الصفحة الرئيسية | خريطة الموقع | مكتبة الموقع | بحث | مواقع | من نحن | قالوا عن الموقع | الرعاية والإعلان | معلومات النشر | كلمة العدد

SyrianStory-القصة السورية

دفتر الزوار | ظلال | معاصرون | مهاجرون | ضيوفنا | منوعات أدبية | دراسات أدبية | لقاءات أدبية | المجلة

إحصائيات الموقع

twitter-تويتر

youtube القصة السورية في

facebook القصة السورية في

 Cooliris-تعرف على خدمة

معرض الصور

Rss-تعرف على خدمة

جديد ومختصرات الموقع

 

 

السابق أعلى التالي

التعديل الأخير: 09/01/2009

روايات الكاتب: د. أسد محمد

حب أخضر

إلى صفحة الكاتب

لقراءة الرواية

 

 

الرواية

حب أخضر -4

حب أخضر -3

حب أخضر -2

 حب أخضر -1

حب أخضر -5

حب أخضر -6

حب أخضر -7

 

 

 

 

إهداء: إلى العشاق .. إلى الذين يسعون .. إلى مغامرة من نوع العشق .. أدعوهم إلى الغوص .. في بحر الحب دون انتظار.  أسد

 

 

دعوة للتطهر بالحب- مقدمة

 

تدخلنا هذه الرواية في ألفة السرد الغنائي ،ونجد أنفسنا نسبح في فضاء رومانسي قائم على التناظر والتناغم بين الإنسان والمكان بين البشر والكائنات الأخرى ، من  حجر وشجر وأرض.. وأخيرا بين الشخصيات التي تتوزع الأدوار .

إن مصدر حيوية هذه الرواية الشيقة التي تشد القارئ منذ بدايتها رغم أنها قائمة على حبكة معقدة أو غير معقدة أو على حدث درامي .. مصدر حيويتها يتأتى من العلاقات المسرودة على لسان الشابات الثلاث الجامعيات في السكن الجامعي ، تحكي كل منهن قصتها الخاصة ، قصة حبها وما تحمله هذه القصص من تفاصيل وتفرعات في حياتهن الاجتماعية وعلاقة ذواتهن بالخارج بالإضافة إلى الأفكار حول المجتمع والقانون والحق الذي جاء على لسان إبراهيم في قصة سوزان ، ثم العلاقة مع جماليات المكان من أرض وطبيعة وبشر على لسان ماهر شقيق سلاف .

إن لكل شخصية دورها الوظيفي في السرد ودورها الفكري في القول حول الحب بالمعنى الشامل ، أو لخدمة السياق العام الذي قامت عليه الرواية التي دلّ عليها العنوان : حب أخضر.

يتساوق في هذه الرواية الغنائية والتحليل العقلي اللذان يتناوشان بشكل غير تصارعي مع القدرية . إذ تقوم الرواية على تأكيد روح الإيجاب في الإنسان وفي الطبيعة ومقدرة هذه الروح على احتواء السبب وانتزاع عدوانيته وبالتالي إلغاء

التصارع الثنائي لعدم وجود التكافؤ ، أو الندية بين السلب والإيجاب ، فالخير أو الحب هنا أقوى وهو الأقدر على الاحتواء

والقدرية هي نفسها ليست عاملا مأساويا لأنها متوافقة مع الروح الإيجابية التي أراد الروائي أن يؤكد عليها لأن الرواية هي رواية حب لكل شيء وإبراز لطاقة الإنسان على الحب ، وأن يرى الأشياء كلها بعين الحب ، هذا الحب الأخضر المتجدد،حب الطبيعة بسهولها وجبالها ، قراها ومدنها وبحرها،   حب لحكايات الناس ولعاداتهم الطيبة ومعتقداتهم ونزوعهم الفطري نحو الحب والتعاون .. واقعية طهرانية لا ترى الأشياء إلا بعين العشاق المحبين على مبدأ : كن جميلا ترى الوجود جميلا .

إنها رواية الامتلاء بالطاقة ، بالشباب ، بالحيوية والوفرة..

وهي تدفع القارئ بهدوء إلى التأمل والإصغاء ثم التفاعل وتعطي للحب الدور المفصلي في التغيير والتطهير ..

ناظم مهنا  

 

 

 

حب أخضر

  

-1-

 

طلّ من سرة الشرق ، تدرجت معه ملامح عديدة مع هالة موشورية في المجيء المحير الذي راح يكشف رويدا رويدا  عن فسحة كانت مخبأة في طيات الجانب المهمل من الفضول ..  إطار لأفق برونزي ، قرويون وقرويات .. أصحاب غبطة.. أزقة ووهاد ، مصافحة ولهفة ..  واحد نظراته من فطيرة الوعد.. وآخر تحُوْطه قبضة هيئة واجمة يتوعد باستكشاف لغز دون المضي إليه ،  وثالث حضوره خطف النظرات .. أنهضوا بلدة بحالها من وعكة ترقب مشوش  وأقحموا حواسها في رهبة،  تحسست أحدهم حسناء لاتخلو تصرفاتها من شجاعة بدائية ، دارا أمام أنظار الجميع حول مرج صغير كطفلين يذوبان في اللعب .. تابعتهما العيون التي جعلا منها جزءا من مغامرتهما التي مشت على دهشة .. استلطاف ورعشات عائمة من عابر ..

 نزل رابع على درج من شفق مكدود- ( جنتلمان ) بثوب أبيض- ملأت طلته فسحة أوسع من المكان الذي يشغله بكثير..   اقتربت منه الشرفة كبساط ريح يزور ثريات اليقظة  :  دهشة وجه ، لسعة برد ، مناشير غسيل  ، بجامة رطبة معلقة على مسمار طويل ، جهاز راديو عتيق ، قطعة قماش شلحتها ريح في زاوية، سؤال واقف في حنجرة الصمت كطفل خائف .. ومباشرة  مع كل هؤلاء  دخل في حوار جرئ  .. أوحت إشاراته إلى تواضع لافت .. فاض  بجوع  قصي للنظر وكأنه يغيب في وعي مبرمج .. خصخص ملكيته للوقار  وجعلها تنداح حتى مع غصن زهرة جوري يابس مرمي جانب أصيص.. خلع ما تبقى من التباطؤ عن مسيرة أيام خلت بشيء من المبالغة .. وقف كصديق قديم  يستعجله رفقاؤه الذين سبقوه في تسجيل حضورهم المبكر للذهاب إلى مكان آخر ،  بحجة أن هذه الشرفة الضيقة ذات الصدى الخافت تخلو ممن يرنو إليهم .. والجرأة  فاسدة كعلبة سردين تجاوزت تاريخ صلاحيتها..  والانتظار هنا كالضحك على اللحى.. وضع صديق يده على  صمته الفائر من اقتراحات متكررة  واعتبرها عشوائية ، وترك الآخر يعبر عن جواه كأنه يجالسه لأول مرة ، من بين أكوام العتب والاعتذارات الشفوية وجد فرصة للراحة والمماحكة .. وبعد ثرثرة انتهت بلَوْمٍ ..  وضع ختما بالشمع الأحمر على حمرة خده منتظراً، ودون أن يبدي أي انفعال أو جلجلة متوقعة منه ،  جانبهم الجلوس باحترام ، حدث همس من جهة جليسه :" ستبقى  يا عزيزي كساعي بريد يحمل الرسائل ، لا يهمه أن يعرف ما فيها .. أنت كمضرب عن التمتع بأشياء  متاحة له، ولغيره على عكس أصحاب المطالب ، ينتقد نفسه بأنه قليل التحمل ، بينما هو كمثل جندي مجهول .."

تجاوزت الشرفة حدودها لتضم إليها قوافل مستعارة من شحنة الفراغ  وحيز الضوء والانضباط والدوافع ونظائر الأشياء .. وكأن العالم اختصرته بقعة بوسع موطئ كلمة .. غابت مقطورة المدى مع أول نجمة غاربة كطفل أسكته ثدي أمه الممتلئ.. غالبَ فرص التدخل غير المناسبة..  تسربلت الوجوه بطلة مترامية الأسئلة ، صداع كاد يشب : زفرة استمالتها نعوة ، وانزواء لعبرات في جوف الحراك ، وقبل أن تختفي المشيئات بقطرة رحمة من وجه حسن ، أشاع غنج حسناء رؤية متشابهة لدى الجميع ، مما دفعها إلى المزيد من التألق الممزوج بأجوبة على أسئلة طرحت نفسها بقوة ..

تكلم مولول وهو يمشي على فرح ، وكأنه في موقع للدفاع عن أمر خفي لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه .. اكتفى بهز رأسه أمام أحدهم  .. و شرح لآخر بأن الرسول لا يمكنه المرور إلا بعد استئذان وليس بجندي يقتحم ، ووظيفته الأساسية في هذه اللحظة هي الصبر والهدوء عند قدمي العاشقين .. تحمّل مشادة حول تهمته بالصبر .. تجنب ما يدور كتعامله الرزين مع نجمة آفلة ينتظر عودتها  ، وبقي كعادته لا يتدخل إلا عندما يُتاح له ، بشّر بنزهة جميلة دون أن يبين الأسباب ، أتهم بتحمل أعباء يقظة في وقت غير مناسب ، وبأنه يحمل أحيانا مناظير ليلية للتجسس، ورؤية ما لا يجوز رؤيته.. ابتلعت خبراته كل هذا الاستعجال  ، وترك مهمة الإقناع لآخر متفهمٍ ، والذي وضّح صراحة : ليس له علاقة بالقصص السيئة ، ولا بأي شخص يحمل سلاحا أو أفكارا خلاسية .. وتوجد حرية للجميع بـ.. و ما العيب في أن ينزل على هيئة شيخ لملاقاتنا ..؟ 

حدث رد لا يخلو من تهكم :

- عن أية حرية تتكلم مادامت الخطوة التالية تستعد لترحيلي بغض النظر عن المكان شرفة كان أم باب ؟

- لا توجد خطوة تالية .

- قصدك أنني غير موجود ؟!

- أقصد الخطوة التالية موجودة فيك ، أنتَ الخطوة التالية..

تداخلت خطوط غير بيانية ، متشعبة كأغصان برق محموم.. استباحت راحة البال  للحظات ..

كاد الحوار يطول لولا تدخل شكل غريب لبنية غير مألوفة لها رائحة زواريب ضيعة منسية ، انحنت إجلالا ، ثم التفت إلى شفق بدا على بعد لمحة بصر من جهة ميسم الشرق ، وبعيد عن العتمة التي تبصبص من وراء النافذة مسافة دهر ، تهيأ له ذلك المشهد الذي يتكرر كلما ألحت عليه الضرورة بشيء من المودة،  أو طلب منه جليس آخر  بلهفة المستعجل والمدفوع من الخلف للعبور ، وكأنه تحت سطوة ما، أوتحثه رائحة آتية من ورع ، عبّر عنها أحد مريديه :" سيبقى هكذا ، كما عهدته، يتخلف عن اللحاق بنفسه، من أجل أن نعبر ، يمضي من حولنا، ومعنا ، يتلهف .. ينتظر.. يتعب منه الفضول .. لكنه يزودنا بدفئه حتى  أثناء بعده عنا.. يقدم للكسول كما للنشيط  فنجان القهوة و لا يشرب  معهما ، يقدم لهما الجريدة  ولا يشاركهما القراءة  .. يمشي كيفما نشاء حافياً،  بعد أن  يوقظنا برفق، ويدفعنا للمسير منتعلين .. ونمشي برفقته دون أن يشعرنا بذلك كي لا نزعل منه أو يشعرنا بأنه يتعقبنا، فهو كحارس أمين ، أو كعسس عصري بياقته المهيبة ، لكنه غير مهتم بجمع المعلومات ، وليس لديه مكتب لتحليل الأخبار.."

طلَّ وجه آدمي أليف.. يعتاش على الأمل ، أوت إلى جاذبيته النظرات ، ملأ الشرفة حضورا حسيّاً.. أخرج من الموقف حيرة بلون القيح ، طرح جدلا بصمت .. أومأ برأسه مجيبا على أسئلة عديدة .. وكانت النتيجة الأشبه بجواب تام " ذلك كان في الأمس وحسب.. أما الآن ، فهي تحب الجميع .."

حدث لغط  ، دون أية إثارة، واستضافت الشرفة رغم ضيق مساحتها عددا منهم ،  التفتوا إلى بعضهم البعض بهدوء كمن ينتظر موعدا مع قارئة طالع ستقول كل الأسرار .. شبّ الفجر واقترب من موعد الوقوف على رجليه،  والمشي للمرة الأولى هذا اليوم.. تحّمل الوقوع أكثر من مرة قبل أن يخطو.. حطّ عصفور دوري على سلك معلق إلى الجدار القريب .. زقزق بعناد.. أحدث توازنا غير منتظر .. جاء عصفور آخر ، كأنه يدعوه لوليمة قريبة فطارا  .. وجد الصبح المطلي بغيم داكن نفسه على موعد مع فتوته ، ضمد عبوره من كدمة الانتظار وضرب موعدا مع الغد في مثل هذا الوقت .. وقبل أن يغادر قال بصوت جلي : " كالعادة، ينتظر الضوء بجوار الباب حتى يفيق التلاميذ من نومهم ،  يسبقهم إلى الصف ، يفتح لهم الأبواب والنوافذ ، ويقدم لهم وجبة التعليم كأنك المدرس الآخر الذي لا يمل .. ويخرج معهم إلى الباحة.. يلعب الكرة، وينط أكثر مما ينطون بفرح غاو، و  .."

حدثت جلبة تلاها تلصص غير بريء من وراء شق صغير تتنفس منه النافذة ، استفزت الأشياء التي تسترخي على عجين الوقت المعطر بالهيبة ..

وقبل أن يبتعد آخر .. ردد  " : لا أقبل أن أكون مخفرا متقدما لصالح أحد، حتى ولو كلفني الأمر قطع أصابعي.."

فاقت سلاف من هذا الحلم الطويل لليلتها الأولى في حضن غرفتها بعد وصولها من الضيعة  ..

خرجت مباشرة إلى الشرفة على رؤوس أصبع قدميها وكأن هيبة المنام لاتزال تهوم بها ، وتثقل أنفاسها بحامض العتمة ، وقفت في المكان نفسه الذي كانت واقفة فيه طيلة نومها الكابس على راحتها  .. وضعت يدها إلى جبينها كمن تتحسس حمى ، متوجسة من كل ما تقع عليها نظراتها التي راحت تجتر الترقب الفاجرلأبسط الأشياء ، نظرت إلى الشمس الطرية ، وهمست :" هذه هي التي رأيتها في الحلم .. لكن ماذا عن الأفق والضوء والشفق والخطوط والأشباح ؟ وهل كان الوجه الأليف هو وجه ماهر ؟ وهل كان مضطرا للقول بأنها تحب لجميع ؟!.. ماذا يجري من حولي ، أم هو مجرد حلم ؟ .. "

سحبت جسدها الملفف برفات القلق للداخل ثانية تحت تأثير مغناطيس الارتباك ، و أعادت كل شيء كما كان : الستارة ومعها العتمة والأسئلة ..  استرخت مع خميرة اللحظة العابرة  كمن تستريح من منازلة شاقة مع تعب تغلغل في مسامها كعرق يستعد للرحيل..

وكان النوم ذلك الزميل الذي لا يزال يروّض مشقة أيام خلت ، وتركت له حرية التصرف، ولراحتها فرصة تناولها كفتاة تنتظر هذا الكم من الاسترخاء ..

أعادت هؤلاء من جديد وتركتهم يديرون حوارا تحت تأثير

رغبتها بالبقاء معهم ولو لجزء من أمنية قادرة على التقاطها بطرف جفنيها ، وبقاء هذا الحلم الذي وقف فيه ماهر وسط الشرفة يطارح أفقها كأنها على موعد فتي مع جذوته .. ومع أفكاره التي ناقشتها معه قبل أيام مستوحيا رؤيته من الضوء والمغامرة وعشقه للطبيعة .. ولتحس بأن منامها هو تكثيف لتلك الأيام التي أمضتها مع ماهر والقرية وأبت أن تمر دون أن تزورها كزائر ليلي أيقظ لديها حكاية كموجة صبا انبجست من آية شكر عذري .. أبقت عينيها مغمضتين تحت تأثير أحداث منامها التي غزت نومها كفارس تقّصد إثارة ليلها ونقلها إلى عوالم لاتزال على مقربة منها ، ومغمسة بطعم وجوه العمة والجدين والأسرة والضيوف .. ورائحة شجيرات الطيون،  ووخزات شوك البلان وشوك العليق وعصافير أبو حن وأبو ذيل والبط البري ..  عوالم أشبه بطير في قفص تتحكم ببوابته ولديها حرية أن تتركها تطير قبل أن يتحرر نظرها من عشه المبني من جفون تروج للفرار بعيدا حتى عن الحرية نفسها ..

دعكت عينيها بهدوء  ، قدمت ورقة انتساب إلى طفولة النهار،  ثم نهضت بتروٍ  ، و لديها رغبة في استمرار هذا الحلم الذي وُلد من رحمه أسئلة غير مقنعة حول أسباب وجود وجوه عديدة بالقرب منها ، وإدارتهم لحوار لا تمت إليه بصلة مباشرة،  و ملاسنة ماهر كأنه يدافع عنها من حاسدين ، أو محاولة منه للبقاء إلى جانبها كما تتمنى في الواقع على اعتبار أن المنام يتبع أحداثاً خلت .. جزأت ما حدث لها إلى نصفين : براءة وفوضى غير محسوبة ..  أحاكت ميلودراما من الحدث وهي تقارنه مع سهرة تلفزيونية مؤثرة شاهدتها مؤخرا ، كما سبق لها أن فعلت مثل هذه المقارنة أكثر من مرة .. تمنت أن تكون أمها قريبة منها كي تسألها حول بعض المواقف ، وما مردها ومغزاها .. همست : << كانت ستقول إن هيئة الأفق تشير إلى حكمة ، ولها فأل خير ، والرجل الذي حاوره هو صديق وفي وغيور ، والخطوط والغشاوة والشكل الهلامي تعبر عن فوضى أو أمر غريب سيحدث ، والخلاف بينهما .. العياذ بالله منه .. والزعيق نبوءة فيها بعض الخوف .. أعرف أنها ستقول كعادتها :  أما الشرطي، فهو ملاك أو مؤمن ، والأفعى عدو .. والبياض فسحة أمل أو عرس .. إلى آخر الاسطوانة .. >>

تنهدت مبعدة احتملات الشك ، وانبرت كقطة تخربش على صفحة نفورها من الحرج ، وتساءلت بتردد فيه أنفاس ذكرى : " قالت أمي ، إن أحلام أول الليل غير صادقة وتصدق عند وجه الصبح .. حلمي صادق ؟! .. لكن ما معني الاختلاف ؟ .. هه .. كان الصبح ورديا .. ولن أنذر أي نذر للخلاص من عقباه .. خير اللهم اجعله خير .."

توقفت على حدود شرود افتعل موقفا غير مهذب معها .. تركته يسيح كقطعة ثلج بفعل إهمالها العفوي  ..

منحها ذلك قوة وتدبر كيفي من أجل إدارة اللحظات التالية .. على الفور تراءت لها صورة عمتها وشبهتها بالضوء الذي انتظر عند الشرفة ، تمنت أن تبقى تحت وقع هذا الحوار الذي فرّ من داخل ردهة مخفية في أعماقها  كوطواط .. هونت الأمر وطوت تنهب فصاحة عمتها  : " لقد حكت لي عمتي حكاية مشابهة عن شيخ نام مساء ومع الصباح تحول إلى فتى بفعل الضوء.."

تعكزت همتها قليلا على رغبتها في استرجاع تفاصيل حلم للتو تسلل إلى بهو تخمينها الحسابي غير الدقيق ، كادت تستسلم لهذه الرغبة لولا وقع نداء خفي لكزها من مشاعرها المحاذية لطرف هدوئها الخام ، عرّتها شحنات متتالية من ذكريات بدت طازجة بفعل الفتوة وبفعل وقائع امتزجت مع أهوائها بأن تخوض أول خطواتها مع سكينة تنتظرها في لحظة استعداد لإنجاز مهمة تعتريها ضرورة استخدام الفطنة الندية  ..

 استند جسدها المرن على طرف ذراعها لبعض الوقت ودون أية مبادرة منها للتفكير بعمق .. اندفعت نحو زاوية الغرفة قاطعة أية محاولة لاستجواب أفكارها .. أزاحت الستارة كأنها تستدعي أحلام يقظة بالدخول إلى غرفتها  ..  فتحت النافذة بشكل جزئي .. اندلق العالم الخارجي دفعة واحدة إلى الغرفة.. قدمت اعتذارا غير مقصود  لنفسها عن فوضى أشيائها بطريقة لا تخلو من الخجل الوردي  ، وكأن العالم الذي ينتظرها للسلام لم تجهز له بعد قهوة الهمة .. ونبات النوافذ لا يزال ينمو بين كتلتي روحها وحسها المترب بالطراوة .. أزاحت عن عينها أشلاء النعاس بالماء البارد ، واغتسلت من بقايا تعب واخز.. حسبت أنها تأخرت عن الدوام .. رتبت سريرها نصف ترتيب ، نظرت إلى ساعة الحائط غير المضبوطة.. أزاحت التقويم المهمل جانباً ، وتركت أوراقه تلاعبها  ريح نصف شتوية ، وانطلقت ناسية نصف أغراضها التي ترافقها في مثل هذا المشوار ..

استعدت للخروج في يوم دراستها الأول تحت تأثير مبدئها المقدس " الدراسة أولا .." 

تركت الستارة نصف مفتوحة ، وسلمت النافذة لعبثية الهواء المنتمي إلى شتاء بدأ يشيخ ..

وهي تغلق الغرفة التي تفوح منها رائحة جسد يتخمر ، اشتعلت نظراتها بشيء يشبه حلما طارئا ، خرج معها ونزل الدرج أمامها كطفل ليترك الظل في الغرفة ، وهو يردد :

- لن أبقى في الغرفة وحيدا ، في غرفة نافذتها متروكة للريح ، وتقويم مهمل ، وساعة تكاتها عشوائية ..

- هي متعبة ..

- وهل هذا مبرر كي ..؟

- نعم .

- لقد فتحتَ لها أبواب الكلية و..

- لا منية لي في ذلك ..

- أما أنا ، فأختلف عنك ..

- أنت حر ..

- حرية من هذا النوع  تجعلني أصدقك أيها الضوء ..

 تركت إهمالها والضوء وظل الوحدة السكنية يتحاورون في الفسحة الجانبية للسكن والمحصورة بسياج لشجيرات مقصوصة الروؤس حديثا ، ومضت مسرعة .. 

تملكتها همة تسربت إلى أوصالها من روح تراب بستانهم التي أشعرتها بوجود والدها يكدح فيه الآن، ودفعتها للمضي .. تمشي على وقع ضربات منكوشه كأنها ترسم لها خطواتها ..

 

* * *

 

في طريقها إلى الكلية أزاحت تذمر بعض أعضائها المتعبة جانبا ، غذَّتْ خطواتها مسرعة عبر الدروب القديمة ذاتها .. وربتت ردفي همتها بكفي الرغبة بغية الوصول في الوقت المناسب .. واعتذرت من نفسها عن التأخير .. احتملت خطواتها المستعجلة وفاء للانتظام الصارم الذي تعودت عليه.. عند مدخل الكلية كانت على موعد مع الجداول المعدة سلفا والمعلقة إلى لوحة الإعلانات ، ودون أن يثير انتباهها نسيان قلمها ، بحثت عن قلم وأخيرا وجدته مع المستخدم ، وبعد أن أعادته شاكرة ، قال من وراء ابتسامة جافة  " أنت من أوائل  الطلبة الذين حضروا .."

ثم فهمت منه بأن الدراسة لن تبدأ بشكل جدي إلا مع بداية الأسبوع التالي .. جالت بها كلماته كذكرى طيبة.. تحسست بعفوية المبنى الذي بدا لها كوجه طفل ، سمعت رجع صدى حتى أقل حركة منها وهي تصعد الدرج إلى قسم شؤون الطلاب، انتهت من بعض الأعمال الملزمة التي يبدأ معها الفصل الدراسي .. وبعد ذلك تلقفها الممر الروتيني ودفعها للعبور من أمام المكتبة التي كانت تمر من أمامها كل يوم أكثر من مرة أثناء الفصل الأول ، شعرت بحشرية الدرب الصغيرة التي وسختها أقدام المارة بالطين ، فابتلعتها كأنها تبتلع لعابا جافاً .. منعتْ نظراتها من ممارسة حقها في التحديق  إلى مكتبة صغيرة داخلها نصف مضاء.. عبرت بسرعة عبر أكمة المكان الذي كشف عن حيوية استدعت ذاكرتها للتناوش معه بهدوء ..

انتابها شعور متطفل على مائدة الهدوء وامتزج مع الجو الضبابي الذي أفرزه موسم الشتاء كأنه على موعد مع التذكير بأنه في احتفالية الوداع الاعتيادية   ..

أصدرت مفاصل الباب وهي تفتحه صريرا ذكّرها بصديقتها ندى التي كانت تردد مازحة  : " يذكرني صوته بحالتنا أثناء الفحص  .."

علّقت المفتاح في المكان المخصص له ، رتبت سرير صديقتها، ثم سريرها..  انتهت من هذه المهمة ببطء .. تسلل خدر أنيس إلى أعصابها فاستسلمت له كوجبة شهية ..

بعد راحة لم تطل استقبلت الشرفة المتنبهة لحضورها ، ومعها كأس شاي ، استندت إلى الحزام الحديدي بكامل ثقلها ، وتأملت على حين غرة جثة الشاي التي يدفنها دخان البخار المتصاعد منها ، بقيت على الحياد من شفتيها التي رشفت رشفة وحيدة .. انتشت نشوة ناقصة امتزجت مع رخاوة الوقت العابر لبرهة دون أن تمانع ملاحقة شكوى عفنة حول لحظتها الراهنة ..  استدعتها الغرفة ، فدخلت إليها ،  نظرت إلى  ساعة الحائط ، وانتهى بها شرودها إلى ترك العقارب على حالها..

اجتهدت في ترتيب بعض الأشياء التي تفوح منها راحة

ذكريات الفصل الدراسي الذي مضى كلمح البصر ، تسللت إلى مخيلتها قامة ندى ، فهمست مجترعة ذكرى ندية : " كنت في هذا الفصل أسرع منها في الحضور إلى الجامعة ، أو ربما هي الآن معه على الشاطئ،  من يدري؟! .."

انتهت من ترتيب الغرفة  ، وفجأة تعرى أمامها فراغ عميق كشبح عدواني ، وخلع عن وجهه قناع نقلها إلى حد طرح أسئلة حادة حول العيش ولو للحظة كطالبة وحيدة في غرفة متواضعة للطلبة ، دون عمل أو دراسة أو الجلوس ولو لأقل من رفة جفن في أحضان الطبيعة.. فاض منها إحساس زلق حول شعورها العرضي هذا..

تحرّك تأملها كفتى شجاع وحملها بعيدا عن هذا الفراغ المشبوح الذي لا يليق بفتاته المتشبعة بالحيوية .. أخذها إلى يوم أمس عندما كانت تعمل صباحا مع أمها في الأرض أقبلت عليها كحكاية مثيرة قبل النوم ، ودون أدوات التشويق المعتادة سمعت مواويلها وهي تنكش حول شجيرات الزيتون ، وتقش شجيرات ( الشرنب ) المترهلة ، وصوت مزق طرف ( حراجتها ) الذي علّق بشوك يابس ،  وضحكة الأب الذي تلا الحادث .. ضحكت كأن الأمر حدث للتو ..  تسلل موال إلى روحها فهضمته ، وهضمت موالا ثانيا ، ثم ثالثا لتجد نفسها تردد  :

" ضارب بالرمل مليان مندَلْ

عزولي عالولف يا ناس منْ دَلْ

دعوني أشرب الخمرات مِن دَالْ

اللي كانوا يمرقوا تحته الأحباب ."

انتابها إحساس مسطح ومقسم إلى كسور اعتيادية  بأنها لم تجدْ دندنته كأمها ، فكان كالمحرض الذي أيقظها من عبء تكرار عفوي لأشياء غير مضطرة لتقليدها ، اكتفت بالتعلق مع لحن أمها الحنون وكأن وجدانها مولود منه..  وانبرت ترطب لسانها باسم أمها  : " أمي في كل شيء رائعة .."

استطردت وتذكرت ما قالته والدتها عندما انتهوا من العمل ظهيرة أمس :" يا مو .. الجامعة أبدا منا .." وفهمت هذا القول بأنه إيعاز واضح وصارم يدعوها للمضي إلى الجامعة ، فدفعها للسفر بعض الظهر رغم وجود بعض الأشغال التي لم تكتمل ..

ظلت ممددة على طرف السرير تلعب بضفائرها بيدين فاترتين،  بينما  تحدث قدمها المدلاة في الفراغ شغبا متطرفا ، انتهى بإصابة علبة الكرتون المسجاة في زاوية معتمة  ، و تغفو فيها دفاترها ، فجأة نهضت ، انحت إلى سوية السرير وسحبتها من تحته، وقع نظرها على عنوان في الجريدة التي تغطي العلبة ، وأخذتها منه كلمة " نعوة " قرأتها وارتسمت أمامها صورة الفتاة المتوفاة بحادث سير أليم .. وكأنها صديقتها .. مسح المربع المجاور هذا التجاوز للمشاعر ، وفيه إعلان زواج لشابين.. حدث لعينيها رأرأة حادة وهي تمرر نظرها بين الإعلانين – إعلان وفاة وإعلان زواج -  بقيت على حد شفرة خشنة من أسئلة غير بريئة ..

وبسرعة مزقت الجريدة .. أيقظت دفاترها من نوم استمر طيلة عطلة نهاية الفصل الدراسي ..

بدت أمامها كأصدقاء ..أفردتها على الطاولة .. وتركتها تدير حوارات في غاية الدعابة ..

ذكّرها الدفتر المطلي بالحبر من طرفه السفلي بالبحر الذي شبّ أمامها كصبي مشاغب عندما رشقها برذاذه وهي تعبر بالقرب منه عائدة إلى الوحدة السكنية ، وكأنه أراد أن يوشم دفترها بذكرى .. همست :" وقتها كان غاضبا ، وملمسه كالشوك ، بعكس تلك المرة التي لمسته فيها ، وكان ملمسه كبطن بطتنا.."

وذكرها ملصق لزهرة على دفتر آخر بزميلتها التي استعارته، وتركت عليه بقعة زيت ، وأعادته خفية دون اعتذار ، فأخفت البقعة ، وشكرت زميلتها التي كانت السبب في وضع هذا الملصق الجميل ..

قلبت دفترا باهتمام وتساءلت: " معقول أنا من كتبت كل هذه التمارين وبهذه الروعة والترتيب ؟! "

قدم الدفتر نفسه إليها كصديق ينتظرها كي يذهبا معا إلى أولى المحاضرات  ..

قرأت تمرينا من ذيل الدفتر وفي الصفحة الأخيرة ، فأحست بأن روحها لا تزال تعيش فيه ، واشرأب من داخلها فصلا من وقت لا يمضي كأنه ضلع الخلود في صدرها ، وتذكرت قول أمها عندما وقفت أمام شجيرة زيتون ، وقالت بصوتها الواثق "  فيها كثير منا ، فهي تنظر إلينا ، وتكلمنا ، وتشكرنا ، وتحتفل بوجودنا إلى جانبها .. تشعر مثلنا.. إنها كطفل من أطفالي ، وأبادلها كثيرا من الحب.." ، رفلت وهي تستعيد ذلك الأمس الذي حلق حولها كعصفور ..

فجأة طلّت أمها من النافذة كملاك ، ثبتت ناظريها وكأنها على موعد مع قدومها من تلك المسافة المحاذية للأفق القادرة على استحضاره متى شاءت ، تمدد الصمت بينها وبين هذه اللوحة الرائعة والمكتملة الصنعة كفاصلة تستدعي قراءة الجملة التالية..

نثرت خيالها المتوثب ما بين سطور لحظاتها ورتبتها لتتفق والحالة التي تمر بها ، لم تكن هناك أبجدية أو حكاية طويلة  تتسع لهذه المشاعر الحسية  .. خاصة وأن ملامح ضيعتها قد أطّرتْ هذه الوجوه التي رافقتها إلى الغرفة وكأنهم هم الذين جاؤوا معها إلى الكلية لا كتبها وأدواتها التعليمية .. بررت هذا الموقف مع غمغمة لزجة : " لا يزاحمني أحد على تخيلهم .. لا صديقتي ندى و لا الدراسة ولا عمتي ولا أيامي الماضية .. "

 أقامت هدنة هشة مع فيضها المتدفق ، وبعيدا عن المجاملة الآبقة وقعت في أسفل صفحة هيجانها مستسلمة لحالتها ، واستراحت من موعد متكلف مع أحلام يقظة تتكون عناصرها الأولية من ماضٍ يتكاتف مع حاضرها في تماه بسيط وجميل ..

وبسرعة مكسورة الخاطر ألقت بروحها إلى فيض وجداني آخر أججه طيف والدتها التي لا تشبع من تقبيل أطراف ثوبها وقدميها وكل خلية من خلاياها ..

" أمي قلب البيت ورونقه إلى جانب والدي عيون البيت وجدرانه القوية.."

بقيت لصيقة مشاعرها وكأنها تتعرف إلى نفسها من جديد .. استسلمت إلى هذه السكينة الأشبه بوردة أخذها جمالها إليه..

استراحت قليلا ، نظرت إلى كتب ندى الموجودة على رف صغير بعينين طائرتين ، قرأت أطراف عناوين ، وتذكرت ما قالته " الكتب وطن العقل وهوائه.."

تقصدها الوقت بلقاء بسيط خال من التصنع ، استجمعت بعض الراحة ووضعتها في ساعدها بانتظار الدراسة..  

أرسلها النهار إلى ظهيرة بدت لها كفطيرة من صنع أمها ..  وعلى وقع دندنات موسيقا محلية  قادمة من غرفة مجاورة غفت بهدوء وهي تودع غصناً رسمته بطرف عينها وبحبر نظراتها على زاوية النافذة ..

 

* * *

 

تمشت في سوق المدينة القديم بمفردها بعد زيارتها اليتيمة له في الفصل الدراسي الأول برفقة ندى.. بقيت حيادية تجاه كل ما يقع عليه بصرها رغم شرذمة الهدوسات المجانية التي سقطت بالقرب من سلة إهمالها .. عادت منه إلى ساحة الشيخ ضاهر ، وبدت للسوق بأنها زبونة غير جادة .. أجلّت شراء بلوزة لحين قدوم صديقتها كي تشاركها الاختيار ..

عبرت شارعا طويلا ، مشت على رصيفه كأنها تمشي على ظهر أفعى ، انتهى بها إلى موقف ( السرفيس) ، أخذت مكانها وهي تنظر إلى المارة من وراء زجاج نافذة مغبر وغير مصقول  ، شاركتهم عجالة متربصة بالهدوء ، وطرحت عليها منظرا لا يخلو من عبثية رجل سمين ، تبرأ منه الشبع ، يلتهم (سندويشة) في المطعم المطل على الساحة ، وكأن المدينة تدخل في مؤامرة ضده وتعري شهيته لتجعلها فرجة للآخرين..

اتكأت بخصرها على طرف المقعد الفارغ بانتظار أن يمتلئ.. وخالجتها فكرة غير مرتبة حول المدينة الأشبة بأكوام القش والإنسان فيها أصغر من إبرة  ، وبأن المدينة الكبيرة كشرطي يفرض على هؤلاء السير وفق قوانين محددة ، وتفرض  على زائرها  منظر الصبْيَة الذين يبيعون على الأرصفة ، و شم رائحة الفلافل وشواء اللحمة التي تزكم ، والموضة التي تفرض نوع اللباس،  والباعة الذين يسوقون أصواتهم الثكلى ، كأنهم في ثكنة عسكرية سينفذون ما يطلب منهم في نهاية الأمر ..

 تمنت أن تشتري حبة جوز هند من العربة الواقفة مقابل المقهى الصغير ،  لكن السرفيس تحرك وحملها  كنكرة يسابق بها الزمن إلى أمكنة تتراءى لها من وراء أسئلتها الطفولية وأجندتها السطحية ..

تحسست نوعا من الاستهلال الداخلي للانحناء أمام هذه الفوضى، وأغلقت البوابة على وقع أفكار تكاد تسقط في حفرة شكوكها .. وعلى الفور بدا الصمت كأنه الابن الشرعي للحظاتها هذه التي تفرخ احتمالات والحاني على امتداد نظراتها الهاربة إلى استقامة واقعة ضمن مدى ظنونها ..

انتهت محاولة تحري صبيانية لشاب جالس في المقعد المجاور لها بعد أن استخدم طرف عينيه ويديه وحتى جزمته  بإثارة انتباهها بقمع من السائق الذي انتبه إليه وعبث في وجهه فغير مكانه على الفور ..

ارتاحت لهذا التصرف ووضعه ضمن سياق " احترام ابنة البلد.. "

 تسارع العالم الخارجي في الهبوط نحوها عبر أحساسيها المرتهنة له ، تركته لعجلات الوقت المتسارعة ، وقررت عدم النزول عند النفق الأخير من جهة الجامعة بغية شراء حاجة ، ترددت بدافع الخوف من حشرية شاب آخر لن تقوى على كبحه.. رددت : " المدينة كواد كبير مثل عتمة .. يجب أن تعرف ممراته قبل أن تغامر بعبوره  .."

كانت المدينة خلفها كمسودة دفتر عليه مسألة لم تنته من حلها رغم الجهد المبذول .. وعندما ظهرت الجامعة من وراء أشجار كينا الأرصفة الباسقة ، أغلقت هذه المسودة بحسرة ..

دلفت من السرفيس ، ومضت باتجاه كشك صغير بقصد شراء بطاريات لساعة الحائط ..

أجابها البائع بأن الكمية نفذت .. همست وهي تسير : "  للمرة الثانية نسيت أن أشتري بطارية .."

تذكرت قول ندى وهي تتدحرج على الطريق المائلة باتجاه السكن الجامعي ".. يجب أن تتعب ، وتكابد ، وأحيانا تقدم للمدينة كل ما في جعبتك من فلوس كي تصادقك ، لايوجد فيها شيء مجاني .."

وهنا انبرت بشيء من التحدي لمواجهة شكوكها، وأضافت : " بس الضيعة غير هيك ، أحيانا تكون حتى همومها  مناسبة طيبة للقاء مثمر..  هي صديقة للجميع .. وتقدم الهدايا بلاش .."

مشت على طرف جرح تنزف منه المقارنة بين قريتها والمدينة كأنها تستعدي تجربتها البسيطة هذه ..

ظلت كذلك حتى وصلت غرفتها  ، فتحت الباب تسبقها تنهيدة أشبه بلغز .. مع خطوتها الأولى في الغرفة سمعت صرخة مدوية جعلتها تجفل من أعماقها .. انكمشت على نفسها وتجمدت في المكان كوتد مغروز في الأرض .. فاجأتها ندى وتقدمت منها كغزالة .. لفتها بين ذراعيها .. تعانقتا ..

- سلاف .. !

- ندى .. !

 - أنتظرك.. يوم أمس بطول سنة وأنا وحيدة في هذه الغرفة ..

- مرة ( تانية) لا تسبقيني..

- أنا مشتاقة لك ..

- بالله .. كيف حالك ؟

- مثل حالك..

 كأكأتا على وقع تهمة مفتعلة من ندى  .. تبخرت المدينة والفراغ والأسئلة و .. من أمام سلاف  دفعة واحدة .. ظلتا واقفتين في حالة من نسيان طارئ لنفسيهما .. وبحركة حذرة من ندى بدأ الحديث يطفو على سائل اللقاء الأول .. تحمّى الكلام بينهما جمرة فجمرة ..

جلستا متقابلتين على السرير كحوريتين ، وبيد سلاف ضفيرتها الحريرية كأشعة.. قالت ندى : " كتر خير الجامعة اللي رجعتنا لبعضنا البعض ، فهي أفضل صديقة لنا.."

جاءت موافقة سلاف على كل ما تقوله صديقتها كمذاق الشوكولاته على قلبيهما .. قامت سلاف وجهّزت

( المتة ) ، بينما راحت ندى تفرغ  شنتتها من المونة وبقية الأشياء التي حملتها ، وقدمت لسلاف هدية.. قالت ندى مازحة :

- هذه هدية من دمشق اشتراها لي والدي، لم تعجبني وقلت في نفسي (ضحكت بصوت عالٍ ) بدل أن أرميها في الزبالة أهديها لسلاف ..

بادلتها سلاف المزحة بمزحة مماثلة " طبعا ، أنا أفضل من الززز.. "   ثم تناولت الهدية .. لبستها ، وقالت :

- " من شو بيشكي جسمي ، إنها تناسبني .. كَتر خيرك ! وفرتِ عليّ ثمن بلوزة .. كنت راح اشتري واحدة مثلها  .. أو أسوأ شوية .. "

امتدحت ندى جسمها الذي يليق له كل شيء .. أيضا قدمت لها سلاف هدية .. تأملتها ندى بإعجاب ، وقالت :

- سترافقني مدى الحياة ، إنها مستحاثة لحشرة على حجر جميلة..

-  وجدتها في بستاننا .. فقررت تقديمها لأعز وأغلى إنسان ..

- أشكرك ..

فاضت جوارحهما بذكريات خلت .. وبدت كل واحدة بالنسبة للأخرى كملاذ آمن تسعى إليه  .. أشاعتا في الغرفة حبورا تجسّد ضياء أنار وجهيهما كأنهما على موعد مع احتفالية منتظرة لرمي الملل والرتابة في سلة مهملات عتيقة ..

بدأت الذكريات تصطف أمامهما كتلاميذ منضبطين.. وكلما انتهتا من واحدة وقفت الأخرى بشيء لا يخلو من تحريض يدعو للاستجابة لها .. تحركتا في الغرفة كبجعتين للتو دخلتا الماء .. انتهت بهما الفوضى والشغب الطفولي غير المقصود إلى الشرفة ، كانتا تستعدان للجلوس عندما نظرت سلاف إلى الأفق ، وقالت :

- الآن فهمت ليش البارحة ما قدرت على شرب الشاي وحدي ..

- ( ليش)؟

- لأنه ما كنتِ معي ..

 كان هذا الكلام مقدمة لحوار طالبتين أظهرتا دلعا ، وعبرتا عن غنجهما  بقصص وردية عن الضيعة والشباب والدراسة والسفر..

حكت ندى عن ابنة بلدتها التي أنهت دراسة اللغة الإنكليزية  من جامعة حلب ، وقبلت مباشرة في شركة طيران خليجية كمضيفة..

وكانت فرصة لسلاف كي تسألها سؤالا لا يخلو من استفزاز :

- تحسدينها؟

- لا أحسدها ، لكن الطيران جميل .. جميل..

- بعد التخرج من الكلية هل ستعملين مضيفة ؟

- ( بكير على هذا الحكي..!)

انتهت ندى من هذا الجواب بشرود استمر حتى لكزتها سلاف ، وقالت بصوت واضح :

- هه.. نحن هنا ولم نطر بعد ..

- أحلق من غير أجنحة ..

- لا تنس .. خذيني معك ..

- الطيران .. الأفق .. رؤية العالم من فوق .. العمل ..الأحلام .. كلها أمور جميلة ..

- أنتِ الآن تطيرين بسبب الأحلام أم بسبب وائل ؟

- لهذه الأسباب وغيرها...

- ( نيالك) من غير حسد ..

- ألا تحلمين ؟

كان وقع هذا السؤال كصرخة في وادي سلاف الهادئ ، سؤال مسّ وبشكل مباشر الحميمية التي تعايشها وتغذي تأملاتها منذ زمن طويل ، سؤال حرّك صداه صمتا عجزت عن منعه من الارتطام بجنبات عوالمها التي تركن إلى هدوء حاولت تثبيته بقوائم من قناعة ورثتها عن أمها وتجربتها الماضية  ..

تحشرت بها ندى أكثر ، وثرثرت مازحة ، بينما بقيت سلاف تحت تأثير جدية نجحت في إخفائها عن ندى عبر ابتسامات مصطنعة لها رنين جرس نحاسي ، لاحظت ندى انكماش صديقتها فابتسمت ، وبعفوية استسهلت الجواب على السؤال الذي اعتبرته السبب في تشنج سلاف المباغت ، فأجابت  بدلا عنها بجواب فيه استفزاز ، ثم سألت من جديد : " شو نفع فتاة في مثل عمرك لا تحلم ؟ "

ولكي تضع سلاف حدا لهذا الكلام ، قالت بصوت خافت : " وهل الدراسة بالأمر الهين ؟ أليست هي حلما ؟! .."

فردت ندى ببداهة وبلهجة فلاحية مفتعلة : " الدراسة تختلف عن الحلم ، الدراسة عمل ويمكن أن ننجزه بالجد ، بالكثير من الجد وبقليل من الحلم ، أما الحلم فهو شيء أعظم وأهم .. يحتاج إلى طاقة روحانية .. طاقة من جوا .. افهميني يا شطورة .. "

قاطعتها سلاف مباشرة ، وقالت :

- تكفيني فلسفة أخي ماهر ..

- هه .. ذكرتني به .. كيف حاله ؟

- يسلم عليك ..

- هو فهيم ، وشاطر .. ومشروع فيلسوف  ..

- هو مُصر على متابعة الدراسة في بيروت ..

- بس ، فرعه .. فرع علم النفس صعب ..

- هو عارف .. لكنه يستمتع بدراسته ..

انتقلت سلاف مباشرة للكلام عن العائلة بشيء من التفاصيل هروبا من طرح أسئلة حول أمور لم تخض غمار تجربتها ..

بادلتها ندى الحديث حتى وصل إلى حدالاجترار .. استأذنت وخرجت للسلام على بقية صديقاتها ..

ظلت سلاف وحيدة مع نرفزة لبخة  .. أشعلت آلة التسجيل ووضعت أغنية نجاة الصغيرة " الطير المسافر "  تمددت على السرير وهي تحلّق بافتعال واجف مع الصوت الشجي لنجاة .. مستلمة لأعماقها وكأنها كائن آخر ترّجل عن صهوتها ، وراحت تتفرج عليه من بعيد تبدو وكأن داخلها أمام مرآة مضيئة تريها كل ما تريد رؤيته .. امتد أمامها أفق شكلته من خيالها .. وراحت تتجول فيه ، وهي مصممة على صياغة مفاهيمها بنفسها كما قالت لها عمتها ذات مرة " انظري إلى الآخرين ماذا وكيف يفعلون ، إلى تجاربهم، وطريقة حياتهم ،  ثم عودي إلى نفسك وافعلي ما يروق لك .."  اختلطت عليها مشاعرها إلى حد المزج ما بين الفرح والحزن والأسئلة عن الأحلام والدراسة والأهل.. طنت وزنت في أمور شتى .. وجدت نفسها أمام حاجز من حالة كالماء في اليد.. حالة غريبة عنها وكأنها على بوابة تحتاج إلى جرأة لتطل منها على ما يشغل بالها .. اشتكت من ندى التي حرضت لديها أمرا يغفو في عالمها الداخلي وغير قادرة على تحسسه  و لا تعرف ما هو بالتحديد.. همست بسخرية:  " الذكية هي التي تعرف ماذا تريد.. و الدنيا بدها شطارة مثل ما قال جدي .."

فرملت جماح ترددها  ، وتكلم باطنها : << - لازم أسأل ندى عن نفسي أو على الأقل رأيها حول بعض تصرفاتي  .. يمكن تعرف ما ينقصني .. وهي أجرأ مني ويمكن أن تقول رأيها عني دون خجل ..

-قالت عني كل شيء ..

-خبرتها أكثر من خبرتي  في الجامعة ..

-ثقي بنفسك يا بنت ..

-أنا واثقة ، بس ندى صديقة جيدة ولازم أستفيد منها ..

-راح أجرب ..>>

أرجعت سبب أفكارها التي لا تخلو من شكوك إلى قدوم ندى الفتاة الأكثر جرأة منها ، والتي جعلتها تنتفض ضد الخطوط المستقيمة والبديهيات في يومياتها .. وتذكرت ما قالته عنها في نهاية الفصل الأول " .. لا  تبحبشي كتير في بساطتك .. كل شي عندك حلو.."

غفت وهي تردد كلمات صديقتها التي تعودت عليها حتى ولو كانت قاسية أحياناً ، على اعتبار أن البساطة لا تتناسب مع فتاة من القرن الحادي والعشرين كما أشاع الطلبة الذين تفاخروا بحضورهم المتألق احتفالية الألفية الثالثة .. وصاح أحدهم بصوت عالٍ : " نحن في ألفية جديدة .. وعالم أقوى .. وأفضل .. عالم ليس للأغبياء فيه أية قيمة ، هم أقل شأنا من قطعان الغنم التي ينتظرها المسلخ في أحسن الحظوظ .." .. بين رغيف الحلم وكوابيس اليقظة الأشبه برنين جرس المدرسة بالنسبة لطالب كسول .. تقلبت في فراشها ..  ظل الهدوء  كضيف خفيف الظل ينتظر عند الزاوية يحملق فيها ، و يتحكم بالضجيج القادم من الممر كالحارس ، ويتهيب النوم كسلطان يرعى هذه التلميذة ..

 عادت ندى لتجدها تغض في نوم عميق ، وصوت آلة التسجيل يلفظ أنفاسه الأخيرة  ..

أطفأت المسجل ، ومسحت قطرات عرق متفصدة عن جبين الزميلة .. أغلقت النافذة ، وتمددت بحذر على سريرها تسترجع خططها الدراسية السابقة ، والاستعداد لهذا الفصل.. كررت السؤال نفسه الذي طرحته أثناء سفرها باستغراب أكبر:" لماذا لم يوصني والدي بالدراسة كعادته عندما ودعته  ؟.."

استطردت وأجابت بتروٍ : " هل يعتبرني كبرت على الوصية،  أم ..؟! "

شعرت بحاجتها لبعض الراحة .. استسلمت لآلة الصمت التي تمكنت من ترويضها وفق إيقاعها الخاص .. ابتعدت عن الأسئلة، وهي تتفرج على اليقظة كيف تنسحب من أمامها كي تختبئ تحت السرير ..

تعثر الوقت في العبور من خلال هذين الوجهين ، فتبعثر كأشلاء عند الهدوء الذي جمّده في ثلاجة الانتظار بعيدا عن مقاومة عرضية للمضي قدما عبر أسوار غير ملزمة بإسقاطها..

أنجبت ساعة الحائط أجنة مشوهة راحت تصرخ ضمن إطارها الدائري كحشرات مزعجة في وكرها ، ففاقت سلاف، وبحركة غير إرادية أعدمت هذه الفوضى بإزاحة البطارية من مكانها .. وعادت لتنام .. فجأة كشف لها مسبار الظل وجه ندى ، فجلست تنظر إليها من وراء وسادتها إلى حين

 

* * *

   

بعد ثلاثة أيام وجدت سلاف نفسها أشبه بمغامرة مع ندى.. زارتا البحر أكثر من مرة ، وجالتا في المدينة ..اعتبرت سلاف مشاويرها هذه مجرد تسلية ، بينما خططت لها ندى منذ فترة ، وأرادت إقحامها في أجواء تطال مسافات أبعد من الكلية والغرفة وكريدور الوحدة السكنية ..

زارتا أماكن عديدة ، أماكن غير معروفة لهما ، كانتا تثرثران بلا حدود ، وتقولان أشياء للنسيان فقط ، تبتسمان مثل ولدين يفتعلان مقالب تبدو لهما في غاية التعقيد والحبكة ليكتشفا أنها مجرد أمور بسيطة وسخيفة لا تسحق سوى السخرية منها.. انتظرت ندى أن تحدثها عن لقائها الأخير مع وائل ، لم تفعل ، فتركت لها الحرية ، فكرت ألف مرة بأن تسألها سؤالا محددا عن أمر شخصي ، اعتبرته تدخلا في شأن لا يعنيها ، سببت لها المحاولة نوعا من الأرق ، على اعتبار أنه لا توجد أسرار أو حواجز بين الصديقات ، ومجرد التردد أعياها لحين ، ثم تخلصت منه بأن أخبرتها ندى وبالتفصيل حول هذا الشيء .. عندئذ سخرت سلاف من نفسها ، وأخبرتها بأنها كانت تود معرفة ذلك منذ زمن ..

بعد هذا الاسترخاء المفاجئ تمنت سلاف أن ترافقها إلى البحر،  اعتذرت ندى لانشغالها بتحضير بعض الأشياء مع زميلتها سوزان ..

خرجت سلاف وحدها ، معتقدة أنها لن تتمكن من زيارته بعد بدء الدراسة والمحاضرات بشكل جدي ، وفي هذا الوقت لن تكون بينها وبينه هموم الوظائف وملاحظات المدرسين التي تمنعها من التحكم بطبعها الفضولي وتوحدها معه..

وصلت البحر الذي يبعد عن السكن قرابة الألف وخمسمائة خطوة .. تاركة وراءها حشرية الوقت ، والمزاج المركب من جزيئات المكان ، ومن أسئلتها التي أعاقتها في الماضي من لحظات تتمنى أن تجيد التعامل معها كفتاة كبرت وحسب..

تهيأ لها بأن البحر ينتظرها وحدها في مثل هذا الوقت المناسب للتسلية ، أو جالس كشيخ بقرب الصخرة كي يحدثها عن مغامراته ..أوحى لها بأنه خرج من أعماقه إلى اليابسة كي يقتل روتين الحبس خلف أسوار الماء ويمضي معها وقتا ممتعا بعيدا عن أمواجه .. تمنت أن تذهب إلى أعماقه .. أطلقت نوبة ظنون وتشابهت مع طموحها إلى حد وكأنها أبحرت فعلا  مع ربان خيالها المشتبك مع زرقة البحر اللانهائية .. ضربت موجة عالية الشاطئ وكأنها تقول " لقد ولد البحر مني.. واليابسة تنتعش باللعب مع الماء الصديق الذي لا تحب أن تفارقه أبدا.." استسلمت لبلادة وديعة وراحت تحدق في الأفق البعيد ..

أوحت لها النوارس المتفرقة بنوع من الشعور بعزلة فجة، شعور معاكس لما توحيه بالعادة من تفرد وبساطة وجمال.. نظرت إلى صيادين عائدين من بعيد بشيء من اللامبالاة .. رقعّتها بتذكر " النو " الذي حكى لها والدها عنه حكاية طويلة.. تذكرت نصفها ونسيت الباقي .. وفشلت في ترتيب مقارنة بين داخلها وأعماق البحر.. ارتعبت وهي تتصور تلك الأعماق المجهولة لدى كليهما..   ابتعدت عن محاولة تحريض ذاكرتها ، وتركت لجسمها يتحرك كيفما يشاء ..

جلست بجانب الصخرة الكبيرة التي بدت كخيمة بحرية مفتوحة من جميع جوانبها .. تراشقت بعض المواقف كأنها على موعد مع ما قاله أخوها ماهر عن البحر " أرجوك كرري زيارته ، وبلغيه تحياتي ، فهو صديق قديم .."

ابتسمت ، واستعادت أفكاره بشكل متقطع عن القوارب التي لا تعود ، أو القوارب التي تعود فارغة من إفرازات البحر.. هي التي تعلمنا ألا ننتظر ، وبعد فقدان الأمل بالنسبة للذين ينتظرونها على الشاطئ يذهبون لتدبير مصائرهم بعد نسيان ما حدث ، إنها فرصة رائعة لتدبر أمورهم بعيدا عن المغامرة ..

 " الشاطئ ليس دائما مصدرا للنجاة .. بل هو بداية أخرى لتعبٍ .. "

وانتهت عند قوله .."  من عيوب البحر أنه يكرر نفسه كأبله".. 

شككت في معنى هذا القول غير اللائق  ، تقدمت من الماء ، لمسته بهدوء ، أحست بملمس حريري ناعم .. وهمست : "  هل هو في أعماقه ناعم مثل هنا .. ؟!  "

قبل أن تستدير باتجاه السكن، تراءت لها تلك اللوحة التي رسمها لها ماهر عن شق كبير حدث في الأرض يوما ما ليكون البحر،  الأشبه بجرح عميق في الأرض ، جرح لا يندمل وغير مؤلم ، جرح نزيفه خير..

خطت بهدوء على وقع همسات جاءت من باطنها ،أو ربما من مكان لا يبعد عنها أكثر من مسافة إصبع .. أحست أنها على مقربة من شيء ينبض ، شيء لا يشبه البحر ، ولا يشبه دقات قلبها التي تصغي إليها أحيانا عبر لمس الطرف الوحشي من المعصم ، وتخاف منها .. هذا الذي ينبض يختلف عن خطواتها القادرة على كبت سمعها بعدم الإصغاء إليها .. ودون أن ترهق الأسئلة مشت الهوينى تتبع سحر هذا العالم المحيط بها وكأنه يحتفل بحضورها المؤنث ..

تمتمت كلمات مبهمة عن الوحدة والصديقات ومصدر الإلهام والإفراط في الدراسة .. وجدتها غير مترابطة ، وتفهمت

حدسها جيدا كأنها تقترب من لحظة تنتظرها .. قذفت حصى ناعمة من يدها ، و رفعت رأسها ليتراءى لها السكن من وراء شجيرات قصب ، تمهلت ونظرت إليها ، قطفت ورقة ومررتها على خدها ، كانت خشنة ، وبدا السكن مثلها ليس له  تعريف محدد ، أو مثل جدول ضرب بالنسبة لتلميذ مبتدئ .. تسمرت في مكانها كأن الأرض تسحبها للأسفل ، استمتعت بهذا الشعور الذي أضاف له حفيف أوراق نباتات القصب  وشجيرات الصنوبر الإحساس بالأمان ، تذكرت قول ماهر عن الغابة التي تشبه هذا التداخل الفطري للأشجار من حولها مع القصب الشامخ " الغابة كالوطن الذي يحرس ساكنيه ويحميهم ، ولا يدعهم يحتاجون شيئاً ، لا توجد فيها أية وحشة أو خيانة أو مكانة للتطفل .. لا توجد شريعة الغاب ، وإنما الشريعة موجودة للبشر فقط .. شريعة يضعونها ويخالفونها .. شريعة الوحش أن يأكل ويشبع ويستريح .. وشريعة البني آدم يأكل ويحارب ويبني غابة لنفسه وشريعة منوطة بترتيب أوضاعه المتأزمة .. " ضحكت .. وكادت تصدق كل ما قاله أخوها، لكنها اعترضت على جملة طالما رددها حول الشجر وأولاد الغابة وأحفاد الماء  " بأن للشجر عيونا ، وهذا العيون لا يراها الإنسان لأنه يفتقد القدرة على الاعتراف .." 

كانت ستردد أقوالا أخرى سمعتها من جدها الطيب عن الأشجار والأرض ، تمنت أن تكون هي القائلة والمجربة..  ساقتها هذه القافلة الطويلة للأفكار إلى العبور على سكة مفاهيمها الخاصة.. توحدت مع قدرتها الكامنة في لحظة كانت بأمس الحاجة للتوافق مع نفسها .. كانت تسير وكأن ماهر يمشي بجانبها ، يحدثها ويقرأ لها الشعر ويحكي عن آخر مغامرات رفقائه ..

<< - لاتكوني مثل أحد ..

-هذه نصيحة ..؟

-لأنك أختي ، أنصحك ..

-ومَنْ نصحك ..؟

-هل نسيت ؟ كي أشعر بالألم جربت وحرقت أصابعي بالنار ، وقتها كانت أول صرخة حقيقية وبكامل إرادتي  أصرخها ..

-هل تريدني أن أحرق أصابعي بالنار ..؟

-ما المانع ، إذا كان ذلك سيعلمك ..>>

اختفى طيف ماهر ، ودوت في داخلها صرخة جعلت روحها تتهاوى كطير تم إصابته في القلب .. وجاءت ردة فعلها واضحة : " لست ببغاء،  ولا أردد كلام أحد .. لا.. لست آلة صماء ، أو مجرد دمية بيد أحد .. ! .."

وجدت نفسها تبتعد عن أسئلة بدأت تحرجها ، وتقحمها في زاوية مظلمة لا يمكنها الرؤيا فيها بشكل منطقي.. همست وهي مستسلمة للأرض التي تقضم خطواتها بهدوء  :" ما قاله ماهر مبالغ به ، أصدقه ، لكن ليس إلى ذلك الحد التي تكون أفكاره الشاعرية تنطبق على الواقع .. هو مجرب ، وقارئ ممتاز .. أعترف بذكائه وأستفيد منه ، لكن من حقي ألا أتفق معه حتى على الأمور الصحيحة ، فيجب أن أجربها بنفسي.. وإذا فعلت ذلك  سأكون أجرأ من ندى .. بالتأكيد سأكون على الأقل جريئة مثلها، أو مثل طالبة جامعية تتعلم منطق الحياة من منظور الكتب  .. "

كانت أمام الباب الرئيسي للوحدة السكنية ، عندما باحت بألفاظ أقرب إلى تقوى انسيابية ".. أنا أستمتع بمقدار ما أسأل ، والمدينة ليست من فضلات القرى كما قال جارنا لأبي.. وليس كل ما قاله ماهر صحيحا .."

امتزج شعورها الضبابي بشكل مفاجئ مع فرح بدا وكأن مصدره هو هذا الرفض غير المتوقع في لحظة من الوقوف على الحد بين أن تعبر عن أفكارها أو تبقى تابعة لأفكار مستعارة .. قالت ذلك دون وعي واضح منها ، قالته ودخلت باب السكن الجامعي مندفعة كهرة  تسبقها الدرجات إلى الطابق الثالث .. تاركة وراءها شيئا ثمينا كانت على وشك اصطياده ،

شيئا التقطته صنارة هواجسها مثل مخالفة أفكار الجار العبقري - حسب ظن والدها -  وأفكار ماهر المثالية .. لم تلتفت لذلك ، ولم تتمكن من تفسير هذا الشعور المباغت الذي حرضها على قول أشياء أخرى ، وطرحها أرض ويحها ، وعندما دخلت الغرفة قابلتها ندى بتحية دافئة ، وسألتها عن البحر ، فأجابتها :

- أبدا .. أبدا ليس كما قال عنه أخي ماهر ..!

- وماذا قال ؟

- إنه معلم فاشل .

- أخوك على حق .

- وأنا على حق .

ابتسمت ندى وقالت باستفزاز :

- وأنا على حق .. كلنا على حق .

كانت هذه الجملة كمبخرة مشتعلة أشاعت رائحة عطرة في الغرفة..

تمازحتا ، وسألتها ندى عما حدث لشخص ضغط على أعصابه،  هزت كتفها وأجابت : لا أعرف .. الجواب عند السائل ..

ابتسمت ندى وقالت : كسرها ..

ضحكت سلاف..

وتابعت ندى تتكلم وكأنها تنم  :

- هل تعرفين ماذا حدث لشخص تأخر عن نومه ؟

- لا..لا !

تمهلت ندى الجواب ، ثم أجابت مع قهقهة :

- رأى الحلم من نصفه ..

ضحكتا ، وأخبرتها ندى عما حدث لزميلتها في الكلية هذا الصباح ، وكيف استفزت زميلا أراد السلام عليها ، فمدت له يدها اليسرى ، سلم عليها ومضى بينما راح يسخر منه زميله بصوت عالٍ  << إنها بعصة .. بعصة ..>>  ..

 اضطر للرد عليه وبعفوية ، يسراها أحسن من يمناك ، فسكت الزميل.. ركضت زميلتي وراءه ، اعتذرت منه ، وسلمت عليه من جديد ..

انتهت ندى من سرد الحكاية ، بقيت سلاف ساكتة تحملق فيها كمحقق ينتظر الانتهاء من تقديم الأدلة..

سألتها ندى :

- حكاية ممتعة ؟ .. هههه..

- بصراحة .. تافهههة ..

- مرقيها على خير .. حادثة وصارت .

- بس لازم تكوني تدخلت ..

- لصالح من ..؟

- لصالح الزميل .

- أنت لا تحبين الزملاء .

- أنا بحالي ، وهم بحالهم .. لكن الحق حق ..

- أعرف أنك قوية ..

- قصدك ، لا يثيرني الجنس الآخر ..؟

- هذه ليست تهمة مني ، وأنت على حق ..

أجابت سلاف ساخرة :

- كلنا على حق ..!

فضت هذه الجملة الحوار ، تخلصتا من نزق الفتوة ومن شرارة حديث بقطعه من نصف خيطه القصير  ..

ابتسمت ندى ، وقالت :"  أفهم جيدا بأنني أصغر سنا من أي خلاف ، دائما تسبقني المناوشات وتكبر بسرعة مثل النار ، وإطفائها يحتاج إلى قوة .. هذا ما قالته خالتي عن الخلاف الذي يصل إلى عقدة .."

وردت سلاف بوقار مفتعل  :" بس جدي يقول، الخلافات ملح الحياة .."

كانت ندى تتأمل الامتداد اللازوردي للعالم الذي يتسلل من النافذة كقرية تستعد للنوم ، تأنت قليلا في الإجابة ، ثم قالت وكأنها تقنع نفسها بفكرة محددة " أنا غير قادرة على تذوق مثل ذلك الملح .."

وبانتباه فطري ، تحولتا إلى أحاديث أخرى حول الدراسة والجامعة والطلبة و وذكريات خلت ..

 

* * *

 

تمكنت سلاف من تنحية حماسها للدراسة جانبا بعد الوصول إلى قناعة بضرورة الاسترخاء قليلا مع بداية الفصل ، خاصة وأن الكتب وبرامج المحاضرات لم تكتمل .. توافقت الأيام القليلة التي خلت مع رغبتها  في التعرف أكثر إلى مدينة اللاذقية التي تجاهلتها طيلة الفصل الماضي ، وبفضول أنثوي لا يخلو من حشرية مفتعلة ممزوج بمرح  وعبق اللهو تجولت فيها ، وعابت على نفسها أنها كانت في جميع المرات برفقة ندى باستثناء مرة واحدة ، وكانت فيها منزعجة ومترددة ، استولت على نتف المقارنات هذه كما يستولي منجل فلاح على عشبٍ دوابه بأشد الحاجة إليه.. واعترفت بأنها لم تعرف عن المدينة التي تعيش فيها أكثر من سكنها و ومدرجات كلية الآداب، ففي تلك الفترة انتصبت أمامها (الضيعة) كمجموعة حكايات طازجة ، لا تنتهي، فبقيت ملازمة لها  كراحة كفها تغذي خيالها وتجعلها متماسكة أكثر..

أثناء جولة لها مع زميلتها ندى في أسواق المدينة قالت: << لا تزال ضيعتي تلاحقني كحارس ولا تريدني الخروج منها.. أو لا تريد أن تخرج مني ..>>  فردت ندى:

- إذن تكرهك ضيعتك؟!

فهمت سلاف قصد ندى دون تعليق، وجاءت ردة فعلها واضحة بسرد حكاية عن ذلك الشاب الذي أخذوه للخدمة الإلزامية، وبعد ثلاثة أيام فرَّ هارباً من وحدته العسكرية ليزور الضيعة ساعة واحدة.. يومئذ قال: لو لم أزرها لمت.

جلست مساء الجمعة وحيدة على شرفة الغرفة المطلة إلى الشرق.. شربت (المتة ) بحماس معتدل، همست لأصيص الورد الوحيد  : ليت ندى تشاركني هذه الإطلالة المميزة.. ( نيالها)، فهي الآن مع (وائلها)..

بعد شرود لم يطل ، و دون أن تعي سبب زياراتها المتكررة للمدينة ، استسمحت ضيعتها :  << يا ضيعتي الحبيبة لست بخائنة، ها كما وعدتك نجحت بتفوق في جميع المواد ولا أزال راسخة الهدف على مبدئي الدارسي.. أما عن مشاويري هذه، فاسمحي لي بها لأن اللاذقية ليست مدينة غليظة أو مخيفة، ولا يمكنها أن تسرق قلوب الوافدين إليها، فكما لاحظت من زميلتي ندى، والتي هي من ضيعة تشبهك، وبعد سنة ونصف من إقامتها هنا لا تزال على عهدها.. وأحس أنني على شاطئ ريفي كبير يقبل بي صديقة كفلاحة محترفة..>>.

مزجت هذه اللحظات ربع المقمرة  بذكريات تشبه رذاذ المطر، رسمت على الأفق الذي قربته إليها لوحة لمدينة بدأت تخرج من إطار المجاملة إلى المصافحة الجدية  : " نعم ، أهم مافي اللاذقية وجهها القروي، وعطر البحر، وشبهها الشديد مع مدن ساحلية أخرى عرفتني على نفسها كطرطوس و بانياس، يحممها البحر كل يوم كملكة، و أحممها بنظراتي.."

أطلقتها هذه الكلمات في حلم يقظة عرضي، استوقفته على جفنيها، وراحا يلتهمان الوقت بتلذذ غير معهود..

جاء هذا التوحد مع ذاتها بعد يوم مريح وشغب طلابي مقبول  في الجامعة .. انتهت من تسليتها مع الشرفة ، واستلقت في فراشها كطفل اصطنع التهذيب أمام والديه، وراحت تخربش على ذاكرتها بأسئلة سطحية تارة، وبصور حية عن دراستها في الفصل الأول تارة أخرى.. قرأت عن عمد ملامح خطوط سقف غرفتها والأشياء البارزة حولها التي بدت كهوية تعريف لها منذ دخولها الجامعة، ولقائها الأول بندى، واستلام الكتب، واستقبال الزميلات، وجهدها خلال الفصل الدراسي  الذي مضى.. 

حرنت عيناها أمام هالة الذكرى ، وجعلت النوم ينزوي جانبا كقط يتفرج عليها ، تداخلت أمور متباينة مع وحدتها التي تبعضت إلى رؤيا صارمة وأخرى فيها حيرة ، تفصدت منها أنفاس تدعو إلى المثابرة والكد .. هُيئ لها بأنها تمثل جوانب عديدة من حياة الآخرين ، وبأنها مهما تفردت في خلق لحظات تناسب شطارتها السابقة حول التأمل لن تبلغ ذلك النقاء دون الأشخاص الذين تعرفت إليهم ، استلهمت بعض المواقف الساخرة كي تجعل داخلها يميل إلى برودة في الحوار الجاري ، وجعلها ذلك تتماسك و تلاحظ بوضوح بساطة الحياة هنا بين الطلبة، وعدم وجود تعقيدات تذكر، تشابكت مخيلتها مع  قامة ندى  الممشوقة، ومع روحها المرحة و الأليفة بشيء لا يخلو من تصوف جنيني .. وبدأ صوتها الباطني يتكلم :

[  أنا محظوظة لأنني تعرفت إلى فتاة مثلها، صحيح أن معظم الطالبات رائعات وتفوح منهن رائحة الريف، لكنها ابنة مصايف مشتى الحلو الجميلة والتي تؤثر على أبنائها كتأثيرها على الطبيعة.. ومن محاسن المدينة الجامعية أنها تساهم في خلق مجتمع أشبه ببستان متنوع الأشجار والأزهار..

كانت هذه الغرفة مثل عش صغير يجمع طالبتن صغيرتين في مخدع  اعتقدتا أنه لن يتغير .. أو اعتقدت أنه مكان للعيش وحسب ..  اختلفت ندى عني ، وكانت على حق ، وشعرت أن في مزاحها سخرية لاذعة تهدف إلى غاية .. تجاهلت بعض أقوالها كبنت ساذجة ، والآن بدأت أتوقف عند كل ما يصدر عنها أو عن غيرها .. لديّ تجربتي غير القصيرة،   لكن لا بد من الاحتكاك بالآخرين .. يا لي من مسكينة ! تصرفت أحيانا كطفلة ، لكنني تجاوزت كثيرا من المواقف بنجاح ..

قالت ندى بلغة غريبة ؛ إنها تشعر أحيانا بوجود كاهن يتقمص شخصيتها ، وتراقب معه ظنونها وتصرفاتها من وراء شمعدان يشيع الأمان .. جاء اعترافها أمامي بعد أن عادت من لقاء قصير مع وائل .. قالت أشياء غامضة عن الحب .. وبعد أن انتهت اعترفت بأنها تنفس عن هم طارئٍ حدث معها .. ورجتني أن أصدقها .. وصدقتها فورا .. كانت واضحة ، وقتها دفعتني لتذكر  تلك اللحظات الأولى والمربكة بعد أن استلمت مفتاح غرفتي في السكن الجامعي ،  جئت وبيدي مفتاح لسكن آخر بعيدا عن أسرتي ،  أحسست بملكيتي لشيء يخصني وحدي  ، شيء يساوي فرحة ، وأنا أدخل الغرفة أول شخص قابلته ندى ، التي مدت يدها وصافحتني بحرارة، وعرفتني إلى نفسها ، كانت قد سبقتني بعام واحد ..

في البداية ، ظللت مع قريتي وأهلي ومدرستي أمضي معظم وقتي أتذكر ، يومها قال ماهر عن خطواتي الأولى " انتبه ، أنت هناك للسكن وليس للعيش والفرق بينهما كبير .." لم أعر قوله أي اهتمام ، وحتى الآن لا أفهم قصده بالضبط  ..

كانت ندى طالبة مدهشة ،  وتفهمت حذري  جيدا من الطلاب ، ومنها .. وكيف اتخذت كل واحدة منا حدوداً فاصلة لهمومها و لشخصيتها،  استمر ذلك شهراً كاملاً، دون أية محاولة من كلتينا التدخل بشؤون الأخرى إلا بما تسمح به هي ، كانت  قد تعرفت أكثر إلى الواقع هنا ، واعترفت لي فيما بعد قائلة << من الأفضل أن تطبخ  طبخة الصداقة على نار الزمن الهادئة، فهي لا تزال طالبة جديدة، وقادمة إلى مجتمع جديد وبحاجة للعون، وأنا أدرى منها بذلك، خاصة أنني أعرف المدينة والكلية و نفوس الطلبة أكثر .. وسأساعدها بقدر ما تدعوني هي لذلك..>>

 وعلمت أن انطباعها الأول عني كان بطعم التين في أوله والعنب في آخره  ..<< أحسست بأننا إلى حد ما من طينة متشابهة .. حاولت ألا أصدق إحساسي،  رغم تشابه رغبتنا على الأقل في جديتنا وتصميمنا  على الدراسة وبلوغ الهدف بتفوق .. كنت أخجل أن أطلب منك حتى الممحاة،  وفجأة اندلقتُ عليك كالنحل على الزهر ، بل أكثر .. ولمَ لا .. فأنتِ بنت قروية وكريمة ، ولا يزال يرن في نخاعك صوت المنجل، ويسري في عروقك نسغ الجرجير والكرسعنة والمرّار والحلبة.. >> 

 كلامها الواضح  لا يخلو من سخرية والدها التي ترى فيه معلمها الأكبر ..

ساعدتني كثيرا في تنظيم برنامجي وتنظيم نشاطي من الناحية العملية ..

 فقط بعد شهر اشتركنا في أول عمل لتحضير طبخة  (المجدرة).. كانت أكلة طيبة .. ما كنا بحاجة لكل تلك الفترة لكي نجرب بعضنا البعض .. لكن الحذر واجب كما قالت أمي .. اقتربت منها  كل يوم ميلميتراً واحداً أو بمقدار كلمة وبوعي وإدراك مني ومنها ، حتى وجدنا المسافة تسمح للعقل بلقاء العقل والقلب بملامسة القلب.. خرجنا معا إلى شاطئ المتوسط لأول مرة بعد شهرين، وهناك بحنا للماء ببعض الأسرار التي بدت بسيطة، لكنها كانت كافية للانطلاقة نحو صداقة.. أشركنا البحر  بصداقتنا دون مقدمات وبدا لنا كفتى ثالث يحتمل شقاوتنا.. حينها وجهت له ندى سؤالا حول السبب الذكري لاسمه، واقترحت أن يكون له اسم أنثى كي يعشقه الذكور، وليحمل على الأقل هذا الجزء القريب من الصخرة اسما مغايراً.. كان المشوار رائعا.. تذكرنا قصصا عن زملاء المدرسة ومدرب الفتوة القاسي ، والزحف على الأكواع والبطن والركب،  وساعات التدريب والعمل الشعبي والمعسكرات الصيفية والمسرح المدرسي ونزوات الطلاب .. استذكرت ندى موقفا وأعقبته بتعليق : " أستغرب ، لماذا نتذكر من يؤلمنا أكثر ممن يسعدنا ؟!"

هززت كتفي نافية معرفتي جواب ذلك السؤال الذي اعتبرته منطقياً ، وبعد عدة خطوات التفت إليها ، وقالت : " لدى ماهر الجواب .. نعم أخي ماهر الذي حدثتك عنه  طويلا .."

قفزنا عن ذلك الحوار إلى الإصغاء لموسيقا خفية تأتي من باطن البحر ، ومن شاطئه في لحن مميز ، انتبهت ندى ، وقالت : " اسمعي صوته هنا غير صوته القادم من الأعماق.. ياله من فنان.. ! "

قربتُ أذني بحركة كاريكاتورية مفرجة عن ضحكة ، وتكلمت بصوت متقطع :" لا أسمع شيئا ، بل هو يسمعني .."

تفاعلت مع تلك الصور والأفكار وهزت كتفها ، ثم ضحكت ، وأردفت متابعة : الطلبة ، هم الطلبة لا يكبرون ، حتى ولو كان عمر الواحد منهم خمسين عاما..

ضحكنا ، استرقت لحظة غفلة من اللعب .. و اقتربت من الصخرة الكبيرة ، درتُ حولها كدمية متحركة برمونت كنترول، بينما استوقفت ندى مناظر بديعة تتفق وإلهامها ، رددتْ : " أتفهمُ لماذا يكتب الشعراء كلمات جميلة وصورا رائعة ، ومهما كتبوا لن يكونوا أبلغ من هذه المناظر " ودون

أن تدري شطّ خيالها ليلتقي مع وائل .. ظلت شاردة ، فاقتربت منها ، كلمتها ، وهززتها من كتفها .. وببطء رجعت من شرودها ، وهنا وجدت فرصة لأكلمها عن الحب والغرام وعن شخصية حبيبها  :" يا بنت ،الحب ليس له تعريف سوى أن يعيشه الإنسان ، حكاية مثل وردة جميلة قدامك لا تعرفين سوى أنها كبرت فجأة وعليك التمتع بجمالها .."

كان لتلك الكلمات وقع السحر عليّ ، واعتبرتها شجاعة لاعترافها بالحب ، واعتقدت أنه أمر يخص صاحبه ، كانت ندى تتكلم متفوقة على شاعرة في وصفها للعشق ، وتشبه شاطئ بحيرة تقصده الأمنيات : ".. الحب يساعدني لأكون أفضل ، جعلني أقل أنانية ، وأكثر عطاء، ساعدني لأكون معك أفضل ، إنه أستاذ من الطراز العبقري :"..

ارتحت  لما رددته ، وكأنها تتكلم وحدها ، تعلقتُ بكلماتها التي وصفتها بالمبالغة ، المبالغة والتشويق  وكأنها تقصد تبليغي رسالة ما ..

ابتعدت عنها خطوتين وهي تقوم بحركة غير متناسقة ، أو كانت تستعد لفعل شيء ، فتحولت إليّ و نظرت بجدية ، ثم قالت :" الحب ليس مدرسا ، يمسك ابن آدم من أذنيه ويأخذه إليه عنوة كمسألة رياضيات صعبة  ، لا.. لا أبدا ، بل وجدت نفسي في صفه دون تخطيط أو تسجيل مسبق أو أضابير ، ولم يأخذني أبي إلى الصف ، هناك حيث يستقبلني المدرس أو المدير .. إنه مدرسة مختلفة تمضين إليها بفعل خفي تختلط فيه الإرادة مع الرغبة لبلوغ أعلى الشهادات  .."

تراءت صورة معاكسة لي وأنا أستمع إليها حول خطواتها الأولى للمدرسة واستقبالها من قبل الموجه الطلابي بشيء من التخويف المتعمد ، واستدركت أنني في الجامعة، دخلتها بمثل هذا الحب الذي تتكلم عنه ، ولأنني التحقت بالكلية حسب رغبتي لذا كان الاستقبال هنا رائعا ..

تقاطعنا عند الجمل والمعاني نفسها ..

رددت ندى بما معناه : " لا أحب أن أمسك من يدي وأؤخذ إلى الصف ، بل كنت دائما أذهب من تلقاء نفسي وبمحبة، والآن أصبحت أدرك أن الصف كان بحاجة لي ، وأُعلمُ المعلم كما كان يعلمني .."

طرت من الفرح لسماعي تلك الكلمات ، وختامها الأكثر روعة  " كل معلم يعتقد أنه لا يتعلم من تلاميذه فلن يكون معلما جيداً.. مثل ذلك يكون طعم الحب .."

وقتئذ هامت مع خواطرها كأنها في معبد مقدس ، وبادلتها الأحاسيس نفسها بصمت وأسارير مرتاحة ..

ظللنا هائمتين كطفلتين في حديقة جميلة ..

وصلنا الغرفة دونما قصد أو تخطيط للرجوع .. وفجأة نمنا كفلاحتين متعبتين عائدتين من جمع موسم وفير ..

كنت طالبة مترددة بعض الشيء ، أخذت بيدي إلى أمور عديدة، وأهمها ، تقديم كل ما احتجته من مسوداتها وخبراتها العلمية والعملية ، وكتبها القديمة وتجربتها بشكل غير مباشر ، وتهيئة ظروف دراسية أفضل  ..

دعتني لمرافقتها إلى حضور محاضرة دكتور قادم من جامعة دمشق حول الترجمة وأهميتها  ، والمشاركة في نشاط طلابي مع جامعة حلب .. واللقاء المفتوح مع عميد الكلية ..  لم تعلق أبدا على سلوكي تجاه بقية الزميلات التي ظلت علاقتي بهن في حدود السلام وبعض الأسئلة حول الدروس.. كما لم تحسني  يوما على التقرب من صديقتها المفضلة  سوزان ، دون أن  ترجع الأمر إلى اعتبارات أخرى ككونها ابنة  ضابط كبير في الجيش،أو لأنها  فتاة مدنية.. وافقت على رأي بأنها طالبة من طينة أخرى وانتهى الأمر ..

رددتْ بلباقة  " كل شيء في حينه مناسب  .."  وقلت لها بعد هذه الجملة :  - يا صديقتي .. أتجنب التعرف إلى الزميلات لا خوفاً منهن، بل أرى في هذا العالم الجديد حفرة عميقة ضد مشروعي في التفوق، ولقد أقسمت برأس ضيعتي عند أول خطوة باتجاه الجامعة أن أحافظ على هدفي حتى النهاية..

 فعلقت مازحة: أنا لم أقسم برأس ضيعتي، لكنني على نفس الخطى أسير.. لقد تفوقت في السنة الماضية وأستعد للتفوق أيضا هذا العام ، ولا  تقف الدراسة  عائقا أمامنا كي نتفوق في مجالات أخرى..

انتهى الحديث وغيره من الأحاديث الثانوية عند هذا الحد.. استمر كل شيء بيننا بشكل مميز ومنضبط على إيقاع الدراسة الجميل ..

بعد ثلاثة أشهر من العيش معا، وبعدما تقربت ندى مني بما يكفي، تدخلت  للدفاع عني بثقة عندما هاجمتني إحدى الزميلات القاطنة بالجوار :

- إنها فتاة نصفها فلاحة، ونصفها طالبة جامعية.

امتشقت إحداهن لسانها الجارح، وأضافت:

- لقد لمست يديها اليمنى واليسرى بنفسي، إنهما خشنتان وفيهما جروح واضحة بسبب العمل في الأرض، وأظافرها مثل حجر كلسي متآكل، ولا تستخدم المناكير أبدا  ..

عندئذٍ أجابت ندى:

- هذا لا يهمها، بل أكثر من ذلك ،  قلبها خشن.. ومناكيرها لون الطبيعة وبس ، وهي أجمل منا جميعا .. ولهذا السبب وغيره تستحق الاحترام والصداقة، و هي بنفسها تردد، نعم أفتخر أنني فلاحة وابنة البساتين والمراعي ، والآن أنا طفلة أحبو في الجامعة..

كاد الحديث يطول ، لولا حسم ندى الموضوع عندما قالت :

-95% من الطلبة هنا من أبناء الريف، وهذا فخرنا جميعاً، ومن كانت لا تفتخر بذلك فلْترجم نفسها..

دافعت عني في مواقف عديدة.. بقينا على هذه الحالة التي تعززت أكثر مع مجيء  عطلة منتصف العام الدراسي .. ثم زيارتها لي  في البيت .. كانت زيارة رائعة .. أبدت  إعجابا مبالغا به حول تنظيم ضيعتنا ، و بعض الآثار التي تنبت فيها كشجر عتيق ، والطبيعة الخلابة، وطيبة الناس..

بادلتها الزيارة  وقابلت أسرتها ، وعلمت من والدها أن السياحة تؤمن له دخلا جيدا من فندق صغير بناه بنفسه قبل ست سنوات،   وعلّق قائلا : " إن ندى هي الابنة الثانية لذا تجدينها دائما تحب التملك، والرغبة في القفز لتكون الأولى، ولديها بعض الغيرة  من أختها الكبيرة التي أنهت دراسة الصيدلة، والثالثة أكثر اجتهادا ومثابرة و طموحا لتلبي عقدة الابنة الأخيرة الداعية للمنافسة و التفوق، أما أسامة الابن الوحيد أقابل غنجه بمزيد من العطاء ولذا نجده فالحاً في كلية الطب.." 

أطلعني على  شقاوة الأولاد ،  خصّ ندى بتوصيف طويل كونها صديقتي ، وقال:   " كنت أود دخولها كلية طب الأسنان، وكنت سأنتظرها حتى تتخرج وأكون أول مرضاها، لكن إرادتها وولعها باللغة الإنكليزية انتصرت على رغبتي.. وأنا راض عنها كثيراً.. وأحياناً الذي يعاندك يعلمك.." 

أبدت إعجابها بي ، وأنا معجبة بها أكثر .. ولا يزال أمامي متسع من الوقت كي أردَّ لها الجميل .. أو على الأقل أفتح لها قلبي على بساط أحمدي .. ]

ظفر بها النوم وهي تشد عضلات خيالها كي يصطبر ويستمر في المشي بين قرى ذكرياتها ..

* * *

 

أخذت الدراسة منحى أكثر جدية وإقحام كلتا الفتاتين في البحث عن الكتب والمسودات والنوط  والأسئلة حول المقدمات للدخول في فصل آخر أكثر تميزاً..

أثناء جلسة مرح ، قالت ندى بحماس يشبه فتوة الربيع : لقد أمضيت معك فصلا دراسياً مميزاً، و تعلمت منك الانضباط في متابعة الدراسة، وحسن الإدارة، و..

قاطعتها سلاف مباشرة: أما أنا، فتعلمت منك أكثر بكثير من ذلك..

ثم اعتذرت لها  عن بعض الهفوات البسيطة كأكل آخر رغيف خبز ليلة الامتحان مما دفع ندى للبحث عن طعام من غرفة لأخرى بعد منتصف الليل.. وذكرتها بتصرف ريما التي وضعت لهما الملح  عن سابق قصد وتصميم في إبريق الشاي ليتحول الموقف من غصة إلى طرفة.. وكيف ادعت نورا المرض كي تغيب عن المحاضرة فمرضت بالفعل ..

سمح وقت الفراغ  المتقطع بلقاء أطول بين سوزان وسلاف وخرجن الثلاث معاً إلى منطقة الشاطئ الأزرق في مشوار استكشافي عَرَضي، وكانت فرصة طيبة لتتعرف سلاف إلى سوزان والتي قرأت وراء مرحها جدية ما، أيضاً خرجن في يوم آخر إلى محطة القطار لاستقبال زميلة لهن.. اجتمعن الأربع في غرفة سوزان، قابلت سلاف  الزيارة بارتياح كبير، وبعفوية تقبلت الانتقادات حول الطالبات الريفيات واعتبرت ذلك مجرد مزحة..

أما السؤال الجدي الذي قمعته سلاف، فيتعلق بوضع سوزان المادي وسكنها بين الريفيات  في السكن الجامعي علماً أنها ابنة ضابط كبير في الجيش.. اعتبرت السؤال تدخلاً في شؤون الآخرين، فوضعته وراء علامة الاستفهام وتركته لزوبعة عابرة..

بدأ الأسبوع الدراسي  الثاني بشيء من الفتور، وتمنت أن  تكتمل  حلقات الطلبة بسرعة أكبر، حضرت بعض المحاضرات المتفرقة ، وكانت مدخلا للتعارف إلى المدرسين تخلو من الجدية في كم ونوعية المعلومات .. بدا الوقت في يدها كبكرة تمسك ببداية خيطها وتتحكم بحركته .. مزحت وهي تتأمل المسافة التي تفصلها عن التخرج :" كنت أظن لن أنهي المدرسة ، لكن لكل بداية نهاية ، على عكس ما يقوله ماهر لا توجد أبدا نهاية ، والكون كله مجرد بدايات ، البداية هي النهاية نفسها ..  والنهايات كما قال اختراع بشري كاذب .." استدركت أنها تكرر ما لا تريد تكراره ، نظرت إلى ساعة الحائط المنضبطة دون أن تسأل متى وضعت فيها ندى البطارية ..  استعجلت الخروج كما لو أنها تذهب لأول مرة إلى الكلية .. كان ذلك في صباح يوم أربعاء ضبابي محتشم ويسمي والدها مثل هذا الجو " الوقت الذي يسبق هطول المطر .."

مع بداية المحاضرة الثانية ، وبعد لحظات من مراقبة وجه المدرس وسماع همسات من الزميلات حول الأستاذ الجديد ، وحول اسمه ، وهمست أخرى بأنها تعرف أخته .. ومع كل كلمة تقال عنه تشتعل كقرمة يابسة في نار مستعرة ،  وتنهشها  رغبة مريرة في التماسك ريثما ينتهي الدرس  ، تمنت أن يموت هذا اليابس الذي لا يقاوم النار المتأججة في القاعة ، نار تتقصدها.. شعرت أنها تستحق هذا الاحتراق ليخلصها  من خراب اجتاح كيانها بشكل مفاجئ.. وجدت نفسها تغرق في دوامة المفاجأة كغريق لا يقوى على المقاومة ، ولا توجد حتى قشة يتعلق بها .. عاصفة هبت من بين أصابعها ومن جبينها ، ومن سني عمرها .. ترمدت تحت وطأة جواب وقف أمامها دون طرح أسئلة ، جواب واضح وصريح ليس له سؤال يطرحه أحد عليها .. جواب ظهر دفعة واحدة وكأنها متهمة بخيانة كبرى ، وعليها أن تقبل بالنتيجة .. كل ما فيها يتكلم " إنه هو .. نعم هو ..!"

انهدّ تماسكها وتكوم فوق لهيب المفاجأة .. صفعتها دوامة على خد نوبتها الباطشة ، تولّدت في داخلها زوبعة شتوية عاصفة ، هيجت الساكن فيها ، زوبعة أقبلت في غير أوانها وراحت تتصرف كمنتقمة .. أحست أنها على موعد مع التحدي والمواجهة غير المستعدة لها .. تفصّد جبينها عرقا دهينا لا يتزحزح .. بحثت عن بداية الخيط التي كانت تمسك بها هذا الصباح ، وخرجت كلمات من شفتيها كبخار في ليلة شتوية ذاب أمامها في فراغ مومس  : " البداية تأكل النهاية .. صدقت يا ماهر.. أين أنت..  أين أنت ؟ أنا بحاجة لك ..أنت صادق .. " أغمضت عينيها، تسخن همسها ، لمست ضيقا يأتي من بهو الأعين المشدودة للأسفل  ، تلقائيا امتصت جدران القاعة كلام  الأستاذ الذي سبب لها ضربة كافرة .. غاب من أمامها شيء مميز كان تنتظره مع بداية كل درس .. شيء تنتظره كاسم المدرس وطريقة كلامه وقبولها النفسي له وخطته الدراسية ومطالبه  ..

 

لكن هذه المرة كل شيء أكثر من مميز ، لاشيء مما تنتظره  دفعها للخروج من المحاضرة .. من معركة غير متكافئة ، معركة استهدفت ماضيها الذي اعتبرته حصنا متينا بنته لبنة.. لبنة ! وبمهارة فلاح ، كذلك لم تنج هذه البداية من لكمة موجعة وسط عيون المتفرجين عليها .. خرجت مستلمة لعواء ذئاب غابة هذه اللحظة يمزق طمأنينتها  :" لماذا الآن .. لماذا الآن ؟" تحركت وكأنها أسيرة مقيدة بأغلال ثقيلة .. تأبطها همها كحشو في فمه وبصقها على الدرج المعوج كدودة .. كادت تسقط .. قوة خفية ألهمتها على التمسك بطرف زنار بنطالها الجنز فساعدها على الوقوف عند نهاية المصعد .. انطلقت إلى غرفتها يرافقها الفزع كعرين .. لسوء حظها لم تجد ندى.. ارتجفت وسلمت أمرها لمقص حاد بدأ يقطع ماضيها إلى نتف ويرميها للفراغ .. وحدها الدموع كانت عنيدة أو كسولة في محاجرها بانتظار الأوامر كجنود متحمسين لحفر الخنادق على ضفاف المآقي ..  تجاوزها ساعد اليقين نحو فوضى ، حاولت طمر رأسها بالوسادة كي لا ترى العالم، لكنه أصبح أكثر وضوحاً حتى في العتمة المكونة من قلقها، وبتحدٍ لا يليق باللحظة حاولت شرب الشاي والتحدث إلى نفسها والوقوف على الشرفة ، بدت أقل قدرة على التصرف أو التماسك ، وأدنى من سؤال ، وأثقل وزنا من كتلة جسدها ، وكأنها استبيحت لنتيجة عارية وفاضحة ، ووقعت في فخ صُلِي لها بتدبر .. انفرط داخلها كحبات زئبق على الأرض وهي تنظر إليها كمسحورة  .. لاحقتها صور الأستاذ ، التي راحت تمتص كلماته محاولاتها لرباطة جأش ضرورية لها ،  تبخرت هيئته أمام ارتباكها ، وعلقت في جنبات القاعة المرسومة أمامها بقايا المفاجأة التي ظلت واقفة كصواعد ونوازل هشة بلون اليرقان الفاقع..

جاءت ندى وكعادتها ألقت حقيبتها جانباً واستعدت للخروج إلى غرفة سوزان كي تسلم عليها أولاً وتحكي لها آخر الأخبار ، فمسكتها من يدها :

- إلى أين ذاهبة؟!

- أنت تعرفين.

لاحظت ندى شحوباً يكتسح وجهها اليابس ، وعروقها نافرة مثل أسلاك ، وقلقاً غريبا لم تره على محياها من قبل  :

- ما بك؟

- لا أعرف.

- طيّب، بس تعرفي اخبريني.

- أرجوك لا تمزحي، فأنا بحاجة إليك.

- واضح عليك التعب .

- لست فقط متعبة، وإنما مصدومة.. مرعوبة ..

- تكلمي..  قولي  إنْ كنت مصابة بصداع، فسأحضر لك السيتامول.. أو أحضر لك كأس بابونج ..

- لا..لا..!

- وليس لديك أسرار كبيرة، أو ما تخفينه عني.. أعتقد أنني

أعرف عنك كل شيء، مثلما أعرف نفسي وربما أكثر، لذا لا أخاف عليك من صداع عابر..

- اسمعيني جيدا..

- نعم..

- لقد رأيته.

- مَنْ هو؟

- الأستاذ..

- أي أستاذ؟

- أكاد لا أصدق، نعم إنه هو.. هو.. مفاجأة.. مصيبة..لا أدري.

كاد يغمى عليها مما دفع ندى للاقتراب منها والاهتمام بها أكثر..  ثم قالت بتبارد مقصود: 

- حتى الآن لم أفهم شيئاً..

- كنت أعتقد أنني طالبة لغة إنكليزية لا أكثر ولا أقل، وإذ..

- ماذا تبدل.. ؟ خير إن شاء الله ..

توقفت ندى قليلاً عند السؤال ، وتابعت:

- يجب أن تشربي الشاي كي تتمكني من الكلام ..

- لا أريد شيئاً.

- إذن خذي هذا العصير، لن أستمع إليك قبل أن تشربيه.

وتحت إلحاح ندى شربت  نصف الكأس ، أحست أن الأرض لا تزال تهتز تحت قدميها، ودون أية مقدمة ، استجمعت قواها ، وبادرت قائلة :

- عندما كنت طالبة في الصف الأول الثانوي، وبالتحديد ثاني يوم جمعة من شهر نيسان- يوم ميلاد بعثي الأغر -  قمنا برحلة  نظمتها المدرسة إلى اللاذقية.. زرنا كسب، ورأس الشمرا، وغابات الفرنلق.. وأثناء عودتنا مساءً، وبعد نهارٍ مثير ومرح ولهو.. نزلنا إلى غابة صنوبر صغيرة وجانبية بقصد الراحة وقضاء بعض الحاجات.. طبعاً بسبب رغبتي الشديدة القيام بالرحلة لم أنم أبداً في الليلة التي سبقتها، أحضرت أشيائي وتسامرت مع زميلاتي حتى الصباح الباكر- زاد عددنا عن المئة تلميذ وتلميذة- الذي حدث في هذه المحطة الأخيرة أنني غفوت بعمق وتركني زملائي نائمة تحت إحدى الشجيرات الجانبية لحين مجيء شاب أيقظني، فنهضت كالمجنونة وقال بصوت رقيق:

- لا تخافي.. لاتقلقي ..؟

بالكاد رأيت وجهه جراء العتمة أحسست أنه وحش، وقد أطبق عليّ.. حاولت الصراخ، فخانني صوتي.. وقلت بكلام متعثر:

" لا تقتلني.. لا تقتلني، فأمي تنتظرني.."

راح يهدّئ من روعي، وطلب مني مرافقته إلى بيته، فرفضت وعندما نظرت حولي اندفعت راكضة وسط دغل مظلم ومخيف معتقدة أنها نهاية الحياة.. تبعني وشجعني، وما كان أمامي سوى الاستسلام له، أخذني إلى بيته القريب والواقع على أطراف ضيعة صغيرة متناثرة البيوت.. أول شيء فعله أدخلني إلى غرفة وطلب من أخته الصغيرة واسمها أروى ألا تفارقني ، وأن تؤمِّن لي كافة طلباتي.. كانت في الصف السابع..  أحسست بطيبته وذكائه، ففي مثل هذه الظروف لا تروق للأنثى إلا الأنثى، بعد ذلك بقليل قدّم لي الماء بنفسه.. حاولت أخته التحدث إلي،ّ فرفضت تحت تأثير الصدمة .. قدّم لنا الطعام القروي البسيط : زيتون ولبنة وجبن مع الشاي وخبز (الشاظ )،أيضاً رفضت الطعام، لكنني كنت قد انتهيت من رعب الموت ، ومن رعب ما يمكن أن يفعله بي شاب مع فتاة ضائعة ، شاب مع فتاة مثلي في مكان معزول .. تصوري ذلك الموقف .. المهم أصبحت أكثر ثقة بنفسي، خاصة عندما أدخل إليَّ أخاه الصغير مجداً الذي راح يلعب بشعري ويدي، ويسألني أسئلة كأنه يعرفني جيداً.. أطلَّ برأسه، ثم قال:

" إذا أردتِ أي شيء، فاطلبيني عَبْرَ أروى.."

وصلني كلامه بصعوبة.. انتابتني بعدها نوبة بكاء حادة.. حاولت أروى فهم ما يحدث، ثم راحت تبكي معي ، استغربت، فمسحت دموعها ونظرت إلى عينيها، ارتبكت.. عمَّ صمت لثوانٍ ، ثم بدأت بالكلام:

- لا أعرف لماذا تبكين، لكنني لا أحتمل دموع أحد.. فمنذ عام وأنا أبكي على وفاة أمي .. لقد ماتت نتيجة نزيف مفاجئ وهي تعمل في أرض( الجرف).. كانت حاملا .. ومات أخي في بطنها  ، دفنا معاً..  من يومها وأنا أبحث عنها بالدموع.. قالوا لي إنها أم وهي في الجنة الآن.. فقلت لا يمكن أن يفعل بي - وأنا الصغيرة - أي أحد ذلك.. أيعقل أن أفقدها، فجنتها معنا وليس في أي مكان آخر.. بكت وبكيت معها..

اضطر الشاب للدخول بعد أن سمع صوت بكائنا يعلو ويعلو.. استأذن وقال:

" البكاء لا يجدي نفعاً، غداً صباحاً ستلتقين أمك، وأنت يا أروى ارحمي روحك وساعدي الضيفة.."

بدأت عدوى الحديث المفاجئ والحار تنتقل إلى ندى التي سقطت على السرير كمحمومة، وضعت رأسها بين يديها ، وحدجت في وجه سلاف ، توغلت أكثر خلف شحوبها ودفئها كأنها طفل يسمع حكاية من جدته ..

ابتلعت رشاقتها وشغبها والأسئلة المجانية التي تطلقها في مثل هذا الموقف ، وتركت سلاف تحكي .. دون أن تتقاطع حتى في ضجيجها الداخلي مع طراوة هذا الحدث  .. شعرت كأنها شريط تسجيل فارغ يلتقط كل همسة تصدر.. انشدّت إلى ما يخرج من فم سلاف كفتاة وُلِدَ لديها الإحساس ذاته في مثل ذلك الموقف الغريب ..

تابعت سلاف :

- أصبحنا همه .. قدَّم لنا المحارم لمسح الدموع وكاد يبكي معنا،  خرج دون كلام  .. مررت بحالة لا أعرف تسميتها، أهي مزيج من الخوف واليأس، أم تجربة مريرة نهايتها وخيمة.. ثم كيف ستتلقى أمي خبر ضياعي ،  ذلك الخليط من الصور المتناقضة أوقف لديَّ التفكير وعطل حواسي.. استجمعت قواي لمساعدة الصغيرة عن طريق التحدث إليها ، وفي الوقت نفسه كما اكتشفت فيما بعد ، كنت أساعد نفسي ، وكذبت على الصغيرة ، ندمت على أمور كثيرة فعلتها ، لكن ذلك لم يمنعني من انتقاد سلبياتي العديدة ، ونجحت أحيانا .. أذكر جيداً أنني سألتها عن أخوتها، فأجابت بعد تأمل في وجهي:

- لم تسأليني عن أبي، ورغم ذلك يجب أن أحدثك عنه أولا, فهو أب وأم ، يعمل من أجلنا الكثير..  لا يزال يزور قبر أمي في الأسبوع مرتين، يسقي شتل الريحان الذي زرعه حول قبرها، يشعل البخور ، رافقته مرة إلى هناك ، وقال لي إنه بيتها الأبدي،  وستمضي فيه وقتا طويلا ، وقلت له أرغب في دخول هذا البيت كي أراها ولو للحظة ، فهي تنتظرني .. بكى .. تمتم كلمات أخرى غير مفهومة ، ازداد بكاء، وبكيت .. رجعت دون رؤيتها،  وما أصعب ألا تقابلي من تزورينه وأنت بالقرب منه..  رجعت وأكاد أمزق ثيابي ..  ومن بعدها لم أرافقه أبدا ..

جعلتني أتفجر بكاء ، بكيت على أمي البعيدة التي تبكي من أجلي، وأحسست بأهمية الدموع وكأنها مقبرة للتشنج والقلق الذي يضغط على الروح ..

- مسحت ندى دمعة عن خدها ، بينما تماسكت سلاف أكثر وحاولت ترويض الموقف بالانتقال إلى حديث أكثر ليونة - ..

وتابعت أروى كلامها ببراءة : أما أخي الكبير ، فقد اقتسم الأبوة والأمومة مع والدي، وأضاف إلى نفسه مهمة العطف والحنان.. يدرس  في الجامعة ويعمل في الأرض.. أقسم لماما قبيل دفنها أن يلتزم بالأسرة حتى النهاية.. فهو يطعمني ويسقيني ويحممني ويأخذني إلى المدرسة، وإذا فارقت الابتسامة وجهي، فلا ينام حتى يعيدها ثانية.. يتحول إلى مهرج في أية لحظة يراني حزينة، وهو على استعداد الآن لفعل أي شيء من أجلي وأحتمي بك كي أبكي قليلاً، فلأنك حزينة بكيت وذلك يقهره ويعذبه.. أما مَجد، فهو يصغرني سنتين .. ونحبه كثيراً.. وأخي فاضل  في الصف الثالث الثانوي،ويستعد للفحص .. وأختي الصغيرة عند خالتي الآن وهي ترعاها ونزورها كل ثلاثة أيام ..

تحدثت عن أخيها الكبير كقديس تجلّه، بدت كلوحة سماوية تشع تحت ضوء القمر المتسرب عبر النافذة.. أفصحت عن ذكاء ولباقة وتهذيب لا مثيل له، أشعرتني بانتمائي إليها في تلك اللحظات العصيبة وأتعاطف معها .. و جعلتني أتخيل أمها الجميلة والتي ستعود إليها يوماً لتحضر عرسها، هكذا أقنعتها الجارة.. صدقت ذلك وانتهى الأمر.. تلاعبت بالألفاظ كهرة تبحث عمن تداعبه.. خلقت أمامي مجموعة صور متباينة، كبطلة حزينة ومرحة في آن معاً.. دخل والدها بهدوء، وضع معوله وخردة في الزاوية ، فرّك يديه وسلَّم عليّ بقوة .. أشاع بعض الطمأنينة والثقة بالنفس قائلاً:

- أنت ستكونين غداً في أحضان أهلك، أما الذين فقدوا ذلك الغد، فما حالهم؟ حزنت لما قاله ، وشعرت أنه أراد أن يبيِّن لي أن لدى الآخرين مصائب أكبر من مصيبتي ..

هون عليَّ الأمر ، وأطلق نكتة سريعة ومركزة عن بنات آوى ، وذكر حادثة وقعت لجاره قبل أيام ، وكيف أمسك بواحدة  في قنه ، ضربها فتظاهرت بالموت ، انطلت عليه الخدعة ، سحبها إلى المسيل المحاذي لبيته وما أن  ابتعد عنها خطوات حتى هربت وهي تلتفت إليه ساخرة .. وقتها ضحكت أروى وطلبت منه أن يعيدها ، فأشار إليّ أن أعيدها لها ، ففعلت وحكيت لها حكاية أخرى عن وطواط مصاب بالطرش سأحكيها لك فيما بعد..

بلغ مسامعي محاولة الأخ الأكبر توضيح بعض الأفكار لأخيه حول أهمية التركيز وتكرار كتابة الأفكار الصعبة، ثم مراجعتها باستمرار.. شجعه على الدراسة وتنظيم الوقت.. وبعد ذلك أحضر إلينا الحليب والكعك.. ثم  خرج..

قالت أروى: تصوري إنه يحلب البقرة ويخض اللبن ويستخرج منه السمنة والعيران، ثم يغلي العيران ويستخرج منه (القريش)،  ومن القريش يحضر( الشنكليش) بطريقة ممتازة تشبه طريقة أمي تماما ، ويزق الماء على كتفه ، لو لم تكن أمي لقلت أنه أشطر منها- لا يوجد أشطر من أمي في الكون كله -

توقفت سلاف عن الكلام بسبب الدموع المتمردة التي انفجرت كنبع من محاجرها ، كانت فرصة للتخلص مما علق حولها من خوف وتردد .. تشجعت بعد أن اقتربت منها ندى وساعدتها على مسحها، ثم مسحت دموعها.. تشاركتا في بكاء عفوي.. ضحكتا ، بدتا في حالة توحد غير عادية .. شعرت سلاف برغبة في الكلام وطاقة غريبة تجتاحها ، طاقة كامنة كسرت حواجز عتيدة مبنية من أسمنت التردد .. سمعت أصوات ذوبان أفكار في داخلها .. تجاوزت حفر العزلة الذاتية ، وراحت تتكلم وكأنها تحكي عن أنثى لا تخصها ، أنثى كانت ترافقها كظلها في تلك الرحلة ، وتحفظ أسرارها وتحميها بأحداقها ، وآن الأوان للتخلص منها ، ورميها بعيدا عن القدسية التي أحاطتها بها .. ولتقديمها إلى ندى الشخص الموازي الذي تهيأت تماما لتكون شريكا في سراء وضراء الصداقة .. صديقة تتحكم في منسوب العاطفة والعقل .. مثل ميزان حرارة فهرنهايت .. تلمست سلاف عاطفة صديقتها ، شعرت أنها في جواها .. تشجعت تحت تأثير منسوب العاطفة المرتفع ، وصرحت لها بتلك الحكاية الغريبة والضاغطة كي تتحرر من ماضٍ لم تعد تألفه كما كانت في السابق ، حكاية جامحة ، ثائرة .. انتفضت لتتخلص من حبسها في حقيبة أسرار سلاف الخاصة،  وتعيش بعيدا عنها .. وتدفنه في مقبرة المكاشفة.. تعلنه وينتهي به الأمر في قلوب الآخرين ..

 طلبت ندى منها المتابعة.. استسلمت سلاف إلى رحمة الذكريات التي تلقتها ندى كالصاعقة، و قالت:

- كنت أحس أحيانا أنك تخفين سراً ما، وها قد حان الوقت لإطلاعي عليه..

مباشرة تابعت سلاف :

- ليس سراً فحسب.. بل غيّر حياتي وأصبحت تلك اللحظات الحاسمة هي الإيقاع الذي أسير عليه.. فكما أن المواسم تضبط الإنسان على إيقاعها.. أيضاً هو حال الأحداث الكبيرة، فمنذ ذلك الوقت انتصب أمامي حلم جميل، حلم يأخذني من كفي خطوة.. خطوة إلى الحياة التي تستحق أن تعاش وبقوة.. كنت أكبر على وقع حكاية رائعة تمتعني ، أحتفظ بها لوحدي ككنز ثمين ، كنز يساوي حياتي ، حكاية كحديقة جميلة أمتلكها،  أهتم بها ، وأحافظ على نضارتها ..

- وماذا بعد؟ سألت ندى بحماس واضح.

تابعت سلاف بشيء من التوتر لا يخلو من ضعف في التركيز:

- كان ليل طويل وأحداث متناقضة.. اغتصبني القلق وفشلت في النوم، كانت فرصة لتدريب نفسي على التآلف مع الآخرين .. كانت المرة الأولى في حياتي أبتعد عن البيت .. وقتها تجاذبتني  الأفكار المجنونة والتناقضات المرعبة حتى الصباح.. أنجز الشاب أشغاله المنزلية، رأيته يكنس مربط البقرات أمام الدار، وينظف معالف الدواب ، ويحلب، ويرتب الفراش مثل سيدة تهتم بأولادها ..  قدَّم لي الحليب وأقسم أن أشرب، فشربت.. بعدها انطلقنا معاً إلى ضيعتنا.. وأثناء العودة حدثني عن حياته وعن تعلقه بوالديه وعن أهدافه ودراسته وهمومه التي لا يظهرها عادة أمام أحد من أفراد أسرته.. كلمني عن طاقة الإنسان التي لا تنضب.. أتذكر تماما قوله " المواجهة أمر سيئ في حياتنا لأنها تستهلك منا أشياء يمكن الاستفادة منها في مجالات أخرى، لكن كتب علينا أن نتعلم باستمرار حتى من عدونا الذي نخترعه في أغلب الأحيان  كي نبرر تعمير البيوت المحصنة والأسوار وشراء السلاح ، أو ما شابه ذلك .." كنا مقابل قلعة المرقب عندما قال تلك الفكرة التي نُقشت في دماغي كالنقر على الحجر ..

تكلم عن الشباب والأحلام ، أحسست أنه لديه حكمة اكتسبها من الحياة ومن تجاربه ..

تنوعت الأحاديث التي لم أعتد عليها وقصد تسليتي أكثر من التأثير بي، ومن دون أن يقصد أطلق جملا من واقع حياته كانت كحقن مناعية لقحني  بها وإلى الأبد.. وقال جملة لن أنساها ما حييت: " فحتى طاقة الشمس من حياتنا، ولن يكون لها أية قيمة هناك ما لم يوجد من يستقبل أشعتها.."

لم أفهم ذلك آنذاك، لكن أمي أفهمتني فيما بعد أن النور من  هذه الحياة.. واقتنعت بتفسيرها..

بعد ساعتين  أحسست أنها دقيقة ونصف وصلنا الضيعة التي كانت في حالة جنائزية.. أهلي، أخوتي.. رفاقي.. الأهالي بالكامل ينتحبون ويبكون.. كانوا قد أرسلوا وفوداً إلى محطات الرحلة للبحث عني.. استقبلوني كمبعوثة من موت.. عشت لحظات البعث الحقيقية.. حملوني على الأكتاف.. زغردوا.. غنوا لي.. بكوا وفرحوا ، غنوا مواويل جنائزية وعرائسية ، وكأن الضيعة ولدت من جديد ..  كل شيء كان يسطع كنور الشمس، كنور إلهي في لحظة تجلي .. الابتسامات والكلمات والتهاني و انكسار الحزن والدموع.. لقد تحولتُ إلى فرح الضيعة وموسمها.. احتفلوا بي لأنني بخير ولأنهم سيكونون بخير ونجوا من عبء خطيئة كانت ستحل بهم إلى الأبد.. توحدت مع الناس والتراب والسماء.. أمضى الشاب عندنا عدة ساعات وشاركنا الفرح الأشبه بالهستيريا ، ثم غادرنا دون أن نعرف حتى اسم ضيعته، قال لي مودعاً: اسم سلاف يعني من كل شيء أفضله وأخلصه.. وأضاف:

" هي  أفضل الخمرة - خلاصة الشيء- أول ما يعصر من الفاكهة.. " فيما بعد تأكَّدتُ من القاموس أنَّ هذا فعلاً هو معنى اسمي..

وهكذا انتهت علاقتنا به.. منذ ذلك اليوم وأنا أسترجع كل كلمة قالها لي.. كانت في البداية كلمات ضبابية وغير مستعدة لتحليلها، وبعد استعادة عافيتي وخلاصي من صدمة الضياع، واستمتاعي بحادثة البعث التي لم تجعلني أولد من جديد وحسب،  بل أضافت إليَّ حاسة جديدة ، حاسة أشبه بحشرية أو فضول تمد رأسها والنظر إلى قفا الجدران المعتمة ، والأسقف المستعارة التي حُرم علينا التساؤل عما وراءها .. حاسة اسمها طرح الأسئلة الكبيرة ، أسئلة دون أجوبة ، أسئلة بريئة وضخمة أرسلتها إلى الإله بانتظار الإجابة عنها ، وإن كانت لدي بعض الأجوبة ، لكنني دخلت في تحد مشروع مع الحياة.. حكاية بدأت أغزلها ، تغزلني في مغازلها الواخزة .. وكلما عرفت شيئا أستمتع كطفلة ، أو هكذا بقيت صغيرة ، لم أكبر ، ظللت رهينة تلك الحادثة .. من بعدها لم أكبر .. أعيش معها كل هموم الدنيا،  أعيش وحيدة معها ، دون أن أتعب منها أو أشكو .. لا..لا أبدا ، بل كانت قوة خفية لي ، والآن جاء من يسلبها مني.. يسلب مشروعي هذا .. يسرق طفولتي وحكاية بعثي ..

انتفضت ندى ، وسألت :

- من يتجرأ على الاقتراب منك؟ أنت قريبة من الرب العظيم ..

- لا أعرف ، ما حدث لي هذا اليوم يشير إلى أن الله قد تخلى عني .. أنا غير سعيدة ، وما أحاول بناءه قد تهدم .. تهدم دفعة واحدة ..!

اقتربت منها ندى ، وضعت يدها على كتفها ، وقالت بتحدٍ:

- أنا إلى جانبك .

- لكنني لم أعد أنا إلى جانب نفسي ..

- هذا وهم ، نعم وهم ، أنت أقوى ..

هدأت سلاف صديقتها المتحمسة .. أبدت شجاعة غير متوقعة، وطلبت منها أن تصغي إليها بانتباه .. استجابت مباشرة .. فتابعت سلاف:

- كانت لدي فرصة رائعة للمقارنة بين الموت والحياة وبين الفرح والحزن ، قارنت بين حزن أهلي أثناء غيابي عنهم ، وحزن أسرة ذلك الشاب، وبين فرح الأسرتين ، واستنتجت بأن الفرح ليس نقيض الحزن ، لا..لا أبدا .. وبأن للحزن مملكة خاصة به، إذا لم نقترب منها فتبقى هادئة ، ويمكننا دفنها ، لكننا نحن من نأتي إليه ونهاجمها ونفتح أبوابها ونقتحمها بإرادتنا كمن يستهتر بوكر أفعى ويدفعها للدغه ..  أيضاً هكذا حال الفرح .. كلاهما قريبان منا ، لكن إذا لم نعتد عليهما فيبقيان حياديان ، وبينهما توجد مملكة الإنسان الذي يخترع حكاية حزن وفرح ، وحب وكراهية ، شر وخير وتناقضات غريبة ..

ناقشت طويلا هذه الأفكار مع ماهر ، وافقني أحيانا وعارضني، لكن تجربتي تقول إنه لا قيمة لأي شيء حتى في كنف الأيمان الإلهي  دون تجربة خاصة ..

هذه تجربتي الشخصية ، طبعا ، لا يمكن تعميمها ، لكنني لا أزال أفكر ، وأنا الآن على حافة الهاوية ، أعرف ماذا أقول .. وأفهمتني مشاعري العميقة بأن الحق والباطل ليس لهما أية علاقة بي .. وأنا صغيرة على القضايا أو القصص الكبيرة .. لكن ما موقف إنسان احتفل الناس بعودته من الموت وهكذا فجأة أصبح محط اهتمامهم ، ولدوا لديه أسئلة هامة حول معنى الحياة والموت والبعث والوجود.. وطرحوا هذه القضايا أمام طفلة مثلي ..

كنت أريد لأسئلة أخرى أن تكتمل ، أسئلة تجري في روحي ومشاعري لها قيمة الحياة ذاتها ، لكنها توقفت ، أو منيت بهزيمة ، هذا اليوم كل شيء توقف ..

تحمست ندى ، وقالت : ربما ، على العكس هي بداية جديدة ..

فأجابت سلاف بحسرة :

- لكن ليست البداية التي أريد.. ليست البداية التي خططت لها .. لم أحدد موعدها .. معركة لم أنتظرها !

- يا شقية .. تخططين ولا أدري؟! .. ثم  قد تكون بداية رائعة  ..

- أخشى من أحاسيسي التي ..

- وهل دائما صادقة ؟

- لا أعرف .. لم أجربها بعد .. لم تكذب عليّ ، ولم تصدق..

- ماذا تقولين يا بنت الحلال؟

- قد أبدو صغيرة على أمور كثيرة  ، لكن تجربة البعث جعلتني أعيش ألف عام خلت ، وألف عام قادمة ..

- ألفا عام ؟!

- وربما أكثر .

- لكنك صغيرة؟

- بل طفلة ، وهل أسئلة الطفل التي لا يستطيع أحد الإجابة عليها غير مهمة؟  أعتقد أن عمر أي سؤال ألف ألف عام ..

شعرت ندى بمشروعية هذه الأسئلة وصدقها ووضوحها وسهولتها وصعوبتها في آن معا..  ودون أن تطلب منها أن تكمل ، تابعت سلاف:

 - بعد تلك الحادثة ، فكرت طويلا بما قاله عن الهمة والحيوية.. ثم عن الموت.. تذكرت أنه قال: "الموت لا يستطيع أخذ الحياة لأنه فيها، فهو جزء منها ولو كان أقوى منها - أي هي جزء-  منه لما كانت.."  سألته عن قصده وفهمت آنذاك أن أولئك الذين يرحلون مستمرّون معنا كأمه مثلاً هي باقية في الأولاد.. والأولاد هم من مورثة ما.. تعود إلى الحياة دون شك، والميت يسهم في الحياة، بينما الموت لعبة تافهة ولا قيمة لها في حركة الكون.. وقال: " إن النجوم تشبه زهر عباد الشمس، فكما تستمد الزهرة حياتها من عناصر الحياة الحيوية، أي من أشياء حية، كذلك النجوم تستمد نورها من عناصر حية ، لها تربة تزودها بالنور .."

واستوحى تلك الأفكار من كلمات أمه قبيل رحيلها ، عذبه فقدانها واحتاج إلى جهد كبير لمقاومته، و أوضح لي كيف أحدث فلاح بسيط في قريتهم انقلابا في نظام الفلاحة عندما اضطر لاستخدام حماره الوحيد بدل الثورين المعتمدين في حراسة الأرض، ومن بعده تعلم الجميع أنه لا توجد أصنام في الحياة، أقنعني بما قاله، دون  اضطراري للدخول في تحد مع نفسي إلا في حالات نادرة استوجبت ذلك ونجحت.. عرَّف لي العودة من جديد بشيء لا يخلو من المزاح ، وكان لكلامه معانٍ كثيرة .. وبعد ذلك قارنت العودة بالبعث ، وكما فهمت معنى البعث  من خبرات الأهالي " بأنه من حياة إلى حياة "  وقال ماهر : " خلقنا ومعنا إرادة، والإرادة هي نتاج طبيعي لفعل الخلود، والصورة الحقيقية للرغبة، وإلا لما رسم الأجداد نقوشاً على جدران الكهوف، ولما اخترعوا الكتابة .. "

تكلم عن البحر وعن الفرح والأرض ، ورائحة الزهر ، وعن حياة الفلاحين البسيطة   ، والعلم ، وتاريخ قريته .. عن أشياء كثيرة.. ركزت على الكلام المبهم وطلبت منه شرحاً لبعض الأفكار، كان يجيب بغية تسليتي، وكنت أستمع بغية إضاعة الوقت، رافقنا شاطئ البحر كصفحة دفتر بيضاء، أعجبني عندما مجّد الأنثى قائلا : إن الجامعة والأسرة والأم هي مؤنث واحد عنوانه العطاء، والدم الذي يجري في عروق الثلاثة هو قوة العاطفة.. ومنذ تلك اللحظة انتصبت أمامي حكمة ذلك اليوم المؤثر : الجامعة، الأسرة، الأم والأرض، وأصبحت في فمي كطعم السكر،  وفي عقلي كمعادلة ثابتة تبعث على التلذذ بالمعرفة وبالواقع ذاته الذي تمثل كمرآة شفافة أرى من خلالها بعض الأشياء الغريبة .. بدا وكأنه حقن فيّ لقاح الحياة ، أو ما يجب أن أبحث عنه.. فعل بي ما فعل، وحوّل تلك اللحظة إلى ولادة.. ولادة طاقة كامنة مخبأة في ركن سري من داخلي .. وتحرك معها ما يشبه ضربات القدوم على المسار أو ما يشبه المغص الكلوي الذي ذقت مرارته من قبل ..

أحست ندى أن طاقة هائلة تفجرت لدى صديقتها ، تركتها تسترسل ، وهي مندهشة من قوة كلامها ووضوحه الذي كشف لها عن مغامرة غريبة لفتاة لا تزال صغيرة .. بعد توقف .. حثتها على المتابعة .. فاسترسلت  :

- قال أشياء كثيرة ، لكنني لم أفهم كل ما قاله، جعلتني تلك الحادثة أتحسس واقعي بجدية، و شعرت أنني لست بحاجة للقائه ثانية، لكنني كنت ألتقيه كل صباح وأقوم بنفس الأعمال التي يقوم بها.. أكنس، أحلب البقرات، أجمع الحطب، أصنع مع أمي أقراص الجلّة ، أنقل التبن من البيادر ، أدرس ، وأتدرب بعفوية على لعبة دون قصد اسمها - الحياة- ومع كل ذلك كنت أفكر وأتأمل  طويلا.. طويلا  وعلمني التأمل أنني أستطيع التعرف إلى أشياء كامنة فيّ لا يمكنني الإحساس بها دون النظر إلى نفسي كغريبة عنها  ، كلما أشعر بفتور أو ملل أتذكره ، فيعود إليّ النشاط ، رحت أراقب الديدان والنمل والنحل والبعوض بطريقة مغايرة .. أصغي إلى الناس وأشعر بأن كلماتهم هي الحياة بعينها .. وقال ماهر " الكلمة كائن حي" صدقته .. و سمعت عمتي تردد حكايات للصغار عن نبلاء عظام انتصروا على أعداد كبيرة من الفرسان الخطيرين  دون مساعدة  .. أيضا صدقتها ، وتمثلت حكاياتها ، كان ذلك أسلوبا جيدا كي أكتشف بعض معاني الحياة ،  وقتها قالت عمتي في نهاية حكاية عن فارس كان يعظم النور ، بما معناه  :" مَنْ يصعب عليه أن يكون بطلا .. يجب أن يتمثل فعل الشمس ويعمل على إضاءة روحه بقواه الذاتية، فكما البذرة تنمو بفعل قوتها الداخلية كذلك الإنسان.. " تعلمت أن الحياة برمتها لي والشيء الوحيد الضائع فيها- ألا تفعل شيئاً يمكنك فعله أو تلجأ إلى آخرين ينجزونه بدلا عنك- هذا الكلام تردده أمي باستمرار نقلا عن جدها الذي استطاع لوحده زرع تل كامل بأشجار الزيتون واللوز ..

قاطعتها ندى بحذر:

- عفواً.. الآن فهمت بشكل أفضل معنى تأملك.

- بصراحة هو ليس مجرد تأمل، بل صب الزيت على مللي ، مجرد أن أتذكره أشعر بنشاط ، لذا كنت أسترجع  حكاية ضياعي و أتمثلها باستمرار كي أتنشط ، وجعلت منها عمتي حكاية لبطلة تقصها لأحفادها.. وبالمقدار نفسه راحت تكبر حكايتي معي.. أنضج وتنضج  في داخلي أكثر.. وتولّد لدي شعور قوي  بأنني أتجدد،  وتعلمت كيف أستغل هذه القوة، كسبت رضى أهلي بسهولة،تفوقت في دراستي ، تفاعلت مع الأرض والزراعة بمنطق ، ومع دواب البيت برفق، تسليت طويلا بتأمل الحمامات ودجاجات البيت ، وقطتنا .. تمكنت من اجتياز  الثانوية العامة بتفوق،  و استحققت كلية الصيدلة، فأقسمت على دخول فرع اللغة الإنكليزية من أجل عينيه.. وحققت ذلك، أستطيع أن أنسجم مع  قناعتي بسهولة  ..

تركتها ندى في حالة شرود، ألبستها سترة واقية ضد النسيان ، ونجحت في تحريضها .. قامت وأحضرت الشاي بسرعة، لتعود وهي تتكلم بلهجة إيمانية :

- أشعر أن حادثة ضياعك  قد جعلت منك فيلسوفة..

- أنا ابنة محنة، أو انكسار، هجم  الحدث الكبير أو ما يشبهه.. لا أعرف بالضبط كيف أعبر ، المهم أنه حدث ذلك في وقت مبكر من عمري، وعلمني كيف أهتم بنفسي وبكل ما يحيط بي .. و أصبح زمن ما قبل البعث غامضا، يداهمني كمتهمة .. وتدافع عني حياتي ما بعد البعث كأنني ابنتها الوحيدة ..

توقف الحديث عند رومانسية ممزوجة بحيرة لدى ندى، ووضوح عند سلاف التي أضافت :  تصوري لم يعرف اسمي إلا عندما وصلت الضيعة و صاحوا: عادت سلاف.. عادت سلاف..  فقال:

- اسم جميل..

أضافت ندى:

- وصبية جميلة.. ليته يراك الآن .. لو رآك ،  لفتن بكِ.

- هذه هي المشكلة.. لقد اختصر هذا اليوم رحلتي منذ لقائي به حتى هذه اللحظة.. لقد التقيته.. نعم إنه الأستاذ رضوان مدرس مادة النقد نفسه.. أخو أروى الكبير.. 

أطلقت ندى سؤالا كطلقة مدفع :

- الأستاذ رضوان ؟!

- نعم هو ، لقد التقيته ..

- رائع .. رائع ..! إنها حكاية مثيرة ..

- لا أعرف.. لا أعرف ..!

- إنه مدرس رائع ..

- هو بالتأكيد رائع ، لكنني لست برائعة .. لا أفهم ماذا يجري ..

صمتتا قليلا ، قدمت ندى كأس ماء لصديقتها التي بدت لها كجوهرة تلمع ، ووجها كقشطة طرية.. اعتبرت أن الأمور ستهون كون علاقتها مع شاب شهم ومغوار .. شربت سلاف بنهم وهي تنظر إليها من وراء عينين كعيني هرة حذرة ، سبقتها ندى إلى كلام فرض نفسه :

- ياه.. ياله من مدرس رائع.. لقد درسني العام الماضي، وذكرت لكِ أن مدرساً في الفصل الثاني سيعلمك وأنه يخلب اللب..ولم تعر لاسمه انتباها ..

بقيت سلاف صامتة ، وصفته ندى بأوصاف رائعة ، وكيف أعجب به جميع الطلاب ، وبأنه مدرس مثل الحب نفسه ، وكان على كل قلب نظرة وقار وتقدير وعسل ،  وكسائل حبة عنب ناضجة كما وصفته إحدى الطالبات.. شبهته بالحلم الذي يمكن لمسه وبوسه والإحساس به دون أن تثار ضدك تهمة الخيانة .. كالت له المديح ، واستزادت في وصفه مشعلة تساؤلات لدى المتألمة الجالسة بجانبها  ، ازداد وجوم سلاف وقاطعتها بكلمات مفرطة الوضوح :                        

- إنه هو.. لكنني خشيته.. خفت منه ، لا أستطيع تفسير ما حدث لي.. لقد هربت من المحاضرة.. شعرت أنه عدوي.. تمنيت الموت على رؤيته.. إنني مستاءة.. أتعذب، مقهورة.. منكوبة.. أحسست هذه المرة أنني قد نمت تحت تلك الشجرة أثناء ضياعي الأول ، وها أنا أضيع مرة أخرى ، لكنني لن أعود هذه المرة إلى أهلي.. لن ينتظرني أحد ولن يبحث عني أي أحد ، لن أبعث من جديد ، لن أتأمل ولن أنتظر ولن أحلم.. هرمت دفعة واحدة ، لقد صودرت طفولتي ، سُرقت من جواي .. هل تفهمين ؟

قفزت ندى من مكانها ، وأحاطت رأسها بقوة ، وهي تطلب منها الهدوء ، بينما تزفر سلاف كلمات تخرج من بين ساعدي ندى ويتلقاها صدرها كصدى مؤثر.. وتأن تحت وطأة قلق : " أرجوك  ساعديني، فأنا بحاجة إليك..  أرى الفشل قدامي كوغد ويريد تدميري ، وسرقة أحلامي وتأملي وجوهرة البعث الثمينة من روحي .. سرقة كل شيء جميل.."

وضعت حافة يدها على فمها وأوقفتها عن الكلام :

- أنتِ تمزحين بالتأكيد.. فرضوان يمنح الإنسان الشعور بالطمأنينة.. خذي مثلا على نبله وذكائه .. لقد نجحنا جميعاً في مادته وأقل درجة نجاح هي 60%.. وذلك كان شعاره: " على المدرس أن يحبب الطلاب بمادته وبشخصه ويسهل المعقد ويوصل الأفكار..عندئذٍ يؤمن نجاحه، ثم نجاح طلابه، ولا يختلف الهدفان عن بعضهما البعض.." فهمنا ذلك وتعاملنا مع المادة كقيمة روحية ومعرفية.. نجح ونجحنا ولن ننساه ما حيينا.. لذا شعورك هذا هو مغالطة عابرة وستزول..

انكمشت سلاف على نفسها ، اصطنعت تماسكا فيه قلة حيلة.. ابتعدت عنها  قليلا ، زرغت الغرفة ذهابا وجيئة لعدة مرات وكأنها تفتش في أنوثتها الباطنة عن شيء محدد.. ارتدت على هجاء قاسي للذات  بشيء فيه قلة خبرة .. كررت جملا متقطعة وركيكية  خالية من أي ترابط أو معنى .. ثم أردفت :

- أقول لك صراحة أنا خائفة جداً لا منه فحسب، بل على مستقبلي برمته.. بدني هزيل وروحي ضعيفة .. خائفة على ضياع أحلامي .. لن أخلو بنفسي بعد الآن.. لن أتأمل .. هل هذا قليل ؟!

لاحظت ندى تزايد تعب صديقتها وقلقها وجدية ما تقول واقعة تحت تأثير طفرة ممسوسة ، ورأت في عينيها البليلتين نظرة لوم تفور .. رامشتها بخوف ..  بدأت تتغير بسرعة وكأنها على أعتاب مواجهة مع نوبة حمى مفاجئة وحادة .. راحت تعلو وجهها سنابك معركة عاتية ،  كما لم تتجرأ على المساس بأفكارها التي لا تزال أغلبها مخبوءة  .. تحركت تحت تأثير إحساسها بالعجز .. تملكها شعور بالحيرة ، ودون تفكير طلبت منها الخروج في مشوار صغير .. فأجابت وحزن يسح على وجهها :

- لن أزور اللاذقية ثانية لقد كرهتها، كرهت ضواحيها وبحرها.. إنها مدينة تعلم الخيانة.. تجعل الأحلام تموت..

رددت سلاف جملا تفور من شفتيها كحليب يغلي.. ذكرت كلمة موت الأحلام كأنها تتكلم عن موت نهائي.. موت لروح قبرُها هذا جسد الواهن .. قدمت لها ندى الماء بسرعة .. شربت ، ثم قدمت لها حبات (بنبون) وجدتها صدفة على طرف رف المكتبة..  تناولتها سلاف كأنها تتناول أقراص للعلاج ، بينما همست ندى : " جرعة من السكر تفيدها .." ورددت أمامها بارتباك واضح أكثر من مرة    " بالهناء والعافية ".. 

استرخت سلاف مضرجة بالصمت ، وتدثر سكونها بقناع مفتعل ، وبرغبة خفية بأن الأمور ستتحسن ، كلمتها دون أن تجيب.. كانت فرصة لندى كي تلتقط أنفاسها الحامضة .. وترتب حروف هذه المفاجأة بطريقة تسهل على صديقتها التكيف مع الموقف .. تركتها واندفعت إلى الشرفة وكأنها هي التي تعاني بالفعل ، وراحت تتساءل: أهي قادرة فعلا على التعامل مع هذه الحالة الأشبه بالصدمة..؟!  فسّرت الأمر على أنه زوبعة في فنجان ، حالة من ارتباك عابر نتيجة شعورها بالتناقض بين قيمها الريفية والواقع الجديد في المدينة ، وإحساسها بالخيانة تجاه الأستاذ ،  ولأنها لم تحاول زيارته إلى قريته وشكره على ما قدمه لها كرد للجميل .. ثم واجهته  فجأة مما دفعها للهروب من لقائه.. بحثت عن أسباب أخرى كثيرة ، ضربتها كلها بعرض الحائط ، واعتبرت هذا الموضوع عرضي وسيزول بعد غفوة طويلة تريحها ، ثم أقنعت نفسها بأن هذه الحالة مشابهة لحالتها قبل اتخاذ قرار الارتباط  بوائل ،  ولحكاية زميلات أخريات يخضن تجربة التحدي مع كل قرار صعب كهذا ، وفهمت أن كل فتاة تقريبا تتعرض لمثل هذه القصص في حال لقائها مع شاب معجبة به أو يطلب يدها ، فترتبك بسبب الحدث الجديد ، وتغير في مشاعرها نتيجة شعورها بخسارة شيء ما من خصوصيتها.. استغربت الحضور المفاجيء  لشخصية ( ستاسي ) بطلة " مزرعة الدموع " ، وقفت أمامها وهي تمسح دموعها ، من قسوة كورد هاريس الذي أذاقها الويلات لدرجة أنها تمنت موته وفي الوقت نفسه تحبه كمخلّص لها من الخوف ولا يوجد أمامها خيار سوى الشكوى .. قارنت عن غير قصد بين الفتاتين << - طمأنينة وقلق .. عذاب وراحة .. تأمل وخوف .. رهبة ورغبة ..

-هل هذه هي الأنثى ؟

-ماذا تقصدين ؟

-أتساءل عن مواجعها ..>>

انتهت من هذا الجدل الذي فرضته على منطقها كحاكم من العالم الثالث ، ثم دخلت إلى الغرفة بهدوء مظهرة ثقة بالنفس ، حكت لها حكاية طويلة عن شهرزاد البطلة والمغرمة و شهريار الراكع أمام التسلية ،  كانت تحكي ، وكانت سلاف تنام وسط دموع تفطر عينيها .. نظرت ندى  إلى جسمها الملتوي على نفسه كعود لين ، وهمست :  " أزمة ستمر سريعاً.. شخصيتها قوية وأفكارها جريئة، أمضت نصف حياتها وهي تجرب ، هي أفضل مني بكثير ، ولا أخشى عليها..  كما فهمت فيها كثير من  عمتها.. "

خرجت للقاء سوزان التي كانت مشغولة هي الأخرى بإعداد محاضرة تأخرت عنها هذا الأسبوع، جلست عندها قليلاً وبعيداً عن المرح،أو حتى شرب الشاي.. افترقتا على أمل اللقاء بعد الانتهاء من تحضير الواجبات الدراسية ..  شعرت ندى بوحدة خانقة أربكتها وتبخرت الأفكار والمشاريع لهذه الليلة، فحاولت أن تنام، انشغلت بأفكار عرضية، استندت إلى الطاولة التي تحب الجلوس طويلاً إليها، سحبت عنها كوعها لترمي يدها إلى حضنها .. بينما تناولت اليد الأخرى مجلة قديمة ، قلبتها ، راعتها بعض الصور المبتذلة لثوان .. تركتها جانباً ..

بحثت ذاكرتها عن تسلية .. تمنت أن تتذكر آخر رواية عشق قرأتها ،  وانسجاما مع خيارها قفزت إلى ذاكرتها  لوسي مانيت بطلة رواية   " قصة مدينتين " التي قرأتها قبل سنتين .. حضرت هذه الفتاة كصديقة لتتسلى معها، وتحكي لها من جديد قصة الباستيل والجمهورية ..  حولتها ناحية الحب، وتركتها تقص حكاية عشقها مع تشارلز دارني .. تجاوزت حكاية ديفارج والعميل غاسبارد والزفاف لتصل معها إلى العربات التي تتجول في باريس حاملة خمسا وعشرين زائرا إلى المقصلة ، ومنهم ايفرموند الذي سيموت ليحيا الآخرون .. شعرت بدوار يلفح كامل رأسها كزوبعة  ..

تفّت على الثورة ، وعلاقتها بقصص الحب ، وتراءت لها صورة أخيها أسامة الذي جرح ذات مرة بسبب عنجهية الشباب وولعهم بالتحدي الطائش .. سكبت جام غضبها على تلك الذكرى المباغتة : " هه.. يا لها من سخافة : ثورة وخوف وحرية.. تماما هكذا تصرف أسامة وتخانق مع زميله حول فتاة لمجرد ذكر اسمها .."  

سلّت نفسها بحكاية أنثى تسعى للفوز .. واستهجنت ما رددته زميلتها صبيحة هذا اليوم وهما في طريقهما إلى  الكلية بأن شهرزاد مومس سعت لقتل سلطة الزمن .. هزت رأسها معبرة عن عدم فهم قصدها بالضبط .. ثم رمقت بسرعة هذه الفتاة الغافية التي تتنفس بخفوت ..  وهمست : " هي مناسبة  لتكون بطلة رواية مشوقة ، بطلة حقيقية .."

استخفت من أفكارها هذه ، ومن الأناشيد التي تنشد أمام ميت كي يبكي عليه الآخرون أو يروا كم هو عظيم ، بينما هو في لحظة وداع أخيرة .. عابت على نفسها  السماح بتمرير مثل هذه الصور البائسة .. ودون القدرة على التفريق بين ما يحدث بالقرب منها ، وبين ما تحمل من أفكار وصلت بها الحالة إلى ما يشبه الإحساس بفراغ لم تعتد عليه .. أخذها إليه من طرف كمها، تحرش بها أبعدته كذبابة ، فخطى فوق إهمالها كإقطاعي متوحش وطلب من أزلامه أن تدفع ثمن سذاجتها وعدم فهمها لما يحدث حولها ، وقبولها لأن تكون عبدة  مقيمة في إقطاعيته.. 

ودون وعي وجدت نفسها الجزء النابض من صديقتها في لحظة نومها وكأنها تحرسها ، أو تحرس نفسها من وجع صديقة ستنتقل عدواه إليها ..

تمددت على سريرها ، وبقيت على هذه الحالة من الاسترخاء المصطنع إلى أن أخذتها فكرة " الموت جزئية الحياة والحياة شاملة وسرمدية".. جزعت من هذه الصورة ، ثم تساءلت حول قدرة سلاف على حمل بعض الأفكار المهمّة دون البوح بها : << - صحيح أنه كان بإمكاني استشفاف بعض ملامحها من تصرفاتها واستقراء ما يدور في خلدها خاصة الجدية والتأمل، لكنني للأسف تصرفت بسطحية معها..

-اخجلي من نفسك يا بنت ولا تتدخلي بخصوصيات غيرك .

-هي صديقتي ..؟

-فعلا ، لكن لم تقل لك شيئا عما تفكرين به الآن ..

كل واحدة منكما في وادٍ..  >>

جلدت نفسها بأسئلة غير منطقية ، تنفست ارتباكها هذا، ومشت فوق ركام أفكارها كمن تمشي فوق أنصال مكسرة من الحيرة.. تركت هواء صدرها منزويا في بهو ضيق لقلقها ، و خلصت إلى نتيجة : << كل يوم تجعلني أقترب منها أكثر، فهي تستحق الصداقة.. لكن لا أعرف كيف سأساعدها .. بالكاد أفهم علاقتي بوائل – الذكر ، لا وائل الحبيب ..  الحب يعلمني أنه أقوى من محاولتي لمعرفة معنى الرجولة ، إنه شيء مثل الماء ، بسيط لذا هو عظيم .. لكن المفاجآت من هذا النوع تجعل ابن آدم يتساءل ، وسؤال بعد سؤال يبدأ باختبار نفسه.. والعشق يسهل هذه العملية .. لأنه لا يخضع لإرادة أحد .. إرادته خاصة به لا يمكن أن يمسها أي قوي .. >>

أوقفت هذا الحديث عند أول إشارة حمراء للقلق ، وتركت ما تبقى لديها من صور لبطلات و سير ذاتية لنساء عظيمات قرأت عنهن أمثال آسيا زوجة فرعون والأم تريزا .. منحت نفسها فرصة للتأمل على شاكلة سلاف ، جعلت عينيها الكروانيتين تثبتان إلى زاوية الغرفة ، وجمّدت ترددات قفصها الصدري بحركة صارمة من رقبتها ، وبعد حين جفلت ، وهي تردد قول أستاذ مادة الترجمة : " لا تستهلك طاقة روحك وجسدك حتى النهاية ، بل انتظر أن تتعلم منهما معنى القدرة على التحمل اللامحدود .."

مرَّت فكرة  بشكل مباغت شوطا كاد يكون خطيرا على مرمى الصداقة، وفي منطقة الجزاء  على شكل سؤال : هل نحن مختلفتان؟ صدتها  فورا بشعرة من ضفائرها غطت أفقها المحبوس ضمن جدران الأسئلة غير الشرعية ..

استسلمت لهدنة مع الوقت .. وارتمت في أحضانه كأنثى مهمومة حتى النخاع ..

بقيت الغرفة هي الشاهدة الوحيدة لطالبتين تتنفسان ارتباكاً في رسمِ الاستكشاف  قبل انبلاج القانون من فم التفاحة التي غادرت غصنها لتقدم قانونا غيّر تاريخ العالم  ، وربما أحلاماً، لكنهما بدتا مختلفتين وهما تغفوان بفعل ما تحمله كل واحدة من تجربة مغايرة..

قرعت سوزان الباب بقوة أيقظتهما، ودخلت:

- ( شايفة أنكم نمتم بكير)  على غير العادة؟

أجابت ندى بتهكم:

- تغيير العادة متعة.

- يا جماعة أنا شاطرة، أنهيت محاضرتي بسرعة وأدعوكما لزيارة الشاطئ، أو أي مكان آخر..

- بصراحة.. أنا متعبة وكذلك سلاف.

- أحضر لكما أقراصاً مسكنة؟

- لا.. لا داعي.. نحن بحاجة إلى الراحة (شوية)..

- طيّب، بس ( ترتاحو ) خبروني..

بعد أن لاحظت سوزان جفاء في كلام ندى خرجت، ووعدتهما بالعودة بعد حين..

شعرتا أن الجو مناسب للخروج وكلام سوزان في محله .. واقتنعت سلاف بعد إلحاح ندى، فخرجتا.. وصلتا الصخرة الكبيرة المعتادة على الانتظار الطويل .. جلستا على سفحها كنورسين.. فاق البحر من كبوة ، جلس القرفصاء واستند على عكازه ، ينظر إليهما كشيخ لديه حكمة ينتظر قولها .. انشغلوا معا بالسكون المولود بعملية قيصرية ، وبعد ذلك  اطمأنوا على سلامة الموقف ، عاتبت ندى البحر ، واتهمته بأنه كجراح يخفي أسرار مرضاه،  ولا يتدخل في الوقت المناسب .. وبعد جدل لا يخلو من العتب .. قامت واقتربت منه ، شعرت بدفء أشبه بنار في شهر كانون ، وطلبت من سلاف أن تقترب ، فاقتربت منها.. حازتها ، كانت موجة تنتظرهما و أفرغت عنفوانها قدامهما .. لفحتهما برذاذ..  ابتسمتا ، اعتلت ضحكة ندى ، بينما ظلت شفتا سلاف تصدر ارتعاشا مقصوص الجناحين ..

أضاف البحر وجبة أخرى من الرذاذ على خديهما.. أحستا باستفزاز ما.. قال البحر:

- أنا لا أحتمل الحزن ، أنا مائدة مفتوحة للكلام والحياة والأعياد واللقاء والأطعمة..  ومستعد لابتلاع أمواجي من أجلكما.. بس لازم ..

اعترضتا على قوله باستدارة مقصودة ، وكأنهما ليستا بحاجة إلى نصائح أحد.. وبعد أن سكت .. اقتربت ندى منه ، رشقت الصخرة بالماء ، ورشقته بمائه مفتعلة هرج ومرج .. كانت سلاف بعيدة ، ولم تتمكن من إيصال قبضة يدها المبللة إليها ..  انحنى البحر بتواضع أمام شاطئه راميا حكمته في سلة اليابسة.. نظرت ندى إلى سلاف، وقالت:

- إنه رائع.

- مَنْ؟

- البحر..

- البحر..؟!

- إنه كجدي مُسَلٍ..

فجأة ضاع الكلام خلف زفرة مسترجلة ، راحت تبحث ندى عن مدخل لحديث عن الشباب:

- أنا أحبه.

- أعرف ذلك.

- ماذا تعرفين؟

- أعرف أنك تحبينه.

- مَنْ هو؟

- طبعاً وائل.

- لا.. لا.. أقصد البحر.

ضحكتا.. راحت كل واحدة تبحث عن مسوّغ لهذا الغموض القسري.. تشجعت ندى ، وقالت:

- يجب أن تقيمي لنا حفلة صغيرة كونك التقيت بشخص غالٍ عليك.. بحلم من أحلامك..

- أشعر أنني فقدته، فقدت حلماً رائعاً.. أُصِبْتُ بجرح خطير لا أعرف كيف أضمده .. عندما رأيته كأن صرحاً من صروحي العظيمة انهار أمامي، وهذا ما أريد الإجابة عنه.. أنا عاجزة.. قاصرة أمام قوته الهائلة التي اجتاحتني.

- أكاد لا أفهم عليك.

- أنا لا أفهم نفسي.

- أتحسين برعشة ما أو خوف؟

- لا أعرف.

- يجب أن تعرفي.

- حاولت منذ الظهيرة إبعاد فكرة القسم ألا ألتقي شاباً مهما كلف الأمر ، وقلت لنفسي رضوان ليس أي شاب ولن يمنعني من تحقيق هدفي في التفوق.. شعرت كأن داخلي انتفض ضدي..  والذي صرخ في وجهي هو تاريخ ميلادي ومسقط رأسي وأحلامي وأشياء خفية أحس بها ولا أفهمها.. تدعوني ألا أتنازل ولا أكلمه أبداً.

- مجرد نزوة عابرة ؟

- هذا مالا أعرفه.. لا أعرف ماذا يجري لي ..

- دائماً توجد أشياء لا نعرفها، لكن يجب ألا تمنعنا من اتخاذ قرار.

- أي قرار؟

- لا أعرف.. ربما الحب ، أو ..

قهقهت سلاف ، وقالت :

- نعم.. لا أعرف على نقيض من قسمي برأس ضيعتي ورأس أحلامي .. أنا تائهة .. لا أعرف ماذا أسمي هذه الحالة.. أشعر أن طاقتي وتاريخي وأفكاري قد خانتني دفعة واحدة.

- هذه ليست خيانة وإنما مجرد موقف لاتخاذ قرار هام.

- أردته أن يبقى حلماً.. أكبر معه ويكبر معي.. لقد فقدت انسجامي وبعض ما كنت أقدسه ..

- أحس.. أحس أن ما تخشينه هو..

- ماذا؟

- إنك تحبينه.. نعم تحبينه .. أو ..

شعرت سلاف بدوار اجتاح ما تبقى لديها من توازن.. ألزمها صمتاً قابلته ندى بابتسامة رخوة واسترخاء ، ثم  قالت:

- نعم.. نعم إنك تحبينه، و غارقة في حبه حتى ( شوشتك)..

لاحت أمام سلاف جروحٌ نازة في جسد البحر ضمدتها بصمت.. تركت ندى ومشت.. بدت الطريق مكسورة الساقين ، وفي رأس الطريق جرح نَزَفها كخثرة دم ، ومسحها عن جرحه لتجد نفسها في الغرفة .. ألقت بجسدها في السرير، بينما استقرت روحها في حقيبة أسئلة غير مرتبة إلى جهة ما..

قررت ندى ألا تثير الموضوع ثانية ، وأن تصبر عليها ريثما تتخذ قرارا بنفسها حول الأستاذ ، إلا إذا طلبت منها ذلك، واعتبرت مشكلتها من حيث المبدأ قضية شخصية بحتة.. ولديها القدرة على حلها بمفردها..

وبعيدا عن الأخذ والرد الطويل حول موقفها هذا ، وجدت ندى نفسها وليومين متتالين أقرب أكثر إلى صديقتها مع ملاحظتها وجود بعض التصنع والمبالغة في هذا التقرب ، دون أن تتدخل في المشكلة خاصتها ..

حاولت أن تشيع الفرح في الغرفة ، وتعمل فيها كخادمة ، علقت صورة كبيرة لحديقة في عز الربيع تفر من الإطار .. وصورة لهرتين في سلة قش .. وراحت تستمع  أكثر إلى عبد الحليم وفيروز .. وتصطنع فوضى وقلة جدية ..

مضى يوم آخر على مهل ، تحفزت ندى لترتيب مشروع تسلية مثير .. كما تمكنت من ضبط تصرفاتها وأسئلتها وتجنبت التحرش بها.. ونجحت بإعادة الأمور معها إلى سابق عهدها: أحاديث عن الدراسة والمحاضرات والضيعة والزراعة وأغاني الريف..

مرّ يوم الأربعاء، رفضت سلاف وعن سابق إصرار حضور محاضرة الأستاذ رضوان.. انتظرت ندى مساءً أن تكلمها أي شيء عن المحاضرة.. أيضاً تجاهلتها ، وخرجت وحيدة إلى الصخرة.. جلست عند حافتها.. ضمت رأسها إلى يديها وراحت تحدّق في الأرض.. أحست بثقل ظلها عليها ، وكأن البحر منشغل في معركة ضدها ،  استدرجتها كلمات الزميلات اللاتي صادفتهن إلى ما يشبه الفخ وهن يتكلمن بوضوح عنه :  أستاذ عبقري، وسيم، رقيق، جذاب، يخلب القلوب.. أستاذ ومثقف ،  ونبيل ، وشهم  ..

هربت إلى الركن الخفي في روحها .. لحظة تمضي لتكشف عن عمرترجل ، زمن تكثف في حركة من إبهام لا يطيعها ، خلفية مفتوحة  لمساحة البصر .. تراشق الأنين والموج بين أصابعها.. ركنت بعض الوقت إلى تلك الصور المتباينة حول تشتتها بفعل شبق غيرةٍ طوتها بدمعة كبرت لتزيد عن بحيرة همٍ ،   ودون أن تعرف معناها بالتحديد .. تساقط تماسكها أمامها كأوراق الخريف ، وشعرت بما يشبه العزلة ، وكأنها غزت إبرة في رحم فراغها .. خاطبها ضمير غائبها الذي أشبعها تسلطا على ضمير المتكلم :  " هكذا قلن عنه.."

وقعت أناها تحت وطأة ملامحه، انتابتها مباشرة موجة أحاسيس غريبة، رمتها عند أول حفرة صادفتها في أحشاء يقينها ، ثم تساءلت:

- هل هو حقاً عقبة أمام أحلامي، أم أنها (الولدنة )؟

بعد تعثر ، ومهاترة ، همست بتحدٍ :

- إنها أسئلة حمقاء.. ويجب أن أنجح وأتفوق، وكيف لي النجاح دون حضور المحاضرات؟

قالت أناها :  ياله من سؤال غبي.

تدخل البحر بشيبته و وقاره، ثم نصحها :

- كوني مثلي، تحت سطحي كونٌ عامر بالحياة، وفوقي هواء شفاف..

تظاهرت بعدم فهمه ، وحاولت استشارة قلبها كيف ستواجه هذا الموقف.. تابع البحر :

- ألا ترينني  يا فتاة ؟ حسنا،  فلن أدعوك للغوص فيّ، لكنني أبقى نقيا حتى في سائل العيون وفي ماء القلب، و..

تركته يهمس في أذنها ما يشاء كأرستقراطي أكبر همومه كيف سيبتلع مياه الأنهر العذبة .. عادت إلى الغرفة، جلست على سريرها.. وأمامها دفاترها وأقلامها كفتيان غاضبين .. تماسكت إلى حد التظاهر بالورع الخلبي .. 

تركتها ندى وخرجت لتمضي سهرة طويلة مع سوزان.. أثقلتها الوحدة بوحدة مضادة قسمت ظنها إلى ظنون ، وهمها إلى هموم..  وهاجمتها ملامح الغد المتعبة، والمحملة بالمجاهيل التي تكرهها.. قابلها النوم كعابر وهمي  ، أدخلها خيمته الأشبه بخيوط العنكبوت ..

 

* * *

 

وجدت نفسها في اليوم التالي وحيدة رغم كثرة المحاضرات،  اعترتها عاصفة غامضة لدرجة أنها امتنعت عن تناول الطعام، ورفضت مرافقة ندى وسوزان في مشوار قصير إلى الفرن.. عجزت عن تفسير ألوان هذا الطيف الغامض الذي لبسها ولا تستطيع خلعه : ألهذا الحد أنا  ضعيفة، وما ذنب معدتي، فلماذا لا أقدم لها الطعام، ولماذا لا أذهب إلى المحاضرات..؟!.. أنا هنا للدراسة رغما عن أنف رضوان وعن نفسي ..  تساءلت بتشدد:

أهذا أنت يا رضوان، أيعجبك ما يجري لي بسببك ؟

بعد السؤال تمرغ وجهها بشحوب ترابي .. وعلا صوتها المبحوح :

- سأصمد في وجهك يا سارق الأحلام..

تعقلت قليلاً، وضعت نفسها أمام مشرحة الأسئلة ومبضع المنطق:

- ما هذا الجديد والمستجد الذي غيّرني؟ .. هل هو وهم أم حقيقة؟ .. ما الذي أخافه ؟

أجابت بتهكم:

لا جديد ولا قديم.. سراب، وليذهب إلى النار، فلن أجري وراءه.. دراستي أولا وأخيرا ، وأنا هنا من أجلها .. لا أكثر ولا أقل ..

حاولت الاستماع إلى الموسيقا متجاهلة المشكلة.. مع دخول ندى كان صوت عبد الحليم يصدح..  حاولت الإسراع بقفل المسجل،  أمسكتها من يدها ، وقالت :

- يعجبني .. وإذا كان ..

- (ستوب) لا تكملي ..

- ما راح أكمل ، بس لازم تروقي (شوية) ..

- ( أنا رايقة كتير) ..

شعرت ندى كأن جبلا أُزيح عن كاهلها ، شدت قامتها  وسوت جذعها استعدادا لقول شيء هام ، كان إلهامها يدفع بها نحو  الاعتراف الفج بأمور حول الطلبة ، توقفت أمام فكرة لامعة، واعتبرت أن مجرد استماعها للموسيقا هو انتصار لوجهة نظرها .. أخرجت من تحت السرير طبق برازق.. وضعته على الطاولة .. جهزت الشاي ، وقالت :" أظن أنك لا تحتاجين إلى عزيمة .." ..

صبت لها الشاي ، وكي تبرهن عن إرادة وتحدٍ تناولت قرص برازق ، حشته في فمها بسرعة ، غصت ، فطارت نثراته في وجه ندى ، استقبلت الأمر بضحكة وناولتها الشاي ، كرعت جرعة ، وخرجت إلى الشرفة وعيناها تنفجر دموعا .. تبعتها..  ربتت بين كتفيها مصطنعة مساعدتها .. رجتها سلاف أن تتركها وحيدة لبعض الوقت .. فدخلت ندى .. لفت نفسها بصمت ، وأحست أن الموضوع جدي ، وعليها التعامل معه بانتباه رغم عناد سلاف واتفاقهما الضمني على مبدأ الحياد .. ثم استدركت أنها مرت بمثل هذه المرحلة من التردد والقلق والتعب النفسي قبيل علاقتها بوائل، وقالت لنفسها:

" ستمر بمرحلة قد تكون عاصفة قبيل اتخاذ قرارها بهذا الشأن المتعلق بمستقبلها.. حتى وإن كانت في السنة الأولى، فرياح العشق لا تعرف سناً محددة، ثم لا بد وأن تتعرض لتغييرات ما على صعيد بنيتها النفسية والعاطفية وعلى صعيد هدفها ، وبين هذا وذاك ستقاوم وتتغير، وفي النهاية ستستسلم لقلبها.. والأفضل أن أطبق وصية أمي بعدم التدخل بين القلب وصاحبه لأنهما دائما يصلان إلى شاطئ الأمان إذا تركا حُرَّيْنِ .."

تخلت ندى عن حماسها وعن أية محاولة لحشرية قد يكون لها فعل عكسي ..

 تعاملت سلاف طيلة الأسبوع التالي معها على هذا الأساس.. اتضح لها بالمطلق تغيّر سلاف نحو الأسوأ فالأسوأ.. لاحظت ذبول  ابتسامتها، وشحيح صوتها ، وتجهم ملامحها، وضعف تركيزها، وقلة حماسها للدراسة، ونقص وزنها  بسبب ضعف شهيتها.. انتبهت إلى ارتخاء بنطالها الجنز ونحول خصرها .. تحملت ندى اضطرابها إلى حد لم تعد قادرة معه على السكوت  بشأنها : "هي صديقتي.. وجعها وجعي، وفرحها فرحي، وهي بحاجة لمساعدتي، وحان الوقت كي أتصرف .."

تراجعت عن رغبتها هذه تحت تأثير فكرة سمعتها في مسلسل تلفزيوني  " دع كل شيء يمر .. لا تتدخل .. لا تكن عائقاً أمام عبور الأشياء .. فهي في النهاية ستعبر ، والتدخل لن يكون لصالحك .." 

 قبلت بهذه النصيحة على مضض .. ودون طرح أية أفكار أخرى ..

أبدت عزيمة خاصة ،  و لم تقحم وائل في هذه القصة ، وعدّته شخصا غريبا عن شأن البنات ..

مضى بعض الوقت وهي تنظر إلى عذاب هذه الفتاة .. شبهت ساقيها بكوع مدفأة مستهلك .. ولون وجهها كقشر البرتقال اليابس ..

كانتا عائدتين معا من الكلية عندما اعترضهما شابٌ عند المدخل المؤدي إلى السكن .. وبردة فعل حادة ، انحنت سلاف .. سحبت ( مشايتها )  وقذفته بها ، هرب صارخا ، بينما أعادتها ندى لتقرأ أن في سلوكها هذا تصرفا غريبا ..

ودون تعليق ، وجدت أن من واجبها التدخل مباشرة تجاه هذا الوضع السيء لصديقتها ، كما لعنت الأفكار الآتية من المسلسلات التي تكذب على فقراء الفكر من أمثالهن..

كان ذلك في منتصف الأسبوع التالي.. عندما عادت من الكلية ولديها تصميم كامل للتحرش بها ..تفاجأت بسفرها للضيعة بعد أن تركت لها قصاصة من طرف ورقة كرتون  مكتوب عليها كلمة واحدة: وداعا..

 فهمت منها إلى أين ذهبت  .. واعتبرت ذلك حلاً جيداً..

 

 

حب أخضر _ 2

 

وصلت سلاف الضيعة شايلة همومها في لمعة عينيها العكرة .. وفي صدرها الذي لا يحتمل حتى نوبة شهيق ناقصة كمدخن سيجار عربي ملفوف.. وسلامها بالكاد عبّر عن دلعها المعهود.. لأول مرة لاحظت أمها التي استقبلتها  بالأحضان تغيرها الكبير، هالها منظر الابنة .. حسبتها للوهلة الأولى مريضة، استجوبتها بدقة عن سبب شحوبها والإرهاق الواضح على وجهها.. صمتت سلاف وقابل ذلك مزيد من الاهتمام بها..   لمست أمُّها جبينها محاولةً التأكد  من  حرارتها، وحملقت في عينيها باحثة عن يرقان، ونظرت إلى طرف شفتيها ولسانها.. وقلّبت جفنيها .. وعصرت وسط ظفر إبهامها باحثة عن سوء تغذية .. رغم ذلك لم تصل إلى أية  قناعة أكيدة حول صحتها ، وقالت عندما يعود والدك سيأخذك إلى الطبيب ..

استطردت سلاف  ، وسألت :

- كيف حال أبي ؟ والله أنا مشتاقة له ..

لم تمر نبرات صوتها المتحشرجة بسلام ،  فضحتها تصرفات لاحقة ، تظاهرت بالعافية ، زقت الماء من بئر جدها المجاور وسكبته في ( خابية ) الفخار ، فتشت في البيت عن عمل غير منجز كعادتها ، وبرشاقة مفتعلة  مزجت التبن بالكرسنة ، وقدمته للدواب .. جمعت الروث من المربط ونقلته بالقفة إلى كومة الزبالة .. ولم تنس تنظيف زرق الحمام باهتمام .. كما تناولت جاربا من يد أمها وأكملت رتقه ، وتركت لها تجهيز طبخة ( الهريس) ..

 ومع كل حركة تسأل من بعيد سؤالا غير مترابط ، فتستهجن الأم سبب السؤال ، وهي تردد في عبها " والله قلبي دليلي والبنت ما هي طبيعية ، أيام وأنا أهدس بها .." .. رتبت العليّة .. ثم انزوت فجأة ، أسرعت الأم وبحثت عنها ، فوجدتها متكئة على جذع شجرة سنديان محطم مرمي بالقرب من زاوية البيت المظللة بألواح زنك.. هزتها من كتفها .. فنهضت مذعورة ، ولم تتمكن من إخفاء تعب معلن كضوء النهار ، استبقت أسئلة الأم ، وعبرت عن حالتها بجواب مختصر متهربة من حشرية متوقعة،  بأنه صداع خفيف وسيزول، لكنها  زرعت شكاً كبيراً لدى الأم  ، وقالت صراحة :"  وحياة عيوني ، لست عادية .."

وكان رد سلاف المباشر إصرارها على الخروج معاً إلى البستان القريب .. واستجابة لرغبتها خرجتا.. صادفتا ماهرا في طريق عودته من وسط الضيعة ، وقد اقترب من بوابة الحوش القديم ، سلمت عليه بحرارة مفرطة ، وطلبت أن يترك الأخبار في أحشائه لحين عودتها .. أومأ برأسه موافقا ، وودعهما بتلويحة يد ..

أثناء مرورهما  بين أحراش البطم  والدلب والخروب راحت تهرس التراب وتعجنه مع وريقات يابسة بضغط مقصود ، وتستمتع بهسيس العشب الذي ينخر التراب ويدخل تحته كالشعر في المعجون الطري .. بثت هذه اللعبة في داخلها رواقا ونشوة غير متوقعة وكأنها تمر من هنا لأول مرة في حياتها  .. كما تركت الظلال بعض الراحة الضرورية لروحها .. أبدت تماسكا واضحا ، واقتنعت الأم بقصة الصداع العابر ، التي لعنت أبوه، وقالت " إنه يهلك الجسم ، مثله مثل الدمل تحت الإبط .."

وصلتا وكأن الوالد كان بانتظارهما .. رمى الجاروف جانباً .. لمع زنده المكدود كنصل .. توقف عن غناء موال شجي .. طفح وجهه كنافورة شوق .. كشف عن ابتسامة مشبعة بالرضا .. حضنها.. وقال :" كنت متوقعا وصولك .. الحمدلله على السلامة.. " كانت فرصة لمسح العرق عن جبينه بطرف يده .. تناول قارورة ماء وشرب ، ثم قال : " الله بعثكم لي .. يا الله خذوا المنجل وقشوا تحت الأشجار  .."

ردت عليه سلاف بتحبب :

-  لكن بشرط .

- ما هو ؟

- أن تغني ..

- صوتي (متل جاروشة ) البرغل ، لا يصلح إلا مع ضربات الجاروف كي لا يميزه أحد ..

ابتسمتا .. تابع عمله في النكش وتعمير سلسلة من الحجارة على الحد السفلي لشجيرة زيتون ..

راحتا تعملان في تنظيف الأرض من الشوك والنباتات البرية ، ولم بقايا أعشاب يابسة وجمع العيدان .. جلست سلاف بعيدة عن والديها بالقرب من وكر بنات آوى مهجور .. ماجت أمامها الأيام التي مضت  كنتف حلم لا تقوى على التعامل معها وكأنها تلاحقها كحاسة من حواسها .. اشرأبت أمامها اللاذقية كشحاذ بائس ، وقارنتها بضيعتها التي تقفز بيوتها كعصافير على رؤوس شجيرات فتية .. تركت هذه المشاهد وراءها وجالت في البستان بطوله وعرضه .. نادتها أمها فاقتربت منها ، توقف الوالد عن سرد حكاية التاجر الذي يطلبه ديناً.. رجته أن ينسى الأمر حتى الموسم القادم ، فوافق على مضض .. وطلبت من ابنتها نقل كومة حطب إلى طرف البستان ، ففعلت .. شعرت سلاف بتعب جسدي بدا كجرعة دواء في الوقت المناسب.. انشغلت ، فضاع شرودها بين تنهيداتها الحارة ، وأشار الأب إلى البراعم والخضرة بقصد طمأنة نفسه حول الموسم المنتظر.. نظرت سلاف وبهدوء إلى البستان الذي يولد من رحم الخضرة ،  شمت رائحة الأعشاب اللينة .. استمعت إلى دندنات الأم .. واسترجعت ما قاله والدها يوما حول علاقة الفلاح بالأرض.. كانت وجبة خفيفة لتهدئة ذاكرتها عن اللحاق بها كدين قديم ..

تمشت في البستان بعشوائية .. تكسر التعب عند رغبتها بفعل شيء مغاير .. شعرت براحة بعدما تكاملت لديها صور النباتات البرية على أطراف الأرض مع أشجار الليمون واللوز والأجاص والعنب.. راق لها منظر أسراب الطيور التي شغلت أفقها بلوحات متحركة .. ترامت إلى مسامعها أغاني أم أحمد الشجية ، هزتها من أعماقها .. علقت أمها :

" منذ وفاة ابنها علي – الله يرحمه -  لم يفارقها الحزن.. تحرث الأرض وتغني.. تنام وهي تنشد.. فليكن الله بعونها.. إنها لوعة الأم .."

وقف الأب ، وضع يده على خاصرته ، وقال : " يا مرا ، أمعائي تقرقر و راح أفطس من الجوع .."

تركوا كل شيء في مكانه ، واستعدوا للرجوع .. قبل عودتها من الأرض شعرت بالسيطرة على أسلاكها العصبية ، ارتاحت، وتكلمت أكثر مما توقعت عن الطبخ والأكل وهي تحمل قفة صغيرة من قرامي الحطب .. أنهت تعليقا عن قصة لبنات آوى بضحكة مفاجئة وحقيقية ..

وأثناء عبور الطريق إلى البيت ظلت تتحدث عن أشياء غريبة..  وتضحك أمها كلما أنهت حديثا .. بينما راح الوالد يطبطب على كفل دابته ويشدها من رسنها بقصد السرعة .. وزوجته تضحك وتقول " يا زلمي على مهلك عليها.."

بدا البيت لسلاف كسلة فواكه تحاكي شهيتها المفتوحة .. أخذها ماهر من يدها ، وأراد إطلاعها على ملخص ما كتبه أثناء غيابها .. رجته أن يؤجل فلسفته ، وهي مشتاقة للثرثرة معه وحسب ..

جلست بالقرب منه على كرسي قش ، لم تجب عن أسئلته حول الدراسة ، واستسلمت لحديثه عن آخر الكتب التي قرأها كنرجسي يغمز من صمتها .. وعندما توقف قالت مازحة : " فشيت خلقك .. ؟! كل مرة تحاضر بي كأختك الصغيرة التي لم تكبر بعد .."

جهّز لها المتة ، شربا معا ، وحكى عن محاولته لتنظيم وقته واستغلاله أحسن استغلال ، لكمته من كتفه مازحة :" لن تتغير أيها الفوضوي  .."  تركها بعد ثرثرة سريعة ، وذهب إلى موعد مع أصدقائه  ..

أمضت أمسية طيبة وسط أهلها ، وكان الليل أقصر مما توقعت..

 

* * *

 

  في الصباح  وجدت نفسها وكأن هموم الدنيا تختبئ في عتمة المرآة التي تقف بجانب الباب وتحملق فيها .. تصرفت كربة منزل .. خرجت من حظيرة الدواب إلى خم الدجاج ، جمعت البيض .. أنزلت الخضار المجفف عن السطح .. ارتاحت قليلاً.. ثم أعدت العدة للعودة إلى الجامعة.. أعطاها الوالد ما توفر لديه من نقود، ومونتها الأم بمواد الطبخ من برغل وقلائد البامياء  والباذنجان المجفف و(مكدوس) وبعض النعناع المطحون والزعتر البري و(الشنكليش)..  ما يكفيها لمدة شهر تقريباً ..

كان وقت الظهيرة عندما تهيأت للانطلاق، وإذْ بأصوات صراخ وشتائم آتية من بيت الجد الذي يبعد حوالي ثلاثمائة متر.. هبَّ الوالد ثم الوالدة، وتبعتهما ليجدوا الجدة حاملة عصا وقد ضربت الجد على رأسه وتحاول ضربه ثانية، بينما يحاول شاب إبعادها عنه.. أفلح الوالد في أخذ العصا من يدها وحاولت الوالدة إسكاتها عن إطلاق الشتائم المعيبة.. أخذ الأب الجد إلى بيته كي يضمد له جرحاً في جبهته ويوقف الدم المنبجس ومسحه عن وجهه وثيابه.. اغتنمت الجدة الفرصة ثانية وحاولت اللحاق به وضربه.. تناولت حجراً ورمت الجد الذي نجح الأب في إبعاده وفي الوقت المناسب .. حاولت سلاف إمساكها دون جدوى .. تربصت بالجميع .. صرخت وشتمت ، فجاء الوالد وأعادها إلى المنزل..

تابعت الجدة شتائمها:

-الخائن، الكذاب.. ذلك العجوز الفاسق الماكر لقد وعدني بكتابة (الحاكورة)(*) باسمي، وهاهو يتنصل من وعده..

أجاب الشاب المتوتر بوضوح :

- يا جدتي.. والله لست موظف عقارات ولا من موظفي (الطابو) كما تعتقدين ولا أسجل الأراضي باسم أحد.. أنا موظف إحصاء.. إحصاء وبسْ ، وأحصي السكان والأملاك..

- يا ( خرا ، كمان ) أنت تكذب.. أعرف أنك تآمرت معه ضدي.. جئت بالاتفاق معه.. مع ذلك اللعين كي تنتزع حقي بالحيلة ، وتفرض عليَّ التنازل عن الأرض..  أحس بدنو أجله،  ويريد نقل أملاكه إلى ابنه المدلل عبود ( أيوه .. عبيييبود ..) ويحرمني منها.

كرر الشاب بإصرار:

- قلت لك مئة مرة.. أنا موظف إحصاء ولا تريدين تصديقي،هذه هي الجداول خذيها واسألي أهالي الضيعة، فهم يعرفون.. والله يعرفون وظيفتي .

- تفوه.. اللعنة عليك وعلى الضيعة أيها المنافق.. كلكم عكاريت وأولاد قحـ..

أخذت عصا وراحت تهم بضربه .. ابتعد عنها ..

- هه .. هيا اخرج يا إبليس.. يا قبيح الوجه.. يا كلب.. تريدون تجريدي من حقوقي و..

ركضت وراءه، فهرب منها ، ومعه ملفه وأوراقه، وبعضها سقط منه ، فعاد والتقطتها بصعوبة ، أخذت ورقة كانت بالقرب منها ، عجنتها ووضعتها تحت زنار فستانها ، وقالت :

- لو (شقيت)  عيونك ما راح تشوفها ..

مضى الموظف مع أوراقه كالهارب من مصيبة ..

بينما تابعت الكلام أمام سلاف ووالدتها:

- تفه .. السبب عبود، أبوك عبود .. ابن العـ.. لقد طمع بالأرض وهو الذي دفع الرشوة لموظف الطابو ..

حاولت سلاف التكلم.. دمدمدت كلمات متفرقة وهي واقعة تحت تأثير هذا التصرف الغوغائي والمفاجئ ..

وصل جار وتساءل عن سبب هذا الصراخ، فطردته قائلة:

-   حتى أنت يا جار الوخم ( .. يا صباح العزا يقرع قرعتك قرع  ).. هيا اغرب عن هذا البيت.

- أعتذر.. أعتذر عن حضوري، وإنما جئت لـ..

- هيا .. هيا .!  انقلع .. فرجني عرض اكتافك ..

خرج،  وبقيت وجهاً لوجه مع الكنة وحفيدتها تشتم وتندب حظها وارتباطها مع ذلك الرجل الذي أفنت حياتها معه واعتقدت أنه سيحبها يوماً.. لكنه بقي على كرهه وعدوانيته.. " عجوز أرعن وقلبه خال من الرحمة، نسي تعب هالكفين.. "

اندفعت وطردتهما، فخرجتا عائدتين إلى البيت.. كان الوالد قد ضمد الجرح، بينما جلس الجد صامتاً صمت الصخر كمن طعن في رجولته وشرفه وكرامته وخسر كل ما جناه في لحظة مقامرة غير منتظرة .. تابع الأب حديثاً كان قد بدأه معه..     <<  - يا بيِّي، الله يخليك اسمعني كويس، وحاجي زعل، وأنت أكثر واحد عارفها والمسامح كريم، هي أكيد فهمت غلط، وخايفة على مستقبلها، وهذا من حقها.. و(هلق )هي نادمة و..

- بس ضربتني بنت (الخروق).. هذا الدم ما راح يروح بلاش أيوه .. >>

تمنى ألا يسمع مثل هذا الرد منه ثانية، حاول امتصاص غضبه، و طلب من الأم تحضير إبريق (زوفا)، فقامت وظلت سلاف إلى جانب جدها لا تتجرأ على النظر إلى عينيه الحمراوين والجافتين كبلورة مصبوغة بلون الدم الداكن ..

تابع الأب بحذر :

- لا تغضب.. بعد شوي سنشرب الزوفا معاً..  راح ( تِجي)  وتعتذر وتبوس جبينك وتبوس خدها..

ابتسم ابتسامة مفتعلة لم يشاركه بها أحد.. قالت سلاف في نفسها:

" من الواضح أنها لن تعتذر.."

قابل الجد كلام ابنه المؤثر بصمت يلمع كلاما كحد السكين .. تلتها كلمة انفجرت كطلقة:

- إيه .. تكرهني.. تكرهني..

- يا  بيِّي الحبيب ، معقول تكرهك وقد أمضيتما معا كل هذا العمر..؟ لا يصدق عاقل  أن تختلفا بعد كل هذه (العشرة) ..  واحد وخمسون سنة من الحياة المشتركة على السراء والضراء..

انسحب الجد من مكانه إلى غرفة جانبية وطلب ألا يزعجه أو يدخل إليه أحد..

دخلت الأم ومعها طبق وعليه كاسات الزوفا، عجزت عن فك عقدة الصمت الأشبه بصمت المقابر، شاركتهما الحيرة لحين دخول ماهر عائداً من وسط الضيعة، وهو يردد بصوت عالٍ:

- ماذا جرى لهما؟ لقد فضحهما موظف الإحصاء، أيعقل أن تضربه؟.. إنها كارثة.. عار.. يقولون ضربته حتى جرحته.. لقد أهانت جدي الطيب..

حاول الوالد إسكاته، أو تخفيض صوته بإشارة من أصابعه الملمومة عند رؤوسها ، لكنه غضب أكثر ، وقال:

- لماذا تسكتني؟.. لقد علم الجميع بهذا العار، ثم لماذا فعلت جدتي ذلك؟ هل هي تريد الأرض، أم مجرد مؤامرة  كي تسيء لحبنا ولسمعتنا جميعاً؟

بلغ الكلام مسامع الجد الذي سُمعَ صوت بكائه يتعالى ويتصاعد..  فهم ماهر لماذا يحاول الوالد تهدئته، وعندما همَّ بالدخول إلى الغرفة  منعه  بقوة:

- (هيك ) طلب جدك.

- لا أحتمل بكاءه.

- قد يفيده البكاء.. دعه يعبر عن مشاعره كما يريد.

- من حقه علي الاهتمام به.

- ليس الآن.

جرى هذا الحديث أمام باب الغرفة تماماً، وهنا تنبها إلى حجم الكارثة التي لحقت بالجد المحبوب والطيب .. تحسّر الأب .. وتوتر ..

عاد ماهر.. جلس القرفصاء وأسند جسمه إلى حافة النافذة ،  وردد بهمسٍ:

- لم ينزعج طيلة حياته، يسمونه قمر الضيعة لوضوحه وبساطته ونبله والآن يُهان، ثم يبكي كطفل فَقَدَ أغلى ما لديه.

- يا بني علينا التصرف بحكمة، وإلا سنؤذيه أكثر..

اندفع ماهر خارجاً باتجاه الجدة وتبعه الوالد، ثم سلاف بعفوية.

قابل ماهر الجدة بغضب:

- لماذا.. لماذا أهنتِ جدي ؟ .. أتريدين (الحاكورة)،  أم أمراً آخر خططت له منذ زمن طويل ؟   والآن حصلت عليه  بالدماء والفضائح .. هذا تصرف ما له لزوم .. خذي.. خذي كل الأراضي،لا أحد يعارضك، أم أنها حجة كي تظهري  حنقك وشرورك  في هذه الدنيا؟!..

- أنا جدتك يا (عكروت )!

- لكنك ضربته دون مبرر واضح.. أم أنك ثأرت لـ..؟!

- يريد تسجيل (الحاكورة) باسم والدك.

- لكِ الحاكورة وكل الأملاك..

- إنه يكذب.. كلكم تكذبون وتتآمرون، ولا أريد أن أكون ضحية، ثم أسقط تحت رحمة شفقتكم.

- هو ليس بموظف طابو!

-  كذابون.. أراد لي التوقيع على الورقة.. أن أبصم بالحبر الأزرق .. أراد أن أتنازل وتسقط حقوقي.. تحسبون أني غبية؟!

- وماذا عن حبك المزعوم؟

- نعم.. نعم.. أنا أحب الأرض وأحب نفسي فقط.. أهذا ما تريد سماعه أنت ووالدك؟

- أيضاً نحن أحفادك ونحبك ونفديك بأرواحنا.

- كان بالإمكان أن أحبكم لو لم تكذبوا علي.. لقد تحالفتم ضدي.. أنتم أعدائي.. أعدائي وليعلم الأهالي كلهم بذلك.

همّ الوالد لتقبيل يديها قائلاً:

- أنت والدتي وكل أملاك الدنيا لا تعوضني عن كلمة أمي.. أقسم بالله العظيم إنني أحبك وأجلّك ..

قال ماهر:

- ربما فهمتْ خطأ.

- أنتم جميعاً على خطأ.. أردتم تخليصي الأرض التي وعدني بها، وبعدها ترمونني خارج المنزل بعد موته كالكلبة..

سأل ماهر:

- يبدو أنك لا تريدين الصلح؟!

- الأفضل أن تخرجوا من هنا وإلى الأبد.. أنتم لستم مني وأنا لست منكم.. يا لله انقلعوا.. وإلا قرعت رأسكم بالعصا..

تركوها وعادوا لتجد سلاف والدتها واقفة مع جارة وقريبة لها عند جذع شجرة زيتون، اقتربت منهما.. سمعت الجارة تقول:

- ألم أقل لكِ إنه ما فيها خير.. كلنا نعرف أنها تخدعه.. حاولت جعلنا تصديقها وفرض نفسها علينا كقدوة في الحب.. أكيد لم نصدقها أبدا ، وفشلت في كسب ثقتنا.. إن حبها فاسد مثل البيض ( المَّودَر)..

- كلنا عرفنا كذبتها.. داريناها إلى أن انفجرت، وتريد قتل العِشرة والحب ..

- مَنْ هم المخطئون.. الذين تستروا عليها،أم هي؟ سألت الجارة دون حرج، وأجابت الأم :

- هذا السؤال الكبير يحتاج إلى وقت كي نجيب عليه .

- أعتقد أنها ورطتنا من جديد ..

أضافت الأم إلى كلام الجارة فكرة لا تخلو من غموض :

- عرّت نفسها أمام الجميع دفعة واحدة، وعليها وحدها تحمل عواقب تصرفها..

ردت الجارة بتهكم :

- وحدها.. وحدها.. أم نحن؟!

اكتفت الأم بهز رأسها، لتتابع الجارة :

- أنت وأنا عارفين كويس  السبب، وكل من سكت عن خطيئتها، أو أسهم  في  طمر إساءتها لقصص الحب ولشباب الضيعة يتحمل هذه النتيجة، معقول ننسى محاولتها الفاضحة مثل رائحة الجيفة للتفريق بين جميل ومديحة.. و لولا حبهما المقدس لنجحت في ذلك..

تلا هذا الكلام صمت هش الذي روّح عن الموقف تشنجا عالقا على كآبتهم باتجاه التفكير الحذر ..

بعد لحظات وجدت الجارة نفسها مضطرة للكلام بدافع تبرير ما قالته كي لا يُفهم خطأ .. وقالت : "  بس الزمن لا يسكت ، وهو ذكي .."

عبرت الأم بلهجة لا تخلو من الأسى :

- بصراحة أنا خائفة..

استفز هذا الغموض سلاف.. و تفاجأت بأقوال أكثر حدة من أمها التي لم تسمعها تتكلم بحقد مثل هذه المرة ، وفسرت الأمر على أنه علاقة ( الكنة بالحما )..

استطردت الجارة بلهجة الواثقة : 

- من حقنا أن نخاف على الأشياء الرائعة التي بُنيت خلال دهور وأصبحت جزءاً من حياتنا، والآن جاء من يستخف بها ، ويحاول قلع عينها ..

سألت سلاف:

- ألهذا الحد المشكلة كبيرة ؟

- وأكثر .. جدتك عملت مشاكل سابقة .. تُركت وشأنها ، واعتبرت ذلك مكافأة لها ..

تحدثتا بوضوح وسردتا قصصا غريبة أمام سلاف دون قصد منهما ، وقالتا كلاما أكثر حدة ووضوحا ، واعتبرته الابنة اغتياباً لجدتها .. وأفصحت الجارة عن قول بتشدد والبخار يتطاير من فمها :

- معقول .. ؟! وصل بها الأمر إلى ضرب زوجها.. لأول مرة يحدث في تاريخ الضيعة أن يسيء أحد الزوجين للآخر..

تدخلت سلاف:

- لكن هذه جدتي ياااا .. ولا يجوز التكلم عنها بهذه الطريقة..

صمتت الجارة ، وكأنها تدعو الأم للإجابة ، أنزلت الأم يدها عن خدها ،وأشارت بالأخرى إلى أمر هام يجب أن تعترف به :

- نحن لا نتكلم عن جدتك، وإنما عن خطئها.. قد لا تكوني تعرضتِ لمثل هذا الموقف من قبل لأنه لا يحدث في الضيعة أبداً.. هل تذكرين مثلاً أية حادثة تشبهها..؟ يا حلوتي حتى ولو كانت جدتك، أو أنا، أو أنت، تعلمنا ألا نسكت.. نسمي الأشياء بأسمائها ونترك الباقي لصاحب العلاقة، وهكذا حتى لا يضع الأهالي أنفسهم في مثل هذه المواقف.. يتجنبوها لا خوفاً، وإنما قناعة أصبحت قانوناً في حياتنا.

- نتهم جدتي بما هو غير لائق؟

- غير اللائق أن نتركها وشأنها، أو دون التعليق بصدق حول الموضوع.. لا معاقبتها ، بل معاقبة أنفسنا ألا نتعلم منها..

- هذه قسوة يا (مو) .. قسوة ضد جدتي العجوز.

تدخلت الجارة بكلام فيه إشراقة امرأة مجربة :

- تشفقين عليها لأنها جدتك، أم لأنها عجوز؟

- أتكلم عن التسامح.

- وماذا عن الحب؟ سألت الجارة.

- لا أفهم ماذا تقصدين.

- يا بنت جارتي .. هكذا تجذرت عاداتنا.. و أصبحت مثل (الشروش )  في التراب، إذا استطعنا دفع البلاء قبل حدوثه، لازم نفعل.. وإذا وقع وكنا قادرين على دفعه ولم نفعل، فذلك خيانة، والتسامح ليس هدفاً بحد ذاته وإنما يجب منع أسباب حدوث المشكلة ، والحب الذي ترعرعنا عليه ورضعناه..علمنا ألا نخطئ، وبالتالي ألا نتسامح أو ألا نصل إلى المشاكل التي تستحق أن نتسامح من أجلها..

أضافت الأم التي بدت كمحامية جادة ، وكأنها لا تني إثارة الموضوع أكثر من اللازم :

- نعم يا بنتي هذه هي ضيعتنا.. وما قالته أم عمار يلخص أمورا كثيرة .. نعدّ التسامح جزءاً من الخطيئة أو المشكلة ، لأننا أوصلنا أنفسنا إليه.. هذا ا قاله الشيخ ، " أيوه .. هادي هي القصة بطولها وعرضها  .. ليش نوصل أنفسنا للمشكلة اللي لازم نبوس الأيدي والأرجل  لنتسامح من أجلها بعدين .. ؟! "

- أيضاً هذه قسوة..

 قالتها سلاف بتهكم ، فاستطردت الجارة وكأنها مرتهنة لما ستقوله :

- لقد حاولت فرض منطقها علينا ، وكل ما فعلناه أننا تجنبناها، وأعدّ ذلك أعلى درجات التسامح.

- ألهذا الحد هي شريرة؟!

سألت سلاف بشيء من العتب، وأجابتها الوالدة بوضوح:

نحن لا نتهم أحداً.. ونعتقد أن الشر والمشاكل صناعة آدمية يمكن تجنبهما .. وليس له علاقة بالخير .. لا.. لا الخير (شي مغاير.. شي تاني)..

اغتنمت الجارة لحظة هدوء فرضت نفسها عليهن ومضت باتجاه بيتها.. بعد ثلاث خطوات التفت إلى سلاف ، وقالت :

- كل الأهالي يقولون إنك ذكية وتلتقطينها على الطاير.. أنت أفضل بنات ضيعتنا ..

- بس ، أين هذا الشيء اللازم ألقطه على الطاير ..؟

أشارت إلى أمها كي تجيبها ، ومضت دون كلام ..

ضمت الأم ابنتها.. تهيبتا الدخول إلى البيت المشحون بغضب الرجال.. جلست الوالدة على حجر أسود مرتفع قليلاً عن الأرض أعد للجلوس ،  وأسندت  ظهرها  إلى جذع شجرة سنديان تحمل عريشةً ناضجة كامرأة  أنجبت جيلا كاملا ، ومن هنا فتح العالم أمامها فسحة تمتد إلى اللانهاية دون أن يعترضه أيٌّ من اللوحات الجبلية المتلاحقة، والتي تلتحم معه في صورة ملحمية حيث يبدو الأفق المرتفع راكعاً كناسك عند أقدام التلال والفضاء مرتسم على الشفاه المستيقظة بين انحناءات الوديان المتتالية والمثيرة لشهوة الناظر.. ألقت الوالدة نظرها إلى برج صافيتا الواقف كشاهد على عبور سحابات سوداء من فوق رأسه ، سلمته توترها.. دعته للمجيء بقامته إلى الضيعة التي حرسها بهيبته منذ مئات السنين.

سألت سلاف:

- ألهذا الحد بعيد برج صافيتا؟

- إنه كالحاجب فوق عيني..

- أعرف أنك تجلسين هنا فقط عندما تفكرين بعمق وتحلمين..

- بصراحة ، كلما جلست هنا ونظرت إلى الشرق أشعر بالرهبة وبأن العالم بألف خير ، لذا من حسن حظنا أننا إلى الشرق من المتوسط والبرج إلى شرقنا، ومن بعد الشرق شمس، ومن بعد الشمس أحلامنا..

- سمعتكِ تقولين مثل هذا الكلام لوالدي وأعجبت به،  وترددين أجمل منه في موسم الحصاد و موسم قطاف الزيتون، لكن ما المبرر لتردديه أمامي الآن؟

- ربما لأننا في موسم إزاحة وجع الرأس، ثم لا أريد أن تُسرق منا هذه المسافة القريبة من السماء.

- أنت خائفة؟

- لا أعرف.

- أؤمن أنك تعرفين كل شيء حتى بعض ألغاز السماء الخفية.                                                                                    - أعرف ما يعرفه الأهالي فقط.

- لم أسمع من قبل بتدخل جدتي ضد حب جميل ومديحة الرائع.. وحبهما حكاية يتمثلها كل الشباب،  فهو أكثر من مثالي..

- نعم حبهما رائع مثل طير عاشق ومعشوق ، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، لدينا نواميس نمت وترعرعت.. نقدسها ونحبها مثل حبنا للماء والسماء والخضرة .. ولأنها رائعة وتخدمنا وتحافظ على عفويتنا، نحرسها بحدقات عيوننا، نواميس لا نعرف من سطّرها، وإنما أصبحت جزءاً منا ، كطعامنا وشرابنا وصباحاتنا الحلوة.. هي مغروسة فينا كحبنا لله لا نسمح المساس بها، وأهمها لا زواج دون حب،  والحب هو مقدمة ونتيجة وطريقة حياة..

توقفت عن الكلام الذي حولها إلى حكواتي مشحون بالرغبة لقص حكايات من صميم الحياة حتى ولو لم يجد لمن يقص له إلا نفسه .. نكشت الابنة هذا الصمت المتوفز على سرج اللسان،  وطلبت من أمها أن تحدثها .. أطرقت إلى الأرض قليلا .. ثم رفعت رأسها، عطست بحدة ، حركت أرنبة أنفها بطرف سبابتها ، وتابعت : 

- مرات أشوف نفسي مثل واحدة جدبة ، لكن قناعتني مع الأيام أصبحت أقوى .. والولد ( ابن ليلتو بيعرف كيلتو ) والكل يعرف الحق وليس القاضي فقط .. خذي مثلا قضية الطلاق محسومة ، ولم تحدث يوما في ضيعتنا ، وكمان المشاكل الزوجية غير موجودة ، ونظام تحديد النسل مطبق بدقة، ولا يوجد تعدد للزوجات ولا تناحر عائلي، أوأي تناقض بين ذكر وأنثى.. فالمرأة تعمل في الحقل، نفهم من ذلك أنها  عاملة ، تحب زوجها وأولادها  يعني هي فاضلة، وزيادة على ذلك هي أم .. لم تحدث خيانة يوماً .. لا في النظر ولا في القلب ولا في السلوك، ومن يتصرف أي تصرف خارج هذا الإطار تفضحه كفاه وعيناه وقلبه، ثم يُلفظ خارج الضيعة..

همهمت ثم تحمست أكثر للكلام ، وهي تراقب عيني سلاف اللتين تلتهمان كل حركة من شفتيها ، وكل كلمة تقولها كحكمة تخصها وتكشف لها عن أسرار تعتبرها بأمس الحاجة إليها .. تابعت بنبرة حادة :

- قد لا تكونين  لاحظتِ ذلك، لكن من واجبي الإشارة لك أن ضيعتنا خالية من القضاة والمحامين ولا يذهب إلى المحاكم أيٌّ من أهلها، تعرفين أن طلبتها في كل الفروع، لكن لم يفكر أحد بدخول قسم الحقوق لاعتقادنا أنه لا يوجد مشاكل أبداً.. هذه هي فطرتنا.. وأعتقد أن محكمة صافيتا هي أقل المحاكم انشغالاً في العالم..

- ما هي مشكلة جميل ومديحة ، وما علاقة جدتي بهما ؟ سألت سلاف بهدوء ..

- يا بنتي، إنَّنا نرفض التلاعب بالمشاعر ونعتبر ذلك من الكبائر.. لكن جدتك تجاوزت هذا الأمر ، وافترت كذبة غير صحيحة ضد الشابين المقبلين على الزواج جميل ومديحة، وقالت، ثم أقسمت أن جميلاً يحب فتاة أخرى واضطرهما ذلك الانتظار ثلاث سنوات تماماً حتى أثبت جميل لمديحه صدق مشاعره، والمدة هذه هي عقوبة لكل من نشك في صدق حبه.. فعلاً عوقب وانتظر وأثبت لنا جميعاً ما أردناه، وتحملت جدتك وزر تأخير الشابين عن الزواج ..

- إذن هي السبب؟

- نعم، وكادت تتدخل في علاقة أخرى بين شابين، لم تنجح .. لدينا قانون حب فطري متماسك وقوي ونؤمن به.. لا زواج دون حب والمساس به هو المساس بكرامتنا..

 تغيّر مزاج  سلاف ، وكأنها أمام مشهد مصلوب على جذع شجرة العرعار الكابية بأغاصانها الخضيلة التي جزأت فسحة الفضاء المحيط بها إلى جزر متناثرة ، ثم نطقت بعد أن رطبت حلقومها بلعاب  :

- كنت أحس بإحساس  ما غريب  يدلني إلى  ما يشبه نموذج  قانون الحب.. لم أعرفه بالضبط، لكنني  علمت أن الضيعة بألف خير ، واكتفيت عند هذا الحد ، ولم أتعرض لمشاكل كي أفتش عن أسبابها ..

مسحت الأم بكامل ساعدها طرف وجهها المبلول بعرق وتعب شقيين .. وتركته يروق قليلا ، ثم تابعت وهي تنظر إلى شجرة الزنزلخت العارية :

- يا روح أمك ، فطرتنا لا تزال بدائية كما يردد ماهر باستمرار،  لم تُمس .. قالت لي ذات يوم (ختيارة): علمنا البحر ألا نسبح إذا كنا لا نستطيع، والجبل علمنا الرسوخ على المبدأ، والسعادة ليست بلوغ القمة وإنما الطريق الوعرة التي نعبرها إليها، ومن السهل تعلمنا أن نزرع على قدر الأرض، نشبه الطبيعة وهذه قوة، كررت تلك السيدة التي توفيت وأنا صغيرة أمامي بعض الحكايات.. وعندما كبرت فهمت أنها قصدت ما قالت وأرادت تعليمي وبعفوية ما كانت تريد نقله من ماضيها إلى حاضرنا، وها أنت تستلهمين تلك الوقائع بفطرتك..

- وماذا قالت أيضا؟

ابتسمت وقالت جملة اعتراضية :

- قصدك ماذا أقول أنا ؟

- لا.. لا . ماذا قالت هي ..

فهمت الأم مغزى إصرار ابنتها ..وتابعت :

- أذكر ما شرحته لي طويلاً حول كيفية صنع النبيذ من العنب.. حفظت ذلك عن ظهر قلب وعندما تأكدت أنني حفظته، قالت: لم أقصد تعليمك كيفية صناعة النبيذ ولا كيفية شربه وإنما أردت القول إننا قادرون على صناعته ونستطيع شربه، لكننا لا نفعل ذلك لأنه  يغضب الله  وضار بالصحة.. وليس المهم أن تحرم الخمر وتكسر جراره، بل المهم أن توفره وتصمد أمام وفرته وألا تتصرف بسوء.. وهكذا تعلمنا أشياء كثيرة كانت أشبه بالمناعة كما يسميها أخوك .. يومها أثارت انتباهي ، وقالت : " نحن من ضيعة تنتمي في آن معاً للبحر والجبل وللسهل والأفق.. "  فسألتها.. وكيف نحن ننتمي للأفق ؟

أجابت: انظري إلى تلك الضيعة المنخفضة، فنظرتُ، ثم قالت: تصوري أنك هناك، فتصورت، عندئذٍ قالت: نحن بالنسبة إليهم في الأفق، وهم بالنسبة إلينا في السهل، وهكذا..

شرحت لها كيف كبرت وكبرت معها أردافها التي حملت الحطب من مسافات بعيدة ، وكيف مشت حافية حتى أصبحت قدماها أقسى من جلد الغنم المجفف ، وكيف حفرت وزرعت وخلفت وربت  ..

تفتقت جروح الماضي ، وأجازت الشفاه الكشف عن مستور بغية تصويب أمر قد نضج .. افترضت الأم افتراضا لم يكن في محله تماما ، وأفصحت لابنتها عن تجارب سابقة مرت بها.. كانت روح سلاف هائمة أمام هذا المشهد المتموج لعالم من الأتقياء ينتهي عند شفتي أمها .. تهيأت لها تلك الأيام كحكماء يدرسون أمها الحكمة ، ويجعلون من جسدها طاقة وعاصمة للمحاولة الأقرب للمغامرة .. ومن روحها قوة وتماسك.. 

بان ماهر من خلف ظل عميق لجدار من الطوب ، اقترب منهما وهو ينهب الممر الضيق ،  ورأسه يلولح فوق جذعه ، وقدماه تعصر همة وكأنه على موعد مع سحابة ، على بعد خطوات ، ومن وراء غبش العيون ،  ردد وكأنه يكلم نفسه :

- لا يزال جدي غاضباً ويرفض التفاهم معنا .. إنه على حق.. والله على حق ..

اقترب من الأم أكثر .. نظر في وجهها التي عملت فيه الحيرة طبقة خام لتأويلات جريحة ، وقال:

- أعرف أنك تحلمين..

لم تنبس ببنت شفة وهي تحدج في وجه ابنتها كملخومة لا تعرف كيف تفك عقدة هذا اليوم مع ولديها .. وبعد إلحاح وثرثرة منه ، اضطرت لمعارضته ، وقالت :

- الله يرضى عليك.. تعال واجلس مكاني، ثم فكر.. أرجوك لا تحلم، فقط فكر..

نهضت وذهبت إلى البيت تاركة الأخوين معاً.. ظل ماهر واقفا..  حدق بعيداً في الوديان المتعرجة كخيط لانهائي تطيره الرياح .. كسّر هذا المنظر برفة جفن ، ثم قال:

- يا لطيف تلطف ..

خرج الخوف من عيني سلاف كعتمة ، ادلهم الجو من حولها، وبعد برهة من زمن واقف على ركبتيه ، وكلام متطاير لجمل غير مسموعة من أخيها ، طلبت منه التركيز أكثر بعد أن طيبت خاطره  ، جعلته يركز :

- جدي على حق وكل ما قاله الأهالي صحيح ، وهي فرصة للتعلم..أنا وأنتِ يا أختي الغالية نعلم جيداً استحالة الحياة دون حب، وقانون الضيعة القائم على استحالة الزواج دون حب صريح وواضح ونبيل ، هو قانون مقدس، فأي شاب وصبية عليهما المرور بتجربة عذرية عاطفية أمام الجميع قبيل الزواج وأن تستمر هذه التجربة على الأقل سنة، وهي مرحلة اختبار، و فترة زمنية ضرورية كي يختبرا حبهما بشكل جيد وحسب قواعد صارمة: يخرجان معاً، يعملان معاً، يتزينان لبعضهما البعض وبعد تلك الفترة، إما يستمران أو يتوقفان  عندئذ  يبحث كل واحد عن حب آخر بهدوء ورضا..هذه هي ضيعتنا،ولا يمكننا رفض ما هو جميل.. وما تفعله جدتك الآن هو محاولة لنسف هذا المبدأ السامي .. ولو التزم جدي بهذا القانون لما وصل إلى ما وصل إليه الآن .. نعم ، للحياة ذاكرة خالدة، تؤجل العقاب ولا تنساه ..

- إذن مشكلته قديمة ؟!

- بالتأكيد .. القصة ليست وليدة اللحظة ..

استفزت سلاف أكثر ، وسألت أسئلة كثيرة عن ماضي جدها ، وعن الحب وقامته وشكله .. وعن أشياء أخرى .. استطردت قائلة:

- للتو سألت أمي عن بعض الأسرار، فأجابتني أن للطبيعة دوراً في بناء قالبنا الاجتماعي وحتى المعاشي ، وشرحت لي بعض حكايات الناس القديمة التي بدت لي طرية كخبز التنور ومنقوع البرغل ، والآن تقريباً فهمت أهمية الحب، ومن بعده تأتي البقية، فكل شيء بعد الحب رخيص، فهمت أننا لا نحتاج إلى مهر أو مفروشات وذهب وفساتين وهدايا وأعراس، فبسلتي تين وعنب تزوج أبو مشهور، وتزوجت مريم بسلة بندورة.. وكان مهر سميرة خروفا .. وأعجبني قول لأمّي طالما رددته كثيراً: " إذا كنت غير قادر على فعل شيء، فلا تخف..اعشق وتهون الأمور.."

اعتذر ماهر ومضى  دون أن يكون له هدفٌ واضح كما قالت خطواته الرخوة .. بقيت سلاف وحيدة وحائرة أمام سيل من الأسئلة فجرها حدث واحد.. حدث مسّ جديّها ، مسّ حبها لهما..  حدثٌ شلّ حركة البيت ومنعها من السفر وأصبح حكاية الضيعة، كأنه حرب أهلية مستترة لزمن طائفي منكوب بخثرات التستر  الآبقة ..

وجدت نفسها على حافة حفرة من الشكوك ، وكأنها سادرة في غياب ، لاتصدر عنها نأمة أو حتى زفرة ، وعلى غير هدى استلت من حيزها باتجاه الحوش الخرب ، تئن تحت وطأة قلة الحيلة .. نظرت إلى ظلها المستلقي على ظهره ، أشعلت فيه شمعة الهروب إلى زاوية البيت الترابي القديم القريب من الزريبة ، حيث أعشاش الحمام العديدة وبقايا قش وروائح مقرفة .. كانت على موعد مع عاصفة من النوع التي أثارها الوقت ، وجعلها تفرد لها كل طاقتها للنجاة من تيارها .. بعد أخذ ورد  كاد يستهلك عزيمتها،  اتخذت قرارا بأن تفهم وتبحث أكثر حول علاقة جدها بجدتها ، اتخذت هذا القرار تحت تأثير دوافع عدة ، وفي أغلبها اندرج تحت عاملي الفضول والنجاة بنفسها من الأسئلة حول قضية تخص أسرتها التي لم تجتمع يوما إلا على الابتسام ولم تفترق إلا على الأمنيات في العودة للقاء.. تقاوت على هزالها ، وأسرّت لنفسها بعض الملاحظات الهامشية ..

حضرت عمتها ، التي دخلت بيت الجدة وظلت غائبة فيه لفترة  طويلة ، خرجت وهي تولول .. دخلت إلى غرفة الجد ، أطالت الجلوس.. هدستْ سلاف بأمرها وغرابة تصرفاتها .. دخلت غرفة الضيوف المجاورة لغرفة الجد ،  وجلست على الحصير،  ترخي بكامل جسمها على مسند مستطيل الشكل ملقي تحت النافذة تنتظر خروجها من هذه الخلوة  .. طرحت ألف سؤال أغلبها كان عبثيا..  لم يتجاسر أحد من الأسرة على الاقتراب من الغرفة أو حتى قرع الباب الذي أخذ العمة وراءه بتهيب ملحوظ على  وجوه أفراد العائلة .. خاصة الأب الذي أبدى ارتياحا كبيرا لحضورها .. اندهشت سلاف لقوة شخصيتها المهيبة ، واحترام الجميع لها  ..

خرجت لتأخذ كأس ماء ، لمحت سلاف ، قبلّتها ودخلت إلى الغرفة ثانية  ..

استغربت ابنة الأخ تصرفها هذا ، وتساءلت لماذا خصتها من بين الجميع بالسلام الحار ..

دار في خلد سلاف طقم كامل من البيانات حول الأسرة: العمة القوية كبقرة حلوب كما صفها الجد مازحا ذات مرة ، والأب الأشبه بكبش يهرب من المناطحة فورا ، والأم الحمل الوديع ، وماهر ثعلب ذكي لكنه لا يحب أكل اللحم ، وجدة (…) تركت فراغا ، وهمست : " تغيرت مواصفاتها " .. والجد كجمل الصحراء .. وعم كنسر يصنع كراسي قش اعتزازه بصناعتها في غير محله .. وخال مصاب برخاوة في الظهر ونكبة عدم الإنجاب..

جمعت هذه المعلومات وقررت أن تتحدى ماهر في عقر فلسفته عن معنى هذه التشبيهات .. كما قررت أن تطال كعب أفكاره حول الخلاف والأمن ، بعد أن رنت  في أذنيها عشرات المرات - القرية الآمنة- انتابتها رعشة من وحي الأمان الممتع الذي اقتادها إلى لوحة القرية الهادئة الوديعة المسالمة والمتحابة.. تذكرت إعجاب ندى بقريتها، وبدأت تتلذذ باكتشاف لم تكن تلحظه في السابق حول مناقب الضيعة : << لقد أمضت ندى هنا يومين فقط وأصيبت بدهشة لا تزال تحملها في أحشائها، وتذكرها أمام زميلاتها كأنها شاهدت أجمل مكان في العالم .. لا أفهم بالضبط سر هذا التوازن في كل شيء، أهي الطبيعة،أم كما قالت إحدى المسنات،القرى كشجر البرتقال لا تنمو إلا في التربة المناسبة لها  >>..

توقفت عن استرسالها لصالح اللعب بضفائرها التي فرضت عليه تسلية ما .. نزلت الضيعة عن رأس شجرة صنوبر تطل من شق الباب نصف الموارب ، تنقلت كدرغلة بين الأغصان المجاورة .. امتزجت الصورة بواقع رمّلته الحيرة ..

 زحفت على كوعيها و ركبتيها باتجاه الباب ، فتحته على مصراعيه، لترى بوضوح مشهد البيوت المتناثرة ، وضعت بين الفراغات الأمكنة التي تشب كنار جائعة للحطب ، بدت لها حارة .. جفلت من هذه المشاحنة المعتدلة للحظات مع وحدتها التي ولجت أفقها الداخلي .. سكبت عليها نظرات تشوبها تساؤلات مباشرة .. وبعد عزاء للوقت الذي مضى ، امتدت أمامها لوحات لقرى تئن تحت أظافرها ولصبية يقتلعون أضراس الزمن بلهو قاصر .. كان الجميع يتحركون جيئة وذهابا وكأنها غير موجودة .. مرت أمامها ملامح تشبه الشيفرات البسيطة للوقت ، تذكرت ما أحصاه ماهر ذات مرة عن الضيعة بفخر قائلا : " تصوري أن عدد المتعلمين في قرية لا يتجاوز عدد سكانها الألفي نسمة تصل إلى 85%.."

تراءى  لها رسمه  على ورقة كرتون علقها لفترة طويلة فوق سريره .. ورقة ملونة تشبه الخارطة للقرية ، بيّن المركز  وتحيط به مجموعة من الحواري الصغيرة منتشرة فوق التلال ضمن دائرة قطرها ثلاثة آلاف مترٍ، ووضع نقاط علام على الجمعية التعاونية الفلاحية ، والبلدية،  والوحدة الزراعية الإرشادية، والمستوصف ، ومركزي توزيع الغاز، والمقسم، و خطوط  تمديدات مجارير صحية و مياه ، والطرق المسفلتة التي تربطها بصافيتا وطرطوس وحتى طرابلس، إضافة إلى الثانوية، وفريق كرة قدم.. عدد أسماء ثمانية أطباء، وثلاثة صيادلة، وطبيبي أسنان،  وثلاثة وعشرين مهندساً، وخمسة عشر شاعراً وشاعرة ومطرباً شعبياً، وعازفي عود ورق معروفين على مستوى المحافظة..

شعرت أنها أمام عزف متناغم مع أعماقها : " إنها قرية مكتفية ذاتيا بكل شيء ، ومتآخية ، وهذا بفضل سر لا بد وأن تتطلع عليه .." ، دفنت نظراتها وراء هم جديٍّ ،  تحسست رائحة الأرض، ونبل الفلاحين،  وكرمهم، وتذكرت ذلك الضيف الذي جاءهم يوماً وقدموا له مائدة كبيرة من منتجات البيت دون أن يشتروا أي شيء، فهنأ الضيف والدها معبراً عن إعجابه الشديد بنشاطه، وتراءت لها بشكل عفوي صورة ذلك الشحاذ الذي تفاجأ بتأمين حاجته من أول أربعة بيوت، ملأوا له كيسه وطلبوا منه ألا يعود ثانية، ففعل..

وقفت شفا روحها على حافة الارتباك ، روحها التي تجري كساقية مكونة من ضفة واحدة في  جسدها الذي يسويه الجريان وفق مشيئة كأن الحدث يعجنها للتو من آهة المختبر الآني ليومياتها .. اتسقت معها عنوة .. واصطفت الذكريات الجميلة في طابور يمتد إلى ما بعد برج صافيتا والذي يبعد من هنا حوالي أحد عشر كيلومتراً أو مسافة نظرة واحدة ، نظرة مهيبة،  نظرة ابتاعتها من الزمن ولا تبدلها بكنز ثمين من كنوز الجان.. تمنت ألا تتحرك من مكانها حتى تشبع خلاياها وروحها من الاستفزاز الطارئ .. كانت لا تزال مطرقة  تتأمل أشياء غير حاضرة في ذهنها كما يجب ، أشياء تحاول أن تعمر منها أجوبة وبيوتا تسكن فيها روحها .. استغرب ماهر جلوسها بالقرب من درفة الباب المفتوحة على مصراعها ، وسألها عن السبب ، فأجابت فوراً :" لا أعرف .. وأنت من قال ، ليس لكل سؤال جواب ، وعندما نملك الأجوبة الكاملة لن تكون هناك حياة مسلية .."

 بقي على وجومه ، واضطر تحت طلب أخته الملح للكلام ، و بادرته سائلة:

- هل هي راضية؟

- ليتني لم أذهب إليها.. دمها شاي ، وهي لا تزال تردد كلاماً فضائحياً.. تهدد وتتوعد وتشتم ، وقالت بحقي كلاماً لا يحتمل..

صحيح أنا ولد طائش وبياع كلام .. ولا أفقه  شيئا في هذه الدنيا؟

- هذا ما قالته عنك؟.

- بل أكثر.

- قالت أمي إنها تريد تصدير خبثها  إلينا..

أطرق وكأن عينيه تبصر أمرا خفيا  ، اقتربت منه سلاف ، وهزته من غرته.. دعاها مداعبا لشرب الزوفا ، استجابت لطلبه، مسكها من معصمها ومضيا إلى المطبخ .. تمنت عليه أن يحكي لها آخر قصص عشاق القرية، فتجاهل الطلب ، ثم طلبت أن ينشد لها آخر ما كتب، لاحظت استياءه، فتركته مبتلعة أخر كأس لترددها اليتيم،  ومظهرة بعض الغنج .. وعدته بالعودة إليه .. مالت إلى طرف أمها المنشغلة بترتيب أفكارها .. لاحظت عليها القلق .. سحبتها إلى تحت شجرة الجوز ، وبدل أن تكلمها عن الجدة ، رجتها  مازحة أن تحكي لها قصة عشقها مع والدها .. أبعدتها الأم عنها مع ابتسامة خرجت من كامل وجهها ، بل رأتها سلاف وكأنها تخرج من كامل جسمها .. وكي تتخلص الأم من هذا الموقف عملت على إبعاد الابنة عنها وفق مبدئها الفطري "  إذا أردت أن تلهي طفلك عنك اشغله .. "  فطلبت منها الاهتمام بتصفية اللبن وتحضير اللبنة وسكب العيران على القمح والحمص المسلوق .. تابعت ما طلبته الوالدة بحذر، وكلها رغبة في طرح بعض الأسئلة على الوالد المستاء جداً.. وضعت اللبن في كيس يمرر الماء وعلقته على غصن  شجرة الجوز الشامخة أمام فسحة الدار بانتظار أن ينشف والحصول على مقطوف اللبن.. وبدل الاقتراب من الوالد جاءت وهمست في أذن الوالدة:

- ما العمل التالي يا أمي؟

- لا يسأل مثل هذا السؤال في ضيعتنا.

- لكن الأمر يخص جدي وجدتي.

- هما مَنْ يقرران العمل التالي.

- يجب أن نساعدهما.

- قلت لك هما سيتصرفان ، وعلينا احترام مواقفهما.

- حتى ولو كانت على خطأ؟

- قلت لك لا توجد خطيئة أبداً.. الخطيئة  مثل هذه الزبالة المرمية عند  حافة البيت لا قيمة لها، أو مثل كومة تبن بللها المطر لاتشتهيها - أجلّّك – حتى الحمير.. رغم ذلك نعمل طويلا لإقناع أنفسنا والآخرين أننا مغلوبون ونستحق الشفقة، بينما في الحقيقة تقطع الخطيئة عنق ذاتها، و تعرينا في لحظة نكون بأمس الحاجة إلى الاقتراب من (جواتنا )، بس  نحن بألف خير (لأنو بلشنا نعرف كيف بتبيض الدجاجة كما قالت الجدة )..

قاطعتها سلاف بدهشة :

- طلاب الجامعة لا يعرفون كيف تبيض الدجاجة .

- وهذا هو الصحيح ، ما لازم نعرف كل شي ..

- ما فهمت عليك أي شيء ..

 - ممكن تشوفيني  معقدة  شوية، لكنني أراقب سلوك حيواناتنا المربوطة في الزريبة التي أدخلها يوميا عشرات المرات ، أشعر أنها مثل المدرسة، والمساكين نحن البشر لا تلك الدواب ، والآن أستطيع التمييز بين جسدين : جسد الحيوان و جسد الإنسان، وأعتز بأنني قادرة على التميز بين رغبات الاثنين وهذا صعب جدا للناس ( التانيين)، وإذا بقينا نعادي  الطبيعة، فستنتصر الدواب في النهاية.. لأننا وضعنا أنفسنا في معركة تحد، بس تافهة..

كررت سلاف سؤالا في الصميم حول ما يجري  ، وأضافت بعد ممانعة صارمة من أمها :

- لا أفهم عليك كثيراً..

- ممكن أكون ( خوته ) بسبب الحادثة اللي تجنن راح تعرفي عنها كل شيء ..

ثرثرة خافتة تأتي من جهة بيت الجدة ، وبعض الأصوات الهائجة تزاحم السكون من جهة البيت .. مرّ فلاح يغذُّ الأرض كبغل شموس  نحو البوابة الرئيسية للحوش القديم ..

حدجته الأم بعينين كلبيتين .. وحاولت أن تسرَّ لابنتها كلاما ما ، وجدت نفسها في ورطة كونها غير مستعدة بالفعل ، وغير قادرة على قول كل شيء  ، رددت في نفسها " سيأتي الوقت ، وأقول لها كل شيء دفعة واحدة ، قررت أن أفعل مع ماهر الشيء نفسه ولم أقدر .. بس طلع شاطر وتعلم ، والآن يعلمني.."

في هذه الأثناء كانت تتعامل سلاف مع شرودها كحالة طارئة ، وتعالج صمت الأم بنظرات لائبة ..

شعرت الأم بأهمية أسئلة ابنتها ، واستدركت أنها تطرح أفكارا ناضجة ، وأول ما تهيأ لها الابنة الكبيرة التي حان مصاحبتها ، وتصدت لمهمة واجبة عليها ، مهمة أن تنقلب على نفسها وتلعب دور ( الختيارة ) .. أسأها هذا التصور والتأخير عن واجبها تجاه الابنة المربكة ..

نظرت إليها بإمعان مفرط، وقالت في نفسها :" والله كبرت يا شقية .."

لكزتها الابنة من ردفها ، وقالت :  "  هه.. هه وين صرنا ..؟! .. لانزال على الأرض  "

انتفضت الأم ، وأجابت :

- كفى مثل هذه الأسئلة .

- وهل لدي غيرك أسأله؟

جاء الرد حادا ومباشرا ، خاب ظن الأم بنفسها أكثر ، وهمست " فتقت الحادثة جروحا في غير أوانها .."

انتبهت سلاف إلى ارتباك أمها المتزايد ، فاستغربت ، وأرادت أن تتركها لوحدها .. طلبت منها الأم أن تقترب منها، ففعلت  طوقت رقبتها بكامل ذراعها ، ثم تنهدت ، وقالت جملة لا علاقة لها بالموقف ، جملة هروب من طرح جملة أخرى  ، أوقفتها سلاف عند كلام قطعته من ذيله :

-  لأنه لا يوجد في ضيعتنا أغنياء، لهذا السبب راح تبقى حتى آخر قرية على هذه الأرض فيها خير..

- ما علاقة الأغنياء بقريتنا ؟ قولي ما تشائين، لكنني لا أحتمل عذاب جديّ.. لازم نتدخل ، و ..

هزت الأم كتفها ، وتابعت :

- أنت حرة.. و عقلك أكبر من عمرك ،   ويمكنك التدخل وحل هذه المشكلة أو غيرها ، ويمكن لأي شخص التدخل، عرف الأهالي بالأمر، بس لم يتدخل أحد، اسألي نفسك هذا السؤال؟

- راح أسألك أنت ..

- لأنهم لا يريدون الإساءة لقرار الضمير، واعرفي إذا تدخلت فهذا يعني أنك تجاوزت قوانين الضيعة.. ستمر المشكلة وتنتهي لوحدها .. وكل ما يتدخل به البني آدم ينزعه..

- هذا تطرف ..

- هذا حق ..لا يوجد خلاف في تاريخ ضيعتنا إلا وحل من قبل صاحبه بالتحديد.. هكذا نحاصر مشاكلنا ونتركها تورط صاحبها حتى يجد مخرجاً لنفسه.. تترك لكل واحد فرصة أن يتعلم، وإذا فشل، فوقتها يخترع لذاته الحل الخاص به، والفشل في النهاية شكل من أشكال الصح.. والمحاولات هي مقبرة التواكل..

- هذه أقوال ماهر .. ؟

- ماهر خرج من هنا ( أشارت إلى جبينها ) وليس من مكان ثان.. وبما أن المشاكل تُحل،   وهي أصلاً قليلة جداً، فأعتبر ذلك عدالة.

- قلتُ ، إنك تعرفين كل شيء..

- عن الضيعة أعرف كل شيء، لقد علمتني جدتي وأمي  وكتب الله والدين التي تلاها جدي أمام حلقات الناس وأنا منهم أشياء هامة، لكنني لا أعرف شيئاً عما يدور خارج حدودها..

اعتبرت سلاف ذلك دعابة من والدتها التي تركتها ومضت صوب المطبخ  كي تشغل نفسها بشيء مؤنس .. اقتربت الأم من حوض الغسيل ، أحدثت ضجيجا هرب إلى سفح هدوء رمقته سلاف بدقة ، وتمنت أن يسري مفعوله .. كأن الأم تبيتُ رغبة ما.. تحفزت الابنة النشيطة و فكرت مدعية اكتشافها سبب هذا الشطط في مثل هذا الوقت من النهار الذي اعتادت شرب المتة مع والدها.. سُمِحَ لها بكسر القاعدة إلى حد ما، تذكرت سلاف حادثة رفض الوالد شرب المتة عند جاره << .. وعندما سأله : ليش ؟ فأجاب :شرب المتة " بديمتا"  أم بغير ديمتا نهو أطيب؟ فقال الجار : بديمتا، بس شو هي ديمتا ؟ فرد: ديمتا هي مرتي.. وصارت مثلا في الضيعة..>> كانت على وشك أن تطلب منها الجلوس إلى مائدة الوالد..

سرى التردد في عزيمتها وهي تنظر إلى وجه ماهر المربّد وهو يتبادل الكلام مع الوالد العصامي .. بدا عليهما  بعض التشنج .. صعدت سلاف إلى السطح المظلل بعريش يغطي كامل مساحته والمؤلف من خمس غرف.. بحثت عن شيء قديم تلقي عليه نظرة استحسان أو استجواب، فلم تجد: " يا إلهي  كل شيء هنا يتجدد يومياً، والذي أراه في الصباح يكون قد أخذ شكلاً آخر عند المساء..حتى شكل الخلاف العائلي غريب من نوعه .."

وبعد توحد دام ربع ساعة تقريباً تفقدتها والدتها، صعدت إلى السطح لتجدها في المكان المفضل لها.. هنا طلبت سلاف منها السماح لها بالجلوس على كرسي قش عتيق كي تتمكن من وضع رأسها على كتفها، استجابت الأم، والتي شعرت بحاجتها إلى قليل من الاسترخاء، فأصبح وجه سلاف الحضن الدافئ لأمها.. استمر هذا الوضع لدقائق.. تملكت الأم عادتها التأملية.. حلقت  مع أفكارها كإنسانة عالمة ببواطن الأشياء المحيطة بها..   بعد حين تنهدت، وقالت استجابة لسؤال ابنتها عما تفكر به :

- يجب ألا ندع القسوة تمس حياتنا ، بني آدم مرات يعقد الأمور، (بس أنا شايفة كل شي هين..) و ما لازم نقف مع الحب أو ضده، ضد الشر أو معه.. قال أخوك ماهر " كل شيء إجباري مع هذا أو ذاك يؤدي إلى نتائج عكسية.. " يا ضنا أمك، الحب ينمو تلقائياً مثله مثل ورد الجوري، لا تصدقي أنه نحن اللي زرعنا الورد أو غيره، ونحن ربينا البقر وعلمناه كيف يعيش.. كل (هالأشيا) كانت موجودة في البرية قبلنا، وكانت أحلى، ليس نحن اللي خليناها حلوه، نحن خليناها أبشع، أروع ما في هذه الدنيا البرية، وإذا ما رجعنا ( إلها) اليوم قبل بكرا راح نضيع حتى البقرات اللي يطعمونا حليبا..  و كمان الشر ليس قدرا ، وأكثر الأحيان يقتل ذاته .."

وقفت الأم ، مططت جسدها ، لوته يمنة ويسرة  طقطقت مفاصله.. كأنها تتخلص من تعب .. طلبت منها سلاف بإلحاح أن تكمل الحديث ، تنهدت ، وقالت :

- إيييه.. يا بنية ، الحديث ما يخلص مادام فيه حياة على وجه الأرض  ، صدقيني ما في خلاف صار في يوم من الأيام،  وحتى حرب سفر برلك نفسها أو هزيمة حزيران أو اجتياح إسرائيل للبنان أو غيرها إلا بسبب رغبة الواحد بأن يأخذ كل شيء لنفسه ، على مبدأ " اللهم أسألك نفسي " والباقون كخ ..  نكرة .. لاشيء ، ويحدث هذا الأمر بس يصبح الواحد قادرا على أخذ ما يريد ..هذا ما يحدث لجدتك الآن .. تريد الحاكورة لنفسها ، وجدك عجوز وحسبت أنه ضعيف فضربته ، وهيك صار مع هتلر ضد جيرانه ، المبدأ واحد..

أشارت بإصبعها إلى صدغها عدة مرات ، وقالت : " أفكاري هذه من جدي ، كان عارف أشياء كثيرة ، دائما فيه ناس أذكياء لكن ما في أحد يسمعهم .. وبصراحة هذا تقصير منهم ، اللي عنده شيء لا زم يقوله .. "

أحست سلاف أنها طفلة يمرجحها متن هذه الأفكار من صدغيها..

 أنهت الأم حديثا عن القتال الذي نشب في حي الحمرات في طرطوس  العام الماضي ، وانتهى بقتل رجل لأب وثلاثة من أولاده الذين اعتدوا على الرجل الضعيف  ، فقتلهم و قتل نفسه..  " لازم نترك العقل يرى وليس العيون .."  وبعدها سردت قصة قصيرة عن لعبة القط والكلب ، وطلبت منها أن تراقب كلبهم والقطة عندما يلعبان ، واعتبرت ذلك مفرحا للقلب .. وشبهت لعبهما كالصراع الذي يدور في الخفاء ، لا نراه .. لكنه ينتهي .. وسألت :

- هل تعرفين لماذا ينتهي ؟

- لا.. لا ! لا أعرف ..

- قال جدي ، الأشرار يتصارعون والأخيار يتفاهمون  ، والخيّر ليس بوسعه ضرب أحد أبدا..  خذي مثلا بسيطا : انتهت قصة غرام شفيق وسلمى بسلام ، كان ذلك انتصاراً للحب، لأن كلا منهما أقام علاقة مع حبيب آخر.. قصة لم تنته بزوال أي منهما ولا بصراع أو خلاف .. كلاهما تزوج ويعيش حياة هانئة..  لازم نتوقف عن التصفيق للفائز الذي دحر عدوه ، أو قتل عدوه .. صار من الواضح أن لا أحد يقتل أحداً.. إلا ويدمر نفسه ولو بعد حين ..هذه خلاصة لحياتنا.. قد لا تقتنعين،  بس ستأتي التجربة وتعلمك ما أعلمه.. أرى الكراهية تدخل إلينا من بعض الشقوق الصغيرة، وتموت لأننا لا نكترث بها.. تصوري لو تدخل الناس للضغط على مرام كي تقبل الزواج بفادي لكان ذلك مأساة حقيقية، فبعد استشهاد حبيبها مروان أثناء الاجتياح الصهيوني  لبيروت أقسمت ألا تتزوج، وهي الآن سعيدة في حياتها.. حتى أنت ، لم نتدخل في اختيارك الفرع الذي تحبين.. تأملي هذا الغصن اليابس بانتباه، بعد حين سيسقط  تلقائيا، وإذا حاولت إسقاطه بالقوة فقد أكسر غصنا أخضر لاتزال الدالية بحاجة له..

هزت سلاف رأسها وكأنها غير معنية بما قالته أمها، ثم سألت بسذاجة مبطنة برغبتها في معرفة أشياء أكثر عمقا :

- وماذا عن جدتي وعمتي و..؟

هزّت كتفها نافية أية معرفة بما يدور تحت << أشارت بإصبعها إلى البيت >>  ، ثم تركتها  ونزلت عن السطح تاركة الابنة لأنياب الحيرة..

تذكرت سلاف جدها من أمها الذي كان يدلعها باسم الهرة البيضاء .. تهيأ لها بقنبازه الأبيض ، وجاكته السوداء من بالة أنطاكية  ، وعكازه المكور من رأسه بكرة ودبابيس نحاسية .. وقف أمامها كصقر جاء من قبة الأرض البعيدة .. راقبت كل تفاصيل جسده : ذقنه غير الحليقة ، شاربه الأشعث ، عينيه الثاقبتين ، والحكمة التي تطير من وجهه كعصافير مدربة على الطيران .. تهيبت الموقف ، اختفى الجد دون أن تنتهي من اللحاق بسفينة جسده الطافحة ببريق وإشعاع كاد يغمي عليها ..

رنت في داخلها مرة بعد مرة :".. الهرة البيضاء . الهرة البيضاء .."

اندفعت وراء هذه الصيحات التي ارتطمت بهيبة الجد ، وبمروج الماضي .. استندت على زند المفاجأة المبهرة ، استرجعت تاريخها، ولأول مرة في حياتها.. لتجد أنها فتاة من مواليد 1982.. تنتمي إلى أسرة فلاحية بسيطة، أنهت دراستها الثانوية في مدرسة الضيعة، كانت شاهدة على تجدد الفصول ، وشاهدة على مرور هذه السنين من حياتها بسرعة دون أن تعيرها أي اهتمام جدي ، باركتها نساء القرية وقلن عنها " إنها فتاة سيكون لها مستقبل مشرف " اجتهدت في البيت وفي الدراسة ، وكانت أمها تناديها " عيني اليسرى " أي العين القريبة من القلب كما فهمت فيما بعد ..  دخلت الجامعة بناء على حلم فجره رضوان، احتفظت بحكاية البعث لوحدها ، طلبها ابن خالتها للزواج ، فرفضت وأيدتها أسرتها .. تحفظ عن ظهر قلب تخوم الأراضي، وأسماء الحواري  والناس والأشجار. حاولت ربط بعض الأسماء مع بعضها البعض كأسماء الأراضي : (أرض المراح، والجورة،  والفتيح، و البويدر، العيدم ..)، وأسماء العصافير والأزهار .. أدركت أنها أمام تباين للتخوم ولملكيات الناس، لكن كل واحد يحترم  ملكية الآخر بفطرية لا مثيل لها.. واستغرب بأن هذه الأسماء غالية على الفلاحين كأسماء أبنائهم .. ردد صوتها الباطني :

" الضيعة كلها لي، أينما كنت، فالناس أهلي وأرواحهم كروحي إن احتجت شيئاً أعطوني إياه ، وإن قالوا لي صباح الخير قالوها من الأعماق.. إنها ضيعة آمنة.. هي لي .. للجميع.. وحتى للضيوف وللبعيدين عنها  .. تبا للمشاكل الرخيصة التي  حدثت هذا اليوم .."

حضر ماهر واتخذ الزاوية المحببة له مكاناً للاسترخاء، وأومأ لأخته  قائلا :

- تعالي.. تعالي يا سلاف، فهنا أستطيع رؤية العالم  من (جواه)..  وكما قلت لك، فالدالية هي السماء، والبقية هي النجوم.. تتفتح الأضواء على مساحة التلال كورد الجوري.. إنه الليل الآتي ، وما عليك إلا مد كفك لقطف الأحلام..

كان يشير بكلتا يديه إلى السماء كمدرس يشرح قصيدة غامضة، أحست أنه يهرب من مأزق إلى خيال لعله ينجو من صداع ليلي كابس .. تعرفه كنبضها ويجعلها تتفاعل معه كصديقة حنونة لما يتمتع به من حب، وتحسده أحيانا لاندفاعه المثمر باتجاه المجتمع  والعمل على خدمته من خلال وظيفته في مؤسسة البريد ،  وتحترم فيه حبه للمطالعة وتقرأ له بعض ما يسطر من جمل مأثورة وتجارب كتابية في كراس خاص به.. تستمتع بالجلوس معه ، و تحسه كعجوز يحمل كثيرا من الخبرات عندما يتحدث.. تستمتع كثيرا بمكتبته المميزة وبقراءة بعض كتبها .. خطت نحوه بتاثقل ، وهي تردد:

- إنها لحظات صعبة ومثيرة.. ولا أعتقد أنك ستكتب الشعر من مكانك هذا..

- صحيح ، إن هذه الإطلالة تمنحني الانسجام، لكن جئت لألعب الدور المقلوب،أي جئت لأجعل من الفوضى إشكالية وأتركها لها.. علَّها تحقق انسجامها من دوني أو تبقى هكذا عشوائية كأفكاري.

- أنت أقوى من ذلك.

- لقد دربت نفسي على الجلوس في زوايا عديدة وأفهم دور هذا البيت في جعل محيطنا كسلة صغيرة فيها ما يشتهيه الأولاد، أنظر إلى الجنوب، فتظهر كتلة ضبابية كمنظر أسطوري رائع لجبال لبنان، وإلى الشرق غابات صنوبر تحتضن نهراً، وبعدها برج صافيتا، وإلى الشمال قرى تستريح فوق قمم الجبال كأنها أنجزت للتو مهمة التسلق، ومن الغرب يطل المتوسط كشاب يتمهل الخطى إلينا.. تصوري أن أنتمي إلى كل هذا منذ ميلادي.. ويحتفلون بي كل صباح.. هذه هي الأعجوبة التي وشمت ضيعتنا وجعلتنا نتشابه لدرجة الاختلاف.. هناك تدخل من السماء لصالحها، عند ولادة هذه الضيعة كان الإله في لحظة تفرغ تام وبيده ريشة من نوع آخر .. وقتئذ توسل إليه هذا المكان ، فأهداه   أجمل القرى ،  وتتباهى بأن هذه الرقعة تعود ملكيتها الروحية إليها.. والأهم الإحساس المتولد فينا جميعا أن محاولتنا امتلاك الأرض هو نفي للذات وجعل الأرض أقوى في الاستحواذ على ما تنتج ..الأشياء كل الأشياء لا تُمتلك وإنما تستملك إلى حين.. والجمال الذي نحن عليه ليس للتملك وإنما للمتعة اليومية .. وثمنه أغنية جميلة أو عبارة من فم عجوز  ..

- ماذا عن جدي؟!

- بصراحة ليس لدي تفسير، فأنا مذهول ومتردد .. نعرف جيداً أن الضيعة نقية من أي زواج محكوم بالمصالح، أو الضغط، أو الإكراه، ثم تأتي جدتي العجوز البالغة من العمر تسعة وستين عاماً وتفجر أزمة خطيرة .. تطلقها من أعماقها وشهواتها باتجاهنا، أيعقل أنها تريد امتلاك البستان؟ فهو قيمة تافهة تجاه تاريخها وسمعتها.. هي مفسدة و..

- لن تفسدنا.. فالحب الحقيقي والبسيط دائماً يفوز.

- هذه  هي  قوانيننا.. لكن أخشى من العدوى.

صمتت سلاف لبعض الوقت، وقالت رغم حراجة الموقف :

- أنا لست خائفة من العدوى ، وإنما خائفة على جدي أن يخرج نفسه من الحياة، أو على الأغلب أن يكون قد اعتبر نفسه في عداد الأموات..

تجنب ماهر التعليق المباشر ، ووأحس أن حلقه جاف وبحاجة إلى تبلله  بالمتة، ودون أن يطلب منها نزلت وأعدّتها..

جلست مقابله يحركان المصاصات ويفتعلان فرقعات متعمدة  تعبيراً عن ضجر ما.. وعندما أشار لها إلى أنَّ غابة الصنوبر المجاورة تشبه عيون صبية خضراء أُهملت..علقت باستنكار:

- ليس الوقت للغزل..

- اسمعي لدي فكرة تشغلني منذ فترة، ولم تنضج بعد، لكن لا بأس أن أقولها في مثل هذه الظرف، قد تكون مفيدة.. أو تفسر ما نحن عليه ..

- ما هي؟ ما جديدك؟

- نحن نؤمن أن ضيعتنا من أجمل القرى.

- نحن نعتبرها جميلة كبقية القرى.

- أنت على حق.. لكن قرية كمجد لون لا يعتبرها أهلها كذلك ويشعرون بالتفوق خاصة بجمال ضيعتهم.. شعورهم بذلك دفع مثلاً أهالي قريتنا للاهتمام بها أكثر لدرجة أنها تفوقت على مجدلون، الأهالي هناك يقدسون كل شئ لدرجة التعصب والفوقية، الجمال دون شك صفة رائعة، لكن تقديسه، ثم استغلاله كصفة للتفوق علينا، جعلنا نغار منهم غيرة أشبه بالحسد، ثم تقدمنا عليهم..في واقع الأمر لدينا جمالنا الرائع الذي نقدسه أيضاً، لكن تفوقنا جعلنا في موقع التميز ومنحنا خصوصية في غاية الخطورة دون أن نعي، أو نخطط لذلك، وأخشى السقوط في المحظور.. هم بدؤوا بعد ذلك بالتقوقع على أنفسهم الذي أساء كثيرا إليهم، نحن لم نصل إلى ذلك الحد بعد.. لكن العزلة التي فرضوها على ضيعتهم قد تصيب ضيعتنا بالعدوى وإن كان الجمال لا يحتمل الحصار، لكن الناس يحتملون ، وبطبعهم ميالون لمحاصرة أي شيء حتى المستحيل ذاته ..  فأهم ما نتميز به  هو قدرتنا على التدمير.. أحيانا وهم يبنون يدمرون..الانطواء أو عزل أشياء هي بمثابة ملك للجميع يمثل خطراً عليها، أسمي ذلك عنصرية..أو تعصباً، و الذي يعني منع الآخر بلوغ ما هو حق للجميع و الاستمتاع به، و ربما نحن على هذه الطريق الخطيرة نسير باتجاه هاوية

- لماذا تعرّف العنصرية الآن؟

- ألا ترين معي أن مجدلون أفرزت خصوصية ما كجمال طبيعتها وتقدمها العلمي وتفوقها الواضح علينا.. سبقتنا بالفعل ، ثم تقوقعت ويصيبها الآن تقهقر ما.. هذا ما أفكر به جدياً: التقهقر.. ما سر الانحسار، وما الذي يتقهقر بالضبط..؟  إن تصرف جدتي في مثل هذا الوقت لنذير شؤم لنا جميعاً..

- ما أعرفه أننا بخير.. أما عن جدتي، فكما فهمت ستعاقب..

- لا يمنع أن نحدق حولنا، خاصة بعد حادثة جدي.. فالحادثة مدعاة للقلق.. عندما لا تترك الأشياء الرائعة الإقامة بيننا يجب أن نخاف على مستقبلنا، ويجب أن نفكر بما يدور حولنا و بعمق..

- أهذا آخر ما طالعته..؟ أرجو ألا تخوفني أكثر.. يكفي ما يجري لنا الآن..

- بصراحة هذا ما أحسه، وأخشى كثيراً مما يحدث ، وأن تكون الأمور أخطر مما نتصور .. قال أستاذي فاضل " لابد من تغير نظرتنا للعالم ، وكان يقصد أن كل شيء يتداخل مع بعضه البعض بطريقة مغايرة .."

شعرت باندفاعه نحوها كمحاولة جادة ومتجددة كي يوقظ النسيان في ذاكرتها ويعيدها إلى مختبره النظري حول المدى المطلق للأخلاق وإمكانية تسجيد ذلك فيها من خلال حادثة البعث التي اعتقد أنها قد نستها ..

أطلقت الوالدة صيحة بصوت أخن من الأسفل داعية سلاف للنزول، فنزلت وطلبت منها الذهاب إلى العين وإحضار مياه للشرب، انطلقت مباشرة ومعها الجرة باتجاه وادي العين  التي تبعد حوالي واحد كيلومتراً، وصلتها.. ملأت جرتها وعادت.. وجدت طريق العودة أصعب لتفاعل ذاكرتها مع الطفولة التي أمضتها هنا مع الأهل ، ومع تلك الأيام التي كانت تسوق الدواب وترعاها بين السفوح والجروف .. فمن بين أدغال السنديان والشيح والزعرور البري تهيأت لها حفلة عرس الجان طالما حدثتها الوالدة عنهم أيام الشتاء الباردة ، صورتهم لها  كمخلوقات رائعة الجمال، الجان في الليل.. يحتفلون بالناس ويحرسون العين  وطريق الوادي.. لهم طقوسهم الجميلة، وكل من يريد الاستماع إليهم ما عليه إلا الذهاب للوادي و الاختفاء في دغل كبير، ثم ينتظر قدومهم إليه.. تخيلت سلاف مشهداً لعرس ملك الجن ، وعندما سألت نفسها بتروٍ:

- هل رأيتهم، أو استمعت إليهم، أم خيل لي؟

وضعت الجرة جانباً ونظرت إلى الوادي والأدغال اللامتناهية.. مسحت نسمة باردة شكوكها.. قالت بشيء من العتب:

- بعد كل هذه الصداقة والألفة تحاول إخافتي أيها الوادي العتيد.. سأبقى على الألفة التي عهدتك عليها وأعلم أن الجن أصدقاؤنا.

وصلت البيت.. سكبت الماء لأمها ، وانشغلت بأمور كانت سطحية واعتبرت أفكارها مثل تقلبات الطقس في شهر شباط.. رغم مرور الوقت بقيت منشغلة بحركات أفراد العائلة التي رصدتها كرادار بفضول مبرر.. اختصرت سهرتها بأسئلة بسيطة وهي تتقلب بجسدها الطري في سرير نومها..

"  هل أعرف حقاً تاريخ ضيعتنا؟ أو هل هناك من يعرفه جيداً، وحتى تاريخ العائلة لا يزال غامضاً ؟ أتذكَّر أن أمي أنجبت طفلاً مشوهاً ومات، يومها قالت: ذلك قدره واقتنعت، ثم جاء مَنْ قال لي إنَّ الحياة تنقي شوائبها.. لقد حلت عمتي في البيت كلغز..  لم أعرف عنها شيئاً.. من سيخبرني بأمرها ..؟!

يجب أن استكشف الغموض المحيط بالعائلة، والتي لا تزال والدتي تحتفظ ببعض الأسرار  الخاصة بها.. ثم ما هو تاريخ الضيعة؟ أهو وجه أمي فقط، أم ظل الدالية وحشرية البحر القريب ؟.."

لاحت أمامها تراتيل مقدسة لخطوات الزمن ، وضعت لنفسها واجباً.. واجب الاستكشاف.. أبعد عنها ذلك قلق الأسئلة ونقلها إلى حالة أكثر رواقاً وتلقفها النوم كدرة..

نهضت صباحاً.. حملت حقيبتها.. ودعت أسرتها بلغة العيون فقط ، وانطلقت إلى اللاذقية تاركة وراءها شحنة من المشاعر في صدور الأهل وفي روح الضيعة التي تُقحم في أفكار مثل فكرة ماهر حول تبجيل، أو تقديس أي شيء كان، والعمة - اللغز ، والحدث – القنبلة الموقوتة يمسك صمام أمانها الجميع ..

عند المفرق الأخير للضيعة، همست في أذنها : لا تقلقي، فأنا بخير، ولا يمكن الاستحواذ على كل شيء ، خاصة الجمال، فمساحته بالطول والعرض بحجم هذا الكون ، وأنت بالنسبة لي كل الجمال .. كل الكون ..

تلفتت يميناً ويساراً، ثم إلى الوراء، فبدت لها القرية كطفل يلوح لها بيده .. ابتعدت ومعها آخر نظرة ، نظرة فيها وجع من طعم السكر والنكتة والمروءة.. نظرة مصلوبة على حافة الوداع بانتظار أن تبتعد لتكون أقرب إلى إلهامها أكثر من أي وقت مضى ..

 

 

 

حب أخضر _ 3

 

حملهتا سيارة عبر طريق تم شقه حديثا بين الوديان التي كانت تحتفي بوحدتها مع الحياة البرية لزمن طويل، غزتها آلات البشر وأصابت بكارتها بأخماج بربرية ..  كان رجع صدى متواتر لصوت السيارة يتردد في جنبات واد عميق مغلف بطيات سفوح جبال وظلال وخضرة متماسكة كفستان عروس تتربع على كرسي الفرح ، بدت لها فتحة الوادي كعدسة منظار يكشف لها السماء بزرقتها الوردية .. تهيبت المناظر الخلابة التي يتوسطها جرح لمسيل ماء جارٍ وحوله أهداب نباتات كثيفة،  ممرات على جسد الجبال صبغتها حوافر الدواب والحمير بلون التراب وسط خضرة ناصعة.. ممارق طينية ساكتة ، وأشجار تنطق ، عصافير تزقو ، ونباتات تقطر عطرا بريا .. تحتاج إلى سنة من الجهد  على الأقل كي تعد أصنافها أو تلقي على كل واحد منها مجرد نظرة واحدة وكأنها في متحف يضم بين جنباته لوحات لعدد لا نهائي من الفنانين الخارقين  .. أحست بتملك روحها للروائح النفاذة والغموض العبقري الذي شيّع رتابة اللحظة المارقة وجعلها واحدة من متفرجات تنسى لها الشغب مع أحاسيسها الغضة كطمي طري ..

خرجت بها السيارة التي أثقلها صعود طلعة كضلع قائم تكسر ظهر الماكينة من الوادي إلى قمة هادئة ، بقي كل شيء وراءها تحت جناحي غيمة تحوط قمة جبل مقابلة ، وبان قدامها بشساعته كأنه طير إسطوري يحلق فوق امتداد البحر الذي يبعد عن نظرها مسافة لمحة واحدة .. صافحته وانحنت أمامه ناطقة بلغة الجمع  والتعظيم ، وبلغت رغبتها حد الانصياع التام لما تراه .. كلاهما شكّل عمقا للعالم الآني الأشبه بعجين يختمر.. كانت السفن راسية بالقرب من جزيرة أرواد ، وكأنها تخترع ضوضاء للرحيل إلى عتبات عالم مجهول .. ظلت أمسيتها ليلة البارحة  تدير هذا الاسترسال المشرف ومعها نكهة القرية الممزوجة بطعم الزعتر البري ..

تابعت السيارة شق عباب ألفتها ، وابنة الجامعة تفك عن عنق نظراتها ولمسها حبل حكاية تركتها في الضيعة مع حامض الكلام وأوكسيد التجربة .. انتقل إليها طريق مهذبة تحيطها من الجانبين  بيارات البرتقال والحمضيات والامتدادات الملونة للسرو والكينا والزيتون .. كلها تشير بوضوح إلى زمن لايمر.. زمن يستكشفها الآن ..

تسارع مرور بيوت قديمة وحديثة ، مزارع وفسحات بكر ، مارة وعربات وحمير وكلاب شاردة وطيور .. توقعت أن يقول لها ماهر عن هذا المشهد <<.. مزيج رهيب لحياة الريف والمدينة .. ستالايتات .. هواتف .. سيارات حديثة .. حمير مدجنة وفق علوم بيطرية متطورة ، ولبعضها شناشل وزينة وخرز ملونة.. مداجن .. بيوت بلاستكية محمية .. فلاح يرتدي ربطة عنق .. امرأة بين أصابعها سيجارة .. عسكري يحمل حقيبة .. طفل يركب بغلا وآخر دراجة .. >> .. نزلت عند رأس الطريق .. مرورا برقبته الضيقة التي قادتها  إلى وسط الزحام  في كراج طرطوس .. ركبت سيارة أخرى ، وتحركت باتجاه اللاذقية .. حازت البحر ثم اختفى وراء أسوار القصب وأشجار السرو الكثيفة التي تحمي بيارات البرتقال من حمى ريح الشتاء القاسية..

 أفسحت سهول بانياس المخنوقة من قبل الجبال عن صفحة خضراء شديدة التلون والتباين انعكست دفئا على روحها البالغة من العمر سفر سنوات ضوئية .. والتي تحتضنها مرايا الحياة وتنتظرها عروض لمتفرجين يقفون على شباك تذاكر ويطلبون من قلبها أن يقطع لهم البطاقة في المقعد الأمامي.. يتزاحمون ويمدون أبصارهم طالبين البطاقة الأغلى لحضور الفرجة على أنفسهم من خلال فتاة يقدمها لهم الحدث ، فتاة غير مدربة على التهريج ولا قول الكلام الحسن .. فتاة  سيفضحها نسيانها بأنها تحمل رسالة من ملوك التراب الذين لم يسمع عنهم أحد .. ولتقرأ عليهم من وسط الحلبة المتحركة برقية مستعجلة عما يعده سلاطين الريف لغزو القلوب الكافرة به .. القلوب التي حركتها رياح ليست من هذا البحر المجاور ، ولم تتطهر بزيزفون وسرو وشيح الوديان المجاورة  .. رسالة غير مكتوبة بالحبر ولا بالماء ، ولا تجيد قرأتها .. رسالة يقرأها الجميع بحواسهم ..

كان (الباص) يحمل نفسه والركاب ويدوس السائق على دواسة المازوت دون أن ينسى البصبصة من خلال مرآته على بنات الجامعة المكومات في مقاعدهم كقلائد البصل .. كانت سلاف متمسكة بداخلها وكأنه الحقيبة التي تودع فيه مونة للمحرومين في العالم كله وهدايا لانتظار محموم ..  أقبلت بكل ما لديها من بساطة لدفع نفسها نحو مشاجرة بين عوالمها لتكون ساحة صغيرة لأطفال يلعبون .. أطفال يدفعون بعضهم البعض نحو لهو برئ ينتهي بوقوع أكبرهم .. يتفرقون وكل واحد يكيل التهمة للآخر .. ويكون واحد منهم قد كبر وخطط لما حدث .. ضاعت براءة اللعبة لأن صغيرا قد كبر.. صغيرا قد فعل ذلك عن قصد ، ووقف أمام سلاف وقال لها ببراءة :" خالتو سلاف مو أنا اللي دفشته .."

أبعدته من كتفه :" يا شقي ، أنا مثلك صغيرة .. أنا مش خالتو، ولا قاضية تفصل بين الأطفال .."

تربصت بها الجملة .. زحفت الشقاوة بعيدا عنها  .. وراحت تنظر إلى نفسها بعيون عجوز تشبه جدتها ، وبحواس التأمل المصلوب ، والمدقوق بمسامير من أطرافه إلى لوحة إبصارها الهجين برؤيا آدمية  .. ( ليش قلت له  " ولا قاضية تفصل بين الأولاد"  .. لم أعد طفلة  .. هو على حق ..)

تراءت لها عكاكيز وألعاب وملاعب وطلبة وجارة تعارك .. بعيون الهموم التي اختزنتها في جوار بطينات دماغها .. في دنيا الذاكرة التي تجمع المعلومات ، والتقدم في العمر، والهجوم على مواقع الغنج المدفون في مقبرة محاطة بآخر كلمات الأب ودلاله،  وهواجس المستقبل والناس الذين تعبر بجانبهم على اعتبار أنهم مجرد ظل..  كل هذا ويزيد توضع في خزانها دون أن تنتبه لأمرها ولتقول لها في لحظة محاكمة أو عبور بجانب نفسها كضيفة على هلوساتها وجديتها ، كأنها تنظر إلى روحها وتلطّش أنوثة ناضجة مادام لم يلطشها أحد من الشباب أو الأفكار المتوفزة :" هه .. أنسيت أنك كبرت ..؟ "

لم تنقذها هزة كتفها اليتيمة ولا رفرفة جفونها وهي تقلب سفح جبل تجثم عليه قلعة المرقب وقمم أخرى تطل عليه فلل فاخرة عرفت من أحد ركاب رحلاتها المكوكية أن ملكيتها تعود لضباط كبار في الجيش ..  قلّبت صورا متناقضة حول علاقتها الجوهرية بالحياة، لملمت أحاسيسها هذه وسلمتها لأول موجة مسافرة..أما البحر الذي خنق اليابسة واستباح ترابها منحنياً عند قدمي جبل، فلم تشبهه بأي حال من الأحوال بضيعتها الواقعة ضمن أفق مفتوح.. عَبَر (الباص) المسرع كدودة هاربة والذي يحمل طلاباً وبعض الجنود أماكن أفهمتها أنها مستقرة هنا منذ الأزل لتعلقها بالجبال كجروفها الغنية بالحياة البرية..

قبيل إطلالة اللاذقية بقليل تذكرت رضوان.. حشرته في زاوية من همها فاسحة المجال لجديّها ولتاريخ العائلة..

وصلت السكن تماماً بعد ساعة ونصف من رحلتها.. وضعت حقيبتها في الغرفة وخرجت مباشرة لحضور المحاضرات حسب البرنامج.. التقت مع ندى مساءً.. تناولتا عشاءً من طعام الضيعة.. جاءت سوزان وسلمت عليها.. تناولن بعض الحلويات والفطائر الطرية ..

استوضحت ندى بجرأة حول سبب شحوبها  وسألتها عن ارتباكها، قابلت سلاف ذلك بابتسامة، وحدثتها عن وادي العين المسكون بقبيلة جن وبأنهم حراس الوادي، و عن المقبرة الصغيرة التي تعود إلى أكثر من ألف سنة ..

استهجنت ندى الكلام عن الجن والمقابر كونها لأول مرة تثيره بطريقة استفزازية، سألتها مازحة:

- ما اسم قبيلة الجن؟

- كاسم نبع الماء  : قبيلة الحور.

- وهل قابلتِ أحداً؟

- كانوا يقيمون عرساً.

- والله أنا لا أؤمن بالجن ولا بحكايات المقابر اسمحي لي من فضلك أن أختلف معك وأريد النوم دون كوابيس.

ضحكت سلاف وقالت:

- إذن هذه نقطة ضعف.. كلما أردت (تطفيشك) سأدفعك إلى قبيلة جن ضيعتنا ، وصدقيني لو كانت الحياة للبشر وحدهم لكانت مملة.. فلنحسن اختراع الأشياء التي تماثلنا، على الأقل من أجل تسليتنا..

استحال على سلاف التخلص مما حدث خلال الأيام الثلاثة التالية ولاحظت ندى انشغالها وشرودها المتزايد الذي لا يخلو من عصبية ، وتوفز ،  وكلمات نزقة أحيانا ، وكذلك  تغيّر مزاجها دون أن تتمكن معرفة ما يشوبها من قلق وتردد ، تارة تبدو مرحة كهرة تلاعب حشرة مستلمة لمخالبها ، وتارة أخرى تنزوي إلى حد الانكماش والتحجر .. ربطت ذلك بحكاية الأستاذ رضوان ، اعتبرتها قضية غير هينة ، ولن ترتاح الطالبة القلقة على مستقبلها الغرامي قبل حل هذه المسألة سلبا أو إيجابا ..

بدأت ندى تتصرف وتعيش على إيقاع صديقتها ، تفرح فتفرح مثلها ، تتوتر فتوتر أكثر منها..

وكي تغير نغمات اللهجة المرتبكة والروتين الحذر في الحديث والدراسة طلبت منها الخروج إلى سوق المدينة رفضت سلاف بنبرة حادة ، تأسفت ندى.. وتراجعت عن الدعوة قائلة:

- " بس تريدين أي شيء اطلبيه مني فورا ودون تردد ،و أنا جاهزة للتنفيذ ، راح غنجك قدر ما بدك "..

شكرتها  سلاف ووافقتها على الاقتراح مباشرة .. وطلبت منها أن تذهب معها إلى السوق ، فوافقت ندى ، وتفهمت تغير مزاجها .. خرجتا .. كان المشوار غير لطيف ، واستشفت ندى من سلوكها أن أمرا خطيرا يدور في خلدها ، وأنها بصدد اتخاذ قرار ما بشأن رضوان .. اعتبرت الأمر خطوة بالاتجاه الصحيح ، وعليها الصبر قليلا ريثما تصل إلى قرار ، ومن بعده ستصبح أحسن .. وستعود الألفة إلى مجاريها المعتادة ..

ازداد تفكير سلاف بحادثة الجدين ، ولاحقتها تفاصيل الحادثة كتوتر ينهش سكينة الروح .. دون أن تبرر سبب اضطرابها الأساسي ، لكن ألغاز وأفكار الجدة والأم والعمة وماهر ظلت تلاحقها .. أخذتهم من أيديهم إليها ..إلى مشاويرها .. وجعلتهم ينامون معها في السرير نفسه.. ويتناولون معها الطعام ، وأخذتهم إلى مدرجات الكلية .. لدرجة أنها صرخت في وجه أحدهم وطلبت منه التأدب أثناء المحاضرة دون أن تخجل أو تحسب أي حساب لنظرات زملائها الذين رمقوها بنظرات الاستغراب ..  ومع كل ذلك ظلت تتصرف ببراءة وغير معنية بما يدور حولها من انتقادات عبرت عنها عيون الزملاء باستهجان وبحملقة فضولية ..

القضية الوحيدة التي تعاملت معها بجدية  هي الضيعة ، وفكرت بتجلٍ  كيف جعلتها القرية تنسى اللاذقية ورضوان ولو لحين ، بينما أقحمتها المدينة المحشوة في بطن دنياها كبقايا في طيف أفكارها  وتساؤلاتها حول القرية ..

لوحت للمدينة برأس سبابتها .. وقالت في مواجهة باردة:" لا.. لا لن أنسى الماضي .. لن أحرقه أو أتمرد عليه لأنه : أنا .. أسرتي .. اللقمة التي لم يهضمها عقلي  .. صحيح ما قاله ماهر عنك .. فأنت تهوين الانقلابات السريعة ، لذا تموتين عند أول صدمة في قلوب الفقراء من أمثالي ، وأنا أحب أن أعيش،  ولا أسكن في أي مكان كمجرد ضيفة .."

دخلت عليها ندى وهي تكلم نفسها ، فهمست " الله يخزي الشيطان .. البنت جنت .. كش برا وبعيد .."

مسها تحدٍ وليس جن كما ظنت ندى ..  قدمت لها ما تحمله من بسكويت محشو بالشكولا .. تناولته ووضعته جانبا .. تشبثت بحكاية مسقط الرأس كبؤبؤ عينيها .. وقفت على الشرفة وحيدة بينما انهمكت ندى بتحضير واجباتها..

نظرت نحو الأسفل وهدوست حول العزيمة وفكرة القطيع والعالم السفلي .. كررت النظر لتتأكد مما قاله ماهر .. رأت طالبات يعبرنّ .. وطلابا ينتظرون وآخر يحمل باقة ورد .. قالت بجدية : " أنا فوق .. فوق في الطابق الثالث .. وأؤلئك تحت.. لا فرق كبير بين العالم السفلي والعالم العلوي سوى أنهم يمشون على الأرض ، وأنا أحدق إليهم بحسرة .. "

 زررت قميصها من عند قبته ، وأعادت يدها بكسل إلى خدها الدافيء ، رانت الهدوء المبجل ، وقالت :" يمكن يكون قصده.. هم أحرار يمشون على الأرض .. بينما أنا حبيسة هذا المكان الضيق .. أستخدم فقط حواسي كالنظر للأسفل مثلا .. عند أول لقاء لي به سيكون هذا رأس الأسئلة  .."

طلبت من ندى أن تأتي وتشاطرها النظر للأسفل ، ففعلت ونظرت ولم تصل إلى استنتاج سوى أنها ضحكت ، ثم عقبت قائلة  :" بإمكانك النزول إلى هناك وتنظري لفوق كي تفهمي الفرق .."

كانت على وشك النزول لتتأكد من نظرية ماهر.. أوقفتها ندى ، وطلبت منها أن تدرس .. وضعت كتبها ودفاترها على الطاولة.. تهيأت للدراسة .. كتبت بعض التمارين .. نظرت إلى صديقتها ، ولديها شعور غريب يختنق في داخلها يدعوها للكسل  :" يعيش الطلبة ما بين الفحصين حياة مرح،  ويكدون أثناء الفحص  .." فأجابت ندى :" لم يكن هذا هو رأيك في الفصل الأول .."

وكان جواب سلاف مباشرة :" لقد تغيرت .. تأثرت بك .."

وضعت ندى القلم جانبا ، وأزاحت دفترها ، وقالت بفم فاغر :

- يا عزيزتي .. لم أتغير ، أعتمد على تنظيم الوقت ، وهذا أمر مهم في الدراسة ..

- وأنا مثلك ..

- أنت لست مثل أحد .. ولازم تدرسي أكثر ..

- لا أحب النصيحة ..

- ولا أنا .. لكن أنت أكثر من أختي .. عجبك الأمر أم لا ؟ سأبقى قريبة منك ..

- بصراحة أنا أمزح ..

- أنت لا تمزحين ، لكن وضعك لم يتغير منذ لقائك بالأستاذ رضوان ، ولازم تنهي هذه القصة ..

هيّجت سلاف الموقف على نحو انفعالي  ، واعتبرت حكاية رضوان عابرة،  وكل همها الدراسة ..

شعرت بأنها تكذب على نفسها وقصتها ليست واحدة .. ولن تهرب من همين  ، بل من ثلاثة أو أربعة .. عددتها على أصابعها ابتداء من البنصر فالخنصر والسبابة ثم الوسطى .. على التوالي وبالترتيب : <<  رضوان ..الجدة .. الدراسة .. وضعفي .. عليّ أن أحل هذه المشاكل الأربعة .. وعلى أي حال أنا لست واضحة مع ندى  >>.. استعرت نار التحدي .. شعرت باحتراق داخلي يكويها .. وهي تعدد مشاكلها مرة بعد مرة .. كادت تصل إلى الرقم خمسة .. ارتعشت رعشة حيوانية ، تلوت حول هيكلها العظمي ، وطفح منها شحوب عدواني ، ثم طلبت فجأة الماء من ندى ..أسرعت وأحضرت لها كأساً.. ارتمت على السرير تتنفس بتواتر غير منتظم .. علا وجهها شحوب برتقالي يابس ، تفصّد جبينها بعرق مبعثر ، تخشبت يداها مع إزرقاق ترابي في أصابعها العشرين .. مسحت ندى وجهها بالماء .. مددت جسمها المتكلس على طوله .. أجرت بعفوية وعنف تدليكا لصدرها ، وأطرافها، فكت أزرار قبة قميصها ، ورفعت ساقيها إلى أعلى من سوية رأسها.. كررت رش الماء على وجهها ، ثم مسحت شفتيها الجافتين كقشر البصل مرات ومرات،  وعندما فتحت عيناها ، تركتها ، وأسرعت لمناداة سوزان التي حضرت بسرعة .. وطلبت منها الاستعداد لنقلها إلى أقرب طبيب .. تحفزت سلاف التي تئن من شدة وقع أفكار مكتومة في داخلها ، غالبت جسدها الناحل والمترع بالآهات الخفية وجعلته عبدا لقوتها .. بعد غيبوبة سطحية ، رامشت زميلتيها من وراء عتمة ، كادت تصرخ  صرخة  كاسحة وتدفع بهمومهاالأربعة خارجا وتدفنها بالقرب من الفراغ المحيط بها دفعة واحدة كمن يطرد جراثيم ، تمتمت كلمات غير واضحة ، هذا كل ما قويت عليه  ، شربت جرعة ماء ، بللت سقف حلقها، وبتلويحة من طرف يدها  ، فهمتا  بأنها ترغب بالبقاء في سريرها ، وأشارت إلى ندى بأن تغطيها بلحاف ، ففعلت .. ومن فورها غطت في نوم عميق..  فتحت ندى النافذة قليلا .. وفتحت الباب .. لتمرر هواء نقياً..

تهامست مع سوزان ، وكلما أرادت أن تحكي لها قصتها مع الأستاذ رضوان ترجع حماسها إلى مربط القلب ، وتمضغ الكلمات بحرقة وتذيبها تحت لسانها .. شعرت سوزان بأنها تخفي عنها سراً.. استبقت هذه الحشرية جانبا .. وراحتا تنظران إلى الصديقة المتعبة بعين واحدة يعتريهما صمت لامع يشي بخفايا على وشك أن تثور ..

 

* * *

 

 في اليوم التالي ، وبعد عودتها من الكلية ، اصطنعت مرحا معلبا بتقوى كافر أمام ندى ، ودون إي جهد لاحظت ذلك ، وصارحتها .. فأجابت سلاف : " الأمر ليس بيدي ..لا أسيطر على نفسي .."

كلمتها عن الطبيب و العلاج ، وعن الراحة النفسية ، ونصحتها أكثر من عشرين نصيحة .. وفي النهاية قالت سلاف وكأنها غير موجودة :

- كنت أعتقد أنني ذكية وقوية .. أتشاطر على نفسي وهذا من حقي ، لكن هناك مشاكل تقوى وتتمرد على الإنسان وتحط من عزيمته ..  أنا في لحظة ضعف .. وليس لدي أي مخرج سوى..

قاطعتها ندى على الفور ، وقالت من وراء تقطيبة لاتخلو من قلق باد عليها :

- هل تنتظرين حلا من السماء ، أو من سحرة ؟!

- لا أنتظر أي حل . فأنا أتعذب .. أحس بوجع  وبس ..

- مستعدة لمشاركتك عذابك .. مستعدة لأكون مريضة بدلا عنك..

شعرتا بتعب مشترك ، وبأنهما أقل منه قدرة على المواجهة.. خيم السكون كتقي من حولهما للحظات .. ركزت سلاف جملة عند رأس لسانها ، وأخيرا تبخرت في فراغ القلق المضني .. فرددت كلمات لا علاقة لها بالموقف ، ثم  شكرت ندى على صدق مشاعرها ، واعترفت لها بفضائلها، وأكدت أن وجودها إلى جانبها خفف عنها العذاب ، واعتبرتها جزء من أملها وحياتها ..

وفي سياق الحديث سألتها عن رأيها حول اللصوص ، و كيفية عقاب المسيئين للناس .. استغرب ندى السؤال، أحست أن فيه شيئا من التحري البوليسي ، وغير بريء ، لكنها استعجلت الجواب ، وأجابت  :

-  طبعا.. طبعا ..! العقاب ..

- وإذا لم يوجد من يعاقبه ؟

- لكل مذنب عقاب ..

- أسألك عن أمر إجرائي .. من يعاقب المذنب ؟

- القاضي .. الشرطة ..

- هل تصدقين ذلك ؟

- بعيدا عن الفلسفة أصدق ذلك ، لكن فلسفة كليتنا لا تعترف بالعقاب..  لأنه الشرطي مجرد أن يرتدي بدلته هو متهم، وكذلك القاضي ، وكل من يدعي الحفاظ على العدالة هو ضدها ، ووجود مثل هؤلاء  كارثة بشرية ..

انتظرت سلاف تعليقا مغايرا من صديقتها ، وشعرت أنها تشرح لها كلاما بغية التسلية ، لذا وجدت نفسها مضطرة للتعبير عما تريد إيصاله بلهجة حادة :

- العقوبة لا تعيد الدم الذي سأل من العروق إليها ، ولا تعيد الكرامة .. هي انتقام ، كما قال ماهر ..

وبعد لحظات تابعت بحماس  :" قال أخي ماهر ، المشكلة الكبرى التي نعاني منها ، هي أنه يتم أخذ ما  ليس لك ، والمشكلة الأكبر أن تحافظ على ما أخذته بطريقة غير شرعية ، والطامة الكبرى ، أن تجعل ممن جردته هذا الحق عدوك وليس له حق في الوجود .. "

ابتسمت ندى ، وعلقت باختصار شديد  :

- ماهر على حق .. كلنا على حق .. ثم عن أي دم تتكلمين؟!

- عن دمي  ..

- ربما عن دم من لون آخر .. من لون الكرامة ، أوالقلق،  أوالخوف  ..

- هل حكيت لماهر قصتك مع الأستاذ رضوان ؟

- لا..لا !  وأنت الوحيدة في العالم التي تعرفها..

شعرت ندى بمسؤولية كبيرة تجاه هذا الاعتراف .. واستسلمت لشرود تقي ..

خرجت سلاف إلى الشرفة حاملة على أرداف روحها كومة هَمٍ تتقاطع مع رغبتها بفعل شيء يخصها .. ارتطم قلبها مع أفكار عارية وصريحة ، أفكار تنبض بذبذبات لا تعرف الهدوء .. وقفت على ساقي الفكرة ، لم تنظر إلى الأسفل للتأكد أن عالم القطيع مختلف كما ردد ماهر ذات مرة ، بل نظرت إلى  قارة داخلها الواسعة..  القارة الممتدة من قطب الفكر إلى قطب الغائط،  وإلى خط الاستواء المرسوم بدقات قلبها .. بدت قارتها ضبابية موحشة ، وتفسد أخلاقها بفعل عواصف لا تستشعر تقنيتها البدائية  مصادرها .. و فيها مشاغبون يحملون  الماضي كسلاح أشبه بألعاب نارية .. معتبرين الأحلام أهدافا سهلة ..<< نعم هذه مشكلتي مع نفسي  .. أنا ضعيفة ولم أقو على تصنيف أهدافي ..  مثلا .. لماذا يأخذ رضوان حقا من حقوقي ، شيئا ربيته شبر بفتر كما رباني أبي ؟  أرضعته من ثدي تأملاتي وسهري الطويل حتى كبر .. تملكته بمشروعية ، والآن ليس لي.. أيوه .. أين حلمي ( ضربت يدا بيد ) أيوه .. مات ، لازم أدفنه وأنا مبسوطة ، أم لازم أقيم له جنازة تليق به ؟ .. من سيعاقب رضوان .. ؟ من سيعاقب جدتي .. من سيعاقبني لأنني ضعيفة ، ولأنني انهزمت ولم أستعد للحفاظ على حقوقي.. بالتأكيد لدى ماهر رأي آخر .. لكنه لا يهمني .. لأنه يورطني أكثر بعد كل أطروحة فلسفية أو نتائج تجربة من تجاربه الوخيمة  .. >>

زاغت عيناها ، وطارت من شفتيها همهمات قبل أن تحط بجد أمام  بيانات اللحظة التي اقتربت من رؤيتها بمنظارها الخاص..  بقيت أمام عتبة تحليل راكعة ومتوسلة بأن يسمح لها اختبار نفسها .. وكل ما فهمته من ورطتها بأنها لم تكبر بعد للاطلاع على مسائل معقدة .. مرّ أمامها كل شيء كلمح البصر .. بالكاد تحسست ذلك الوميض البعيد .. عَبرَ كشعاع برق خاطف .. كنيزك أضاء الزاوية المظلمة التي تتمنى رؤيتها .. واختفى تاركا وراءه رغبة على نعش الأمنية .. رغبة تحاول التمسك بها ولو بواسطة رأس أفعى .. جاءتها ندى لتجدها تبكي .. تعوذت من الشيطان ، وقالت معاتبة:

- انقلبت عليك الدنيا 180 درجة .. انقلاب ناجح كما تؤكد دموعك .. لا يجوز أن تفعلي بروحك هيك .. صحيح أن الأستاذ رضوان يستاهل ، لكن ليس إلى هذا الحد ..

فأجابت ساخرة :

- رضوان آخر همي ..

- لن أصدقك ..

- أنت حرة ..

خففت ندى عنها وكلّمتها ساخرة عن فكرة العالم السفلي والقطيع الذي قرأت عنه مقالا في جريدة محلية لعلها تهدأ .. وشرحت لها المقارنة التي أعجبتها ، وكيف أسهب الكاتب في توضيحها كأنه حكواتي ليلة شتاء طويلة ، وقارن بين الإنسان وبين  العوالم : عالم علوي حيث تستوي السماء ، ويقابلها فكر وعقل الإنسان ، وعالم وسطي  لرياح وأصوات وأمواج وفراغ ومسارات لأشياء لا نراها يقابلها صدر الإنسان وبطنه ، بينما العالم السفلي للأرض  التي يوازيها مخارج الغائط والبول  ..

 رمقتها سلاف بخبث ، وتساءلت :

- هل هذا ما قصده أخي ماهر ؟

- لا أعرف قصده ، ولا قصد الكاتب ، لكن المقالة أمتعتني دون أي سؤال حولها ..

- هل هناك مصالحة بين فوق وتحت ؟

- ما قصدك من هذا السؤال الغريب ؟

- لا أعرف .. أحاول أن أبرر للصوص أفعالهم ..

- مرة تذكرين الدم ، وأخرى اللصوص .. هل قتلت أحدا ، أو سرقت شيئا..؟

أُعجبت سلاف بالسؤال ، وأجابت :

- هذا احتمال وارد ..

- أنت لا تقدرين على قص ظفرك الميت..

- دربوني ..

- مَنْ ..؟

- لا أعرف ..

- لكنني أعرف .. وسأخبرك شيئاً..

- ما هو؟

قصت لها بداية علاقتها بوائل ، وشرحت لها بعض المعاناة والمشاورات مع عاطفتها وعقلها وأحلامها التي استهلكت كثيرا من تفكيرها قبل أن تقرر الاقتران به ..

 قاطعتها سلاف بجرأة  :

- فهمت قصدك ، لكنني مختلفة عنك ..

- لا يمنعك ذلك الاستفادة مني ..

- تظنين ..؟

وضع هذا السؤال حدا لجهد ندى المتواضع في فهم صديقتها..  وانتهى بها الحوار إلى طاولتها حيث الكتب تنتظرها ..

وهمست : " كنت سأحكي لها كيف لعب أحدب نوتردام دور المناضل لإنقاذ الأنثى من العذاب .. ودور جان فالجان في توريط المدينة بهمه، وكانت ستجيب ، لماذا تحتاج الأنثى لمن يخلصها ..؟  تفكيرها غريب ومقلوب .. إذا بقيت على هذه الحالة سأذهب بنفسي وأخبر الأستاذ رضوان عن وضعها . لا بد وأنه سيتصرف .. ستعتبر ذلك هزيمة ، ولتكن هزيمة .. هزيمة يتبعها خلاص..

ومن وجهة نظرها أو وجهة نظر ماهر المعكوسة ، الهزيمة هي النهاية .. وإذا  ذهبت إلى الهزيمة بنفسك فهي نصر ، لأنها خيارك .. "

عبثت وهي تسلسل هذه الأفكار وكأنها تكتب قصة لكاتب فاشل لا يعرف كيف ينهيها .. أو يبرهن على فسيفساء بنائه القصصي دون أن يخرب الفكرة ..

ابتسمت ، وقالت : " لقد أصبحت مثلها .. مريضة مثلها .. أهلوس كطائشة .."

  خرجت سلاف إلى باحة الوحدة السكنية .. التقطت تفاصيل دقيقة لحركات الطلاب  والأزهار والنوافذ التي تنظر إليها بعيون وقحة .. خانها نظرها بالتحديق إلى نافذة غرفتها ، أناخ الفراغ عليها بعضا من كتلته .. اعتمرت نفسا لاهيا وهي تحدق فكل اتجاه ، طالت كرة عينها نافذتها ، كانت ندى واقفة .. لوحت لها بيدها ، ودعتها للنزول .. فأسرعت إليها..

 كبحتها تصوراتها الضالة حول ضعفها من الاسترخاء المحتاجة له ، ودفعتها إلى حد الشغب ، عندما وصلت ندى كان جسمها يقف على ساقيها الخشبيتين ، وأفكارها كعصا تجلد بها متظاهرين يدعونها للالتحاق بالتمرد ضد العزلة ..

أحضرت ندى كيس موالح .. جلستا على مقعد خشبي .. وراحتا تفصص البزر كعصفورتين .. أنعشت ندى الموقف بالكلام عن الريف ، وصلها رذاذ الحديث كزهرة في طور التفتح .. شمت عطر الراحة .. ولكمت عن قصد هواجس طارئة غير التي تطاردها .. مع كل جملة تقولها تحس بها كمطر نثيث عذب.. أجهدت ندى نفسها وهي تحلل مظهر صديقتها إلى عناصره الأولية ، راغبة في بلوغ أقصى ما يمكن أعماق الصديقة التي تكتوي وتتلوع سراً يمكن قراءته على صفحة الوجه ، تمكنت كما قال لها إحساسها ، و بعد جهد من احتواء مزاج سلاف العكر بقصص عن مغامرات بنات قريتها ، وحكت بتروٍ قصة عن  فتاة من قريتهم ، بُعثت إلى بولونيا لدراسة الطب .. تزوجت من بولوني ، وأقامت هناك .. وأصبحت مديرة مشفى كبير ، فتاة ناجحة وموفقة ، واستقبلت عددا من مرضى القرية ، وعالجتهم على نفقتها ..

ارتاحت سلاف لهذه الحكاية  ، ودون أن تعي هدف ندى من السرد المشوق ، طلبت منها أن تقص لها حكاية أخرى .. تذكرت ندى قصة قرأتها في مجلة ودون تردد زادت عليها أبطالا وهميين وطالت عليها القصة حتى تعبت .. تقدم ملل من سلاف ، وأخذها من يدها لتعتذر من ندى ، وتطلب منها الصعود إلى الغرفة .. تركت ندى وراءها كيس البزر ، المقعد المطلي بأصباغ همهما ، وأثار تعب ، وحازتها عابرة البقعة الصغيرة من الخضرة عبر ممر ضيق ، انتهى بهما إلى الباب الرئيسي..

 

* * *

 

ليومين متتالين اهتمت سوزان  بسلاف ، وقرأت بين السطور أن هذه الزميلة تعاني من أزمة ، أسمتها " ميول نحو الوحدة المزمنة  " .. قارنت مشكلتها مع مشاكل البنات في مثل هذا العمر والتحول من المراهقة إلى النضج ، قرأتها بطريقة بسيطة واستنتجت أن وطيس وحدتها وميولها نحو العزلة ، وعدم كلامها المبالغ به ستطفئه الأيام ..وسيلتهمه الزمن وفتوتها ..     " هي مرحلة ليست بالهينة .."  قالت هذه الجملة لندى ، وأضافت إليها كلاما آخر حول إمكانية الاستفادة من تجربتهما ، والوقوف إلى جانبها في هذه المحنة الموسمية .. كانت نار الوقت بالنسبة لسلاف تشلح عن جسمها الفتي حطب وتعلقه على علاقة الموت وترقص أمامه كغجرية تبعث الحيرة في كابوس العجز وتعمل على رمي العد والأعداد بالتناوب وحجرها في مخدع  عزلتها << واحد .. اثنان .. ثلاثة .. أربعة .. أربعة وربع .. أربعة وثلث .. >> ، وكانت تعد بالتوازي : << رضوان .. الجدة .. الدراسة .. ضعفي .. خوفي على مستقبلي ..خوفي من الفشـ..>> عندما دخلت ندى سألتها مباشرة:

- ماذا تعدين ؟

أخفت أصابعها تحت بلوزتها متوارية خلف صمتها ..

كررت ندى السؤال ، وأخيرا أجابت ندى ببرودة:

- لا شيء .. لا شيء ..

جهزت ندى شوربة الكشك مع البصل المفروم والتي تعرف حب سلاف لها ، وقدمتها مع فتات الخبز القاسي .. أكلت ثلاث ملاعق فقط .. وتركت الملعقة في الصحن .. أخذت كتبها وتظاهرت بالدراسة.. رمقتها ندى وهمست :"  هي متعبة ، ولن تركز كثيرا..هي تهلوس بأمور غريبة .. ليتني أعرفها ! حتى في منامها أصبحت تتكلم كلاما غريبا.."

جمعت ندى الصحون ونظفت الطاولة.. ثم جلست تذاكر.. جاءت سوزان وهمست في أذنها حول أمر ما .. ثم طلبت منها الاستعداد لزيارة الشاطئ الأزرق بصوت عال كي تستفز سلاف وتدفعها للتفكير بأمور أخرى غير التي هي فيها والمجيء معهما .. ثم خرجت .. أغلقت سلاف كتابها وأدرجته على الرف بين الكتب .. أخرجت وريقات قديمة من جارور الطاولة.. ولوحت بها أمام ندى ، ودون أن تسألها عنها.. بدأت تسرد.. تارة تقرأ ، وتارة أخرى تتكلم من وحي شرودها.. حكت قصة طويلة ، مشتتة ، غير مترابطة عن فتاة يتيمة حلمت بأن تكون أميرة ، فاقت من حلمها مصدقة هذا الحلم ، وراحت تخطط لتنفيذه .. استخدمت الإغراء وقواها الجنسية لجمع الرجال حولها .. وشيئا فشيئا أصبح لديها خمارة ، ومن مال الخمارة أصبح لديها بيتا للدعارة ، ومن هذا البيت انطلقت لتبني إمارتها ، وأصبح اسمها أميرة ، لكن أميرة للعهر ، استقطبت عددا كبيرا من الرجال والنساء يؤدون لها الطاعة ليل نهار.. وأخيرا وجدوها مقتولة بالسم .. استغربت ندى اختيارها لهذه القصة .. ضحكت ساخرة  .. فسألتها سلاف:

- ألم تعجبك ؟

- وهل أعجبتك أنت ؟

- لا ، بالطبع .. لا ..

- حكاية مقززة ..

- آآآآه .. فعلا مثيرة للقرف..

مزقت الأوراق ورمتها في سلة المهملات .. واعترفت بسوء فهمها عندما قرأتها للمرة الأولى .. ارتاحت ندى لتصرفها المتوقع.. وضحكتا ضحكة مشتركة حول مصير هذه الأميرة التي قتلت بالسم ، وقتلتها سلاف مرة أخرى ودفنتها بالاشمئزاز في مقبرة العار ..

 ظلت ندى عند حد تخمينها بأن صديقتها ستتجاوز محنتها ،  وارتاحت لتصرفها.. وبدا من الهين لها تسليم أمرها للأمل ولحب صديقتها لها التي تنتظر تحسن حالتها وعودتها إلى حظيرة الجد والمتابعة والمرح الطفولي .. قلَّتْ مراقبتها لها.. وانتظرت يوم الأربعاء لترى كيف ستتصرف في المحاضرة التالية .. بعد المقاطعة المحكمة لمحاضرات الأستاذ رضوان السابقة ، بل ومقاطعتها لمحاضرات يوم الأربعاء برمتها ..

وصلت سلاف إلى مرحلة بدأت تتساوى عندها الأمور كجندي في معممة المعركة ليس أمامه سوى المواجهة .. وإطلاق آخر ما في جعبته من زخيرة .. 

ظهيرة يوم الأربعاء .. وصلت ندى إلى الغرفة قبل صديقتها..  وجدت على الطاولة ورقة بيضاء مرسوم عليها أرنب بالحبر الأسود مقطوع الرأس ، ودمه الحبري الأسود مبعثر كأن جريمة متعمدة حدثت له .. مزقت الورقة ورمتها غاضبة..  ارتجفت وهي تفسر هذه الرسالة الشيطانية .. تصببت خوفا ، واقتطعت منها لحظات الانتظار حيرة وأودعتها في رسم القلق من الآتي ..

حضرت سلاف وهي تلوح بحقيبتها .. انبجست يداها لهوا أحمر.. وأشار كتاب اللغة الإنكليزية الذي سقط من الحقيبة على الأرض إلى احتفالية ما .. شالته ندى بسرعة ، وناولته لصديقتها بانتظار أن تكلمها..

كانت لعبة شد حبل الكلام بينهما حاداً .. يصل السؤال إلى شفتي ندى وترجعه ، ثم تترك لأسنانها قطع رأسه .. وعلى طعم موته تقسم ألا تسألها .. وندى التي راحت تفتعل تمثيلية رموزها فاضحة حول تجاوزها لهذا اليوم .. دعتها ندى لشرب المتة .. قبلت الدعوة دون تناول الطعام .. وكان قبولا استفزازياً.. انتهى بسؤال ندى :

- بصراحة لا أستطيع بلع قطرة ماء واحدة قبل أن أعرف..

- ماذا ..؟!

- هل حضرت المحاضرة .. ؟ محاضرة الأستاذ رضوان ..

- طبعا حضرتها ..

شعرت ندى وكأن كتلة نار انطفأت في ضميرها المعذب   .. ثم سألت :

- بماذا شعرتِ نحوه؟

- لا شيء.. لا شيء سوى أنه مدرس محترم.

- لا أصدق.. فعيناك تقولان كلاماً آخر.

- تقول عيناي كلاماً كثيراً.

- ماذا عن رضوان؟

- كان حلماً واندثر.

- لا تموت الأحلام بسرعة.

- جربت أن أقتله، فنجحت.

- أنت مجرمة.

- إذا تخلصت مِمَنْ يعذبني، فتلك جريمة ؟

- ربما أكثر.. لأن ما تحاولين التخلص منه هو الحب..

- الأفضل أن نستمع إلى نجاة الصغيرة..

قامت وكبست زر آلة التسجيل ، فكان شريط عبد الحليم .. تركته يشاركهما الجلسة بإهمال ..

- أعرف أنك متعبة.

- لا أعتقد ذلك..

وضع هذا الجواب حداً لحشرية ندى ولمدة أسبوع كامل.. أجبرت نفسها على تركها وشأنها .. واعتبرت أن ذهابها للمحاضرة هو بداية لعقد صلح ستتوطد بنوده وتلتزم بها مع مرور الوقت.. ..

حاولت ممازحتها ، تظاهرت بالاستجابة المبطنة بروح سلبية ، وتفرغت ندى أكثر لدروسها وللمضي وقتا أطول مع سوزان ..

ردت عليها وهي تمازحها بنزق ، هوّنت ندى الأمور ، قالت:  " ستالينيه " .. انتفضت في وجهها صارخة :" أرجوك .. لا تدخلي في شأني "

لاحظت أن بريق وجهها ظلله الشحوب، وأحاطت هالة كالشحار محيط عينيها  ، ولا تنطق وجنتاها بأي تعابير هيام كخرساء تائهة ..

ردت ندى بقسوة :" أنت من يتدخل في حياتي .. حزنك لا يفارقني .. و "

ارتمت سلاف على السرير فاقدة تماسكها كرغام مبعثر .. تركتها ندى وخرجت باكية إلى سوزان التي استقبلتها باهتمام وحيرة ، ألحت عليها بأسئلة حول مشاكلها .. تظاهرت ندى بتماسك غير حقيقي ، وبعد أن مسحت دموعها ، ظلت كاتمة على روحها ، ولم تنطق بكلمة واحدة .. جرتها سوزان من وجعها الغامض والعميق إلى شاطئ البحر الذي تعرف تأثيره على مزاجها .. بعد مشوار قصير اقتربتا من الصخرة..  تفاجأتا بجلوس سلاف وحيدة على حافتها ورأسها بين يديها .. ابتعدتا عن المكان دون أن تراهما.. وهنا انفجرت ندى شاكية :

<< - يا عزيزتي إنها في ورطة ولديها مشاكل.. لقد انزوت في جلدها.. أحسست بذلك منذ فترة، وكأنها تطلب مني مساعدتها، لقد باحت لي ببعض الأسرار، وأصبحت على يقين أكثر بضرورة التدخل لمساعدتها وإن كان لا يحق لي المساس بخصوصيتها، لكنها أكثر من أخت ، ويؤلمني ما يؤلمها..

- ماذا عنك أنت ، لماذا تبكين ..؟

- أبكي من أجلها ..

- ما بها ، ماذا يؤلمها..؟ سألت سوزان بإلحاح.

- ولأنك صديقتي يجب إخبارك..>>

وهكذا حكت لها حكايتها مع المدرس رضوان من الألف إلى الياء، وعبرت عن الحالة التي لحقت بها، والوضع البائس الذي تمر به .. أبدت سوزان دهشتها للحكاية الطويلة التي مرت بها سلاف وإعجابها بشخصيتها ، وفكرتا معاً بمساعدتها، وأضافت:  " لا بد من الوقوف إلى جانب طالبة سنة أولى، وهي مرحلة في غاية الأهمية والخطورة..

وافقتها ندى الرأي، و شدت على يدها و شجعتها أن تقف إلى جانبها في هذه المحنة.. وأكدت أن اثنتين أفضل من واحدة في المواجهة ..

 

* * *

 

وجدت سوزان نفسها فجأة في وسط قضية ملحة عليها، ومنحت لنفسها الحق ، بل والواجب في مساعدة زميلة..  راحت تبحث عن طريقة ما تتقرب إليها وتمنحها ثقتها.. عاندتها  في البداية.. لكنها نجحت في ملاحقتها والتحايل بعض الشيء بقصد مصادفتها وهي منعزلة على الصخرة، أو تتمشى على الشاطئ.. لم يكن في الأمر صعوبة عندما علمت بخروجها، ثم تبعتها.. فاجأتها و أقنعتها أن الأمر مجرد صدفة.. جلست إلى جانبها وراحتا تراقبان البحر كأنه طفل يشاغب وعليهما إسكاته، وبعد حديث قصير عن هذه البقعة اللاسم لها من العالم، وعن الناس القاطنين هنا وعلى الضفة الأخرى.. انتقلت سوزان وبجدية إلى قلبها النابض بالحيرة والوله والتحدي:

- لست مرتاحة يا سلاف.

- أنت ابنة ضابط كبير وغير مرتاحة؟!

- لم أر والدي منذ سنة.

- صحيح؟! سألت سلاف باستغراب.. !

- نعم.

- كنت أعتقد لو طلبتِ لبن العصفور لنلته فوراً.

- ليست العبرة في المكاسب، بل كيف نحققها.

- بصراحة لا أفهم قصدك.

- تعتقدين أنني سعيدة؟

- أراك مرحة باستمرار وتتصرفين كأنك من بنات هوى..

- أنا مرحة لأنني أصنع المرح ، وأصنع طريقة حياتي ولا أترك مشاكل الحياة تسيطر عليَّ  ، أعرف جيداً معنى القوة والثبات ودربت نفسي على مبادئ كهذه..

هزّت سلاف رأسها بحيرة .. فسألتها سوزان :

- أراك متعبة ..؟

- نعم .. بل أكثر .. إنني أتعذب .. أتعذب كثيرا..!

- أيحق لي السؤال ، لماذا؟

- نعم يحق لك؟

- شكراً.. لن أسألك وأعتبر أنك   منحتني ثقتك.. واسمحي لي بتقديم نفسي وبعدها قرري أن نكون أصدقاء حقيقيين ، أو لا نكون.

- نحن أصدقاء..

- إذن ، اسمحي لي تقديم نفسي .. نفسي التي لا يعرف أحد عنها شيئاً .. قلما أفعل ذلك إلا لصديقاتي القريبات جداً جداً، وأنت -أتمنى أن تكوني واحدة منهن-  وأيضاً ندى.. رغم سطحية علاقتنا عرفت عنك بعض الأشياء كالوضوح والاستقلالية والصراحة ، وهذا ما جعلك قوية وشامخة في نظري..

استثمرت سلاف الصمت الحجري  لصالحها وبقيت محايدة رغم هجوم سوزان باتجاه أفكارها وتحليل شخصيتها.. قالت سوزان مازحة:

- أول شبه بيننا أن اسمينا يبدأان بحرف السين.

حافظت سلاف على حيادها قليلاً،  ثم سألت:

- وهل هناك شبه آخر؟

- بالطبع.. بالطبع..

- ما هو ؟

- هذا هو السؤال الذي يلخص ما مضى من حياتي.

- ما جوابه؟

- ألديكِ رغبة بالاستماع؟

- طبعاً..

كان البحر كمختار قرية طيب القلب يرمقهما متمنيا منهما السلام عليه كجد محترم ..

تحمست سوزان للحديث ، ودون مقدمات استهلالية ، شرعت في الكلام  :

- بدأت حكايتي وأنا لا أزال صغيرة، كنت في الصف الثالث الإعدادي،عندما كلف والدي، وكعادة الضباط الكبار سائقه الخاص تدريسي بعض المواد كاللغة العربية والاجتماعية كون السائق سنة ثالثة أدب عربي في الجامعة وهو يتمتع بثقافة واسعة ومعلومات غزيرة.. اهتم بي وبإخوتي الثلاثة..أختي تصغرني سنة واحدة، وأخي يكبرني بصفين، وثاني يكبرني سنة فقط.. أنهيت سنتي الدراسة ونجحت بتفوق وكان والدي راضياً عني وعن الأستاذ واسمه إبراهيم.

علمني وإخوتي السنة التالية، وأطلع أخي الكبير عصام أثناء التدريس والرحلات التي قاما بها في أوقات الراحة على تفاصيل حياته المثيرة وتعاملت معها كشيء يدعو للتسلية .. حاول إخباري بعض الأشياء عن مواجع أسرته ، استهرت بما قاله ، و لم أهتم لذلك أبداً كفتاة صغيرة لها همومها وأحلامها الخاصة التي تتلخص في الذهاب إلى ملاعب الأطفال والحدائق ومزارع الوالد وتمضية الوقت مع اللهو وشراء الملابس والهدايا ، وما شابه ذلك .. ردد أخي أمامي حكاية إبراهيم التي تشبه حكاية خيالية، حكاية عن إنسان قديم ، موغل في عالم غريب مجهول .. من عصر آخر غير عصري ..  تلخصت حكاية الشاب بانطلاقة طموحة .. شاب شاطر ترك المدرسة ودخل السلك العسكري لمساعدة أسرته المنكوبة، فوالده مشلول وأمه مصابة بفشل كلوي، وهكذا وجد نفسه معيلاً للأسرة كونه أكبر أخوته وهم أربعة.. ترك ضيعته وجاء حافياً إلى حماه من مسافة خمسة عشر كيلومتراً،  قدم طلبا للتطوع في الجيش،التحق بعدها في الكلية الفنية الجوية بحلب.. هنا تابع دراسته ونجح في الثانوية ، ثم دخل الجامعة، وبعدها مباشرة اختاره والدي ليكون سائقه الخاص..بعد اطلاعه على ثقافته وإعجابه بها طلب منه تدريسنا.. كان يعمل ليل نهار لتأمين حاجات أسرته.. فجأة اختفى عن الأنظار، طالبنا الوالد به، فقال إنَّه انتقل إلى وحدة عسكرية أخرى، وهكذا طويت صفحة الأستاذ إبراهيم، العسكري المثقف.. سارت حياتي بشكل طبيعي ونسيت الأستاذ إبراهيم وغيره من المدرسين الذين أحضرهم والدي من وحدته العسكرية لتعليمنا إلى حين دخولي كلية طب الأسنان في جامعة دمشق، عشت طالبة مدللة، لديّ سائق يخدمني ويؤمن طلباتي .. أحببت اختصاصي وأقمت علاقات مع طالبات مميزات كبنات وزراء وضباط كبار وحتى أساتذة في الكلية تقربوا والتمسوا المساعدة كنقل أخوة لهم من وحدة عسكرية إلى وحدة أخرى وتأمين وظائف وتخليص من العقوبات العسكرية والمدنية .. لقد تميزت في دراستي وعلاقاتي ، وكنت لا أحس بالأرض التي أمشي عليها .. وتملكني إحساس بأنني ابنة يحرسني الله  ، ويهتم بي القدر، وكل من يحيط بي هم أدنى مني ، وبلغ بي الدلع حدا لايمكن وصفه ..  استمر ذلك حتى الفصل الثاني من السنة الثالثة عندما قرأت إعلاناً في لوحة الإعلانات عند باب الجامعة الرئيسي في نفق الآداب المعروف عند بداية أوتستراد المزة من جهة ساحة الأمويين.. وجاء في الإعلان دعوة عامة لحضور مناقشة رسالة الدكتوراه لإبراهيم نصار على مدرج كلية الآداب بعنوان" الريف في الرواية العربية " .. قادني الاسم إلى سائق والدي ، أي ذلك الأستاذ الذي درَّسني يوماً ما والذي يحمل الاسم نفسه، وبدافع الفضول أولا ، ثم بدافع تمضية الوقت ، ومتابعة كيفية الدفاع عن شهادة الدكتوراة ، حضرت دون تخطيط إلى القاعة القريبة من كليتي ..

اتخذت مكاناً وسطاً بين الحضور، أطلَّ إبراهيم نصار بشموخه المعهود وناقش الرسالة بامتياز.. بهتُ وأنا أتابع كل حركة يقوم به ، داهمني شعور غريب ومختلف له طعم طفولتي عندما كان يدرسني ، شعورلم أحس به من قبل ، بصراحة حاولت في البداية التركيز على لباسه ، أتذكر أنه كان عاديا، لكن مع الشرح والتعليق والكلام البلاغي بدأ أسلوبه الرصين يأخذني إليه ، لم تهمني معاني الكلمات بمقدار الموقف نفسه الذي جعلني أرتعد وأتساءل وأنظر إليه نظرات وكأنها لا تخرج مني ، تملكني شعور أنيس ولطيف .. صفق له الحضور بعد إعلان النتيجة.. أفقتُ من تأثير الموقف عليّ وكأنني عائدة من رحلة في الماضي الذي استيقظ دفعة واحدة ، وصفقت له بحماس مع المصفقين .. قدم دفاعه بطريقة تليق بمثله من الأذكياء ، فاجأني بطلته المهيبة ، وكلامه المثير .. وجدت نفسي أقفز للأسفل، ثم أصافحه وأهنئه، صافحني كبقية المهنئين، انتظرت قليلاً وخاطبته بثقة ووضوح:

- أتذكرني يا دكتور.. أنا سوزان.. سوزان الهاشم، ابنة سيادة اللواء.. أتذكرني؟!

تغيرت ملامحه على الفور ، رمقني بعين قاسية ، فكر في أمر ما واستدار باتجاه أحد أصدقائه.. ابتعهد عني خطوة ، تصرف وكأنني غير موجودة ، استهجنت الأمر قليلا ، وعاودت الكلام بعد أن وقفت أمامه وجها لوجه :

- أنا تلميذتك الفالحة سوزان.. جئت لأشكرك و..

التفت إليّ بانزعاج وقال:

- ليتك لم تحضري.. ليتني لم أرك في مثل هذا الوقت الغالي على قلبي.. لقد أفسدت فرحتي.

- لكنني أقدرك أيما تقدير.

- ليتني.. ليتني..

سألته بغضب:

- لماذا.. لماذا؟

تحدث إلى آخرين وكأنني غير مجودة ، شعرت أنه جرح كبريائي وشموخي ودلالي ، صدمني بقسوته وأنا غير المعتادة على مثل تلك المواجهة .. هممت على الفور بالانصراف، فلحق بي وقدَّم لي قطعة حلوى مما أحضر للمناسبة.. أخذتها، فشكرني وطلب مني الانتظار قليلاً، جلست في المقعد الأمامي وكُلي فضول لمعرفة سبب تصرفه غير اللائق.. ودّع المهنئين، ثم اقترب مني شكرني ثانية ، وقال:

- أنا متعب جداً، إذا أحببت، نلتقي غداً أمام بوابة حديقة تشرين في الساعة الخامسة مساءً.

وافقت ومضيت متعثرة بكلماته، وربما لو لم يعدني لَمُتُّ قهراً..

توقفت سوزان عن الكلام بعد تلكيء مفاجئ .. غرقت في صمت وفي عينيها نظرة استكشاف ، بينما قدرتها سلاف على أنها مجرد نظرة شاردة لا تخلو من لمسة خجل .. كان الوقت يذوب في عدوى الموقف المباغت ، والبحر يركن إلى انزواء مفتعل خلف حقيبة اليابسة ، يرطن لهجة غريبة، أسلمت سوزان نفسها لخواطرها ، وابتدرت قائلة :

- أمر غريب .. آآآه..

- نعم .. وماذا بعد ؟ سألت سلاف بتلهف

أطرقت سوزان وهي تتأمل الأرض .. تلمست وجهها من رطوبة لاذعة .. فكررت سلاف السؤال :

- أراك ساكتة؟

- عموماً .. أتدبر ترتيب الكلمات .. لتكون مناسبة..

- تابعي كيفما شئت ..

- أخشى من فرض نفسي عليك..

- على العكس تماماً، فكل كلمة قلتها جعلتني أتأثر ، إي والله كلامك مثل السكر على القلب .. بصراحة أتمنى أن تنهي ما  بدأته بسرعة، فأنا لا أحتمل الانتظار كثيراً.. أتمنى أن تقولي النهاية الآن .. أنا بنت ملولة ..

- لنترك ما تبقى للغد..

قالتها سوزان بليونة لا تخلو من الفضول

- قد لا أذهب إلى الكلية إذا بقيتِ معي.. بل مستعدة للاستماع إليك حتى النهاية هذه الليلة..

تكلمت سوزان حول أمر آخر وملامحها مستطيرة وراء خيوط أخرى لا علاقة لها بالموقف ، صبت العبرات الخادرة في محياها الرطب ، وكأنها تستجمع قوة ضرورية كي تتابع..عم هدوء غض لثوانٍ، تحول إلى عناد طويل المدى ..  افترش البحر وجهي الفتاتين بسعفه الناعم ، وخلد إليه النوم ، فأخذتا بعضاً من نعومته إلى سريرهما..

التحفت سلاف العالم الخارجي كغطاء دافيء ضاق على جسدها، مرت بجانب همسات المساء الذي قدم لها مدا من حيرة   وتوتر غير محتد ، ولم يدعها إلى محفل الأقاويل التي تحتاج إلى تفسيرات عميقة : << بدت لي سوزان أقرب من أي وقت مضى، هي لطيفة المعشر ، لكنها تخفي سرا ، مثلي أو أكثر .. هي ابنة مدينة كبيرة .. آهههه يا ربي ، لقد خالفتني أحاسيسي  هذه المرة، راح تكون صديقة مميزة  .. >>

ظل البوح يحوم في فرضيات هلامية وأحيانا غير قابلة للرؤيا، أولاوجود لها.. خاصة وهي تركز حول تعقيدات المدن الكبيرة ومشاكل البنات فيها وكأنها طفلة حاولت أن تصنع حلما من كرات الكرى البني القريب من عينها.. وبفعل ممغنط جاذب دخل النوم في جسدها وأحاله إلى دمية تستريح من أيدي النهار الطينية..

في اليوم التالي وبعد الانتهاء من برنامج الدراسة.. ذهبت  ودعَتْ بحماس لافت سوزان إلى شرفة غرفتها بعدما أحضرت الموالح وجهّزت المتة.. أصبح لدى الصديقة بعد هذه الدعوة رغبة أكبر للكلام، وذاكرة أكثر تدفقا واستجاب، وراحت تعالج حركات  غير إرادية من يديها وأجفانها ، انتهت بتركيز إرادي، وبعد أول سحبة متة ، تابعت الكلام من حيث انتهت البارحة :

- في اليوم التالي التقيته حسب الموعد، تجولنا قليلاً في حديقة تشرين.. لهفة الأمس جعلتني لا أرى في فسحة الحديقة إلا الأسئلة التي جالت وتجول في خاطري.. بدأ اللقاء جافاً.. انتظرت منه أن يسألني عن أهلي، أو عن عصام الذي ربطته به علاقة قوية.. تهرّب وحدثني عن عذابه حتى نال درجة الدكتوراه، سألني عن دراستي وطموحاتي وأهمية العلم في حياة الشباب.. أحسست أنه يراوغ كسياسي ليس لديه مقدمات للموضوع ويبحث عن مخرج للجلسة الفاشلة.. بدت الحديقة لا حديقة وأنا وهو طرفان في غاية التناقض.. توقفنا عند باحة مسرح الحديقة الصغير .. تأملنا وبنفس الدرجة من الالتباس المدرج المتواضع.. قال:

- ليتنا نقول الحقيقة.. فلو لم تتراكم الأكاذيب لكنا أفضل.. حتى المسارح صمتت لأن حناجرها استؤصلت.

تجاهلت ما قاله، وامتعضت من بلاغته .. ابتعدنا عن المسرح باتجاه مكان بناء معرض الزهور الخالي إلا منا.. بدت الحديقة أكثر وضوحاً وهنا قلت له:

- أنا أكره الغموض.

فأجاب:

- أيضاً أنا أكرهه.

- إذن نحن متشابهان؟

- لا أعرف.

- أو متنافران؟

- لا أعرف.

- ماذا تعرف؟

صمت قليلاً ، وأجاب بصوت خافت :

- لو تعلمين مقدار كراهيتي لأسرتك لما قابلتني.. عفواً كلمة كراهية غير مناسبة ولا أستطيع أن أكره.. والأصح القول خلافي، أو تناقضي الشديد  مع أسرتك..

- للتو عبرت عن مشاعرك تجاه أسرتي..إذا علمت السبب، فقد أتقبل لا كراهيتك فحسب، بل أكثر..

- ورب العزة ، لا أستطيع أن ألعن أو أكره، لكن لديَّ قدرة هائلة على الرفض ، وبتعبير أدق " على التكيف مع الفضيلة أو الأفضل " والرفض برأيي هو أقرب إلى توصيف ما أنا عليه. أما السباب، فلا ينفع شيئا ..

استوضحت منه مغزى فكرته، وأفهمني بلغة الأدب معنى الاختلاف السلبي ، وبلغة ضيعته معنى أن ينفر إنسان من آخر، وبلغة تجربته معنى العصيان ، أو عزة النفس والكرامة الآدمية المهم إنه ابتعد عن أسرتي وتعلم منها دروساً هامة..

بدا مضطربا ، وأقل حماسة مني في قول ما يريد .. حمسته ، بعدما استوقفتني فكرة التكيف والابتعاد ، وتعاملت معه كالجاهلة علماً أنني فهمت قصده تماما .. وقلت له بجدية :

- أسرتي مقدسة ، وما تقوله عنها هو شتائم غير مبررة .. و لا أسمح لك بذلك ..

أعجبه دفاعي الفطري ، وأكد وجهة نظري ، وقال : " إن أسرتك فعلا أكثر من رائعة .."

صدمتني وجهة نظره ، وشرح لي الفرق بين الحقد والكراهية ، وبين وجهة النظر والفكرة والقانون الثابت .. سألته عن سبب امتعاضه مني ، وفهمته خطأ ، ودار حوار طويل لاأطراف له ، أغضبني كثيراً.. انزعجت، حزمت أمري بعصبية واستعددت للمغادرة.. كدت أفقد صوابي.. تركني أتصرف كما يحلو لي .. ابتعدت عنه وبعد خطوات توقفت بعفوية.. بادر إلى ذهني سؤال:

" يجب أن أعرف لماذا يكرهنا.. وإذا لم أعرف فيعني أنني فشلت في مهمتي وستبقى سيرته كابوسا يلاحقنى مدى حياتي.."

بقي جالساً على حافة سور جانبي متظاهرا بعدم الاكتراث بي.. أثار ذلك حنقي أكثر.. فعدت وألقيت أمامه خطبة طويلة..

وأهم ما قلته :

- أحضرتني لإهانة كبرياء أسرتي.. لتشتم.. لتقول ربع الحقيقة، ولتتوارى خلف ألفاظ مبهمة.. أحضرتني إلى مكان جميل لتجعلني في أسوأ حالاتي، ولتهدد ضميري وفرحي وغنجي.. أنت تلعب كمراهق على فتاة تحسب أنها صغيرة ، بالله عليك.. قل لي كلمة واحدة مفيدة.. أم أنك جبان؟.. اذهب.. اذهب واشتم والدي وأخي عصام..أرني شجاعتك..دافع عن كرامتك وأفكارك بقوة إن كنت على حق.. أما أن تحضرني هنا كي أنقل رسالتك الانتقامية لهما، فلن أفعل ولن أذكر اسمك أمامهما أبداً.. لن أكون وسيلتك للانتقام.. غريب أمرك، فقط بالأمس حصلت على شهادة الدكتوراه، واليوم تعلن مشروع كراهيتك المستقبلي ضدي  ، وعصيانك الأخلاقي - كما أسميته متفلسفا-  ضد أسرة بريئة طاهرة وعظيمة ، تعيش بأمان .. وتنفذ شهوة الاعتداء والقرصنة عبر ابنتها .. أتيت لتنتقم بي عن ماضيك ..أهذه هي الثقافة والعلم يا حضرة الدكتور ..؟

قلت ذلك بعصبية وتشنج مفرط.. بل قلت أكثر وكأنه جندي بسيط أمامي ، ثم أسرعت مبتعدة ، عندئذ استوقفني ، وقال:

- كأن والدك هو الذي يتكلم .. يا إلهي وريثته .. ورثت حتى تصرفاته ..  على كل حال، حتى الآن لم تسأليني سؤالا جادا .. ولماذا حدث لي ما حدث ..

أجبته بغضب و نفور:

- لا أريد معرفة أي شيء ، واحتفظ بغرورك أيها الخريج الجديد لنفسك..

كدت أشتمه وهو ينظر إلي ببرودة ، فقال:

- لازم تفهمي..!

- لقد فهمت كل شيء.. فأنت تكره وحاقد، ولاتريد الخير لغيرك،  وهذا هو عنوانك العريض المكتوب على جبينك، و لا يهمني ما بين السطور..

ظل هادئاً ، وقال:

- لا.. لا.. ! ليس ذلك كل شيء ومن الأفضل أن تعرفي ..

- هيا تكلم.. بلغ رسالتك الانتقامية ..

اقترب مني وهو يتكلم متلعثما :

- ما تطلبين مني الاعتراف به قد نسيته.. والآن تدفعينني للكلام.. كان بودي أن أتذكر عصام وحسب .. أن أخبرك أمرا يخص عذابي من بعد مغادرتي بيتكم .. عن نجاحاتي .. عن حياتي الخاصة وبس ، عن جهد إنسان بنى نفسه بنفسه ، لكن من الأفضل أن أعترف قدامك  ..

- أعتقد أن لديك رسالة لا مجرد اعتراف..

- أصبح لديّ رسالة تخصك أنت حصراً.

- هيا تكلم.. خبرني ..

- اجلسي أولاً.

اقتربت منه وجلست مقابله على مقعد خشبي .. واجه عنفي ببرودة وابتسامة كانت غامضة  ، وقال:

- أنا لا أكره أي إنسان على وجه الأرض ولا أستطيع أن أكره.. هكذا علمتني فطرتي.. لأن الكراهية  شيء مكتسب في حياة البشر ، أنالا أكره والدك الأب والإنسان ، بل أكره رتبته التي شوهته ، رتبته العسكرية البغيضة، الصفة العسكرية اللعينة ..

قاطعته قائلة:

- رتبته العسكرية هي خبزنا، وهي شرفه..

فأجاب بثقة :

- أتمنى ذلك.. أرجوك دعيني أكمل.. أنا مع بذلته لأداء مهمتها لا إلى استعماره.. لقد أصبحت البذلة هي شخصيته وليست مجرد ثوب، باسمها يأكل ويشرب ويسرق وجعلته فوق القانون، حولته إلى وحش كاسر.

تمالكت أعصابي وهو يتكلم بتردد ..

كانتا متحمستين إلى حد الإثارة ، وظل الماء في الإبريق على وضعه .. لا ينقص .. ولا يتزحزح من مكانه .. حرارتهما أقحمت الجو المائل إلى البرودة في دفء مكنون .. منعتها سلاف من التوقف ، فاستمرت : 

- البذلة العسكرية، (البوط) العسكري .. الرتبة .. النجوم .. النياشين.. الشرائط الحمراء .. الأوسمة .. كلها نكلت بي..   باختصار لقد ضربني والدك برأس بوطه الثقيل المدبب .. وبكفه الغليظ .. جرحني ..عذبني لدرجة لا يحتملها عقل بشري ولا حتى بغل بلدي .. خدمته أربع سنوات ونصف.. علمتكم.. كنت سائقه الخاص وخادمه المطيع.. قبلت أن أكون عبداً له وماسحاً لأحذيته، لكنه أراد أكثر من ذلك.. احترمت نفسي ونفذت ما كان يطلبه مني كجندي ، فعاملني كالكلب.. دخلت المؤسسة العسكرية لأعيش أسرتي لا لأصبح كلباً.. تعلمت جيداً نظام الجيش: " نفذْ ثم اعترض وعلى المرؤوسين طاعة رؤسائهم التامة دون تردد أو تذمر.." فأطعت ونفذت فيما يخص أمراً عسكرياً للدفاع عن الوطن، أو في معركة أو تدريب عسكري، لكن للأسف طلب مني التنفيذ في السرقة، وأمرني أن أكون يده اليمنى في أخذ الرشاوى وتهريب مواد الوحدة العسكرية- أغذية وألبسة و قطع سلاح..  وبيعها في السوق، كذلك بيع البنزين المسروق في محطات الوقودالخاصة.. وعندما رفضت ضربني ضرباً مبرحاً وأودعني سجن الوحدة.. هكذا يرتب أموره.. يدفع الجنود للسرقة، يورطهم، يأخذ الأموال، ثم يرميهم في السجون، وبعدها يحن عليهم ويطلق سراحهم بشرط سكوتهم ونقلهم إلى وحدات أخرى نسبة الخطورة القتالية فيها عالية..

لا أريد التحدث عن الوطنية أو اللا وطنية، وإنما عن حياتي كفرد وجندي وعلاقتي به.. أربع سنوات كانت كالجحيم.. لقد رأيت ما رأيت من مآسي .. عملت سنة كاملة في مزرعتكم بحمص ونصف سنة في مزرعتكم على طريق درعا،  وأعرف أن لديكم خمس شقق فخمة في دمشق وشاليه فاخرة في طرطوس بالقرب من المنطار ، وهذا جزء بسيط من فيض ما سرقه..

سجنني والتقيت بالمعتقلين الشرفاء في السجون، وعلمت كيف عذبهم وقهرهم ودمر أسرهم باسم المال الذي سرقه ولا يزال يسرق.. لا أريد القيام بعملية حسابية بين راتبه وبين أملاكه كي نجد الفرق الهائل.. وهو الفرق المسروق من أكباد الناس وأرواحهم..

- إذن والدي حرامي؟

-  نعم والدك حرامي وبصراحة أكبر هو مجرم، والدك سرق أموال الدولة وأموال الناس، لديه مكتب خاص لبيع الإجازات، فثمن إجازة مدتها ثلاثة أيام ألف ليرة، وثمن عدم حضور جندي شهراً كاملاً عشرة آلاف ليرة، ونقل عسكري من مكان إلى مكان خمس وعشرون ألف ليرة.. أنا شاهد عيان على جرائمه.. تعاملت معه بإخلاص كسائق خاص ، وعندما اكتشفت حقيقته طلبت نقلي إلى مكان آخر، حتى ولو إلى أسوأ الأماكن صعوبة.. ضربني بيديه، و بوطه حتى أدماني ولم أفق إلا في المشفى.. وهذه آثار جروحه لاتزال باقية في صدري ويدي وعنقي، و هذه ندبة كبيرة في جبهتي.. هو لا يحتمل وجود شرفاء، عمل بقوة لإفساد الجميع، وتلويثهم، وتوريطهم، إنه آفة.. داء سرطاني في جسد المجتمع ..

تكلم ومع كل كلمة نطقها كنت أغور في عتمة الغضب والحزن، في متاهات خيبة ،  تصببت عرقا ووجعا ، تمنيت أن أوقفه عن الكلام الذي طاح بي إلى جحيم أسود ، قام بحركة تمثيلة ، وكشف عن ندبة كبيرة في زنده ، فعلاً رأيت ندبات جروح قديمة، وأشار إلى أخرى في جبهته .. تأوه وندب ، انقسمت إلى شخصين :  شخص يتابع ما يقوله بشك وريبة ، وشخص آخر أحضر صورة المتهم إلى المكان وراح يتيقن من حقيقة الأمر.. تعارك فيّ الشخصان تحت وطأة التعابير الجارحة كخنجر يلج قلبي .. تراءت لي صور عدة لأبي : الأب الحنون ، الضابط الصارم ، اللص الخفي .. ولكل واحد من هؤلاء صفاته التي بدأت تتضح مع تصوير الدكتور لها..

دفعني كلامه بفضول شديد إلى متابعته، فسماع كلمات مثل حرامي ومجرم وقاهر الناس آذتني كثيراً في البداية.. وراح يكررها ويكررها حتى شعرت أنه يتكلم عن شخص آخر غير أبي، وذلك كان التحول الذي بدأ مع كلمات الدكتور ، التحول المستتر في حياتي..

- أي تحول؟ سألت سلاف بإلحاح  ..

كانت الشرفة مثل رقعة معركة تتساقط عليها الكلمات كجثث تم التمثيل بها جراء هذا الاعتراف القاسي .. كنست سوزان وجعها براحة كفها .. مسحت دمعة عن باحة وجنتها المغبرة ، وقبرتها بأصابعها المرتجفة .. تعمدت التحول إلى حديث آخر كعائدة من وداع جنائزي ، شعرت سلاف بتألمها وأمارات التعب بادية على محياها .. تخاملت في الإجابة ، فمشى خمولها إلى قلب  سلاف الذاهل وانزرع فيه ورعا وخشية وترقب .. وعلى أثر ذلك طلبت منها تأجل الحديث لليوم التالي..

 

* * *

 

لاحظت ندى فيما بعد ركون سلاف الذي يخفي وراءه بوادر خير ، وحماس متزايد لدى سوزان.. احترمت ندى موقف الصديقتين وإن كانت قد تحشرت بسلاف قليلاً وأسمعتها أغاني فيروز.. لاحظت نفورها ، فأسرعت وأطفأت آلة التسجيل .. ثم تركتها وغادرت..  اشتعل الوقت كشمعة على وشك الذوبان التام أمام سلاف .. تطاير الضوء أمامها كشذرات محمومة .. بدأت تشعر بتقلب مزاجها وبقدرة أكبر على ضبطه .. أخذتها الأيام التي مضت برفقة سوزان إلى راحة منسوجة من ضمير غائب يعتمل مع أوقاتها التي تسبق خطواتها وتندس في الآتي إليها كحلم يقظة استعد لتعلم دروسا في طرح المفاجآت من مقلتي الرغبة .. خَلَدَ تحديها تحت وهج الحكاية وراح يستريح من شحوبها في ظل خيام تأملها المحاكة من خيوط مصير نما في تربة من علامات الترقيم ،  ومحاولة لترويض موجات ترددها الواقع في أثير من اللوعة ..

 اقترب منها وهج الحكاية ، وأخذها إليه كفراشة تقترب من روح الورد ، وتخشى على بقع العطر من السقوط ، كي لا تُتهم بتهميشها ، أو تتهم نفسها بفعل مشين .. لبدت في غرفتها لبعض الوقت ، كانت أقرب إلى لهيب داخلي وهي تتعامل مع  صورة سوزان كمخلوقة باعثة على مساءلة الذات ..  لم تكن يقينة بما فيه الكفاية تجاه وحدتها وقدرتها على النظر إلى نفسها كطالبة جاهزة لعبور الفصل الدراسي بنجاح .. انخلعت أركانها النفسية والمعنوية وأصبح وحيها كالطريد لمجرد هذا التصور .. أعدت مجموعة من التهم ضد واقعها .. وقررت محاكمتها .. انفردت  بها سَلْطةُ الوقت كسبحة يجمع حباتها في خيطه كي يبعثرها على حين غفلة ..

التقت مع سوزان أكثر من مرة .. أصبحت أحوج إليها من ذي قبل ، هونت عليها مرور الوقت الثقيل ، تحدثتا قليلا عن الدراسة والقرى ، أغرتها الحكاية ، وتقاسمت معها وليمة لمشاعر مضمرة بخصوصية تجربة مغايرة ..

 مضى يوم أربعاء آخر بطوله وعرضه .. لم يكن على بال أحد.. يوم من أيام التكيّف اللائق بها .. غمست فيه قلمها وكتبت على الورق جرحا .. كتبت لهفتها وهي تستمع إلى الأستاذ الذي حجت قامته إلى قلبها ، صلّت عيناها من أجله ، دنت إلى مجاله الحيوي القابض على حيرتها المضرجة بنبضها المشرع للاحتمالات  ، لابها جوع هتان فنقلته إلى صفحة في أعماقها .. تركته يعيد بناء ما يشاء في جوف الروح دون أن تقترب منه .. شعرت أن جنينا طار من كلماته كنطفة مليئة بإكسير الحياة  .. نطفة بمقدار معسكر من القلق والأماني..  فجأة انفتحت بوابة في أعماقها بأمر خفي .. ودخلت إليها ابتسامته .. نكتة قالها .. ناصية شعره .. غمزة  محفورة في وجنته اليسرى .. قامته الممشوقة .. شعر ساعديه .. نظرات عينيه.. إجاصة قلب .. حبال غيرة .. ونزعة إلى تذوق زمن أدبر ووجه دنا .. خالجها أمر خفي يسبق التحضير لفرحة الانتظار.. كمن تستعد لسلب نفسها آهة وترميها باقتدار ككرة في مرمى تشتهيه.. انغمست في كلمات الأستاذ كمُرَكبِ السكرِ في نسيج تفاحة طازجة .. رسمت نفسها  تحت الحروف التي نطقها .. نزل قلبها إلى الطاولة التي يقف بجانبها.. وضعته بين دفتي كتاب .. ضغطت عليها ورعدت صرخة في أعماقها المبلل به : " يا ويلتي .. هيا .. هيا نخرج قبل أن تطلع روحي وتفضحني قدامه ، أو تثور صرختي ضد تماسكني .." .. سبقها جسدها إلى خارج القاعة، وتركت فيها قلبها ومشاعرها التي ترطبت بعد جفاف ، ودبت فيها الحياة بعد منازعة .. خرجت من محاضرة كلها عناوين ، عنوان عن المستحيل وآخر عن الممكن،  وثالث عن مجلس إفتاء حول المجهول ، ورابع عن الجبل الذي التقى جبل .. وخامس عن الخوف من إجهاض النطفة التي تسري في رحم الصبا ..  شعرت أنها في مقهى كبير تجلس وحيدة أمام مائدة وضيوف من طراز أرستقراطي الأنثى : كالخجل واحمرار الوجنتين ، وخفقان أوتار المراهقة ، ورهبة اللقاء ، واشتعال الروح ، وشدوة الكلمات ، وتأوه دفين يشتعل بالعبرات ..

تجاوزتها حفرة الشكوك .. ودون أن تعي وضعت قدمها عند حافتها .. ونظرت إلى أعماق محسوسة لليقين.. رأت وجها جميلا.. دون أن تميز ملامحه .. حملقت أكثر من اللازم في وجه خوفها المقابل لها ..

جرَّ إليها المساء ذيوله وحمل إليها شنتة غاصة بتفاصيل النهار، بقيت مع وحدتها تقلّب عناصر الوقت المسترخية بين يديها .. فتح هبة ريح عابرة درفة النافذة ، وسحبتها لتنظر في عمق البعيد ، ومن محاذاة نجمة نزلت أمنية خطفت شبحا محتملا للقلق ، ومع مجيء ندى بدأ كل شيء يترتب وفق مشيئة فتوة  السهرة ، قصّت لها ندى حكاية شاب وقع في حب فتاة كان قد هزّ لها االسرير وهي طفلة .. أفرجت سلاف عن ابتسامة رقيقة.. وبعد تبادل لأطراف حديث جانبي .. قامت سلاف  وبحركة بهلوانية أخرجت دفترا قديما من بين كتبها فيه خواطر وقصائد كتبها شباب ضيعتها ..  ثم طلبت منها الاستماع إليها، أو إلى كلام - شباب ضيعتها - كما وضحت :

(واجبي لم ينته ..

حائر.. فماذا أقول لمدَّرسِ الحب؟!

وأنا أقل قدرأنملة من شطارة تلميذ،

تفاجأ بأن الموعد القادم من عينيك يناجيه ،

وأنزرع فيه انتظارا،

ودعوة للمسرة..

تأخرعنه الوقت ،

والواجب ظل طي الورق الأبيض..

فلَكِ وحدك أعترف،

 يا منتسبةإلى مكتبة الهيام ،

يا سطرا في كتاب بين يدي لاأرى فيه سواك ،

أعترف : كسلي يفور بكِ،

وأملي عكس المألوف،

نعم.. أنا الفتى الضال وراء لهفة،

قلبي مشيئة الهوى ،

ولن يكون سوى تلميذاً في مدرسة أنتِ فيها ..)

 

*  *

وبعد همهمة وبلع ريق وتبليل الحلقوم ، لثغت ، ثم تابعت :

-هذا قول لآخر ..

-من دون تعليق ، أرجوك أن تكملي ..

ابتسمت سلاف ، وقالت :

-استوجب الأمر التوضيح ..

وبعد أن انفكت ابتسامة تالية من ثغر كلتيهما ، انبرت تقرأ :

( أنا من مواليد شهر الزرقة ،

عمري يسبقني،

والاحتفال بي مؤجل لحين ولادة خامسة  ،

أنا بريء كأيامي التي لم تخط بعد في حياتكم

وحق الآتي من الأعياد ..

إنني محمية للرحيل ،

وينحني على كتفي الزمن..)

*  *

أخذت ندى الدفتر قرأت كلاماً بطريقة خطابية لشخص ثالث:

" حيث المياه تجري

لا يسمح لي بالوقوف كالأبله

تنفر عيني من مآقي العبث

إلى وجدان مفتوح للرؤيا ،

ويتآلف نسيجي مع أعماقه

تُنحر المجاهيل عند عتبات الانتظار

كل شيء يتحرك،

وتأخذني المقدمات الكسيحة إلى فنجان هوى

تنهض الطريق ولا أصل

لأن كل شيء يبقى يتحرك،

وكل ما يؤذيني.. ضعيفٌ،

فإيماني في سلوة الروح

والروح في براعم الجدل .."

 

وفي صفحة أخرى قرأت:

" الصفر ليس هو العدم،

يتسع لكل الأرقام مثله مثل الورقة البيضاء التي تتسع  

للكلمات..

ومثل السماء الواسعة التي تتسع لملايين النجوم،

فمن دون فسحة الصفر لا تشع الأرقام.."

كان الجو يغور بهما ، وتتشربهما الكلمات كساقية ذابت فيها قطرات ندى ، والغرفة تتمدد باتجاهات عدة نحوأثير للوجد.. وبعد استرخاء كروي ، تجاوز محيطه إمكانية حسابه ، استطردت ندى قائلة : كلام أهالي ضيعتكم صعب.. وكذلك حكاياتكم مثيرة ..لا أزال أذكر حكاية الشيخ التي سردتها لي أمك،عندما تعب وهو عائد من العمل، نام بجانب العين ليستيقظ صباحاً ويجد نفسه في فراشه.. وقتئذ حلمت بملكة الجن الجميلة التي حملته على شعرها الطويل كبساط ريح إلى منزله.. حلمت بتلك الحكاية أكثر من مرة ..

تكلمت ندى بإسهاب عن قرية ( رعوشها) مثل أيدي تتكاتف لتحرس ( الحواكير) ، وتصطف عند امتدادها أشجار كأنك في جنة .. توحي بزمن قديم .. زمن موعود يولد من سهرة ينتظرها الجالسون على المصاطب ويلقون التحية على القادمين بنظراتهم الهادئة والفضولية .. <<  إنها ضيعتكم يا سلاف .. دخلتها .. فجعلتني أحس كأنني حيوان فقد شراسته .. وكائن ينحني للفطرة الموجودة حتى في الحجارة المغطاة بطحالب لم تمس منذ قرون .. قرية كل شيء يجعلك تلاحظينه بقوة كأنه قريب من أقربائك  ..>>

جعلت سلاف تسير مع هذا الوصف بروحها على درب معبدة بصور وإيحاءات خرافية .. جعلتها تخلع عن أحشاء حبها لقريتها فروة شيخ عتيقة ، وتطل على نفسها من مرآة هذه الصور، ومن صفحات قرية رأسمالها وجودها الآمن وحسب..   تراءت لها القرية من وراء نظرها الذي افترش عالما ساحرا يتشكل من قرى متموجة فوق الجبال  .. ومن تحت الكلمات عالما حرا تفجر فيها كإيمان ناسكة التقت شيئا عظيما تتأمل لقاءه ..

وضعت ندى القرية أمامها على الطاولة ، تحدثت عن تلك اللحظات الهامة التي أثرت بها .. <<  قرية الذي يزورها يكسب عمرا آخر .. يتضاعف عمره .. عفوا .. يعيش دفعة واحدة ألف عام .. >>  ، ظلت موسوقة إلى زغب الذكرى وكأنها مع حلم ..

سألت سلاف باستلطاف :

- لكن مشتى الحلو مثل قريتنا ؟

- صحيح .. لكن بلدتنا بدأت تفقد بصرها كما وصفها قديس بسبب التمدن المزيف الذي بدأ يجتاح الجزء السفلي من جسدها،  وأهمل الجزء العلوي منه ..

رعدت سلاف ضحكة مفاجئة ، وسألت بعفوية :

- ماذا تقصدين ؟

- لا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير، أو ..

أشارت إلى صدغها بجدية من سبابة مستقيمة كرأس حربة ..

دافعت سلاف عن القرى الواقعة على الشريط الساحلي .. واستطردت : " قرى الجبال أنظف .. لا تستطيع الخطايا تسلق جبالها العالية كما قال الشيخ .."

تمهلت ندى التعليق تاركة المجال لصديقتها كي تعبر عن رأيها الذي لم تسمعه من قبل بهذا الشأن ، تركت سلاف جسدها ينتصب كخيزران ويمتليء بحيوتها الآنية .. وضعت يدها على خصرها مقلدة فلاحة سيركبها الفجور ، وأطرت تقول  :

- هل تعلمين أن معمري الضيعة وشبابها يشتغلون على حل لغزين: لغز ولادة الإنسان، ولغز كيف ينبت الزيتون؟

- وهل وصلوا إلى حل ؟

- يقول أحد الشيوخ المعمرين ، وهو إنسان ملهم، إن الحياة تتحور وتتحول لا أكثر ولا أقل..أما التحويل وهو صناعة بشرية، فكارثة لأنه خرج عن منطق الإبداع، وقوانين الاستنساخ الخلوية تكلمنا عنها منذ ألف عام وزدنا عليها قانون الاستنساخ الروحي، أي الروح لا تموت وتنتقل من جسد إلى جسد وهي تتجزأ في رحلة مستمرة لا تتوقف وتحل في أي كائن حي.. حتى في الأزهار والأشجار وبهذا المعنى نوحد الحياة.. يقول أخي ماهر وشلته إن الصوت واحد متوحد ، والنبض واحد، والحركة واحدة.. لا يوجد سكون أبداً.. أبدأً .. قالت جارتنا ، أن الحب لا يحتاج لمن يدافع عنه .. هو حي ويدافع عن نفسه بجعل الكراهية أقوى .. بس لا أفهم كل ما يقولونه ..

انتفضت ندى ، وسألت على الفور:

- بجعل الكراهية أقوى ؟!

- أرجوك ، لا تسأليني .. كيف .. هذا ما قالته .. ولم أفهم قصدها بالضبط ..

طلبت منها ندى أن تكمل بعدما لاحظت تحولا في لهجتها ، وروحا تسمو في فضاء الرغبة الراعدة ، وكلاما عن الحب يلتهم شحوبا مزمناً .. أرجعت ذلك إلى تأثير سوزان عليها .. واعتقدت أنها تقدم لها أفكارا مؤثرة كعادتها  ،  واقتربت من إقناعها بوجهة نظرها .. ورددت في نفسها : << أعرف أن سوزان بطلة ولديها ذكاء خارق وتأثير كبير .. روحها من معدن ساحر ، لقد بدأت تطوع سلاف ..>>

بين شرود ندى ، وإنطلاقة سلاف نحو مكاشفة غير منظورة ، بدأ الحديث يشبُّ، تابعت سلاف :

- سمعت عمتي تتكلم عن القرية السعيدة والحب والفطرة .. كانت كلماتها تمر بجانبي كقصاصات ورق توهتها الريح.. والآن بدأت ألملم تلك الجمل كأنها قيلت أمامي لتحيا أبداً.

- أتمنى لو أن عمتك هي عمتي ؟

- يا بنت خذيها .. أظن أنها عمة لكل فتاة ..

- سأذهب إليها .. هي مثل كنز ..

طال بينهما الحديث .. تناوبت عليهما الأفكار والأسئلة كأنهما في لعبة مسابقات تلفزيونية .. بقيت ندى على حد شفرة من قلقها بخصوص علاقتها مع رضوان ، وخشيت من طرح أي سؤال أمامها .. وكانت سلاف تراقب حرج صديقتها بعين تطل من إحساسها الداخلي عليها .. وتتعامل معها بطفولة ..

اعتقدت سلاف أن ندى لا تعرف علاقتها التي تحسنت مع سوزان، وقدمت لها عرضا سريعا لفكرة الحب الذي ولد من ماهية أخرى غير قابلة للموت أو التناحر .. بينما الكراهية قابلة للموت والدفن  - حسب تعبير أمها -  وأرادت أن تسهب بالشرح حول جدوى الحياة ، وانتقال الروح من جسد إلى آخر، من جسد ميت إلى آخر ميت يحيا بها ، أو من جسد حي إلى آخر على وشك الموت روحيا فيحيا عبر شيفرة الحب..

ارتاحت ندى لهذا الحديث المباشر والحي لأكثر من سبب .. ووجدت أن صديقتها بدأت تتعافى من الصدمة  الأولى للغرام..  وهمست : " سوزان ابنة حلال ، وستؤثر عليها من خلال تجربتها الطويلة .. على الأغلب ستقص لها قصتها .. وبطلات الروايات التي تحب قراءتها ، لديها خبرة ومغامرة تستهوي كل فتاة .."

لم تكن  على إطلاع إلى أين وصلت سوزان في سرد حكايتها لسلاف، وكيفية سردها ، أم أنها تسرد حكاية أخرى ، رغم شكوكها البسيطة بذلك ظلت على رهانها بأنها ستحكي قصتها ، اكتفت بشعورها الإيجابي، و بثقتها العمياء بها وبشخصيتها  التي تحفظها عن ظهر قلب.. كما عكس عليها تصرف سلاف راحة بال وبحيرة اطمئنان ..

في لحظة من انكبابهما على الدراسة .. اجتاح عصيان مركب مخيلة سلاف .. انتفاضة مدبرة ضد هدوئها الذي فرحت به .. لم يكن المنام الذي رأته في غفوة الظهيرة أي تأثير عليها ، نذرت أن تقرأ كل يوم نصف ساعة زيادة لتتخلص من احتمالاته غير المتوقعة ..

تمنت أن تذهب إلى غرفة سوزان وتمسكها من يدها لتتابع مباشرة  من حيث توقفت .. شعرت برغبة جامحة في استكمال قصتها .. بين هذه المواقف المركبة آثرت ندى الصمت الذي ترجمته بنقل بعض التعابير من دفتر سلاف مثل:

" أنا بريء كأيامي التي لم تخط بعد في حياتكم."

و " كل ما يؤذيني ضعيف".. و " الحب يريد أن تكون الكراهية أقوى .."

نطت من مكانها وأخذتها مباشرة إلى سوزان التي أعجبت بها، وأعربت لها عن اهتمامها بتصرفات سلاف دون أي سؤال حول علاقتها بها مسلمة حشريتها لجهاز طرد نفسي يهذب الفضولية ..

توقفتا طويلا عند فكرة " قوة الكراهية .." وقررتا العودة إليها بعد حين ..

 

* * *

 

التقت الفتاتان مساءً أمام طبق المتة والرغبة لدى كلتيهما في متابعة ما توقفتا عنده بعد انتظار لم يطل.. باشرت سوزان الكلام بعد مقدمة قصيرة ، ثم انتقلت لما قاله الدكتور :

- هل تفهمين قصدي، أنا لا أكره أحداً حتى ذلك الرجل الذي ضربني، ثم أودعني السجن لمدة ستة أشهر بتهمة مخالفة الأوامر العسكرية.. تصوري  وأنا في السجن.. أعذب يومياً بتهمة مخالفة الأوامر.. نعم خالفت أوامره بالسرقة وإعداد ملفات سرية ضد الأبرياء ومعاقبتهم.. والافتراء عليهم .. نعم رفضت أن أكون يد والدك التي تسرق .. رفضت أن أكون لصه.. عرّابه .. سجنني .. تقبلت العذاب لنفسي، أما أسرتي المستضعفة، فدخلت في آلام عنيفة لانقطاع أخباري عنها ولتوقف المساعدة المالية.. اتهمني والدي بالخيانة  و وصفني بالولد العاق - كان على حق-  ستة أشهر لم تصله مني رسالة أو خبر.. جنّ جنون أمي وإخوتي، حاولوا الوصول إلي، ففشلوا.. بعد خروجي من السجن، سجن كل نزلائه أبرياء.. طلبت تسريحي من الجيش، ففعل والدك .. تصالحت مع أسرتي وأخبرتهم الحقيقة.. لكنني لم أستطع أداء واجبي المادي تجاههم كتأمين الدواء والخبز والتعليم  لحين إيجاد عمل لي هنا في مؤسسة لبيع الدجاج والبيض..أقسمت أن أتابع دراستي وأعيل عائلتي حتى النهاية.. تلك كانت ردة فعلي على معاناتي،  وعلى والدك - سيادة اللواء العظيم وصاحب الحظوة -  تابعت تعليمي بحماس ، ودربت نفسي طويلا على نسيان ما فعله بي.. قطع الرزق عن عائلتي ، وأخرني عن تحقيق مشاريع كنت قد خططت لها .. ضيّع زهرة شبابي في ردهات الخوف،  سرق حماسي للدراسة ، وهكذا ضاعت طاقة كنت أنا ووطني بحاجة لها.. لا أدعي التفلسف والحنكة والتعالي، لكنني مع أصدقائي العساكر فاجأنا نظام الجيش والذي أفهمنا أنه نظام لعسكرة النفوس والأخلاق ، جعل العسكري يرى العالم من فوهة بندقية..  ومع أول أيام التحاقنا بالقطعة العسكرية وارتدائنا اللباس العسكري ، تغيرنا وانقلبنا على أنفسنا وتصورنا أن كل مدني هو عدو لنا ويمكننا دوسه بالبوط ، وحدثت مشاكل كثيرة مع الناس العاديين بسبب تلك النفسية المريضة التي لم تزعج والدك يوما ، بل كان يغذيها فينا .. الأهم في كل هذا أنني نسيت.. تناسيت .. المهم أصبح الأمر من الماضي ..  أحلفك بالله أن تضعي نفسك مكاني ولو للحظة وتصوري أن يحرم والدك من العلاج بسبب شخص آخر.. ماذا سيكون موقفك منه؟

لقد ماتت أمي بعد ستة أشهر بسبب نقص الدواء .. ماتت ونسيت أن يكون السبب هو والدك وأمثاله الذين يقتلون الآلاف من أبناء البلد.. ونصفق لهم وهم يعبرون فوق الجثث بسيارتهم الفارهة ووجوههم المكتنزة بشراهة التعلق بالخمر ، وبطونهم الدهينة.. لحظتئذٍ سألني عن موقفي ، فامتنعت عن الإجابة..

أصرَّ سائلاً:

- أرجوك.. قولي.. اقبلي ما كان يجب أن أقبله،  وارفضي ما كان يجب أن أرفضه.. كوني صريحة.. لقد تحملت الجوع والفقر والضرب مقابل ألا أسرق، بينما رفاهيتك والثوب الجميل الذي تلبسينه مسروق من لحمي ودمي.. والسيارة التي تركبينها هي من حقي أنا .. هي لي ولأسرتي وأبناء قريتي .. أعرف أنها لي .. وساكت .. مع أنه باستطاعتي فعل شيء ضده ، لكنني تماسكت ، ووجدت طريقا أخرى .. وها أنا كما ترين الآن .. عبداً فقيراً بيد أحلامي التي حققت جزءا منها ..

أرجوكِ أن تتحملي قسوتي، لكن لابد من الكلام لا لأنني أرغب به، بل لأنك دفعتني إليه..

لقد تحررت من ردة الفعل، ومن الانتقام ، ليس لدي مشكلة مع أحد .. وإذا أردت، فأتوقف عن الكلام فورا ،   وليذهب كل واحد منا في حال سبيله..

رجوته أن يتابع، بينما أقف أمامه كحشرة ضارة، فتابع:

- كان يطلب مني السير إلى اليمين، فأفعل.. ثم يقول،  ألم أقل لك إلى اليسار يا حمار؟ اعتبرت الشتائم كلاماً مردوداً على صاحبه.. كان ينقل تموين الوحدة العسكرية إلى أصدقائه، ويبيع بعضها في المطاعم، بينما يتضور جنود الفرقة جوعاً.. كان يمنع علي النظر للخلف أو لأية جهة.. عاملني كعبد حقير، بل أسوأ في هذا العصر الذي التغت فيه العبودية، وبصراحة أكبر كان هذا شعور الجميع في الوحدة العسكرية - الشعور بالعبودية.. تصوري ذات مرة كنا عائدين من حمص، و قبيل النبك أراد أن يبول، فنزل من السيارة.. وبعد لحظات أُغلق الباب الذي تركه مفتوحاً، وهو عادة يجلس في المقعد الخلفي إلى اليمين كعادة المسؤولين الكبار.. لذا لا أستطيع رؤيته من خلال المرآة، وعندما سمعت صوت الباب حسبت أنه أخذ مكانه وتابعت باتجاه دمشق لأفاجأ أنني تركته ورائي ، والذي أغلق الباب هو الهواء.. المهم أنه لحق بي وسجنني أسبوعين.. وذات مرة سافر إلى الصين في مهمة عسكرية لمدة شهر،  وعندما عاد عاقب الرقيب الذي يكتب محاضر جلسات الاجتماعات البعثية، لأنه وضع إلى جانب اسمه : غائب بعذر، وأعاد كتابة المحاضر ليسجله حاضراً، بينما كان خارج البلاد..

كان سيكمل تعداد العيوب الأخرى، أوقفته و أنا أرتجف.. اعتذرت وطلبت منه اللقاء في اليوم التالي، وفي الموعد نفسه، فوافق.. بدأت ليلة طويلة وقاسية، ليلة شيطانية ، شعرت أنني مرتكبة ذنوب أبي  وفواحشه كلها، وأتحمل أخطاء المظلومين في العالم كافة كوني لم أمتلك  الذكاء الكافي و أستشف تصرفات والدي الذي لم أر فيه حتى تلك اللحظة إلا الطهارة.. كلمة قلق أو إرهاق وحدها لا تكفي لوصف حالتي.. ولأول مرة رفضت الذهاب للكلية.. أحسست أنني حرامية محترفة و مكشوفة لدى زملائي، لكن لا يتجرأ أحد على  قول مثل هذه الكلمة، أو غيرها من كلمات الاتهام  ضدي  بدوافع الزمالة، أو التملق لتحقيق مآرب شخصية، أو الخوف من ابنة سيادة اللواء، تمنيت أن يفجر أحدهم غطرستي بكلمة ، أو إشارة عابرة .. أن يتهمني أي زميل ويعلن أمامي ما يدور في كواليسهم من كلام عني.. كانوا حذرين وخائفين من ردة فعلي .. المهم  شعرت أنني تعريت أمامهم دفعة واحدة ، وعليَّ مواجهتهم وتحمل نظراتهم الرهيبة في وجهي التي كانوا يرمقونني بها أحيانا، لكنني كنت أعتبرها حسدا وضيق عين..هكذا تراءى لي المشهد إلى حين موعدي معه:  فتاة متهمة، أسير في الكلية، كأنهم يشتمونني ويبصقون عليَّ..لا أبكي ولا أحاول الهروب ولا أندم، بل أطلب المزيد من اللعنات لأنني أستحق وأستحق أن أسحق على الأقل لأنني لم أعِ ما هو عليه حالنا،وحال أبي الذي جمع ثروة خرافية من جيوب الناس .. شعرت أنني أقف على أبواب جهنم ومجرد ( دفشة ) واحدة أسقط في قيعانها ..

في الموعد التالي جئت إليه مندفعة بقوة ما.. قوة خفية تدفعني إلى الخلاص من العذاب والكوابيس.. قوة تخلصني من الجحيم الذي أتهيأ للسقوط فيه.. التقيته وطلبت منه الكلام مباشرة، فاستجاب وتكلم، وأوجز بما معناه :

- الإنسان يفقد أحاسيسه مع كل ممارسة جديدة للظلم ، هو مختلف عن الحيوان الذي يترك فريسته عندما يشبع لحيوان آخر ، بينما الإنسان يستمر حتى يبتلع المرق والعظم .. ويأخذ معه الإناء ولا يترك وراءه حتى رائحة فريسته ... هذا ما كان يفعله والدك .. إذا كان يشك بوجود أي بقايا لما يسرقه يكلف أزلامه بلملمة كل شيء .. والدك إخطبوط بشري لا يرحم، ومجرد جندي بسيط مثلي لا يمكنه مقاومته، فهو قوي وقادر على حماية الخطيئة التي يمارسها بوقاحة ويعتبرها شرفه .. ضباطنا للأسف يتنافسون فيما بينهم على ابتلاع الأخضر واليابس ويتباهون .. زمن مرعب أشخاص يتباهون باللصوصية كأنها شرف .. في البداية لم أفهم ذلك، خاصة عندما رفضت أن أكون شريكه وألبي طلباته بالسرقة والتهريب، اعتبر هذا الرفض خيانة لقوته وجبروته يؤدي بأمثالي إلى جحيمه وغضبه الجهنمي.. ساقني إلى السجن، و تفاجأت بوجود سجون خاصة به.. يدخلها العسكري، ويمكن أن يمضي فيها زمنا طويلا دون دراية أحد، والتهمة الملفقة جاهزة " رفض الأوامر، سرقة قطعة سلاح، افتعال حادث ضد مصلحة الجيش، تهمة سياسية، تسريب معلومات، تجسس.. " تلفيق مع أدلة ثابتة وشهود جاهزين للقسم تحت الطلب ممن أرهبتهم سطوته..

تصوري لا أزال أذكر الشاب نديم السبع من حلب الذي أودعه والدك السجن بتهمة تمزيق صورة الرئيس والسبب الحقيقي أنه رفض استخدامه في المفرزة أمام شقتكم.. لقد عمل أسبوعاً ثم اختفى في غياهب السجون.. لم يحتمل كبرياؤه أوامر أولاد الضابط.. أرادوا استعباده وتحطيم رجولته وشموخه كالذهاب لشراء شوكولاته أو قطعة حلوى أو اللعب مع طفل لا يتجاوز عمره خمس سنوات ومسايرته إرضاء لوالده.. اضطر لتحرير نفسه، للتخلص من هذا العبء ،  لكن إلى السجن مباشرة.. وذات مرة استنفرت الشرطة العسكرية في الجيش بحثا عن عسكري ضرب ابن ضابط ، تصوري كم كلف ذلك من هدر ، وتعب وكأنها قضية وطن .. علمنا ذلك ونحن  في السجن.. قصص لا تنتهي وأيام لم تكن لي  .. أخبرنا سجين عن مصيبة حدثت لمدرس  في بلدتهم من قبل ضابط صورة طبق الأصل عن والدك ، درّس الأستاذ الضابط في البكالوريا.. وقال عنه بعد استفحال شغبه وعدم اهتمامه بالدراسة ، وتأثيره السلبي على بقية التلاميذ بأنه طالب غير منضبط ، ووصف الحالة:  عمران كسول ومشاغب ، طوال السنة لا يدرس ، يأتي الفحص ينقل ويغش ، فينجح ، يذهب إلى الكلية الحربية ، ويُقبل فيها بعد  واسطة أو رشوة أو استثناء ، في الكلية يضرب مدربه فيقولون أنه قبضاي ، يتخرج ، يصبح ضابطا ، يرهب جنوده والناس ، عمران يصبح مرهوبا ، وعمران مدعوما ، وعمران شخصية مرموقة ، يترفع في الجيش ، يصبح قائدا ، عمران يحمل النياشين والنجوم وصاحب هيبة ، الوحيد من يركب سيارة فارهة ، صاحب حظوة وجاه ، عمران الأزعر قائدا لفرقة عسكرية ، عمران البلطجي يعمل انقلابا أو يتآمر ، عمران مشهورا أو ربما قائدا للوطن أو مسيّرا لشؤونه في الخفاء، نصفق كلنا لعمران .. نرفع صوره ، نمجده .. عمران طاغية .. عمران الرمز .. عمران الآمر الناهي .. عمران الجاهل مصيرنا بيده ..

وظلت هذه القصة تلاحق عمران الذي حدث معه ما توقعه الأستاذ ، رغم اعتذار المدرس له فيما بعد  واعتبرها نكتة ، لكن عمران الضابط الذي كان يسوق سيارته صدم الأستاذ وهو يسير في طريق البلدة ، أحدث لديه عاهة دائمة ، وقلائل ممن أرجعوا الحادثة لفعل انتقامي .. بالطبع أعتبر الأمر في حينه قضاء وقدراً.. وتقبل الأستاذ على مضض عاهته بصبر وسكت خوفا على أسرته ..

تحدث عن السجن كأنه محطة جهنمية ضد الجنود .. حكى قصصا يندى لها الجبين ، وبعد سرد حادثة عن سجين مريض توفي في السجن بسبب منع العلاج عنه ، سألته :

- إذن كل من كان يرفض خدمتنا يودع السجن؟

أجاب على سؤالي بصراحة :

- بالتأكيد، ثم ينقل من الوحدةإلى وحدة مقاتلة .

- ألهذا الحد ظلم الناس؟

- أعتقد أن والدك لا يزال لواء وقائداً للوحدة، وأمثاله عادة،  وحسب تقاليد جيشنا العتيدة يخلدون في المناصب.

- نعم.. لا يزال.

- إذن.. لا يزال يظلم.. لأن ظلم فعل ماضٍ وفعل يظلم هو الحاضر وأستطيع التأكيد أنه سيظلم.. والظلم هو شرفه ..

شعرت بضباب أسود كثيف يغطي عيني، وتراءت لي الوجوه التي عاملناها بقسوة في مفرزة الخدمة أمام شقتنا، طبعاً مثل هذه المفارز الخدمية أمام شقة كل ضابط قائد وأحياناً ضباط صغار من الموالين .. وكنت أعتبر ذلك من حقنا دون الإحساس بعذاب أولئك الجنود.. تربينا على وجودهم بالقرب منا وعلى طاعتهم لنا ، واعتبرنا ذلك من واجباتهم العسكرية  ، كبرنا دون أن نسأل عن تعذيبنا لأؤلئك الجنود .. كنا نحتقرهم ونعتبرهم أقل شأنا من الخدم .. كانوا ينظرون إلينا كأسياد عظام .. يستجيبون لأوامرنا والخوف في قلوبهم .. كانوا يرتطمون بالجدران وهم يسرعون لتلبيتنا .. يفتلون الشام بطولها وعرضها لتأمين أقراص مصاص أو علكة ظهرت دعايتها في التلفاز .. نسخر منهم إن وقع أحدهم وهو مرتبك لمجرد ندائنا له أو سماعه صوت أحدنا.. ولا نأبه لخبر وفاة أو مرض أحد أقربائهم ..

قصص وحكايات ومشاهد نطت فجأة لتقف أمامي كثعابين تريد لدغي..   بدأت تتهيأ لي ملامح أؤلئك الجنود وهم يتعذبون وكيف كنا نتعامل معهم كحيوانات، وهذا ما كان يقوله لنا الوالد <<  أنتم معززون مكرمون ، وانسوا تعب هؤلاء العساكر، فهم خدم عندكم، وإذا خالفكم أحدهم، فسأقطع رأسه..>> ، أيقظ فيّ ما عجزت عن فهمه طيلة حياتي، أحسست بالكم الهائل من الظلم الذي مارسناه على الناس الأبرياء، وتملكني شعور بالتفاهة والاحتقار لذاتي، بكيت أمامه، فقال :

- لا تبكِ، لا ذنب لك بما يجري..

- لكنني مشاركة له بما يفعل.

- هو يستغل منصبه، بينما أنت تتصرفين ببراءة ، ودون قصد..

لو كان عندي سجن لسجنت الناس، لأنني مثله لم أحس بهم، لهذا السبب أرثي نفسي، ليس لدي القدرة على ملامسة مشاعرهم، قبلت أن يدمر  والدي أحاسيسي، وأكون تجربتي الخاصة ، لذا أنا مذنبة.. وأيضا لم أنج من قسوته لأنه جعلني على شاكلته ..

- انسِ الأمر.. لقد سامحتكم..

- حتى  ولو سامحتنا، يجب أن نحاسب أنفسنا..

ازددت بكاء وارتباكاً، لاحظ  اضطرابي المتزايد.. ألح علي بشرب عصير فواكه كان قد أحضره، فرفضت.. وسألته:

- أنسيت والدي فعلاً؟

- نعم.. ولو لم أرك لنسيته إلى الأبد.

- ألا تكرهه؟

- أبداً.. كل شيء أصبح من الماضي.. ولا يتسع قلبي للأحقاد.

- أهذه مجاملة أم..؟

- أقول الحقيقة كاملة، وأحياناً أرى في تجربتي مع والدك منفعة لي.. لقد حرضني على العمل وإثبات وجودي.. وضعني على المحك وخرجت أقوى.. بصراحة بعض الأشخاص الأقل ثقة بأنفسهم لم يتلمسوا طريقهم إلى الحياة، ضيعهم والدك، وبعضهم دمرت حياتهم.. ومات البعض .. فقد لاحقهم حتى بعد خروجهم من وحدته، كان كالشبح يطارد خصومه ويهددهم باستمرار، ويطلب منهم  أن يلزموا الصمت، أو يتحملوا أوخم العواقب.. لن أتكلم عن مساوئه أكثر، لكن يحق لي القول إني نجحت و حققت حلمي بفعل الكفاح الذي اخترته طريقاً لحياتي.. وها أنا بألف خير، وهناك أناس لا يزالون يتعذبون في سجن والدك، أو ممن يطاردهم.. هم يشغلونني، وأتمنى أن أوفق، وأصل إليهم، وأساعدهم على التخلص مما هم فيه، نحاول جميعا تناسي مشكلتنا،  ولو لم ننس لأدخلنا البلد في حرب ضدهم وقمنا بتصفيتهم، نحن بشر لدينا من الصبر الكثير، ولولا ذلك لكنا في حالة من العنف المضاد وأخشى أن نتعرض لمثل ذلك في المستقبل القريب ، لقد جعلت مؤسسة الجيش نفسها طائفة متعصبة ضد المجتمع ، نعم طائفة سلفية ضد التطور .. نعم .. نحن على شفا حفرة من الهجوم ضد أؤلئك .. أنا ضد ذلك .. لأن الزمن كفيل بترميم الإساءات .. وهناك طرق أخرى للخلاص أومن بها ، ولن يبقى الجيش إلى الأبد أداة تخريب .. تمنيت أن يكون مؤسسة محترفة تدير شؤون الأمن وحسب ، لكن للأسف هو السلطة بكل عيوبها ومساوئها.. 

- كان من المفروض أن تكونوا أفضل وأكثر شجاعة،  وتصفوا أمثال أبي.

تفاجأ بالجواب ، وقال:

- أعوذ بالله ، نقتل ؟

- ولمَ لا؟

- هم سيعاقبون أنفسهم،لا يمكن أن نعالج الخطأ بخطأ أكبر منه.

ابتعدت عن هذا الحوار الذي بدا لي آنذاك عقيما..

ارتبكت، وطفح الحديث بفقاعات من لون الدم .. تشنجت سلاف،  وقالت في نفسها :" ياه ، كم هي مشكلتي صغيرة تجاه مشكلة الدكتور إبراهيم ..! "

 توقفت سوزان قليلاً عند وصف إبراهيم الشاب الوسيم، الرصين، الوديع، المميز الذي أحضر لها روايات مثيرة .. وعلمها أن هناك مجتمعا آخر يفرض حضوره وبقوة ..

استرقت سلاف بعض الأفكار وراحت تقلبها في فرن تجارب تمر بها ، وبدا لها الموقف حتى الآن مشوشا..   انتابتها رغبة أكبر  لمعرفة الدكتور إبراهيم نصار، و تمنت لقاءه دون تحديد هدف واضح لذلك.. أيضاً تفاعلت مع ابتسامة سوزان التي قالت:

- يا عزيزتي.. أحياناً تصادف الإنسان أحداث يعتقد أنها لا تعنيه.. لكنه يجد نفسه قريباً منها.. مثلا أنا عادة كنت أحتقر  الحمالين في الكراجات والأماكن العامة، ولا أهتم لحمّال يحمل ثقلاً كبيراً، أو لطفل يبيع علب السجائر على مفارق الطرق، واعتبرت ذلك شأن أؤلئك الناس.. لكن عندما دفعتُ  بقوة نحو أحاسيسي بدا العالم من حولي أكثر وضوحا.. فأصبحت ألتفت يميناً ويساراً وأتحسس الوجوه وأقرأ فيها أشياء هامة قد لا أكون قادرة على تغيير شيء فيها، لكنها قادرة على تغيير أشياء فيّ وهذا ما جربته فعلا فيما بعد.

سألت سلاف بجدية:

- كيف؟

اعتبرت سوزان أن جدية صديقتها ناجمة عن مقارنة حالتيهما، أو مقارنة إبراهيم برضوان.

تابعت قائلة:

- أراد إبراهيم إثارة حالة أخرى عن شاب تورط في عملية تهريب من الحدود اللبنانية، وهنا أوقفته عن المتابعة راجية ألا يكمل ولا أريد سماع أشياء أكثر.. ودعته على أمل اللقاء بعد خمسة أيام في المكان نفسه.. هكذا بدأت أتغير عندما قارنت الوفرة الزائدة في بيتنا من طعام وشراب وهدايا ، وأثاث فاخر، وسيارات ، ومزارع …هي ليست بالتأكيد من جهد والدي.. اقتنعت مئة بالمئة بأقوال إبراهيم.. فوالدي ضابط راتبه عشرة آلاف ليرة فقط لا غير ، إضافة إلى مكافآت بسيطة، وبالكاد تكفي لبناء شقة ولتعليم أولاده، وما تبقى هو سرقة واضحة.

بعد يومين من خلوتي مع نفسي ومحاكمتي لما أنا عليه، سألت والدي الأسئلة التالية:

- إذا كان عند فلاح كبش، فأخذه أحد منه خلسة ماذا تسمي ذلك؟

أجاب بوضوح:

- سرقة.

- إذا دخل أحد إلى متجر وسرق سجادة، فماذا تسمي ذلك؟

- سرقة.. أجاب باستغراب.

- إذا أهانك رئيسك واعتدى عليك وأودعك السجن دون ذنب، فماذا تسمي ذلك وكيف تتصرف؟

- إنه ظلم وأحاول الدفاع عن نفسي.

- إذا أخذ موظف حكومي من دائرته قرطاسية أو كرسي مكتبة، فماذا تسمي ذلك؟

- سرقة.. سرقة بالطبع.

- وإذا أخذ موظف مالاً من مواطن مقابل خدمة ما، فماذا تسمي ذلك؟

- رشوة.. رشوة.

توقف قليلا، ثم سألني مازحاً:

- لماذا تسألينني يا حلوتي الصغيرة؟

- إذن أطنان المواد الغذائية التي تأخذها من وحدتك العسكرية ماذا تسميها؟

- ماذا تقصدين؟

- أريد جواباً واضحاً يا أبي.

- لا جواب لدي.

- إنها سرقة.. سرقة أملاك الدولة يا والدي العزيز.

- لأفترض أنها سرقة.. ماذا تريدين مني؟

- أبداً.. أريد أجوبة.. مجرد أجوبة فقط.

- إذا كان ولابد من أجوبة أستطيع أن أختصر وأعترف لك صراحة أنني أسرق الدولة.. نعم إنني أسرقها يومياً ولست وحدي من يسرق.. كلنا بالمطلق.. كلنا نسرق..حتى الذي يسمح لنا بذلك يشاركنا السرقة.

- هذا حرام.. ظلم .. خيانة ..

- لا توجد مثل هذه الكلمات  في قاموسنا.

- أنا لا أسرق يا أبي، ولا أرضى لنفسي أن أكون ابنة لـ..

- لا تزالين صغيرة على ذلك، وعندما تكبرين ستسرقين.

- وهل قبلت الرشاوى،  وأودعت الناس في السجون ظلماً وعدواناً، وسرقت الفقراء، و..؟!

- لا أستطيع الإجابة.. وأرى أنك تحاكمينني.. إلى أين تريدين الوصول؟

أجبته بصراحة:

- إنني التقيت إبراهيم نصار وقد نال شهادة الدكتوراه في الأدب.

- لم أسمع بهذا الاسم من قبل.

- ونسيت أنك عذبته وأودعته السجن؟

- لا أذكره.

- هو الذي تركك في منطقة النبك عندما أردت الـ.. !

- لم يخلق بعد مَنْ يتركني في أي مكان.

- و لا تعترف ؟

- قليلة الأدب والتربية.

- أتحمل منك ذلك، لكن إبراهيم نصار سامحك ولا يريد منك شيئاً، هو الآن أستاذ جامعي، ويعمل بشرف وقلبه نقي من كل الآثام التي تغرقك.

- تفه.. اللعنة على آل نصار.

- أيضاً تشتم مَنْ سامحك.

- والله.. لو أعرف أين هو الآن لقطعت عنقه، ظهر كي ينتقم مني بابنتي.

- وتنتقم هكذا لمجرد الانتقام؟

ضاق صدره بي، فقام وضربني بقوة، ولأول مرة يتصرف كهذا التصرف، فدخلت أمي على أصوات صراخنا لتتفاجأ بمشكلة وشتائم وبكاء ..

سألت والدي:

- ما الذي يجري؟

- اسألي ابنتك الحمقاء.. الكلبة..

عندئذٍ تكلمت بصراحة أمامها:

- يا ماما، والدي اعترف أنه حرا مي ،  وأنه يسرق الناس الفقراء والدولة ويستعبد الجنود ويظلمهم.

تركنا وخرج.. مسحت دموعي.. ومسحت قطرات دم رعفت من أنفي ، تكلمت مع والدتي بوضوح، وهي إنسانة مؤمنة وتقية.. تؤدي صلواتها وواجباتها الدينية كاملة، لم تنل شهادات عليا، درست حتى الصف الثالث الإعدادي، هدفها في الحياة الاهتمام بزوجها وتنشئة أولادها تنشئة حسنة، ولولاها لما تقبلت أفكار إبراهيم بسهولة .. ربتني على الجرأة ، وعدم السكوت عن الحق و قول الحقيقة مهما كانت الظروف..  و أفكارها هي التي دفعتني لطرح تلك الأسئلة أمام والدي.

أصيبت  بصدمة، هي الأخرى كانت مغفلة .. وضع والدي قناعا على وجهها ، أقنعها أنه يعمل بالتجارة ، ولديه علاقات واسعة مع كبار تجار البلد .. في ظاهر الأمر تعامل مع اللصوص من التجار الذين لا يستطيعون تمرير أية صفقة دون سند من السلطة أو الجيش ، ذلك الطابور الخفي الذي يمرر الصفقات ، يبيع للجيش مواد تموين وغيرها ثم يعيد شراءها من الضباط .. ناهيك عن الصفقات السرية والوهمية وتهريب الأموال .. كانت أمي تقدم القهوة لأؤلئك التجار وتذهب إلى غرفتها .. مقتنعة بكلام آخر الليل من والدي بأن صفقة ناجحة قد تمت مع الضيف.. أحبته إلى حد الجنون ، واعتبرت طاعته واجبا دينيا .. وتصديقه هو أمر رباني .. لم تشك به يوما .. ولم تقل كلمة بذيئة لأحد .. علاقاتها محدودة ، وبيتها هو كل شيء في حياتها .. لم تطلب من عسكري أن يلبيها بأي أمر ..توصينا مع كل خطوة من خطواتنا باحترام الآخرين .. لكننا كنا ميالين لسلوك الأب أكثر ، ويبدو أن الرفاه المفرط قد أثر علينا وأعمى قلوبنا .. ناقشتها بأمر السرقة ، وبعد حديث لم يطل اقتنعت بأن معظم أملاك والدي هي سرقة  واضحة، لم أبذل جهداً كبيراً لإقناعها بذلك.. شعرنا بخدعة كبيرة ، وأرجعنا سببها إلى حبنا الكبير للوالد ، وإلى دهائه المفرط وسطوته على البيت .. بكت وبكيت معها لنكتشف أننا فوق بركان من الظلم والسرقة والاعتداء على حرمات الآخرين باسم الرتبة العسكرية،أصبنا بالصدمة نتيجة الخدعة التي أغرقنا بها الوالد طويلا.. حاولت أمي تبرير الموقف بأن من حقه العيش عيشة كريمة والقانون يضمن له ذلك.. فسرتُ لها ببساطة ، من حقه العيش بما يكسب بطريقة شرعية.. أما ما هو غير شرعي، فذلك سرقة والسرقة حرام حسب كافة الشرائع ومنافية للأخلاق .. أخبرتني عن سلوك الوالد الذي لم يكن يطلعها على أعماله وهي مقتنعة أن كل ما لديه هو منحة من الدولة لبطولاته في المهام التدريبية ، ومن تجارته الشرعية ، وأوهمها ببطولاته ومغامراته التجارية ، صفقاته مع الخارج ، والأموال المودعة في بنوك أجنبية ، وعلق إبراهيم على ذلك متهما الأجنبي الذي وفّر غطاء لسرقة بلداننا عبر هؤلاء، واعتبر تلك البلدان شريكة في نهب وطننا لأنها تسهم في توفير الحماية للصوص البلد وتدعمهم ..

تحولت معي إلى مرجل يغلي غضباً بسبب الشكوك ، وتقدمت إلى والدي أثناء السهرة بأسئلتي نفسها، فاختصر وأجاب:

- نعم.. نعم أنا حرامي ! ..  أنا علي بابا، وقاتل ومرتش.. وابن قحبة.. اذهبي وبلطي البحر أنتِ وابنتك..

تركته أمام التلفاز يتابع فيلماً من أفلام الرعب،انزوت في غرفتها وراحت تبكي وتستغفر الله وتطلب منه مساعدتها في هذه النكبة العائلية الخطيرة..

وقفت إلى جانبها أفكر بالذي جرى للعائلة، وهل هو أمر عرضي، أم أنها أزمة كانت ستقع يوماً ما لا محالة.. طلبت منها الكف عن البكاء، وإن مثل هذه الدموع ستزيد الأمور تعقيداً، لن تنفعنا في شيء وعلينا التفكير بجدية في تطهير رب العائلة من آثامه التي تورط بها..

أعجبتها الفكرة ، هدأت وكأنني أنقذتها من وجع دفين ، ثم سألتني، كيف، فقلت:

- على الأقل بإقناعه وتغيير أفكاره وإعلان التوبة.. فهو الوالد الذي نحبه ويجب ألا نخسره ونخسر العائلة، والتعامل معه بحكمة وحب واحترام.. سيسهل علينا المهمة.

انفرجت أساريرها،  وارتاحت قليلاً ليعود ويدخل الوالد بعصبية أكبر:

- هه.. لقد اتفقتما ضدي.. هههه.. تريدان تدمير حياتي من أجل أولئك الجنود المزعومين الذين لا يستحقون إلا مسح حذائي.. أولاد (القحبة) سأجعلهم عبرة لمن يعتبر .. تصدقان جنديا حقيرا..  فأنا سيادة اللواء الذي فكر وبنى جيشاً وخدم الوطن.. أتريدان فهمي أم لا.. ؟ يحق لي أن أعيش حياة العظماء .. كل ما سرقته هو حلال.. حلال.. حلال، والدولة بنت كلب ولازم أدمرها..

قالت أمي بوضوح:

- إنها سرقة.. سرقة الناس وليس الدولة..

- هذا ما قاله الوغد إبراهيم الحقير.. لقد أفسد أخلاق ابنتك..

ردت أمي :

- أراد إبراهيم، أم لم يرد.. المهم ما أنت عليه من آثام وخطايا.

- هكذا ربيتك؟ وجه كلامه إليَّ.

- أنا أتكلم وفق تربيتك لي.. وأنا الآن أنتقدك.. هكذا ربيتني، وأعتقد أنك لا تريدني  أن أكون جنديا يمسح حذاءك فقط وأغفر لك سلوكك وخطاياك .. أصلا لا تقبل لي ذلك..

- ألا تمسحين حذائي؟

- بإرادتي أفعل لك أكثر من ذلك بكثير، فأنت مثلي الأعلى، وقدوتي في الحياة ومصدر أحلامي ..  أما ضد إرادتي أو حسب أخلاق البوط العسكري، فلن أقدم لك أي شيء.

هجم عليَّ لضربي ثانية، فوقفت أمي أمامه كسد منيع..كاد يرميها.. اضطر بعدها للخروج.

صرختْ :

- لا أصدق ما يجري.. لقد خرج عن طبعه .. يعاملنا كجنود في فرقته العسكرية.. فعلاً إنه متورط في التهم حتى نافوخه..

بكت بقوة ،  وأضافت:

- لقد خسرناه.. خسرناه، ودمّر الأسرة.. أطعمنا سماً مسروقاً، وأفسد أرواحنا ودمنا وإيماننا.. ياربي سامحني.. عد بي إلى صوابي..

- يا ماما.. يا ماما.. إنه يتحمل وزر ذنوبه ومعاصيه.. لا ذنب لنا بما اقترفت يداه.

- لكننا شركاؤه.. أكلنا وشربنا مما سرق.. وعذبنا عناصر المفرزة، وتعاملنا معهم كعبيد، ثم لم ننتبه إلى تصرفاته المعيبة.. لقد أدخلنا في متاهات كثيرة.

- للتو وعينا ذلك، ويمكننا مساعدته .. نحن أهل ونفهم بعضنا البعض .. نبتعد عما يجلبه ولا نأمر جنود المفرزة بأي أمر.. نكفر عن ذنوبنا  باحترامنا  لهم، ثم العيش بما نكسبه.

اقتنعت الوالدة بأفكاري، واطمأنت قليلاً إلى روحها، ثم رددت سؤالاً أرعبها:

- هل زوجي كافر..؟ هل زوجي كافر ومذنب وحرامي ؟ إنني أحبه وأتمنى ألا يدخل جهنم..

لم أجبها.. فكررت:

- هل زوجي كافر..؟ وهل يعلم ما مصيره في الآخرة؟ وكذلك كراهية الناس له .. لن ينجو أبدا ..

ارتعشت و تلعثمت.. أشفقت عليها وطلبت منها الخروج قليلاً إلى شوارع دمشق.. عادة نتجول فيها..خاصة بعد هدوئها ليلاً.. قالت:

- لا أستطيع رؤية دمشق بائسة، وأن تنظر إليَّ كخائنة لها..

كنت أعرف حبها لدمشق وتعظيمها لها، والخلوة معها تعيدها إلى توازنها، تتنفس هواءها كأنه روحها .. وبعد إصراري وافقت وخرجت..طلبت من عصام أن يأخذنا إلى قاسيون.. ففعل،  وأثناء الطريق من بيتنا في فيلات المزه تحدث بعفوية عن الأستاذ إبراهيم الشاب المكافح والمعطاء.. كان عصام قد علم بأطراف المشكلة فقط.. وهو شاب بريء وطيب ونشيط، طالب سنة خامسة هندسة مدنية، يتعامل مع الأسرة بقدسية وعلاقته بالبابا كعلاقة القلب بالجسد، لذا لم نطلعه على ما يجري كي لا نؤذيه ولا نؤثر على دراسته ، وهو على أبواب تخرج ..

خفت من الشك الذي توغل في روح أمي الصافية والعذاب الذي سيطاردها، وهي غير جاهزة للتعامل معه .. تحدثت مع عصام عن الجمال والبراءة.. شعرت أن أمي خسرت إمكانية النظر إلى دمشق كما في السابق .. بدت المدينة من هنا لا تشبه ذاتها.. أيضا شاركتها الشعور - ونحن على بطاح قاسيون - بالغربة رغم ألفتنا المكان الذي بدا كأخ.. استدارت أمي وجلست على صخرة جانبية.. ابتعدت عنها مع عصام.. كلمني عن الأستاذ إبراهيم وعن آخر اسمه عادل.. تذكرت الثاني، فهو أيضاً مدرس رياضيات بذل جهوداً مضنية في تعليمنا واختفى في ظروف غامضة.. سألنا الوالد عنه كثيراً وفي كل مرة كان يقول إنه انتقل من الوحدة.. طبعاً صدقناه.. أما الآن، فأشك بمصيره المجهول.. تركت عصام وحيداً يتأمل دمشق، وجئت إلى الماما الملتصقة بالصخرة، وقفت إلى جانبها كأن الكلام تحجر.. وضعت يدي على رأسها، عندئذٍ قالت:

- تصوري.. أنَّ في هذا المكان لا أدري أو في مكان ما بدأت الخطيئة الأولى .. على هذه السفح كما يقولون قتل قابيل هابيل، وجاء الغراب ذلك الطير الأسود ودفنه.. وعلى سفوحه أقام النبي إبراهيم  عليه السلام في برزة، وصافح بلال الحبشي ترابه، وكحلت قامته عيون عمر بن عبد العزيز ومحي الدين بن عربي.. وفي حاضرته دمشق التي تحتضن رفات النبي يحيى والخليفة الخامس، وصلاح الدين الأيوبي، ولا تزال خُطى الرسول بوليس مزروعة فيها كالياسمين.. وبعد كل هذا الحب يأتي واحد مثل والدك ويدوس بنعله كرامة تراب هذه الأرض، هل يقبل أن يكون شريراً..هل نسمح له بحمل أعباء لعنات السابقين واللاحقين..؟ ألا يخجل من السير في شوارعها وحواريها التي تربى فيها وأرضعته الحب والعاطفة؟..  بكت وبكيت معها، حاولنا إخفاء الدموع عن عصام، همست : اعذر حبي يا قاسيون، والله سأعمل جاهدة من أجل الحفاظ على طهارة هذه الأرض، مهما كلف الأمر من ثمن، حتى ولو كان الثمن حياتي وأسرتي و كل ما لدي،لا أسمح لعائلتي أن تمس طهرك ولو بكلمة، معقول يا سيادة اللواء  ما تفعله.. ما قيمة المال تجاه أرض هذا الوطن وتجاه الشرف ؟..

تكلمت أمي بصدق لأنها تعرف قدسية المكان الطاهر الذي أمضت معه طفولتها ، وتعشقه كما تحب أولادها وأسرتها.. نظرت بحسرة  إلى أفق الشام الضبابي وتساءلت :

كيف سنكفر له عن أفعاله هذه  ؟

- سنجد طريقة ما، نعم.. نعم يا ماما، يجب أن يدفع بابا كفارة عن ذنوبه.. ولأننا نحبه ويحبنا سيقبل التضحية وتخليص روحه من الذنوب.

- وهذا ما أفكر به جدياً.. لكن كيف؟

ينفق جزءاً كبيراً من أملاكه في مشروع خيري كبناء مؤسسة إنتاجية يعود ريعها مثلاً للأطفال المعوقين أو لبيوت العجزة.. ثم يعتذر من الجنود، ويبدأ حياة جديدة.. ويقسم ألا يكرر أية معصية من المعاصي السابقة.. نطلب منه أن يتصرف بحكمة ..

استراحت قليلاً ومسحت وجهها أكف من نور.. هدأت وهي المرأة التي لم تدخل في امتحان سابق حول أية قضية معقدة.. أما الآن، فهي متعبة وغير مطمئنة على زوجها الذي تحبه أيما حب وتريد العودة معه إلى استقرار روحي مهما كلفها ذلك من جهد..

كررت كلمة التوبة عدة مرات، وقالت:

- نعم.. نعم! إنك على حق وأنا فخورة بك.. التوبة تطهر الروح وتزيح الآثام.. هيا..! هيا نذهب إلى البيت.. فقط الآن أستطيع النوم..

عدنا بهدوء ولدى أمي الحل وخطة عمل، وهي على ثقة بتنفيذها حرفياً..

تصورت سلاف المشهد بشيء من التفصيل ولاحت لها صورة دمشق كعروس طعنت في شرفها ، تحاملت على الضابط بحقد وقارنت الشام بقريتها دون أن تمسك طرف الخيط في مقارنة صعبة .. تفاعلت مع قصة سوزان التي تجرأت واتهمت والدها بالسرقة، وأطلعتها على جانب من حياة وطنها التي لا تعرف عنها شيئاً.. تقاطعت معها بشرود عارضته بكلمات حادة حول فظاعة الإنسان .. تذكرت جدتها وأدخلتها في غمد التحدي .. وتابعت الاستماع لسوزان .. كلمتها عن الفزع الذي هاجمها وأحال حياتها إلى جحيم .. أيام ولم تنم .. تصلي وتطلب من الرب أن يساعدها  .. شعرت سلاف بعذاب الأم القاسي .. وهمست في نفسها " لم أصل بعد إلى درجة عذابها .. هي على وشك ضياع أسرتها .. أما أنا على وشك ضياع عمري القصير قياسا بعمرها الذي ساهمت في بناء أمور كثيرة .."

اضطرت سوزان إلى تأجيل بقية الحديث بدافع الدراسة ، بينما ذهبت سلاف لتجلس وراء طاولتها وقلبها يرتعد ، وراحت تعد على أصابعها :  واحد ، اثنان ، ثلاث ، أربع ، أربع وربع ، خمس مشاكل .. وفجأة قالت : لا .. لا .. مشكلة سوزان في كفة ميزان وكل مشاكلي في كفة أخرى ..

رشَحَتْ منها أفكار غير مترابطة .. سلمت نفسها لكتبها تحت تأثير تكوين مغاير لأهدافها ..

 

* * *

 

انكمشت المدينة الجامعية على نفسها ، تهيأت لندى وكأنها مطمورة تحتفظ في داخلها نفوسا براقة لبنات ريفيات بريئات سقطن في شق هموم غير منتظرة .. تبادلن أثناء السهرة بعض أمور الدراسة بهدوء وعثرات الطلبة العفوية.. بدت أمور صغيرة جدا وعادية تجاه تجاربهن التي أقحمن بها عنوة .. لم تستسهل ندى مهمة سوزان،  واعتبرت نجاحها في دفع سلاف لتجاوز مشكلتها لا يقل عن مشكلتها مع أسرتها..

 استمرت اللقاءات بينهن بحرارة ، وتابعت سوزان سرد حكايتها مع شرح مفصل لمدينة دمشق ورحلاتها ، وأصدقائها ، ونفسية والدها .. أمضيتا سهرات و أيام عديدة.. تارة على الشاطئ، وتارة أخرى على الشرفة دون أن يؤثر ذلك على الدراسة ومتابعة الأعمال اليومية..

أصبحت سوزان تشترك معهما في الطعام والشراب.. نقلت ندى ردود فعل سلاف المسلكية إلى سوزان.. و أكدت لها أنها أصبحت أكثر هدوءاً وتركيزاً في دراستها،  وتتكلم أكثر عن ضيعتها وتتذكر فقط الأشياء الجميلة.. ورداً على سؤال:

- ألا توجد مشاكل في ضيعتكم؟

- لا توجد.. لأن المشاكل الكبيرة دمرت نفسها بنفسها ذات يوم، ومن بعدها لم تستطع التكاثر والتناسل.. وقال عجوز بأنها تعرضت لوباء خطير قضى عليها .. سمعت أحدهم يكرر الجملة الآتية : " المشكلة تموت في حدود المجال أو القاع الذي يهملها  .."

تباينها مع نفسها وهموم رضوان والضيعة  بقي على حاله .. لكن حكاية سوزان وعدتها بأجوبة ما .. أجوبة تلج همومها ، وعلى وشك محاصرتها .. شعرت بأنها ستأخذها إليها وتضئ معابرها .. تماسكت تحت تأثير القناعة بولادة أمر يهمها.. فرشت لها الطفولة تسلية غير منتظمة ، خادعتها بهدف تمرير مشروع انتظارها الطويل ولقاء سوزان التي تتوقع لها أمرا ما لا تتمنى حدوثه .. وهذا الذي تتوقعه ، أرّقها ، ودفعها للتساؤل بجرأة .. كانتا على الشاطئ عندما سألت :

- أتلتقين الدكتور إبراهيم؟

- يومياً.. نلتقي.

اكتفت سلاف بالجواب،  وألحت عليها بمتابعة قصتها.. فتابعت من حيث توقفت:

- وصلنا البيت، ذهب عصام لتحضير دروسه،  جلست إلى جانبها في غرفة نومها..  ذكرت لها أن زوجة وزير الدفاع تخرج في المناسبات الدينية إلى الأحياء الفقيرة كالطبالة والدحاديل والقابون وعش الورور ومزة جبل ، وترمي أموالاً للفقراء.. تجعلهم يركضون وراءها كالكلاب الجائعة ، والتقاط الأسرع فيهم قطعة نقود .. يدوسون على بعضهم البعض .. يتزاحمون .. يكسرون عظام بعضهم البعض .. أصبح الأطفال ينتظرون تلك المواسم لتأتي وترمي النقود في الهواء دون أن تنزل من سيارتها .. تصوري كيف سيتربى مثل هؤلاء الأطفال .. إنها عبودية معاصرة .. اقتدى بها بعض زوجات الضباط الكبار والمسؤولين، وسمعت أن أحد الفقراء بصق في وجه إحداهن وشتمها قائلاً:

- يا حرامية.. نحن لسنا بكلاب كي ترمي لنا ما تسرقينه.. لولا الحراس لضربها، وبعد ذلك ألغين تلك العادة الاستفزازية..

تعوذت أمي من الشيطان .. وقلت :

- لدى أهلنا عزة نفس، ولا يقبلون الإهانة، وإن رددوا نحن لا ننتقم.. يجب ألا يعبث أولئك بخيراتهم، ويجب أن يعاقبوا يوما ما.. لازم يفهموا أن صبر الناس ليس جبنا..

- أرجو أن يفهم والدك ذلك.

- سيفهم.. لن نتركه يذهب إلى النار ، وأن يبقى لعنة في أفواه الناس طيلة حياته.. سمعتنا في المستقبل من سمعته ..

نامت الوالدة لأبقى وحيدة في غرفة نومي وأتصور حجم المأساة التي نحن فيها.. فالمشكلة ليست فقط مع والدي، وإنما مع الجموع ، مع الناس الذين فقدوا الثقة بالقادة الذين لم يعودوا صفوة المجتمع كما كنت أعتقد .. بل هم على طرف نقيض منه.. هم أعداؤه .. تولد لدي هذا الشعور نتيجة التعامل القاسي من قبل أبي ضد ابنته .. ضربني لمجرد أنني ذكرته بثروته غير الشرعية ، فكيف بالآخرين .. ؟  بالتأكيد من السهل عليه قطع أعناقهم .. تدميرهم وإزالتهم عن بكرة أبيهم ..  فهمت أحد أهم أسباب تخلفنا كدولة  من دول العالم الثالث.. طبعا الجيش الذي ينهب ويهدر خيرات البلاد والعباد ..  لقد ضيعوا فرصة تنمية شعب بأسره كان من الممكن أن يكونوا معه أفضل ، لو تحسن ، وعملوا على تطويره ، هذا ما قاله إبراهيم، قاله كمواطن واع ومدرك للأمور ، ثم شرح لي بوضوح أن الفساد المستشري في الطبقة الحاكمة ضيعنا وقارن حالتنا بحالة ماليزيا البلد الصغير الصاعد ، فهناك نسبة التنمية تصل إلى الـ 12%.. بينما التنمية عندنا تتراجع  ما دون الصفر، ويحملون إسرائيل السبب، بينما كان من المفترض أن تدفع بنا إسرائيل إلى تنمية سنوية تزيد عن العشرة بالمئة.. آنذاك لم أفهم كلامه جيداً، لكنني فهمت أننا نشغل ست سيارات في بيتنا وتعمل باستمرار مجاناً، ولكل سيارة سائق خاص، كمية بنزين غير محدودة، إصلاح وصيانة مستمرة.. فهمت أن ذلك هدراً جنونياً، مثلا كي نشتري من السوق كيلو تفاح ، كانت السيارة تصرف بنزيناً ما يعادل ثمن صندوق .. أدركت أن الدكتور على حق ونحن على باطل.. تذكرت ماقاله بالضبط :

- السارق ذكي إلى حد حماية يديه، لكنه لا يستطيع حماية ضميره أبداً من الدمار، ويستطيع تشكيل قوة باطلة تحميه إلى حين وهي القوة ذاتها التي ستدمره.. لذا أنا مطمئن على المستقبل.. ومما قاله بشكل تقريبي : الرغبة هي فاجعة الواقع التي قد تحوله يوما إلى خراب ، فمنذ أن تجاوزت الرغبة حدودها أصابنا البلاء.. والحنين إلى السمو والرقي هو رغبة مشروعة إذا كان الحلم نقياً كهواء غابة صنوبر.. لكننا للأسف نخسر ونمعن في الخسارة ونتباهى بالكارثة كعاهرة تشهر عهرها أمام الجميع وهي تبتسم ..

استوضحته عن بعض الأفكار.. قارنتها بالأمثلة، واكتشفت أنني لا أفهم بعض أفكاره التي سألته عن مصدرها، أو من أي كتاب استقاها، فأجاب:

- من الحياة.. من واقع الحياة..ومن كتب ستجدينها بنفسك عندما تنوين مطالعتها ..

انجرف الحديث كالحصى في قاع نهر هائج .. وظهرت لدى سلاف رغبة في طرح أسئلة حول هذا الشخص ، كبرت هامته أمامها ككتاب .. وكلما تشرع في طرح سؤال تفاجئها سوزان بشرح يقارب رغبتها ويشبعها ، فتسكت .. وأخيرا ، أمسكت قبضة يدها وفكتها عن الأخرى ، ثم سألت :

- ألم يقل لك شيئاً في الحب؟

أعجب هذا السؤال سوزان، هي تنتظره، وقد جهّزت جواباً عليه:

- لا .. لم يقل لي كلمة واحدة عن الحب، وإن كان الكلام عن الكراهية وكيفية قمعها كله حب ، كمثل نبذ الكفر، فكله إيمان،آنذاك استحال عليّ الربط بين كره الكراهية والحب وكره الظلم والعدالة.. لكن زميلاً لي في الكلية وفي لحظة حرجة كنت أحوج إليها لسماع كلمات غير عادية ، أسمعني أنشودة.. فحفظتها فوراً.

سألت سلاف بإلحاح:

- ماذا قال..؟ ماذا.. ماذا؟

قال:

<< هل أنتِ بخير؟

تقول العتبات أنها ستمطر،

ولا يوجد حطب.

أعرف أن ثوبك الرقيق لا يدفئ،

وحرارة القلب كالجليد.

أتذهبين معي للبرية؟ هناك لن أسألك.. هل أنت بخير.. ولا أي سؤال آخر يجعلك أكثر دفئاً..

فقلبي عود ثقاب وأضلعي حطب أخضر،

والقبل هي الجواب الوحيد لكل الأسئلة..>>

كتب زميلي ذلك إلى حبيبته.. وتمنيت أن يكون لي.. تمنيت أن يخرج إلي فارس ويقبلني ويجعلني أثق بنفسي أكثر..  تحولت إلى أنثى هائمة مع روحها.. أو طفلة تستكشف ألعابها من جديد..

 جاء لقاء آخر ، وقلت لإبراهيم:

" والقبل هي الجواب الوحيد لكل الأسئلة"

اكتفى بابتسامة ناقصة ، وأضاف:

<< عندما يفكر الرجل

تولد عيناه كمزهرية فاتنة في ساحة النساء،

يولد من الأنثى

وتولد من ضلع جبينه،

وأخشى ألا يلتقيان>>

طلبت تفسيراً لقوله، فأجاب:

- دعيني أفكر.. فالمسافة بيني وبين الفكرة كالحلم الممكن.. أخشى أن يتحقق قبل أن يتفتح حلماً آخر..

هذا ما فهمته- نحن نصنع الأحلام ويمكننا تحقيقها، والأحلام أيقونة مصاغة من جذع شجرة برية تعود أصولها إلى زمن مغاير تماما عن زماننا المصاب بآفة الخوف ، وإن كنا ندعي البطولة أو السمو، فالواقع شديد التباين وهذا التباين صنعناه بأيدينا لأننا خرجنا بالحلم من إطاره الغوغائي إلى الممكن وفي إطار الفعل الجماعي.. لم يعد الفرد عبدا مع جماعته باسم الخصوصية والتمايز، والنقاء ، فالجار أفضل من الأخ .. والتعاون حكاية من السلف الصالح يصوغها الواقع رغما عن أنوفنا وفق منطقه الجديد ..

أشارت لها سلاف أن تتوقف عند فكرة بعينها .. تناقشتا حولها، وأضافت سوزان بهدوء :  وكل ما نحاول تغيره ليكون كما نشتهي سيجعلنا هو كما يشتهي .. هذا عصر التحول وفق مشيئة مختبر هائل اسمه الوجود ، والبحث عن منطق خاص للإنسان أصبح بهدلة ، وجدوى عالم متصل بالحيوان أكثر أهمية من جدوى مجتمع بشري نقي في إطار أيديولوجي أو ديني أو وطني ..

وقفت سلاف وضعت يديها على صدغها ، وضغطت بشدة ثم صرخت ":

- ( ستوب) لا أفهم شيئاً.. بأي لغة تتكلمين ، عم تتكلمين ..؟

ضحكت سوزان ، وقالت :

- أنت على حق و أنا مثلك لا أفهم الكثير .. احتجت إلى وقت طويل حتى كرهت كلمة ( النقاء ) على سبيل المثال ، وأمنت بأنها غير موجودة إلا في القواميس ، والآن ألعنها كما ألعن إبليس.. هي أسوأ من الشيطان ..

تدارست مع إبراهيم معانٍ كثيرة .. كالجيش .. الوطن .. العائلة .. التعاون .. العمل ..

 وأفهمني بلغة الأطفال أن اللعبة التي لا تعجب الطفل لا يمكن إكراهه على اللعب بها أو جعله يحبها .. وفهمت بأن اللعبة التي يعشقها هي الحلم .. ودائما من الأفضل أن نتركه يختار كي لا نثير فيه تحفزا سيؤدي في النهاية إلى تناقض لا ننشده كبشر ..

وضعت سلاف يدها على فم سوزان ، أوقفتها ، ثم سألتها :

- وماذا عن الحب ؟

- ماذا تقصدين ؟

كان السؤال المضاد هو محاولة سوزان فهم ردة فعل زميلتها على مشروعها العاطفي ، وتقييم حالتها الغرامية .. كررت عليها الأسئلة ، ثم أضافت :

- هل تؤمنين بالحب ؟

قابلت سوزان السؤال بصمت ، فسألت سلاف بجرأة أكبر :

- هل علاقتك بإبراهيم ليست غرامية  أو ..؟

صمتت .. فكررت سلاف السؤال :

- أسأل عن رأيك بالحب  ..

كشفت عن ابتسامة فيها كثير من الإيحاءات ..

رغم ذلك استفزتها ، واعتبرت صمتها تجاهلا ، أو تنكرا لما تتمنى أن تسمعه مباشرة منها .. أو لا تريد أن تعترف بأمر يخص قلبها ..

ظلت سلاف  ساكتة ، بينما شرود سوزان يحبو كطفل جائع باتجاه هدف غير معلن ..

أنّبت سوزان نفسها ، واعتبرت طريقة ردها تدخلا فاضحا في حماس  الزميلة .. وهي التي دربت نفسها طويلا لتكون عند الحد الأدنى من هذه الفصيلة اللعينة للسلوك البشري كما فهمت من تجربتها ومن كلام إبراهيم ..

تابعت حكايتها بمزيد من التفاصيل التي بدت حماسية وبسيطة ورائعة لامست روح سلاف إلى حد الذهول ، واستمتعت بتلك الجوانب الغامضة منها والتي جعلتها تحلل وتنتظر ما خفي منها..  تنتظر ما ستقوله عن والدها العظيم الذي يحمل النياشين ولم تقابل مثله من قبل ، ولم تتصور وضع الأسر في القصور ، وسمعت لأول مرة عن أولاد صغار يقودون سيارات ، وعن أسرة الضابط العظيم القائد لآلاف الجنود ، وكيف يواجه أسرته الصغيرة .. وعن دمشق العاصمة التي لم تزرها .. سمعت تفاصيل أكثر غرابة عن أنواع الأطعمة والموالح والسهرات والنارجيلة والرقص في النوادي الليلية .. عن الشام وهمومها  .. بدت لها دمشق حارتين كبيرتين : حارة لأسرة سوزان ، وحارة  لإبراهيم وأمثاله .. فاحت رائحة الغنى والمال والإسراف في خياشيمها .. مقابل رائحة الفقر والعذاب والتحدي لفقراء دمشق..  كانتا تفكران بصمت تارة ، وتارة أخرى تتكلمان بصوت جهوري ..

قالت سوزان بحماس :

- تجادلت معه طويلا، وبعدها  شعرت أنني أقوى.. تحسنت.. وتمكنت من السيطرة على أفكاري .. وجففت أحزاني .. اعتدلت في كل الأمور .. وقلت " لا يوجد شيء يستحق البكاء حتى من أجل أبي الذي يمتلك قسوة لا تقهر ، لكن مصيره مجهول .."

شرحت لأمي بعض الأفكار البسيطة عن العدالة، فاستهجنت وقالت : " يكفي أن الله الذي نعرفه عدالة.."

أحسست أنها أكثر تماسكا وقوة ، واستشارت باطنها بحكمة ، وتوصلت إلى قناعة ما لم تطلعني عليها.. ذهبت للنوم بهدوء ، وفهمت أن انشغالها بأبي سيطول ، وتستعد لإدارة نفسها معه بطريقة لا تخلو من حبها له وفق وصفة إيمانها .. في الصباح تناولت القهوة معها ، رأيت بأم عيني كيف  ارتسمت على وجهها خارطة لروحها المتفائلة .. بدت رشيقة ، غير مبالية ، تبتسم بثقة.. وكأنها تعلمني درسا في طريقة التعامل مع المستقبل ..شربنا القهوة ، نظرت في كعب الفنجان ، توقعت أنها ستقول شيئاً..أخذت الصينية وتركتني وحيدة أفكر .. فعلا فكرت بأمرها بالمقلوب .. وشعرت أنني مشدودة إليها ..هي التي تهمني ..لا أبي الذي انتهى من خداعها ، فكرت بالطريقة التي ستتعامل مع هذه الخديعة .. دخلت وراءها إلى المطبخ ، وقلت بوضوح :

- أنا لست بصدد محاكمة الوالد ، وسأبقى على الحياد وأترك مهمة إقناعه لك وحدك.. فلا أريد أن نخسر بعضنا البعض.

- أتمنى أن تبقي إلى جانبي .

- ضد الوالد؟

- لا.. لا .. بل ضد خطاياه ..

- سأتدخل إذا طلبت مني ذلك.

- لا أستطيع وحدي إنهاء المشكلة.

- ياماما..! أعتقد أن أؤلئك الجنود البسطاء الطيبين أقدر على التسامح من الجبابرة.. وهم سلفاً سامحوا بابا ولن يكونوا عقبة أمام توبته.. والخطيئة الكبرى هي تدمير الخطط العامة للبلد.. لن أحمل والدي مأساة وطن.. وإن كنت أرى دوره جيداً في أزمته.. لكنني أسهل المهمة علينا.. وعليه فقط قبول خطتنا دون عناد.

- من الصعب عليه الاستجابة لنا..

- لذا سأبقى على الحياد لحين الحاجة إلى تدخلي..

- يجب.. يجب أن يعيد كل أملاكه التي سرقها إلى الدولة ووضعها تحت تصرف وزارة المالية.

فهمت أنها فكرت بحكمة، وأدركت أنها تخلصت من مأزق البحث عن الحل.. وأننا نرى معاً الضوء في نهاية النفق المظلم وعلينا السير للخروج منه.. أقسمت ألا يهدأ لها بال حتى تحقق ذلك.. أخبرتها عن موعدي مع الدكتور إبراهيم بعد الدوام، وبأنني سأتأخر قليلاً، دعت لي بالتوفيق .. خرجت من البيت كعصفورة سعيدة لسببين أولاً: توحد رؤيتنا ووضوح هدفنا، ثم مباركة الماما لجهودي، وثانياً للقائي مع الدكتور الذي انتظرته بفارغ الصبر.. التقينا وحدثته عما دار في بيتنا بالتفصيل، فعلق:

" بيت تسكنه أرواح طاهرة لا خوف عليه.. لقد علمنا التسامح أن نستمر وأن نحيّد الأعداء في ظروف يمكننا أن نتحول معاً إلى مواجهات دامية.. لدينا دروس مهمة في حياتنا تعلمنا كيف نصبح أفضل ونغسل أرواحنا من آثامها، فأنت لا ذنب لك بما اقترف والدك من خطايا..  لقد اعترف بها، وهذه خطوة إلى الأمام.."

فأجبته:

- لا علاقة لي بالمشاكل،هو والدي وأنا أحبه.. أحبه جداً جداً.. يصعب علي أن يُعذب في الدنيا وفي الآخرة.. وهل تترك عزيزاً على قلبك يغرق وأنت تتفرج عليه علماً أنه يمكنك إنقاذه؟ أعرف جوابك سلفاً، فأنت ستتأهب لإنقاذ حتى الأعداء.. أنت لم تسكت على أخطاء والدي وقاومته باختيار طريق العلم والتحصيل العلمي والكسب الحلال.. هكذا كانت ردة فعلك.. قاومت وتحملت العذاب ، وكان بإمكانك مشاركة والدي السرقة.. لكنك حافظت على نظافة يديك وتفتحت أمامك آفاق أوسع.. فها أنت الآن أستاذ جامعي وإنسان ناجح ولديك أفكار عظيمة .. أنت أفضل من والدي بكثير .. والحياة أفضل بأمثالك،  لا بأمثال والدي الذي يتباهى ويفخر أنه حرامي ومرتش وظالم، يقف رجل من القرن الواحد والعشرين ويقول بأعلى صوته أنا حرامي.. اذهبوا وبلطوا البحر..أهذا معقول؟ 

استمع إبراهيم إليّ بأعصاب باردة ، وطلب مني التعامل مع والدي برفق وتودد ، وليس المهم أن يتحسن أولا، وإنما المهم ألا يتلوث أولاده بأخطائه.. رفضت اقتراحه وأعلنت بوضوح أن   هدفي العمل حتى النهاية لجعل والدي كما يتمنى كل الأولاد أن يروا آباءهم رمزاً للعفة والأبوة الصالحة وفخراً لهم.. وأعلنت أمامه بأنني أصبحت أخجل من نفسي أمام زملائي بسبب العار من انتمائي إلى أسرة ضابط كبير وسارق.. صحيح أنهم لا يعلمون كل شيء عن أبي، لكنني مستعدة لقبول فضيحة كبيرة لا في أسرتي أو كليتي فحسب، بل في أنحاء الوطن ولْتعلق قائمة بأسماء هؤلاء، وإذا لم يعلنوا التوبة ويعيدوا ما سرقوه.. نبصق.. ونبصق عليهم حتى ولو كان والدي واحداً منهم، ولْيتحولوا إلى هياكل ذات أسماء معروفة تلعن إلى أبد الآبدين، كما نلعن إبليس وأبا لهب ومسيلمة الكذاب و غورو و سايكس و بيكو و بلفور و شارون.. قد تقول إنني ولد عاق، وهذا ما فكرت به طويلاً وجاء السؤال مقلوباً: لماذا لا يكون الأب هو العاق.. أكرر أمامك أنا أقدس الأب والأبوة، لكنني لا أحتمل صفاته البشعة، وإن كنت قد ساهمت في التعرف إلى والدي وإطلاعي على ممارساته، فذلك لا يعفيك من مساعدتي والوقوف إلى جانبي حتى النهاية.. نعم نحب آباءنا، لكن من غير المعقول قبول أخطائهم.. الأب شيء ، وأخطاؤه شيء آخر.. العاطفة أمر ، وما يمارسه والدي قضية أخرى .. لست وحدي معنية بها ، بل كل مظلوم .. كنت متحمسة وأتكلم ببراءة وصدق ، وبنية حسنة ..

ابتسم ، وقال في تمهل :

- إنك تنظرين إليّ، ثم كيف أساعدك؟

- لا أعرف.. لكنك ذكي ولديك ما تقوله لي.

- استطعت مساعدة نفسي وأهلي ولا أزال أكافح، وأبذل جهوداً مضاعفة، ولو لم يقف والدك أمام كفاحي، خاصة في بداياتي لكنت نجحت أكثر وبتعب وجهد أقل، وربما أمثاله يمنعون ويكبحون تطور كثير من الشباب ويدمرون حياتهم.

بهذا القول زاد الأمر تعقيداً وحملني أعباء أكثر.. إذن ، جيل يدمر بسبب أبي وأمثاله..؟  تساءلت ..

ودون جواب .. شرح لي العلاقة المترابطة بين الفساد والخراب الأخلاقي الشامل، ثم الكارثة الناجمة عن محاولة أؤلئك  إخضاعنا وجعلنا نفكر كما يريدون.. وسلبنا حتى حرية التفكير على أساس أنهم عباقرة وأذكياء وخبراتهم كبيرة، بمعنى يراد لنا ما يريدون وعلينا إتباع تلك الإرادة،أي الاستحواذ علينا، فتلك هي كارثة الكوارث.. وهنا أشار لماذا لا توجد تنمية وتجدد وتطور.. لماذا تحولنا إلى عبيد لهم  .. جردونا من أسلحة النقد والرؤيا .. أغرقونا في الفقر ، فتمكنوا من ضبط المجتمع بعد أن جردوه من قواه .. وذلك انتصار لهم ..

كان كلامه ضبابي وغير مفهوم تماما ، أجرى مقاربات عديدة ، ومثّل لي بعض الأمور بشرح بسيط ، كنت كتلميذة أتعلم منه ..

بدأت أرى وأتلمس كل ما قاله في شوارع دمشق .. أغنياء من ضباط وأولاد مسؤولين كبروا بسرعة وبأيدهم الثروة والسلطة..  ينخرون المجتمع دون رحمة .. تذكرت اتصالات والدي الهاتفية.. علاقاته .. زملاءه الضباط ، وزوراه من المجتمع المخملي،أحاديثهم وعلاقاتهم وخصوماتهم ،  صفقاتهم .. حللت ماضيه .. راقبت سلوكي وتصرفاتي .. سلوك أخوتي .. أحسست بالجريمة التي نقوم بها في كل يوم يمر ..  رقّ قلبي على الأطفال الذين يبيعون العلكة وعلب السجائر ويمسحون زجاج السيارات في الشوارع .. رافقت أحدهم إلى بيته ، كان يسكن في مساكن برزة .. أسرته مكونة من ستة أطفال ، والده مشلول ، أصيب في حرب الـ73 ، ابنه الكبير سافر إلى بيروت للعمل .. وزوجته مريضة بالسكري .. اشتكى لي وحملني سلاما إلى والدي ، وقال إنه لا يعرفه .. سألته،  إنْ كان عاتبا على الضباط .. أجاب بصمت .. وأشار إلى كرسيه المتحرك .. وقال بأن هذا الكرسي هو كل ما قدمته له الدولة.. عاودت زيارة ذلك البطل الذي واجه سرية للصهاينة بآخر ما لديه من قذائف في الجولان المحتل .. ونجا بأعجوبة..

 تذكرت أن والدي نجا من معركة ما بنجاحه في الفرار .. وتفاخر بذلك .. تحدث عن الجنود الذين ماتوا كأنه يتحدث عن دجاج نفق ..

قارنت بروح ناقدة بين هذا المناضل ، وبين أبي الذي يتمتع بالجاه والمال .. وبين حال ذلك الجندي .. حكيت لأمي ، وذهبت معها لزيارته .. أقامت معهم علاقة صداقة .. وتبنت تعليم ذلك الطفل على نفقتها الخاصة .. اعتبرت ذلك واجبا ..

ما فعلته أمي كان بسبب إبراهيم.. الذي باركت له نجاحه في إنقاذ طفل برئ من الضياع ..

سألته عن رأيه حول المبادرة الخيرة ، وعن سبب عدم خروج الفقراء للمطالبة بحقوقهم ..أجاب بوضوح:

- قد يكون لديَّ جزء من الجواب، والبقية  تعرفينها بنفسك، وأجاب عن الجزء الذي أشار إليه، وقال : لأنهم استطاعوا تطوير شيء واحد فقط وضحّوا كثيراً من أجله ، وسيضحون من أجله بالغالي والنفيس ألا وهو فن الإسكات، لقد أحسنوا جيدا تطوير أدوات القمع والإرهاب بشكل رائع وأنفقوا وينفقون من أجل ذلك أموالا طائلة.. هم عباقرة في ذلك ، ونافسوا أكبر الدول المتقدمة ونجحوا في ترسيخ التخلف والقمع .. عشرات السجون تنتظر من يطالب بحقه .. وآلاف وسائل الترهيب قابعة خلف بوابة كل مواطن .. هذا ما بنته الدولة التوليتارية ..

سألت سلاف:

- تتتتتتتووووو لييي..؟

-التسمية غير مهمة ..

- أريد أن أعرف ..

- تعرفين في حينه ..

ثم تابعت :

- فهمت عليه، طبعا بعد شرح ، وأخذ ورد.. تكلم قليلاً عن دمشق وبغداد والقاهرة.. عن المدن الجريحة.. وعبر عن رغبته بزيارة إنطاكية والقدس.. ودعته على أمل اللقاء.. جئت إلى البيت وكانت أمي بانتظاري على أحر من الجمر.. تناولنا الطعام سوية وبشهية.. حدثتها عن إبراهيم.. وحدثتني عما يجول في رأسها:

- اسمعي يا بنتي.. ما يجري في بيتنا ليس أزمة أو مصيبة لا سمح الله.. لا.. لا أبداً، ولا حتى محاكمة ولا توجيه عقوبة أو استنكار، أو إدانة وإنما مصالحة.. مصالحة بين أفراد الأسرة.. ومحاولة جدية لجعل والدك أكثر طهارة ونبلاً، وليعود إلينا كما كنا نتصور قبل اعترافاته: الرجل العطوف والعفيف والسوي والأمين.. ونريد منه العمل معنا لتحقيق ما كنا نؤمن به سوية، وبالتالي عودة السعادة إلى الدار التي قد يهدمها.. أرى يا بنتي أن اعترافاته هي نصف الطريق إلى تحقيق الهدف.. لقد تجرأ واعترف، وسيتجرأ ويتوب.. لقد تحمل تهمنا ولا نريد منه أكثر من ذلك.. ولا حتى الضغط عليه أو إشعاره أنه في مأزق أو مكتب تحر.. وإنما بين أولاده وزوجته الذين يحبونه ويريدون له كل الخير..

اقتنعت بأفكار والدتي، ووجدتها متقدمة على أفكاري.. وحسب رأيي النتيجة هي الأهم..

أمضى الوالد سهرة ذلك اليوم خارجاً.. تابعنا حياتنا الروتينية.. وعلى مدى أربعة أيام تعاملت الوالدة معه بلطف زائد ، أما أنا فرحت أقبل يديه كلما عاد من العمل.. ارتاح لتصرفنا ولاهتمامنا به.. بعدها شعرت والدتي بإمكانية التحدث إليه حول التوبة.. استمر نقاشنا وتكثف حول ردود فعله، خاصة وأنه ضابط كبير لم يعتد على الاستجواب أو التنازل أمام أحد، ثم شعوره المطلق والمزروع في خلجات روحه أنه الأقوى والمطاع.. وهكذا بدأت أمي معه الكلام : " نحن بخير ولسنا بحاجة للمزيد، كل شيء متوفّر عندنا،  بدل المزرعة مزارع،  وبدل الشقة شقق، و زرنا نصف الدنيا ، فماذا نريد أكثر من ذلك  ؟ .."  واعترفت أمامه أنها كانت غافلة عن تصرفاته الخاطئة.. والغنى الفاحش غير المبرر، ومصادر الثروة   اللامحدودة لا قيمة لها في النهاية.. رجته أن يتوقف عن السرقة، وألا يحضر شيئاً من الفرقة العسكرية.. فوعدنا أن يتوقف واعتبرنا ذلك انتصاراً وحسب قناعتنا سيترتب عليه تغيير سلوكه، وإلغاء شبكة المتعاونين معه من جنود وتجار وضباط..

بدأ يقلق.. واعتبرت أمي توتره بادرة خير ، وشعرت أنا بالاطمئنان.. أطلعت الدكتور إبراهيم على هذا التغيير في لقاء سريع تمَّ بيننا.

قاطعتها سلاف سائلة:

- ألم يكن لديه بعض الغرام؟

- للحكاية بقية ..

- لم أفهم ..

أسدلت سوزان جفنيها خافية لغزا ..

وبعد شعور محموم بالرغبة في معرفة كل شيء ، تراجعت سلاف عن إلحاحها ، لكن سوزان ، قالت بصوت شحيح لايخلو من اجترار أشبه بطرقات على لوح زنك ..

-  استفزني بكلمة أكره ، تلك الكلمة الأشبه بخط مستقيم يمكن رسمه بسهولة ، بين نقطتين من زمن مملوك للحقيقة ، وفي لحظة لم تكن عابرة ، ثم أصبحت  قضية حشرني في كهف محير .. ومعها انطلقت عشرات الأسئلة التي لم يقو عودي بعد على تحملها ..

-  هل حلت كل المشاكل؟ سألت سلاف ببساطة.

- على العكس تماماً بدأت مشاكل الدنيا فوق رأسي.

- لا أفهم ماذا تقصدين؟

- حينئذ  لم أفهم ما حدث.

- هيا.. هيا .. ! تكلمي.. تكلمي دون توقف.. كلّ مرة أقول قصتك انتهت.. تبدأ من جديد.

- هكذا اعتقدت مع والدتي أن الوالد تغير، وقد أفلحنا في مهمتنا.. مضى شهر كامل ونحن في انسجام مطلق.. بدأت أمي تخرج بنفسها وتتسوق وأقسمت ألا تستخدم السيارة إلا عند الضرورة ، شرحت لي عن خوفها عندما ركبت السرفيس لأول مرة ، وكيف شعرت بالغربة والرعب من الناس الذين يجاورونها في المقعد .. شعرت بعدم انتمائها لهم .. ارتعبت .. واتهمت نفسها بأنها من كوكب آخر .. من عالم مختلف .. تعثرت وهي تمشي، خافت ، وهي تنتظر في موقف السرفيس حاسبة أن الناس يأكلونها بنظراتهم  ، ارتبكت وهي تصعد درجات الميكروباص  فمد مواطن لها يده ، ساعدها واهتم بها ثم دفع عنها الأجرة .. تمنت أن تعطيه حياتها .. فرحت كثيرا لما قالته .. وأحسست بأنها تعود إلى الأرض التي فقدتها لزمن طويل ..أما أنا ، فرحت أستخدم سيارات النقل العامة .. سرت على قدمي من المرجة إلى بيتنا .. كنت في حالة من التحدي مع جسمي الهزيل ..

سألتها سلاف :

- وكم هي المسافة التي مشيتها؟

- تقريبا.. أربعة كيلومترات ..

ضحكت سلاف ، وقالت :

- مثل هذه المسافة نقطعها ونحن نحمل  الحطب وأكياس الزيتون و..

قاطعتها سوزان مباشرة :

- أعرف .. أعرف .. وذلك يحتاج إلى تدريب وتفهم نفسي وإدراك أننا بشر  لا كائنات من كوكب آخر..

ثم باحت وكأنها في خلوة مع ذاكرتها  :

- دخلت في معركة تحدٍّ مع نفسي ، ودراستي .. أصبحت أجرأ..  أقول لزملائي كلاما غريبا لدرجة أن أحدهم قال ، لقد جنت البنت ..

اهتممت بالتفاصيل ، ناقشت أخي عصام ، وطلبت منه أمي أن يتوقف عن غنجه والاستخدام العشوائي لسيارته، والكف نهائيا عن التعامل مع عساكر المفرزة .. تفهّم طلبها وخفف من وقاحة ابن الضابط الكبير.. تابعنا دراستنا بجدية ، وراحت أمي تراقب أبي وتلاحقه  بهدوء لبلوغ هدفها في إعلان توبته.. أمضيت أوقاتاً رائعة.. كنت سعيدة أسميتها سعادة بالفطرة ، سعادة ولدت من رحم تجربة أشبه بمغامرة ، أصبح لدي قضية أعيش من أجلها.. قال إبراهيم عني بهلوانية تمكنت من اللعب بسرعة على حبال السيرك .. أعجبني قوله ، والأهم  كنت فعلاً أحلق كفراشة بين الزهور.. أستمتع وأجعل مَنْ حولي يستمتعون لأنني أصبحت أوضح وأكثر ثقة بنفسي واعتبرت الجرأة دواء لكثير من المشاكل ، وهي ضرورية كي نسمي الأشياء بأسمائها، ونقول إنّ فلاناً حرامي بغض النظر مَنْ هو.. أنا، أم أبي، أم أخي، أمي، عمي، خالي، جاري.. فتسمية الأشياء بأسمائها يسهل كشف الحقاٌئق.. بلغ بي الحماس حدا هائلا .. أصبحت أفكر وأبرمج وأعمل وأنجز في اللحظة ذاتها.. تولدت لدي طاقة خارقة .. وأمنت بأن الإنسان كائن خلق للتغيير والتحول والعطاء ، وهو كائن معجزات بحق .. كائن أسطوري مفتوح على طاقات كامنة لا حدود لها ، جربت ذلك ، وتملكتني أحلام لانهائية .. تمثلت بعض حكايات الأنبياء التي سردتها لي والدتي..  كانت تعني لي حكاية وحسب .. وبعدها أصبحت قوة هائلة تحركني .. إضافة إلى أفكار إبراهيم كانت مثل دينامو لا تتوقف عن إثارتي .. اتفقت معه حول كثير من الأفكار.. وتجرأت وخالفته .. فجأة انتفض ولم يقل إنني أخطأت ، فقلت له..  نعم أخطأت ، وكان من المفروض أن تسافر إلى قريتك من أجل زيارة خالك المريض مهما كانت الظروف .. وأخيرا اضطر إلى السفر ، وكانت النتيجة إنقاذه من مرض كان سيتحول إلى عضال لولا التدخل الطبي السريع وفي الوقت المناسب ..

خبأ عني قصة ، وفي لحظة من الملل أو الضجر ، تلتها حالة من التحدي بسبب أسئلة عن الضعف والقوة والعنفوان .. حدثني عن صديق له ، صديق توطدت علاقتهما في سجن والدي الخاص .. صديق أقسم وهو في السجن أن يقتل أبي .. وعندما رماه والدي خارجا دون عمل ومأوى وكسرة خبز .. لجأ إلى إبراهيم..  سكن معه واشتغل عتالا في الكراجات ، وبعد فترة عاد ومعه مسدس .. اشتراه بأول مبلغ جمعه.. رآه إبراهيم صدفة .. وفهم على الفور هدف صديقه .. أخذه منه .. وقال في نفسه .. آخذه الآن فيشتري غيره ، لذا يجب أن أغير أفكاره ، تجادلا طويلا وتمكن فعلا من إقناعه وتغيير أفكاره .. وقال له : " اترك مهمة عقابه أو قتله لغيرك ، فأمامك فرصة للحياة بعيدا عن المشاكل .. "

أقسم له بأنه سيُعاقب يوما ما ، وسيرى ذلك بأم عينه ..انتهى الموضوع على خير، هنا تصورت لو نفذ ذلك الشاب هدفه لكنت من دون أب .. صعقني ذلك التصور .. <<  دون أب .. يتيمة .. يا لرهبة الموقف .. أمي أرملة ، كم كانت ستتعذب بسبب فقدانها لزوجها الحبيب .. وكيف كانت ستربينا وتتدبر أمورها لوحدها ..>>

وسألت الأسئلة نفسها فيما يخص والدي ، حول الأشخاص الذين حرمهم من حقوقهم في العمل ، وذلك الشاب الذي مات في السجن بسبب العذاب كما قال إبراهيم وترك وراءه خطيبته ، وأم إبراهيم التي ماتت بسبب غير مباشر من والدي الذي منع ابنها من رزقه فماتت لعدم وجود الدواء والعلاج .. تعقدت من تلك التصورات وأصبحت تلاحقني كالكوابيس في نومي ويقظتي .. وقلت في نفسي ، مادام الذين اعتدى عليهم والدي قد سامحوه .. لا بأس ، لأسامحه أنا بدوري ، ولن أحاكمه بأوجاع ابنته ونكرانها لفضائله عليّ ، واشترطت على نفسي أن أجنبه المزيد من تعذيب الناس ..

وقعت في شرك التناقضات .. مرت علي أيام حالكة .. ولولا وجود إبراهيم الرجل المتسامح لمت ..

أتذكر ، وقتها اعتذر وبشدة عن قصه حكاية الشاب الذي مات والآخر الذي حاول قتل أبي .. ثم غمز مني ، وقال : "              

 لقد التقيته ذات مرة .. وعرفك .. وعبر عن شعور جيد تجاهك.. "

طلبت منه أن يعرفني عليه ، فقال : " ستتعرفين عليه.." شعرت أنني مدينة لهما بحياة أبي الذي أجلّه .. وبفرح أمي ، وبكلمة بابا التي لم أحرم منها..

سألتها سلاف مباشرة :

- هل تعرفت عليه؟

- نعم ، لقد تعرفت عليه .. وحكى لي عن معاناته الطويلة .. واعتبر مشكلته مع والدي من الماضي .. وقال بصدق :" المسامح كريم .."

تساءلت عن هؤلاء الناس ، ومن أين تحلوا بكل تلك الأخلاق والقيم ، ما مصدرها .. ماهي تربيتهم .. هم يتنازلون عن حق من حقوقهم ، بينما شعرت بأن والدي ليس منهم ، وهكذا رباني لأكون كائنا آخر لا أنتمي إليهم .. وأحسست وهو  يقول لأخي عصام ، سأقدم لك طلبا للهجرة إلى كندا لتعيش هناك ، وكأنه يعني تماما ، هذه الأرض لا تناسب واحداً من أمثالك .. في كندا كرامتك ، وعزتك ، وتحميك من المتربصين .. بينما هنا على العكس .. أرض الوحوش واللصوص .. نعم ، هكذا يتصور والدي بلادنا الرائعة .. وهمس مرة في أذن أمي بأنه سيجد لي عريسا ، ويسفرنا إلى كندا .. أشعرني بالخوف والرعب من أهل بلدي ، وكان حله النهائي للخلاص مما يمارسه هو تهجيرنا للخارج ..

لاحظت سوزان زميلتها تعد على أصابعها.. سألتها عن ذلك..  جفلت ، وأجابتها :

- لا شيء .. لاشيء ..

- هذه الكلمة غير موجودة في قاموسي ، وأنا حساسة جدا..  إذا كنت لا أروق لك .. أنهي كل شيء الآن ومباشرة ..

زرفت سلاف دمعة جرحت مآقيها كسكين ، دمعة لم تكن متوقعة ، تركتها معلقة فوق وجنتها كحبة لؤلؤ ، وحشرجت قائلة  :

- أنت لا تروقين لي وحسب ، أنت مبعوثة إلي من الله .. لولاك..  لما تمكنت من متابعة الدراسة .. أنت إلى جانبي لمسة إلهية خالصة .. كنت أتوقع أنني الوحيدة في هذا العالم التي تتعذب .. وعذابك أطفأ معاناتي .. أصبحت مشكلتي صغيرة تجاه ما حدث لك ..

- أنا لم أنته بعد ..

-  أعرف .. لكن ما قلتِه حتى الآن .. جعلني أضيف إلى الأرقام التي كانت تطاردني رقما آخر .. نعم بدأت أتوجع لوجعك ..

- عن أية أرقام تتحدثين ؟

- لا أملك الشجاعة بعد لأقولها أمامك، أو ربما أحتاج لبعض الوقت كي أتمكن من قولها ..

- هل يمكنني مساعدتك ؟

- أنت تساعدينني ..

- إذن لستُ ثقيلة عليك ؟

- أنت كالعسل على قلبي ..

ابتسمت سوزان .. وانتقلت إلى موضوع آخر لا علاقة له بالحكاية .. تجاذبتا أطراف الحديث .. لاحظت الاسترخاء يواكب تصرفاتها .. كانتا على موعد مع الانصراف إلى أشغال أخرى ..

 

 

حب أخضر _ 4

 

عادت ندى من لقاء طويل مع وائل ، شَابَ لهجته بعض التعابير عن حالتها وهمومها وما استقرأه  من تربة أحادثها التي خالجها بعض الجفاف المقدد الذي جعل حاسة حبه الأليف تفور في باطنه وتدفعه للسؤال عن حال الحبيبة ووجومها ، دوت صرخة عميقة:

(- حبّك أقل من ألفة ، أقل من الحب ، يقترب من جرح مثخن بالاجترار، حبّك أقل من لون الدم ، تحاذيه مجاعة قارية ، بحاجة إلى تقوى تطهر نظراته ، وتجعله يذهب إلى صومعة التضرع..

- أنا أحبها ، ورب الحب أحبها ..

- تحب دون خطايا ، دون ذنوب ، لم تجترح نظرة عينيها.. لم تتناول مشاعرك بعضا من وجلها ..

- أنا رهن إشارة من رعشاتها ، أتضرع إليها كمخلصة ، كفتاة تسوقني إلى الخلاص ..

- أنت طريح فوضى وبرودة ..

- هون عليّ أيها الذنب ، فأنا بريء .. ونفسي أقل مني خشية عليها..

- تأمل أساريرها ، هل ابتسامتها بلغت النضج ؟ أين هي من الهجران والوصل ؟..

- هل تعاتبني ؟..)

 اختنق خلف هذه السهام الحادة من حوار فاغر الجرح ، ارتعد وهو يستعيد النظر إلى هذه اللطخات المعتمة في عنفوانه  وينظر إليها نظرة إملاق ، فصلته عنها هدوسة متفحمة ، وهبة مهولة من عقم، بدا وجهها كوجع خام ، وقلبه حائل وناكس ، ارتطم كحصان سباق كسرت ساقه الأمامية ، حدته رغبة بذبح شكوكه ودفنها في داخل نقي كريات الصبر واللهفة ، رامشها من خلف غشاوة ، كانت أقرب إلى نجوى وأنين ، وجنتها تتهالك فوق نظراته دون حرارة : << وجه سقيم ، كلمات يابسة ، تعابير منبوذة ، وإرادة محصورة بالشرود .. ياحبي هل أنت من دون رب ؟ هل مسّك شيطان ؟ إن كنت وفيا .. استحلفك بزنابية الشكوى، بطُوى قلبي أن تطلعني على سرها >> ..

كانت تلوذ وراء ضميرها المنتمي لتراب صديقتيها ، تقيم بكليتها  في غرف همهما ، تثور ضد الإقامة الجبرية للصمت في أحاسيسها  ، تنحاز لهما وكأنها تبتعد عن درب هواها الخاص  بحبيبها الموله ، لم تشأ أن تقول له أن آهاتها هي آهات صديقتها وشردوها التحم مع شرودهما ، ونَفَسُها هو أنفاسهما ، لم تقل له ما يزيد وجعه كما ظنت ، بينما هو يتشوى على نار ما تخفيه ، على نار شعوره بأنها أقل حرارة تجاهه .. تشتت جغرافية نظراتها تحت وطأة تراشق سمج أحاط حبيبها بكثير من الألم المباغت .. بدت وكأنها تبتعد باتجاه المجهول الذي لا عقيدة له سوى المغامرة غير المحمودة ،  أظهر شعورا غريبا عما تخبئه ، كإحساسه بوجود إصبع سادسة في طرف ملامحها الصفراء  توجه بوصلة عاطفته ، وإصبع أخرى أشارت إلى نوح وانتحاب ، وبعد طول انتظار مدته لحظة من وجع ، طلب منها تفسيرا حول هذا العالم الداخلي وأعضائه الباردة المُشرَّحِ بمبضع الأحاسيس  .. تجرأت وحكت له عن مقبرة في داخلها تدفن فيها جنازات لماض قاصر..  لبرودة عابرة ، لرعشة حِداد وكيف استمالها مركز الدائرة لتقف فيه ومن حولها كائنات تستجمع قواها لتكون ضمن كريات عواطفها : الحب والحبيب ، الصداقة والصديقات ، العلم والكتاب .. كان يرسم على الرمل تلك الدائرة ، وهي تحكي له ، دائرة يلتهما الموج فيعيد الرسم ، يتحمس وصمته يشوي عبراته ، فيقطر لسانها كلمات ممغنطة يلتقطها الوقت المتجمد بفعل الحيرة ، همست : "  صداقة حارة على حساب حب دافئ  "  قالتها دون أن يفهم إلى ما ترمي .. واعترفت بقلق يمر بجانب الحب .. يحاذيه .. ارتعب وسأل :

- ما علاقتي بذلك .. ؟!

وضعت يدها على فمه ، وأجابت بتروٍ :

- لا..لا ! بل الماضي الذي  تأنى كثيرا كي أراه .. أراه من جهة أخرى .. من جهة القلق .. تجربة أخرى تمر بجانبي ..

- ماذا يحدث بالضبط  ؟ سأل بحماس

- أحتاج إلى اختبار من نوع آخر .. اختبار لا علاقة لك به.. أمر يخصني  ..

ركع عند قدميها ، دمعة بمذاق الفلفل الحار حرقت كرة عينيه، كلما انحنى ازداد شموخا ، وكلما أجهش أصبح أنقى .. طافت به قولاتها الكاوية حول بذرة النجاة ،  وضع يديه أمام وجهه كناسك يرقب وجه ربه ، وأقسم أنه يحبها..  جالت بنظراتها الهائمة  حوله .. دلعته بنعومة.. وأصابت قلبه ببراعة :

- أحبك أكثر مما تتصور .. أحيانا أفكر بأمور تبدو صغيرة  كحبة طلع  ، وأكتشف بعد حين أنها تكتنز الحياة  ..  

ارتاح لما قالته ،  وانتهى الجدل بينهما حول حياتهما الأقل درجة من الرومانسية ..

بعد اللقاء الذي استفز موقد تجربتهما ، استنكرت ما تقوم به من إرباك لنفسها ، أيدته ضمنا ، وعزلته بالمطلق عن علاقتها بصديقاتها وما يدور بينهن من مشاكل تبعد عمر بويضة تتشكل عن مخصب أنثى ، واعتبرت إطلاعه عليها لا يقدم في الأمر شيئا و لا يؤخر ..أو لم يحن بعد..

ركّزت على دراستها تلك الفسحة المحايدة من حياتها في وقت تتعلم منه كيف ستعبر .. استشعرت خيرا  وهي تتابع حالة صديقتها .. تنبهت إلى وضعها وقررت أن تمنح نفسها اهتماما أكبر ، أن تكون مرآة  لتلك الحقيقة التي تجري من تحت أسلاك يومياتها ، ولا تحس بها كما يجب ..ورددت " الجاهل وحده هو مَنْ يخاف الامتحان " .. في لحظة من مشنقة العزلة ودعت وهدة مقيمة في داخلها تحاول طمرها .. وتساءلت ، كيف لا تجعله يتمرغ بتراب اللقاءات ، وينزف الخامل من جروح الوله،  كان قلبها في قبضة الجمر تلقنه بعض الآه  .. سخرت من يدها القابضة على التردد  ، وقالت :" رأيت في دموعها وهي تروي جنون الحب في قلبها ، وتحرث شحوب وجهها وتزرعه بالأرجوان كي تقابل رضوان بذلك الجنون الأحمر .. وسوزان تجاوزت فصول الحياة برمتها وتعيش فصلها الخاص .. إنهما تشعلان فتيل الحب ببراعة .. أما أنا فرغم قربي منهما لا أزال بحاجة أن أقف على رجلي .. لقد شعر وائل ببرودتي وهذه جريمة .. "

نبتت في ضميرها زفرات وجد ، وبللت فكرتها بإكسير نضج من العالم المزدحم بأحاسيسها .. وأضافت :" هو أفضل مني وركع أمامي .. إنه قديس .. وفي المرة القادمة سأركع أمامه .. وبعدها سأجعل قلبي في قبضته..  ثم سأجعل روحي تندمج مع روحه  .. وفي مرة من بعد حزن أو ضجر أو سؤال سأكون عالمه الخالص .."

ارتاحت وهي تفصل من الواقع ثوبا يليق بالحب .. ثوبا يضيق على تمهلها ، ويتسع لغدها ..

شكرت الصديقتين اللتين اختبرت بهما حسا من أحاسيسها كان غائبا في مخيم الإهمال والتشرد ..

 بعد ذلك مارست نوعاً من التدريب للعيش بعيدا عن المشاكل بقصد التفرغ للدراسة ، وترتيب الوظائف التي أجلّتها في مبيضات خاصة حسب خطتها .. نجحت إلى حد كبير في ذلك،  أما تفكيرها حول مشاكل زميلاتها فأخذ بعدا آخر .. تناوبت مع أفكار وأحلام وأمنيات أخذتها بعيداً.. قربتها من هذا العالم الافتراضي للسكن الجامعي .. للاختلاط مع بشر كانوا غائبين عنها .. بشر أصبحوا جزءاً من حياتها .. أتوا إلى الجامعة ليكونوا على مرمى من مجتمع آخر .. ويجدوا فيه تفاعلا آدميا  لم يكن بحسبانهم .. عالما خليقا بالشباب .. فكرت كثيرا وهي على طاولة الدراسة .. فكرت بهدوء وعمق .. وكأن مشكلة سلاف حركت عالما كان نائما في قبو مظلم وأبوابه فُتحت فجأة..  ليخرج منه واقع مختلف ، قفز إليها كسنجاب سريع الحركة .. يدهشها .. ثم يختبئ .. وكأنه يدعوها للتعامل مع واقع آخر وليد من رحمه .. حبة كستناء حامية وعليها إخراجها من النار وتناولها .. جمرة لأحداث مفاجئة .. تناقضات وألفة .. وعود وهزائم .. دموع وهموم .. ريف ومدينة .. شكوى تروح وتجئ .. شطوط لأحلام شفيفة ، ندبات خامجة لشكوى .. شقلبة لأفكار مطيرة من سحابة مرتحلة ، ووحدة عنيدة عليها التعامل معها بخبرة لا تمتلك منها سوى الالتفات إليها كصديقة .. كررت  قول الأم تريزا " كل شيء نعمة " أسقطت هذه الفكرة على مواجع زميلاتها .. وقالت : << .." لكن عندما تحاكم الابنة خطيئة والدها تولد فيه وجعا .. وعندما يضربها يصبح أسوأ من طاغية .."  إن سوزان تتعذب ، وخوفي أكبر على سلاف  .. يا إلهي ، ماذا يجري هنا ؟ >> ..

تذكرت ما قاله والدها عن الخنازير البرية التي تعتدي على الإنسان ، وعندما يعتدي عليها يصبح مثلها .. وبرر ذلك القول بشرحه الطويل حول الغابة الأوسع التي تضم الآباء الذين يضربون أبنائهم أو يعلمونهم سلفيتهم.. عن السجن المدني الواسع .. لذا للغابة عقيدة عظيمة وموسوعة هائلة للأخلاق .. عقيدة يحاربها الطغاة المدنيون بدواعي أنهم انتهوا من سحقها ويبنون الحضارة ، لكنهم في الوقت نفسه يقتلونها .. انتصروا عليها بإطلاق " شريعة الغابة " على كل ما يكرهونه .. بينما هم يمارسون أسوأ أشكال البغض .. بدا لها والدها نهراً دون ضفة ، ورجلا تقليديا لأنه لا يسافر كثيرا .. أو لم ينجح في كشف تجربته لها ، على الأقل تلك اللحظة العنيفة والرحبة التي كسر بها بندقية صيده دون أن ينبس ببنت شفة .. تمنت أن يكون كسائح يتجول بين الخبرات التي تحتاجها في هذه اللحظة.. تحتاجها لتفسر لصديقتها معنى الحب والقلق .. شعرت ولأول مرة في حياتها بأن تكتسب من وجع الآخر خبرة .. خبرة تمنت أن تكون في خضمها .. تستضيء بنورها..  تساهم في صناعتها كإنسانة بلغها النضوج ..

 حوطها الخوف قليلا بالانتظار والترقب لما سيحدث ..

تمنت أن تحلم بكاهن يخبرها عن المستقبل .. تصورت نفسها في قرية سلاف .. القرية الأشبه بفنجان قهوة فيه فرصة كبيرة لقراءة الطالع .. تحسست تلك اللحظات التي أمضتها في قرية تتكلم .. توحي .. خريجة من مدرسة الغابة التي تطوقها من جهات عدة  .. ومن كل شيء لاحظته هناك خلال يومين ، أو خلال اللحظات الأولى التي أدهشتها : سماء تقفز من قمة جبلٍ إلى آخر .. نسوة يدخرن مليون حكاية .. برية .. قصصاً مفروشة على المصاطب كالتراب .. حبّاً مثل بدر مكتمل .. و سلاف تلك الابنة الضالة تعيش في حب تشعر بأنها أقل منه ، بحب تريد أن ينضج على يديها لتكون بدرا فيه .. لا شطر كلمة أو حرف أو نصف تجربة  .. لا تريد  أن تكون أقل من نحلة حضرية تربّت وفق سلوكها .. ألا تعود من الجامعة بحب غير مكتمل الهيئة ..

شعرت ندى بفيض لانهائي من تداعيات تجري في عروقها .. منارات تستهل الاعتراف بولادة حب يبدأ بسؤال ولا ينتهي بجواب .. حب يتكلم ، وكما قالت عن لسان ماهر :" الحياة في الحب أبدية ، وخارج الحب الحياة معبر قاسٍ لا يطاق.. أية جنهم لروح خارج الحب !.. الحب معزوفة أبدية تنتظم مع الانسجام الكوني بفعل الحب ذاته .."

أمضت وقتا تحاول التحرر من سخطها على منابع الضجر والتخلف عن اللحاق بزميلتيها .. كانتا بعيدتين عنها .. قريبتين إليها .. تعيشان في جوارحها ، تتحدث بلسانهما ، وروحها تدفع بها للارتماء في لجة أسرارهما، عابت على فضولها هذه الحشرية  :" يا شاطرة ، هما صديقتان ، ولا تمرري  مشروع التعلم منهما حتى آخر قطرة تجربة ..  تخرجي من كلية الحياة.. هما مدرسة أخرى لا تقل أهمية عن مناهج الكلية .."

وكان خيارها أن تثوي مرادها بالتراب .. وأن تترك العصفورتين ترقصان على شفتيها ريثما تعودان.. تحج إلى تجربتها الخاصة ، خيارها أن تزيح خيار التدخل .. ألا تكونا ثالثة في ضباب .. ورابعة في ضجر .. وتحتمل أن تكون سماء ودربا سالكة لهما .. << هما خاصتي ، أنا منهما >> رددت بيقين مطلق ..

عقدت العزم ، لفته بأرقام عشرية وجداول حساب .. وقالت :" ستعودان لي .."

استحوذت على الوقت .. مارست رياضة السير على الحواف.. قرأت .. كتبت..اتسعت غرفتها إلى حدود عاصفة استوائية  ..     

فكرت طويلاً بأمر الطالبات في مثل سنها اللواتي يدرسن في جامعات أخرى .. قلّبت صفحات وجهن .. وافترضت توقعات حول نظيراتها .. وأسئلة غريبة وشاعرية : هل يتعرضنَّ للمشاكل نفسها .. أم لهن مواجع أخرى وأحلام مختلفة .. هل يتوفر لهن المصروف بسهولة ..؟ .. كيف يعشقن ؟

 تمنت أن تذهب إلى جامعة دمشق وتلتقي الزميلات هناك .. وذهب بها الأمر إلى أبعد من ذلك وتصورت نفسها بين طالبات باريس  واشنطن و موسكو..  وكانت الأسئلة الطاغية : " هل لديهن برامج مثل برامجنا ؟ هل آباؤهم مثل آبائنا ؟ هل يخافون على المستقبل ؟ ماذا تعني لهم طالبة من العالم الثالث ؟ "

أزاحت طرف التأمل عن شفتي الوقت  .. امتصت همها بخشونة .. 

مع هذا الانتقام المفرط ضد وحدتها .. استبقت صديقتيها جانبا،  وطردت وائل من نافذة الذاكرة .. وطلبت منه ألا يعود إلا حينما تستدعيه .. أو يستدعيها وهو في مركب أكثر قدرة على المغامرة ..استشفت من وراء نظراتها أفقا لا من طين ، أو من سفر .. بل رأت قرية سلاف أجمل أفق في الكون .. انتابتها نوبة شجون حول البشر الذين يعيشون وراء هضاب  كانت يوما ما مرتعا للطبيعة الحرة ، وأصبح الإنسان مقيما فيها كمحارب من أجلها .. همست  :" وهي تحارب من أجله.. ! "

ظلت لأيام تنتظر عودة سلاف إليها ، تعود مع حكايتها.. وتخبرها ماذا قررت .. تمنت أن تعود من مختبرالتجربة والحب قد تغلغل فيها حتى النخاع .. مع كل يوم يمضي .. يزداد فضولها حشرية بزمنها الواقف على بوابة الانتظار كشحاذ .. وتزداد وحشة بسبب ما يدور وراء أضلع أمسياتها .. علقت صراحة :" أنا معها أكثر آدمية.. تؤنسني .. لقد جعلت مني بني آدم ذات هم وغم .. سمحت لي أن أرى دم الوجع ، وأن أبلل يدي به ، وأن أضمده،  وأن أتابع كيف يلتئم .."

كانت في حالة من التعاضد العضوي مع مجتمعها الباطن ، واعتبرت تصورتها في حالة أقرب إلى المخاض ستنتهي منها عندما تقترن مشاغلها مع مشاغل صديقاتها .. وتعود من عزلتها التي رهنت هواجسها لها إلى حين .. كان طيف وائل بالقرب منها يوبخ الكسل ، ويشمر عن ساعدي روحه قائلا بحزم ورضا :" الوقت يسرقنا  .. وحبنا في فنجان الوقت قد نضج وحان موعد رشفه .." ، تستدعيه إلى الربع الأقرب من مركز دائرتها .. وتقترب منه ناجزة مراكز قوى أخرى لحبها ..

افترشت للهفتها مكانا بين مشاعرها وأطلقت من حولها حراسة خاصة .. كانت بالقرب من قلبها .. وبعد حين أمسكته بيدها وقدمته لحبيبها بعد أن غمسته بسكر التجربة ..

 

 

حب أخضر _ 5

 

 

 في يوم تالٍ ، حاولت سوزان تهدئة الموقف أكثر ، وبعد حديث عن الرحلات والمدن التي شاهدتها ، والغرائب، وحفلات السيرك وحدائق الحيوانات ومدن الملاهي ، والأطعمة ، وأنواعها،  و الموضة والسياحة التي استمتعت بها في استنبول وأثينا وبطرسبورغ  وباريس وجوهانسبرغ .. كانت سلاف لا تستمع إليها ، وقالت صراحة :" لا تعنيني حكايات عن مدن بالنسبة لي أقرب إلى الخيال ، وبالكاد أسمع بها .. "

فهمت سوزان قصدها .. واعتذرت عن هذا الاستفزاز لقرويتها،  وقالت بوضوح : << أيضا لم تعد تهمني ، كان ذلك في الماضي وحسب ..>>

طلبت منها سلاف ألا تعتذر عن أي شيء فعلته ، وشرحت لها إعجابها الشديد حتى بتلك المدن التي حكت لها عنها ، وكأنها تخبرها عن عالم غير موجودة فيه ، وتفهمت رؤيتها .. فبدأت سوزان الكلام من طرف خيط مغاير عما سلف  :

- جاء موعد سفره إلى اللاذقية للعمل في جامعة تشرين الموفد لصالحها.. وقتها زرته في غرفته البسيطة في حي القابون، كان فيها: فرشة إسفنج ، ولحاف مرتوق ، و مخدة ، وأواني مطبخ قليلة مستهلكة ، وفرن غاز برأس واحد .. وراديو عتيق..  وكومة كتب .. راقبت الغرفة باهتمام ، بدت ككهف من القرون الوسطى .. لا توجد رائحة آدمية فيها..   في البداية رفض زيارتي الغرفة، وقبل أمام إصراري، أما في خاطري فكنت أود التعرف إلى ظروف سكنه، كانت غرفة صغيرة لها نافذة طولها وعرضها نصف متر في نصف متر، لا تتسع لأكثر من شخصين، تصلح لتصوير لقطات تلفزيونية عن مأساة طالب ، سألته عن المكتب والكرسي، فأجاب: " أعطيت الكرسي والطاولة إلى عامل نجار يسكن في البيت المقابل، وهو إنسان بسيط، وعموماً كنت أمضي معظم وقتي للبحث في المكتبة الظاهرية وفي مكتبة الجامعة وأحياناً في أماكن عملي.. اشتريت الطاولة والكرسي فقط قبل ستة أشهر بسبب اضطراري للسهر الطويل في البيت قبل نهاية بحثي .. أمّا بقية الأغراض، فسأتركها لمستأجر جديد أعرفه، وهو أيضاً موظف فقير من السويداء.. قال مازحا ، يمكن أن تأخذي منها ما تشائين .." بدت الغرفة عبثية.. جلست على الفراش.. جهّز ضيافة متواضعة ..  أول مرة في حياتي أرى كيف يعيش المستأجرون في الأحياء الشعبية.. تأملت السقف المتهالك الذي أكلته الرطوبة ، السقف الذي غطى أستاذاً جامعياً، بينما أعيش في قصر.. المقارنة مستحيلة.. نعم مستحيلة بين غرفتي الخاصة أو غرفة فندق باريسي أقمت فيها..  شرح لي أن أجرة هذه الغرفة تستهلك ثلث دخله والبقية يرسله إلى أهله.. تجنبنا الكلام عن والدي.. أهداني كتاب رسالة الغفران للمعري وكتب إهداء " المنتصر هو الخاسر دائماً لأنه خرج من معركة ليس له فيها نقيض يصوّبه.."  قرأته دون أن أفهم شيئاً.. استأذنته وطلبت منه رواية كانت موجودة في أعلى الكتب ، رواية لغادة السمان معنونة بـ" فسيفساء دمشقية " أعجبني العنوان ، فقدمها لي هدية.. 

لم أودعه على أمل لقائه غداً في محطة الكراجات.. فعلاً هذا ما تمَّ ، وكان اللقاء ضرورياً لي كي أسأله عن مغزى الإهداء، هكذا تظاهرت ، فأجاب:

" نخسر لأننا ندخل معارك..ونخسر أكثر لأننا نتجاوز الرغبة.. ولأننا أقوياء نكون أكثر وحشية ، وندمر كل من لا يخضع لنا.."

اعتبرت ذلك كافياً.. رغم إنني لم أفهمه جيدا ، ولم أهتم لذلك كثيرا ، أومأت له برأسي وبطرف رمشي واقعة تحت تأثير ما سيحدث لقلبي الجامد ككتلة ثلج يحوطها لهيب التوقعات .. صدفة تشابكت نظرتي مع نظرته.. فعل سماوي طاهر دفعني للنظر إلى وجهه .. وبدا لي ما وراء الوجه مشاعر كشهوة .. كتفاحة تدعوني لقطفها .. كطعم لذيذ لا تتمنين أن يزول ..  أحسست أن شيئا فرخ في داخلي .. كأن روحي تناسلت .. شعرت بدفء العالم يملأ قلبي المتوقد .. حسدت عينيه الرائعتين.. تناول حقيبته .. صعد سلم ( الباص ).. وهو يلتفت إليّ .. من وراء الزجاج لوح بيده ، أحنى رأسه وحَبَس نظراته البرية الجاذبة .. احتفلت بي تلك اللحظات الرائعة.. بعثتني من جديد .. كرمتني ..قدمت لي شيئا ليس له ثمن .. كانت ثانية واحدة ، ثانية وداع واحدة ساوت مليون ثانية.. مليون دهر.. مليون ربيعٍ..  مضى ومضيت مع مشاعري المنسكبة كرذاذ المطر فوق المروج ، أمطرني فرحا.. جنونا .. سماوات .. مضيت غير متحكمة بذاكرتي التي تمنيت أن تسجل المشاعر كي أتمكن من استعادتها كما هي في أوقات أخرى .. انتشيت دون أن يسبق لي المرور بمثل هذه الحالة السامية ، الراقية ، لحظات اخترعها الإله ليقترب الإنسان إليه بها .. كانت لحظات مثيرة..  غريبة .. جديدة .. سامية .. اكتشاف خارق..  إحساس أدفع حياتي ثمنا له من أجل أن يتكرر.. أسرعت إلى البيت ، وكأني لا أمشي .. فلا أرض تحتي ، ولا سماء فوقي .. كأنني نسمة هائمة فوق عالم موجود وغير موجود .. شيء لا يشبهه شيء في الكون إلا هو .. هو ..هو ملكوت .. توحد ..تلذذ.. سطوة ..  يفطر القلب .. لا تعريف له..

في البيت نظرت أمي في وجهي وقرأت ملامحي .. اعترفت لها بأنني ودعته.. فابتسمت وقالت:

- أرى في وجهك أكثر من ذلك !

خرجت وكأنها اكتشفت قارة بكر في ملامحي، وفهمت تماماً أنها تقول لعيني المشعتين: " أنت عاشقة.."

سألت نفسي السؤال ذاته: هل أنا فعلاً عاشقة؟ طبعاً لم أهتد إلى جواب.. راجعت تواريخ لقاءاتنا لحظة بلحظة، وفتشت فيها عن كلمات للغزل أو الحب، أو عن الذكر والأنثى والمواعيد الغرامية، عن فتاة تأخرت عن الموعد فعاتبها حبيبها،  عن ثواني الانتظار .. عن العطر الذي أضعه ويفرح قلبه ، عن تسريحة شعري .. عن الأصبغة ، والمناكير وأدوات التجميل والموضة .. بدا قاموسي أشبه بالفارغ.. أيضاً لا أستطيع القول إن لقاءاتنا كانت جافة.. وفي حقيقتها كلّها عشق.. أحسست أننا على مسافة واحدة من قضايا الحياة .. من قضيتي كابنة مميزة يجتاحها التحدي كأنني سليلة لضابط فعلا، سليلة تحدٍ بدأ يفعل بي فعله .. رجعت إلى ما قاله لي عن الأحلام والوله والفكر والرجولة والبناء.. دغدغتني كلمات قالها عن الأنثى، لم يوجهها إليَّ، لكنها بقيت في أعماقي كنفحات نبوية، أصرت سلاف على معرفتها، فقالت : ردد أقوالا كثيرة ، أذكر منها الآن .. " يعلمني الحب كيف أبحث حتى النهاية عن ذاتي في اللانهاية التي هي أنا .."

" تلك القمم الثلجية تجعلني دافئا وترفع حرارتي إلى أقصى حد لأنني أحلم بالأبيض.."

" عندما لا تحس بطعم الشيء اتركه وارحل ولا تنظر كثيرا للوراء.."

" لا تضم الأنثى إلى حزب الرغبة، لا تكن مجنونا وتافها وتفعل ذلك ، بل ضم الأنثى إلى مؤتمرات السمو والصدق ، عندئذ ستجعل منك عضوا في مملكة الإخصاب .."

قال أشياء أخرى، أشياء واقعية ، حدثني عن فتاة في قريته ماتت لأن حبيبها مات ، وأخرى سافرت وراء حبيبها العسكري إلى درعا،  سافرت إليه سرا .. التقته ، وعادت إلى الضيعة دون الاهتمام لأقوال الناس  .. لكن أكثر الأشياء التي أيقظتني وأطلقتني مع نبضي المتسارع هي قبولي فكرة التضحية والتسامح و قبول الفقر كحالة قابلة للتجاوز وليست عاراً ، وبأن الفقراء ليسوا حيوانات، كما كان يردد والدي .. أصبحت بالنسبة لي حالة  شديدة الحساسية..أقنعني إبراهيم أن الفقر ليس عيباً وإنما العيب في ألا نتخلص منه، ويمكن للفقراء تحويل حالتهم إلى طاقة دافعة بهم إلى الأمام، وهم الأكثرية في أي مجتمع.. هم القطيع الذي يتمتع بأشياء لايمكن لأي طبقة اجتماعية أخرى أن تتكبر عليها .. لهذه الطبقة نظام ناظم ومميز ..  جعلني ألغي فكرة العطف عليهم إلى الإحساس بهم واحترامهم.. رمم ما كان خربا في داخلي ، تعب كثيرا حتى تمكن من جعلي أنظر بطريقة صحيحة إلى الأرض وووجوه الناس .. كان يزيل الخراب الذي لحق بي .. وبعد كل محاولة لترميمي كنت أقترب منه أكثر ..

- هذا كل شيء عن اللقاء الأخير..؟!

فهمت سوزان السؤال كالتالي:

- هل هذا هو كل الحب في اللقاء الأخير؟

وأجابتها بناء على هذا الفهم:

- سبق وقلت لك، عندما يتفق اثنان على رفض الكراهية إذن هما متفقان على الحب.. وإذا كانا متفقين على رفض الظلم، فإذن هما على سطر واحد من العدالة.. لقد استحوذ عليَّ وأصبحت أحلم به بعدما غادر دمشق..أيقظ فيَّ أشياء أكثر من  رائعة..أحسست بها بقوة ومن الصعب التعبير عنها.. والسؤال: هل تحبني؟ هو أبغض الأسئلة لعاشقين حقيقيين.. فالعشاق لا يسألون مثل هذا السؤال، وإنما يحسونه، يستمتعون به، يأخذهم الحب إلى الذروة، إلى قمة النشوة، إلى اللارجعة في التفاني والعطاء والإخلاص وعندما يصل العاشق إلى هذا المستوى من التناغم الهرموني مع روحه.. لا يهتم بالأسئلة أو الأجوبة.. لأنه يكون في خضمها.. كمن يسأل: أهذا هو البحر؟ بينما هو في أعماقه، ثم ليس من المهم أن تعرف رأي الطرف الآخر الذي أوصلك إلى الذروة.. فمن دونه لا يمكنك الوصول.. بما أنك وصلت به ومعه.. انتشِ واجعل روحك تؤمن أنه ينتشي مثلك تماماً..

أرادت سلاف التوقف عند هذا الكلام طويلاً محاولة استبعاد  القصص الأخرى، لكنها بقيت على مسافة واحدة من المشكلة ككل،  وجعلتها حكاية الحب  تفور كواحة وسط أرض جدباء.. وتثور كمظلومة ضد الظلم ، بينما راحت سوزان تناجيها عن الروح المطمئنة والأمان والسلام البشري، وطاقة الحب الهائلة والقادرة على جعلها ترى الأشياء في جوهرها وقيمتها الحقيقية..

مضت عدة أيام أخرى بين الشرفة والبحر وقاعة المحاضرات، بقيت سلاف على حالها: الهدف أولاً وتسخير كل الطاقات من أجله. أما الروح وأشغالها، فقضية تركتها للروح فقط.. أضافت إلى هذه الهمسات قولا آخر : نيالها، تفهم بالعشق جيداً..

شعرت بيقظة روحية لم تجد لها تفسيراً، و جعلتها تتوسع في الانتماء إلى  الحواري المجاورة للمدينة الجامعية ، ثم إلى مسافة أبعد .. حملت خيالها شحنات إضافية عن واقع بدأ يمشي أمامها، تتحكم به بالرمونت كانترول .. تضغط على أزرار مختلفة ، ومع كل ضغطة زر تظهر ملامح جديدة كانت قريبة منها ولم ترها .. أحيانا يتعطل جهازها فتصاب بكآبة  تستمر حتى تنام .. وتترك للنوم وحده حرية شطب أطراف القلق وزوائده من حياتها .. استيقظت لتجد سوزان بالقرب منها جالسة وهي تنظر إليها .. أمسكتها من يدها لفترة دون كلام .. أبهرها وجودها .. وقبل أن تنطق بكلمة ، قالت سوزان :

- هه.. أنا هنا ..

وضعت سلاف يدها على فمها ، واستطردت :

- أنت هنا لتكملي حكايتك ..

- لا..لا..!

- نعم ..نعم !

أجابت سلاف بإصرار .. واستجابة لرغبتها .. وافقت سوزان .. ظلتا مجاورتين للصمت بعض الوقت .. جهزت سلاف إبريق بابونج مع الزوفا .. جلستا على الشرفة .. استمعتا معا إلى هدير قادم من بعيد.. تكلمت سلاف من وحي اللحظة :

- أي مكان أجيئه وأجد فيه ما ينتظرني، فهو لي، والذي ينتظرني قد يكون إنساناً، أو عصفوراً، أو حمامة، أو وردة، أو جرة ماء، أو أفقاً يخبئ لي فتاة مثلك ..

سألتها سوزان:

- أتقصدين اللاذقية؟

- لي فيها ندى ، أنت، الشرفة، الجامعة ، البحر ، التجربة ،  الأسرار ..

- والدراسة؟

- هي العمود الفقري في حياتي.

تفهمت سوزان وجهة نظرها حول فكرة الأسرار التي يجب أن تدفن في مهب الاعتراف .. تموت ..تبتلعها ساحرة .. المهم ألا تبقى .. اعتصرها وجع .. وأصيبت باحتقان داخلي عرفت جيدا أن سببه الهموم التي تلاحقها والمصابة بآفة المستحيل الذي لا يسمح بعلاجها كنزوة زهرة صبار تنتظر ذبولها .. مشاكل أربع تجتمع في زاوية واحدة من عقلها ووقت فراغها ، ووراء جدار شفاف من حكاية سوزان الطاغية التي تفعل فعل الانقلابيين الشجعان في لحظات حاسمة من الركود .. تطل عليها كلما هدأ لها بال .. فتسرع إليها لحل معضلة عبر إخماد نار البحث عن الخلاص .. الخلاص الذي تنتظره على إيقاع الحكاية المتصاعد لزميلتها صاحبة التجربة الأقدم والأقوى والأفصح .. شعرت بتنامي إحساس عائلي بينهما ، اعترفت بذلك .. وبعد وقفة كانت كاستراحة لقول أمور جانبية لكنها هامة .. استمرت سوزان بالكلام من حيث توقفت.. وفي كل مرة تطلب منها سلاف إشعال الدفء في كلماتها المتاخمة للربيع، فتابعت :

- أمضيت أياماً جميلة مع أمي، وكأنني في حفلات سهر غجرية،  أختلس النظر إليها من وراء خيامهم كأنني في حلم أتمسك به وأجعله عاصمة لأيامي.. اتصلت مع إبراهيم إلى اللاذقية عدة مرات.. حدثته عن غجرية عاشقة ذهب حبيبها لإحضار المهر لها، فسأل:

- وما مهرها؟

- جرة ماء من البحر بشرط أن يجلبها ماشياً على الأقدام.

- إنه مهر رخيص.. والمسافة بين دمشق والبحر قصيرة.. أو لا توجد مسافة.

- ماذا تقول؟

- العشاق  يلغون المسافات.

- أنت على حق.

قلتها له وأقفلت السماعة.. ليأتي نسيم أرق من الهمس، ويبشرني:

- مهرك المخفف صدف البحر والحكمة.. لا تغالي، فأنت فاتنة ومفتونة ولا تخدعي نفسك، فأنت عاشقة ومعشوقة.. ولا تشكي بقلبك وإن شئت، فاسألي روحك ولديها الجواب..

أجبت النسيم: "  ولِمَ أسأل ؟.. فليس للنسيم ما يخفيه  كي أسترق الكلام، أو ألف وأدور وأردد وأقول.. يا مَنْ على خدي أقمت وفي صدري استوطنت.. جئتني عن طيب خاطر وأوصلتني بالحب الهادر والموسم الماطر.. "

انتابني شعور أنني عطر وحب وزهر.. وأدركت أن العشق هكذا يتفتح دون مواعيد أو خطط مسبقة ودون مقدمات، أو نهايات.. أفرحتني الخبرية وآمنت  أنها تنتشر في كل أصقاع كياني ، ويصلي من أجل حبي كل العشاق ..

دخلت والدتي ومعها فنجانا قهوة،  رأتني على هذه الحالة من الغبطة التي تنساب منها نشوة واضحة.. تركتني وخرجت، لاحظت أنها ابتسمت وهي ابتسامة دفعتها ثمناً للحظات حلوة تعيشها ابنتها.. تركت جدائلي  بين أصابعي وأنا أحلق في فضاء مختلف وأتصرف كأنثى اقتصرت على جاذبيتها للمشاعر الدافئة .. أحسست أنني أزرار ورد تتفتح.. تمسكت بما أنا عليه ورجوت الله والمحبين أن تبقى براعمي إلى الأبد تتفتح كالحلم الجميل .. الحلم القريب الذي أركض وراءه ويهرب مني على مسافة إصبع.. مسافة الأمل.. وهكذا أركض وأنا واقفة ..

أمضيت شهرين دون التدخل بشؤون والدي.. وأعيش مع جامعتي وأمي كصديقتين حميمتين.. كما تعطيني الجامعة العلوم والمعرفة تعطيني أمي الأخبار السعيدة.. بعد شهرين ونصف، وعلى التوالي تزف لي الأخبار ونشيّد الأعياد.. طُلب مني السفر إلى قبرص في رحلة سياحية رفضت بإصرار وقلت في نفسي كجندية في مخيم فلسطيني ، من الأفضل أن يستفيد يتيم أو ابن شهيد من نفقات الرحلة .. تغيرت وأصبحت هائمة على روحي.. لا يعنيني في هذه الحياة أكثر من أحاسيسي .. قرأت روايات وكتبا عن الفضيلة والحب .. استمعت بأوقاتي ..  

جاء وقت و أزاح والدي المفرزة عن الباب.. و سلم سياراته، وأصبح يقود سيارته الوحيدة بنفسه، توقف عن إحضار الأطعمة إلى المنزل.. وصرفت أمي الجنود الخدم من البيت وأصبحنا نتسوق باعتزاز.. ورحت أستخدم السرفيس في تنقلاتي ، وأمشي في الطرق العامة وأتجول في الحواري والأزقة .. ذات مرة جئت إلى الحارة التي سكن فيها  الدكتور كي أشم رائحته على الحيطان .. أتلمس حضوره كأنه لم يغب .. أستشعر طيفه الوهاج  .. تأملت الزقاق الضيق ، وارتسمت أمامي خطواته .. صورته.. وضعت قدمي في منتصف الزقاق ، وقلت " هنا كان يضع قدميه ، ومن هنا كان يمر .." .. تصرفت كمجنونة وعاقلة وشقية وعبقرية .. شممت رائحة أزقة حارته كعطر توغل في حاسة وعي الباطن ، وأنا راجعة نطحت عمود كهرباء فجّ طرف جبهتي ، نزفت ووضع بائع دكان قريب عصابة على الجرح ونسيت الأمر لكنه لم ينسني وترك ندبة ، أسميتها ندبة الحب .. ها هي ( أشارت إليها برأس سبابتها ) .. ليلتها حلمت حلما طويلا .. حلما من نوع لا يزول حتى بعد المنام .. حكيته لنفسي مرات ومرات ، وقادرة على استعادته متى شئت .. لم تكن تلك رياح العشق العابرة ، وإنما نبع دائم للحب يستوطن كياني ..

مساء ذهبت إلى قمة قاسيون ونظرت إلى دمشق التي تكومت عند هيامي كقصيدة لنزار قباني .. قصيدة مفعمة بالصدق .. تفتحت براعم ورد وضوء .. نظرت إليها وقلت :" كيف احتملت وجود عاشقين كل ذلك الزمن دون الاعتراف بصوت عالٍ "  عاتبتها طويلا  وعندما رجعت إليها كانت دافئة كحضن أمي .. كحضن نظراته ..  وعرفتها بكلمة واحدة " عاصمة التسامح "

أصبحت أقوى وأشجع ..ما أقوله لزملائي يتقبلونه برحابة .. أدعوهم للمقهى ، وللمقصف الجامعي وللمشاوير في أحياء دمشق القديمة .. كأن كل شيء ولد من جديد ..  أتكلم عن دمشق التاريخ وحاضرة الحب والعشاق ، دمشق المولودة من رحم السماء .. ونجمتها على الأرض ..

أجبت عن أسئلة زملائي بوضوح عندما سألوني عن سيارتي ، وعن سبب تغيري ، فقلت:

- السيارة لكم ، للناس .. وليست لي ، طلبت من والدي تسليمها للوحدة، ففعل .. الآن سيارتي هي قدماي ..

ردَّ أحدهم متهكماً:

- الضباط لا يسلمون سياراتهم أبداً.. إنما تسحب منهم لأسباب مختلفة.

تجنبت الدخول في جدل جانبي معهم وشعروا بتواضعي واقترابي منهم ، نزلت روحي وكياني من أعماقه إلى الأرصفة..  والدكانين والكولبات ، ووجوه باعة العربات الجوالة ، وباعة العلكة وبطاريات وكساتك ساعات اليد وأوراق اليانصيب ، وبسطات الكتب بجانب الجامعة .. ذلك العالم الذي كان غائبا عني .. وكل أؤلئك الذين لم أكن أراهم من قبل ..

تحسنت دراستي أكثر فأكثر.. تحولت إلى طالبة جامعية حقيقية.. طالبة تتعاشر مع الكتب والدفاتر والناس .. انغمست في كل ما يقع عليه بصري كأنني جزء منه ..

وأصبحت أمي كملاك تصلي ، وتهتم بنا وبالضيوف ، غيرت من سلوكها ..  اعترفت بسعادتها الغامرة لأنها فازت على خطيئة أبي.. اندفعت نحوه بكل مالديها من إيمان وعاطفة .. تضاعفت سعادتي لأنني أشترك مع أسرة متميزة ومع شخص لم يقدم لي، أو أقدم له أي اعتراف بالحب وأشترك معه في مفاهيم عن الجمال والنجاح وكان ذلك كافياً ليهزني، دوخت أحاسيسي،  غطستُ فيها حتى القاع .. حاولت استكشاف الممنوع والمسموح..  وطلّت عليّ شرفة الحب من بعيد .. ودعتني لأكون لا أسيرة رجولته ووسامته فحسب بل أسيرة آرائه..   وانتقلت من مرحلة الإحساس بالدفء إلى صبية حارة.. حارة كقنديل يتوهج.. عذوبة وتألق ، نضارة وحلاوة ، صحو وبقاء.. راح الحب يجرب ذاته فيَّ ،  تفتح في أعماقي زهراً إنسانياً.. فجرني كشعاع ضوء قادم من نجم بعيد .. في لحظة من الكبرياء.. سألت: أحبه أم لا أحبه.. يحبني أم لا يحبني؟ كررت السؤال بعدد أزهار الأرض وعدد أنفاسي ، وكدت أشك، قررت الذهاب إليه، فرفض وعندما رفض  كدت أجن ليفاجئني جوابه:

- يا عزيزتي! أنا قادم إليك..

كان يوم جمعة.. مآذن دمشق قد أرسلت رسالتها الأرضية إلى السماء والمدينة في خشوعها.. استقبلته في محطة الركاب.. أطلَّ كشهاب وبقي مزروعاً في الفضاء الممتد بين عيني وآخر نقطة في الأفق : ابتسامة عاجية، شعر  خرّوبي ، قامة طويلة، وجه متناسق، منكبان بطول ذراعي..

 التقينا على رصيف الكراج، وبقينا على الرصيف الحر لدمشق..  الرصيف الشهي واللذيذ .. رصيف يتوسع تحت خطواتنا ويمتد كأنه بساط ريح.. نتمشى من حيّ إلى حيّ : باب توما، القصاع ، باب شرقي، الحميدية، ساحة المرجة، الصالحية، شارع الحمرا ، حديقة تشرين..

وقت نجيء إليه و لايروح عنا ، أمكنة دون أسماء ، تحايل على المشاعر كي لا تتفجر أكثر من المسموح به ، سوالف وأماني .. حدثتنا دمشق عن نفسها .. رافقتنا خطوة خطوة .. كانت تتنقل أمامنا كحمامة.. رشيقة ، وديعة ، تبيعنا دلالها مقابل كلمة حلوة يقولها لي ، ومقابل اعتراف أقوله له .. جلسنا على المقاعد العتيقة وعلى العشب الأخضر في الحدائق .. واستمتعنا بكل ما هو واقف من أخشابها ورائحة ترابها وأسوارها وذاكرتها وبردى ومخلفات الباعة والناس والتسالي .. حدثته عن الكلية والكلابات والتوربين وشقاوة الطلاب والتسوس والقلع واللثة والأملغم والكمبوزيت والتقويم ، وحدثني عن التدريس ومقام الأستاذ والحلم وسؤال الطالب وجواب المدرس الذي يحسب نفسه طالباً وإلى الأبد.. مشينا ومشينا وبعد كل حديث يأتي آخر بنكهة المدينة وبطعم الريق الحلو .. وخطواتنا تتمهّل النهار الذي افترش لنا يوماً للذاكرة الخالدة.. صعب عليَّ التمييز في حضن من أنا.. حضن الحلم، أم الرجل، أم الضوء..؟

تعففت عن السؤال المباشر الذي قد يكون قاسياً.. في حديقة تشرين صمتنا.. وتكلمتْ.. ذكرتنا بالأمس القريب.. بلقاء كان من المفروض أن يكون عابراً..

قلت بوضوح :

- لا داعي لملفات من الذاكرة..

- ولا داعي للانحناء أمام الكسل.

أصبحت أفهم إيماءاته وصمته.. وحتى حركة شفتيه قبل أن تنطق .. كدت أدخل في عينيه العسليتين وأنصب فيهما خيمة وأسكن فيهما إلى الأبد.. استبعدت الفكرة وقلت: الاستقرار في القلب أجمل.. فالعيون تنام أما القلوب، فلا تشتهي النوم خاصة العاشقة منها.. حدثته عن بطلة رواية غادة السمان زين..  وعلاقتها بدمشق .. استمع إليّ حتى النهاية .. وقال " دمشق كلها فسيفساء " توقعت أنه يوجه لي هذا التبجيل .. كلما نظر إلى وردة حسبت أنه ينظر إليّ ، وكلما قال كلمة جميلة ، امتلكتها .. أقفز أمامه كهرة .. أعبر عن شكري لله وعندما يسألني لماذا أصمت فيضحك .. ويضحك فأصمت ..

قال عن دمشق " ولدت من بردى ، وابتاعها التاريخ لرجل الأعمال الغني أبدا - قاسيون "  وعن اللاذقية بأنها  ولدت من بطن سمكة جميلة وسلمتها للبر باسم البحر.. وهي لا تزال تكبر وترتدي ثوب موجة خرجت انفصلت عن  الماء  وتتنفس من رئتي زمانه .. تكلم عن أهله، وقال : << إنهم فقراء وأصبحوا أغنياء بي على الأقل من الناحية المعنوية .. إنني حديثهم وفرحهم والبنك المحلي الذي يدعمهم.. فإنهم كمثل أهالي الريف السوري، الذين لا يفكرون كثيراً بالمال، بل بالعفة والعفة هي ثروتهم، لقد سمع هذا الكلام من ريفي " لن نكون أغنياء يوماً لأننا لا نريد الموت، ولا تجتمع العفة والفلوس في قرية واحدة، نحن نتسابق في امتلاك ناصية التميز المحلي والاستمرار لا الفناء" .. >>

سألت سلاف بحماس:

- كأنه يتحدث عن ضيعتنا؟

- أنا أجهل الريف ويقولون إنه أنقى من المدينة.

- لكن الفقر مشكلة.

- هذا إذا قبلنا بالفقر.

- آه.. العفة.. العفة.. إنها سر القرى.

- أعرف أنك تقدسين الضيعة.. ألم تعجبك قصة ميلاد اللاذقية؟

قال شيخ عن ضيعتنا :

- إنها ولدت من النبع الواقع غرب الضيعة.. المياه هي التي أنجبت القرى والبحر هو الذي أنجب المدن، ولأن الصحراء فاقدة للمياه أنجبت فقط الخيام المتنقلة.

اتفقتا حول الجمال الساحر لهذا الكون بكل أبعاده،  سألت سلاف وكلها رغبة في معرفة المزيد :

 - وماذا بعد حديقة تشرين؟

- نعم.. نعم، ماذا بعد الحديقة.. غرَّبت الشمس وأحسسنا بخذلان ما.. تناولنا طعاماً بسيطاً وأطلقت دمشق شموسها الأرضية، مررنا بجانب كليتي وكليته على استراد المزة ..  استمتعنا بظلالها.. بعدها حملنا سرفيس إلى كراج الانطلاق.. همس في أذني وداعاً ما غير مقصود.. تذكرت أنه عائد إلى اللاذقية.. وفكرت ماذا أهديه، أو ماذا سيهديني.. لم يحمل لي وردا، ولم أحمل له بطاقة ذكرى.. همست : " لا هكذا يلتقي العشاق.."  خفت.. ارتعبت.. حتى اللحظة لا يدي بيده ولا كتفي يلمس كتفه.. صَمَتَ وكأنه يتكلم.. نظرت في النافذة المتمردة على الوقت وهي تهشم خطواتنا أو اللحظات الأخيرة من بقايا يومنا كطاحونة.. قلت إنها تكذب، فقلبه هو وردتي وقلبي هو وردته.. لقد أثبتنا لدمشق أن ما بيننا أكثر من مشترك.. نظرت في عينيه وجدت فيهما طائراً أسطوريا يحمل الخلود والمسرة..

وقفت أمامهما كالفارسة المنتصرة.. جالت فكرة كبيرة في خاطري.. فكرة بمقدار الحب وكدت أنطقها.. كنا واقفين أمام باب الباص.. خارت قوتي.. اشتعلت في صميمي لوعة ، اقترفت ذنب النظر إلى قامته ، أعارني التفاتة مكسورة الجناحين ، أنجزت مهمة تماسكي .. خسارة وخاسرة الوقت الذي سيأتي ..  ثوان ويرحل، وعليه أن يقولها.. أن يسمعني إياها، ياله من عنيد.. هل يستكثر علي كلمة: أحبك..؟  مهما كانت الأنثى قوية وعاشقة وعنيدة، فهي بحاجة إلى شفتين تنطق كلمة اعتراف : أحبك.

قبل صعوده.. جسده المغناطيسي جذبني إليه ، كدت أقع على صدره ، تجاسرت وأنا أقترب من جواه ، وهمست كلمات ليس لها معنى محدد .. لم يسمعني .. فجأة لمس إبهامي لمسة طارئة، ثم أمسك سبابتي وضغط عليهما بقوة دون أن ينظر في وجهي وخطف مني أفكاري.. أخذني إلى داخله ، ثم قفز إلى باص      ( الهوب هوب ) .. لوحت له بيدي اليسرى.. اليد التي ضغط عليها كأنه قال لي كل ما أردت سماعه.. لوح لي بيده من وراء نظرات تغمرها القداسة ، مضى وأمضيت ليلة كاملة أتحسسه.. بدت كل الأشياء المحيطة بي عالية الحساسية..  ألبستها مشاعري ونقلت بعض أزرار الورد التي لم تتفتح بعد إليها.. استقبلتني أعراس الفجر كطيف.. مضت ليلة من الليالي العارمة الفرح في حياتي.. جاء اليوم التالي.. اتصل بي وبادر قائلاً:

- أنت مليون وردة وأغنية وتنهيدة .

- أريد أكثر.

- وأوراق رسائل يخط عليها العاشق جام حبه.

- أريد أكثر.

- وبذور القمح وبصل النرجس، وزهر الجوري ..   

- لماذا؟

- لأنك.. لأنك..

- لأنني من نسل حواء.

- لا.. لا.. لأنني أحبكِ.

أقفل الهاتف وجعلني أبدأ من جديد.. أوصلني إلى ذروة الفرح.. اعترف بذنبه.. ذنب الحب ، ضمير الروح الذي ليس له محلُّ من الإعراب سوى سريان نار في الشرايين  ، جعلني سعيدة.. اعترف بخطيئة الحب وسرق جمودي ، وخفقان قلبي الروتيني،  ولوني الشاحب ، وشكوكي ..  لص من طراز العشاق الذين يسرقون وجعا ويعطون فرحا ، يسرقون حبة تراب ويضعون مكانها ماسة .. وفي الوقت نفسه اعترف والدي بذنبه.. ذنب السرقة.. استحلت شرنقة جائعة للتحول ،  جعلني سعيدة ومذنبة، وفي كلتا الحالتين تحررت من الحياة المستباحة للانتظار..للألغاز المخيفة .. للعار الذي ينتظر خلف الباب ويفاجئنا بكارثة.. تفهمت معنى القلق ، وأن  الحياة العادية دون حب تشبه دمامل الأضراس والقيح الذي نكره التعامل معه كأطباء أسنان.. شعرت باكتمال حلقة النجاح : دراسة ، حب ، وأب تائب .. يا له من عرس..!

تشاطرت أمام والدتي المطمئنة والتي راحت تعد العدة لجعل والدي يقدم بعض أملاكه كإعلان حسن سلوك ونية طاهرة..هي وأنا  مؤمنتان بسهولة مهمتنا.. أما دلعي أو ما قصدته من الغنج، فهو محاولة إخفاء تفاصيل عشقي عن أمي.

ردت على محاولتي هذه بجواب صريح وواضح:

- أنت عاشقة حتى النخاع.. ومبروك لك عشقك.

شدّت على يدي.. شجعتني، وقالت:

"  القلب لا ينبض بالحب إلا في الوقت المناسب، ولا يوجد حب حقيقي دون ظروف حقيقية.. قد لا نعرف كل الحقيقة بشأن علاقة الرجال بالنساء ، لكن نعرف معنى الحب، وكيف يمكن أن نعيشه ونضحي من أجله.."

قمت لاحقاً بزيارته إلى اللاذقية.. أيضاً كان يوم جمعة.. وصلت باكراً.. جعل المدينة تتكلم.. أنطق حجارتها وترابها وكل شيء.. تمنى لو رفع لي راية بيضاء مكتوب عليها ما أريد أن أراه وأستمتع به ، وأن يحقق لي كل ما أتمناه دفعة واحدة .. يوم مجنون في حياتي.. لم أفكر مطلقاً إلا بما نحن عليه من سعادة غامرة.. أراد أخذي لزيارة صديق نحات مشهور ومشاهدة معرضه، فرفضت بقوة وقلت له:

- لا أريد لشخص آخر أن يشاركنا هذا اللقاء ، أو يبعدني عنك ولو للحظة.. حتى ولو كانت منحوتاته أجمل ما في الكون..

اقتنع بالجواب.. وآمنت بأن الصفاء الرائع قد هيأته السماء لنا ولا أبادله بكنوز الأرض كلها..

استقبلني البحر كابنة مدللة .. همس في أذني كلاما ساحرا .. غامضا .. حكاية طويلة .. وألغازا .. ركع قلبي له راضيا..

أخذني إلى مطعم للأسماك .. عاندته ، وقلت :" كما أكلنا في دمشق الفلافل .. لن آكل هنا غيرها .."

بدا اليوم كصفحة خالدة في حياتي .. طفلة بريئة وحقيقية .. طفلة تعي ما تفعل .. غردنا كعصفورين هو على قمة شجرة ، وأنا على قمة مقابلة .. اختصرنا النهار لنكون لحظة واحدة من لحظاته التي تبقى تنتظر إلى الأبد لقاء مثل هذا اللقاء .. 

مع الغروب عدت إلى دمشق دون أن يسمعني كلمة غزل واحدة.. ودعني.. ضغط على إبهامي الأيسر وضغطت على إبهامه الأيسر.. كان ذلك كافياً لجعل العالم بأسره يتركز عند رأسي إبهامينا.. يسري في روحي ، توقف الكلام وبلغت الأحاسيس ذروتها.. وأنا في طريق العودة رافقتني نشوة أشبه بالخدر الناعم ، وأصبحت الطريق البعيدة كرفة هدب اختصرتها حركة لا إرادية مني ، وحكاية الانتظار قصة في غاية الإثارة.. لم أكن وحيدة، رافقني لحظة بلحظة.. سمعته يهمس لي كلاما وكأنه أراد قوله لي ، أو قولته إياه ، لا أدري .. ربما قلته أنا له،   أو قاله لـ.. : << كيفما ابتعدت، فأنا بالقرب منك.. أيتها الملاك التقيتك دون أجنحة ودون ميعاد حيث تكونين يكون قلبي.. يا حلوتي كل ما يشبهك أشبه بجدلي مع هذه الحياة، فالسحر المصاغ من روحك الطاهرة علمني كيف أسمو وأنتظر وأعلو حتى أبلغ الحب وأنضج كغيمة أصيبت بشهوة الهطول فوق البراري العطشى… >>

وسط هذا الزحام من الصور المتلاحقة وصلت إلى قفلة كادت تخرجها عن مسارها وتصطدم بحواجز تنتهي بها في غرفة عناية مشددة للحزن ..

وضعت سلاف منديلا من إشفاق على حديثها الذي تحول عكس المنتظر ، والمجلل بزفرات موحشة ..

نأت بها عن هذه الانتحابات غير المتوقعة .. وانبرت تُسوي هذه الحالة المستجدة لصديقتها ومأخوذة من أعماقها إلى حال الصديقة التي بدأ يطفر وجهها بغشاوة ملعونة.. وبدأت تسيركلماتها على جرح الصور ونزيفها ، تماسكت وقالت برباطة جأش :

- وصلت البيت لأجده باروداً وناراً، وعند أول خطوة ضربني والدي بقوة وأوقعني.. رعفت كثيرا .. ونزفت من كتفي وساقي.. كان دمي يسيل إلى جانب حبي لإبراهيم ، وأردد في نفسي : " الحب يستأهل مثل هذه الدماء.. " .. فعلا كنت سعيدة .. ولم يهمني أي شيء في الدنيا سوى مشاعري .. حزنت من أجل أبي .. تألمت عليه .. وكل ضربة ضربني إياها جعلتني أقوى .. لم أحس بشيء سوى أنه يضرب نفسه .. ينتقم من ذاته..

استوقفتها سلاف عند هذا الحد من التحول الدرامي غير المتوقع، وأمامها تلوح صورة البيت الذي تحطمه عوامل الزمن وتراكم النحس والرجس .. 

الجملة الوحيدة التي ظلت تلاحق سلاف طيلة ليل ونهار ( هل الحب قادر على حسم الخلاف ؟ )..

 

* * *

 

عصرية اليوم التالي ، كانت سوزان مهيأة تماما لمتابعة الحديث الطالع من حياض تجربتها ، ومن دنان رغبتها  وكأنها تسدعي نهاية كهنوتية للهطول من نسيج دعوات خالصة ، نهاية تشكلت من غيمة ضميرها ، وحان موسم هطولها فوق مرج  فتاة أخرى .. فتاة تنتظر أن ترتوي بمطر من سماء صديقة تناظرها الهم والغم والتجربة ..

تابعت بعد أن سردت الموقف المشحون في البيت الذي تلا ضربها ..

 وقفت أمي في وجهه ، وصرخت ناحبة :

- أتضربها؟ أنا من أرسلها..هي صبية واعية ونحن مَنْ هذبناها وعلمناها.. إن كانت سيئة فنحن سيئون..

- لا أسمح لها بالخروج إلى مدينة أخرى.

- لم تكن حضرتك هنا، منذ أربعة أيام وأنت في مشروع تدريبي كما قلت ومنقطع عن العالم.. لا نستطيع الاتصال بك ولم تتصل بنا.. والآن تقول العكس كنت في نزهة.. ما هذا التناقض؟

- أنا حر.. حر.. حر.

- ونحن أحرار.

- والأسرة.. أخلاق الأسرة.. رب الأسرة؟

- نحترم ونقدر كل ما ذكرت.. ثم المسيء.. مسيء سواء أكان في بيته، أو في الجامعة، أو أي مكان آخر من العالم.. ولا فرق أن تكون في اللاذقية أو دمشق حتى تخل بالآداب العامة أو بتربيتنا لها.. امنحها الثقة و أطلقها حيثما تشاء..

تركنا والدي وخرج.. فهمت أمي جيداً.. هي متأكدة مني وأنا متأكدة من نفسي وزيارتي لإبراهيم هي قمة العفة.. وعندما منحتني أمي ثقتها فلا يمكن أن أخون تلك الثقة..

مضت عدة أيام واعتبرت المشكلة عرضية.. اعتقدت أن والدي سيعتذر لي.. لكنه تجاهلني وتجاهلته لعدة أيام أخرى.. تدخلت والدتي وفهمت أنه غير معترض على زيارتي للاذقية،  وإنما على إبراهيم الشخص القذر، الكذاب، الحرامي، الدنيء.. نعته بأسوأ الصفات وبطريقة مشينة.. وتلك الشتائم دفعت أمي للدفاع عنه :

- اعتقدت أنك ستعلن اعتذارك منه وتتوب، فهو لا يستحق إلا كل خير، ومن الواضح أنه شريف ونبيل ومصدر اعتزازنا، وهذا أقل ما تفعله أمام شخص اعترفت بنفسك أنك آذيته وألحقت الضرر به.

عندئذٍ جن جنونه وقال:

- لواء.. لواء قائد فرقة عسكرية يعتذر من جندي ساقط ومنحط وأقل من خنزير..

- لكنه أستاذ جامعي.. حتى ولو كان جندياً، فما المانع أن تعتذر منه وتريح روحك من عبء أخطائه.. الإنسان يدفع مالاً وأحياناً يموت في سبيل تطهير روحه من آثامها.. وأنت لا تطهرها حتى بالكلمة.. لا أدري عن أي وطن تدافعون؟

- لست بحاجة لمثاليتك.. أنا أعاني بما فيه الكفاية و أتعذب.. أتمزق .. ألا تحسين بي؟

- أنا فخورة بك.

- ستكونين فخورة بي إذا بعت أملاكي وقدمتها للفقراء؟

- أملاكك ليست لك، فهي سرقة و..

- أنت مجنونة وسخيفة.

- لا تخاطبني بهذه اللهجة.

- إذا كنتِ تعتقدين أنني ألغيت المفرزة والخدم والسيارات بإرادتي تكونين مخطئة.. ما حدث هو قرار من وزارة الدفاع بسحب السيارات من الضباط وإلغاء المفارز الخدمية و الأمنية.. فأنا لن أتوب والدولة التي تريدين إعادة ما سرقته منها .. هي متورطة في جعلنا كفاراً ومذنبين.. أما التوبة، فأبعد عن روحي إلى السماء..

أغمي على الوالدة ونقلت إلى المشفى.. أقامت في العناية المشددة لحين تحسنها.. عشت مأساة حقيقية وكدت أصاب بمرض الفصام .. حتى أخي عصام الذي هو أكثر من أخ و صديق تعاون وتفهم ما تمر به الأسرة..عاش فترة توتر شديدة،  رغم تحضيره لمشروع التخرج..أما أخي الثاني، فنجحنا بإبقائه بعيداً عن المشاكل بسبب ظروفه الدراسية الخاصة.. اتصلت مع إبراهيم حينما غادرت والدتي المشفى، لم أخبره معتبرة ذلك أمراً شخصياً.. لكنه أحس بتغيير في نبرة صوتي.. حافظت على توازني وضبطت كلامي، ودعته على أمل اللقاء.. تجنبت التحرش بوالدي لفترة طويلة.. أنهيت الامتحان بتفوق وجاءت عطلة الصيف.. ساء وضع والدتي ووجدت نفسها أمام سور منيع شديد التماسك لا يمكنها النفاذ من خلاله إلى والدي الذي بدت عليه علامات الاضطراب والقلق وحشر نفسه في عزلة قاسية..

حاولنا التماسك تجاه ردات فعل الوالد الصبيانية.. يخرج للسهر ولا يعود إلا متأخراً وأحياناً يعود مخموراً.. يشتم ويتفوه بكلمات غريبة على مسامعنا.. راح يعذب أمي أكثر، ويتعذب وكأننا خسرنا كل شيء :العائلة والرتبة والمال والثروة الكبيرة.. أقنعت الماما بتركه وشأنه وهو يتحمل وحده ما اقترفت يداه من معاصٍ، ولأنها تحبه كثيراً وتجد قوة كافية لديها لتحريره، فأقسمت ألا تتوقف.. قلت لها: " فليكن الله بعونك.. "

وأقسمتُ على البقاء إلى جانبها.. بعد فترة فاجأتني بقرار جريء تهدف إلى تخليصه من آثامه  عن طريق تقديمه للقضاء وتخليصه من الأموال المسروقة بشرط ألا يوضع في السجن.. وصارحته أمي بذلك، فضربها ضرباً مبرحاً، كانت على وشك ترك البيت ، لكنه هو من غادر ، و اعتكف في وحدته العسكرية وأقام هناك باستمرار..

استشارت أمي قاضياً في المحكمة العسكرية وهو صديق للعائلة.. شرحت له هدفها، وإلى ما ترمي إليه بالتفصيل، فقال: " إن القضاء يتعامل بالأدلة والشهود والإثباتات والدخول إليه لا كالخروج منه.. خاصة وأن الوالد يتمتع بنفوذ هائل في البلد،لا يمكن تجاوز رتبته ولا في أي مؤسسة من مؤسسات الدولة.. " بمعنى أنه فوق القانون وستكون المحاولة مجرد ورطة فاشلة وفضيحة لا معنى لها.. هذا إذا لم تحبس هي بتهمة دعوى غير صحيحة .. أفهمنا جيداً احتكار السلطة للجيش.. فهمت أمي ما كنا نجهله..  وأن ما عشناه  يوما من رخاء ووفرة هو نتيجة أكيدة لتجاوز القانون والقوة التي اكتسبها أبي من صفته كضابط.. القوة التي سلبها من الناس ، وجعل المجتمع عبدا له ، وأخذ حقوقهم بالكامل تحت مسميات مختلفة ، أخطرها قانون الطوارئ الذي وضع الشعب برمته في سجن كبير .. معتقل جماعي من الدرجة الحاقدة  .. كان القاضي صريحا لدرجة أنه كشف لأمي كثيرا من الأسرار المذهلة عن حال القضاء والمؤسسة العسكرية التي تسيطر على كل شيء ..

أصبنا بالرعب جراء مثل ذلك الحوارالبغيض معه ، وتصورنا الوضع الذي نحن عليه ، ومن بعده  فهمنا لماذا يستسلم الناس البسطاء للظلم، ولماذا وصلوا إلى ذلك الحد من الاستسلام .. لقد بدأنا نشاركهم الشعور نفسه، وعرفنا معنى القوة الشريرة في كبح العدالة وقيم التسامح.. بدت لنا الحياة مستحيلة ، وعانت أمي من كآبة قاسية .. وقالت لي " حتى الكلام عن بيع بعض الممتلكات أصبح في مهب الريح.. "

عاد بعد فترة إلى البيت كضيف ثقيل وبادرنا الكلام عن الأفكار القديمة الطائشة وبأن نكف عنها وإلى الأبد ، وأنه سيتحمل ذنوب المذنبين في الأرض إلى يوم الدين ،لا يهمه أن يتعذب الناس أو لا يتعذبون.. كل ما يهمه إشباع رغباته اللامحدودة.. سمعته وهو يردد:

- أما بخصوص القزم إبراهيم، سأقتله وسأبعث مَنْ يخلصني منه.. لقد حدد نهايته بيده.

صرخت أمي بوجهه:

- تسرق وتكذب وتظلم، أما أن تقتل، فهذا مالا أسمح به أبداً.. اقتلني أولاً وبعدها اقتل. والله.. والله لا أثق بإنسان يمكن أن ينطق بكلمة قتل ولا حتى بدعوة.. أية دعوة فيها مجرد فكرة للقتل.. أيعقل أيها الضابط الكبير ما تقوله..؟

- سأقتله.. سأقتله..

- لن أسمح لك.. اقتلني أولا، ثم اذهب واقتله.

أربكني كلامه وأحسست أنني أمام وحش كاسر لا إنسان.. وحش يريد قتل الحب الذي ترعرع في قلبي.. انتفضت أمي ، وقالت:

- أنت لا تمارس الكراهية، فحسب.. بل  تتجاوز الكبائر والفواحش.. أنت أستاذ كبير في مدرسة الحقد والفساد والجريمة..

واجه تلك التهم بشراسة أكبر.. تمترس وراء أفكاره، وحوّل البيت إلى جحيم.. إلى وكر للضباع المفترسة ..

عبرت أمي صراحة عن الفاجعة التي لحقت بكرامتها وإيمانها، وقالت له:

- أنا لا أملك أية ثروة ولا حتى ليرة واحدة من أموالك.. كل ما أردت أن أجنيه هو أولادي وحبي لك ولربي لا أكثر ولا أقل.. بقي لي أولادي وإيماني، وإذا شئت أن تطردني من هذا البيت، فأنا مستعدة لتركه والرحيل إلى بيت أهلي مع أولادي، أو لوحدي..

تأزم الأمر إلى حد الطلاق وعلمت أن الأزمة ستقتل أمي الحساسة والمتعلقة بنا أيما تعلّق.. فطلبت منها الصمود ومداراته إلى أقصى حد، وهو وحده يتحمل وزر أعماله. أما أن ندمر الأسرة، فذلك حرام.. اتصلت بإبراهيم وأخبرته... عندئذٍ قال:

 إذا كان لدى المرء هدف ما، فحسب تصوري هناك درجات لتحقيقه ، وهي:

أ- التضحية بالروح.

ب- التضحية بالمال.

ج- التضحية بالصبر.

د- التضحية بالإيمان والدعاء.

ه- التضحية بالتعاون مع الآخرين كالمشورة والنصح.. وفي الشأن العام بالتظاهر.

و- الإضراب.

ز- بالكلمة.

فعليه البدء بالأقل تكلفة وخسائر،أي من  البند الأخير وبالتدّرج حتى يصل الأول، والعكس هو خطأ فادح.. فماذا بعد الموت ؟ بالتأكيد الفشل الأشبه بالانتحار دون قضية أو هدف بيّن .. ناقشته حول الفكرة طويلاً ووصلنا إلى حد وسط عاندته ظاهرياً وقبلت فكرته ضمنياً.. وصلت إلى حد التطرف.. أصبحت أكثر شراسة ، انتابتني ردة فعل قاسية ، تمردت ، وكان لدي استعداد عفوي للمواجهة ، لدرجة طرد أبي من البيت .. لكن حكمته أقنعتني تماما ، "  إذا كان لدى فئة ما مشكلة وبإمكانها الوصول إلى حل بالتظاهر أو الإضراب عن الطعام.. فلماذا تلجأ إلى العنف؟ " .. اعتبر ترك والدتي للبيت تطرفاً، وهكذا دخلت في حوار معها وفق أفكاره، وبفضله توصلنا إلى قبول فكرته والعزوف عن أفكار مثل ترك البيت، أو طلب الطلاق، أو ليذهب إلى الجحيم.. وأقنعتها أن البيت حتى ولو كان جحيماً، فهو لها ومن حقها وحق أولادها..

تقريباً شارف الصيف على الانتهاء ونحن بين أخذ وردٍ.. وصلنا مع أخوتي إلى قرار التمسك بالأسرة وبالوالدين.

لعب عصام دوراً كبيراً في إعادة الألفة للعائلة، خاصة بعد تخرجه.. تشابهت وجهات نظرنا، وكي لا أبقى عقبة في التقارب بين الوالدين قررت الابتعاد عن المنزل الذي اعتبرني والدي السبب في خلق التناقضات والمشاكل فيه، واتهمني بجرثومة التفوئيد اللعينة وحمى أبو صفار، وهكذا تنحيت عن البيت ونقلت أوراقي من جامعة دمشق إلى جامعة تشرين بعد الاتفاق مع إبراهيم الذي أيد الفكرة أيما تأييد.. كان القرار صعباً جداً.. لكنه أنقذ البيت من دمار قادم.. وعند أول يوم دوام طلب يدي من أمي، ومن أخي عصام، فجاءا إلى اللاذقية وخطبني منهما، ثم سجلني في المحكمة، والآن أنا زوجته، لكن من دون دخلة..

علم والدي بالأمر.. وعلق قائلاً: << كان لي ابنة وماتت..>>

فهمت قصده.. توطدت علاقتي مع أسرتي أكثر.. أما إبراهيم الذي أصبح خطيبي ، فراح يعد العدة لحفلة الزواج ومتطلباتها، وهو الآن ينتظر الحصول على بيت من الجامعة، ثم نتزوج بعدها فوراً.. ويحتاج تقريبا إلى سنة..  تفوقت في الفصل الدراسي الأول، وها أنا الآن أسكن في المدينة الجامعية بانتظار تأمين الحد الأدنى من متطلبات الزواج، ويجمعنا الله والحب تحت سقف واحد..

نحن عاشقان رائعان، ورغم إنني حلاله، ونمضي يومياً معاً عدة ساعات، لم يلمس بعد أكثر من إبهامي الأيسر وأنا كذلك.. أؤمن به و أشعر أنه حياتي وروحي وقلبي وأملي.. أنا مرحة وسعيدة وأشعر بسعادة لا حدود لها وبغنى يتجاوز أية ثروة ، وأتمنى الخير للجميع.. فأنا لست ابنة ضابط كبير، وإنما ابنة حرامي رفض التحرر من حراميته، لكنني تحررت من أخطائه وذنوبه والتقيت بفارس الأحلام النبيل ومعه امتلكت قراري وحريتي ورضا أمي وابتعدت عن ملذات مسروقة ولعنات المستضعفين، لذا أنا مطمئنة وراضية ،  وأقرب إلى أعماقي .. فالمواجهة مع والدي علمتني أن أكون أقوى وبإمكاننا أن نكون أقوى لا في وجه آبائنا، بل في وجه أخطائهم، وإذا رفضوا الاستجابة لبراءتنا وكذبوا، لا يمكن طاعتهم، ولا التعامل مع أخطائهم حتى ولو كانوا آباءنا، فالحقيقة أقدس من الأبوة..

توقفت ، وهي تنظر أمامها إلى كرات من كلمات طائرة ترسمها حركة جفنيها ، وأحاسيس دافئة .. وبعد تنهيدة مستهامة ، فيها بعض من وجع أعمى .. أضافت :

- لا أعرف  بالضبط  لماذا حدثتك عن قصتي الشديدة الصدق والواقعية.. علماً أن قلائل يعرفونها، أو يعرفون أنني مخطوبة..

سألتها سلاف بإعجاب:

- كيف تعلمت كل ذلك؟

- لا أعرف.. المهم قناعتي بأنني على حق.. لقد بدأ الموقف صادقاً وحاسماً وواضحاً كنور الشمس ، كالحب ذاته ، مما دفعني للتعامل معه لاقتناعي بالحقيقة.. الآن أستنتج حكمة بسيطة من تجربتي:

<<  الصحيح يولد الصحيح والخطيئة تولد الخطيئة، ومحاولة المزج بين الطرفين أو اللعب بالحقائق وجعلها متناقضة هو سبب لمآسٍ كثيرة على مستوى الأفراد أو الناس .. وهناك مَنْ قال : البساطة سر الجمال، وأنا أقول : مَنْ يريد أن يطمئن لحياته، فعليه أن يكون بسيطاً وواضحاً، ويكفيه لتحقيق ذلك بعض الشجاعة.. هناك أناس يضحون بأرواحهم من أجل هدف سام ، وأنا كل ما فعلته أنني ضحيت بالابتعاد عن البيت ، وهذا ليس بالكثير ، وغضب والد من ابنته ليست نهاية العالم ..>>

أثناء ذلك لم تكونا أمام طبق المتة، أو على شاطئ البحر، بل كانتا أمام الوحدة السكنية.. ابتسمت سوزان، بينما ذرفت سلاف دمعة حارة فشلت في إخفائها.. تابعت سوزان الابتسامة بهدوء متجاهلة دمعة صديقتها الوجدانية، واعتبرت دموعها  إثارة لصمتها أو تحريكاً لوجدانها الذي يندمل من جبن حاد ..

عادتا إلى غرفتهما دون وداع.. استرخت سلاف في سريرها.. انتابتها نشوة غامرة ، و قبيل النوم بقليل جاءت ملكة الجن  الحسناء  من وادي ضيعتها وكأنها همست في أذنها:

- للحكاية بقية.

- أخبريني عن النهاية.

- لا توجد نهاية.

- أبداً..؟

- لا تسأليني عن نفسك؟

- كأنني أرى أطياف غدي.

- ألست بحاجة لمساعدة؟

- لن أحتاج.

أسدلت الجنية الحسناء الطيبة جفني سلاف.. نامت بهدوء وكأنها دخلت إلى مدينة أحلام امتزج فيها حب الضيعة وأفقها مع واقع اللاذقية العليّ ..

 

* * *

 

في الصباح اكتشفت أنها لم تر حلماً بعينه، لكنها عاشته..  كانت سعيدة.. سعيدة جداً .. أبقت على مرحها الطفولي لحين مجيء محاضرة الأستاذ رضوان.. أصيبت بانقباض غير مبرر.. أنهت المحاضرة كالعادة.. تذكرت أن حكاية سوزان قد تمت.. تغلغل في مسام روحها ما يشبه الرغبة في البحث عن شيء ضائع.. في طريق عودتها للوحدة السكنية وقفت أمامها الأسئلة كأرتال أطفال في الصف الأول، ملامحها بريئة:

- هل ساكنو ضيعتنا قاوموا الخطيئة؟

هل ستمر جدتي دون عقاب.. ؟ أيجوز التصدي لأخطاء آبائنا.. هل لا أزال صامدة في السعي إلى هدفي.. ؟  مَنْ هي سوزان..؟!

توقفت أمام شجرة سرو أطول منها بقليل .. قلّمتْ حديثاً بشفتيها.. أبعدت بعض الوريقات والأغصان عن مجال تأملها.. ثم نفرت منها وجاء السؤال:

- مَنْ أنا.. مَنْ هو رضوان؟

هل سنبقى حلمين كأفقين متوازيين، أم حلما واحدا؟

مع كل سؤال كانت الدبلوماسية تذوب في سائل الوقت كالسكر، والتشاور مع قلبها قد دخل مرحلة اتخاذ إقرار ، اشتبكت مع لغة الحوار الداخلي  بصمت ، كانت وحيدة تواجه جبهة من عشرة خلان نزلوا إليها .. ارتبكت .. تساءلت: لِمَ أنا مرتبكة.. أين هي مشيئتي؟

شعرت ندى التي تتابع تفاصيل حياتها بدقة أن رضوان قد استيقظ من جديد وبطريقة مختلفة في أعماقها.. عرفت أنَّ تلك الحكاية المتوقعة التي انتهت سوزان من سردها قد نجحت في إيقاظ ما هو غريب عن تجربتها ، أو ما يشبه الضباب في أعماقها عن الحلم والهدف والشباب وتحطيم الإرادة على مذبح الغاية.. ناقشت ندى مع سوزان النتائج التي ستخلص إليها، واعتبرتا انسجام سلاف ومرحها مؤشرا واضحا على تجاوبها مع روحها ودليل سيوصل قلبها بقلب رضوان، والمشاعر المتكسرة لابد وأن تستقيم وتكتمل..

بدأت تتعرض سلاف إلى هزة نفسية عنيفة.. تمكنت مساء من استبعاد التفكير مطلقاً برضوان وأقنعت نفسها بأنه ليس الهدف، وإنما يقاوم هدفها، وهو على النقيض منها.. خلصت إلى ذلك عبر سلسلة طويلة من تفحص الأفكار الجديدة التي تعتريها ، خاصة بعد بروز شخصية رضوان هذا اليوم كجواب على شيء مفقود تبحث عنه.. أقنعت نفسها أن الشيء المفقود هو الجواب على سبب حب جدتها المشوه وسكوت أهالي الضيعة عنها.. واعتبرت بشجاعة كبيرة أن رضوان على مسافة إصبع منها، ويمكنها التقرب منه متى تشاء، ثم لا داعي لِتحويل طموحاتها إلى طرف آخر وبإمكانها تحقيق تلك الطموحات بجهودها الفردية.. عقدت هدنة مع أفكارها وتصالحت حول فكرة أساسية وبشروط واضحة: " أن تبتعد عن التناقضات الكبرى، و تعيش ببساطة في كل شيء حتى في أسلوب دراستها.. " أراحتها الهدنة لمدة أسبوع فقط.. عاد رضوان ليطرح نفسه بقوة عليها بعد المحاضرة التالية.. حاولت تثبيت الهدنة ثانية، ففشلت ودخلت في صراع عنيف مع ذاتها.. كانت ندى تنتظر في هذه الأثناء أن تقدم لها تقريراً مفصلاً حول شجونها وهمومها ، وبداية علاقة سامية مع رضوان.

أحستا أن العلاقة بينهما متأصلة حتى قعر العين وشغاف القلب، لذا حافظتا على مسافة احترام وتقدير متوازنة، وكل ما تتمناه ندى هو التوفيق لسلاف.. و تعتبر نفسها موفقة جداً وغير حشرية ولن تثير أسئلة اعتقدت أنها تعرف أجوبتها .. تعلمت كيفية الصمود في وجه فضولها من حبيبها وائل، تماما كما علمته أشياء مهمة كالإخلاص وأن الفتاة العاشقة ليست ذراع الحبيب فحسب، بل هي قوة الذراع الدفينة ونبض القلب وقصتهما تعرفها سلاف جيداً، حكتها لها منذ أيام خلت .. وقدمت لها نفسها أنها عاشقة من الطراز الأول لطالب  جاء من منطقة جسر الشغور والتحق في الفرع نفسه.. تعرف إليها بعد الفصل الأول مباشرة.. تغزل لها بقريته الواقعة على ضفاف العاصي.. حكى عنها بعشق وحب وتعلق أشبه بعلاقة عذرية.. جمع كل كلمات القاموس عن الحب والنزاهة والإعجاب ووصف بها قريته ، وتاريخها المشرف والمعطاء , وراح ينسج  حكايات رائعة ومثيرة عنها.. كقرية  مكونة من نهر وورد ومواويل.. شيئاً فشيئاً تمنت ندى أن تكون تلك الكلمات لها، ثم حولتها إلى أعماقها  باللاوعي معتبرة نفسها هي القرية،  وكلما حدثها عن القرية، و صباحها ، والأزهار، وعلاقات الناس، حسبت أنه يتحدث عنها، رددت :  " ولِمَ لا.. فمن يحب قريته يمكنه أن يحبني؟ " .. تمنت ذلك واكتشفت أن مَنْ يحب شيئاً قادراً على حب بقية الأشياء، وحالة السمو والرقي الروحي والعاطفي هي واحدة.. أيضاً تغزلت له بمشتى الحلو، فنمت بينهما لغة غزل عن قريتين.. انتقل هذا الغزل إلى قلبيهما باللاشعور.. كلما قال كلمة حلوة بحق ضيعته شعرت أنه يخصها بها شخصيا .. بادلها الشعور نفسه .. تطورت العلاقة بينهما..علمت أن الشاب قوي و طموح ومجرب .. والده مدرس رياضيات.. جمع ثروة جيدة من عمله في أرضه ومن وظيفته.. استثمر ما كسبه مع رجل أعمال حموي وخسر كل شيء.. تقبل وائل الخسارة.. صمم على الدراسة، ووجد عملاً في مؤسسة سياحية على الشاطئ الأزرق، فراح  يعمل ويدرس..

حدثتها ندى عدة مرات عن - الظل الهائل-  في ضيعته.. الذي ينعكس على هيئة ديك أثر شروق الشمس ويرافق   ظلال العاصي كالسحر حتى ترتفع قليلا، فيزول.. يعتبر الناس ذلك ميقاتاً لبدء العمل.. ينهضون وينطلقون مع إطلالة الشمس لأن الفكرة الرائعة والمتوارثة تقول: مَنْ يصل الأرض قبل جفاف الندى يكون محصوله وفيراً..

أعجبت سلاف بعفوية علاقتهما وصدقهما.. وتعرف أنها تزوره إلى مكان عمله وتساعده .. يلتقيان في الكلية.. يسهران معاً.. لكن حتى الآن لم يلمس إبهامها أو إصبعاً من أصابعها.. تلتقي عيونهما أحياناً للحظات.. وتكون كافية لتفجير مافي أعماقهما من حب دفين.. مؤمنان بقلبيهما ويعلم أهلهما بتفاصيل علاقتهما وباركوا لهما قرارهما ..

سمعت سلاف ندى تردد أكثر من مرة كلمات عن الحب مثل: "الحب نبوءة تتحقق مع كل نبض قلب حقيقي.."

" الحب وتر الشباب الذي يعزفون عليه المستحيل.."

" مَنْ يعتقد أنه لا يحب، فليخرج مساء ليلة مقمرة و سيدله البدر الجميل إلى خفايا روحه العامرة بالعشق.."

 " مَن يعتقد أن شبابه يمر دون معزوفته الخاصة، فليجرب الانتظار ولو للحظة وبيده وردة، ثم يقدمها لأول أنثى يصادفها ويبتعد بهدوء، وسيكتشف أنه أكثر من شاب مميز وله روحه الخاصة والجذابة، وقادر على فعل شيء جميل.."

أُعجبت بما تردده ، وآخر جملة قالتها ليلة أمس هي: " الحب هو عش الفتيان الدافئ .."

توقعت خلال أيام أن تبادر سوزان، أو حتى ندى لتعرفاها بإبراهيم، أو وائل.. لم تفعلا.. وإن ظهرت لدى سلاف مثل هذه الرغبة، لكنها تركتها وراء ظهرها لوقت آخر..

تحدثت سوزان بحماس عن إبراهيم، ووسامته الرائعة وذكائه المتميز، ونقلت إليها بعض أفكاره، وآخر ، ماقاله لها:

" فلنستمع إلى الآخرين قد يكون لديهم ما نبحث عنه، أو ما نفتقده.."

" أصغر قيمة في معيار الحب القبلة، وأعظم قيمة فيه هي الكلمة التي تجعل القلب كالمطر والروح قوته التي لا تنضب.."

" مادام تراب الأرض البني يولد الأخضر، فالقلوب أيضاً خضراء والحب أخضر وأبدي .."

تفاعلت سلاف خلال أيام مع صديقتيها وجدت نفسها معنية بهما أو كأنهنَّ واحدة في ثلاثة.. وبقي الحب  سؤالها الذي راح يدغدغ أعماقهما.. قالت :  هما عاشقتان من الطراز الأول. أما أنا، فمن دون هوية محددة.. أشبعت بحكايتين عن الحب : حكاية سوزان، و قصة ندى من جهة، وحكاية جدتي الفاشلة من جهة أخرى..

وبعد حوار ذاتي متكسر والاستماع إلى صوتها الباطني ، وجدت أنها رهينة ماضي جدتها وتاريخ ضيعتها.. ثم شعرت بتسلل  عشق خفي إلى أعماقها دون قدرتها على إدارته.. فاكتفت بمراقبته عن بعد.

حدثتها سوزان عن التوازن الذي عاد إلى أسرتها كنتيجة لتناسي أمها موضوع تطهير الوالد من آثامه.. بقيت بين الاثنتين حدود لجبهة باردة  مشروطة ودون مراقبين من أمم المشاعر .. اعتبرتها سوزان حالة  من اللاستقرار  بينهما..

قررت سلاف حضور محاضرة للدكتور إبراهيم وسألت إحدى الزميلات عن برنامجه،  وبعد حين اعتبرت ذلك خيانة كبيرة ولا يحق التعرف إليه، أو إلى وائل دون دعوة صريحة منهما..

أهملت الأمر على إيقاع ذكريات الضيعة واستعادت ذكريات طفولتها.. حاولت ترتيب ذلك على وريقات خاصة.. كتبت عشر صفحات..بدأت بعلاقتها مع والديها وأخوتها، ثم أهالي الضيعة ورفاقها في المدرسة.. استوقفتها هذه الذكريات الدافئة، فكتبت:

<< .. أتذكر أنني أحببت البرية وأماكن رعي الأبقار كثيراً، عرفت سفوح الجبال وجروفها المتكسرة كالقصب على شكل انحدارات حادة توحي بزلازل عبرت من هنا في زمن غابر .. الربيع ينهض .. يقف على ساقيه ، ويقدم لي الزهور ، مع بدايته تكثر الحشائش ، وتصبح الأبقار أهدأ.. ولا أنظر إليها وهي جائعة، أو ضعيفة كما هو الحال عند نهاية الصيف، فلا يمكنني تحمل ضعفها.. أتذكر من أسماء الأبقار( شرابة) وهي بقرة طويلة مرتفعة، عيناها قائمتان وحولهما خطوط بنية، لونها قرميدي محروق، عنيفة وتنطح لمجرد هبة ريح تلامسها مثل كتيبة جيش أمريكي ، الأخرى ( حمورة) أسماها والدي بذلك الاسم لوجود جزر حمراء بين لونها الداكن،  وكانت مسكينة وتفهم أشياء وإشارات كثيرة تعلمتها منا.. واسم ثالثة( عدالة )، لونها ترابي مائل للسمرة ، قليلة الارتفاع عن الأرض، ، ضرعها كبير ، كثيرة الحليب، عندما باعها والدي بكيت وبكيت حتى أعطاني الشاري خمس ليرات، فرفضت.. ذهبت البقرة وبقيت ذكراها.. أكل عجلها نبات (الرزين) وهو نبات سام، فمات وأحدث كارثة في البيت.. بكت أمي على خسارته.. أحببت ركوب الجحش .. رماني مرة وأصبت برضوض.. تصبح الوديان ككتاب تلميذ كله حكايات جميلة يحبها ولا يشبع من تكرارها.. والصخور المبللة بالمياه تبدو كألواح مرايا واسعة تعكس نور الشمس تارة كخيوط من فضة وتارة أخرى كخيوط من حرير ، وتبقى كذلك  حتى منتصف شهر أيار.. أما الصباح، فلا يعني لنا الحيوية وأصوات العصافير  وبداية العمل فحسب، بل هو امتداد لحكايات السمر وحنين خفي لنكون أبطالا حقيقيين نترجم ما سمعناه إلى عمل فروسي، والمساء يفضح الأكف التي لم تفلح في بلوغ مآربها.. كل شيء يتوهج : فانوس الكاز القديم الذي يتفرج على سخانة الكهرباء بجانبه .. نقيفة الأولاد وبندقية الصيد .. بابور مهمل بجانب فرن الغاز .. خرق الخيش وأكياس النايلون .. شياه ودواجن ونوافير .. معقود المشمش والمعلبات ومقالي العوازي .. مريول المدرسة وقمصان البالة المخصصة للعمل في البستان .. شحاطات الغوما ، وكندرات آخر طراز ، أواني النحاس والفخار ، المنخل والميزر والجرن والمدق .. ملاعق الخشب ..  >>

تحفزت ، وشعرت بإمكانية كتابة مجلد ضخم عن أسماء العوائل والأشجار والنباتات والطيور والأحداث والممرات الجبلية التي تحفظها عن ظهر قلب.. نقذ قلبها من صور التناقض التي أخذتها إليها .. وبعد حين ، أطلقت طلقة طائشة على تسرعها ، وقالت :" إنه الريف .. القرية الجامعة للزمن بكل نوباته .."  ملت لعبة الذاكرة ،  أو التسلية معها .. بعد وقوفها أمام عالم متباين .. متسارع .. يندفع ومعه هجير الزمن المتسكع بالقرب من عجلات التحضر .. رمت حماسها جانبا..  لتقف عند  حكاية قروية .. حكاية شاب متميز من ضيعتها.. عشق فتاة من قرية مجاورة، ثم تزوجها وبعد زواجه بسنة واحدة أصيب بشلل نصفي.. أنجبت له حبيبته طفلاً.. آمن بالله وبهذا الطفل.. خرجت زوجته للعمل في الأرض لتأمين حاجات الأسرة الصغيرة.. بعد ثلاث سنوات تحسن الشاب وراح يساعد زوجته، وعندما حاول بعض الأهالي الإحسان إليه رفض رفضاً قاطعاً.. لكنه قبل معاونتهم له في الأرض.. أنجب أولاداً وكوّن أسرة.. وأثناء عمله في  المزارع راح يغني ويغني.. قبل ذلك لم يغنِ أبداً.. أعجب الفلاحون بغنائه وأصبح فنانهم الشعبي  أثناء المواسم والمناسبات.. كسب حب الناس ، وقلده الشباب ..

واجهت مساءً وهي في طريقها إلى الدكان حواراً حاداً بين زميلتين لها حول الأستاذ رضوان.. وقفت معهما لبعض الوقت وسألتاها عن رأيها به.. ارتبكت.. احمرَّ وجهها ، اجترعت السؤال الزعاف ، ومضت تحت تأثير حرج مباغت ، فقالت إحداهما:

- حتى أنت يا سلاف أربككِ الأستاذ رضوان؟

سمعت مثل هذا الكلام من قبل، وحاولت  تجنبه بهدوء، مع تأكدها أن رضوان هو مثار إعجاب الطالبات والطلاب، وضبطها لمنسوب الغيرة إلى أدنى مستوى ..

اشترت بعض الأشياء وعادت إلى غرفتها لتجد نفسها أمام ورطة وكأن سؤال زميلتيها فتّق جرحاً مائلاً إلى الخضرة في جدران روحها التي راحت تنزف يخضورا .. وبعفوية استنجدت بحكاية سوزان التي حملتها إلى طهارة المواجهة، وشجاعة ما، همست: شكرا لك  أيتها الصديقة الطيبة، يبدو أنني الآن بدأت أفهم لماذا حكيت لي حكايتك، لا لأتعلم منها فحسب، بل لأرى فيك النموذج  الواقعي الذي يمكن أن أتمثله في حياتي، نعم أنت كجوز الطيب قدمت لي علاجات عديدة دون أن أشعر..

 انطوت على نفسها هاربة إلى الشرفة واسترجعت بعض الصور: الفتاة المثالية الشامخة التي واجهت مصيرها بإرادة صلبة.. تخلت عن مكاسبها المادية مقابل حبها و سعادتها.. وأضافت:

-  يا لها من فتاة شجاعة ! ويمكنني الاعتماد عليها..

حاولت تمزيق صورة  جدتها العجوز التي أساءت للحب، ثم وضعت نفسها في حالة موازية لسوزان  بشكل مباغت وغير متوقع، وراحت تستعد لمحاكمة الجدة: لمَ لا أقول لها صراحة  أنت حاقدة وعليك الاعتذار من جدي؟ أؤنبها صراحة ، وأقول:  كفاك طمعا  بالبستان،والطمع أشبه بالسرقة،بل أسوأ..إذن هناك ما يمكن أن أقاضي عليه الجدة..على الأقل يجب أن تعرف الحقيقة.. ويجب أن تكون ضيعتنا أنقى..

مضى وقت يجرح نفسه بسكين التباطؤ.. دعاها لتضميده .. التبس عليها الأمر، ولتجد نفسها في حالة من البحث عن مخرج لإشكالية الحب عندما صرخ في أعماقها منادٍ مجهول : لا تدعي الحب، فأنت مدعية من الطراز الممتاز..

مباشرة قررت العودة إلى سوزان كي تساعدها، وفي اللحظة الأخيرة توقفت : " لقد حكت لي كل شيء، وإذا لم أفهم ما قالته فلأذهب إلى الجحيم.."

 كادت تطول محاكمتها لنفسها لولا موقفها الشجاع من ذاتها : " يجب أن أفعل شيئا ما من أجل روحي.. لا..لا.. من أجل الضيعة.. من أجل الحب.. من أجل.."

تركت البوابة مشرعة لكلمة فعل.. استجوبت حماسها قليلا ، وكان ذلك كافيا لاستعادتها بعض توازنها..

تناقضت مع قرارها : أنا  لا أزال صغيرة لفتح خلاف مع الجدة، و تدخلي  قد يعقد  المشكلة،  الأفضل تركها لمن هم أكبر مني..

دوى في أعماقها نداء : لكن لم تنتظر سوزان أحدا كي يحل لها مشكلتها، اتخذت القرار الصحيح في الوقت المناسب، وواجهت قدرها بنفسها..

كاد الحوار الغامض يدخلها في صراع وجدل داخلي.. انبرت تطلق بعض المحاذير ، ثم قالت باختصار بعدما حسمت بعض الأسئلة:

- أعتقد أن جدتي هي آخر السيئين في الضيعة.. سأقول لها بأعلى صوتي إنها على خطأ وهذا يكفي.. نحن بحاجة إلى هذه الصرخة لا أمام الجدة فحسب..  بل أمام كل مَنْ يخطئ كان من كان، حتى ولو كان رئيس البلد، أو مَن هم أكبر منه..

تنفست من خياشيم نشاطها الذي أضاف إليها إحساسا بالفتوة لم تعهده من قبل، شعرت أنها شريكة هذا العالم الواسع بكل شيء وشديدة الانتماء إليه.. لا إلى اللاذقية أو بحرها أو جبالها فحسب، بل إلى كل المدن والجبال والبحار في الكون.. وإن كانت الضيعة لاتزال شاخصة أمامها كشلال ماء ناعم ومثير.. لكن هذا التنوع الكوني الأخاذ الذي حملته إليها اللاذقية جعلها أكثر عزيمة ومنسجمة مع إيقاع الناس الأشبه بسيمفونية لا يمكنها الاكتمال.. دفعها هذا الشعور.. شعور بأنها واحدة من ضاربات الإيقاع على وتر زمنها المنضبط إلى الاقتراب كثيراً من الأستاذ رضوان لدرجة أنها كادت تمد يدها لمصافحته أثناء المحاضرة الأخيرة، ثم انسحبت في لحظة حرجة..

طار من يدها ألف.. ألف عصفور وفراشة وارتعاشه واحدة.. شعرت أنها أقل من المصافحة ، وأدنى بقليل من الفرصة المناسبة ، وقد تغرق كخردة حديد في كأس شاي ، تزملت بشكها و ابتعدت تحت ضغط الحلم، أو الخوف من ملامسة فتيل لحظة الصفر القابلة للاشتعال الفوري .. وضعت رديئة من الحذر أمام رغبتها ، ونظرت في عينيه.. لم تكونا على عهدهما فحسب.. بل جذبتها كقوة سحرية وكادت تسقط من  شدّة تأثيرهما.. بدل أن تستمع إلى المحاضرة راحت ترسم خطوطاً ما على دفترها.. شعرت بحرية غامرة أشبه بفرح طفولي رائع..

عادت إلى الصفوف الخلفية بشيء من الحذر الخجول.. راح يكبر في داخلها شغب ما صعب عليها ترجمته.. يكبر ويكبر، بينما شغلها إحساسها بذلك الشيء القادم.. انسحبت من المكان..لا تعرف أهي مهزومة أم منتصرة ،  في غرفتها حلَّ عليها البكاء ضيفاً مسلياً لتدخل ندى وتمسح عنها الدموع التي قرأت فيها تحولاً ما..

أخبرتها بعدما ارتاحت قليلاً أن سوزان سافرت إلى دمشق مع إبراهيم لأمر طارئ بعد اتصال من والدتها حيث أصيب والدها بوعكة صحية خطيرة..

فجأة اشرأبت حاستها السادسة وجعلتها تتفاعل مع حدثٍ ما يجري في ضيعتها: " إذن ، مادام والد سوزان في سوء يعني أن جدتي في سوء.."

 

 

 

حب أخضر _ 6

 

دون أن تخبر ندى سافرت صباح اليوم التالي، ولدى وصولها مباشرة ، وقبل أن تشبع من رائحة الضيعة ، وقبل أن تبلل مقلتيها بمناظرها الخلابة ، وقبل أن تحج شفتاها لتقبيل يدي وخدي أمها ، سألتها :

- كيف حال جدتي؟

- أصيبت بشلل نصفي قبل ثلاثة أيام، وهي الآن في مشفى طرطوس الوطني.

- ما أخبار جدي؟

- هو بخير لم يدخل غرفتها منذ مشكلته معها..  تحاشى مواجهتها أو اللقاء بها.. يعيش في بيتنا.. مستقرا ومرتاحا.. حاول البعض التدخل بوساطة، لكنه قابل ذلك بصمت وانتهى الأمر بالنسبة للضيعة، وقال جملة واحدة " أريد لقاء ربي طاهراً وأقل ذنوباً.." 

تنهدت وهي تنظر إلى عيني ابنتها المشدودين إليها وكأنها تطلب منها المزيد من الأخبار ، وكانت حرارة الرغبة بمعرفة كل شيء تزداد وينتقل تأثيرها من الابنة إلى الأم التي تابعت تشرح بتركيز :

- جدك رائع ، فهو يقيم معنا  ونراه  كالرمز الرائع.. نحبه ونقدره، اعتكفت جدتك في بيتها .. و راحت تبحث عمن تقاتله.. تجنبها الناس بالمطلق.. صارت تنزل إلى (الحاكورة) وتحاول إثبات ملكيتها لها.. طبعاً نتمنى أن تشبعها لا الأرض فحسب، بل ولتملك أراضي الدنيا مقابل هدوئها وتجنبها الأذية..

تملك سلاف  شعور غريب..  << هي مشلولة ؟ فماذا حلَّ بوالد سوزان ؟ >> .. انبرت لمواجهة سلطة آنية من التحدي ، تركت أمها، وراحت تفكر بما يجري مع سوزان الآن، وماذا حدث لوالدها،  وما مدى الضرر الذي تعرض له..

 مرَّ بعض الوقت وكأنها تحت سحابة ماطرة تنتظر هطولها.. تبادلت الأحاديث و المواضيع العامة وأخبار الفلاحين والمواسم مع أفراد الأسرة  .. جاءت عمة سلاف للسلام عليها.. شاركتهم الجلسة الودية.. فكرت بأمرها و إمكانية الاستفادة منها  في معرفة ما تريد البحث عنه كونها  أكبر أخواتها، وأنضجهم، وأكثرهم خبرة، وتعرف أشياء كثيرة عن الضيعة وشاهدة على كثير من الأحداث في العالم ، وتعرف بالضبط التاريخ الذي تريد البحث عنه واستكشافه.. قبيل خروج العمة منيرة طلبت منها السماح لها بمرافقتها ومنحها بعض الوقت، فوافقت، وأثناء الطريق شرحت سلاف موقفها ورغبتها في معرفة تاريخ جدتها وبصدق.. وصلتا البيت الذي يبعد حوالي الألف متر.. جلستا تحت شجرة كينا معمرة وبدأت العمة بوجهها الخام ورغبتها المشبوحة  ، ومن خلف سيماء متماسكة تجيب على الأسئلة المفاجئة ، وبصراحة :

- لقد ورثت المحبة والإخلاص من والدي،أي جدك وهذا هو كل تاريخه.. أما جدتك والتي هي أمي، فأخطأت أخطاء كبيرة وفي الخاتمة ضربت جدك، وعندما ضربته حكمت على نفسها بالنفي والضياع .. واجهها جدك بالصمت، لكنه صمت محكوم بالندم والقهر والعذاب وتأنيب الضمير.. لأنه تركها كل ذلك الوقت تعبث بروحه وطهارته.. لم يحدث في تاريخ ضيعتنا أن ضرب زوج زوجته، أو العكس.. لكن بتصرفها كشفت عن زيف علاقتها بوالدي وعن سابقة خطيرة يجب ألا تمر دون عقاب.. فالزواج هو بين روحين قبل أن يكون بين جسدين.. نعتبر العلاقة الجسدية هي الحد الأدنى للزواج ولا تلبي أبداً مطالبه.. هكذا استقرت حياتنا كاستقرار حركة الليل والنهار.. ولا تتكرر مثل تلك الأخطاء كثيراً لأن العقاب الجماعي يأخذ دوره؛ لقد عزلنا الوالدة، والوحيد الذي يؤدي واجبه تجاهها هو أخي عبود- والدك-  .. يهتم بها في المشفى.. لم يزرها أحد منا، وهي أيضاً لا تقبل بذلك ولن تعلن توبتها أبداً.. كلنا نؤمن أن شللها هو عبرة لنا وبمقدار ما هو عقوبة لها، أيضاً ينذرها بعواقب أكثر سوءا.. توقعنا ما حدث معها..انتظرنا أمرا يشبه ذلك السوء .. طبعا هذه ليست شماتة ، وإنما عبرة .. لم تكن حسب تخميني أنها كانت على موعد مع قدرها أو قدر الضيعة بعقاب جسدي أو حتى روحاني .. لقد تصرفنا قبل أن يحدث لها ما حدث بحكمة .. عزلناها عن دراية .. لم نترك لعبتها تمر مرور الكرام..  بصقت عيوننا عليها حمما من النكران .. عاقبناها بقسوة- انتبهي جيدا - لم أنقطع أبدا عن أداء واجبي تجاهها .. ظللت أحضر لها رأس الطبخة .. وأطلب رضاها.. لكن شعورها تجاهي اختلف ، ضايقها حذر الناس منها .. تمنت أن أحييها كما كنت أفعل في السابق .. كانت تتعذب كأنها في أسوأ سجن في العالم .. وحتى ولو فتحته لها لما كانت ستخرج منه .. سجن أسوار عالية بَنته عيون الفلاحين .. وسوره انكشاف حقيقتها والطين الذين بني منه مواقفهم ، والجلاد كانت هي .. هي التي تجلد نفسها .. تطحن روحها بالعزلة .. تدوس على شرفها .. تنزف ألما يسري في أعماقها ..عاشت جحيمها الأرضي ، ولم يكن في وسعي سوى الشفقة عليها..

هي لا تعاني الآن من شلل وآلام في جسدها، بل من دمار روحها..

اعتبرت سلاف أن ذلك كلامٌ عامٌ وتريد تفصيل الأمور أكثر، فسألت:

- ما الذي حدث بالضبط؟

فكرت العمة جيدا بسؤال سلاف ، وأدركت أنها تريد أكثر مما شرحته لها، وشعرت أن عليها الإجابة بصدق ومادامت قد سألت، فيعني أنها بلغت مرحلة من النضج تمكّنها من تلقي الأجوبة واستيعابها.. تخلصت من شرود قسري ، ثم تكلمت:

- عندما كانت أمي صبية عشقت شاباً واتفقا على الزواج.. ذهب الشاب إلى بيروت للعمل ولتأمين مهرها وخدمات الزواج.. أصيب بحادث  ومات هناك.. بعد أربعة أشهر من وفاته تعلق قلبها بجدك.. طبعاً انتظرت حتى مضى عام كامل وهي العادة السائدة،لا يمكن لفتاة أو امرأة التفكير بالزواج إلا بعد سنة من وفاة المرتبطة به.. أعلنت عشقها لجدك في الوقت المناسب وبعد زواجهما بفترة أعلنت أنها تعلقت به قبل المدة المسموح بها وهذه خيانة.. طلب منها جدك الاعتذار والتوبة.. أعلنت ذلك، لكن من دون التوقف عن إثارة مشاكل ضد حب الناس وألفتهم.. عندئذٍ أدرك جدك أنه تورط بها وأعلم الأهالي بسرها.. كل ما فعلوه أنهم تجنبوها وطلب والدي منها التوبة ثانية وهو على يقين أن مليون توبة لن تعطي نتيجة، فهي من بذرة فاسدة وكان عليه هجرها منذ ذلك الوقت وإن كانت مثل هذه الحادثة لم تحدث من قبل، لكن كان عليه اتخاذ الموقف الصح في الزمن الصح.. تخلى عن موقفه ذاك وساهم في بقائها على جموحها.. وحاول التستر عليها، فاستغلت حمايته لها لصالحها وعبثت في أمور كثيرة.. تحملّ منها ما تحمل.. وأيضاً سكتت عنها الضيعة في حين كان من الواجب فضحها.. فهي امرأة غير صالحة.. أنجبت الأولاد وكبرت وأخبرنا الوالد بحقيقتها، لكنها العاطفة أبقت على انتمائنا إليها.. حاولنا ألا نتمثل بها أبدا ونجحنا في ذلك.. كان الوالد صريحاً جداً ودفع بنا إلى القسم بروح الضيعة ألا نخون مبادئها أبداً، وهذا ما نفذناه تماماً ونحن بألف خير.. لم نخجل من الانتماء لأم ذات بذرة فاسدة أبداً، بل تركناها وشأنها وأيقنا بقلوبنا أنَّ الأهم ألا تكون أرواحنا هي الآثمة أو نجعلها تكسب الخطايا من الآخرين حتى لو كانت الوالدة.. فليس للعاطفة دوافع شريرة.. وهكذا سارت حياة العائلة.. مستقلة وسعيدة وقوية وسليمة لحين ضربت جدتك زوجها، وهذا ما كان متوقعاً ولم يفاجئ أحداً، وبفعلها الآثم حررت جدك من عبء الخطيئة التي عرفها جيداً وهي سكوته عنها، نعم ، جرحه كان الثمن .. أما هي حتى ولو عاشت ألف عام، فستكرر ما فعلته، والشلل هو أقل العقوبات التي لحقت بها..

همست  سلاف في أعماقها: " إن عمتي منيرة هي الوجه الآخر لسوزان.. كلامها مثل الحب على القلب ، وأفكارها مثل تجربة ناجحة لعالم غيّر العالم .. هما واضحتان، بريئتان لا تضحيان بالحقيقة حتى ولو كلف ذلك الابتعاد عن الأب الفاسد، أو الأم الفاسدة، وذلك في سبيل أبوة صالحة وأمومة راقية .. ومجتمع صالح.. "

راحت العمة منيرة توضح بنبرة عسكرية :

- ليست جدتك درساً للعائلة فحسب، بل للضيعة بأسرها.. نحن أنقياء كماء زمزم، وعلاقاتنا لا تتأثر بسوء عابر.. والخيانة تفوح رائحتها، فنطمرها بالتراب، ونمضي كأن شيئاً لم يكن.. نعم ، التراب يطهر البني آدم من الخيانات ..

سألت سلاف:

- هذا هو تاريخ العائلة؟

- قد لا يكون هذا هو تاريخ العائلة بالضبط.. لكن هذا هو تاريخ الحب بالتأكيد..

تشعب الحديث قليلاً وأحست العمة برغبة ابنة أخيها  معرفة أشياء أكثر وأكثر عن الضيعة..

عادت سلاف وحيدة إلى البيت بعدما حملتها العمة بعض أقراص اللبنة المجففة  و(الزلابية ) إلى بيت أخيها وأثناء العودة فكرت بأمرين:

<< وإن تكاسلت الضيعة عن اتخاذ قرار جدي بحق جدتي وتركها تؤذي  لإدراك الأهالي بضعف تأثير أذيتها، فجاء الآن مَنْ يعاقبها ويضعها في مأزق المأساة الصحية والعزل الاجتماعي..

وبالنسبة لسوزان،  فليس من المعقول أن تترك الإساءة تكبر علماً أنه بالإمكان إيقافها وهذا ما فعلته  مع والدتها وعلى الأقل تجنبتا التورط فيها، ودائماً الخاسر هو صاحب الإثم.. وخسارة  الضابط الفاسد بالتأكيد كبيرة.. إضافة إلى خسارة صحته سيخسر كل أملاكه.. ليست العقوبة قدرية كما قالت عمتي..  ففي الأرض تصدر عقوبات عديدة ، ومنها تصرف الخطيئة كجلاد يحمل عصا ويلطش فاعلها على الطلعة والنزلة .. ثم تأتي أمور أخرى وتخنق المخطئ من ( جوا ) .. تحيل حياته إلى سجن .. هذا ما عانت منه جدتي .. ولا شك أن وضع الضابط أسوأ من وضع جدتي، وكلاهما يستحق العقاب، حتى لو لم تكن صحته سيئة، فمن دون شك لقد انهزم في أعماق سوزان، حرمانه منها عقوبة .. على طريقة جدتي نفسها التي حُرمت من الطمأنينة تجاه أولادها .. لقد انتصرت بعمتي وسوزان على نفسي .. لقد انتصرت سوزان على  الحرامي الظالم، على اللص وانتقمت بفرحها منه ، وهي مستعدة للعنه علانية وأمامه مباشرة حتى ولو قاد لا فرقة عسكرية فحسب، بل جيوش الكون كاملة، فهي تلعن خطاياه وتقدس الأبوة.. تماما كما تلعن عمتي خطايا أمها.. وتقدس الطهارة والأمومة..>>

كانت الألف خطوة أقصر من خطوة وهي تغب من تجربة الضيعة ، وتنهب الطريق باتجاه البيت الذي بدا لها كسحابة مطيرة .. وهي الشقية العطشى للعب ( الطميمة والسخباية ) مع أشيائه التي بقيت صغيرة .. نسيت أنها كبرت هكذا بسرعة على حين غفلة من طفولتها .. مشت الهوينى تحمل أعباء كبيرة .. تثاقلت تنهداتها وهي تعد من جديد الأرقام التي شكلت عبئا عليها .. مع كل خطوة ترمي واحدا في التراب ، وتكرر ما قالته عمتها : "   أي  شيء تخافينه .. افتحي له حفرة في الأرض واطمريه ، ثم اردميه بالتراب والحصى .. وهما سيتكفلان به.." 

تعمدت الدخول من بوابة قديمة مهدمة .. حجارتها تقف كشاهدة على زمن مضى .. تحرس هندامها القديم  من الموت.. دخلت إلى صحن الدار مخلفة وراءها خطواتها التي دهست قيظها ، وتركته عند الباب .. وضعت ما حملته في نملية ، ونظرت إلى البراد بتحدٍ.. ثم همست مازحة : " أنا دقة قديمة يا سيد براد.. "

 تكلمت مع أمها عن المواشي والدجاجات، والزريبة والإنتاج ، و الأرض  والزراعة والدراسة، بدت مرتاحة وأحست الأم بمرحها الداخلي، تركتها وراحت تعد لها البيض والباذنجان المقلي ، وسلطة ( السلبيني ) مع الرشّاد..

انتظرت عودة جدها من مشوار بفارغ الصبر .. فاجأها بوجوده  عندما تمخط بخشونة .. أسرعت إليه ، قبلت يديه .. لمست شاربه الكث النحاسي  ، وأرنبة انفه ، شرواله الأسود ذو اللية المرخية على جنب ودكته الطويلة .. عندئذ ابتسم ابتسامة علوقة بطرف سنه المكسور، ودفن بصره في ضفائر شعرها .. لمَّ طرف كوفيته ، وأفسح عن وجه خشبي عتيق ..

لمحت عقدة الجرح في جبينه عن غير قصد.. جرحت الندبة لمحة عينيها .. اصطنعت طفولة من لهيب أبيض .. خلع عن وجهه حزنا ليكشف حزنا أعمق .. ارتعدت أوصالها وكادت تلطم جرأتها بحزنه وتجرح شآبيب وجهه المرّبد.. دعته لنسيان نفسه في فتوتها  .. ظل كجذع شجرة .. وضعت رأسها على جنبه .. وصمتا صمت الحجارة ..

بدأت سهرتها  مع أخيها ماهر تحت مظلة العريش بجملة : " نحن محظوظون جداً لأننا ولدنا في مثل هذا المكان الجميل من الكون، ولأننا نعرف كيف نحافظ عليه.. " عمّ بعد ذلك صمت فرضته الأجواء المحيطة.. تناغمت لوحة القرى المرشوشة كقناديل سماوية من هنا حتى أبعد مجرة..  شكلت النجوم  مجموعات قروية متجاورة.. منسجمة في ضوئها وجمالها لاغية المسافات بين أفق وآخر، ومختصرة بينها وبين العيون المدى إلى مسافة كلمة، أو لوحة تجمع هذه القرى الأرضية المكتظة بالحياة و تعبر عما هو مشترك بينهما من خلال رسائل يومية  لا تنتهي وفق أبجدية التجدد وجدارية الاستمرار..

استرسل ماهر في كلامه عن الضيعة.. وهو واقف رفع يديه.. سألته سلاف:

- ماذا تفعل؟

- ألمس السماء.

- معقول؟

- أريد أن أقول لك: إنه معقول وأهالي ضيعتنا ينتابهم هذا الشعور بأن كل واحد منهم قادر على لمس السماء.. ولأننا نحمل  مثل هذا الشعور، فذلك  سبب من أسباب  استقرارنا وسمونا..

- وماذا عن الأسباب الأخرى ؟

- سؤالك في محله منذ فترة وأنا أنتظر  من  يسألني سؤالا على شاكلته، لم يكن بإمكاني أن أسأله لنفسي، و كأن الجواب شبه جاهز لدي ، فكنتِ الأذكى  حتى الآن، و جوابي أن سبب هذا السمو هو عدم تدخلنا ضد فطرتنا التي لم نجرحها، لذا تسهم بإنقاذنا،  نحن لم نتدخل كثيرا في قضايا بعضنا البعض، وتعلمنا أن نترك المشاكل دون المساس بها،  فتدمر ذاتها، أو تدمر بعضها البعض بعفوية وتلقائية، وكلّما حاول الإنسان التدخل بما هو فطري كي تغييره لصالحه يصيبه خلل ما، ويصبح إصلاحه صعبا جدا، بعضنا يتعامل مع الفطرة كأنها ولد مشوه ويحتاج إلى جراحة كي يشفى، والتدخل يزيد الأمور  تشويهاً  وتخريباً، وكل ما هو تلقائي وفطري كضيعتنا مثلا يبقى منسجما مع الطبيعة والإنسان،  وهذه هي عملية الخلق : متوازنة وسليمة والتخريب يأتي منا، وكل شيء لم تلمسه يد الإنسان تجدينه سليما معافى، أو لا تجدينه أبداً..

والخطيئة مدرسة كبيرة تتخرج منها الحقيقة .. وما نشتمه ، نكتشف بعد مخاض أن له فضل كبير علينا..

قرأ قصاصة في يده :" حينما يباغتني الهدف أمخر قوتي وألتف حول كثبان رملي بانتظار ريح عاتية تشيلني إلى مكان لا أكون فيه هدفا .. "

أشار لها بأن يوسف ابن الجيران قد كتب مقالة طويلة بعنوان " أنا سيّ لأنني عاجز عن جعل نفسي بعيدة عن المرمى .."

أُعجبت سلاف بالفكرة.. ودون أن تسأل أضاف ماهر:

- أتعلمين معنى عظمة الروح ومناجاتها؟

- ماذا تقصد؟

- لقد تغلبنا على مشكلة الخلود؛ صممنا حياتنا بطريقة خارقة، إنساننا لا يموت أبداً، وإنما تنتقل روحه من جسد إلى جسد.. والأرحام هي مصانع الأبدية.. لقد توفيت أم ياسر ولديها ثلاثة أبناء، ولشدة التعلق بهم طلبت من الله البقاء قربهم، فوُلدت طفلة رائعة عند جيرانهم.. الآن عمرها ست سنوات، نطقت بالحقيقة وقالت بأنها أم ياسر وهي لا تغادر بيتها الأول.. قد يكون الأمر كذبة أو خيال.. لكننا تعلمنا  تصديق ما يقولونه.. مادام ذلك القول لا يضر بنا أو يجعلنا نسمو ونكون أقوى من الحياة..

لقد تمنت فدوى الموت بسبب مرض عضال أصابها، وطلبت من الله إعادة خلقها في بيت المرشد وهي تحبهم.. فتم لها ذلك.. في نفس اليوم الذي توفيت فيه أنجبت زوجة المرشد ابنة وقالوا إنها "فدوى"، وسموها فدوى التي ولدت من جديد.. ثم ماذا عن تلك المواقيت المرسومة موت ثم ولادة تالية ..؟

أما الشرير حسب ما تعلمناه، فتتحول روحه إلى قط أو ابن آوى، أو أي كائن ممسوخ … ويرتدي قميص الدونية- الحيوانية  - عقوبة له.. أما قميص البشرية، فهو مكافأة لحياة دائمة..لأؤلئك الذين تمكنوا من تطهير أنفسهم بالعمل الصالح..

- أعرف جيداً حكاية انتقال الأرواح من جسد إلى جسد، لكن لم أعرف أن لها علاقة بأعمال الناس..

- نحن منذ زمن طويل نقر أن الأشياء كلها تتكلم ولكلّ منها لغة خاصة، ويمكننا التخاطب معها، و أخيرا قرأت مقالةً في جريدة البلاد حول هذا الموضوع، وأكد العلماء حقيقة أن لكل شيء ذبذبات صوتية يمكننا الدخول عليها والتعامل معها، حتى التنقيب عن الثروات المعدنية في باطن الأرض يتم من خلال هذه الذبذبات، وهذا ما تقر به فطرتنا..

- يا أخي..! الله يحميك لا أريد فلسفة.. أَسمِعْني ماذا قال شعراء الضيعة في العشق فقط.

- عاشقة ؟

- لا أعرف.

- أجمل جواب عن تعريف العشق أنه لا يُعرف، وإنما تحسين به.. مثل أجاص ناضج طعمه في الفم وفي النظر.. 

- أتعلمني العشق؟

- تعلمين بلداً بحاله.

- قل لي شيئاً يفرح القلب .

- بيننا وبين الآخرين النجوم، لذا لا يستطيع أحد رمينا بالحجارة.

- أهذا القول لك؟

- أعجبك؟

- نعم.

- إنه من وحي اللحظة.

- وماذا أيضاً؟

- اسمعي هذه الحكاية: قبيل أيام وصل إبليس إلى مشارف ضيعتنا وصاح بمكبرات الصوت:

- أتبيعونني ضيعتكم؟

- مَنْ أنت؟ سأله أحدهم.

- أنا إبليس.

- بكم تشتريها؟

- بربع ما أملك.

- وما قيمة هذا الربع؟

- ثوبي الأحمر الفضفاض.

- مِمَّ هو مصنوع؟

صمت إبليس.

- هيّا.. تكلم.. تكلم..

- أعطيكم نصف ما أملك.

- ما قيمة ذلك النصف؟

- ظل النار في الكون كله.

- لنفترض قبلنا.. هل تستطيع دخول ضيعة كلها حب؟

- يجب أن أحرق حبها أولاً.

- كيف؟

- أسلبكم ما منحتكم،  وآخذ ما منحتموني إياه، وأعلن الفتنة وهكذا أكون قد اشتريت الضيعة.

- أتأخذ منا ظل النار ثانية؟

- طبعاً.

- وأين المواثيق الموقعة ؟

- أنسيت أنني إبليس؟

انتهى الحوار بينهما.. شاعت الخبرية بين الأهالي.. في اليوم التالي أصيبت جدتنا بالشلل.

- لم أفهم؟!

- حيث الأحبة والعشاق لا مكان لإبليس، وحيثما تنتصر المحبة والعدالة ينتصر  الإنسان وبالعكس.. فهزيمة المحبة والعدالة يعني بالضرورة إقامة الشيطان..

عبرت سلاف عن إعجابها بخيال أهالي الضيعة الواسع.. والذين يبدعون كل يوم حكايات لا تنسى..

تذكرت ليلتها الأولى في السكن الجامعي ، وتفاصيل ذلك الحلم الذي دفع بها للخروج إلى الشرفة .. نست أن تحكيه لأحد ، فحكته لظلها الذي طلت منه كفتاة تقابل نفسها ..

وهي تمشي حول الدار .. وجدت روحها تحلم حلم يقظة جميل..  اضطرت للجلوس  طويلا وهي مستسلمة لحالة غريبة ومنعشة فيها استقامة النسَّاك .. راقبت أمها وهي تكنس الزريبة .. وتهش تعبها بعيدا.. طرفتها بعينها ، فنظرت سلاف إلى اجتهاد أمها كشمعة تضيء  ..

 قبيل نومها همست :

- هكذا هم الذين يعاشرون السماء التي تنزل بتواضع إليهم و لتُسكن قلوبهم المحبة..

 

* * *

 

في اليوم التالي قابلت سلاف جدها ثانية؛ قبلت يده وجبينه  بحرارة أكبر، وعبرت  عن احترامها وحبها له.. قابل ذلك بفتور.. ظلت بالقرب منه طويلا ..اهتمت به لحين مجيء العمة التي حملت له مما طبخت .. خرج إلى الباحة الجانبية ، وضع طعامه على طبق قش ، وجلس محاذيا النافذة الواطئة .. وراح يلتهم ما جادت به ابنته ..

تحدثت إلى أمها قليلا .. خرجت من الخم .. رأتهما تتكلمان بصوت جلي .. انتظرتهما ، وبعد الانتهاء صاحت العمة لابنة أخيها ، وفي نفسها تصميم على إكمال مهمتها ، وتوضيح ما هو ضروري لها، والتي شعرت بأنها تبحث عنه لاستكمال معرفتها عن تاريخ الأسرة و الضيعة.. طلبت أن ترافقها إلى بيت الشيخ هلال الواقع على الهضبة المقابلة.. الملقب بالولي لما يتمتع به من صدق وقدرة على استقراء الأمور..  تعلم سلاف أن من عادات الضيعة، كلما مات وليٌّ يخلفه آخر بطريقة عفوية تماماً.. يعين دون انتخابات وتتفق السماء والأرض عليه.. إذا رفضه شخص واحد، أو لم تمنحه السماء بعضاً من قوتها، فلا يمكن أن يطلق عليه صفة ولي..  وتعلم أن الولي يتمتع بصفات حميدة ليس أكثر من ذلك .. لم تزر بيته من قبل ، وإنما صادفته مرَّاتٍ  في الطريق .. لذا تحمست للفكرة كثيراً.. مرّتا وهما في طريقهما إلى بيته بجانب مزار وهو مقام لأحد الأولياء المتوفين واسمه مقام الشيخ أحمد.. تمتع أثناء حياته  بقوة كبيرة في قطع سم العقارب والأفاعي والسخونة وأبو كعاب ، ولا يزال أسلوبه ساري المفعول، كجرح مكان اللدغ وإخراج الدم بكمية كبيرة، ثم وضع الثوم أو قتل العقرب ووضعه مكان الجرح.. حدثتها عن أشياء أخرى تخص سيرة هذا المقام.. صورته لها لدرجة أنها اعتبرته  كشعاع نور مقيم هنا ..

وصلتا بيت الشيخ هلال.. كان جالساً في صدر غرفة واسعة ، على ( صوفا ) عتيقة ، يرتدي ( قمبازاً) بسيطاً وعمامة بيضاء وينتعل قبقابا رقيقا وبيده عكاز يسند جسمه اللين إليه من تحت إبطه .. تحيط به مجموعة من الأشخاص نساء ورجال وأطفال في صمت مهيب.. قبلتا يديه وأخذتا مكانيهما..

تقدمت صبية واسمها ثريا.. جلست قريباً منه وقالت:

- يا حضرة الولي.. أنا مغرمة بشاب من دير الزور وجئت أستشيرك بشأن الزواج منه.

- هل يحبك؟

- نعم.. لكن أخشى أن يقول والدي إنه غريب.

- يا بنتي.. لا يوجد غريب على وجه الأرض إلا الكراهية؛ إذا كنت تحبينه وهو يحبك فيعني أنك جعلته منا.. من أهل المحبة .. اذهبي وتزوجيه على بركة الله..

- أرحت روحي و أنعشتني يا سيدي...كنت أخشى من الخطيئة..

- توكلي على الله..

قبلت يده بعدما زرع ابتسامة على شفتيها وبستان اطمئنان في قلبها، وثقة لانهائية بالنفس.

تقدمت أم حسان منه وقالت:

- يا حضرة الولي.. غادر ابني للعمل في دبي ولم يتصل بي منذ ستة أشهر وأنا قلقة جداً عليه.

قال:

- ضعي يدك على صدرك..

فوضعت يدها على صدرها.

- إن المسافة بينك وبين ابنك هي كالمسافة بين يدك وصدرك.

ابتسمت المرأة وخرجت.

تقدم رجل وقال:

- إن بقرتي مريضة.

- هل أنا طبيب بيطري ؟

- لا يا سيدي.

- هل أنا فاعل المعجزات؟

صمت الرجل.

- لست بفاعل معجزات ولا قارئ الغيب.. يا بني اذهب وأَحضِر الطبيب البيطري وسيحل لك المشكلة بإذن الله.

اقتنع الرجل وخرج..

تقدم شاب وقال:

- لقد أضعت خاتمي الذهب يامولاي.

- هو معك.

- أين هو؟

- يا بني.. اذهب وابحث عنه في الأماكن التي كنت فيها.. إذا وجدته فالحمد لله  وإذا لم تجده، فاعمل واشتر آخر وهكذا تكون قد أعدته..

قبل الشاب النصيحة وخرج مقتنعاً..