواري. يختلفون حول الأمور التافهة والصغيرة . فيوغل عادل في صمت عائشة , التي تحدق فيه , في صمته المهيب. تتسلل صوت الكومندان البنجوس وهو يحكي عن خراب "ساورا" , ليحقنها بألم أزلي, يسحبها إلى كهوف "ساورا" ,ويتركها تمضي مع الفتيات الملكيات . يكتشفن أسرار الجسد!.

تهصرها الحمى .,وتأت إلى صولمنج في الأمسيات الشاحبة ..

كان الكومندان البنجوس , يأخذهم واحدا تلو الأخر , ليرمي بهم في أحضان لحظة منسية ,تحاصرهم كشبكة ليس منها فكاك . لحظة يتعاطونها كالأفيون , تسري في الدّم . يشعرون بالحاجة إلى جرعاتها دائما ,لتهدي صبوا تهم وتشعلها في آن . قالت عائشة تتسلل الصمت., الذي خيم على أتني فجأة :

-ألا تمل الجلوس هنا . أنا لا أحب هذه الكافتيريا . الوجوه بائسة . تجعلني أشعر بالموت!.

-هيا بنا .

نهض دون أن يعلق . مضيا يعبران إلى  شارع النيل.. كانا خائفين من تلك الكلاب البوليسية التي تنطلق فجأة من مكان ما من شارع النيل ,لتضع العشاق في تلك اللحظة التي شعر بها "ساو" و"نيرديس" عندما دهمتهما نبتة ..

شارع النيل يخرج من قلب عادل , يتشكل من شريانه التاجي , يمتد في طرقات المدينة الزاوية , وهي تعاني النزع الأخير , في مهابة جليلة .شارع النيل يمتد في الأوردة .يرحل بعيدا في الفضاء الرحب , متكورا على نباح الكلاب البوليسية .تأوهات أرامل الحرب الأهلية وقتلى الفوضى وشهداء الاستبداد.متكورا على العوانس اللائي فقدن أحبابهن في حروب لا تنتهي , ومهاجر تبتلع الذين لفظهم الأهل والأحباب , وخذلتهم البلاد الكبيرة .

وقع خطوات عادل وعائشة الذين ابتعدا كثيرا في شارع النيل , يتكور هو الأخر على قلق الخيانات الزوجية , وتأزمات العشاق الذين ضلوا الطريق إلى حبيباتهم .يتكور شارع النيل على أحزان عائشة وعادل., وهما يعبران إلى الاتجاه الأخر من المدينة , يعبران الجسر العتيق ..

كانا يمشيان بتؤدة وحميمية , تسم القلب .

كانا يمشيان على احاسيسهما الملتاعة , واصابعهما المتشابكة .,تشتعل في الأسرار الخفية ,تجوس في الغياب الحضور , لتقترب مؤخرة المدينة خلف الجسر .

-المدينة أنثى .. كل النساء مدن ..

قال عادل فتساءلت عائشة :

-لماذا لم يطلق علينا مُلاك الحقيقة كلابهم ؟.

-انه هذا الحجاب الذي ترتدينه . أنهم لا يصدقون أن للمحجبات قلوب مثل الأخريات.

-لا يصدقون ما يرونه . بينما يصدقون ما لا يرونه! ..

مؤخرة المدينة الشاسعة تتمدد على شريط النيل .

المدينة تغتسل الآن كسابا الفارعة . من ذكريات أخر لياليها البهيجة مع "سور نق" , فتنفض عائشة الغبار عن حذائها الأسود , بمنديل الورق المعطر , وتسوي من عباءتها الفضية .. ترتب الحجاب على وجهها جيدا , لتكمل الهندام و يطرق عادل الباب . يطل وجه الكومندان :

- لا تسألاني عن عبده الخال . فهو ليس هنا ..

يدخلان غرفة عبده الخال . بلمحات خاطفة يكرر الكومندان النظر إلى وجه عائشة . كانت تشعر بذلك وتحس بنظراته تخرق الحجاب ..

غاص عادل في بريق بصرها المختبيء , واللمحة الخاطفة للبنجوس ..

لحظتها كانت راوية أمه تحتويه , بأحزانها وحرمانها ..

راوية الصبية التي أحبت الكومندان في الهجر , ولم تدرك أنها تحمل بذرته في أحشائها., إلا في الغربة والحنين  والترحال ..

قطع الكومندان الصمت الذي خيم على الغرفة :

-لم أرى صديقكم نواي منذ فترة .أين هو ؟.

-اعتاد أن يختفي بين آن وآخر , فهو اقرب إلى الوحدة منه إلى الجماعة .

-إنها الحرب . مسكين نواي .

-كان قاب قوسين أو أدنى من الموت أكثر من مرة .نجى من عدة محاولات اغتيال بأعجوبة .هرب وتشرد . سحر تبذل جهدها لإعادته إلى سابق عهده ..

تدخلت عائشة التي كانت صامتة طوال الوقت :

-يدهشني صمود علاقتهما كل هذا الوقت . منذ ترك نواي التنظيم  المدني واختار المقاومة المسلحة .

-إنها علاقة تاريخية .

التفت عادل إلى البنجوس :

-ألا تعرف أين ذهب عبده الخال ؟

-خرج مع سوزي . كانت قد غشيته .تهامسا ولم يلبثا أن خرجا .

-لابد إنها متعاركة مع مناوة ؟!.

وقتها كانت سوزي تتوغل أكثر فأكثر, في خواطر عبده الخال المتلاشية , لتكثف خواطرها مكانها, فينساب صوتها متوترا  :

-لم اعد افهمه !.

تدخلت سحر :

- انه شخصية سايكوباتية .

- أنا لا اسمح لك .

ران صمت عميق على ثلاثتهم . نهضت سوزي غاضبة , وهي ترمي سحر بنظرة شذرة ومضت . تركتها تجوس وحدها في ذاكرة الخال .التي كانت تتفحص حياة مناوة قريبة الشبه من حياة نواي , كنازحين من أوار الحرب, تمت إعادة انتاجهما من قبل المنظمات الملتحية, التي أشرفت على تعليمهما إلى أن افلتا منها ,بدخولهما الجامعة .

فقد مثلت الجامعة لحظة قطيعة جذرية بينهما وبين حياة التنظيم ,الذي ألفاه منذ وقت مبكر.. قطع عليه مجيء روزالندة حبل تأملاته . فخرج من معركة سحر ونواي , سارحا في حياة روزالندة : (أنشودة الخريف) كما يطيب للأصدقاء تسميتها ..

 نشأت روزالندة الساحرة في أسرة غريبة التكوين , اختلطت فيها دماء الشمال, باليهود الفلاشا والقبط المصريين , وبقايا ألبان محمد على الغزاة , الذين استولوا على أسواق الذهب والقماش .أحبت روزالندة في مراهقتها احد الشبان وهربت معه . كانت لحظتها تخسر أسرتها والى الأبد ..

عندما مات حبيبها (الذي أصبح زوجها بعد عدة سنوات) في الحرب , حاولت العودة , فوجدت أسرتها قد انهارت تحت ضربات النظام الاقتصادي , الذي استهدف بزعانفه السوق . كسمسار بارع . فانزوت روزالندة في أول وظيفة اتيحت لها ,كممرضة..

كانت أسرتها العاجزة عن الصفح والغفران تقف في بحر متلاطم الأمواج , تعلو وتهبط على حافة الفقر , وبين مفترق الطرق انتحرت شقيقتها الصغرى . تقطعت أوردة الأب وشرايينه وأصيبت الأم بالضغط والسكري وضعف القلب , ولم تلبث أن لحقت وزوجها بابنتهما المنتحرة .

باعت الشقيقتان المتبقيتان البيت الكبير والدكاكين الخاوية .أعطتا روزالندة نصيبها ومضتا إلى القاهرة , تلحقان  ببرنامج "إعادة التوطين"خارج البلاد الكبيرة . بينما بقيت روزالندة تشهد رحيل أخر من تبقى من أسرتها في المهاجر . تمزقت أشلاء أسرتها بين باطن الأرض ومنافيها . شعرت وهي تودع شقيقتيها . أنها لن تلتقيهما أبدا, إلا في زمن افتراضي .

(2)

سافر عبده الخال في ذاكرة البنجوس , إلى مضارب قبيلة في الوادي القصي , لا تزال تموت بأمراض منقرضة .. في سوق الاثنين "أمدور ور"شدت صبية واسعة  العينين انتباهه . كانت مراهقة ملظلظة , تتبدى عن بداوتها , وبريتها , بجنون لاحد له .. قال الدليل , الذي كأنه خرج للتو من أعماق جل نامي :

-إنها تظهر في السوق فقط , لا أحد يعرف إلى أي القبائل تنتمي , أو أين تمضي أيامها . تغيب في الفلاة , كأن الجبال البعيدة تستردها , لتعيدها في يوم السوق .. الجميع يهابها ك"إياباسي" زمزم , أو "الميرم" تاجا , فهي عنيدة وشرسة كأنها تخرج من مجد الجبل ..

توغلته حكايتها , تسربت مسامه , تحكمت في مسارات ذاكرته., وملأت الفراغات , الدوائر , الخلايا .. كإرتعاشة كهربية متموجة , تملأ فجوات الذاكرة وتفيض ..

دفعه الفضول لارتياد "الباجة" مع الرعيان .,والطوف الأمني . التف الجميع حول غزالة جميلة , يطوقونها دون أن تشعر . حاصروها , عند عودته من ذاكرة الكومندان , قال عادل لعبده الخال :

-كانت الغزالة تشبه تلك الفتاة الغامضة , اياباسي  عنيدة مثلها .. كنا نقترب منها بخراطيشنا , وكانت تقف على نحو مدهش . هادئة , كأن الأمر لا يعنيها .. كنت أرى الغزالة تتبدى عن عائشة يا عبده !..

-بينما يجن جنون سلمى ؟ إنها قلقة عليك ..

-أنت تعلم إنني أحب عائشة .

-وسلمى ؟!.

-لا أستطيع الاستغناء عنها..

قوى خفية تدفعه . تتحكم فيه . قوى لا ملامح محددة لها , مثل عائشة خلف حجاب , نقاب , ستار .. قوى غامضة , تماما كشيء من الجنون والحجب والكراهية والوهم . شيء أزلي يسلبك إرادة المقاومة,يستنزفك و يسحبك إلى مفاوز ومغارات ملونة , وبيداء تضوع بعطر المخاطر , التي لا حد لها , شيء مهلك في تلك الغزالة , وهي ترسف في دمها ,الذي تفجر بغتة من صدرها , فلم تعد تلك الفتاة تظهر في السوق . كانت قد اختفت كفص ملح في أرخبيل عريض !!.

-إنها لعبة البنجوس يا عادل , انه يضحك علينا , يتلاعب بأخيلتنا وصورنا , ويجعل من ذاكرتنا شيء هلامي نعجز عن الإمساك به! ..

-لا , بل الجر ثوم الموروث في دمي .. لعنة الوادي .. تعبث بي , تأسرني , كيما تحدد هويتي التي لا أستطيع إدراكها .

-بل لعبة الايدولوجيا .

-ومع ذلك كل شيء محض أكاذيب وهراءات ومزاعم , تخيل وطنا بكامله ينهض في الهراءات والمزاعم !..

سحب عادل العود , كما كان يسحب البنجوس ربابته في زمن انقضى . اغمد الوتر في وجه عائشة . عزف النزع الأخير بدمها الذي ضرج ذاكرته , وانتظر ريثما تهدأ أنفاس الجميع , ليتسرب الغسق وارتعاشات المساء بلحن حزين! ..

(3)

- برهان الحبشية تسأل عنك يا عادل .

- إنها صديقتك أنت.

 قال عادل بخبث ,فنفى عبده الخال :

-حتى أنت يا ..

-دعنا من ذلك الآن . ماذا قررتما أنت وسلمى ؟!

-ربما نتزوج .

-لولاها لما خرجت من مستشفى المجانين .

-انه ليس مستشفى للمجانين.

-أعلم ..أعلم , المرض النفسي شيء عادي مثل الملا ريا والحمى الصفراء , وهلمجرا .. هكذا يقول كل أنصاف المتعلمين.

-وماذا تقول أنت؟! .

ضحك عبده الخال :

- أقول انه أشبه بالإيدز .

على غير توقع دخل الكومندان , فأرادوا أن ينهضوا ..

-لا.. لا الزموا أماكنكم , أريد الأنس بكم قليلا ..

أدهشهم هذا اللطف فوق العادة.,الذي أبداه ,سأل عادل :

-كيف حال الحاجة حليمة ؟.

فرد الكومندان بأسى :

-عمتك حليمة لا تزال تصر على قضاء ما تبقى من عمرها في الانقسنا , وأنا أصر أن نمضي لقضاء البقية الباقية من حياتنا في الوادي , وليمياء وزوجها عبده لا يعجبهما هذا ولا ذاك .. كما ترى نحن على مفترق طرق ..

-كل منكم اختار معنى وجوده وهويته ..

الصمت الذي حاصر الغرفة قبل قليل تبدد في الفراغ , وانخرط الأصدقاء في الأحاديث الجانبية , حتى أنهم لم ينتبهوا لمغادرة الكومندان البنجوس., واختفاءه على نحو غير محسوس من فضاء الغرفة .,التي كانت قد تعبأت به قبل قليل .. كأنه قال كلمته ومضى ..

سأل نواي :

-ما الذي حدث ؟.

فردت ليمياء بحزن مصطنع:

-منذ ذلك اليوم لم يره احد ..

-ماذا تعنين ؟ .

-اختفى الكومندان بصورة غامضة تماما , كأنه تلاشى في الفراغ ..

في كافتيريا "أتني" يتوشح الفضاء الأخضر بالنزيف , تتهدم قلوع الذكريات , ويشرع المنفى بواباته الأسطورية السبع ..

قالت سلمى :

-أتمني لو كان عم البنجوس حاضرا لأتكيء على صدره..

رد عادل بحزن :

-شهد على زواجنا , كآخر مهمة تاريخية له , ومضى دون أن يخلف أثرا ..

-أتمنى رؤيته الآن لأبكي على صدره..

-لقد أحببته كثيرا .. للأسف, كل شيء يتكشف بعد فوات الأوان !!..

-كان قلقا عليك ..

-اعرف . كان ممزقا بين خيارين أحلاهما مر .. كان يعرف أنني ابنه,مثلما  اعرف أنني ابنه , دون أن يجرؤ احدنا على التصريح .

-احبك .

-غادرا كافتيريا أتني وهما يدسان جوازي سفرهما بحرص .. خطواتهما على الإسفلت يتضاءل وقعها .. يتضاءل .. تذوي الخرطوم خلفهما , ويبتلع الفراغ الصدى ..

(4)

منذ تقاعد البنجوس , أعتاد الجلوس كل مساء تحت شجرة الجهنمية , حيث يطيب له التنهد " والله زمان  يا زمان " . ثم "يجبد" نفسا طويلا من "الشيشة" , لا يلبث أن يكحه في ألم , فتغمزه سوزي :

-يا كومندان الكُبُر دخل , أنت بقيت ما قدر الحاجات دي ..

فيضحك البنجوس :

-الشجر الكبار فوقو الصمغ .. الدِّهن في العتَاقة يا زولة ..

ويهمس في أذن نواي بالبذاءات , فينفجر الأخير ضاحكا , وهو يكاد يقع على قفاه ..

لا تزال أخر لحظة رأوا فيها الكومندان داخل الغرفة معهم, تشكل حضورا قويا , يشتت أفكار عادل . كأنه يقف أمامه الآن , تحت شجرة "الِمحنّة" . كأنها البارحة . تلمع كلماته في الظلام . تلقاها وذهب "على مفترق طرق" . كالمسيح , ذهب .. وتركه وحده , كما كان وحده دائما ..

تنهد عادل بأسى . لم يعد يطق البقاء بهذه المدينة , فهي دون  الكومندان وعائشة لا تساوي شيئا . رغم زواجه  من سلمى لم ينسهما .

 كل شيء يذكره بعائشة .الآن كالمجذوب , بين الصّحو والنوم .. الشوارع , الدروب , شجرة "المحنة" والبرق العبادي : كل شيء يذكره بها .. سأله الطبيب :

-وماذا بعد ؟.

هزّ عادل رأسه والشرود يصبح جزء لا يتجزأ من طبيعة نظراته :

-كلما لمحت البرق العبادي , أشعر بإحساس غريب , ينبثق منه ليحاصرني .. عندما أخبرت عائشة بذلك في تلك الليلة المطيرة , ونحن نشق معا دروب المدينة المتعرجة , بأن البرق العبادي يتغلغل داخلي ويخلخلني .. ابتسمت ..

-وماذا قالت ؟.

-ألا اخبر أحدا ..

-حتى عبده الخال ؟.

-حتى عبده . كنت وحدي , فدنت ودنوت . كان المطر قد توقف ,ولم تكن عائشة موجودة , كدت اجن .. عندما التقيتها في المساء التالي لم تكذبني , كما كذبني الآخرون .

مع البرق العبادي بدا كل شيء في مسيرة التحولات العظيمة لحياتي .. الآن تنساب المشاهد والصور :

-" هل أتوهمها ؟!".. فتسكنني  بالألم والأسى .

 أم هي حياة عشتها حقا في ذلك الصباح البعيد !!..

كان البرق العبادي يلمع في قبة السماء , فأين  المفر . يلمع حيث تغيب الشمس . قلت لعائشة  في ذلك المساء البعيد :

-احبك ؟.

فردت :

-أكرهك .

" كيف لا تكرهينني وقد شوهتك كاسيتات بن لادن .. كيف وأنت تستمعين إلى صوته الواثق الحاسم المتيقن, كما يليق بقائد لفيالق الفرقة الناجية :(إذا كان الأهل لا يصلون أبدا فإنهم كفار مرتدون على الإسلام – شرب الدخان محرم , وكذلك بيعه وشراؤه وتأجير المحلات لمن يبيعه – حلق اللحية حرام لأنه مشابهة للمشركين والمجوس – استماع الموسيقى والأغاني حرام ولا شك في تحريمه – مشاهدة المسلسلات التي بها نساء حرام – قص المرأة لشعرها على وجه يشبه شعر الرجال محرم ومن كبائر الذنوب ..)..

عائشة بذرة الحب التي هرب بها والديها بليل., حتى لا ينكشف أمرهما , كانت تنظر لأشقائها وشقيقاتها بإحساس غامض , كأنهم غرباء التقوا في مكان ما , دون حميمية ليفترقوا ذات يوم ..

-نعم أنا ابنة حبهما , أنا العبء الذي رماه العشاق عن كاهلهم ..

ومضى كلانا في درب مختلف . النصل الذي أغمدته عائشة في داخلي , يفاقم إحساسي بالخطر .. و الحزبيين يفرون من وجهي., كما يفرون من الجرب , وإذا التقيت احدهم مصادفة :

-لا تتصل يا رفيق , سنتصل بك نحن .. إنها دواعي تأمينية فحسب ...

-لكنكم ابتعثتم عبده الخال وليمياء قبل ثلاث سنوات؟!..

-سافرا على نفقتهما الخاصة .

-أنا كنت مسئولهما واعرف كل شيء !..

-الأمر كما قلت لك .

قال عبده الخال عند عودته من سوريا :

-لا تحزن يا صديقي إنها العصبية..

-ربما لا تزال الانتماءات القبلية الضيقة تلعب دورا , لكن كيف سمحوا لك أنت ؟.

-خال ليمياء عضو في القيادة المركزية , ليمياء هي التي ساعدتني .

-لأنها تحبك ؟.

-لقد تم الانقلاب على مشروع المنوَِّر الغربي.

-لقد ناضلنا طويلا في سبيل هذا المشروع , وتلقينا دونه الضرب المبرح . لم ننحني في أحلك الأوقات التي مرت بنا ..

-هل تقاضيهم الثمن الآن ؟!..

-لا , لكنها المفارقة .. حتى عائشة تركتني دون مبرر..

-إنها طائشة , لن تلبث أن تهدأ ..

-لا ستسافر إلى والديها ..

-وستعود فهي لم تعد مقيمة هناك .

اقترب الطبيب الشاب :

-يجب أن تدخل إلى غرفتك , عما قليل ويهطل المطر ..

-نعم انه البرق العبادي ..

انطلقت الخرطوشة , وتلتها أخرى فثالثة . كانت الغزالة قد تلقت في صدرها كل الطلقات , وعلى نحو مفاجيء انكفأ جسدها على طيف عائشة , الذي انبثق من الجرح الذي خلفته الطلقة .. اختلطت دمائهما .. تلاشى الجسدان في جسد واحد , واتسعت عينا الغزالة على مصراعيها., وهي تغالب النزع الأخير . انقبض صدر عادل ,فغادر الوادي على عجل . قال لعبده الخال عندما وصل مرعوبا :

-كان طيفها متوحدا في الغزالة ..

-أصبحت تصوراتك مخيفة ومزعجة , اشك في انك ستقتلها ذات يوم ..

-لا يا صديقي . إنها تدمر حياتي , بطيفها الذي يلاحقني ..

-هذا وهم , يجب أن تنسى الأمر!..

كان عادل يدرك انه أخر مساء يغني عائشة , على إيقاع العود .. غرامه بغزالة ذات صدر ابيض , بعروق نافرة , زرقاء .. امرأة لا وجود لها , كحلم الأم في ذهن طفل يتيم , كشهوة لليالي مستحيلة , تغيب في وله مستحيل .. ريح بلا زفيف .. مطر سري .. غناها وهو يمضي متسللا الدروب المتعرجة للديوم , حاملا العود تحت إبط , وفي الإبط الآخر دفتر أحلامه الزرقاء ,وعلى صدره تئن أشتات الماضي , ولعبة الذكريات , والغزال الذي يصطاده في كل مرة , ووادي الألم اللعين . ذات جرح مخملي في ذاك المساء , خلال ظل ما . انزويا .. متسربلين الظلال .. ضحكت ملتاعة وهي تنتزع نفسها . اتكأت على صدره (الغزالة المضرجة بدمائها تسيطر على عائشة) الحلم المتنائي . الملتهب , المر .المتأوه .. كأن كل شيء محض صراع , مقاومة لقدر مجهول . تهشم غصن جاف , تحت ثقليهما , داهمتها سحابة معبأة بالثلج . أفرغت ندفها وافترقا , لتأت بعد أيام وتقول :

-أكرهك .

-لماذا يا عائشة ؟!.

-يجب أن نفترق .

رحلت عائشة ,في حصار والدها لها بكاسيتات ابن عثيمين ,التي يشغلها كل مساء بعد أن يغلق التلفزيون , ويجبر كل الأسرة على التحلق حولها .. رحلت محاصرة بالصوت والصدى( أن الدعوة لنزول المرأة في  ميدان الرجال., المؤدي إلى الاختلاط ,سواء كان ذلك على جهة التصريح أو التلويح ,بحجة أن ذلك من مقتضيات العصر., ومتطلبات الحضارة.  أمر خطير جدا,له تبعاته الخطيرة .,وثمراته المرّة  وعواقبه الوخيمة . رغم مصادمته للنصوص الشرعية التي تأمر المراة بالقرار في بيتها ,والقيام بالأعمال التي تخصها في بيتها ونحوه .. ولا شك إن إطلاق البصر., واختلاط النساء بالرجال والرجال بالنساء في ميادين العمل وغيرها .,من أعظم وسائل وقوع الفاحشة ..)..

ذهبت عائشة إلى الأبد , لتحاصره الغزالة , تحيل حياته إلى جحيم وتدفعه إلى المغامرة . رغبة لا تستطيع مقاومتها . أخر مرة اتصل بها., كانا لا يزالان يغالبان جنوح الشوق . أخر مرة اتصل بها,كانت هي  تلك المرة التي ردت فيها وهي تنتهره :

-أنت ثقيل.

-من حقي أن أعرف لماذا تركتني ؟.

-فقط أكرهك .

-أعط نفسك فرصة , واحدة على الأقل ..

غامر . نزل من الحافلة واقترب من البيت الفار ه . دق قلبه بعنف وهو يلحظ الزحام وعربة الشرطة أمام البيت . اقترب .. كانت عائشة الزهرة البيضاء مسجاة على البلاط الملطخ بدمها , كلوحة سريالية , وحلم غامض يمتد ببقع الدّم حتى نجيل الحديقة . ارتسم على وجهها ذلك الرعب بوجه الغزالة . نوع غريب من الرعب , ورهيب . لا شيء مثله .. أحس بصداع عنيف يجتاح رأسه ..

-ثمة حلقة مفقودة هنا ..

قالت سارة وهي تستمع إلى عادل في اهتمام..

الأطفال اللاهيين بعلب الصلصة والزجاجات الفارغة يشدون انتباههم .. تنكفيء نظرات عبده الخال على شجرة المحنة , فيأتي صوته عميقا :

توسط  شرورو شطة النار المشتعلة , التي تحلق حولها كل أهالي الوادي . مد عنقه في أسى , على امتداد ساعديه اللتين خالهما  الناس .. كل الناس ,متمددتان في اللانهاية , وعلى إيقاع الطبول اخذ يرقص , والنار تلتهم الحطب الجاف تحت قدميه , تضيق دائرة النار . يختفي وجهه في اللهب , ويتحرك الجبل المقعي في حضن الوادي ببطء . يختفي رأسه وتلتحم دائرة النار , لتصير شعلة واحدة , فيختنق صوت الطبل ووتر الربابة والعود ويصمت كل شيء .

 وتنفرج عن الجبل فوهة تأخذ في الاتساع . يخرج شرورو بعد فترة من الزمن , نافضا رماد الحريق عن إزاره , ومثل كل مرة يلتف حوله الناس , كأنهم يرونه في طقسه المهيب لأول مرة . يمسحون عن وجهه حبات العرق .

لكن هذه المرة لم تكن مثل تلك المرات , فقد كانت آثار الخراب والدمار., تفوح من كل شيء , وفي كل شيء..

-" جبل نامي تبدأ وتنتهي به الجبال "..

 قال أومي . تنهد البنجوس , وهو يستعرض جنده المتراصين في نظام عسكري دقيق .ثم زفر : " هذه المرة ليست ككل المرات التي يتعرض فيها الوادي للغزو . لم يحدث أن تمكن الغرباء ذوي اللون الوردي أو القمحي من سبي نساءنا . لكن اليوم نحن مهزومون . لقد سبيت كيرا لنقي نوارة فريق الشرتاي ..

لقد قمتم بواجبكم كأبطال , لكن ما كتب أن يكون, يكون  . وما سيكون لا نعلمه ..

أديت طقوسي وأدركت إنها بداية النهاية, لحكاية قديمة استمرت منذ آلاف السنين . انه حنين الأسلاف ونبؤاتهم . يوم تسبى نوارة الفريق , يبدأ خلف الأسلاف الحياة .." ..

قال عبده الخال :

-ورفع البنجوس يديه معلنا انتهاء التعليمات , لينفض عنه الجند الذين اخذوا أوامرهم ..

وينفض الناس لكن دون أن يتفرقوا . كانوا مسمرين على الأرض الحجرية .. مضى البنجوس بخطوات وئيدة , إلى فوهة جبل نامي, مع طليعة الجند تاركا خلفه الكيرا تقود فيلق المزارعين .."..

تأوه عادل وعائشة تستعيده إلى مداراتها , كاسترجاع آلي لشريط كاسيت .

كانت عائشة فتاة الحزن البديع . اليافعة يفوع فرخ "القُمرِّيْ" , كصفحة بيضاء بريئة حد الفجيعة , في تصالحها مع ابن عثيمين. لكن سرعان ما انهتكت وانتقلت إليها عدوى التأزمات والهواجس والظنون والمثاقفات الجريئة .. هذه الأوبئة التي تصيب أطفال اليسار( وهم يعانون تمزق أنظمة تفكيرهم )  , فتقلب ليلهم نهارا ونهارهم ليل! ..

قال مناوة :

-إنها ككل جواري المثقفين .

رمقه عادل بألم وأنهدّ في تأوهاته . أصبحت عائشة تجتر حزنا قديما كالذي يثير أشجان أطفال اليسار , ويدفعهم للنضال بالكمنجات , حتى تتقطع أوتار الذكريات والأحلام , وتتحول إلى أشلاء أحزان نبيلة . أولى سنوات عودتها إلى الوطن ,من بلاد النفط لدراسة الجامعة .أدمنت الأشعار المأساوية , الموسومة بالمعاناة والنضال , كانت أولى الهاتفات في المظاهرات :

-" ودانا لشالا + عزتنا ما شالا + نحن البلد خيرا + ومستقبل أجيالا..(*) "..

 لكنها لم تكشف عن نقابها أبدا ..

 أدمعت عيناها بالدموع  وهي تنشج بالبكاء :

-ما الذي تريد أن تعرفه يا عادل , تحويل التنظيم لي.. إلى مجرد عاهرة في بيت التأمين ؟..

أنهد صوتها وانهدت .. كانت ألما خالصا يقطع بوحه شرايين القلب , يسيل في وجدانه, يستفرغ وجدانه . ود لو كان بمكنته إخراجها من هذا النفق , انتزاعها من هذا العذاب القاسي :

-ليس ذنبك يا عائشة , إنها أزمة الأخلاق التي يعيشها عمك الشعراني .

تاهت بعينيها بعيدا وانسل صوت عادل متوترا ,كصوتها .. مخترقا سمع عبده الخال ..

كان الشعراني احد القيادات السرية , ومسئول المنطقة (ج) على رأسه الأصلع انزلقت طوباويات ماركس , وخزعبلات عفلق , وترهات الترابي .. تزوج الشعراني (المحاضر الجامعي الذي لابأس به)من إحدى زميلاته مساعدات التدريس , المناضلات القدامى اللائي افنين زهرة حياتهن في المطالبة بحقوق المرأة والعصافير , وضرورة دعم مهرجانات الزهور , من الميزانية الرسمية للدولة , حتى تضفي على نفسها (الدولة) طابعا رومانسيا يتلاءم وقضايا العصر . وربما لهذه الأسباب طلقها الشعراني ثلاث طلقات واحدة تلو الأخرى, بائنة بيان علم البيان(معربا عن إيمانه العميق بعلم الجمال الماركسي , ورفضه للمفاهيم الجمالية البرجوازية المزعومة) بعد أن أنجبها اثنين من البنات ..

وفي البيت القديم الذي شهد ولادته وأخيه المغترب(والد عائشة) ,احضر طفلتيه لتستقرا  مع أمه ( لتؤنسا وحدة الجدة التي باتت تتآكلها الغربة والوحدة, في هذا البيت المتسع, دون أنيس .

وقتها كانت ظروف الشعراني تسؤ باستمرار , توقفت مخصصاته الحزبية بسبب "مهام المرحلة النضالية الحاسمة., التي يمر بها الحزب المفكك بالانقسامات" , كما أن الحزب فقد الكثير من استثماراته , والحكومة الجديدة فصلت كوادره الذين يسندونه ماليا ,من كل دواوين الخدمة العامة ,كما أن التحولات التي اعترت العالم كجنون البقر , أوقفت الدعم الأجنبي , فقد تفككت دول رفاق الخارج , وأصبح كل رفيق يقول "دار أبوك كان خربت شيل ليك منها عود " ..

 وهكذا تكاتفت الأسباب والعوامل, لتجعل كل ما هو منهار اشد انهيارا . حتى إيجار هذا الجزء المفصول من البيت ,الشاسع للحزب كمحطة تأمين , ما عاد الحزب يفي بالتزامه تجاهه . والشعراني يخشى المطالبة بالإيجارات المتراكمة , فيتهمه الحزب بأنه "برجوازي صغير".. فواحدة من المشكلات النفسية العصية للشعراني, انه ظل زمنا طويلا يقنع نفسه بأنه "مثقف ثوري" , ومع هذه الترهات ظل الشعراني مغلوبا على أمره , حتى انه لم يتمكن من طلب العون من أخيه المغترب والد عائشة , فهو لا يريد أن يمد يده لشخص " رجعي مختلف معه أيديولوجيا, كطليعة تقدمية ثورية "ِ..

وهكذا لم يصدق الشعراني نفسه ,حين تذكره احد زملاء النضال القدامى , وجعله موظفا عنده في مكتبه التجاري المريب محدود الأعمال . ولأن الشعراني مناضل فذ , لدرجة الإصابة بجملة توترات جسدية , راودته فكرة الزواج مرة أخرى "فالحلم الاممي لا يسقط بسقوط تجربة واحدة" , وهكذا استبعد النساء من ذوات الريش والسلام الأخضر , وعمل على استحضار نقاط ضعف رب عمله الرفيق"أوشي" , فقفزت إلى ذهنه ذكريات الجامعة والمغامرات الصغيرة , مع الزميلات العوانس والأوانس "أيام كان الحزب حزبا", وكيف أن أوشي كان كصحراء تيه عتيدة , وهو يعد الخطط ويرتب التفصيلات , وقعت حنان شقيقة أوشي بين التفاصيل , فالتقطها وأصبح ينتظر زياراتها المتباعدة للمكتب, بصبر عظيم يليق بمناضل له تاريخ الشعراني العتيد .

وصارت زيارات حنان متقاربة يوما بعد آخر ."يبدو أن جوهر مسألة البروليتاريا على وشك التحقق باعتلائهم لسدة .."وهكذا تم حذف تفاصيل , وإضافة تفاصيل أخرى لخطط الشعراني المدهشة .التي استخدم فيها كل خبراته التنظيمية والسياسية .وتوجت خططه العظيمة بحضور عائشة ابنة أخيه من المغترَب لإكمال دراستها . ومع انه "كتقدمي" لم يستطع إقناعها بخلع عباءتها السوداء ,التي تشعره انه يقف أمام وطواط , إلا أنها أبدت مرونة أسرية , فقد أدركت بعد كل مناقشاتهما حول العباءة والحجاب , وبخبرة الفتاة التي انتهكت مرة, أن عليها أن تكون لطيفة في التعامل مع عمها , والضيوف الذين يرتادون منزله .

ومع الأيام اعتادت على أشياء كثيرة كانت ترفضها , وأخذت شيئا فشيئا تستجيب لاهتمامات عمها بها ,ومداهمته لها في الجامعة بين آن وآخر, ليوصي أعضاء التنظيم عليها .. كان يتصور انه يؤدي في مهمة نضالية نبيلة وعظيمة , فالتحول الحقيقي ينبع من قلب وعي الجماهير.. أوليست عائشة من صميم هذه الجماهير التائهة ؟! ,و أوليس الوعي انعكاس للمادة " , وهكذا تورطت عائشة مع البورليتاريا في أحلامهم التي تختلف جذريا مع أحلامها دون أن تدرك ذلك إلا بعد فوالت الأوان , لكنها والحق يقال كانت لوحدها تمثل فصيلة مختلفة داخل التنظيم .وهكذا شهد بيت التأمين الحزبي, تراجعاتها التي بدأتها بخلع الحجاب , على استحياء ..

تساقطت الأوراق الجافة لشجرة النيم الهرمة , التي توسطت الحوش , أصبحت ليالي عائشة ملوّنة في بيت أوشي .. في المكتب .. في بيت التامين .. في الكافتيريات على شارع النيل , وأماكن أخرى عديدة ارتاداها بجرأة محمومة ودون خوف (أو هذا ما كانت تحاول إظهاره)..

كانت عائشة كالمارد الذي أطلق من قمقمه بعد آلاف السنين من السجن المؤبد . لا تتذكر نفسها إلا عندما ترتدي العباءة أو تخلعها , كأنها تعاقب نفسها على مثال كانته يوما..

-أخذتك الخرطوم بين منعرجاتها ومنعطفاتها , هكذا هي الخرطوم مدينة الغزاة , بأخلاق الغزاة ..

قال عادل :

-صدقني اكره نفسي كلما رايتك..

-انت غير طبيعية!..

-وأنت كذلك ..

كان عادل أصغر أعضاء القيادة, التي كان أوشي أمين سرها , ولم يقطع علاقته بأوشي رغم مغادرته "حظيرة الحزب" . وكان أوشي يدرك أن التهم والشائعات التي أطلقت حول عادل ,بعد تركه الحزب محض افتراءات , لكنه يدرك أكثر أنها ضرورية "للحفاظ على تماسك الكادر"المتبقي .في تلك الأيام الصعبة .. لم يجد عادل من يؤازره سوى عبده الخال وسلمى وأوشي .. حتى مناوة ونواي هربا من وجهه .

تراجع عادل ليغيب في صوت سلمى "اليحاصره" من كل فج .خفضت صوتها وهي تتحدث عن "دماس" ربيب العمدة حفيد تلك النوباوية "الصّمة" كاكا , التي داعبت خيال الفرسان , فسقطوا عند أقدامها المحناة مضرجين بدمائهم . ورثت عنها سلمى العينين اللامعتين كعيني صقر جارح , والشعر الغزير الخشن , والأنف الاقني الصغير ولون البلح ..

يروي التاريخ المهموس به في الاندايات أن العمدة الكبير , هو الذي وهب دماس فحولة لا تقاوم , يوم دخل بكاكا ذات قمر وضيء..

 ويشير ذلك الهمس فيما يشير, لفارس القبيلة الذي كان ينافس العمدة سرا .قالت سلمى :

-كان العمدة الكبير عنينا , مما يضع فحولته موضع تساؤل ؟!..

بل يضع فحولة دماس نفسها في ذات الموضع .. ومع ذلك كانت شهريارية العمدة لا تخفى على أحد , فزوجاته اللائي لم يستطع ارواء ظمأهن., سوى ذلك الفارس المجهول , كنّ يسربن كل ما يجري داخل البيت الكبير , ليتناقله الرجرجة والدهماء !..

لم يكن دماس يفهم شيئا من تلك العبارات التي تتحدث عن" الشوق , الذي خلى شدير الجوف محروق , راجي مطيرة(**) ..."  الفارس الفحل المجهول , وكل تلك الأحاديث من هذا النوع . لكنه كان يحسها , فيزهو مشعلا ذلك القلق , الذي لا يدري كنهه , وينتصب كفحل تسقط تحت قدميه النساء لوعة وتشهي .. ومثلما تركع المدن تحت أقدام الغزاة والفاتحين ,يشرع دماس هراوته في بيت العمدة الكبير . مما يرجح أن ذلك الفارس المجهول , إنما هو دماس ذاته .. الذي ينهض اثر كل غزوة , فيتمنى أن لو كان النحاس قريبا منه ليضرب عليه :

(يا عريبي خت الطلبة  +  يا عريبي خت الطلبة

باكلكم  ..  باكلكم  ..    +  باز نقر    ..  باز نقر(*** )..

وتتجدد الحرق التي تعتمل داخله فيركض إلى انداية كاكا , متسللا زقا قات الرديف , فيهتف لدى حضوره الشر يبين :

( يا قاصد الشرابة   +  مقابل الشيخ بالقرابة

دماس وكتين جاها  + ود النوبة ما صفاها

لقى الزبدة رابطاها  + بطل شغلته وراها(**** )..

ويشرب . يشرب حتى يرتوي ويمص الذباب الأخضر , الذي يعترض جرعات الكأس . يبصقه على وجوه الشاربين , دون أن يأبه للعنا تهم .. تأتيه كاكا . تهمس في أذنه فيمضي إلى الداخل , يفاجأ بابنة العمدة نعمة في "الدردر" . تسنده كاكا بصدرها ,الذي كان فيما مضى., يداعب باستفزازاته الملحة خيال مرتادي الانداية . تقترب النعمة , ابنة العمدة التي بلون الحليب , تكشف عن جسد متمرد , مجنون , تحتضنه , تغمره فيها . يتهشم كأس القرع في يد احد الشاربين , وتندلق "المريسة" المزبدة , وتفوح رائحة الزنخ . فترتخي أعصاب دماس على عنقريب "القِّدْ" , خائر القوى , مهدود الحيل "كود أبرك" ..

-أنا حفيدة النعمة يا عادل ..

-الحاضر هو خلاصة الماضي .. نحن اليوم على ما أراد لنا أسلافنا ,في لحظة معطاءة ما..

يقول بصوت آلي وهو يتداعى في عذاباته . يمضي كد ماس , يودع الدار التي تعانق راياتها الحمراء عنان السماء . يمضي مشهرا سكينه الطويلة , التي لم ُيشاهد أبدا يغمدها في جسم احد .فقط يشهرها في الوجه , لمجرد الإخافة , حتى في تلك اللحظة التي اختفى فيها بصورة غامضة , والى الأبد . يهتف دماس بصوت عال :

-أنا لست دماس , أنا عبد الله , البقول لي دماس تاني سكيني دي بتركبو لي حدّها ..

ويستمر في صرخا ته مارا بزقاقات الدّيم , ليجد نفسه في انداية كاكا مرة أخرى . يقع خائر القوى . يتسايل الزبد من شدقيه , ولا يصحو إلا والنهار قد شارف على الزوال ..

تراجع عبده الخال إلى أعماقه "لست يا ليمياء كدماس , ولست عبد الله مزعوما , ولا أنت حفيدة النعمة بنت العمدة . ستركعين عند قدمي يوما , مهزومة وتطلبين الغفران ..

" أمعن عبده الخال النظر في الأطفال الأشقياء الذين يخرجون من أعماق الديوم ليلهون بعلب الصلصة والزجاجات الفارغة , قالت طفلة لطفل :

-انت متخلف .

فرد عليها بعنف :

-وانت مطلوقة ووقحة وما عندك أهل ..

ارتفع حاجبا عادل ولمعت عيناه في ذهول , ومضى ليلتقي سلمى عند نهاية الحي , بعيدا عن شجرة المحنة . أطلا على البحر . وقفا كشجرة اراك وحيدة في جبال الشرق . ولفهما صمت مكابر , سارع على قطعه :

-لقد قررت..

طوقت عنقه , وهكذا تزوجا في صمت , وهما يتراجعان عن شاطيء البحر .. أيضا ,في صمت ...

قال الطبيب الشاب لسلمى :

-انه لا يسمع كلام احد غيرك . فلا تعطيه الإحساس بأنك تراقبينه , وحاولي أعادته إلى غرفته قبل هطول المطر..

همهمت سلمى وهي تجذب الكرسي لعادل , الذي جلس يراقب الغيوم المتلبدة في أفق السماء , وهي تتجمع من كل حدب وصوب , والبرق العبادي لا يلبث أن ينطفيء , حالما يلمع في سرعة خارقة ..

مع البرق العبادي تتشتت الذاكرة , تنساب صور مختلطة , مشاهد مبعثرة , فمع البرق العبادي , بدا كل شيء في مسيرة تحولاته .. أرادت سلمى أن تجلس , فمد إليها يده :

-لا , تعالي قربي..

دنت منه . أنهد صوته :

-كل شيء في هذه المدينة يذكرني بعائشة . الشوارع التي وطأتها أقدامنا , الدروب , الناس والبرق العبادي . إحساس غريب ينبثق من هذا البرق , ليتغلغل في أعصابي . أخبرتها عن ذلك في تلك الليلة المطيرة , ونحن نشق دروب المدينة المتعرجة . البرق يخلخلني .

توقفت بغتة وابتسمت :

-انه روحي فلا تخبر احداً ..

ودنت مني . عندما انتبهت كان المطر قد توقف , وكنت وحدي , ولم يكن لعائشة ثمة وجود في المكان .. كدت اجن .. هل أتوهم حقا !..

كان البرق العبادي يلمع في قبة السماء , في ذلك اليوم هطلت الأمطار بغزارة لم تعهدها المدينة, التي اعتادت "القبلي".وكانت المدينة تنهار ...

مع البرق العبادي تلحق بالسماء أسماء أخرى "سيكتب الكجر في تقاريرهم , انه محض سكير عربيد, يغشى بيوت الليل دون وازع , لا يمثل تهديدا للأمن , لا جدوى من مراقبته .." ..

استرد عادل بصره من عبده الخال الذي كان مهوما في تلك(المؤامرة التي اشتركت فيها معه برهان الحبشية ) فأرسلت إحدى عوانسها الملظلظات  إليه  .. فكانت ردة فعله غير متوقعة , فمنذها تنتابه الهواجس والظنون والأشجان . وعادل عندما تنتابه الهواجس والأشجان لابد أن يقدم على فعل مدهش ,وهو ما حدا به لان يدعو إلى اجتماع طاريء للأصدقاء ,في بيت البنجوس , في الغرفة المعهودة , ليبحث الأزمة العاطفية لعبده الخال , على هامش وقائع أزمته مع العصفورة ليمياء, التي يبدو أنها نسيت لحظة عبور الجسر, تلك اللحظة الحالمة التي ارتخت فيها الأهداب وتساقطت الرموش الوطفاء على صفحة الماء , عازفة على صمت الليل حديثا سار بصيته الموج والسمك , ولم تتطحلب مفرداته كسِّر في جوف أصداف , بل رحلت مع نسيم الليل والبحر .لترتسم على بنايات المدينة العالية , وحواريها وأزقتها , ليركض بها أطفال المدارس في الصباح الباكر , ويضمنونها نشيد العلم في الطابور الصباحي , لتصبح بعد ذلك ضمن مقتنيات المتحف الوطني . مثل كل القصص العاطفية العابرة..

تأمل عبده الخال غرفته الحميمة , غرفته التي يجد فيها أصدقاؤه متكأ لأحزانهم . إذ يجيئون ليضعون أحزانهم فيها كلما ضاقت عليهم البلاد , وحثت الرماد على رؤوسهم الطير . يهرعون إليها مرتدين قميص البلاد الحزن , يحيطهم دفء عبده الخال وهو يعزف على العود الهرم , ليمسح عنهم أحزان الطريق ووعثاء السفر .. يشعر الخال بما يؤرقهم كقبيلة مهزومة , تقاطعت فيها شروخات الايدولوجيا وأوساخ الواقع ..

(5)

ليمياء في كل ليلة تغلق على نفسها غرفة نومها . تشاهد على الكمبيوتر أفلام الجنس , وقبل أن تنام متعبة من وحدتها وانتظاره , تكون قد تدربت قليلا على الالتياع , علها تقضي على ما تبقى من حصونه . لكن سرعان ما تهز مؤخرتها في قلق عميق ,عندما لا ينتبه الخال إلى التغييرات التي أحدثتها على سلوكها ..

انه خارج إطار العصر وقوانينه في عالم يخصه وحده .. لا يأبه لتقنية العصر في المشي , والفساتين القصيرة , الضيقة ,الشفافة , التي تكشف كل سلطات الجسد دفعة واحدة., كقنبلة لا تبق ولا تذر . لا يأبه لتكنلوجيا الرغبة وتقنيات الشهوات ..

فتغادر ليمياء لتتركه غارقا في الحديث الممل مع عادل , الذي يضيف :

-التراكمات التاريخية للاستعلاء والاسترقاق والنهب المنظم للموارد و ..

فيقاطعه الخال :

-وتحول البلاد الكبيرة من الإسلام الاسمي إلى الإسلام الإفريقي, ومن ثم السعي الرسمي لإعادة إنتاج الثقافة والناس , لإدراج كل ذلك في السياق العربي , وفقا لوجهة النظر البيانية القياسية , كل ذلك شكل الأزمة الحالية.

-تاريخ البلاد الكبيرة هوتاريخ الوادي . من الصعب إلغاء تاريخ بهذا العمق وإعادة تشكيل وجدان الناس وفقا لتاريخ وثقافة غريبين عنهم .

-التعقيد يبرز من كونها ارض هجرات .

-ولكن ليست كل المجموعات كذلك , ف"الفور" مثلا لم يكونوا مهاجرين , إنهم شهود على هجرة الميدوب والبرقد من النوبة الشمالية , والبرتي من الشمال الغربي والدا جو من الغرب . شهود على هجرة الفولبي الوثنيين والعلماء والحجاج و"الفقرا" الذين اختطفهم الزبير باشا , قبل أن يصلوا إلى البيت المقدس , واسترقهم فتفرقوا أيدي سبأ ..

انه عصر إعادة الإنتاج لكل شيء , ونحن ضحاياه . فهو عصر الإنجازات الكبيرة , والحروب والحصار والدمار , واكتشاف الخريطة الو راثية وتمجيد الجنس : السر الأزلي , الذي لا ينبغي التصريح به ..

عصر عائشة (مع ذلك) والفن الشبقي الذي تتعاطاه مع أوشي . ومع ذلك فإن ال  BBC تقول أن الثوار في جزر فيجي أطاحوا بالنظام القائم , وأكد مجلس القبائل على خطواتهم التاريخية . تتحدث BBC مباشرة عن تقارير الأمم المتحدة عن العنف الممارس ضد المرأة , وعن احد عشر مليون طفل في أفريقيا ,يموتون سنويا بأمراض فتاكة , يمكن معالجتها  ب80 مليون دولار فقط , إذا تخلت الحكومات الأفريقية عن فسادها المزمن , الذي تأتي البلاد الكبيرة على راس قائمته! .

كتب أبو عمرو عثمان إلى سلطان مصر الظاهر برقوق في 1391 عن مهاجمة عرب الجزام لشعبه, وخطفهم مواطنيه البرنو واسترقاقهم , ويرجوه إعادة الذين أُخذوا رقيقا إلى مصر , فذويهم البرنو يعانون اشد الألم لذلك . وتقول قناة الجزيرة في تقريرها الإخباري 30 /12 /2005 انه في الساعات الأولى (مما أصبح اسمه فجر الجمعة الدامي) أكثر من ستة ألف جندي مصري حاصروا اعتصاما سلميا للاجئين السودانيين  أمام مفوضيتهم(المفوضية السامية) بالقاهرة , لفضهم بالقوة المسرفة , فسقط ضحية لذلك أكثر من 50 قتلى(رسميا) ومئات الجرحى , وتم اقتياد الأحياء والجرحى إلى معسكرات للجيش خارج العاصمة . لكن اللاجئين العزل الناجين يؤكدون أن عدد القتلى فاق المائتين, ومئات أخرى من الجرحى الذين يتوقع موتهم .. بالطبع تمت هذه المجزرة المصرية ضد السودانيين المسالمين في إطار التضامن العربي!..

وضع عبده الخال كوب القهوة أمامه . مص القهوة التي تجمعت في فمه ببطء . شعر للمرة الأولى بكافتيريا "أتني" مكتظة عن أخرها . على الرغم من مضي سنوات, منذ أول مرة التقى فيها الخال والأصدقاء بهذه الكافتيريا, إلا أن أُلفتهم جميعا مع المكان , لا تقل عن الفتهم مع غرفته . بل تقوى يوما بعد يوم . يأتون في أوقات فراغهم . يجلسون في ذات المكان ,الذي اعتادوه منذ سنوات خلّت . المكان الذي ارتبط لعادل وعائشة بذكريات, وأحزان وأفراح وآلام لانهاية لها .

عاد بذاكرته إلى الوراء, وليمياء تسرب إليه مشاعرها عبر عادل.,

للحظة العاطفية الخامسة ليمياء لا تعرف ماذا تريد بالضبط . بدأت حياتها بعلاقة محفوفة بالمخاطر , ثم أخرى غير واضحة المعالم , وثالثة باردة .. و .. وانتهت إلى حالة عشق مسجون بالأساطير , عشق نشأ في ظروف غريبة ومعقدة . ففي هذا الشتاء تعمقت حيرتها ,وانتابها إحساس بالهزيمة والخور . شعرت بالحاجة لمن يواسيها, وينفض عنها كلّس الوحدة والوحشة . في هذا الشتاء القاس.

-لا تتورطي في علاقة عابرة يا ليمياء ..

-ماذا تعني؟..

-أنتِ كالسجين, وإحساس السجين بالآخرين يختلف عن إحساس الطليق .

-وإن يكن ..

-عادل ليس لك يجب أن تفهمي أن هذا الأمر وهم ..

-مثلما أنت لست سلمى .

لم تكن ليمياء تبحث عن مبرر للقبول أو الرفض . إنها تلك الحالة المرضية ,للإحساس بالتميز عن الآخرين., والتكريس للأنا , محور الكون .. نوع من الرغبة في الامتلاك., لا تستطيع مقاومتها , لاتخاذها أكثر الطرق مثالية , مما يمنحها سلطة فوق شرعية , سلطة قاهرة ومستبدة ..

-لا أنا بنت مؤدبة .

-غريب , كنت أظن غير ذلك , عندما حكيت لي عن صديقاتك السحاقيات .

-انت تتكلم معي بطريقة غريبة , كأنني لست حبيبتك . انت بشع , لن احكي لك أسراري مرة أخرى .

-الكومندان لا يعرف حتى الآن ,إلى أي حد انت مجنونة .

-انه صديقي وعما قريب سيصبح هو وماما حليمة حموّي .

(كان يدرك أن السبب الجوهري الوحيد, الذي يبقي ليمياء إلى جواره .,هو عدم فهمها له بالكامل ,عدم فهمها لذلك الجزء الغامض , المدهش الذي يوحي به , فيغذيه الخيال .

هنا على وجه الخصوص يعلن العصر عن فضيحته : تمزق الأحلام الكبيرة , انهيار التواصل الإنساني , والارتياب في كل شيء , خاصة الكون ..

انهيار العالم وتدمير الطبيعة , هما سمتا العصر , الذي يسفر عن تمزقاته أوضح ما يكون .. التمزق الذي لم يبق من حقيقتنا., سوى ما قد نجده في عيون الآخرين , بعد جهد ممض من الألم الحفري .,الذي تعتمد نتائجه على التأويل : عصرنا الذي نحن تعبير عنه في سلوكنا التحفز , التوتر , القلق ..

 إنني لا أستطيع أن اصدق أن ليمياء تحب شيئا غير ذاتها , ولا أصدق أنها تعتبرني محض صديق , وفي ذات الوقت لا ازعم أنني أحبها , والى الأبد على طريقة المسيحيين القدامى , إذ أتردد في إلزامها بالإخلاص لي غائبا وحاضرا .. ربما ابحث عن تلك اللحظة الإنسانية المشتركة., التي نعيشها معا .. لنتوحد في كيان واحد ضد الموت : كما يليق بعبده الخال وحبيبته ..)..

ليس ثمة ما يدهش . الدهشة لا تجوز إلا إذا ارتبطت بمشروع , كقضية مطلوبة بحد ذاتها , لتحيلنا إلى تلك العوالم , البريئة التي تم التعالي عليها., وأزيلت عن الوجود .. تلك العوالم البريئة , الحالمة بتابواتها وطواطمها  .,وبراءتها وعذريتها وجنونها ..

تلك العوالم التي في الواقع تشبه دواخل إنسانها . لا فرق البتة بين ما هو كائن في الطبيعة , وما هو كائن فيه .

حد الدهشة يعيش عادل الآن دهشة كنت انت قد غادرتها , أو غادرتك .. ينكفيء على حفرياته , مهجسا بوالده البنجوس , وجدته كيرا .. يعبئه البحث في تفاصيل النهب المسلح والحرب الأهلية , بالأساطير المتفرعة من الوديان الممتدة من "بلبل تمبسكو " حتى "الله مرقا" و" سجلو" . يغوص فيها ليذوب في امتداداتها بأفكاره المعبأة ب"أزوم" و"وادي صالح" وتلك الفتاة القمبيلة المزينة بالمرايا والخرز . والأسواق الأسبوعية والعربات الكبيرة , المتنقلة من سوق إلى سوق وهي تحمل في أحشائها كل شيء : البن , الزيت , الدخن , الصلصة والشطة .,إلى أخره من المحاصيل التي تمضي إلى بورصة أم درمان ونيالا , أو تتوغل بعيدا في إفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا .

لحم الورك الضأني يقطر منه الزيت مشويا على لهيب النار , ساخنا أمامك مع البصل والطماطم و"المرِّين" والشطة "الدنقابة" الساخنة .. النساء والصبايا الفارعات , ببضائعهم المعروضة لعربات "أم دورور" ..اللوبيا , البفرة , البطاطس والفواكه وقصب السكر ..

الفلاتة البقارة بملامحهم المميزة : شنطة اليد النسوية الصغيرة , والعيون المكتحلة , والمرايا والخرز الملوّن, والسروال القصير والعراقي بالوا نهما المتنافرة ..

احدهم يرى فتاة من ال"بني هلبا" , فتقع من قلبه موقع السهام , فينتفض , ويرتعش ويتصبب عرقا .. يغمى عليه من الصبابة والوجد .. بنت من "بني جلول" أو "الأمهرية" , واسعة العينين , شعرها ممشط في جداول طويلة ,وثغرها مذموم تتدلى من كتفها ذو الاستدارة الكاملة ,حقيبة من القرع محلاة بالخرز والودع ووجهها الوردي ب"رشمته" الممتدة من الأنف حتى شحمة الأذن , يجعلها كلوحة موغلة في الحلم .

المقاهي وحركة الناس و"عرب الجزيرة" الذين غزوا الوديان , يتنقلون بين الأسواق بتجارتهم , بين "بانقي" و"وادي صالح " و"نيالا" و"انجمينا" ينقلون "العِرق" والبن وأشياء اخرى من جنس التوابل ..

يختبيء جبل "أب كردوس" في ذكرى سلطان الداجو "كسوفرو" وأشياء وأشياء تسقط لاحقا على بنية الوعي السلطوي , لعلي دينار وشقيقته الميرم تاجا ..

العطور المهربة من الجوار الإفريقي والأحذية والسجائر الاسبرينج Springوالنلسون Nelsonوالرياضي الليبي ونبات لقرع المتمدد في كل مكان

-هذا الخط ..

قال عبده الخال مشيرا لعادل , الذي يمرر قلمه على الخريطة ..

-يمثل طريقا ممتدا من زالنجي حتى أم دخن ..

هناك حيث يتضاءل الحلم بدولة مستقلة عن الفرنسيين والإنجليز بمجيء عام 1916 ..

 عند طور يتلاشى الدفء ويتحول الجو إلى برودة ثلجية تكلس الأطراف , وتلسع الوجه والقفا ..

يتسلل الطريق الإسفلتي (زالنجي – نيالا) الوديان في زحف افعواني حميم . تختفي زالنجي خلف السلاسل الجبلية والوديان والغابات .. الطرق المتعرجة تحجب دليج(احتضرت فيها ثورة داوود بولاد , حيث قتل دون محاكمة , كما يليق بمناضل ثوري) وتقترب قار سيلا حيث يخرج لسان طويل من الحصى ,يسخر من الأميرة الإنجليزية سليلة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس , في زيارتها       التاريخية الشهيرة بعد الحرب الأهلية الأولى (85 -1990) .. يمتد الطريق حتى فور بر نقا , حيث يتفرع منه طريق آخر إلى الجنينة ..

(6)

 تنهدت سلمى وهي تواصل تداعياتها المؤلمة :

-عادل الوغد , اقترب مني بطريقته المميزة تلك في مداهمة الآخرين .,وتحويلهم لأصدقاء حميمين ,في لحظة واحدة. عندما اقترب بلطفه وحنانه , كان كلحظة خاطفة كبرق لا يلبث أن ينطفيء , مخلفا وراءه غياب كل أمل للعزاء .. في اللحظة الأولى أنساني كل شيء يتعلق بتلك اللحظات المجنونة مع عبده الخال .. تلك اللحظات التي لا أريد استردادها . لكنه لم يكن يعرف ماذا يريد ولماذا ؟ ..

لم تكن لديه فكرة واضحة عما يريد ."أريد أن احبك كالمراهقين " هكذا القي بعبارته ذات مرة , وأثار جدلا واسعا في أوساط الأصدقاء .حتى عبده الخال استند على هذه العبارة في خطاباته البينية . كان عادل كلعنة أخرى من غياهب تاريخ منسي , مليء بالطلاسم والغموض . لعنة لا تقل عن لعنة عبده الخال , عليهما اللعنة!!..

ربتت ليمياء على كتف سلمى ,ومسحت الدمعتين اللتين انحدرتا, في خطين حفرا عميقا في فضاء المكان , وهي تستعيد ذلك المساء المشعث , المحاصر بالغبار .,والضباب الذي حجب الشمس , في مسيرتها الغاربة , وأعطى الفضاء مناخا غريبا., لم تعهده المدينة من قبل .. ذلك المساء الذي صار حديث المدينة لسنوات طويلة قادمة ..

إذ شبّ حريق في غرفة استأجرها عاشقين , وأنهتك الجسر الذي يربط الخرطوم ببحري وانهارت ثلاث عمارات في قلب السوق العربي , ومعاقين الحرب تحركوا في نظام متقن , ليغلقوا جسر الخرطوم , ويحاصرون السلاح الطبي .. ونشبت معركة مسلحة بالهراوات والعصي والرصاص., والغاز المسيل للدموع في جامعة أم درمان الأهلية , وتفجر المشردون أمام القيادة العامة , بينما جرا فات مجهولة تهدم مجلس الوزراء , وعدد من مواطني الأحياء يهجمون على اللجان الشعبية ويذيقونها ضربا مبرحا ..

 الطلاب يسقطون قتلى , فيتم السطو من المسلحين بالهراوات , والعصي على الموبايلات وحلي الطالبات . فتنفجر ناقلة بترول في مستودعات السلاح .. كانت أم كواكية , أخرى تخرج من قلب التاريخ , لتلقي  بظلالها على اللحظة الراهنة !..

في ذلك المساء الموعود بالحسرات , اجتمع الأصدقاء في غرفة عبده الخال لأول مرة منذ تم اعتقال عادل وعبده الخال ( لم يكن اجتماعهم لتقييم الموقف ولكن) لتقسيم آنسات الشلة على ذكورها على نحو عادل , إذ أصبحت الأمور (كما أفادت عائشة وقتها) معقدة ومتشابكة , ومثيرة للشكوك والريبة إذ لم يعد احد يعرف من تحب هذه ومن يحب هذا !! ..ولماذا يمنح هذا أو هذه الود للجميع (فجر الاجتماع إذن كل هذه القضايا العظيمة, خاصة انه أعطى الأولوية للحالة النفسية لعادل وعبده كخارجين من المعتقل لتوهما ) حتى أن الكومندان نفسه تم توريطه تحت طائلة عدد من الاتهامات, التي لا تخطر على البال((حول طبيعة علاقته بسارة(التي ضبط أكثر من مرة وهو يرمقها بنظرة مريبة) , وموقع ماما حليمة من كل ذلك , لكن لم يجرؤ احد بالطبع على مباشرته بذلك )) , وأدت إيحاءات ذلك الاجتماع الشهير وإشاراته إلى اكتشافات مذهلة  , على الرغم من أن المعلومات التي تم تداولها كانت غير كافية وشابها الكثير من التحفظات , التي كادت تصل لعراك بالأيدي ..

وقد بدا واضحا في ختام ذلك الاجتماع ,أن كل الأصدقاء (بلا استثناء )كانوا مسلوبي الإرادة تجاه سطوة ليمياء وطغيانها الأنثوي ...

هذه الاكتشافات المذهلة , ترتب عليها اجتماع طاريء للمعجبات بعبده الخال(كمناضل جسور) , دون أن يعرن الكوارث التي حلت بالمدينة أدنى اهتمام! ..

ضحك عادل وهو يستعيد تلك الأيام , وقال وهو يخلف رجل على رجل , كما يطيب له في لحظة انعتاق الأحزان , وهو يتفرس وجه عبده الخال., ليقرأ تأثير كلماته عليه :

-على الرغم من أنني كنت اعرف كل شيء عن علاقات عائشة , إلا إنني لم أشعرها بشيء من ذلك . كان كلانا حريص على تأمين العلاقة بعيدا عن أوشي والشعراني , حتى لا يفرغان فينا سمومهما العقائدية , لكن في الفترة الأخيرة من علاقتنا صرنا كقوسي السهام , تزداد آلامنا مع انشداد الوتر , وتتوتر الأعصاب ..

كانت تتلمس الجرح في قلبي ولا تهتم , المح العذاب في عينيها ولا أهتم .عندما ترغب في كلمة دافئة , أفاجئها بافتعال معركة . وعندما ترغب في المعركة , اصب عليها ماء يغرق كل النيران التي أتت تحملها لتحرقني بها . كانت لذة ألمها , لذة ألمي , هي التي تدفعنا للاستمرار , تشدنا تجاه بعضنا وتضعنا على حافة الجرح .. تضعنا في تلك الحالة المجنونة , المتحفزة إلى أن تمزق كلانا . يا صديقي أنا رجل مهزوم . الشروخ تملؤني من أعلا لأسفل , ولم اعد احتمل المزيد .. لن تكون قبيلة النساء التي نعرض"وسطها ,آخر القبايل التي نغزوها

انه قدري الذي شكلته الصحراء بداخلي , الصحراء بسمومها وحرها اللافح , بأفاعيها وعقاربها وسرابها الذي تحسبه كل نساء القبايل ماء ..

انه قدري الذي امضي فيه مسلوب الإرادة , وليتني أستطيع التوقف ..

(كان عبده الخال يدرك أن مناوة الخبيث , يسعى لتكوين جبهة متعاطفة معه , بتوظيف إمكانياته اللغوية في نشر الأكاذيب البائسة, التي تدمي لها القلوب وتنشطر الأفئدة ..

رغم البحث الممض للصديقات., إلا أنهن لم يستطعن اكتشاف : من هي التي سربت مداولات اجتماعهن للأصدقاء , على الرغم من أن سوزي , اتهمت فيما بعد بأنها هدهد وطابور خامس , أصرت على أن الوحيدة., التي يمكن أن تلعب .,مثل هذا الدور القذر هي ليمياء , ومع ذلك لم تكن الصديقات.,قد تمكن بعد من التوصل إلى نتائج محددة حول "التقسيم العادل لذكور الشلة" فيما بينهن, لتوقع بروتوكولا بموجب ذلك ..

اقترحت سلمى لجنة تقصي حقائق ,حول العلاقات العاطفية للأصدقاء, تشمل البحث في مرحلة المراهقة . ولا تستثنى الميول الشاذة (بالطبع لم تبدأ هذه اللجنة أعمالها , لان أسرار الاجتماع كانت قد تسربت إلى العدو) ..

في هذا الوقت كان الأصدقاء يدعون لمؤتمر طاريء , لم يتم الكشف عن الغرض منه(رغم تسرب الكثير من شعاراته الفضفاضة , مثل : لم شمل الأصدقاء – وحدة الشلة – رأب الصدع , الخ .. وكانت المفاجأة للصديقات داخل المؤتمر .,مواجهتهن بصورة طبق الأصل من محضر اجتماعهن الطاريء , فأصرت روزالندة على معرفة "الغواصة" التي قامت بتسريبه . وطالبت بمقاطعة عنصر الاختراق .. فانبرى لها نواي بحسم "الحفاظ على سرية مصادرنا " مما بث الذعر في نفوسهن , وجعلهن يشكن في بعضهن البعض .

-ما بك يا عبده ؟.

-لا شيء يا لمياء ..

مدت له بقايا القهوة .. أخيرا نجح في استرداد ذهنه المكدود  :

-ما وصلنا لحل يا ليمياء . لسه مصرة على الطلاق ؟..

مرر عبده الخال قلمه الأحمر على الخريطة مشيرا لعادل :

 هنا يدخل احدهم قطية القش ,. يشعل فيها النار . ترتفع ألسنة اللهب . تأكل النار القطية تماما .. يمضي الزمن بطيئا .,وفجأة يخرج من بين الرماد والجمر ,وهو ينفض عن صدره غبار ثيابه المحترقة (ينتقل بقلمه من نقطة لأخرى ,ناهبا الطريق في إقليم السافنا ) : الرمال , الشجيرات القصيرة المتفرقة , الأعشاب الكالحة وأشجار التبلدي , التي تمد أغصانها باتجاه الذي يلوح في أفق السماء .. ثمة أحاديث عن "إبيرة ودرت تشعل مواجدا .تدفع القلب للتلفت , طي المنعرجات التي تخط حدود كرد فان ..هذه الجغرافيا التي تجفف القلب وتجعله شحيح الإلتفات منذ انفصال السلطان هاشم عن ابن عمه تيراب وتكوينه مملكة خاصة بالمسبعات غير خاضعة لسلطة الفور ...

يمتشق الوقت قامته . يتسربه ضوع السنا سنا ,وبقايا نفحات الصباح , التي لا تزال عالقة بشجيرات القضيم " وليس ثمة شمس تؤكد انتصاف النهار , وبعد المسافة إلى وادي صالح لا تزال طويلة , يتمدد المكان ..

وتتوالى المحطات : تقف الشرفة حدا فاصلا . جر يبان و اللِّعيِّتْْْ جار النبي , كارنكا , الجلابي ,والضعين ..هنا . هذا الخط يفصل قلب جغرافيا الرزيقات البقارة . الآن في طريقهم إلى بحر العرب , حيث الكلأ والماء . وحيث متكأ من علاقات المصاهرة , التي تربطهم ب"الأنقوك" ..

أخيرا حيث تصعب الحركة إلا بالطوف الأمني . من هنا (يضع عادل دائرة حمراء على الضعين ) تتلاقى في قلب جنوب دار فور , التفاصيل المعبأة باحتمالات جديدة للجسد الممتد غربا ..

رائحة السمن لا تزال عالقة بهذه الخطوط الكنتورية, التي تؤشر ارتفاعا ثم انخفاضا .. تتداخل مع رائحة القضيم , يتناسل مذاقهما على الأضراس متسربا اللثة , ويطل جبل نيالا وأب كردوس شامخين: كما تصورات الذاكرة . أب كردوس يشير لجبل نيالا أن يتقدم ,ويركع عند قدميه مع سلاسل الجبال الطويلة ..

تغوص سلمى أكثر فأكثر . تحاول استرداد نفسها .,من عالم بعيد أهدرها . تجذبها دواماته كجزر البحر , ومده . تتماهى في كيرا . تصبح هي كيرا ذاتها بلحمها وشحمها , والكيرا هي ..

يلملم عادل الخريطة على حجره , يغيب في عينيها ,اللتين تشيان بوميض غريب كالبرق , العبادي . يبتلعه الوميض في جوف عيني سلمى ..

ينسحب عادل ويغوص داخله , ينقب بين تلافيف وجدانه , يجد عائشة متمردة , حنون , تأتي عبر الباب الخشبي السري , الذي يفصل بيت التأمين عن البيت الكبير .. بقدر ما كانت تنفر منه , أصبحت تترقبه بشوق ولهفة . كانت قد اعتادت وجوده , فأحاطتهما هالة من الألفة والود . أخذت تنمو شيئا فشيئا , لتصبح دفئا غامرا , ثم لم تعد بينهما إسرار , حكت محاصرة بصوت الملا عمر . حكت  وحكت , بكى وبكت ..

(.. ولاختلاط المرأة مع الرجال في ميادين العمل , تأثير كبير في انحطاط الأمة وفساد مجتمعها .. المعروف تاريخيا عن الحضارات القديمة الرومانية واليونانية ونحوهما, أن من أعظم أسباب الانحطاط والانهيار الواقع بها ,هو خروج المرأة من ميدانها الخاص, إلى ميدان الرجال , مما أدى إلى فساد أخلاق الرجال ,وتركهم لما يدفع بأمتهم إلى الرقي المادي والمعنوي .. كنت في احد الأسواق صباحا فرأيت عجبا , سوق للتبضع ظننته كذلك وإذا بي افاجا انه أيضا سوق لعرض النساء واستعراض الشباب ثم التواعد واللقاء ولك ذلك خلف ظهور الآباء الغافلين عن بناتهم وأبنائهم ..)..

كانت عائشة شمس لياليه المظلمة , وقمرها الوضيء . رياحين بستانه الذي امحلته سنوات العسف والجفاف ..

كانت مثل قمر "اربعتاشر" , تثير مراهقة المدينة المتكئة على مفرق النيل , انتزعته من الحواري , الأزقة , بيوت الليل وفتيات برهان الحبشية الشبقات ..

لم تكن تملك شيئا إزاء هذا الذي يتحرك بين جوانحها شوقا لاهبا , بنفسجا ووردا مخمليا , ناعما ودافئا لحد العذاب ..

قدر مجنون , مجابه بقدر مجنون . قدر اشهر من الاختفاء الغامض لدماس ,والغياب المجهول للكومندان , ولعين كتاريخ ساحق , محرّم ومحفوف بالمخاطر ..

-أرجوك .

-أرجوك أنت.

-انت لا تختلف عن أوشي !.

-أنا احبك .

-أنا أكرهك .

عبر المنطقة البحرية المحفوفة بالشعب المرجانية والحلازين , طرِّية الملمس . كان قد أغلق الباب السري وفصل النور , غرق في الظلمات..

في ظلام الغرفة كانت عينيها تلتمع ببريق عجيب , وعلى نحو رهيب., أتى صوتها باكيا , متشنجا ..

كان قدإمتلأ رعبا , وسكنته الكوابيس المزمنة . أدرك أنه تركها خلفه , في مضارب قبيلة مسحورة., دونها الطلاسم والرصود ..

 انسحبت عائشة من عالمه , فارتد إلى أعماقه كحجر أثري ..

قالت سلمى :

- وعبده الخال صديقك ..

-بل قريبي . أصابته ليمياء بالجنون..

-وأنا ؟.

مد زراعه , لتتحسس راحته ظهرها بلطف , وتأوه ..

 تلك أيام البرق العبادي .. أضاء البرق أفناء المستشفى . اقترب الطبيب الشاب ووجه خطابه لسلمى ..

-يجب أن تدخليه الآن إلى غرفته . عما قليل ويهطل المطر ..

-انه يصر على الجلوس . يريد أن يشاهد المطر يهطل عليه .. والبرق ..

قالت بحياء . أمعن الطبيب الشاب فيهما النظر وهو يقول :

-حسنا . انه البرق العبادي ..

تلاشت خطوات الطبيب الشاب , الذي صعد ليراقبهما من الغرفة المطلة على الحديقة . كان المطر قد بدا يهطل . لمع البرق العبادي , فنهض عادل .. اقترب من سلمى . دنت منه . تخاصرا .. لمع البرق العبادي مرة أخرى , تركزت هالته الخاطفة على جسديهما المتوحدين . هبط الطبيب الشاب إلى حديقة المستشفى , كانت خالية منهما . اختفيا في لمح البصر , كالبرق العبادي ..

(7)

لم يكتف عادل بفرد الخريطة مرة أخرى على ركبتيه فحسب , بل انتزع عبده الخال إلى عالمه :" هذه المنطقة (وضع عليها خط أحمر) تخلو من الحيوانات التي كانت تكتظ بها , هربت بعد انفجار الحرب الاهلية إلى أفريقيا الوسطى وتشاد , ولم يتبق سوى مراحات " البعاشيم وأسراب دجاج الوادي والحمام المتوحش, والقرود والغزلان والوزين والغارنوق ,والخورباج والحلّوف والذئاب وأم تُقدم وما شابه ..

الأشجار لا تزال شاهقة , غنية , كثة . الدليب , الدوم , المر , العرديب والغبيش ..الجميز والكبريت وأم قُلقُلْ والقمبيل والصنوبر والهبيل والقنا , الخ ..

أب نباح يركض , وحيوان قِرب الشجر بجسمه الضئيل , يقفز من شجرة لأخرى . يمتص ثمار اللألوب .. هنا (يضع دائرة ) يجيش الوادي بخاطره , بإزاحة الرمل قليلا .,يتفتق سلسبيل الماء ..

السدود المقترحة على أزوم وصالح وبلبل طي الأضابير., بفعل التواطؤ والتآمر .. منذ عشرات السنين .. ومصانع السكر والبطاطس , وتعليب الفواكه , حلم لن يتحقق .. حتى الصحة والكهرباء طي الأضابير والخطب الخطوب , والغزل السياسي لأرباب النازيين السمر والطائفيين , إلى آخر الأشياء من جنس الفجيعة .. من هنا .. هذه النقطة "أم دخن" إلى رمالية ساعة بالأقدام , وساعة ونصف إلى ُرترت., وساعتين إلى قوز بيضة , كبرى المناطق الحدودية التشادية ..

ينسى أطفال السلامات الرعاة , أحيانا النار موقدة قرب قرى القِمِرْ , فتحترق البيوت والمزارع , فيتدخل عساكر الجيش التشادي ليحسمون الأمر على طريقتهم , التي تفتقر إلى روح القانون والانضباط .هنا تتداخل السلطات بين الشيوخ داخل الحدود السودانية , وعساكر الحدود التشاديين الهمج . يوالي سلطان قوز بيضة زياراته إلى كيلي, التي استوطنها الفور والداجو , هاربين من جحيم الحرب الاهلية الأولى في وادي صالح . هنا من الممكن أن يموت الإنسان لأتفه الأسباب بطلقة عسكري تشادي , ليس بينه وبين القتيل أي شيء شخصي . فكل شيء بعيد عن العاصمة التشادية مباح !!..

 هذا الخط المتعرج , يربط بين "رهيد البردي" و"عد الغنم" وبلبل تمبسكو ونيالا . ليتمدد من هنا خط السكة الحديد إلى دار صباح , عبر الضعين , بابنوسة والدبيبات , أب زبد والفولة حتى الرهد أب دكنة ..

قالت ليمياء :

-يبدو انك أصبحت كالخال , لا ترغب في انتزاع نفسك من عالم الكومندان ..

-وانت لم تسحرك عوالمه ؟..

لمح عادل بوادر معركة تلوح في الأفق .. فاخذ عبده الخال وخرجا قاصدين برهان الحبشية ..

مدّت برهان يدها بصينية الشاي , وهي توجه  بصرها , لرجل ينكفيء على ملامح كئيبة . وضعت الصينية أمامهما , تهيئهم للدخول في زمن بنفسجي ..

كانت برهان تؤجر جزء من بيت  شاعر غنائي مغمور , فقد جمهوره برحيل الأغنيات الحميمة, إلى ذاكرة تالفة في "سور وداخل سور" ..

عانى الوحدة والوحشة والعذاب دون أبناء , دون زوجة , سوى حفنة أصدقاء يأتون ليفرغون قذاراتهم المكبوتة في منزله , يحركون ساكن عذاباته ويمضون ..

في أوقات انشغال برهان بالعمل في بيع الشاي , أو تجارتها في اللحم الأبيض, يخرج ولا يأتي إلا بعد أن تكون قد فرغت من استقبال زبائنها . يأخذ نصيبه ويشتري شيئا من الخمر والحشيش . يرطب الأرض برزاز الماء , ويحرق البخور , ليتكيء بعدها في سلام , على دخان الشيشة ..

كانت برهان قد جاءت منذ السنوات الأولى., لانفجار ثورة التحرير الاريترية , وهي صبية يافعة دون العاشرة .عملت بجد., وأنهكت جسدها الذي ارتسمت عليه آثار الشهوات القسرية . امتصت الثورة ماء شبابها . لم تكن حبشية , ولكن سار عليها الاسم ..

قالت برهان :

-لم يعد الديم كما كان . أصبحوا يهاجموننا في أي وقت . يسلبوننا ذهبنا ومالنا الذي نشقى كثيرا للحصول عليه  .. بالأمس اعتقلوا كواكب للاتجار في الخمر والمخدرات ..

-سرعان ما تدفع لهم وتخرج ..

كانت كواكب من ذلك النوع الذي يشقى بجسده المتلظي كثيرا . لم تستطع احتمال صرخاته وتحفزاته وقلقه منذ مراهقتها الباكرة , فهربت به لتهديء توتره المقيم , هنا في الديم . عندما كان الديم ديما . قبل أن تنتاب أبو لكيلك الأول نزواته التاريخية الشهيرة , تلك التي كلفته غاليا , عندما بايع نفسه أميرا للمؤمنين ..

قطعت كواكب كل تلك الفيافي والغفار من سودري , في زمن لم تكتشف فيه حكومة أبولكيلك بعد اختراع اسمه الإسفلت ووصلت هنا مراهقة , ناهدة , ينؤ جسمها بما يحمل . فحملت عنها الدهاليز المخملية حينها , (والسرية فيما بعد ) أعباء هذا الجسد العظيم ,إلى أن أصيبت بالترهل في بيت برهان الحبشية..

(8)

من كافتيريا أتني انطلقت تطلعات جيل مهزوم .,وأحلام أجيال بائدة . على الصدى الزجاجي لأنخاب متوهمة ,على موائد الايدولوجيا المنهارة , وأروقتها السرية , تبادلت الأجيال أنخابها وهي تغني حرمانها في المارتنيكي إيميه سيزار :

مرحي لمن لم يخترعوا شيئا ,

لمن لم يكتشفوا شيئا أبدا , لمن لم يكبحوا شيئا أبدا ,

لكنهم ينجرفون منتشين.,

إلى جوهر الأشياء .

جاهلين بالسطح .. تتملكهم .,

حركة الأشياء ..

لا تشغلهم السيطرة..

لكنهم يلعبون لعبة العالم ..

شررا للهب المقدس ..

لحما للحم العالم ..

ينبضون نبض العالم نفسه ..

قال البنجوس بحزن , وهو يلملم كلماته عن وجه عادل :

-استولى الزبير باشا على المنصورة , وأهداها للخليفة  ..

كان عادل ينسحب رويدا, رويدا , تأخذه أصداء الخرطوشة التي انطلقت لتسقط الغزالة , التي تلقت بصدرها كل الطلقات ..على نحو مفاجيء . انكفأ جسد صبية . ذات الصبية التي لا تظهر إلا في الأسواق , دون أن يعرف احد., أين تغيب أو كيف تقضي أيامها ..

ذات الصبية التي رآها في سوق أم دورور . المراهقة البدوية . انكفأ جسدها على جسد الغزالة , واختلط دميهما . تلاشى الجسدان في جسد واحد , توحدا واتسعت عينا الغزالة على مصراعيهما , وهي تغالب النزع الأخير .

لم يقوى عادل على احتمال المشهد , فتراجع إلى الخلف وظل يمشي ويمشي .

هرب من الوادي . ركب القطار متعجلا وعاد إلى الخرطوم . لدى وصوله فاجأه انتحار عائشة ..

 كان جسدها مسجى على البلاط , ملطخا بالدم , كلوحة سريالية بشعة , وحلم غامض لا نهاية له . حتى نجيل الحديقة , بدا فاقعا . كان وجهها ذات وجه الغزالة المتمرغة في دمها ..

أحس بصداع عنيف يجتاح رأسه ..

كانت عائشة قد نهضت من نومها أبكر من عادتها . نضت عنها ثيابها , مررت أصابعها على الجغرافيا المتحفزة . أفرغت كل زجاجات العطور على البانيو وغطست , ثم اتجهت إلى الشرفة . اصطدمت في طريقها بالخادمة , فأبعدتها على نحو آلي .

كانت الخادمة قد أغمى عليها من رائحة العطور النافذة , المخدرة .وأصابها مشهد عائشة عارية بالذهول .

وعندما أفاقت ركضت إلى غرفة الوالدين, الذين لم يمض وقت طويل على عودتهما من اغترابهما الطويل .

ركضت والدة عائشة بذعر دون أن تسوي حزام الروب المتهدل . بحث الجميع عن عائشة في كل شبر من الفيلا , ولم يتوقفوا إلا عند سماعهم صرخة الخادمة, وهي تشير بفزع لجثة عائشة المتمرغة في دمها .. هناك على بلاط الحديقة , انتزعت عائشة عن نفسها الحياة ..

صديقاتها , قلن إنهن لم يرين وجهها أبدا , إذ لم تكن تخلع عن نفسها النقاب حتى في الحمام . وأكد عمها الشعراني وصديقه أوشي, وجارات عمها الموبؤات باللوعة الرواية ذاتها ..

كاد رأسه أن ينفجر , فانسل مذهولا بين الجموع المحتشدة , واخذ يركض لا يلوي على شيء ..

بدت له رحلته طويلة لا تنتهي ..

ربت الكومندان على كتفه بلطف :

-انت لا تزل تعاني جرح عائشة ..

-كانت خاتمة مروِّعة .

-انه قدرها . لا احد مثلها يستطيع التحكم في قدره .أنها ليست مثلك . فأنت أخر "جورنيقا" تبقى في منواشي , مهزوم . ستسعدك سلمى وتخفف عنك , اقترب منها فحسب ..إنها بداية جديدة ..

نعم كأخر جورنيقا مهزوم , في آخر الحروب التي لم تبدأ بسنة ستة . يمضي ..

يمضي كهذا الجورنيقا ظمئا لحنين ودفء , يغازل جارية السلطان , كفتى البرقد فيسرب الخصي "الكرا" الخبر للسلطان فيخذل السلطان خصيه(كان معجبا بهذا الجورنيقا الذي يتجرأ على العبث بحريمه) ويكافئه, بان يهبه الجارية ذاتها . ويعينه في صفوف فرسانه , فيبلى البلاء الحسن في الحروب القادمات .

ينتصر في حرب المستنقعات , ويفطن لكمين الرزيقات , فينسحب مع المقاديم وقواتهم بعيدا , بعيدا نحو الجنوب , شمال بحر العرب .

(كان الرزيقات دائما يحتفظون بزوجاتهم وأطفالهم وممتلكاتهم ,بعيدا في دار "جانقي" المتعذر بلوغها .

تلك كانت آخر الحروب التي فات فيها الوقت , عندما تحرك الزبير باشا شمالا لإسقاط السلطنة , احضر آلاف البازنقر والرقيق المدربين , فحطم الجيش الجنيني , وهزم شطة بالقرب من دارا .

تحطم الجيش الجنيني الذي كان قد بدا في النمو .,ترعاه ايا باسي زمزم . تحطم تماما في منواشي . ولم يتبق سوى الكوركوه والسومنق دوقا لا وبعض الجورنيقا ).

كان آخر الجورنيقا الذين يشهدون, على مقتل السلطان في الهجوم الضاري واليائس , في أخر المعارك التي لم تستعن بتعاليم دالي العظيم , فحطمهم برقه ..

(طلب دينار بعد عدة عقود من سلطات الحاكم الإنجليزي المصري إعادة المنصورة . لكنها رفضت . زعمت أنها أرسلت إلى أوروبا , وأرسلت له بدلا عنها طبلين كبيرين , يقفان شاهدين على زوال أخر الحضارات العريقة )..

أخر الحضارات منذ منواشي التي رسمت حدا فاصلا بين بعدين : بين إسلام الزبير العربي , البياني , القاسي . ومباديء دالي الإفريقية الغنوصية والعقلانية في العديد من جوانبها .. ومع ذلك تعايشا معا , تحت سلطة عرف دالي القوية , التي لم تهدها سنوات أم كواكية . قويت سلطة العرف المستمدة من سطوة دالي الأسطورية ,ومن حنين بعيد للوادي وغياهب الجبل , حيث تتحاور أرواح السلاطين الأسطوريين ..

لم يستطع الحكيم الغريب , الذي يتوهم انه يعلم شعبا همجيا عادات متمدينة , أن يتزوج من كيرا ليؤسس سلالات جديدة لتجار رقيق جدد , سلالات جديدة علي غرار النازيين السمر الجنجويد ..

استمر الناس يتعبدون أمام الشجر المقدس , عندما يكونون في منازلهم , ويفعلون ما يفعله المسلمون رسميا .. كانوا يكرهون مزاعم المهدوية التي خربت ديارهم وبعثرت أهلهم في الأشجار والخلاء والجبال ..فانهارت دولارات ماريا تريزا ولم تعد تساوي"كنفوسا" ..

لم يعد المكان هو المكان ولا الناس هم الناس . مضى ذلك المجد الذي كانوا يتاجرون فيه مع مصر., وتمبكتو ويفتحون الأبواب للقادمين من غرب أفريقيا وموريتانيا ويقدمون العطايا للشناقيط , والسعوديين والعراقيين بالمحامل السنوية .

(منواشي كانت بذرة النمو الحاسمة لمركب من الأفكار والمفاهيم.,  ذات الطبيعة الدينية والعرقية) .

الآن الوادي مهجور , فالآبار جفت والقوافل تلاشت في فراغ الصحراء العريض , تغير دروبها, والقرى على جانبي الوادي اضمحلت .

إلى الوادي كان يأتي الفقرا والتجار الأغراب .. كلهم أغراب . في الوادي كانت السلطة تجدد نفسها . تخرج من رحم الجبل , روحا من دالي العظيم .. الفقرا والتجار , يخرجون من الفواشر , ليعودوا مرة أخرى وسطاء بين عالم الوادي المغلق, وعالم أخر واسع من الأفكار والمفاهيم والمنتجات الجديدة ..

من قلب الجبل يخرج( أبو جميزة في تلك السنوات الضارية , عندما ترنح سلاطين الظل في جبل مرة أمام هجوم المهدية الشرس . يخرج أبو جميزة , الفقيه الريفي و الغامض ويقود مقاومة شعب الوادي للمهدية . يتقدم بجيشه) دون أن يتصور أن الطعنة ستأتيه من الخلف ومن ألف خلف . من الذين وهبهم أسلافه المأوى ليستقروا , بعد أن كانوا رحلا دون وطن! ..

(9)

اختفى الكومندان البنجوس دون أن يترك خلفه سوى رسالة غامضة , مكتوبة "بالعمار", على ورق حائل اللون .,كذكريات خافتة النبض والحيوية , متلاشية الحياة .

تنهد عادل بوجع . وهو يستقبل ليلته الأولى مع سلمى . لم يكن راغبا الآن في شيء سوى النوم . خلعت سلمى بنطلون الجينز الأزرق . خلعت تي شيرتها الأبيض . خلعت كل ثيابها وارتدت قميص نوم زهري شفاف . أطفأت النور الباهر , وأشعلت لمبات السهرة البنفسجية , بإضاءتها الخافتة .فسبحت الغرفة في إضاءة هادئة .أخذت سلمى تسحب أوجاع عادل وجعا فوجع بمهارة وعذوبة فائقين . همست في رقة :

-طفل سارة من الكومندان أكثر وسامة منك .

فارتدت ذاكرته إلى ذلك اليوم , عندما علم بان له شقيق, بعد كل هذا العمر الذي مر على البنجوس . فابتسم :

-حتى الآن لا ادري : كيف ينجب رجلا ,بلغ من العمر ما بلغه الكومندان ؟.

قالت سارة في ذلك اليوم وهي زائغة النظرات :

-صدقني يا عادل أنا حامل من الكومندان ..

كانفجار مباغت للضوء والبرق والرعد . كإنشطار مفاجيء للسماء . كحزن صحراوي عاصف بالريح والأنواء , يحمل مخاوف الدنيا كلها . كان وقع الخبر بمثابة الصاعقة ..

كانت حكاية الكومندان مع راوية تتجدد مرة أخرى أمام ناظريه .. تخرج من رحم الماضي والتساب يهدم المدينة فينهد الجسر العتيق .. مرة أخرى يتسلل الكومندان لعنات .,مخبأة في قماقم مرصودة منذ آلاف السنين , يرمي لعنته في فضاء المدينة., التي تمضي لسهرتها للتو , ويمضي ..لفهما صمت الغسق الشاحب , و السكون العميق الذي هيمن على غرفة عبده الخال .تبدت الذاكرة السرية عن محمولاتها , وانداحت ظلال غائرة في البعيد ...

تنهدت سلمى وهي تضيف :

-جلس الكومندان قربي .جاء صوته عميقا , عميقا كتنهيدة تخرج من أغوار حلم جميل . كآهة عذبة يبحها وتر مكتوم .,بذكرى حميمة لعاشقين اصطليا بنار الوجد , وتجمدا في لحظة واحدة بين نقر الوتر وآهته الشجية . كان الكومندان يتماهى في كل شيء., في فضاء الغرفة بأنفه ذاته ,الذي يخترق أحلامي في النوم واليقظة .

قبل قدومه بوقت طويل كنت أراه . وفي تلك الظهيرة قبل أن يجيء رايته وأنا أطأ الحمام . شعور غريب بين الصحو والنوم انتابني لحظتها., وأنا أتعرى للماء . كنت كأنني اكتشف جسدي للمرة الأولى , موحشا , يابسا , موغلا في العذاب ..

استعذت واستغفرت وتحصنت . لكن اخترق الكومندان التعاويذ والحصون , سال مع الماء , وبللني . تسلل عميقا عميقا . كنت أتوه وأغوص في خدر متقطعة الأنفاس .وقلبي ينتفض في عنف . لم اعرف كم مر علي من الوقت., وأنا على هذه الحالة من الغفران والصفح .جففت نفسي. ارتديت ملابسي ., ودخلت غرفتي . كنت كالمنومة مغناطيسيا . وأنا أرى الكومندان يطوقني , يحاصرني . تناثرت ثيابنا في فضاء الغرفة, وتماهت في أخيلتها , وبدا لي الكومندان شخصا أخر فتيا يحمل جسد الكومندان . شخص اعرفه ولا اعرفه . غبت فيه تعتصرني عضلاته , تخدرني رائحة العرق . كنت مأخوذة دون إرادة . دون وعي . دون هوية . دون تاريخ . أو جغرافيا , كالحلم . الزنخ , الحمى , الحكايا , رغوة الصابون .. وحدي في المكان المبلل بوهم – ربما – لذيذ يفرض سطوته على الألم العذب الذي كان يسري شفيفا في عروقي .ولم يكن للكومندان اثر . كيف حدث ذلك : لا ادري! . هل حدث فعلا : لا ادري !.. تأوهت وأنا أحاول تجميع نفسي كالمخبولة . تحصنت مرة أخرى واستعذت واستغفرت, وأطلقت بخور اللبان الضكر ليطرد الشياطين . ومع انعقاد الدخان وتسلله خلايا الغرفة , بدأت الأخيلة والحلم والذكريات , تتلاشى في ذاكرة الجدار لتغادر الغرفة مع دخان اللبان الضكر .

كان وعيي قد عاد . حاولت أن أتأكد مرة أخرى., أن  الآمر لا يتعدى أضغاث الأحلام . لكن وجدت أيقونته معلقة على عنقي .

قلب عادل الأيقونة التي على صدر سارة بعينيه . ذات الأيقونة , التي كان الكومندان يرتديها أحيانا ..

-إذن كنت أخر من رأى الكومندان قبل أن يختفي ؟..

-صدقني لم أكن في وعيي . ولم اصدق إلا بعد  وقت متأخر من الحمل ..

-انت أخر ضحايا الكومندان . حتى وهو يغادر عالمنا , لا يريد أن يمضي .,دون أن يترك أثرا أكثر ترويعا., من حكاياته التي أغرقنا بها وهو بيننا ..

-إذن تصدقني؟..

-لا أتصور أن لديك مبرر للكذب في أمر كهذا .. ماذا ستسمين الصغير ..

-عبده الخال ...

أطفا عادل لمبات السهرة البنفسجية . وضعت سلمى رأسها على صدره . أزاح شعرها عن عينيه . كانا مهدودين ومنهدّين . خارجين لتوهما من حلم دفيء ولذيذ . تاركين خلفهما صوت الكومندان العميق جائسا في دهاليز الماضي وكراكيره السرية ..

(10)

سحبت ماما حليمة عبده الخال, من تأملاته وهي تدخل غرفته., تحمل كيسا صغيرا اسود اللون , أغلق بالدبابيس بعناية فائقة . مدته له :

-تركه لك الكومندان انت وعادل., قبل أن يختفي بوقت قصير .

-يبدو انه كان يخطط لاختفائه الغامض., منذ وقت مبكر .

أراد الخال أن يفض الكيس , فعاجلته حليمة بحسم :

-افتحه في حضور عادل

تراجعت أصابعه المرتعشة . دس الكيس في جيبه ,وشعر بما ظل يشعر به دائما .,منذ وقت طويل .. بان الكومندان يخبيء مفاجأة غامضة ..

دخلت ليمياء , فانسحبت حليمة :

-هل فكرت في الأمر ؟..

-أي أمر ؟..

-الطلاق ..

تكشفت ليمياء عن أشياء لم يكن يراها فيها , عندما أحبها .لم يكن يدري أن لديها كل هذه القدرة على البغض ..

-وطفلي الذي تحملينه في بطنك ..

-لا تسأل عنه . فأنت لن تستطيع إعاشته حتى ..

فخرج . مضى مشتعلا بالأحاسيس والأفكار المتضاربة . إلى أن وجد نفسه في كافتيريا أتني . لا يدري كيف .. أرخى سمعه للحوار الدائر على المائدة المجاورة , عندما قفز اسم الكومندان البنجوس إلى سمعه :

-كان البنجوس شخصا غريب الأطوار . افسد احد أهم الانقلابات في تاريخ البلاد الكبيرة .,واعتقل بسبب انقلاب عنصري فاشل ...

-انقلاب المرتزقة ؟!..

-أيوّه..

-اهو لا يزال على قيد الحياة ؟..

-ربما . فمنذ ترك الجيش لم يره احد ..

-الغريبة انه لم يحاكم عسكريا , فاسمه لم يرد في التحقيقات الواسعة ,التي طالت كل الوحدات ؟..على الرغم من انه كان المتهم الأول . أعيد إلى الخدمة , وتقاعد تملأ صدره النياشين والأوسمة !!..

تأوه الرجل بعمق :

-ذاك زمان الرجال الحقيقيين . لقد كان الرجل مقاتلا جسورا .

تساءل عادل وخوف خفي ينتابه . أهي مصادفة أن تسوقه قدماه ,في هذه اللحظة بالذات إلى هنا ليسمع هذا الحوار .في ذات اليوم الذي تعطيه فيه حليمة ,أخر ما تركه الكومندان., قبل أن يختفي بغموض . أهي مصادفة أن يجيء هذان الشيخان., إلى أتني بالذات التي يندر أن يأتي إليها ,مثل من هم في مثل سنهم .

شعر بصداع يشقق صدغيه .,ويجعل رأسه نهبا لأفكار متضاربة :

-هذا هو الكومندان البنجوس, يربطني بعالمه شيء غامض على الدوام ..

انتزعه صوت عادل من أفكاره :

-لم أجدك في البيت . وصحت توقعاتي بأنه لابد انك هنا ..

-من الجيد انك أتيت لترى أخر ما تركه لنا الكومندان ..

نظر عادل إلى الكيس الأسود الصغير , الذي أخرجه عبده الخال من جيبه ومده له ..

 امسك عادل بالكيس بأصابع مرتعشة . نزع الدبابيس وادخل يده في جوفه . اخرج يده . كانت تمسك بأيقونة فضية عليها نقوش غريبة ..

-إنها تشبه القلادة التي على عنق سارة ؟..

خرجت يده أيضا بورقه حائلة اللون . تمعنا في الأيقونة والورقة ,التي اخذ عادل يفردها بأصابعه المرتعشة . كانت مكتوبة بخط اسود دقيق , دون تاريخ محدد يشير إلى وقت كتابتها , بل كانت تبدو كوثيقة تاريخية . قرأ بصوت بطيء:

" سألج الموضوع مباشرة . ربما أدهشتكم تلك الحكايات ,التي كنت احكيها لكم عن ساورا وكيرا لنقي وسورنق وممالك الوادي  البائدة . ربما تعاملتم معها كحكايات طريفة أو مسلية عن أشخاص آخرين ليس هم انتم . أو لا وجود لهم أصلا . ولكن كل ذلك ليس صحيحا . فما كنت احكيه ليس حكايات . بل تاريخ أسلافكم . لا ادري لماذا اشعر بالاضطراب وأنا أقول لكما ذلك . تسألان الآن عن الأيقونة . إنها لك يا عادل , ستحميك بأسرارها فهي أيقونة التؤمين ابنتي عجوبة . هذه أيقونة سابا التي أورثتها لكيرا لنقي , فأعطتها هذه لحبيبها .. هذه الأيقونة من ميراث جنيات الجبل ..إنها لك ... والذي لا تعرفونه انه لا يوجد شيء اسمه (تاريخ)فأولئك الذين مضوا هم نحن ذاتنا في وقت ما .. ونحن الآن هم في زمن أخر .. ربما .. أن لم يكن في ذات المكان الذي عاشوا فيه ..بنقا .. سورنق .. سولونق .. كوي .. شبونة .. نيرديس .هؤلاء هم انتم .. الأصدقاء , وانتم تعرفون ذلك أكثر مني فانا لا أتعدى أن أكون العجوز دورة الذي يرعى الفتيان الملكيين .."..

ختم عادل قراءته :

-لابد أن والدك قد جن !!..

-ربما يكون مصيبا, فنحن في أتني, وهذه مملكة الجبل والوادي..

ارتدى عادل الأيقونة ونهضا يغادران أتني ..

لأول مرة يشعر عبده الخال بكل هذه الوحدة . بعد أن ذهبت ليمياء تحمل طلقتها البائنة . نام نوما متقطعا لا يخلو من الكوابيس وأضغاث الأحلام . رأى سابا تهوي من حالق القصر . تغوص في ارض الوادي , فتنداح الرمال عن رهد الخيل ..

منذ اختفى الكومندان وغادرت ليمياء حياته , لم يعد أصدقاؤه يجتمعون بغرفته كما اعتادوا , منذ أخر اعتقال. خيم مناخ من الانطواء على الجميع

حتى الغرفة نفسها انطوت على نفسها . وشجرة الجهنمية العجوز , المتكئة على الجدار الخارجي للنافذة  , اكتست بلون كئيب , والستائر مسدلة على الباب الموارب , والنوافذ مغلقة .. الصحف والكتب والمجلات مبعثرة في كل مكان . المكتب مزحوم بأشياء تذكارية عديدة . لكل شيء هنا قصته الحميمة , أو مأساته البائسة . صار البيت كله طاردا لعبده الخال , بأخيلته وأشباح ماضيه القريب , ووحدته القاتلة التي تجعله يشعر بأنه لا ينتمي لهذا العالم المتشظي حوله .

لأول مرة منذ وقت بعيد بدا الأصدقاء يتوافدون ..خفق قلب عبده الخال بشدة عندما جلست روزالندة إلى جواره ..

في هذه الغرفة تشكلت حياة جديدة أخرى, من إنكسارات الماضي وتمزقات الحاضر . تشكلت من الأحزان التي تتقلص وتنقبض وتفيض, من وجوه عرفت اليباس والغبار والعكرة . مثلما عرفت الحب والفرح النديان , والضحكات الصاخبة , والناعمة والهمس الحميم ..

إذن هم الأصدقاء يتجمعون من جديد , ينضون عن البوح القديم تلافيفه .. فيتجدد بوح عميق في خفر روزالندة , ونظراتها المختلسة إلى وجه الخال المتعرق .. فينبض فيه شيء من بوح نظراتها , ويمضي كدبيب النمل ..

هامش:

(*) الشاعر محجوب شريف.

(**) الشاعر محمد الحسن سالم حميد .

(***) من اهازيج نحاس العمد في النيل الابيض في الحقبة التركية , وهي أمر خاص بتحصيل الضريبة "الطلبة".

(****) اهزوجة شائعة في خمارات الخمر البلدي في النيل الابيض , يغنيها السكارى اثناء قعداتهم .

 

 

القسم الثالث: الوطن والمنفى

 

الشوارع تكاد تخلو من المارة , وقهوة عبد الواحد توشك أن تغلق أبوابها . لم يكن ثمة احد من رواد القهوة في هذا الوقت المتأخر من شتاء يناير القارص .. وكانوا لا يزالون يتنهدون بارتياح , وكل واحد منهم يقلب باسبورت "الصليب الأحمر" خاصته بين يديه..

-أخيرا , بعد ثلاث سنوات ونصف ..

-نعم أخيرا , سنهاجر إلى بلاد اليانكي . لكن أبدا لن نكون جزء منها .

عقب عبده الخال على تنهدات عادل ,وهو يتنقل ببصره بين وجهي مناوة ونواي , اللذان بدأا له مضيئان لأول مرة منذ وقت طويل .

 لأول مرة يبدوان مشرقان من بين كل أعضاء الشلة ,منذ قرروا  جميعهم .,في ذلك الخريف البعيد ,قبل أكثر من ثلاث سنوات في غرفته , التي تطل نوافذها على الجهنمية الحمراء .مغادرة البلاد الكبيرة ,يزمعون الهجرة الجماعية ..لأول مرة منذ وقت بعيد ,في ذلك اليوم حين بدوا  يتوافدون .. عندما جلست روزالندة إلى جواره, واخبرها الخال بقراره في الهجرة , فترددت قليلا ثم ما لبثت أن قالت بحسم :

-سألحق بك  ..

في الأيام التي سبقت ذلك كان  الخال قد قام ., بأخذ حليمة إلى الانقسنا . كان يعاني مثلهم الفراغ الذي خلفه الكومندان البنجوس وراءه .. يشعل في داخله حرق أكثر من تلك التي أشعلتها ليمياء ..

 كانوا جميعا قد بدوا يعانون متاهة الكومندان , ويرغبون في التحرر منها ..

كانت سلمى قد رفضت أن تستجيب لرغبة عادل في السفر . فظل ممزقا لعدة أيام , وعندما فشلت في إقناعه بالبقاء هجرته , عله يشعر بفقدها فيستجيب لرغبتها في البقاء ..

الآن تتشكل حياة جديدة أخرى, من إنكسارات الماضي, وتمزقات الحاضر . تتشكل من الإحساس بالتحرر من الأحزان, التي تأخذ في التقلص أكثر من أي وقت مضى , فتنبسط وجوههم التي لطالما  ,عرفت اليباس والغبار والعكرة . مثلما عرفت الحب والفرح النديان , والضحكات الصاخبة , والناعمة والهمس الحميم ..

إذن هم الأصدقاء يتجمعون من جديد , في قهوة عبد الواحد, ينضون عن البوح القديم تلافيفه .. فيتجدد بوح عميق في خفر روز, التي تنتظر الخال الآن في شقتهما الصغيرة , يتآكلها نفاد الصبر , في انتظار عودته .. عندما لحقت به , واستقبلها سألته هامسة :

- والآن ماذا سأعمل هنا في هذه البلاد ..

- حدثت عنك دكتورة داليا وقالت إنها بحاجة إلى ممرضة .. لا تحملي هما .. ستمضي الأمور بخير ..

وجهي نواي ومناوة الآن مشرقين , زال عنهما غبار سنوات الانتظار., العجاف لاستكمال إجراءات برنامج الهجرة وإعادة التوطين ..لاشيء يتبدى على محياهما, سوى الرفيف الخافت لقلق مزمن , وجراحات غائرة , لا تزال أصداء منعطفاتها., الحرجة تدوي في الذاكرة الجماعية., للأصدقاء أفراد الشلة .

 كان كل يوم مر خلال السنوات المنصرمة , يساوي عمرا بأكمله من العذاب .. فكانوا في جلستهم تلك., كأنهم يجتمعون ليسترجعون ما مر بهم .,من افراح واحزان ومواقف , في مناخات الغربة القاهرية ..

 كأنهم يودعون القاهرة باستعادة ذكرياتهم فيها .. فتنهض أحداث الجمعة الدامية , كأسوأ ذكريات المنفى التي لن تتكرر أبدا في أي مكان ..

كان مناوة يرقد مصابا جراء تلك الأحداث., في مستشفى السنابل بمنشية الصدر , قبلها كانوا جميعا قد افتقدوه .,وتملكهم رعب كبير أن يكون ضمن القتلى , فلم يتوقفوا عن الاتصال,بكل من يستطيع أن يؤكد وجوده على قيد الحياة , اتصلوا بأسماء  , الكوماندر حمدان , سمارة .. لم يتركوا احتمالا لم يتعاملوا معه ..

تأوه عادل :

-كانت تلك أيام الرعب والمخاوف والظنون ..

فابتسم عبده الخال :

-تأبى القاهرة إلا أن تودعك بلعناتها يا نواي ..

وأردف :

-لكن ما الذي جعلك تذهب في ذلك اليوم بالتحديد, لمكان الاعتصام ؟..

-شعرت بضرورة التضامن معهم ..

-لم تتصور أن في اليوم الوحيد الذي تقرر فيه التضامن معهم, وتذهب انك ستكون ضحية مجزرة كهذه ..

-حتى لو كنت اعلم لكنت ذهبت أيضا ..

يومها حكى نواي , وهو على سرير المستشفى مضعضعا :

-كانوا زهاء الثلاثة آلاف لا جيء من الجنسين , ومختلف الأعمار .يحتمون في الساحة الضيقة لحديقة مصطفى محمود , وفي الساعات الأولى لفجر الجمعة ,هجم أكثر من 6 آلاف جندي بمدافع المياه والهراوات .. رأيت بعيني أكثر من 150 جثة., في الحديقة فقط بعد الهجوم بثلث ساعة . مات البعض في الأتوبيسات أثناء نقلهم لمعسكر دهشور على طريق الفيوم , ومات البعض في المستشفيات متأثرين بجراحهم ..

قال مناوة مازحا :

-ونجوت أنت بعد كل هذه المجزرة ؟!..

-للقطط سبعة أرواح ..

مضت إذن تلك الأيام , والآن بطريقهم إلى بلاد أخرى , ربما يكون فيها متكأ لما خلفته القاهرة من أحزان, وربما تدهمهم., بمزيج أخر من أحزان لا تخطر على البال  ..

غاب عنهم عبده الخال متوحدا في خواطره الكثيفة , وابتسامة حميمة لا تفارق شفتيه . همس مناوة :

-لابد أن روز تنهض الآن في خواطره ..

التفت إليه الخال :

-إنها روز بالفعل ..

كانت روز .. كبرق يشع فجأة , تطل من غيب غامض .. حبلى بقلق العرافات وتوترات المغنين العابرين., ببوح "القمارى" ومواجد النوارس المهاجرة , في مساءات مبهمة للقيا مؤجلة ..

كإيقاع حزين في حناجر الشعراء الجوالة , أطلت روز : بداية للأشياء ومنتهاها , وسر حميم يضيف إلى الوجود., فصلا آخر في قصة الخلق التي لم تبتدىء .

 قالت , فقال .. تنهدت , فتنهد., وحين طال الصمت وتمدد الانتظار على الشرايين المنهكة , انتحى كلاهما طي الهاتف المتقطع الصفير., في الفضاء البعيد :

-البطاقة انتهت ..

وغرق كلاهما في النوم ., يحلم  بمدى البعد وسر المسافة ومنتهى الشوق., والاقتراب أقصى تفاصيل الوريد ..

أول مرة التقيا في غرفة الجهنمية الحمراء (عندما جاءت برفقة ليمياء). تبادلا حديثا متحفظا., عن ماض لم يثمر .,ولكنه ظل مؤرقا ككل الذكريات .,الأشد جمالا وألما . وذات أسى دفيء التقيا لينشطر كلاهما , وهو يحمل في غربته شيئا من ملامح غامضة , وربما احاسيسا نائية . أقصى تلافيف القلب .. أدنى الزحام ... 

هكذا افترقا ليمضى كلاهما في الاتجاه المعاكس., بزواجه من ليمياء .. إيغالا في اغتراب يطول وهجرة مفعمة بال   .. لكن ظلا كلما التقيا يشعران بانهما .,مثقلين بالتباريح وباليومي وأخوة الدم والتراب والصبر على الآخرين ,وعالم البنجوس الذي يمدهما بالتماسك  ...

منذ  طفولتها تبدت روز كأنشودة غجرية , مترعة بالحنين والأسى واللوعة . ففي حصارات اليومي., تشبعت بهذا التمرد المنطوي على ريح عاصفة ..  هبت لتجتث الحكايات السائدة .. مشرعة  أشرعتها , كأخر السفن المغامرة في أرخبيل غامض .,ينطوي على الحكايا القديمة وحطام البيارق وذاكرة الفراغ !..

مضت( هكذا) .. تحلم بيابسة في مكان بعيد قريب , تقيم عليها مملكتها ضد الحصار .. فرف قلبها لحبيب صديقتها , وأدركت أن ذاك قدر شائك .,دونه شوك القتاد , والمواجد والدموع , وظلت ترقب انجلاء المعركة , لتضع حدا لعذاباتها , التي تخبئها كسر خطير .. نعم كان حبها المنطوي على شرنقته الفولاذية , بمثابة عذاب لا يطاق ..

وفي كل هذا الوقت كان الخال كالغريق , إلى أن قرر الاقتراب , بعد أن مضت ليمياء مخلفة وراءها الكوابيس وأضغاث الأحلام .. فلفحت روز وجدانه بنارها .. ولفح قلبها بلظاه ومضى ,ككل العابرين في الأمكنة العابرة , قبل أن تبدأ المعركة !..

وجه روز الآسي , المترع باللوعة والنوستالجيا العذاب ,انطوى على عاصفته ليجتث الحكايات القديمة . مشرعا أعاصيره لأحاديث لا تبقى ولا تذر

حين بدأت حكاية الخال البعيد كمبتدأ وخبر, في النهايات الفاصلة بين الحب والتردد . المكر والمناورة . الحكمة والاندفاع .. كانت الشمس قد توسطت السماء وانقشعت الغيوم وامتلأت شوارع القاهرة بالحب ..

ومن ناصية الشارع الذي يتوسط المدينة هاتفها الخال , فردت .. ولم يتكرر الصدى ..  ومضى الوقت كأثقل ما تكون الخطى .. استودع الخال الريح كلماته النادرة . لتهب عليه وتمضى.. قلق الخال , قلق روز . ووجع الخال وجع روز .. وبين الاحتمالين احتمال , أن يلوِّن الرمادي حواشي الأفكار وهوامش الأحاسيس , ونافلة القول : المحبة .. زاد سيدي البنجوس قوت الزمان, البنجوس الكومندان ...أجاب الخال فردت روز , وأكد مفتاح الكمبيوتر أخر الأوامر المرسلة ,إلى البلاد الكبيرة .. إلى روز تجيء بالبشارات السعيدة ....

إذن كان الخال مزيجا من متناقضات روز, والبنجوس  , يمضى مرتحلا عبر السباسب والوهاد, لتسقط النسوة الغريبات والعابرات , ويتلاشين في الفضاء الرحيب., لذاكرة المكان المتغير في الزمان الذي لا يجود ..

مضى الخال خارج الوجع المقيم, لآخر النسوة المغادرات .. قسوة الخال على ليمياء هي سحر روز التي تخرج لتوها من ذاكرة البنجوس.. جبروتها في النفي والإقصاء , لإشادة مملكة من هديل اليمام ولبن الطير, وألوان قوس قزح وبوح (الخال/البنجوس ), طلسما مرصودا في الديانات القديمة , التي جاءت لتجمع العشق والعشاق , ليشكلا كلا واحدا !.. إذن كانت روز هي الخال  ذاته .. فكرة في خاطره .. خاطرها , ربما .. بوحا لأزل العبارة يشيدها الحرف في أسراره , مختطا طريقا غامضا .. كابد الخال  في وحدة روز حبا جديدا .. نهض في عذاباتها , ومضى مخترقا أحلامه., لتتوغل خاطره., وتشيد عالما من الفسيفساء والأطفال , وانشودات الرعاة وأغان الغجر .. كان الخال  روح روز ذاتها . وهى جسده الذي افتقده . حين بقيت قبل اللحاق به .,تشيد مملكتها ضد الحصار . فحوصرت في العابر المزمن .. وانشطار الذات . نهض الخال جوهرا لهذا العابر , أزليا في هذا المزمن . وكطاقة التحام جبارة., اقتربت الذات من ذاتها . لتلتئم انشطارات الخال روز .. أدرك أنها وجهه الأخر وأدركت انه ... وأدركا أن لا محالة . ما كائن سيكون !! في عالمهما معا .. نسيا رفقة الماضي وآلامه .. وحزن الليالي الطوال ..

عذابات الغناء الهزيمة وانكسار الوقت في غربة ألذات . وتشظيه إلى وحدات ملأى بالحرمان والذكرى البائسة ...

 ها تفته روز وقالت فقال ... وقال فلم تقل ...كان الحلم يسوقهما., إلى مملكتهما البعيدة .. يستمدان من تمرد هما المتلاشي., وقودا لمآلات رحلة حبلى .,بالوعد والمواعيد  والاتقاء ....عندما وصلت كان خارج القاهرة..

أول لقاءا تهما منذ غادر البلاد الكبيرة , كان قريبا من الفندق الذي هبطت عليه من الخرطوم ,  في احد الصباحات الباردة., من  موجات فبراير القار سه ..

لم يشعر لحظتئذ بالبرد , فيده المحاطة بكفيها الناعمتين , تدفئانه وتزرعان فيه احاسيسا لا أول لها ولا آخر ...

كان قد اتصل بها من محموله., وجلس ينتظرها على احد البنشات ,  المطلة على مشتل ناهض عند شفة النيل ....

ما أن جاءت وجلست قربه ,حتى تشتتت افكارهما , وضاع كل ما أعداه من كلام , ليبقى الصمت فقط معبأ بالدلالات, و محاصرا بالرموز., التي تفوق احتمال المكان ! ..

غابت عند مدخل الفندق ,دون أن تلتفت.. تلملم حاجياتها  و  

تهمس بما تسرب إلى رئة المكان., ليتنفس أشجانه., في زفرة ملتهبة  ! ...

وهما في الطريق إلى شقته الصغيرة, في الجيزة , قال لها :

- لم أكن أتوقع اتخاذك مثل هذا القرار..

- أينما تذهب سأكون وراءك..

كانت روز قد جاءت بعد حنين طال ,  محملة بالبشارات كانشودات خريفية  يانعة ,  وكوعد خصبه زمن غامض  . فخص به مكانا اشد غموضا ...  بحث عنها في الزحام حيث تنتظره عند محطة المترو ,  يتفاعل فيها الشوق والحنين والترقب , ليعطى انتظارها معنى كونيا عميقا ومتحفزا .. طعما متوترا برائحة القلق الخرافي , فلا تستشعر القادمين والذاهبين .. المارة والباعة المتجولين ... 

رغم تفرسها في الوجوه الموسومة بالضجيج والفوضى والارتباك ...  تبحث في هذا الركام عن وجهه الأليف ..  وجهه الذي تركته خلفها في الخطابات والصور, والرسائل الاليكترونية ...  وجهه الخارج من الصمت إلى الصمت ...  أمامها .  .. حمله طيفها . عله يخرج من الزحام فجاه  مبتلا بالوعد والمواعيد ........

في غرفتها بالفندق تلمست ذكرياتها القادمة ..  تحسست مشاعرها وهى  تلقى ببصرها على النيل  المتململ أقصى حدود الشتاء  , نافذة لحب يحيا في الأزل , نافذة تدخل فيها عروس النيل إلى عرش الخصوبة .  يحملها الملائكة الكروبيين  .  لتدفىء الجنة بالشجن .  وتأخذ من عذوبتها

 تنسج على الكورنيش الممتد كافعوان وأفعى للربيع ,جلدا جديدا  لهما   وهما  يمارسان لعبة الحياة ..  الموت  .. الخصوبة ..........

نضت عنها ترقبها  .,وهى تضغط أزرار هاتفها الأنثوى الصغير :

- لقد وصلت بطائرة المساء.

- واحشانى موت..

القاهرة مدينه غريبة عليها , لأول مرة تطأها   ..

غامضة ومجهولة كما تخيلتها ..  حية ومربكة ومرتبكة كما تراها الآن !..يربكها انتظارها له بهذه المحطة  .  تربكها معاكسات المراهقين , ونظراتهم المتسللة إلى كنوزها .. كنوزه .. يربكها دفئه الذي يحاصر كل ذرة بكيانها ...  تربكها كل التفاصيل  :  الترقب . الحذر .  !..... كانت اشد توترا منه ,  عندما اتصل بها أكثر من ثلاث مرات على الموبايل يسألها أن تحدد موقعها بالضبط  :

-في أي مدخل من مداخل المترو يا روز ؟ ..

 هرول بين المداخل المتباعدة لمحطة السادات عدة مرات..

لم ينم اثر مها تفتها له  ....  ظل منتظرا هذه اللحظة ., التي اشتاقها منذ وقت طويل ,  وهو يستعيد المكالمات الطويلة منذ الصيف الماضي ,  عن الذي جرى معها ومعه ..عن الغربة وحكايا ليمياء و الليالي الطويلة ..  عن الحنين إلى و طن في الدفء ..  عن دفء  لذيذ في ليال الشتاء الباردة..

في السادسة صباحا بالضبط أزال لحيته ,  وغسل عنه اثر الخمر والنيكوتين .. اعد لنفسه قهوة ثقيلة . ارتشفها بتوتر., وهو يلاحق عقارب الساعة., التي تمضى في اتئاد .  وينقل بصره بينها وبين سماعة الهاتف., إلى أن جاءه صوتها من الجانب الآخر :

- أنا مستعدة للخروج .

- انتظريني  في السادات .

تعطر بعطره المميز وخرج .....

أحبها كما لم يحب من قبل  , حاصرته بدفئها وعذوبتها  ,وهدّت كل القلاع التي يحتمي بها ... دهمته خارجة من تلافيف ماض حميم , التقيا فيه بهدوء.,  وعلى مفترقه مضيا في صمت جارح  .....  لكنهما ظلا موسومين ,  بذاكرة الجروح الحية . المتجددة كشجن ممتد وحنين لا يطويه الزمان ولا المكان ...كالمطلق خارج التحولات ... خارج التغيير ... ففي المنتهى يتبديا كروح نبي زاهد , يرتقى مدارج المحبة والسلام  وهو يحبهما في حميمية وتؤدة ..

اقتنصتها عيناه من بعيد عند دخل المترو ..  كآلهة يونانية., تبدت روز عن سحرها العميق ذاته..

وكاثنين محملين بحنين الأرض  لأشواق السماء .  احتضنها بقوة دون أن يأبها  للزحام !..  كانا حاضرين في الغياب غائبين في الحضور..وكالمغيبين في إغماء طويل , لم يستشعرا النظرات الدهشة, للناس الذين التفوا حولهما...

سحبها من يدها إلى داخل المترو ..  كادت المحطة تفوتهما ..........كانا هائمين  في .. في فضاء  هيولى شفاف ,  يؤدى إلى الأرخبيل الذي بداخلهما ...

بشقته الصغيرة في الأندلس أجلسها على حجره.. ناما بعد ذلك متصالبين .. يصلبان حرمانهما .. عجف الزمن  ..  جور الناس , وقسوة الحياة .. خواء الغربة وألم الذكريات... 

يصلبان اوجاعهما المقيمة  في وجدانيهما المنهكين .. اوجاعهما الثاوية ,إلى عمق سحيق في الخلايا والعصب : ذاكرة لشجن أزلي  وحنين مقيم كأسرار إلهية , ومواجد  نبوية راحلة في الأبدية :

-طوبى للغرباء !  ..

همس ...فتأوهت .. كانت نيرانهما تزداد اشتعالا ولا تخبو ..  وكان ترقبهما لاستقرار نهائي يشعل في القلب أشواقا لا تنضب , كالأتون ..

اشتعلت الغرفة بالحميمية , بالتوتر , بالقلق . بالانصهار .. لتتناثر بقايا صور فوتوغرافية توقف فيها الزمان عند لحظات نابضة بالوجد والمواجد

الآن تتداعى كل الذكريات , وأضواء الشوارع , المقاهي , المحلات , تبدأ في الانطفاء شيئا فشيئا ,وقهوة عبد الواحد تغلق أبوابها , تودع الأصدقاء , ربما إلى الأبد .. و القاهرة تكاد تصاب بالصمت على مشارف الفجر, الذي تبدأ إشعاعاته الأولى في التسلل ببطء . كانوا قد افترقوا في ميدان رمسيس , وهو يحث خطاه البطيئة إلى شقته الصغيرة , يقلب في ذهنه , التبريرات التي سيمنحها لروز عندما تسأله بعد قليل عن الأسباب الفعلية لتأخره حتى الصباح ..

تخطر على ذهنه جلساته العلاجية والحوارات المبتسرة مع دكتورة داليا , يخطر على ذهنه كل شيء وخطاه ترتقي سلم العمارة , تقوده إلى شقته الصغيرة .. قال عادل في ذلك اليوم :

- يبدو أننا جميعا بحاجة لعلاج نفسي ..

فانقبضت عروقه وتوترت أعصابه  .  و صوت دكتورة داليا يأتيه  هادئا , عميقا ومؤثرا كصوت روز  :

-استرخ يا عبده وأهدأ .

تعاود الطبيبة الجلوس إلى مكتبها , بعد أن توقف جهاز التسجيل , وتشغل موسيقى هادئة ,كالعادة, ثم تضغط على الزر أمام مكتبها ,فتدخل روز., وهي تغمز له بطرف خفي كعادتها وهي تحمل إليه , كأسا من عصير الليمون البارد  , تضعه أمامه, وتتركه يرحل إلى عالم هارب , يحاول الإمساك به ,  حيث يتراءى له , الكوماندر حمدان , مناوة , عادل , نواي , سمارة ..

تتراي له قصص المنفى والحكايات والأحاديث الملتاعة , فيتأوه .. إذ ينتصب أمامه الكوماندر حمدان والشلة كلها مجتمعة في الصالون , تحاول استرداد نفسها من فتنة أسماء ..

تفتح روز باب الشقة , عندما تسمع وقع خطواته على السلم ..

.. انه الحنين إلى مكان حميم , بذاكرته حيوات نهضت في الأسى., واللوعة والذكريات ..

ومع الحنين تتدفق طيوف الماضي , الذي ولى في فضاء الغياب , كالحاضر الذي يتسرب حثيثا , كماء المطر في شقوق ارض زراعية بكر .. لنكتشفه فجأة  دون سابق إنذار , بتسربه الذي كنمو النبات , لا مرئي .. يجابهنا بنموه فجأة ..إنها القوانين السرية للطبيعة ..

مع الحنين يطل وجهها البعيد , ملفوفا في غلالة من حمرة شفق المغيب العذاب :

- تلك ليمياء والدة طفلك   – محض غروب شقي ..ذكرى تحاول نسيانها , أو تحاول تذكر بقاياها ..

بقايا ماضي التهم الوجدان , حنى القفا , وخط على الوجه اخاديدا غائرة , وجراح في أغوار الروح , جراح أعمق من خيال أكثر الشعراء كذبا ..

يتقوس الظهر وتنكفيء المسافات في اللانهاية , كالأرض الفراغ ..العريض .. العريض ..

ها أنت الآن تتذكر شارع النيل الذي يمتد من القلب حتى أقصى تخوم أم درمان ..

تتذكره من هنا , حيث خرج النبي موسى بعصاه بشق النفس !.. وأنت تشك :أن في استطاعتك الخروج .. فهذه بلاد الداخل إليها مفقود .. مرت عليها جحافل الغرباء عبر آلاف السنوات . مضى الغرباء , وبقيت أل...عاهرة .. كما هي منذ عهد النبي موسى , أو يوسف أو .. إلى أخر الأنبياء الذين تواطأ عليهم الصمت ..

.........

تخرج من شارع طلعت حرب , تجتاز الشوارع الدائرية والمتقاطعة , حتى تبلغ شارع محمد علي , المفضي إلى القلعة , التي تشظت في فضاءها .,ذاكرة المغامرين والغواني , فحملت هذه الذاكرة نقوشا لأمجاد مضت . نقوش باهتة , كأثر دارس لحياة تلاشت بكاملها في فضاء المكان , لم يبق منها سوى الرائحة المعطونة في صدى بعيد , بهذه الوجوه البائسة للناس وتهرؤات الجُدُرْ..

تدخل شارع عبد العزيز بحذر , وأنت تتحسس جيوبك بين لحظة وأخرى , تخشى على جيوبك من أصابع سحرية مدربة, لم تتمكن منك في زحام العتبة الخضراء , فلحقت بك إلى هنا .. أصابع غريبة ,تتسلل خلسة دون استئذان , وأنت تركب أتوبيس نمرة (...) الذي يقودك إلى ذلك الحي البعيد على مشارف اللبش وتخوم الصِّيع , الذين يعيشون في الزمن الافتراضي .,للفتوات /الذاكرة ..

تجد نفسك بوسط البلد في عابدين . تتحسس الوجوه السمراء .,لأبناء وبنات الجالية (عرفتك نهى على أسماء)..لكل وجه هنا قصة :

-لم أرى الخرطوم مطلقا يا مناوة ..

قالت أسماء وهي تضيف :

- اشتاق كثيرا لوطن الأجداد ..

أسماء تقول إنها تشتاق للوطن, الذي خرج أبناءه منه إلى المنفى .. أنبياء تواطأ عليهم الصمت والصوت . تتحدث بحزن .,عن تاريخ منفي عن الأضابير الرسمية , وظل يمضي بلا هدى., في تجاويف الفراغ والذاكرة , والحكايات الشعبية ..

أسماء مثلها مثل كل أبناء الجالية , أعيد إنتاجهم في هذا الوسط المغاير لبلادهم , أصبحوا غرباء دون هوّية , فجذورهم ليست هنا , وهويتهم مختلفة عن هناك ..

تقول للكوماندر حمدان :

-دعك عن الجالية . فهؤلاء يكذبون ويقولون إننا شعب واحد "أخوات"..

-يجمعنا الوادي يا رجل ..

-إننا نختلف عنهم في كل شيء ...

لم يكن الوطن بالنسبة لأولئك السمر المنسيين , سوى صورة باهتة لبلاد بعيدة , ضبابية الملامح , تناهشتها الحرب من كل جانب , وتآكلها السوس والأرضة , وهربت عنها عقولها , ونزفت مثقفيها ومبدعيها حتى الثمالة, الذين هاجروا إلى بلاد بعيدة , بعيدة ..

يتحدث معك بعضهم بحنين., إلى ماض غامض, يضرب بجذوره في أعلا النيل . يحس بانتمائه إليك وحدك , وهو يرمق المصريين بين الفينة والأخرى في ازدراء ..

يقول الكوماندر :

-كلما حدث تقارب بين حكومتينا ,اشعر بأن ثمة كارثة ستحل ببلادنا .لم يحدث أي تقارب باسم العلاقات الأزلية إلا وكنا نحن الخاسرين ..

-ماذا تعني كوما ندر ؟..

-اعني لابد من صياغة علاقتنا بهم على أسس جديدة , تضع مصالحنا في المقام الأول وليس العكس كما ظل يحدث دائما ..

-هذا في البلاد الكبيرة الجديدة ؟..

تقول في سخرية , فيرد بحدة :

-أنت محبط يا مناوة..

يطلق نواي ضحكته المجلجلة , المهيمنة على الصوت والصدى ..

يدفعهم إحساسهم بالانتماء إلى بعضهم البعض , في غربتهم الطويلة إلى تحسسك بحذر , مثل هذا النوبي وهو يتلمس أذان المكان و يهمس :

-البلد كلها عبارة عن سماعة التقاط كبيرة ..

فتهيم في وجه أسماء , الذي يتبدى لك عن أشواق., لم ترتوي., لوجه خلفته وراءك , تحلم برؤيته يوما , وتنتظر ذلك اليوم بصبر , لتأخذ الوجه بين راحتيك , تغمر فيه دفئك المحموم ..

تجلس في مقهى عبد الواحد , تطلب قهوة زيادة , وتسأل الساعي عن جواز سفرك, وبطاقة اللاجئين (الصادرة عن الأمم المتحدة) , اللذين سرقا منك هنا .. تمد حذاءك لصبي الورنيش , ينظفه دون ضمير (كعادة الناس هنا) تنظر إليه شذرا, وأنت تناوله نصف جنيه, فيطالب بربع جنيه إضافي . تتقي زعيقه فتعطيه ربع الجنيه .

 لديهم قناعة جازمة أن أي أجنبي هدف ,يتصورون أن سرقتهم له ذكاء وفهلوة وتقليب عيش, ورزق(باعت هولنا ربنا) تشعر بالغثيان من زيفهم وادعاءاتهم .. وتبتسم حين يخطر على ذهنك كيف ينظرون إليك :

-محض افركي . عبد اسود . غبي . بونقا ,بونقا .سمارة..

(قال شعب واحد قال ) ..

يطل وجه خالتك التي  وجدتها بعد وقت طويل, عندما عدت تبحث عن أي فرد من العائلة ,تكون الحرب ادخرته لك . لم تسعفك الذاكرة الراهنة كثيرا,وأنت تحاول استعادة ذاكرتك الطفلة  ,فالمعالم احترقت والأماكن ما عادت هي الأماكن , لكن بعد بحث ممض وجدت أثرا . فتبعته إلى أن أفضى بك إلى خالة واحدة , تعرفت عليك بصعوبة ..

(لم يكن غيابك سهلا . ربع قرن منذ فرقتك الحرب عنهم) ..

 يسحبك وجه خالتك بعيدا عن هذا المكان الضيق ,المعطون في مأزق العقل والوجدان,الذين أعطبتهما الحرب ..

تشتاق إليها يا مناوة  والى أطفالها ..

تشتاق إلى حبيبتك البعيدة .., يتكسر طيف خالتك, في زعيق خناقة مدوِّية : تحطمت كراسي المقهى وندفق الشاي والقهوة المغشوشين .( فكل شيء هنا مغشوش , حتى السجاير ). وتناثرت قطع الدومينو, على البلاط .. وملأ السباب البذيء فضاء المكان . ابتسم النوبي الذي يتحسس بأذنيه المكان في وجهك , يحاول احتواء دهشتك .. كنت تدرك انه لم يعد مثلك , لم يعد يمت إليك بصلة . لا علاقة لهم بمناخات الاستواء وشمسها الحارة ..

 تترك مقهى عبد الواحد خلفك , تتجاوز عبد الخالق ثروت إلى 26 يوليو , تتوقف عند سوق التوفيقية . تشتري بعض اللحم والخضار وتصعد إلى فندق هامبورج,حيث يقيم نواي ,و حيث تنتظرك الشلة..

............................

ضحك عبده الخال وهو يستمع لمناوة , وهو يحكي في مشهد درامي عن كيف أربكت أسماء ,الشلة بحضورها التظاهرة . فسكروا جميعا من فتنتها , كأنهم لم يتذوقوا خمرا من قبل

-خمر رغباتهم الدفينة ..

عادل انتهز فرصة افترار ثغرها عن ضحكة غنوج, ففاجئها بقبلة عابرة على خدها . مسحتها بمنديلي حاسما الرغبة ذاتها التي انتابتهم , فلم اسمح للفرصة المفاجئة, أن تسنح مرة أخرى ..

الكوماندر حمدان آخر "كبكبة" وارتباك , حكى تاريخه كله , حتى انتابني الشك في انه جنرال خطير , لا يعرف بسره الباتع حتى البنجوس نفسه 

-حدثها عن أمجاده العظيمة طبعا , ومشاركته في ذلك الانقلاب الفاشل, اثر عودته من ميدان الحرب ..

-لم يكن يعلم أنها حفيدة بكباشي سابق في جيش الملك فاروق ...

انقلب نواي على قفاه  وهو يمسك بطنه ..و.. و .. توقفت قهقهاته عند سقف الحلق , وهو يلحظ ظلا على ستار الجدار . ابتلع ضحكاته وهو يشير لعادل ..

كان الكوماندر بشحمه ولحمه يقف عند الباب الموارب , وقد انعقد حاجباه وتطاير من عينيه الشرر ..

كان لا يزال ثمة اثر متبق من خمر البارحة , يلعب برؤوس بعضهم . عندما أربكت أسماء هيبة الكوماندر , وأشعلت في خواطره ذكرى يهرب منها إليها :

 سلوى ممددة على السرير طريحة اليرقان . قبل توجهه إلى جبهة الحرب .. كلاهما كان يعرف ما سيقوله الآخر , لذلك لم يتجشما عناء .,مضغ تلك الكلمات المواسية .

كانت عمته قد تركتهما وحدهما, ومضت تعد شيئا في النار ..

غاص حمدان في عيني سلوى . جذبته عميقا , عميقا في غوريهما., وهي تهمس بوهن :

-لا تتردد ..

-لكن أنت مريضة ..

-لا تتردد سأ..

أدنى وجهه .. ارتفعت خطوات عمته قادمة ..

-أنت مريضة ..

قال باقتضاب وهو يخرج مغلفا اخضرا, يضعه تحت رأسها ويهم بالوداع .. ابتسمت سلوى بوهن :

-خد بالك من نفسك ولا تتأخر ..

أكدت أمها في حزن :

-لن يتأخر وسيرجع بالسلامة  ..

شعور بالانقباض سيطر على سلوى , فلم تتمالك جيشان عينيها اللتين., فاضتا بالدموع ..

طوال الطريق إلى الجبهة ,كان قلب حمدان يتلفت محاصرا بدموع سلوى, ونظراتها الواهنة ..

 وطوال رحلة الطائرة من الخرطوم إلى القاهرة ,كنت أنت يا عادل, كجدك الذي طوى الفيافي والغفار بحثا عن شيء ما .. لعنة تجري في دمه .. وها أنت آخر المهاجرين ,تواجه قدرا عظيما يحطم المصائر والأحلام , وترغب مثل البنجوس., أن تعود دون أذى ..

لمحت في عيني راوية لأخر مرة .,قبل أن يغيبها الموت ,رحلة قوافل لن تعود , قوافل عرفتها جيدا , وناحت عليها في رثاء .,عميق الحزن لزمان طويل , قوافل كان أخر حدءاتها :

           العاتي ود جانو + راكب على البطرو

          خال تمير  بالو +   عند الصغير ساسو

        العاتي قوم شدا  +    بي   قدا  ما  تشطه

      الوادي البعيد ردا +    في    ساعة   وتعدا

     يا الوادي الاتخول+  يا   شوقي    الاتحول

     داير النشوق أول + عيل  قول  أبوي  هوّل

    العاتي يا أبو النور+  الدايرة   علّ     تجول

الليلا السعات ممطور+ دايرلي فوقا مرور  (*)

تمضي كشطة الذي مضى كأجداده .,دون أن يعلم أن تلك رحلته الأخيرة . والأخيرة . كان يستعد مثلك للنفي الاختياري والرحيل , مضى إلى "دوار" الشرتاي , ليقود الفرسان ضد البدو الغرباء , ليطردهم من وادي "السعات" , ويحرر الوادي والنبات., وشجر الحراز الحميم , فينفك إسار الأشياء., بينما يسقط قتيلا يروي بدمائه أحلام الوادي ..

لمزيد من الذكريات اليانعة : لعنة أجدادك – الحرب والرحيل .

بمصائر تواجه ما لا يقوى عليه البشر , بالدلالات المعقدة لروح الوادي , التي تنطوي عليها أناشيد المزارعين الفقراء , والرعاة الحفاة ممزقي الثياب . تقرر الرحيل كأحد الجرحى الذين قادهم شطة , فسقطوا تحت أقدام البدو الغزاة الرُّحل , ليتشكل نسيجا جديدا , يمد دورة الحياة بعد عشرات السنين , يغذي الحنين واللوعة .. تمضي وطيف راوية يلاحقك , مشاعرها العميقة المتداخلة , التي تجوس في عينيها الخابيتين , في نزعها الأخير . ذات النظرة الخابية ودعك بها طيفها في بهو المطار ..

توقفت في منتصف الصالة , ترنو إلي الطيف كحنين بعيد وشجن شجي , يثير أنشودتها في الليالي المقمرة :"العاتي ود جانو + راكب على البطرو.. "..

وكما بحار تائه يصر على قهر العباب , تمضي لتعتصر نفسك . هكذا إذن يعزيك طيف راوية . هكذا يودعك دون دموع .دون أن تقول لها كما اعتدت :"احضنيني يا أمي" ..فقط عينين غائرتين في محجرين , كفجوة لا غرار لها , تصطرع فيهما أصداء للوعة أزلية , أصداء., متلاشية في كون الفجوة العميقة للغياب والفقد ..

وها أنت الآن تهشم كأس العرق., التي تحدق في شفتيك بلهفة . اندلقت هواجسك وخزعبلاتك وما تبقى من إحساس بالذنب (سال العرق) على الطربيزة العتيقة , فارتسم جسد سلمى وهي تتأوه في حتف الهجر ..

.......................

كان نواي قد أصر على نهى بالمجيء ظهرا . مضت الدقائق والساعات بطيئة , وهو في انتظار متلهف مميت .

اخذ يتثاءب إلى أن غلبه النعاس .

أطياف قزحية تخرج من جسده. تتسكع في الهواء الزنخ للغرفة الضيقة , التي تشرّب فراشها بعرقه ولزوجته , وأطياف مغامرات غير مأسوف عليها ..

-ابتعد عني ...

رماه بنظرة طويلة صارمة .فانكمش . احتوى في التفاتة قصيرة , محتويات الغرفة الصغيرة البائسة التي علقت عليها نهى .,عندما جاءت للمرة الأولى, قبل أسبوعين ( من وراء ظهر أمها سمارة )دون أن تمكث :

-أنت بائس جدا ..

-إنها القاهرة ..

انسل صوته متحشرجا., كصرير الباب :

-أتيتك كصديق ..

قبل أن يغفو كان قد سمع .,صوت طرق على الباب . فتحه . لم يجد شيئا , فقط قطة سوداء كليل الشتاء.. تمؤ وتخربش على الخشب بمخالبها , ثم دخلت تفسحه الطريق دون استئذان .. (أنت لا تدري حتى : لماذا شعرت بها تبتسم ابتسامة مميزة . ترددت قليلا :لابد أن الطرق الذي سمعته حقيقي .ليست القطة وحدها . شعرت بخوف وقلق حاولت أن تتماسك وتهدي , من خاطرك المرتعش قليلا ,وزعمت لنفسك انك تخيلت كل هذا . بسبب قلقك من تأخر نهى .. تفرست القطة بحواسك كلها , ثم أغلقت الباب وغفوت ..)..

اندلقت خلاياه كلها , وتبلل الفراش وصحي اثر إحساسه الغامض بوجود غريب . تصاعدت ضربات قلبه .(قلت وأنت تحاول الإمساك بتلافيف شجاعتك :

-ابتعد عني . ماذا تريد مني ؟ أنا حتى لم اعد اشرب عند "سمارة" ..

ابتسم في تشفي , لإفساده بوح غفوتك الملتهبة : ما أن بدأت تتوغل وتتقطر .. ما أن .. حتى انتزعك بقسوة .. صحوت على إحساسك بوجوده الغامض .. غالبت الإحساس بالخور ..سألته :

-ماذا تريد مني ؟ ..)..

أجاب بهدؤ :

-سؤال غبي ..

(ثم ابتسم في سخرية وهو يمعن فيك النظر . شعرت بابتسامته .. تشبه ابتسامة مميزة .. ل ... قفزت القطة إلى تفكيرك المشتعل ! القطة ؟ ارتفعت دقات قلبك .. لكنه تيه .. والد نهى .. انكمشت على السرير المبتل بالعرق وزنخ الحكايا ..

-لا تخف إنها ابنتي ..

حاولت تحريك قدمك . كنت قد تجمدت تماما .شعرت بان ثمة لعنة ستمطر على رأسك في هذه الليلة التي تنذر باختلاط الأشياء .. بحثت عن الخال , في داخلك .. عن عادل .. عن مناوة لتتماسك بهم , لكن لم يكن ثمة احد منهم إلى جوارك  ,فقط كوابيس, تغذي ذاكرتك , وتغوص بين تلافيف وجدانك , لتصنع كل هذه الفوضى والاضطراب .. لم تجدها .. كنت بحاجة ماسة للتصدي لها , لتتصدى له ..

-كيف تتهمني بابنتك ؟ ماذا تريد مني ؟ ..)..

.................

ارتفع تنفس الباشق الصغير بانتظام , فحمله الكوماندر من حجره., ووضعه بهدؤ على السرير الواسع , وهو ينتزع من بين أصابعه الصغيرة بلطف ,الصورة التي تجمعه بزوجته سلوى , التي خلفها وراءه بعد أسبوع واحد فقط ,على زفافاهما., متجها إلى الجبهة ..

ادخل الصورة في جيب سترته , بأصابع مرتعشة . توقف بصره على الشاشة البلورية . مشهد البيوت والجثث والأشلاء, وأنقاض المدينة المقصوفة(لم يعد العالم كله مكانا آمنا للحياة البشرية – يا لهذا الرعب) , كل شيء انتزع عينيه من محجريهما ..

تداخلت مشاهد القصف مع ذكرى حزينة آسية . تحسس ساقه المعطوبة., وهو ينهض ليغير قناة الجزيرة . توقفت يده الممدودة إلى الزر., في منتصف المسافة ..

المشهد ذاته : الباشق الضخم يحلق بين الطائرات التي تصر على قفصه , فيفلت ببراعة, مصرا على التحليق بين وابلها , منفلتا.. يغطي بجناحيه سماء المدينة ..

اتكاوا على بنادقهم اثر غارة لم تفلح , خرج من خندقه بعد أن حل محله احد المتطوعين ..

اخرج صورة سلوى من جيب سترته العسكرية . تلمسها في عتمة الخندق , ثم احتضنها ونام ..

مع خيوط الفجر الأولى فتح عينيه , خرج ليجد الجميع .,يستقبلون ضوء الشمس بحماس . شاهد باشقا ضخما . الباشق ذاته الذي يجيء كل يوم., ليحلق فوق رؤوسهم , استعد احدهم ليرميه , مثل كل يوم عندما يحلق فوق رؤوسهم .. تبعه أخر مشهرا بندقيته .. تراهنوا كالعادة على إسقاطه .هتف بهم :

-لا , دعوه ..

نظروا ناحيته بسخرية , فهتف بإصرار . ضاع صراخه مع صوت الرصاصة., التي تفاداها الباشق ببراعة كما يفعل دائما ..

تلتها أخرى فثالثة .انهمر الرصاص .,والباشق يصر على التحليق في مسارات معقدة , دون أن يلوذ بالفرار , بعيدا في غياهب السماء ..

ظلوا يطلقون رصاصاتهم , وظل يصرخ فيهم كالمجنون, إلى أن تعالت صفارات الإنذار, فلاذوا بخنادقهم , قبل أن تقصفهم طائرات العدو , مفسحين للمضادات الأرضية للتصدي .

خرجوا من الخنادق بحذر وريبة كما اعتادوا ..

لمح الباشق على مبعدة يجرجر جناحين محطمين .اقترب منه ,تبعوه ,أرادوا أن يجهزوا عليه فاشهر بندقيته في وجوههم , تراجعوا في دهشة , وأشار لهم القائد بان يتركوه .حاول حمدان أن يمد يده للباشق , فرفع الباشق رأسه في حدة , لمح في عينيه نظرة عدائية عميقة جاسرة ,تحاول قهر الألم ..

جاءه القائد ببعض الماء , أخذه منه ووضعه أمام الباشق .أحس بيد القائد تربت على كتفه بلطف, وتدفعه بهدوء تجاه السواتر ,جلسا فوق احدها . تكلما بصمت ..

كأن حادثة الباشق قد قربت بينهما , إذ لم يلبث القائد أن اخذ يسرد عليه., تفاصيل خطة الانقلاب ,المؤجل إلى حين عودتهم من مناطق العمليات إلى الخرطوم ..

عدة أيام كانت قد مرت على الباشق ,وهو يرفض تناول الماء , أو أي شيء أخر .. يعاني الألم القاسي وحده .,ويحاول أن يخبئه خلف نظرة باهتة العمق., والتحدي كلما اقترب منه احد .

كان يقترب منه , يقرب الماء من مخلبه الكاسر., ويبادله نظرة آسية , ملتاعة , فائضة بالحزن والألم العميقين . تصطدم بومض التحدي والإصرار., الذي يلمع من عيني الباشق ..

عندما عاد من الجبهة كانت سلوى في شهرها التاسع .قالت :

-أتعود مرة أخرى ؟..

-ليس قبل أن تضعي الباشق الصغير ..

بعد ثلاثة أيام من وفاة سلوى في الولادة , ترك الباشق الصغير .. لم يعد للجبهة . اختفى مع القائد ورفاقه , لتنفيذ الانقلاب ..

كانت ساعة الصفر قد حددت , وهو مجروح بالوفاة المفاجئة لزوجته , ومنهك ومنتهك بوحدة الباشق الصغير .. 

يحمل صورة الزفاف في جيب سترته , وطيف الباشق داخله لا يفارقه أبدا . طيف سلوى والباشق الصغير يحجبان عنه الدوي , كلما تعالى القصف., وتوقف وابل الرصاص.. ويتلمس في قلبه الوليد الصغير., الذي خلفه وراءه ..

غيّر قناة الجزيرة إلى قناة الأفلام super movie التي كانت تعرض فيلما أمريكيا عن الحرب . قرأ مع الكاست cast إهداء قصيرا "إلى الذين خرجوا من ويلات الحرب أحياء"  .. فشعر بالارتياح ..

قال نواي فيما بعد :

-لا احدي يهدي إلى الموتى شيئا ..

وضع الكوماندر حمدان المخدة تحت رأس الباشق, ومضى بقدمه المعطوبة نحو البلكونة, ينظر إلى السماء الطافية في بحر الهواء , يتنفس الصعداء ..

..................

عندما قررت الرحيل يا مناوة , خشيت على خالتك الأقرب منك إليك , فكلما رايتها ترى فيها طيف الأم القتيلة, في غارة الجيش على البلدة الصغيرة . تبدت خالتك ومنذ الوهلة الأولى عن حس مرهف , وقلب يتسع لكل العالم .,خشيت عليها مرارة الفقد , كما خشيت عليك .أردتها أن تنساك, فمضيت دون أن تودعها ..

هكذا تحدث الأشياء في الدنيا قسرا, دون أن يتوادع الأحباب , لاشيء تخلفه خطاك, سوى إيقاعات متباعدة لأغنية منسية :

اصلو الوِّ ِلف كتال ..

لقيتك في طشاشي قبيلة ..

وفي حر الهجيرة مقيل ..

ركزت على ضراك عصاي(**) ..

كان قرارك بترك كل شيء ومغادرة البلاد الكبيرة .. سركم الذي لم تبوح به لسوزي.. يجعلك في انقباض , وأنت تحس انك تخبئه عنها هي بالتحديد , فلمياء لم تكن معنية بقراركم , وسلمى تحاول التغلب على ذاتها دون جدوى , وروزالندة تبدو مترددة  ..

 كنت لا تشك في أنها تشعر بما تخبئه عنها . تحسه في ارتعاشات شفتيك .. توتر يديك .. ارتجافاتك السرية والمعلنة, أقصى تفاصيل الوعي وحدود اللاوعي ..

أخفى طيف  خالتك أحزانه وانسحب في بطء ,إلى أعماق الفجوة التي تفصل بينكما , تجمع أشلاء اللوعة الكامنة, وبقايا الغياب الثاوي في قاع الفجوة , وما تجمد من حنين بعيد . تجمع كل شيء لتذكي نيران احساساتها الأزلية .,في تؤدة مخيفة , فتحاصر نفسها بطقس اليتيم الضال , إذ تمشي مشاعرها النمل على عروقها .. يتسلل النمل أوردتها وشرايينها .,ويدفعها دفعا للرحيل في السهد والأرق., المقيم ,فتصحو على كفها وهي تسحب الغطاء على جسمك ..

خرجت معها من سور المنزل القش ,احتضنت وجهها كأنك تحتضن وجه أمك , وحدقتما في القمر المتسلخ رويدا, رويدا من بين كثافة الغابات , التي كسحابة تائهة .. تمضي في عينيها بخطى ثابتة عميقة دون أن ترمش .

كانت تتوحد في كون الفجوة العميقة ,بقلب القمر المرتحل ..

...............

- الو سمارة ...

- أهلا نواي .

- أنا جائع ومفلس ولم أذق الخمر, منذ يومين..

- وكيف ستستطيع الوصول إلىّ ؟ ..

وضع نواي سماعة التليفون., وتلمس ربع الجنيه القابع في جيب بنطاله , ومد يده يختطف من صديقه العابر .,نصف الجنيه المتأرجح بين إصبعيه . تركه مذهولا يمضغ بقايا الطعمية ,ومضى صوب ميدان رمسيس , يحك جسمه المترنح من الجوع والأكلان ..

كان قد قرر منذ الأسبوع الماضي ,أن لا يمضي إلى سمارة . فقد أثقل عليها كثيرا . فلأكثر من عام وهي تحتمله . تقمع زوجها تيه الرهيب ,عندما يحاول التعرض إليه ,فيلتف تيّه ,حول نفسه إلى أن تتحول زمجرته المجهضة, إلى تذمر يائس وحزين .

كان نواي يدرك., أن تيّه ينتظر فرصة فقط "لينتف ريشه" ويرى فيه "يوما قمطريرا" ,فحرص على عدم إتاحة هذه الفرصة له . وتجنبه ما استطاع إلى ذلك سبيلا , ومنذ أحس نواي بنهى ابنة سمارة وتيّه الفتاة عارمة الأنوثة., تلاحقه بشبق , حتى بدا يقلل المجيء إلى بيت سمارة .. لم يكن يرغب في الحصول على أي نوع من المتاعب , إذ كان لديه ما يكفيه ..

كانت نهى تحرص على أن تفتح له الباب بنفسها ,وهي تهتف بغنج :

-تفضل يا أستاذ . ليك مدة ما بنت؟! ..

-ظروف والله ..

ثم تجلسه بلطف وتتعمد ملامسته بجسمها المجنون, العاجزة عن السيطرة عليه , تفجر نزواته الكامنة . تتركه لسمارة مرتعشا .لا يكاد يسمع كلمات الترحيب . يأخذ زجاجة عرق السكر . يتجرعها دون كأس, علها تحرق صبوات جسده المشتعل ..

أول مرة تعرف فيها نواي على سمارة , كان ذلك من خلال عبده الخال .. قبل وقت طويل  مضى ..

-أنت متأكد انو عرقيها مظبوط ؟..

-ذي تأكدي .,من مشيتك دي معاي..

وما أن تجرع نواي الكأس الرابع .,حتى بدا يشعر بالانتعاش والارتخاء., يسري في عروقه كلها .

 منذها أصبح زبونا دائما لسمارة .

تردده المستمر على بيتها جعل بينهما ألفة, ونوع من التواصل الوجداني الحميم . فطلبت منه مراجعة المحاضرات لنهى ..

كانت سمارة منجذبة نحوه بشعور لا يقاوم . شعور غامض لا تدري كنهه . وكان هو مسكونا بالشرب., لينسى كل شيء ..

فيشرب ويمضي محموما . يتسكع في شوارع المدينة., التي قهرت المعز , ولم يخرج منها موسى سوى بعصاه , وبشق النفس .. بينما نهى تنهب الطريق إليه., بسرعة البرق فتضيق الهوة بينهما., كلما ابتعد. أو حاول اللوذ بالفرار ..

كحمى استوائية أصيلة . كانت نهى تستعيد في دواخله, ذكريات بعيدة لأشباه حبيبات., تلاشين على شاطيء النيل, أو خرابات المدينة النائية "امبدة" .

 وكلما اقترب ينتصب تيّه بجسمه العملاق , مثيرا في نفسه الرعب والفزع . فيكرع نواي زجاجته بعجلة, ويلوذ بالفرار كلا جيء عتيد , خبر زقاقات الغربة وممراتها الظلالية ..

في الأوقات التي تضيق به فيها الأحوال, لدرجة ألا يجد من يستدين منه ,( فحتى الأصدقاء أفراد الشلة يكونون في غاية الفلس),  في مثل تلك الأوقات., يمضي إليها فتعطيه حاجته وأكثر بلا من ولا أذى..

-بمجرد ما الأمور تتصلح, حاديك قروشك كلها يا سمارة ..

-وانت حتسافر متين؟ ..

-لسة شوية .. ذي حالتكم مع الاستراليين ..

-أنحنا ما باقي لينا غير وصول الفيزا ..

-عرفت انو ميري سافرت فنلندا خلاص..

-ايوة . ما أخروها كتير . إجراءاتها انتهت بسرعة .. عشان أسرتها كبيرة ..

تنتفض أشجانه, ويتعمق داخله جرح دام . يتجرع كوب العرق دفعة واحدة ,وينفث البخار بصفير متقطع . ترتخي أعصابه , ويتعالى الهتاف الحزين في بلاد بعيدة ..عن بلاد ابعد ...

... .... ... ...

عاد الكوماندر إلى الشلة المجتمعة في الصالون , يحاول استرداد نفسه من فتنة الفتاة الفاتنة, التي أربكت الجميع., وقلبه يرتعش كفرخ طائر مبلل بمياه المطر ..

همس في أذن عادل وهو يصب له كأسا طويلا .,من العرق اللاسع ,مشيرا إلى الفتاة التي أتت برفقة مناوة :

-أتى بها ليكمل بهجته ..

-رأيك شنو ؟..

-إنها تتصرف كسيدة مجتمع!! , انظر كيف تخلف رجل على رجل ..

-احترس فهي ليست مشاعا !..

مد الكوماندر كأسا قصيرة للفتاة ..

-thanks لا اشرب سوى البيرة ..

أصر عليها وألح الآخرون . مزجت العرق بالمياه الغازية , وتجرعته في تأفف ,وهي تمسح وجوههم بنظرة عميقة لا قرار لها . وما أن نهض مناوة لإعداد العشاء ,حتى همس الكوماندر في أذنها :

-تليفونك ..

التفتت أسماء في دهشة .,إلى حيث غاب مناوة , وأملته الرقم ببطء شديد , تلمظ شفتيه واخذ يداري الغزل الذي جفف حلقه . ابتلع كلماته التي اجتهد أن تكون لائقة , خالية من لغة الميدان والمدن المستردة وجبهة الحرب . وضع عادل., يساعده الآخرون الصحون الممتلئة . تجرع كأسا أخيرة ونهض وهو ينظر إليها ..

عندما خرجا وانطلقت بهما العربة, في نفق صلاح سالم .,همست في أذنه تستثيره :

-صديقك الكوماندر اخذ رقم تليفوني ..

-لماذا أعطيته له ؟..

-أتعرف بما ذا كان يهمس لي ؟..

-اجزم انه حدثك عن غرفة النوم, وابنه الصغير الباشق ..

احتواها بعينيه , ابتسمت .. مد  رأسه المرتخي فسقط ,على صدرها و .. و نام ...

.... ............

ها أنت تتأوه يا كوما ندر . تشعر بأنك تسمع صوتها .. تحسه داخلك بوضوح : دفقا من الأنس , كذاك الذي يتسربك وانت تتحسسها ..

جئت إلى هنا هاربا من ذكرياتك المنهارة , بعد أن فقدت في الانقلاب الفاشل قائدك .,واثنين من رفاقك . هربت إلى هناك , إلى اسمرا , قبل أن تجيء إلى هنا ..

هربت إلى حيث تجمع المنفيون والغرباء, والحالمين بوطن آخر, يخرج من قلب المعسكرات المحاصرة بالكاميرات السرية, والمخبأة بين الأكمات والجبال,وأعلا السهول الخصيبة وتخوم الجوار المسورة., بالسلك الشائك المكهرب, والمجرى الطولي العميق ,على امتداد الحدود ..

 تطاردك ذكرى الرفاق الذين اعدموا, فتجتاح وحدات جيش الحكومة في مدن الشرق , تسقط المدن, وتنسحب مخلفا وراءك الجرحى وتعود بعشرات الأسرى ..

ضمدت الحرب جراحات هزيمتك الفادحة , فاندرجت في المدن النساء., تغزوهن في إجازاتك القصيرة., التي تغادر فيها اسمرا إلى القاهرة (فللمصرية مذاق خاص,يفوق مذاق فتيات اسمرا الجميلات) ..

كنت في كل ليلة من ليال اسمرا البديعة, تحرص على أن  تنام ,فيها على أحضانك أنثى بديعة , لا تعرف لغتها ولا رائحتها المثيرة, التي تضوع ليالي اسمرا, الموغلة في تباريح الغربة وبوح المنفيين ..

تتذكر أمك المريضة ,وشقيقاتك المراهقات .,وأشقاؤك العاطلين , وسلوى الجرح العذاب .. ظننت انك ستنسى عالمك المنهار , لكنه يخرج في مثل تلك اللحظات بالذات, من تلافيف ذاكرتك . ينهض أمامك ليعذبك بحضوره القوي ..

سلوى العذاب , رحلت دون وداع, مخلفة وراءها وجهها المنقوش على القلب (تتقطب ملامحه , تكشر تقاسيمه) فيبتسم وطيف الباشق الصغير. يطل مخترقا الحجب والمسافات ..

مضت السنوات تجرجر خلفها ازيال خيبتك., عاما بعد عام . مضت السنوات دون أن تمتليء حياتك , بشيء ينسيك ما تهرب منه ..

وبعيدا بعيدا خلف نافذة للمواجد والأوجاع تحلق , فيعلق القائد على اجازاتك المتكررة ,وصحبتك الدائمة لتلك الأمهرية المريبة , التي ربما على صلة بمخابرات الحكومة أو اسمرا أو استخبارات المعارضة المسلحة , إلى أخر ما يشاع في هذا الفضاء المتشعب الضيق , المتخم برائحة الخيانة والغدر ..

 فتثور بوجه قائدك وتهرب , مجتازا الأسلاك الشائكة , القناصة , السهول الجبال , تصل منهكا , مرهقا وموجوعا ..

أقصى تفاصيل الذكريات المريرة . تلتقط أنفاسك , تستعيد سلوى السيسبان , تغنيها مخمورا :"البرتكان نهدك مدر دم ..".. وتحتضن الباشق الصغير في حجرك, وتبكي بصوت النساء ..

تتجشأ في كل مرة حواسك ,وتبكي معانقا الطيوف التي تحتضنه .,وتربت عليه ..

كان مناوة لا يزال يحكي , عن دهشة الشلة بفتنة أسماء , عندما ألقى الحضور المفاجيء للكوماندر, ظلالا مشحونة تنذر بانفجار وشيك ..

اشرع الكوماندر الباب على مصراعيه , وشيئا فشيئا انفك انعقاد حاجبيه, وحل محل الشرر في عينيه شعور عميق بالسخرية ..

دفع الباشق أمامه ,وقطع الصمت مفسحا الطريق لأسماء التي كانت قد انزوت خلف الباب ,ممسكة بيد الصبي الصغير..

وضع يده على كتفها ,وهو يوجه الحديث للشلة :

-جئنا لنودعكم .,فانا وأسماء بطريقنا .,لقضاء شهر العسل., في الغردقة ..

قال عادل الذي تملكته الدهشة :

-ماذا؟! .

-إنها أم الباشق الآن , الباشق بحاجة لأم , وأنا بحاجة للاستقرار.. هل هناك أي "ملاحيظ"؟!..

كان فكا كل فرد من أفراد الشلة قد تدلى في بلاهة وهما  يستطيلا على وقع الخطى المبتعدة للكوماندر حمدان وابنه وأسماء ..

...............

هذا الولد الممصوص لم يروقه أبدا .. بعينيه الزائغتين , اللتين تتجولان خلسة, في أنحاء الشقة .. جسم نهى الذي يتفجر لدى حضوره , ويبدو غير الجسد الذي يألفه في غيابه .. خريطة جسم سمارة .. قلت لها مرارا وتكرارا :

-أنا اكره هذا الولد ..

انه ليس ولدا يا تيه احترم نفسك !..

ماذا تريدين منه يا سمارة . يجب أن اضربه !..

ستندم على ذلك . ثم لماذا تكرهه إلى هذا الحد ؟!..

انسحب تيّه إلى داخله على مضض . انه يعرف سمارة جيدا : امرأة قاسية القلب , وتعني ما تقول , وتستطيع فعل كل شيء . فكثيرا ما نكلت به . إنها امرأة تعرف من أين تؤكل الكتف ..

عندما رأت نهى نواي في تلك المرة الأولى, التي جاء فيها مع صديقه الخال ,لفت نظرها بوجهه الناحل وتوحده القاتل , خلافا لرواد البيت الآخرين., الذين لا يأتون باستمرار .. كان يجيء دائما .,ودائما متوحد وحزين.. لكن متوهج العينين , كأن عينيه تخزنان طاقته كلها .. قالت لأمها

-انه غريب جدا !!..

-ككل اللاجئين والمهاجرين .

رمته بابتسامتها . التقطها ..حاولت ..

كانت تشعر بسعادة غامرة , عندما تدفعه للكلام., فيستجيب .غالبا يبدو كطفل غرير .. كانت تدرك, انه ينظر إليها كابنة لسمارة فحسب , لا أكثر. دون مشاعر خاصة.. وكان يدرك أن ذئاب القاهرة, لم تتمكن من أن تنالها  بعد .,مع الوجود المرعب لتيّه, فيشعر بارتياح عميق , واقتراب أعمق

لمحت فيه سمارة طيفا بعيدا , تنآى بألسن اللهب, في قريتها المحترقة , كان بعينيه بريقا مميزا .,كبريق عيني توتو..

 في الليلة التي سبقت هجوم الجيش., على قريتها قالت لتوتو., وهي تفلت من بين ذراعيه :

-بذرتنا توشك على الخروج ..

لم يتركها تكمل . قاطعها بحسم :

-يجب أن نهرب من هنا . فقد اشتد الحصار ..

-لا أستطيع ترك أهلي., يواجهون الحرب وحدهم ..

ولم يلبثا سوى ساعات ,حتى هجمت عند مشارف الفجر , مليشيا تابعة لجيش أبو لكيلك الجنجويدي ..

 أحرقت كل شيء وهي تهلل وتكبر , وامسك اللهب بتوتو., وهو يحاول إنقاذ طفلة صغيرة . فانهار عليهما كوخ القش والقصب المشتعل .,وهما على أعتابه., وابتلعتهما دائرة النار , متوحدين كآلهة مقدسة . كأنبياء سرمديين., تلاشيا في ألسنة اللهب .

 في مسام الهواء المتسلخ .. مضيا إلى اللانهاية : توتو والطفلة الصغيرة  .. عينا نواي هما عينا توتو ذاتهما!! . في تلك اللحظة التي انتصب فيها., يحمل الطفلة ,ويمتص بعينيه اللهب المتعاظم ..

 أعاد نواي إلى ذاكرتها .,وجوه الأحبة., والذكريات الثاوية في البوح.,وعرق السكر يحشرج في الحلق ,ويترسب في الرئة , فتفوح أبخرته شجنا عميقا, في قصيدة خلوّية ,تشعل الحنين والأسى والاغتراب ..

رمق نواي تيّه بنظرة مرتعشة . لم ترق له فكرة أن يراق دمه ,على يد هذا المجنون , وحاول النهوض من مكانه., يعالج فكرة ما فرضت نفسها عليه ..

نجح في النهوض .. تذكر أن نهى لم تف بوعدها , فتماسك أكثر ..

تقدم من باب الغرفة الموارب , وأطل برأسه على الشارع , شق سكون الليل عواء ملتاع .,لكلبة متعسرة . يبدو أنها تعاني المخاض . لفح البرد الرطب وجهه , ولفته عتمة الحارة الراقدة في سكون . أوعزت له نفسه, أن يطلق ساقيه للريح . فشعر بنظرات تيّه, تلفح ظهره باللهب ,وتسحبه إلى داخل الغرفة .

 بصوت واهن , سأله مرة أخرى :

-ماذا تريد مني ؟!..

-ابنتي ..

بدا له تيه لزجا أكثر مما قدر . حاول أن يبدو شجاعا :

-اسمع . أنا لست كما تظن , ثم إنها ابنة توتو وليست ابنتك .. و..

وتقدم من الباب يشرعه ..

-أنا لست تيه . أنا قرينه . أرسلت ابنتي إليك بدلا عن نهى ..

-أنت لست  تيه ؟ ..

.. (كان نواي قبل أن يغفو قد أغلق الباب ..تذكر القطة ..)..

-أتيت أسالك , هل تعجبك ..

تهدل فكا نواي .. نعم كانت ناعمة كمنديل نهى الحريري . ثم انقشعت , فأفاق., ليجد تيّه أمامه .. أفاق على صوت طرق على الباب . كان متعرقا . يسيطر عليه إحساس باللزوجة .. نهض .

دخلت نهى . منسربة في خفة :

-آسفة تأخرت عليك .. سمارة وتيّه حاصراني ..خرجت بأعجوبة ..

-ما كان يجب أن تأتي , فقد أطفأت قرينتك كل شيء ..

لم تنتبه إلى قوله .أرادت تهدئته وتسكين غضبه .. دنت منه .. فحسمها بلطف :

-يجب أن تعودي إلى منزلك الآن ..

توقفت تحدق في  وجهه بذهول, ثم أفلتت ساخطة ..

عادت الغرفة خالية كما كانت . تذكر تيه . لم يكن ثمة وجود له .لا ..ارتفع مواء القطة وهي تخربش الباب . تذكر أنها أفسحته الطريق قبل أن يغفو مستيئسا., من مجيء نهى . طرد القطة بحذر وأغلق وراءها الباب بإحكام . قلب الفراش على وجهه الآخر, وحاول تهدئة وجيب قلبه المنتفض ..

استلقى على الفراش لتلتهمه البلاد الكبيرة .,واتني بطيوف تتباعد وتقترب ..

البلاد الكبيرة بمجهوليها الذين جاءوا من كل مكان , يحملون حرمانهم وأحزانهم وهزائمهم .. يحملون احباطاتهم وخذلاناتهم العميقة .. من أين جاء كل هؤلاء ؟ ..

فالبلاد الكبيرة ليست وطنا لأحد , ومع ذلك أصبحت وطنا للجميع.,ككل أراضي الهجرات .. لكن .. من أين جاء كل هؤلاء وأولئك : كان ذاك هو السؤال الجوهري , الذي شغل بال البنجوس من قبل , وأصبح جزء من العالم المنهار لعبده الخال وأصدقاءه.. فمن أين أتى هؤلاء إلى أتني؟! ..

ليست أتني الأساطير , والحكايات الخرافية .التي فاضت بالشعراء الجوالة , المرتحلين بخيالهم عبر البحار العظيمة , يواجهون غضب الطبيعة ,وأهوال لوحوش الخرافية , الذين لا يفتأ ون يعودون منهكين ليتكأ ون على صدرها , ينقضون بعذاباتهم., فينهار القصر الجمهوري والقيادة العامة, والبرلمان ومسجد النيلين ,ويلوذ أبو لكيلك بالفرار فلا يجد من يأويه سوى أصدقاءه في  مصر..

تنهار قصور السياسيين المرتزقة, والحانات السرية ,والسفارات المشبوهة, وتنهض الزقاقات والحواري., في مزيج الغربة والحنين الأزليين, اللذين شكلا البلاد الكبيرة, حينا من الدهر ..

إنها أتني الناهضة في قلب السوق الإفرنجي, بالخرطوم , تستمرأ التمدد في وهم مخملي سحيق, شيدته كلية غردون التذكارية, فغاب فيه الأفندية . المتعلمين الجدد . تصوروا أنهم امتدادا لنبلاء الإمبراطورية., التي لا تغيب عنها الشمس , فغابوا بعيدا , بعيدا ..عن الناس والأشياء والأماكن., في جغرافيا البلاد الكبيرة , الواسعة كالجراحات الغائرة., في عيون العوانس والأرامل والمسحوقين ..

من كلية غردون كان الافندية يأتون إلى أتني , محملين بعنجهيتهم , معبأين بتعاليهم وغبائهم , زاهين في ثيابهم الأنيقة ومشياتهم الأكثر تأنقا , وأحذيتهم اللامعة .,تدق على البلاط بتأفف ..

الى جامعة الخرطوم يعودون ,يتسولون البعثات والمنح., المقتطعة من أفئدة الفقراء وعرقهم الغزير . يدرسون على نفقة جراحاتهم الغائرة , ويتغورون عميقا كالدمامل., في أحضان النساء البيض . يقذفون بدونيتهم وقيحهم . ثم لا يعودون أبدا ..

ومن يعودون., يهزون ذيولهم كالكلاب., باحثين عن أسياد أقوياء., بين أروقة السياسة والوزارة . لتدخل البلاد الكبيرة .,في كهفها السحري خلف جبل نامي , تنطوي على ظلماتها .. مأزقها الوجودي الشامل ..انطوائها على الهزيمة والضياع ..

إلى أتني تجيء بهم أنخاب البيرة والشيري , ينفقون بسخاء "بيرسري" الجامعة ويحتسون النساء , احتساء مؤلما ..

هؤلاء الافندية يمضون إلى حيث جاءوا ,وترحل أنت تاركا كل شيء خلفك ,دون أدنى إحساس بالعار ..

جلست روز إلى جوار عبده الخال, أمام جهاز الكومبيوتر في الشقة الصغيرة , التي تحتلها منظمة التنمية السودانية كمقر مؤقت لها , ريثما تهدأ الأوضاع في البلاد الكبيرة فتنتقل .. كانت روز محاصرة بالغربة والحنين ,وهي تجوس في عوالمه , التي الفتها بمنافيها وحنينها الغامض , ككل الذين هربوا من البلاد الكبيرة, فجاءوا يتوجعون .,ويغمدون جراحاتهم أقصى تفاصيل النفي . يمضي الواحد منهم., بإحساس محارب منقرض , لا شيء يربطه بالماضي., سوى صور متداخلة من الذكريات والأخيلة ..

قالت روز وهي تسترد بصرها ,من وجه الخال المتعب :

-كلنا كان يحاول أن يحمي روحه من الدمار , لم يكن ثمة خيار سوى الهروب ..

نعم كانوا يحاولون الابتعاد عن الموت باصفرار , بذات سرعة اقترابه منهم , وفي الخط الفاصل بين عالمين , كانوا يهربون  منطوين على نبؤة المأساة , يحاولون التحرر من قبضة البنجوس, التي صادرت حتى أحلامهم  ..

-تنهض هنا مساحة ملاى بالتساؤلات الحارقة .

قالت روز . فعض الخال على شفتيه :

-نعم التساؤلات الحارقة, التي يحملها التاريخ السحيق لشعب الوادي, الذي يتكون في التمزق الشامل للناس والحياة .. والوادي ,بناسه وطبيعته واحساساته الغامضة . الوادي الشاهد على اندثار أجيال .,ومولد أخرى بأفكارها المتباينة., وتطلعاتها المتجددة : عن الحياة والناس والوجود., والمصير والهدف ..

حياة الوادي المتبدلة بناسها ,كانت هي حياتهم هم أنفسهم ,كأصدقاء يلتقون عند عبده الخال وينفضون , يحاولون الهرب الجماعي., من طعم الهزيمة المر ..

كانوا يخونون جرحهم بوعي تام ..

ربما هو اللوذ باليانكي , أوقعهم في الشرك .. اليانكي الغرباء .,الذين قدموا رغم انف رائحة التراب, وعبق التاريخ., ورغم انف العالم المقهور كله

جاءوا حماة للسلام كما يزعمون, وعرابين للتنمية ..

جاءوا كما جاء أجدادهم من قبل ,يدعون إخراج الناس من الظلمات إلى النور , فغاص الناس في الظلمات أكثر فأكثر ..

لم يرفض شعب الوادي والجبال اليانكي, كما فعل الأسلاف منذ وقت بعيد . لم يرفضوهم .,على الرغم من أنهم كانوا يدركون, أن اليانكي سيأخذون ثمنا غاليا ,من وجدان الناس وثروات الجبال الغنية ,واحساسات الأرض, وغاباتها ..

-انه النفط والذهب والماء . الحرب القادمة ..

-الزراعة ..

هذا القبول باليانكي ينطوي على أسئلة محرجة ,حول العلاقة بين الناس والسلطة الوطنية., منذ غادر الإنجليز., حتى لحظة تدخل اليانكي.,لإنهاء الحروب الأهلية في الجنوب والشرق والغرب وجبال النوبة ..

ففي كل موقع من هذه المواقع, يتكرر موقف واحد : لم يرفض احد اليانكي , بل سمحوا لهم باقتلاعهم من الجذور , لنشر التمدين المزعوم ..

فاليانكي لا يأتون كرجال منظمات إنسانية فحسب .,لمحاربة الفقر والجهل والمرض . يأتون لأجل شبكة مصالحهم المعقدة, تحت شعار مكافحة الإرهاب , يشغلون رمزية الغريب الحكيم : الذي يملا الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا ..

 يتسلل صوت البنجوس فضاء الشقة الصغيرة , ويلمع وجهه على شاشة الكمبيوتر, أمام روز والخال :

-إذن تعتقد أن قبول الناس باليانكي., له دلالاته العميقة في سؤال السلطة الوطنية ؟..

-كذلك هو تعبير عن الاستجابة لضغوط العولمة ..

تدخلت روز :

-اليانكي ليسوا سيئين . أختي تعيشان في الغرب ,كمواطنتين تتمتعان بكل الحقوق . بينما نحن لا نحتمل الاعتراف بالمواطنة لبعضنا البعض .

تكسرت عبارة روز في وجوههم ..اختلجت شاشة الكمبيوتر , تحاول استعادة وجه البنجوس من شظايا فيروس طاريء . تجمعت تشظياتهم في الصمت, لترسم أسئلة محرجة , اخترقها صوت البنجوس يقلب في صفحات "النت " فيتوقف عند تقرير too many people killed for on reason "كثيرون يقتلون بغير سبب " عند الرابط : http://www.sudantribune.com/rubrique.php3?id_rubrique=4

-هذه تقارير دولية عن الأوضاع في البلاد الكبيرة "(منظمة العفو الدولية ,حصلت على شهادات عديدة., للهجمات على القرى وقتل المدنيين, من قبل الجنجاويد أو المليشيات .,مدعومة بقوات الحكومة السودانية ... أر كوري محمد 34 سنة . طالب قرآن (مهاجري)من آبي قمرة قرب كار نوي , اخبر وفد منظمة العفو الدولية : وصل العرب والقوات الحكومية في يوم السوق., في أبي جداد .

حاصر الجيش السوق بينما دخل العرب., لنهب الأموال والمواشي . لقد قتلوا أناسا كثيرين . شهدت بعيني الجثث . بعضهم قتل بإطلاق النار ,وآخرون طعنا بالحراب ..

–أعطى للوفد أسماء 19 مواطنا قتلوا في ذلك الهجوم )...

(زينب نايا 25 سنة من قرية نانا قرب كرنوي شاهدت الجنجويد يقتلون أخاها., داخل متجره في أغسطس . أفادت بأنه جلد جلدا مبرحا ..

وفي ابريل 2003 هوجمت قار سيلا, قرب كور نوي عند الخامسة صباحا ,وقتل ما لا يقل عن 24 مواطنا ,رميا بالرصاص ودمر 80 منزلا, كما سرقت المواشي ..

-تستهدف هجمات الجنجويد  أناس من قبيلة الفور والمساليت, والزغاوة والقبائل الزراعية الإفريقية الصغيرة )..

(في الوقت الذي تبدو فيه الهجمات تستهدف الرجال . تتعرض النساء والأطفال للقتل دون تمييز , ففي آبي قمرة, في ديسمبر., قتل طفل وامرأة تدعى خديجة إدريس 17 سنة ,عندما حاولت صد المليشيات ,من نهب مواشيها , وفي مورلي قرب الجنينة., قتل ما لا يقل عن 9نساء رميا بالرصاص, أثناء هجوم الجنجويد على القرية وهن : حليمة ادم 25 سنة – كلتوم سابو 25 سنة – حواء عبد الله 30 سنة مريم هارون 35 سنة – خديجة عبد الله 30 سنة – فطوم إدريس 20 سنة – عائشة محمد 30 سنة – نفيسة ادم 40 سنة – ودولما ادم 20 سنة , الخ , الخ ..

وفد منظمة العفو الدولية., سمع عن كثير من النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب , ولكن هناك صعوبات جمة., تعوق معرفة جرائم الاغتصاب المرتكبة., في الصراع الدائر في دار فور , وذلك لخوف النساء من الحديث .,عن مثل هذه الجرائم المتعلقة بالشرف , لاعتقادهن بان ذلك معيب .

قالت امرأة للوفد : النساء لن تخبركم بسهولة, إذا ما تعرضن للاغتصاب , لان ذلك عيب في ثقافتنا , فهي تكتم الأمر حتى لا يعرفه الرجال , ولكن إذا سألتم ربما تجدون من تستطيع التحدث , إذا شعرت أنكم تهتمون لمأساتها ..)..

يستمر البنجوس  في التنقل بين عدة روابط : http://www.unhcr.ch/huridoca/huridoca.nsf/(symbol)E.CN.4.2005.3.En

http://www.un.or/.docs/sc/unsc_resolutions04.html ..

 يقرا عبده الخال : (سبعة أشخاص اعتقلوا في أبو جريدة .,الواقعة بالقرب من الفاشر في يوليو / تموز : يعقوب خاطر "عمدة أبو جريدة" ,وابنه عبد العزيز . وبشير هارون حسن وآخرين  ..

اعتقل أشخاص لأنهم جاهروا بآرائهم., لإيجاد حل سلمي . هذا إلى جانب اعتقال عدد من المراسلين الصحافيين والسياسيين وتعذيبهم . وحجب بعض المنتديات في الشبكة الدولية للمعلومات . الخ , الخ ..

 توقفت روز عند احد المقالات تحت عنوان :(التركي ولا المتورك ):إذا كانت عبارة "حق الحياة"تعني أي شيء في الشرائع والقوانين والأعراف الدولية, فان ما حدث فجر الجمعة الدامية, بحديقة مصطفى محمود بالمهندسين ,لهو مجزرة مريعة بكل المقاييس, فإن  مقتل مئات (كما أفادت بعض المنظمات) من اللاجئين السودانيين , على يد قوات الأمن المصرية ,يعد كارثة إنسانية كبيرة.

ومع ذلك تعتذر الحكومة السودانية , لرصيفتها المصرية .,بدلا عن أن تتخذ موقف , مما جرى لمواطنيها ؟!.. متسقة مع ارثها وتركتها الثقيلة من العمليات النازية., في مختلف أنحاء البلاد الكبيرة . ولا تجد حكومة أبو لكيلك الجنجويدي,  تبريرا لهذه المجزرة التي تمت في حق لاجئين ومهاجرين مدنيين ,يطالبون بحقوقهم الإنسانية وفقا للقانون عبر آلية الاعتصام ,أمام مبنى مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين , سوى بتحميل اللاجئين المسالمين مسئولية ما حاق بهم .

صحيح أن المفوضية السامية تتحمل قسطا من المسئولية , لكن الصحيح أكثر هو أننا أمام كارثة إنسانية , لم يحدث مثلها في كل دول اللجؤ , ولذلك تجب محاسبة مرتكبيها , واتخاذ موقف حاسم في هذا السياق .

لقد تخلت حكومة أبو لكيلك الجنجويدي عن مسئولياتها , وهي في الواقع متواطئة تماما ,ويجب على العالم أن يتصرف , إذ لا يجدي الضحايا نفعا ,الإعراب عن الحزن . يجب أن تكون هناك ادانات واضحة . فلا يكفي تقييم الموقف بمعزل عن لجان تحقيق نزيهة , خاصة عندما تقع خسائر كبيرة في حياة الأطفال والعجزة والنساء , بسبب تصرفات متعمدة . مع سبق الإصرار والترصد . فان الإدانة ذاتها لوحدها لا تكفي, أمام المسئولية الدولية للحماية . إلا إذا كان الدّم السوداني ارخص ,من سراويل نساء الكباريهات....

كان الوقت متأخرا , وبرد يناير يتوغل في المفاصل أكثر, فأكثر , وقهوة عبد الواحد تستحيل إلى مجرد ذكرى قديمة ..

- أخيرا , بعد طول انتظار ..

قالت روز وهي تشرع باب الشقة أمامه ,

-كان ذاك لقاءنا الأخير بهذه المدينة , فقد لا نجتمع مرة أخرى , في منافينا الجديدة ..

-إذن ولت أيام الرعب والمخاوف والظنون ..

-لنتمن ذلك ..

مضت إذن تلك الأيام , والآن بطريقهم إلى بلاد أخرى , ربما يكون فيها متكأ لما خلفته القاهرة من أحزان ..

هامش:

(*) يمضي العاتي في رحلته الأخيرة على ظهر بعيره "البطرو" وشقيقته , تنشده ابنتها التي كالتمر الرطب "خال تمير بالو", وتوصيه إرخاء القياد , للبعير"ما تشطه" , فبعيره سريع , وسرعان ما سيصل الوادي البعيد ويقطعه . وتذكره بأنها , عندما قطعت ذلك الوادي البعيد المخيف "الاتخول /صوت الريح" لم تتمكن من الرؤية لشدة عصف الغبار , ومع ذلك تتمنى لو ترحل معه الآن , لولا أن ابيهما يرفض , خوفا عليها , لئلا تقاسي ما قاسته من قبل , وما سيقاسيه الآن في هذه الرحلة "الدايرة عل تجول " , ومع ذلك هي تشتاق للمسير معه في الوادي المخيف , فهي لا تأبه للصعاب , فرائحة "السعات " : النبات البري العطر المبتل بالمطر , تهون عليها الإحساس بالتعب والمخاطر .

(**) من أغنية للفنان محمد وردي.

انتهت رواية (تجاعيد ذاكرة البنجوس) الجزء الثاني من رواية: لا وطن في الحنين

أحمد ضحية/ وادي صالح -كوستي- ام درمان – القاهرة  1998- 2005

 

أضيفت في01/04/2006/ خاص القصة السورية

 

 

كيفية المشاركة

 

موقع  يرحب بجميع زواره... ويهدي أمنياته وتحياته الطيبة إلى جميع الأصدقاء أينما وجدوا... وفيما نهمس لبعضهم لنقول لهم: تصبحون على خير...Good night     نرحب بالآخرين -في الجهة الأخرى من كوكبنا الجميل- لنقول لهم: صباح الخير...  Good morning متمنين لهم نهارا جميلا وممتعا... Nice day     مليئا بالصحة والعطاء والنجاح والتوفيق... ومطالعة موفقة لنشرتنا الصباحية / المسائية (مع قهوة الصباح)... آملين من الجميع متابعتهم ومشاركتهم الخلاقة في الأبواب الجديدة في الموقع (روايةقصص - كتب أدبية -  مسرح - سيناريو -  شعر - صحافة - أعمال مترجمة - تراث - أدب عالمي)... مع أفضل تحياتي... رئيس التحرير: يحيى الصوفي

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

Genève-Suisse جنيف - سويسرا © 2004  SyrianStory حقوق النشر محفوظة لموقع القصة السورية