|

بقلم الكاتب: د. أسد محمد
إهداء: إلى العشاق .. إلى الذين يسعون .. إلى مغامرة من نوع العشق .. أدعوهم إلى
الغوص .. في بحر الحب دون انتظار. أسد
دعوة للتطهر بالحب- مقدمة
تدخلنا هذه الرواية في ألفة السرد الغنائي ،ونجد أنفسنا نسبح في فضاء رومانسي
قائم على التناظر والتناغم بين الإنسان والمكان بين البشر والكائنات الأخرى ،
من حجر وشجر وأرض.. وأخيرا بين الشخصيات التي تتوزع الأدوار .
إن مصدر حيوية هذه الرواية الشيقة التي تشد القارئ منذ بدايتها رغم أنها قائمة
على حبكة معقدة أو غير معقدة أو على حدث درامي .. مصدر حيويتها يتأتى من
العلاقات المسرودة على لسان الشابات الثلاث الجامعيات في السكن الجامعي ، تحكي
كل منهن قصتها الخاصة ، قصة حبها وما تحمله هذه القصص من تفاصيل وتفرعات في
حياتهن الاجتماعية وعلاقة ذواتهن بالخارج بالإضافة إلى الأفكار حول المجتمع
والقانون والحق الذي جاء على لسان إبراهيم في قصة سوزان ، ثم العلاقة مع
جماليات المكان من أرض وطبيعة وبشر على لسان ماهر شقيق سلاف .
إن لكل شخصية دورها الوظيفي في السرد ودورها الفكري في القول حول الحب بالمعنى
الشامل ، أو لخدمة السياق العام الذي قامت عليه الرواية التي دلّ عليها العنوان
: حب أخضر.
يتساوق في هذه الرواية الغنائية والتحليل العقلي اللذان يتناوشان بشكل غير
تصارعي مع القدرية . إذ تقوم الرواية على تأكيد روح الإيجاب في الإنسان وفي
الطبيعة ومقدرة هذه الروح على احتواء السبب وانتزاع عدوانيته وبالتالي إلغاء
التصارع الثنائي لعدم وجود التكافؤ ، أو الندية بين السلب والإيجاب ، فالخير أو
الحب هنا أقوى وهو الأقدر على الاحتواء
والقدرية هي نفسها ليست عاملا مأساويا لأنها متوافقة مع الروح الإيجابية التي
أراد الروائي أن يؤكد عليها لأن الرواية هي رواية حب لكل شيء وإبراز لطاقة
الإنسان على الحب ، وأن يرى الأشياء كلها بعين الحب ، هذا الحب الأخضر
المتجدد،حب الطبيعة بسهولها وجبالها ، قراها ومدنها وبحرها، حب لحكايات الناس
ولعاداتهم الطيبة ومعتقداتهم ونزوعهم الفطري نحو الحب والتعاون .. واقعية
طهرانية لا ترى الأشياء إلا بعين العشاق المحبين على مبدأ : كن جميلا ترى
الوجود جميلا .
إنها رواية الامتلاء بالطاقة ، بالشباب ، بالحيوية والوفرة..
وهي تدفع القارئ بهدوء إلى التأمل والإصغاء ثم التفاعل وتعطي للحب الدور
المفصلي في التغيير والتطهير ..
----------------
ناظم مهنا
  
حب أخضر
-1-
طلّ من سرة الشرق ، تدرجت معه ملامح عديدة مع هالة موشورية في
المجيء المحير الذي راح يكشف رويدا رويدا عن فسحة كانت مخبأة في طيات الجانب
المهمل من الفضول .. إطار لأفق برونزي ، قرويون وقرويات .. أصحاب غبطة.. أزقة
ووهاد ، مصافحة ولهفة .. واحد نظراته من فطيرة الوعد.. وآخر تحُوْطه قبضة هيئة
واجمة يتوعد باستكشاف لغز دون المضي إليه ، وثالث حضوره خطف النظرات .. أنهضوا
بلدة بحالها من وعكة ترقب مشوش وأقحموا حواسها في رهبة، تحسست أحدهم حسناء
لاتخلو تصرفاتها من شجاعة بدائية ، دارا أمام أنظار الجميع حول مرج صغير كطفلين
يذوبان في اللعب .. تابعتهما العيون التي جعلا منها جزءا من مغامرتهما التي مشت
على دهشة .. استلطاف ورعشات عائمة من عابر ..
نزل رابع على درج من شفق مكدود- ( جنتلمان ) بثوب أبيض- ملأت طلته
فسحة أوسع من المكان الذي يشغله بكثير.. اقتربت منه الشرفة كبساط ريح يزور
ثريات اليقظة : دهشة وجه ، لسعة برد ، مناشير غسيل ، بجامة رطبة معلقة على
مسمار طويل ، جهاز راديو عتيق ، قطعة قماش شلحتها ريح في زاوية، سؤال واقف في
حنجرة الصمت كطفل خائف .. ومباشرة مع كل هؤلاء دخل في حوار جرئ .. أوحت
إشاراته إلى تواضع لافت .. فاض بجوع قصي للنظر وكأنه يغيب في وعي مبرمج ..
خصخص ملكيته للوقار وجعلها تنداح حتى مع غصن زهرة جوري يابس مرمي جانب أصيص..
خلع ما تبقى من التباطؤ عن مسيرة أيام خلت بشيء من المبالغة .. وقف كصديق قديم
يستعجله رفقاؤه الذين سبقوه في تسجيل حضورهم المبكر للذهاب إلى مكان آخر ،
بحجة أن هذه الشرفة الضيقة ذات الصدى الخافت تخلو ممن يرنو إليهم .. والجرأة
فاسدة كعلبة سردين تجاوزت تاريخ صلاحيتها.. والانتظار هنا كالضحك على اللحى..
وضع صديق يده على صمته الفائر من اقتراحات متكررة واعتبرها عشوائية ، وترك
الآخر يعبر عن جواه كأنه يجالسه لأول مرة ، من بين أكوام العتب والاعتذارات
الشفوية وجد فرصة للراحة والمماحكة .. وبعد ثرثرة انتهت بلَوْمٍ .. وضع ختما
بالشمع الأحمر على حمرة خده منتظراً، ودون أن يبدي أي انفعال أو جلجلة متوقعة
منه ، جانبهم الجلوس باحترام ، حدث همس من جهة جليسه :" ستبقى يا عزيزي كساعي
بريد يحمل الرسائل ، لا يهمه أن يعرف ما فيها .. أنت كمضرب عن التمتع بأشياء
متاحة له، ولغيره على عكس أصحاب المطالب ، ينتقد نفسه بأنه قليل التحمل ، بينما
هو كمثل جندي مجهول .."
تجاوزت الشرفة حدودها لتضم إليها قوافل مستعارة من شحنة الفراغ
وحيز الضوء والانضباط والدوافع ونظائر الأشياء .. وكأن العالم اختصرته بقعة
بوسع موطئ كلمة .. غابت مقطورة المدى مع أول نجمة غاربة كطفل أسكته ثدي أمه
الممتلئ.. غالبَ فرص التدخل غير المناسبة.. تسربلت الوجوه بطلة مترامية
الأسئلة ، صداع كاد يشب : زفرة استمالتها نعوة ، وانزواء لعبرات في جوف الحراك
، وقبل أن تختفي المشيئات بقطرة رحمة من وجه حسن ، أشاع غنج حسناء رؤية متشابهة
لدى الجميع ، مما دفعها إلى المزيد من التألق الممزوج بأجوبة على أسئلة طرحت
نفسها بقوة ..
تكلم مولول وهو يمشي على فرح ، وكأنه في موقع للدفاع عن أمر خفي لا
يجرؤ أحد على الاقتراب منه .. اكتفى بهز رأسه أمام أحدهم .. و شرح لآخر بأن
الرسول لا يمكنه المرور إلا بعد استئذان وليس بجندي يقتحم ، ووظيفته الأساسية
في هذه اللحظة هي الصبر والهدوء عند قدمي العاشقين .. تحمّل مشادة حول تهمته
بالصبر .. تجنب ما يدور كتعامله الرزين مع نجمة آفلة ينتظر عودتها ، وبقي
كعادته لا يتدخل إلا عندما يُتاح له ، بشّر بنزهة جميلة دون أن يبين الأسباب ،
أتهم بتحمل أعباء يقظة في وقت غير مناسب ، وبأنه يحمل أحيانا مناظير ليلية
للتجسس، ورؤية ما لا يجوز رؤيته.. ابتلعت خبراته كل هذا الاستعجال ، وترك مهمة
الإقناع لآخر متفهمٍ ، والذي وضّح صراحة : ليس له علاقة بالقصص السيئة ، ولا
بأي شخص يحمل سلاحا أو أفكارا خلاسية .. وتوجد حرية للجميع بـ.. و ما العيب في
أن ينزل على هيئة شيخ لملاقاتنا ..؟
حدث رد لا يخلو من تهكم :
- عن أية حرية تتكلم مادامت الخطوة التالية تستعد لترحيلي بغض النظر
عن المكان شرفة كان أم باب ؟
- لا توجد خطوة تالية .
- قصدك أنني غير موجود ؟!
- أقصد الخطوة التالية موجودة فيك ، أنتَ الخطوة التالية..
تداخلت خطوط غير بيانية ، متشعبة كأغصان برق محموم.. استباحت راحة
البال للحظات ..
كاد الحوار يطول لولا تدخل شكل غريب لبنية غير مألوفة لها رائحة
زواريب ضيعة منسية ، انحنت إجلالا ، ثم التفت إلى شفق بدا على بعد لمحة بصر من
جهة ميسم الشرق ، وبعيد عن العتمة التي تبصبص من وراء النافذة مسافة دهر ، تهيأ
له ذلك المشهد الذي يتكرر كلما ألحت عليه الضرورة بشيء من المودة، أو طلب منه
جليس آخر بلهفة المستعجل والمدفوع من الخلف للعبور ، وكأنه تحت سطوة ما،
أوتحثه رائحة آتية من ورع ، عبّر عنها أحد مريديه :" سيبقى هكذا ، كما عهدته،
يتخلف عن اللحاق بنفسه، من أجل أن نعبر ، يمضي من حولنا، ومعنا ، يتلهف ..
ينتظر.. يتعب منه الفضول .. لكنه يزودنا بدفئه حتى أثناء بعده عنا.. يقدم
للكسول كما للنشيط فنجان القهوة و لا يشرب معهما ، يقدم لهما الجريدة ولا
يشاركهما القراءة .. يمشي كيفما نشاء حافياً، بعد أن يوقظنا برفق، ويدفعنا
للمسير منتعلين .. ونمشي برفقته دون أن يشعرنا بذلك كي لا نزعل منه أو يشعرنا
بأنه يتعقبنا، فهو كحارس أمين ، أو كعسس عصري بياقته المهيبة ، لكنه غير مهتم
بجمع المعلومات ، وليس لديه مكتب لتحليل الأخبار.."
طلَّ وجه آدمي أليف.. يعتاش على الأمل ، أوت إلى جاذبيته النظرات ،
ملأ الشرفة حضورا حسيّاً.. أخرج من الموقف حيرة بلون القيح ، طرح جدلا بصمت ..
أومأ برأسه مجيبا على أسئلة عديدة .. وكانت النتيجة الأشبه بجواب تام " ذلك كان
في الأمس وحسب.. أما الآن ، فهي تحب الجميع .."
حدث لغط ، دون أية إثارة، واستضافت الشرفة رغم ضيق مساحتها عددا
منهم ، التفتوا إلى بعضهم البعض بهدوء كمن ينتظر موعدا مع قارئة طالع ستقول كل
الأسرار .. شبّ الفجر واقترب من موعد الوقوف على رجليه، والمشي للمرة الأولى
هذا اليوم.. تحّمل الوقوع أكثر من مرة قبل أن يخطو.. حطّ عصفور دوري على سلك
معلق إلى الجدار القريب .. زقزق بعناد.. أحدث توازنا غير منتظر .. جاء عصفور
آخر ، كأنه يدعوه لوليمة قريبة فطارا .. وجد الصبح المطلي بغيم داكن نفسه على
موعد مع فتوته ، ضمد عبوره من كدمة الانتظار وضرب موعدا مع الغد في مثل هذا
الوقت .. وقبل أن يغادر قال بصوت جلي : " كالعادة، ينتظر الضوء بجوار الباب حتى
يفيق التلاميذ من نومهم ، يسبقهم إلى الصف ، يفتح لهم الأبواب والنوافذ ،
ويقدم لهم وجبة التعليم كأنك المدرس الآخر الذي لا يمل .. ويخرج معهم إلى
الباحة.. يلعب الكرة، وينط أكثر مما ينطون بفرح غاو، و .."
حدثت جلبة تلاها تلصص غير بريء من وراء شق صغير تتنفس منه النافذة ،
استفزت الأشياء التي تسترخي على عجين الوقت المعطر بالهيبة ..
وقبل أن يبتعد آخر .. ردد " : لا أقبل أن أكون مخفرا متقدما لصالح
أحد، حتى ولو كلفني الأمر قطع أصابعي.."
فاقت سلاف من هذا الحلم الطويل لليلتها الأولى في حضن غرفتها بعد
وصولها من الضيعة ..
خرجت مباشرة إلى الشرفة على رؤوس أصبع قدميها وكأن هيبة المنام
لاتزال تهوم بها ، وتثقل أنفاسها بحامض العتمة ، وقفت في المكان نفسه الذي كانت
واقفة فيه طيلة نومها الكابس على راحتها .. وضعت يدها إلى جبينها كمن تتحسس
حمى ، متوجسة من كل ما تقع عليها نظراتها التي راحت تجتر الترقب الفاجرلأبسط
الأشياء ، نظرت إلى الشمس الطرية ، وهمست :" هذه هي التي رأيتها في الحلم ..
لكن ماذا عن الأفق والضوء والشفق والخطوط والأشباح ؟ وهل كان الوجه الأليف هو
وجه ماهر ؟ وهل كان مضطرا للقول بأنها تحب لجميع ؟!.. ماذا يجري من حولي ، أم
هو مجرد حلم ؟ .. "
سحبت جسدها الملفف برفات القلق للداخل ثانية تحت تأثير مغناطيس
الارتباك ، و أعادت كل شيء كما كان : الستارة ومعها العتمة والأسئلة .. استرخت
مع خميرة اللحظة العابرة كمن تستريح من منازلة شاقة مع تعب تغلغل في مسامها
كعرق يستعد للرحيل..
وكان النوم ذلك الزميل الذي لا يزال يروّض مشقة أيام خلت ، وتركت له
حرية التصرف، ولراحتها فرصة تناولها كفتاة تنتظر هذا الكم من الاسترخاء ..
أعادت هؤلاء من جديد وتركتهم يديرون حوارا تحت تأثير
رغبتها بالبقاء معهم ولو لجزء من أمنية قادرة على التقاطها بطرف
جفنيها ، وبقاء هذا الحلم الذي وقف فيه ماهر وسط الشرفة يطارح أفقها كأنها على
موعد فتي مع جذوته .. ومع أفكاره التي ناقشتها معه قبل أيام مستوحيا رؤيته من
الضوء والمغامرة وعشقه للطبيعة .. ولتحس بأن منامها هو تكثيف لتلك الأيام التي
أمضتها مع ماهر والقرية وأبت أن تمر دون أن تزورها كزائر ليلي أيقظ لديها حكاية
كموجة صبا انبجست من آية شكر عذري .. أبقت عينيها مغمضتين تحت تأثير أحداث
منامها التي غزت نومها كفارس تقّصد إثارة ليلها ونقلها إلى عوالم لاتزال على
مقربة منها ، ومغمسة بطعم وجوه العمة والجدين والأسرة والضيوف .. ورائحة شجيرات
الطيون، ووخزات شوك البلان وشوك العليق وعصافير أبو حن وأبو ذيل والبط البري
.. عوالم أشبه بطير في قفص تتحكم ببوابته ولديها حرية أن تتركها تطير قبل أن
يتحرر نظرها من عشه المبني من جفون تروج للفرار بعيدا حتى عن الحرية نفسها ..
دعكت عينيها بهدوء ، قدمت ورقة انتساب إلى طفولة النهار، ثم نهضت
بتروٍ ، و لديها رغبة في استمرار هذا الحلم الذي وُلد من رحمه أسئلة غير مقنعة
حول أسباب وجود وجوه عديدة بالقرب منها ، وإدارتهم لحوار لا تمت إليه بصلة
مباشرة، و ملاسنة ماهر كأنه يدافع عنها من حاسدين ، أو محاولة منه للبقاء إلى
جانبها كما تتمنى في الواقع على اعتبار أن المنام يتبع أحداثاً خلت .. جزأت ما
حدث لها إلى نصفين : براءة وفوضى غير محسوبة .. أحاكت ميلودراما من الحدث وهي
تقارنه مع سهرة تلفزيونية مؤثرة شاهدتها مؤخرا ، كما سبق لها أن فعلت مثل هذه
المقارنة أكثر من مرة .. تمنت أن تكون أمها قريبة منها كي تسألها حول بعض
المواقف ، وما مردها ومغزاها .. همست : << كانت ستقول إن هيئة الأفق تشير إلى
حكمة ، ولها فأل خير ، والرجل الذي حاوره هو صديق وفي وغيور ، والخطوط والغشاوة
والشكل الهلامي تعبر عن فوضى أو أمر غريب سيحدث ، والخلاف بينهما .. العياذ
بالله منه .. والزعيق نبوءة فيها بعض الخوف .. أعرف أنها ستقول كعادتها : أما
الشرطي، فهو ملاك أو مؤمن ، والأفعى عدو .. والبياض فسحة أمل أو عرس .. إلى آخر
الاسطوانة .. >>
تنهدت مبعدة احتملات الشك ، وانبرت كقطة تخربش على صفحة نفورها من
الحرج ، وتساءلت بتردد فيه أنفاس ذكرى : " قالت أمي ، إن أحلام أول الليل غير
صادقة وتصدق عند وجه الصبح .. حلمي صادق ؟! .. لكن ما معني الاختلاف ؟ .. هه ..
كان الصبح ورديا .. ولن أنذر أي نذر للخلاص من عقباه .. خير اللهم اجعله خير
.."
توقفت على حدود شرود افتعل موقفا غير مهذب معها .. تركته يسيح كقطعة
ثلج بفعل إهمالها العفوي ..
منحها ذلك قوة وتدبر كيفي من أجل إدارة اللحظات التالية .. على
الفور تراءت لها صورة عمتها وشبهتها بالضوء الذي انتظر عند الشرفة ، تمنت أن
تبقى تحت وقع هذا الحوار الذي فرّ من داخل ردهة مخفية في أعماقها كوطواط ..
هونت الأمر وطوت تنهب فصاحة عمتها : " لقد حكت لي عمتي حكاية مشابهة عن شيخ
نام مساء ومع الصباح تحول إلى فتى بفعل الضوء.."
تعكزت همتها قليلا على رغبتها في استرجاع تفاصيل حلم للتو تسلل إلى
بهو تخمينها الحسابي غير الدقيق ، كادت تستسلم لهذه الرغبة لولا وقع نداء خفي
لكزها من مشاعرها المحاذية لطرف هدوئها الخام ، عرّتها شحنات متتالية من ذكريات
بدت طازجة بفعل الفتوة وبفعل وقائع امتزجت مع أهوائها بأن تخوض أول خطواتها مع
سكينة تنتظرها في لحظة استعداد لإنجاز مهمة تعتريها ضرورة استخدام الفطنة
الندية ..
استند جسدها المرن على طرف ذراعها لبعض الوقت ودون أية مبادرة منها
للتفكير بعمق .. اندفعت نحو زاوية الغرفة قاطعة أية محاولة لاستجواب أفكارها ..
أزاحت الستارة كأنها تستدعي أحلام يقظة بالدخول إلى غرفتها .. فتحت النافذة
بشكل جزئي .. اندلق العالم الخارجي دفعة واحدة إلى الغرفة.. قدمت اعتذارا غير
مقصود لنفسها عن فوضى أشيائها بطريقة لا تخلو من الخجل الوردي ، وكأن العالم
الذي ينتظرها للسلام لم تجهز له بعد قهوة الهمة .. ونبات النوافذ لا يزال ينمو
بين كتلتي روحها وحسها المترب بالطراوة .. أزاحت عن عينها أشلاء النعاس بالماء
البارد ، واغتسلت من بقايا تعب واخز.. حسبت أنها تأخرت عن الدوام .. رتبت
سريرها نصف ترتيب ، نظرت إلى ساعة الحائط غير المضبوطة.. أزاحت التقويم المهمل
جانباً ، وتركت أوراقه تلاعبها ريح نصف شتوية ، وانطلقت ناسية نصف أغراضها
التي ترافقها في مثل هذا المشوار ..
استعدت للخروج في يوم دراستها الأول تحت تأثير مبدئها المقدس "
الدراسة أولا .."
تركت الستارة نصف مفتوحة ، وسلمت النافذة لعبثية الهواء المنتمي إلى
شتاء بدأ يشيخ ..
وهي تغلق الغرفة التي تفوح منها رائحة جسد يتخمر ، اشتعلت نظراتها
بشيء يشبه حلما طارئا ، خرج معها ونزل الدرج أمامها كطفل ليترك الظل في الغرفة
، وهو يردد :
- لن أبقى في الغرفة وحيدا ، في غرفة نافذتها متروكة للريح ، وتقويم
مهمل ، وساعة تكاتها عشوائية ..
- هي متعبة ..
- وهل هذا مبرر كي ..؟
- نعم .
- لقد فتحتَ لها أبواب الكلية و..
- لا منية لي في ذلك ..
- أما أنا ، فأختلف عنك ..
- أنت حر ..
- حرية من هذا النوع تجعلني أصدقك أيها الضوء ..
تركت إهمالها والضوء وظل الوحدة السكنية يتحاورون في الفسحة
الجانبية للسكن والمحصورة بسياج لشجيرات مقصوصة الروؤس حديثا ، ومضت مسرعة ..
تملكتها همة تسربت إلى أوصالها من روح تراب بستانهم التي أشعرتها
بوجود والدها يكدح فيه الآن، ودفعتها للمضي .. تمشي على وقع ضربات منكوشه كأنها
ترسم لها خطواتها ..
* * *
في طريقها إلى الكلية أزاحت تذمر بعض أعضائها المتعبة جانبا ،
غذَّتْ خطواتها مسرعة عبر الدروب القديمة ذاتها .. وربتت ردفي همتها بكفي
الرغبة بغية الوصول في الوقت المناسب .. واعتذرت من نفسها عن التأخير .. احتملت
خطواتها المستعجلة وفاء للانتظام الصارم الذي تعودت عليه.. عند مدخل الكلية
كانت على موعد مع الجداول المعدة سلفا والمعلقة إلى لوحة الإعلانات ، ودون أن
يثير انتباهها نسيان قلمها ، بحثت عن قلم وأخيرا وجدته مع المستخدم ، وبعد أن
أعادته شاكرة ، قال من وراء ابتسامة جافة " أنت من أوائل الطلبة الذين حضروا
.."
ثم فهمت منه بأن الدراسة لن تبدأ بشكل جدي إلا مع بداية الأسبوع
التالي .. جالت بها كلماته كذكرى طيبة.. تحسست بعفوية المبنى الذي بدا لها كوجه
طفل ، سمعت رجع صدى حتى أقل حركة منها وهي تصعد الدرج إلى قسم شؤون الطلاب،
انتهت من بعض الأعمال الملزمة التي يبدأ معها الفصل الدراسي .. وبعد ذلك تلقفها
الممر الروتيني ودفعها للعبور من أمام المكتبة التي كانت تمر من أمامها كل يوم
أكثر من مرة أثناء الفصل الأول ، شعرت بحشرية الدرب الصغيرة التي وسختها أقدام
المارة بالطين ، فابتلعتها كأنها تبتلع لعابا جافاً .. منعتْ نظراتها من ممارسة
حقها في التحديق إلى مكتبة صغيرة داخلها نصف مضاء.. عبرت بسرعة عبر أكمة
المكان الذي كشف عن حيوية استدعت ذاكرتها للتناوش معه بهدوء ..
انتابها شعور متطفل على مائدة الهدوء وامتزج مع الجو الضبابي الذي
أفرزه موسم الشتاء كأنه على موعد مع التذكير بأنه في احتفالية الوداع
الاعتيادية ..
أصدرت مفاصل الباب وهي تفتحه صريرا ذكّرها بصديقتها ندى التي كانت
تردد مازحة : " يذكرني صوته بحالتنا أثناء الفحص .."
علّقت المفتاح في المكان المخصص له ، رتبت سرير صديقتها، ثم
سريرها.. انتهت من هذه المهمة ببطء .. تسلل خدر أنيس إلى أعصابها فاستسلمت له
كوجبة شهية ..
بعد راحة لم تطل استقبلت الشرفة المتنبهة لحضورها ، ومعها كأس شاي ،
استندت إلى الحزام الحديدي بكامل ثقلها ، وتأملت على حين غرة جثة الشاي التي
يدفنها دخان البخار المتصاعد منها ، بقيت على الحياد من شفتيها التي رشفت رشفة
وحيدة .. انتشت نشوة ناقصة امتزجت مع رخاوة الوقت العابر لبرهة دون أن تمانع
ملاحقة شكوى عفنة حول لحظتها الراهنة .. استدعتها الغرفة ، فدخلت إليها ،
نظرت إلى ساعة الحائط ، وانتهى بها شرودها إلى ترك العقارب على حالها..
اجتهدت في ترتيب بعض الأشياء التي تفوح منها راحة
ذكريات الفصل الدراسي الذي مضى كلمح البصر ، تسللت إلى مخيلتها قامة
ندى ، فهمست مجترعة ذكرى ندية : " كنت في هذا الفصل أسرع منها في الحضور إلى
الجامعة ، أو ربما هي الآن معه على الشاطئ، من يدري؟! .."
انتهت من ترتيب الغرفة ، وفجأة تعرى أمامها فراغ عميق كشبح عدواني
، وخلع عن وجهه قناع نقلها إلى حد طرح أسئلة حادة حول العيش ولو للحظة كطالبة
وحيدة في غرفة متواضعة للطلبة ، دون عمل أو دراسة أو الجلوس ولو لأقل من رفة
جفن في أحضان الطبيعة.. فاض منها إحساس زلق حول شعورها العرضي هذا..
تحرّك تأملها كفتى شجاع وحملها بعيدا عن هذا الفراغ المشبوح الذي لا
يليق بفتاته المتشبعة بالحيوية .. أخذها إلى يوم أمس عندما كانت تعمل صباحا مع
أمها في الأرض أقبلت عليها كحكاية مثيرة قبل النوم ، ودون أدوات التشويق
المعتادة سمعت مواويلها وهي تنكش حول شجيرات الزيتون ، وتقش شجيرات ( الشرنب )
المترهلة ، وصوت مزق طرف ( حراجتها ) الذي علّق بشوك يابس ، وضحكة الأب الذي
تلا الحادث .. ضحكت كأن الأمر حدث للتو .. تسلل موال إلى روحها فهضمته ، وهضمت
موالا ثانيا ، ثم ثالثا لتجد نفسها تردد :
" ضارب بالرمل مليان مندَلْ
عزولي عالولف يا ناس منْ دَلْ
دعوني أشرب الخمرات مِن دَالْ
اللي كانوا يمرقوا تحته الأحباب ."
انتابها إحساس مسطح ومقسم إلى كسور اعتيادية بأنها لم تجدْ دندنته
كأمها ، فكان كالمحرض الذي أيقظها من عبء تكرار عفوي لأشياء غير مضطرة لتقليدها
، اكتفت بالتعلق مع لحن أمها الحنون وكأن وجدانها مولود منه.. وانبرت ترطب
لسانها باسم أمها : " أمي في كل شيء رائعة .."
استطردت وتذكرت ما قالته والدتها عندما انتهوا من العمل ظهيرة أمس
:" يا مو .. الجامعة أبدا منا .." وفهمت هذا القول بأنه إيعاز واضح وصارم
يدعوها للمضي إلى الجامعة ، فدفعها للسفر بعض الظهر رغم وجود بعض الأشغال التي
لم تكتمل ..
ظلت ممددة على طرف السرير تلعب بضفائرها بيدين فاترتين، بينما
تحدث قدمها المدلاة في الفراغ شغبا متطرفا ، انتهى بإصابة علبة الكرتون المسجاة
في زاوية معتمة ، و تغفو فيها دفاترها ، فجأة نهضت ، انحت إلى سوية السرير
وسحبتها من تحته، وقع نظرها على عنوان في الجريدة التي تغطي العلبة ، وأخذتها
منه كلمة " نعوة " قرأتها وارتسمت أمامها صورة الفتاة المتوفاة بحادث سير أليم
.. وكأنها صديقتها .. مسح المربع المجاور هذا التجاوز للمشاعر ، وفيه إعلان
زواج لشابين.. حدث لعينيها رأرأة حادة وهي تمرر نظرها بين الإعلانين – إعلان
وفاة وإعلان زواج - بقيت على حد شفرة خشنة من أسئلة غير بريئة ..
وبسرعة مزقت الجريدة .. أيقظت دفاترها من نوم استمر طيلة عطلة نهاية
الفصل الدراسي ..
بدت أمامها كأصدقاء ..أفردتها على الطاولة .. وتركتها تدير حوارات
في غاية الدعابة ..
ذكّرها الدفتر المطلي بالحبر من طرفه السفلي بالبحر الذي شبّ أمامها
كصبي مشاغب عندما رشقها برذاذه وهي تعبر بالقرب منه عائدة إلى الوحدة السكنية ،
وكأنه أراد أن يوشم دفترها بذكرى .. همست :" وقتها كان غاضبا ، وملمسه كالشوك ،
بعكس تلك المرة التي لمسته فيها ، وكان ملمسه كبطن بطتنا.."
وذكرها ملصق لزهرة على دفتر آخر بزميلتها التي استعارته، وتركت عليه
بقعة زيت ، وأعادته خفية دون اعتذار ، فأخفت البقعة ، وشكرت زميلتها التي كانت
السبب في وضع هذا الملصق الجميل ..
قلبت دفترا باهتمام وتساءلت: " معقول أنا من كتبت كل هذه التمارين
وبهذه الروعة والترتيب ؟! "
قدم الدفتر نفسه إليها كصديق ينتظرها كي يذهبا معا إلى أولى
المحاضرات ..
قرأت تمرينا من ذيل الدفتر وفي الصفحة الأخيرة ، فأحست بأن روحها لا
تزال تعيش فيه ، واشرأب من داخلها فصلا من وقت لا يمضي كأنه ضلع الخلود في
صدرها ، وتذكرت قول أمها عندما وقفت أمام شجيرة زيتون ، وقالت بصوتها الواثق "
فيها كثير منا ، فهي تنظر إلينا ، وتكلمنا ، وتشكرنا ، وتحتفل بوجودنا إلى
جانبها .. تشعر مثلنا.. إنها كطفل من أطفالي ، وأبادلها كثيرا من الحب.." ،
رفلت وهي تستعيد ذلك الأمس الذي حلق حولها كعصفور ..
فجأة طلّت أمها من النافذة كملاك ، ثبتت ناظريها وكأنها على موعد مع
قدومها من تلك المسافة المحاذية للأفق القادرة على استحضاره متى شاءت ، تمدد
الصمت بينها وبين هذه اللوحة الرائعة والمكتملة الصنعة كفاصلة تستدعي قراءة
الجملة التالية..
نثرت خيالها المتوثب ما بين سطور لحظاتها ورتبتها لتتفق والحالة
التي تمر بها ، لم تكن هناك أبجدية أو حكاية طويلة تتسع لهذه المشاعر الحسية
.. خاصة وأن ملامح ضيعتها قد أطّرتْ هذه الوجوه التي رافقتها إلى الغرفة وكأنهم
هم الذين جاؤوا معها إلى الكلية لا كتبها وأدواتها التعليمية .. بررت هذا
الموقف مع غمغمة لزجة : " لا يزاحمني أحد على تخيلهم .. لا صديقتي ندى و لا
الدراسة ولا عمتي ولا أيامي الماضية .. "
أقامت هدنة هشة مع فيضها المتدفق ، وبعيدا عن المجاملة الآبقة وقعت
في أسفل صفحة هيجانها مستسلمة لحالتها ، واستراحت من موعد متكلف مع أحلام يقظة
تتكون عناصرها الأولية من ماضٍ يتكاتف مع حاضرها في تماه بسيط وجميل ..
وبسرعة مكسورة الخاطر ألقت بروحها إلى فيض وجداني آخر أججه طيف
والدتها التي لا تشبع من تقبيل أطراف ثوبها وقدميها وكل خلية من خلاياها ..
" أمي قلب البيت ورونقه إلى جانب والدي عيون البيت وجدرانه
القوية.."
بقيت لصيقة مشاعرها وكأنها تتعرف إلى نفسها من جديد .. استسلمت إلى
هذه السكينة الأشبه بوردة أخذها جمالها إليه..
استراحت قليلا ، نظرت إلى كتب ندى الموجودة على رف صغير بعينين
طائرتين ، قرأت أطراف عناوين ، وتذكرت ما قالته " الكتب وطن العقل وهوائه.."
تقصدها الوقت بلقاء بسيط خال من التصنع ، استجمعت بعض الراحة
ووضعتها في ساعدها بانتظار الدراسة..
أرسلها النهار إلى ظهيرة بدت لها كفطيرة من صنع أمها .. وعلى وقع
دندنات موسيقا محلية قادمة من غرفة مجاورة غفت بهدوء وهي تودع غصناً رسمته
بطرف عينها وبحبر نظراتها على زاوية النافذة ..
* * *
تمشت في سوق المدينة القديم بمفردها بعد زيارتها اليتيمة له في
الفصل الدراسي الأول برفقة ندى.. بقيت حيادية تجاه كل ما يقع عليه بصرها رغم
شرذمة الهدوسات المجانية التي سقطت بالقرب من سلة إهمالها .. عادت منه إلى ساحة
الشيخ ضاهر ، وبدت للسوق بأنها زبونة غير جادة .. أجلّت شراء بلوزة لحين قدوم
صديقتها كي تشاركها الاختيار ..
عبرت شارعا طويلا ، مشت على رصيفه كأنها تمشي على ظهر أفعى ، انتهى
بها إلى موقف ( السرفيس) ، أخذت مكانها وهي تنظر إلى المارة من وراء زجاج نافذة
مغبر وغير مصقول ، شاركتهم عجالة متربصة بالهدوء ، وطرحت عليها منظرا لا يخلو
من عبثية رجل سمين ، تبرأ منه الشبع ، يلتهم (سندويشة) في المطعم المطل على
الساحة ، وكأن المدينة تدخل في مؤامرة ضده وتعري شهيته لتجعلها فرجة للآخرين..
اتكأت بخصرها على طرف المقعد الفارغ بانتظار أن يمتلئ.. وخالجتها
فكرة غير مرتبة حول المدينة الأشبة بأكوام القش والإنسان فيها أصغر من إبرة ،
وبأن المدينة الكبيرة كشرطي يفرض على هؤلاء السير وفق قوانين محددة ، وتفرض
على زائرها منظر الصبْيَة الذين يبيعون على الأرصفة ، و شم رائحة الفلافل
وشواء اللحمة التي تزكم ، والموضة التي تفرض نوع اللباس، والباعة الذين يسوقون
أصواتهم الثكلى ، كأنهم في ثكنة عسكرية سينفذون ما يطلب منهم في نهاية الأمر ..
تمنت أن تشتري حبة جوز هند من العربة الواقفة مقابل المقهى الصغير
، لكن السرفيس تحرك وحملها كنكرة يسابق بها الزمن إلى أمكنة تتراءى لها من
وراء أسئلتها الطفولية وأجندتها السطحية ..
تحسست نوعا من الاستهلال الداخلي للانحناء أمام هذه الفوضى، وأغلقت
البوابة على وقع أفكار تكاد تسقط في حفرة شكوكها .. وعلى الفور بدا الصمت كأنه
الابن الشرعي للحظاتها هذه التي تفرخ احتمالات والحاني على امتداد نظراتها
الهاربة إلى استقامة واقعة ضمن مدى ظنونها ..
انتهت محاولة تحري صبيانية لشاب جالس في المقعد المجاور لها بعد أن
استخدم طرف عينيه ويديه وحتى جزمته بإثارة انتباهها بقمع من السائق الذي انتبه
إليه وعبث في وجهه فغير مكانه على الفور ..
ارتاحت لهذا التصرف ووضعه ضمن سياق " احترام ابنة البلد.. "
تسارع العالم الخارجي في الهبوط نحوها عبر أحساسيها المرتهنة له ،
تركته لعجلات الوقت المتسارعة ، وقررت عدم النزول عند النفق الأخير من جهة
الجامعة بغية شراء حاجة ، ترددت بدافع الخوف من حشرية شاب آخر لن تقوى على
كبحه.. رددت : " المدينة كواد كبير مثل عتمة .. يجب أن تعرف ممراته قبل أن
تغامر بعبوره .."
كانت المدينة خلفها كمسودة دفتر عليه مسألة لم تنته من حلها رغم
الجهد المبذول .. وعندما ظهرت الجامعة من وراء أشجار كينا الأرصفة الباسقة ،
أغلقت هذه المسودة بحسرة ..
دلفت من السرفيس ، ومضت باتجاه كشك صغير بقصد شراء بطاريات لساعة
الحائط ..
أجابها البائع بأن الكمية نفذت .. همست وهي تسير : " للمرة الثانية
نسيت أن أشتري بطارية .."
تذكرت قول ندى وهي تتدحرج على الطريق المائلة باتجاه السكن الجامعي
".. يجب أن تتعب ، وتكابد ، وأحيانا تقدم للمدينة كل ما في جعبتك من فلوس كي
تصادقك ، لايوجد فيها شيء مجاني .."
وهنا انبرت بشيء من التحدي لمواجهة شكوكها، وأضافت : " بس الضيعة
غير هيك ، أحيانا تكون حتى همومها مناسبة طيبة للقاء مثمر.. هي صديقة للجميع
.. وتقدم الهدايا بلاش .."
مشت على طرف جرح تنزف منه المقارنة بين قريتها والمدينة كأنها
تستعدي تجربتها البسيطة هذه ..
ظلت كذلك حتى وصلت غرفتها ، فتحت الباب تسبقها تنهيدة أشبه بلغز ..
مع خطوتها الأولى في الغرفة سمعت صرخة مدوية جعلتها تجفل من أعماقها .. انكمشت
على نفسها وتجمدت في المكان كوتد مغروز في الأرض .. فاجأتها ندى وتقدمت منها
كغزالة .. لفتها بين ذراعيها .. تعانقتا ..
- سلاف .. !
- ندى .. !
- أنتظرك.. يوم أمس بطول سنة وأنا وحيدة في هذه الغرفة ..
- مرة ( تانية) لا تسبقيني..
- أنا مشتاقة لك ..
- بالله .. كيف حالك ؟
- مثل حالك..
كأكأتا على وقع تهمة مفتعلة من ندى .. تبخرت المدينة والفراغ
والأسئلة و .. من أمام سلاف دفعة واحدة .. ظلتا واقفتين في حالة من نسيان طارئ
لنفسيهما .. وبحركة حذرة من ندى بدأ الحديث يطفو على سائل اللقاء الأول ..
تحمّى الكلام بينهما جمرة فجمرة ..
جلستا متقابلتين على السرير كحوريتين ، وبيد سلاف ضفيرتها الحريرية
كأشعة.. قالت ندى : " كتر خير الجامعة اللي رجعتنا لبعضنا البعض ، فهي أفضل
صديقة لنا.."
جاءت موافقة سلاف على كل ما تقوله صديقتها كمذاق الشوكولاته على
قلبيهما .. قامت سلاف وجهّزت
( المتة ) ، بينما راحت ندى تفرغ شنتتها من المونة وبقية الأشياء
التي حملتها ، وقدمت لسلاف هدية.. قالت ندى مازحة :
- هذه هدية من دمشق اشتراها لي والدي، لم تعجبني وقلت في نفسي (ضحكت
بصوت عالٍ ) بدل أن أرميها في الزبالة أهديها لسلاف ..
بادلتها سلاف المزحة بمزحة مماثلة " طبعا ، أنا أفضل من الززز.. "
ثم تناولت الهدية .. لبستها ، وقالت :
- " من شو بيشكي جسمي ، إنها تناسبني .. كَتر خيرك ! وفرتِ عليّ ثمن
بلوزة .. كنت راح اشتري واحدة مثلها .. أو أسوأ شوية .. "
امتدحت ندى جسمها الذي يليق له كل شيء .. أيضا قدمت لها سلاف هدية
.. تأملتها ندى بإعجاب ، وقالت :
- سترافقني مدى الحياة ، إنها مستحاثة لحشرة على حجر جميلة..
- وجدتها في بستاننا .. فقررت تقديمها لأعز وأغلى إنسان ..
- أشكرك ..
فاضت جوارحهما بذكريات خلت .. وبدت كل واحدة بالنسبة للأخرى كملاذ
آمن تسعى إليه .. أشاعتا في الغرفة حبورا تجسّد ضياء أنار وجهيهما كأنهما على
موعد مع احتفالية منتظرة لرمي الملل والرتابة في سلة مهملات عتيقة ..
بدأت الذكريات تصطف أمامهما كتلاميذ منضبطين.. وكلما انتهتا من
واحدة وقفت الأخرى بشيء لا يخلو من تحريض يدعو للاستجابة لها .. تحركتا في
الغرفة كبجعتين للتو دخلتا الماء .. انتهت بهما الفوضى والشغب الطفولي غير
المقصود إلى الشرفة ، كانتا تستعدان للجلوس عندما نظرت سلاف إلى الأفق ، وقالت
:
- الآن فهمت ليش البارحة ما قدرت على شرب الشاي وحدي ..
- ( ليش)؟
- لأنه ما كنتِ معي ..
كان هذا الكلام مقدمة لحوار طالبتين أظهرتا دلعا ، وعبرتا عن
غنجهما بقصص وردية عن الضيعة والشباب والدراسة والسفر..
حكت ندى عن ابنة بلدتها التي أنهت دراسة اللغة الإنكليزية من جامعة
حلب ، وقبلت مباشرة في شركة طيران خليجية كمضيفة..
وكانت فرصة لسلاف كي تسألها سؤالا لا يخلو من استفزاز :
- تحسدينها؟
- لا أحسدها ، لكن الطيران جميل .. جميل..
- بعد التخرج من الكلية هل ستعملين مضيفة ؟
- ( بكير على هذا الحكي..!)
انتهت ندى من هذا الجواب بشرود استمر حتى لكزتها سلاف ، وقالت بصوت
واضح :
- هه.. نحن هنا ولم نطر بعد ..
- أحلق من غير أجنحة ..
- لا تنس .. خذيني معك ..
- الطيران .. الأفق .. رؤية العالم من فوق .. العمل ..الأحلام ..
كلها أمور جميلة ..
- أنتِ الآن تطيرين بسبب الأحلام أم بسبب وائل ؟
- لهذه الأسباب وغيرها...
- ( نيالك) من غير حسد ..
- ألا تحلمين ؟
كان وقع هذا السؤال كصرخة في وادي سلاف الهادئ ، سؤال مسّ وبشكل
مباشر الحميمية التي تعايشها وتغذي تأملاتها منذ زمن طويل ، سؤال حرّك صداه
صمتا عجزت عن منعه من الارتطام بجنبات عوالمها التي تركن إلى هدوء حاولت تثبيته
بقوائم من قناعة ورثتها عن أمها وتجربتها الماضية ..
تحشرت بها ندى أكثر ، وثرثرت مازحة ، بينما بقيت سلاف تحت تأثير
جدية نجحت في إخفائها عن ندى عبر ابتسامات مصطنعة لها رنين جرس نحاسي ، لاحظت
ندى انكماش صديقتها فابتسمت ، وبعفوية استسهلت الجواب على السؤال الذي اعتبرته
السبب في تشنج سلاف المباغت ، فأجابت بدلا عنها بجواب فيه استفزاز ، ثم سألت
من جديد : " شو نفع فتاة في مثل عمرك لا تحلم ؟ "
ولكي تضع سلاف حدا لهذا الكلام ، قالت بصوت خافت : " وهل الدراسة
بالأمر الهين ؟ أليست هي حلما ؟! .."
فردت ندى ببداهة وبلهجة فلاحية مفتعلة : " الدراسة تختلف عن الحلم ،
الدراسة عمل ويمكن أن ننجزه بالجد ، بالكثير من الجد وبقليل من الحلم ، أما
الحلم فهو شيء أعظم وأهم .. يحتاج إلى طاقة روحانية .. طاقة من جوا .. افهميني
يا شطورة .. "
قاطعتها سلاف مباشرة ، وقالت :
- تكفيني فلسفة أخي ماهر ..
- هه .. ذكرتني به .. كيف حاله ؟
- يسلم عليك ..
- هو فهيم ، وشاطر .. ومشروع فيلسوف ..
- هو مُصر على متابعة الدراسة في بيروت ..
- بس ، فرعه .. فرع علم النفس صعب ..
- هو عارف .. لكنه يستمتع بدراسته ..
انتقلت سلاف مباشرة للكلام عن العائلة بشيء من التفاصيل هروبا من
طرح أسئلة حول أمور لم تخض غمار تجربتها ..
بادلتها ندى الحديث حتى وصل إلى حدالاجترار .. استأذنت وخرجت للسلام
على بقية صديقاتها ..
ظلت سلاف وحيدة مع نرفزة لبخة .. أشعلت آلة التسجيل ووضعت أغنية
نجاة الصغيرة " الطير المسافر " تمددت على السرير وهي تحلّق بافتعال واجف مع
الصوت الشجي لنجاة .. مستلمة لأعماقها وكأنها كائن آخر ترّجل عن صهوتها ، وراحت
تتفرج عليه من بعيد تبدو وكأن داخلها أمام مرآة مضيئة تريها كل ما تريد رؤيته
.. امتد أمامها أفق شكلته من خيالها .. وراحت تتجول فيه ، وهي مصممة على صياغة
مفاهيمها بنفسها كما قالت لها عمتها ذات مرة " انظري إلى الآخرين ماذا وكيف
يفعلون ، إلى تجاربهم، وطريقة حياتهم ، ثم عودي إلى نفسك وافعلي ما يروق لك
.." اختلطت عليها مشاعرها إلى حد المزج ما بين الفرح والحزن والأسئلة عن
الأحلام والدراسة والأهل.. طنت وزنت في أمور شتى .. وجدت نفسها أمام حاجز من
حالة كالماء في اليد.. حالة غريبة عنها وكأنها على بوابة تحتاج إلى جرأة لتطل
منها على ما يشغل بالها .. اشتكت من ندى التي حرضت لديها أمرا يغفو في عالمها
الداخلي وغير قادرة على تحسسه و لا تعرف ما هو بالتحديد.. همست بسخرية: "
الذكية هي التي تعرف ماذا تريد.. و الدنيا بدها شطارة مثل ما قال جدي .."
فرملت جماح ترددها ، وتكلم باطنها : << - لازم أسأل ندى عن نفسي أو
على الأقل رأيها حول بعض تصرفاتي .. يمكن تعرف ما ينقصني .. وهي أجرأ مني
ويمكن أن تقول رأيها عني دون خجل ..
-قالت عني كل شيء ..
-خبرتها أكثر من خبرتي في الجامعة ..
-ثقي بنفسك يا بنت ..
-أنا واثقة ، بس ندى صديقة جيدة ولازم أستفيد منها ..
-راح أجرب ..>>
أرجعت سبب أفكارها التي لا تخلو من شكوك إلى قدوم ندى الفتاة الأكثر
جرأة منها ، والتي جعلتها تنتفض ضد الخطوط المستقيمة والبديهيات في يومياتها ..
وتذكرت ما قالته عنها في نهاية الفصل الأول " .. لا تبحبشي كتير في بساطتك ..
كل شي عندك حلو.."
غفت وهي تردد كلمات صديقتها التي تعودت عليها حتى ولو كانت قاسية
أحياناً ، على اعتبار أن البساطة لا تتناسب مع فتاة من القرن الحادي والعشرين
كما أشاع الطلبة الذين تفاخروا بحضورهم المتألق احتفالية الألفية الثالثة ..
وصاح أحدهم بصوت عالٍ : " نحن في ألفية جديدة .. وعالم أقوى .. وأفضل .. عالم
ليس للأغبياء فيه أية قيمة ، هم أقل شأنا من قطعان الغنم التي ينتظرها المسلخ
في أحسن الحظوظ .." .. بين رغيف الحلم وكوابيس اليقظة الأشبه برنين جرس المدرسة
بالنسبة لطالب كسول .. تقلبت في فراشها .. ظل الهدوء كضيف خفيف الظل ينتظر
عند الزاوية يحملق فيها ، و يتحكم بالضجيج القادم من الممر كالحارس ، ويتهيب
النوم كسلطان يرعى هذه التلميذة ..
عادت ندى لتجدها تغض في نوم عميق ، وصوت آلة التسجيل يلفظ أنفاسه
الأخيرة ..
أطفأت المسجل ، ومسحت قطرات عرق متفصدة عن جبين الزميلة .. أغلقت
النافذة ، وتمددت بحذر على سريرها تسترجع خططها الدراسية السابقة ، والاستعداد
لهذا الفصل.. كررت السؤال نفسه الذي طرحته أثناء سفرها باستغراب أكبر:" لماذا
لم يوصني والدي بالدراسة كعادته عندما ودعته ؟.."
استطردت وأجابت بتروٍ : " هل يعتبرني كبرت على الوصية، أم ..؟! "
شعرت بحاجتها لبعض الراحة .. استسلمت لآلة الصمت التي تمكنت من
ترويضها وفق إيقاعها الخاص .. ابتعدت عن الأسئلة، وهي تتفرج على اليقظة كيف
تنسحب من أمامها كي تختبئ تحت السرير ..
تعثر الوقت في العبور من خلال هذين الوجهين ، فتبعثر كأشلاء عند
الهدوء الذي جمّده في ثلاجة الانتظار بعيدا عن مقاومة عرضية للمضي قدما عبر
أسوار غير ملزمة بإسقاطها..
أنجبت ساعة الحائط أجنة مشوهة راحت تصرخ ضمن إطارها الدائري كحشرات
مزعجة في وكرها ، ففاقت سلاف، وبحركة غير إرادية أعدمت هذه الفوضى بإزاحة
البطارية من مكانها .. وعادت لتنام .. فجأة كشف لها مسبار الظل وجه ندى ، فجلست
تنظر إليها من وراء وسادتها إلى حين
* * *
بعد ثلاثة أيام وجدت سلاف نفسها أشبه بمغامرة مع ندى.. زارتا البحر
أكثر من مرة ، وجالتا في المدينة ..اعتبرت سلاف مشاويرها هذه مجرد تسلية ،
بينما خططت لها ندى منذ فترة ، وأرادت إقحامها في أجواء تطال مسافات أبعد من
الكلية والغرفة وكريدور الوحدة السكنية ..
زارتا أماكن عديدة ، أماكن غير معروفة لهما ، كانتا تثرثران بلا
حدود ، وتقولان أشياء للنسيان فقط ، تبتسمان مثل ولدين يفتعلان مقالب تبدو لهما
في غاية التعقيد والحبكة ليكتشفا أنها مجرد أمور بسيطة وسخيفة لا تسحق سوى
السخرية منها.. انتظرت ندى أن تحدثها عن لقائها الأخير مع وائل ، لم تفعل ،
فتركت لها الحرية ، فكرت ألف مرة بأن تسألها سؤالا محددا عن أمر شخصي ، اعتبرته
تدخلا في شأن لا يعنيها ، سببت لها المحاولة نوعا من الأرق ، على اعتبار أنه لا
توجد أسرار أو حواجز بين الصديقات ، ومجرد التردد أعياها لحين ، ثم تخلصت منه
بأن أخبرتها ندى وبالتفصيل حول هذا الشيء .. عندئذ سخرت سلاف من نفسها ،
وأخبرتها بأنها كانت تود معرفة ذلك منذ زمن ..
بعد هذا الاسترخاء المفاجئ تمنت سلاف أن ترافقها إلى البحر، اعتذرت
ندى لانشغالها بتحضير بعض الأشياء مع زميلتها سوزان ..
خرجت سلاف وحدها ، معتقدة أنها لن تتمكن من زيارته بعد بدء الدراسة
والمحاضرات بشكل جدي ، وفي هذا الوقت لن تكون بينها وبينه هموم الوظائف
وملاحظات المدرسين التي تمنعها من التحكم بطبعها الفضولي وتوحدها معه..
وصلت البحر الذي يبعد عن السكن قرابة الألف وخمسمائة خطوة .. تاركة
وراءها حشرية الوقت ، والمزاج المركب من جزيئات المكان ، ومن أسئلتها التي
أعاقتها في الماضي من لحظات تتمنى أن تجيد التعامل معها كفتاة كبرت وحسب..
تهيأ لها بأن البحر ينتظرها وحدها في مثل هذا الوقت المناسب للتسلية
، أو جالس كشيخ بقرب الصخرة كي يحدثها عن مغامراته ..أوحى لها بأنه خرج من
أعماقه إلى اليابسة كي يقتل روتين الحبس خلف أسوار الماء ويمضي معها وقتا ممتعا
بعيدا عن أمواجه .. تمنت أن تذهب إلى أعماقه .. أطلقت نوبة ظنون وتشابهت مع
طموحها إلى حد وكأنها أبحرت فعلا مع ربان خيالها المشتبك مع زرقة البحر
اللانهائية .. ضربت موجة عالية الشاطئ وكأنها تقول " لقد ولد البحر مني..
واليابسة تنتعش باللعب مع الماء الصديق الذي لا تحب أن تفارقه أبدا.." استسلمت
لبلادة وديعة وراحت تحدق في الأفق البعيد ..
أوحت لها النوارس المتفرقة بنوع من الشعور بعزلة فجة، شعور معاكس
لما توحيه بالعادة من تفرد وبساطة وجمال.. نظرت إلى صيادين عائدين من بعيد بشيء
من اللامبالاة .. رقعّتها بتذكر " النو " الذي حكى لها والدها عنه حكاية
طويلة.. تذكرت نصفها ونسيت الباقي .. وفشلت في ترتيب مقارنة بين داخلها وأعماق
البحر.. ارتعبت وهي تتصور تلك الأعماق المجهولة لدى كليهما.. ابتعدت عن
محاولة تحريض ذاكرتها ، وتركت لجسمها يتحرك كيفما يشاء ..
جلست بجانب الصخرة الكبيرة التي بدت كخيمة بحرية مفتوحة من جميع
جوانبها .. تراشقت بعض المواقف كأنها على موعد مع ما قاله أخوها ماهر عن البحر
" أرجوك كرري زيارته ، وبلغيه تحياتي ، فهو صديق قديم .."
ابتسمت ، واستعادت أفكاره بشكل متقطع عن القوارب التي لا تعود ، أو
القوارب التي تعود فارغة من إفرازات البحر.. هي التي تعلمنا ألا ننتظر ، وبعد
فقدان الأمل بالنسبة للذين ينتظرونها على الشاطئ يذهبون لتدبير مصائرهم بعد
نسيان ما حدث ، إنها فرصة رائعة لتدبر أمورهم بعيدا عن المغامرة ..
" الشاطئ ليس دائما مصدرا للنجاة .. بل هو بداية أخرى لتعبٍ .. "
وانتهت عند قوله .." من عيوب البحر أنه يكرر نفسه كأبله"..
شككت في معنى هذا القول غير اللائق ، تقدمت من الماء ، لمسته بهدوء
، أحست بملمس حريري ناعم .. وهمست : " هل هو في أعماقه ناعم مثل هنا .. ؟! "
قبل أن تستدير باتجاه السكن، تراءت لها تلك اللوحة التي رسمها لها
ماهر عن شق كبير حدث في الأرض يوما ما ليكون البحر، الأشبه بجرح عميق في الأرض
، جرح لا يندمل وغير مؤلم ، جرح نزيفه خير..
خطت بهدوء على وقع همسات جاءت من باطنها ،أو ربما من مكان لا يبعد
عنها أكثر من مسافة إصبع .. أحست أنها على مقربة من شيء ينبض ، شيء لا يشبه
البحر ، ولا يشبه دقات قلبها التي تصغي إليها أحيانا عبر لمس الطرف الوحشي من
المعصم ، وتخاف منها .. هذا الذي ينبض يختلف عن خطواتها القادرة على كبت سمعها
بعدم الإصغاء إليها .. ودون أن ترهق الأسئلة مشت الهوينى تتبع سحر هذا العالم
المحيط بها وكأنه يحتفل بحضورها المؤنث ..
تمتمت كلمات مبهمة عن الوحدة والصديقات ومصدر الإلهام والإفراط في
الدراسة .. وجدتها غير مترابطة ، وتفهمت
حدسها جيدا كأنها تقترب من لحظة تنتظرها .. قذفت حصى ناعمة من يدها
، و رفعت رأسها ليتراءى لها السكن من وراء شجيرات قصب ، تمهلت ونظرت إليها ،
قطفت ورقة ومررتها على خدها ، كانت خشنة ، وبدا السكن مثلها ليس له تعريف محدد
، أو مثل جدول ضرب بالنسبة لتلميذ مبتدئ .. تسمرت في مكانها كأن الأرض تسحبها
للأسفل ، استمتعت بهذا الشعور الذي أضاف له حفيف أوراق نباتات القصب وشجيرات
الصنوبر الإحساس بالأمان ، تذكرت قول ماهر عن الغابة التي تشبه هذا التداخل
الفطري للأشجار من حولها مع القصب الشامخ " الغابة كالوطن الذي يحرس ساكنيه
ويحميهم ، ولا يدعهم يحتاجون شيئاً ، لا توجد فيها أية وحشة أو خيانة أو مكانة
للتطفل .. لا توجد شريعة الغاب ، وإنما الشريعة موجودة للبشر فقط .. شريعة
يضعونها ويخالفونها .. شريعة الوحش أن يأكل ويشبع ويستريح .. وشريعة البني آدم
يأكل ويحارب ويبني غابة لنفسه وشريعة منوطة بترتيب أوضاعه المتأزمة .. " ضحكت
.. وكادت تصدق كل ما قاله أخوها، لكنها اعترضت على جملة طالما رددها حول الشجر
وأولاد الغابة وأحفاد الماء " بأن للشجر عيونا ، وهذا العيون لا يراها الإنسان
لأنه يفتقد القدرة على الاعتراف .."
كانت ستردد أقوالا أخرى سمعتها من جدها الطيب عن الأشجار والأرض ،
تمنت أن تكون هي القائلة والمجربة.. ساقتها هذه القافلة الطويلة للأفكار إلى
العبور على سكة مفاهيمها الخاصة.. توحدت مع قدرتها الكامنة في لحظة كانت بأمس
الحاجة للتوافق مع نفسها .. كانت تسير وكأن ماهر يمشي بجانبها ، يحدثها ويقرأ
لها الشعر ويحكي عن آخر مغامرات رفقائه ..
<< - لاتكوني مثل أحد ..
|